Qur'an&Sunnah

Ahmed Zerrûk — Uddetü'l-Mürîdi's-Sâdık (tasavvuf âdâbı)

Sección V01/P196–V01/P198

وليستعمل حينئذ حسن الأدب في الانقياد له في أوامره وترك مخالفته، وأن لا يكتمه شيئا من أسراره وأن لا ينتقل عنه إلى غيره، وكذلك إن كان له صاحب أو أخ يسلم معه دينه، ويجد معه موافقته في دنياه، ويدخل في هذا الزوج والزوجة، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه، (وكم من شخص مبتلى بصاحب يخسر معه دينه ودنياه، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في القيام بحق صحبته، والوفاء بأخوته، وكذلك إن أقيم في سبب يجد منه كفايته وغناه عن الناس، فليفرح بذلك وليشكر الله عليه) (¬1) وكم من شخص مبتلى بالالتجاء إلى الناس أو عاجز عن التسبب غير راض ولا صابر، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في نصح المسلمين بذلك، وترك الغش # والاجتناب لجميع مناهي الشرع التي يتعرض لها بسبب ذلك، وإن كان في عمل من أعمال البر كتعليم القرآن أو غيره فليحتسب مع ذلك ثوابه، وليترفق في تعليمه ما أمكنه، ولا يجفو على متعلم ولا يظلمه، وليراقب ربه في ذلك، وكذلك إن سمع بمثل هذه النصيحة أو رآها مكتوبة فليشكر ربه على ذلك وليفرح بها، وكم من شخص مصحوب بالغفلة والسهو، أو مستنصح لا يجد ناصحا، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في أمثالها والوقوف على حدودها وبذلها لأهلها. وملاك ذلك كله صدق الافقار إلى الله تعالى والضراعة إليه في أن يوفقه لذلك ويعينه عليه، فمن أعطي ذلك فليفرح به وليشكر الله تعالى عليه، وكم من شخص مبتلى برؤية نفسه واعتماده على عقله وحدسه، وليستعمل حينئذ حسن الأدب في اتهام نفسه في تصحيح الافتقار والضراعة اللذين ذكرناهما، فهذا الذي ذكرناه من أوله إلى آخره داخل في معنى ما ورد به الخبر الصحيح من قوله (ص): ((انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم)) (¬1) وبالله التوفيق، انتهى من (الرسائل الصغرى). وقال في (الرسائل الكبرى): فانظر هذا الطريق ما أسهله وأحسنه وأقربه وأجله وأكمله، وكلاما هذا معناه، ثم قال بعد ذلك: إنما هذا لمن أهل له، وقال في موضع آخر منها: هو طريق الأحرار لا تقبله إلا نفوسهم ولا تسلك به إلا حقائقهم، وقال في موضع آخر: إنه الصراط المستقيم، استنباطا من قوله تعالى: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (¬2) ثم قال: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} (¬3) وقال: إنه أعلى الطرق وأسهلها، فانظر كلامه رحمة الله عليه، وبالله التوفيق. وأما طريق الحرمة فهو بحفظ الأدب مع المشايخ والإخوان وحفظ # حرمة الربوبية بالإيمان والتقوى وقوة اليقين، ولزوم الباب لكل وجه حسب الإمكان والتيسير دون مشقة، وهو لمن وجد شيخا كاملا يربيه بحفظ حرمته معه حتى تنصبغ نفسه بذلك، فتكون معاملته للحق بعد أتم من معاملته مع الشيخ، ونفرد لتفصيل هذه الجملة فصلا وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... 61 - فصل في لوازم الفقير في نفسه ولوازمه في حق شيخه وحقه على الشيخ وحقه على الفقراء وحق الفقراء عليه على الجملة والتفصيل أما لوازمه في نفسه فهي أربعة: أولها: لزوم الصدق في الأقوال والأفعال والأحوال، حتى يصير كله صدقا ظاهرا وباطنا، فلا تبقى له همة ولا إرادة ولا عزمة ولا قول ولا طريقة ولا حقيقة إلا دخلها من الصدق ما يحتاج إليه فيها، فيقلده الحق تعالى لذلك سيف الجلال والهيبة والتعظيم، كما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {في مقعد صدق عند مليك مقتدر} (¬1) وقوله تعالى: {أن لهم قدم صدق عند ربهم ...} (¬2) الآية. قال شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض): والصدق هو سيف الحق قلده الله أرباب الحقائق، ما وضع على شيء إلا قصمه، ولا تطيق الموجودات مقابلته ولا قوته، أعني مفاجأة الحق للعبد بما يحصل من الشهود والوجود الذي يحصل من الله لعبده، وهو تجل من التجليات، وهو نوع من تجلي الحق سبحانه، والله الموفق للصواب.

Sección V01/P198–V01/P201

الثاني: الانحياش إليه تعالى في جميع الأمور من عوارض وأغراض # وأسباب وأعراض ومحن وأمراض، بل جميع ما يحتاج إليه دفعا وجلبا مما قل وجل، وهو معنى قولنا حسبنا الله، أي: اكتفينا به عن كل مطلوب سواه بكل حال، ولذلك قال أبو علي الدقاق (ض): من علامة المعرفة ألا تطلب حوائجك كلها إلا من الله تعالى: قلت أو جلت، مثل موسى (س) اشتاق إلى الرؤية فقال: {رب أرني أنظر إليك} (¬1) واحتاج يوما إلى رغيف، فقال: {رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير} (¬2) انتهى. وثمرته الظفر بالمراد، قال الله تعالى في حق الذين قالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} (¬3) فاعرف ذلك وتأمله حقه تجد الكنز الأعظم، والإكسير الأكبر، والمسك الأذفر، والعنبر الأشهب في بابه، وبالله التوفيق. الثالث: الرضى عن الله في جميع الحالات، قياما بحق الأمر في التكليف، وبحق القهر في التعريف، وثمرته الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة لقوله تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} (¬4) قال عبد الواحد بن زيد (¬5) (ض): الرضى باب الله الأعظم، ومستراح العابدين، وجنة الدنيا، اتتهى وهو عجيب. الرابع: إفراد الوجه في التوجه باتباع السنة، وشهود المنة كما تقدم تفصيله، فانظره هناك، وبالله التوفيق. وأما لوازمه مع شيخه وحقه على الشيخ فأربعة تقابلها أربعة: أولها: حسن القبول لما يلقيه إليه من أمر المعروف، أو حسن # التخلص إن ألقى خلافه، حتى لا يعمل بمنكر ولا يستظهر بمخالفة، ويقابله كمال النصيحة، والاهتمام بالوارد والصادر من أحوالك عليه، لأنك مطروح بين يديه. الثاني: حفظ الحرمة في الشهادة والمغيب، بأن تخدمه ولا تبالي، وتعادي لأجله وتوالي، ويقابله بذل المجهود في تحصيل المنافع العينية والغيبية، بأن لا يدخر (¬1) عليك مالا ولا جاها، ولا حالا ولا همة ولا غير ذلك، ليكون لك كما أنك له، فيلحظك بهمته، ويعينك بدعوته، ويؤيدك بعزمته، ولا يدع منك عورة إلا سترها، ولا خلة إلا سدها، ولا حسنة إلا عدها، إلى غير ذلك فافهم. الثالث: حصر الأمر في جهته لكل مهم دنيا ودينا، فهو وسيلتك إلى الحضرة المحمدية، علما وعملا وحالا، وهي وسيلته إلى الله تعالى، فتمسك به بكلك، يكن لك بكله حتى يريح الحق تعالى خاطره من التهمم بك، بقضاء حاجته فيك، وهذا معنى قولنا: خاطرك، أي ليكن على بالك، لعل الحق ينظر إلى قلبك فيريحك منه، وكذا (كل) (¬2) شيء لله إذا قصد به الطلب، والله أعلم. الرابع: أن تراعي أحواله معك فلا تتعدى أدبا في محله، والحالات أربعة؛ حالة يعاملك فيها بالأبوة (¬3) من التأديب والتدريب والتهذيب، وحقك فيها الرضى والقبول، وحالة يعاملك فيها بالأخوة من النصح والمعاضدة، وهو مقام التوبة والتقوى، وحقه عليك الثبات على العهد ولزوم العمل بالقصد، وحالة يعاملك فيها بالأبوة من الذب عن عرضك ومالك ومروءتك # ونحو ذلك، وحقه عليك في ذلك السمع والطاعة، وحالة يعاملك فيها بالمشيخة من التربية والترقية، وحقه عليك فيها ألا تكتمه شيئا من سرك، ولا تخالفه في شيء من أمرك، لأن الطبيب لا يقابل بالنظر والقياس، والله أعلم. وأجمع ما في ذلك قول الشيخ أبي مدين (ض): وراقب الشيخ في أحواله فعسى ... يرى عليك من استحسانه أثرا وأما حقه على الفقراء وحقهم فإسقاط الحق والكلفة مع وجود المحاسنة والألفة، فقد قال (ص): ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق جسن ...)) (¬1) الحديث.

Sección V01/P201–V01/P205

فخض أولا بالتزام التقوى، ثم الاستدراك بالتوبة عند الوقوع، ثم بمعاملة الخلق بالحسنى، ومرجع ذلك لأن تعامل الخلق بما تحب أن تعامل به أو أوفى، وتحقيقه أن تقدر نفسك في محل من تريد معاملته وبالعكس، فكل ما تريد أن يعاملك به عامله بمثله من غير تفريط ولا إفراط، ومدار ذلك على ملك النفس عند الشهوة والغضب، حتى يقع العدل في كلا الحالتين، ففي الخبر: ((ثلاث منجيات وثلاث مهلكات وثلاث درجات وثلاث كفارات، فالمنجيات: خشية الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ...)) (¬2) الحديث، رواه أبو نعيم وغيره، وفي # الصحيح (¬1) قال (ص): ((المؤمن كيس فطن حذر، ثلثاه تغافل، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)) (¬2). وقال ابن مسعود (ض): خالط الناس وزايلهم ودينك لا تكلمنه (¬3) ويقال: الفقير مثل الأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح. وقد قال عيسى (س) للحواريين: بحق أقول لكم أين تنبت الحبة، قالوا: في الأرض، قال: فكذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب مثل الأرض. قال بعض المشايخ: طريقنا هذا لا يصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل (¬4) انتهى، وهذا القدر كاف لمن وفق في باب المعاشرة، وبالله التوفيق. ... 62 - فصل في اعتبار النسب بالجهات والأقطار وما يعرف به رجال كل بلد من الدلائل الخاصة والعامة، حسب ما هدى إليه الاستقراء ووصلت إليه الفراسة الحكيمة وهو أمر يحتاج إليه في تعريف الأصول ليعمل عليهم في الحذر طلبا للسلامة من الاغترار، وفي المعاملة خشية التضرر بالمخالفة، وليتق كل ما يغلب على بلده وجنسه من الأخلاق المذمومة، فينجو من شرها، ولا يقع فيها من حيث لا يعلم، وإن وقع فيها عرف أنه مخطئ، فلا يتوهم صوابه بمجرد هواه الذي يعينه عليه، وجود الإلف والطبيعة فافهم، وهو أمر أشار إليه الشارع (ص) بقوله فنجد (¬1): ((الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان)) (¬2) وقال (ص): ((السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الخيل، والغلظة والجفاء في الفدادين، تباع أذناب الإبل والبقر)) (¬3) وقال (ص): ((أسلم وغفار خير من # جهينة ومزينة)) (¬1) وفي حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وكمل بالعابد، أن العالم قال له: اخرج من أرضك فإنها أرض سوء (¬2) وتكلم أحمد بن حنبل وبشر (¬3) في العراق بوجوه من الذم، وكذلك عبد الله، بن مسعود وغيره، وذكره الغزالي في كتاب المحبة في باب الرضى (¬4)، منه فانظره، وهذا كله غير ضار، لأن مقصده التحذير، فلا يكون اشتغالا بالعيوب، وليس بغيبة، لعدم انحصار العين، إذ لا غيبة في غير محصور بفهم ولا نص، لاحتمال خروجها من العموم كما نص عليه الأئمة، والله أعلم. ثم نقول وبالله التوفيق، اعلم أن المغاربة تغلب عليهم الحقيقة (¬5) دون الطريقة (¬6)، في كل شيء، فطريقتهم في كل شيء تابعة للحقيقة غالبا، وأهل المشرق تغلب عليهم الطريقة في كل شيء، فحقيقتهم في كل شيء تابعة للطريقة غالبا، والطريقة تابعة للحقيقة أبدا لأنها نتيجتها، كما أن الحقيقة أصلها، بخلاف الطريقة، فإنها قد تكون مصحوبة بالحقيقة، وقد لا أعني من حيث صورتها، وإلا فمن حيث حقيقتها لا # تصح بدون حقيقة، لأنها شرط وجودها، وما وجد عريا عنها فليس بتمام في حكمه، وإن كان ظاهر صورته الكمال، فاعرف ذلك، والخارج من ذلك أن المغربي إذا ظهر بصورة حق لا يصح أن يشك في تحققه بها، ما لم يخالط المشارقة، فيتهم بما هم عليه، بخلاف المشرقي فافهم. وأهل الجنوب يغلب عليهم الخبط والاغترار وعدم التوقف في الأمور مع شيء من اللين وخفة العقل، وقلة التذكر، وإن كانت الحقيقة أمس بقلوبهم، فالطريقة التي هي الأدب، مفقودة منهم في الغالب، والله أعلم.

Sección V01/P205–V01/P208

وأهل الشمال يغلب عليهم التوقف والتنكر وقلة المكر مع الجفاء والغلظة وشدة البأس وسريان الحقيقة في الحركات على وزن يقارب الطباع، ويبعد من الانطباع، فلهم إلمام بالآداب على وجه قليل في الغالب، والله أعلم. ثم ما قرب من المغرب كان على وزنه في الوجه، وما قرب من المشرق له حكمه، ولذلك كان أهل المغرب الأقصى موسومين باستحقاق ما يعاملون به من لين أو غلظة، كما أشار إليه القرآن في قصة ذي القرنين، إذ قال تعالى: {إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا} (¬1). وقيل في أهل الأندلس: إنهم أهل حمق وتناصف، وفي أهل الجبال: أنهم أهل وبال، وأهل السواحل أهل لين وقلة دين، ويقال: المغربي كالجوزة، ظاهرها قاس وباطنها طيب، والإفريقي كالثمرة، ظاهرها لين وباطنها قاس، والمصري مثل حبة التين طيبها طيب، ولكن لا يدوم، وخبيثها لا يمكن جبره. فأما الحجاز واليمن وما في معناهما فأسلم الناس طباعا وأحسنهم حالا، لتوسطهم بين الجميع حكما وحكمة، ولذلك كان الإيمان يمان # والحكمة يمانية (¬1)، ومكة أم القرى والمدية قرية تأكل القرى (¬2)، وهذا كله في العموم، وإلا ففي كل قطر سادات، وفي كل محل قادة يعرفون بالخروج عن رديء طبائع الجهة التي هم فيها، كالبخل وسوء الخلق عند أهل المغرب الأقصى في الجملة، وقلة الغيرة ورقة الديانة في أهل المشرق، ولهذه الجملة بسط ليس هذا محله، وبالله التوفيق. ... 63 - فصل في آداب مهمة على الفقير يتعين عليه مراعاتها وأهمها غناه بربه على كل حال، وذلك بستر حاله عن أشكاله، فلتكن غيرة الفقير على فقره أكثر من غيرة الغني على غناه، فإن كان على التجريد فلا يأخذ بإشراف ولا تعريض ولا إلحاف، ولا يتعرض جهة إلا بثمنها، إلا في الأمر التافه، ولا يسامح نفسه في الترخص في الأخذ، ويحذر آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، وكل مريد مال لركوب الخيل ومواقف الرئاسة واللهو فهو مخدوع. وكذلك إن آثر المصالح العامة أو اشتغل بتغيير المنكر في العموم، حيث لا يجب عليه بوجه واضح لا ضرر فيه ولا إذاية للمسلمين، أو سره ميل القلوب إليه أو إقبال أصحاب المراتب عليه، أو أخذ بالفضائل الجمهورية المغيرة لقلوب الأمراء، والمشاركة لهم في مراتبهم كالجهاد ونحوه دون أمر منهم، أو مع عورات إخوانه أو تشوف الأخبار الغيبية دون ضرورة، أو تولع بالأراجيف والأخبار السلطانية واستجلاء الكلام فيها، أو عظم الأغنياء على الفقراء، أو احتقر أهل النسبة للطريق، أو رأى لنفسه رتبة # فيهم بغير شاهد من الحق ولا الحقيقة، أو آثر السماع على وجه الدوام، أو على وجه يتضمن محرما أو مكروها لا وجه له، أو خرج عن الأدب فيه ظاهرا أو باطنا مع علمه به، أو أحب أن يطلع الناس على حقيقة حاله مع الله أو يروه في صالح أعماله، أو آثر الحقيقة على الطريقة، أو فرق الطريقة من الحقيقة، أو أكثر الجمع (¬1) والاجتماع، لا لفائدة علمية، أو همة حالية، أو عزيمة عملية، أو رأى العمل ناقصا، أو العلم يكفي خالصا، أو حكى حكايات الرجال واتخذها حالا لنفسه، أو تشبع بحالة ذهبت عنه، وادعاها على الدوام، أو ظهر بما ينافي دعواه من خوارق الشريعة، أو اشتغل بأحوال الرجال ردا وقبولا، أو حكاية وتفضيلا، أو نظرا وتعليلا، أو مال للأحداث بلا سبب واضح، أو خالط النسوان والظلمة بأي وجه كان، من غير ضرورة ملجئة، أو أخذ برقيق العلم قبل كثيفة، أو بكثيفه دون رقيقه، أو عادى الفقهاء (¬2) بعلة الانتساب، أو أحب المنكرين بعلة السماح، أو تصدر للتربية دون شيخ يأمره، أو إشارة إلهية تدله، أو اتبع كل من يراه من صادق أو غير صادق، أو أساء الظن بظاهر بالنسبة، أو اغتر به في حاله دون اختبار ولا تحقق لحاله، أو كثر المشايخ والأسفار من غير استفادة، أو جعل الزيارة (¬3)، هجيراه، واتباع (¬4)، الجهل وجعله وطنه، أو قدم الباطن على الظاهر، أو اكتفى بالظاهر عن الباطن، أو آثر من أحدهما ما لا يوافق عليه الآخر، أو اكتفى بالعلم عن العمل، أو بالعمل عن العلم، أو بالحال عن أحدهما أو عنهما، أو بهما عن الحال، أو الجميع عن التحقق، أو بالتحقق عن التمكين، أو بالكرامة عن الاستقامة، أو لم يرجع لأصل في استقامته، أو يعتمد على أستاذه دون همة ولا عمل سنة، أو يهمل أقوال العلماء في حاله، أو يشغل نفسه بالشفاعات، أو يتوسع في الدنيا بعلة الديانة، أو يستكثر من المباحات مع غناه عنها، أو يعاد وقته فيما يعارضه من خفاء أو # ظهور أو غيرهما، أو يسترسل مع ما يعرض له دون توقف ولا عمل بمقتضى الشرع والحقيقة فيه، أو تأثر بما ينقص فيه من دنياه، أو لم يبال بما فات من ديانته، ولو في باب المندوبات، أو تحامل على إخوانه في مال أو عرض أو غيره، بعلة طيب نفوسهم، لا بما يتوقعه (¬1) يكون واقعا بفعله، أو ذكر ذنوبه ولم يحققها بالبرهان على نفسه، أو ذكر نعم الله عليه ولم يقدرها تفصيلا في نفسه، أو نظر إلى الخلق فيما هم فيه، أو لما يجري عليهم من إقبال أو إدبار من حيث هم، أو استهان بمروءة نفسه لغير ضرورة واضحة، أو أشفق على نفسه فيما يتعين عليها، أو دخل فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه، أو أراد أن يكون سالما في دينه واليا في الحكم وليا في الحكمة، أو ترك الأولى في أقواله وأفعاله اقتصارا منه على قدر الواجب، أو تعزز بطريق الله وتجاهي (¬2) بها على من يناصيه أو يناديه، أو افتخر بكثرة الأتباع له أو لشيخه أو لطريقه، إلى غير ذلك مما هو نقص في الحال وعقوبة في المآل، أعاذنا الله من البلايا بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

Sección V01/P208–V01/P210

... 64 - فصل في الأسباب الموجبة لانقلاب المريد ورجوعه على عقبه وأصولها خمسة: أولها: حب الرئاسة والاستظهار بالخصائص، فإن أراد أن يطلع الله الناس على عمله فهو مراء، ومن أحب أن يطلع الناس على حاله، فهو كذاب، وعن قريب تزل قدمه في مهواة التلف. قال في الحكم: استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على # عدم صدقك في عبوديتك، وقال أيضا: متى أهمك عدم إقبال الناس عليك أو توجههم بالذم إليك، فارجع إلى علم الله فيك، فإن كان لا يقنعك علمه فيك، فمصيبتك بعدم قناعتك بعلمه أشد ممن مصيبتك بوجود الأذى منهم، وقال بعض المشايخ: من أشار إلى الحق وتعلق بالخلق، أحوجه الله إليهم، ونزع الرحمة من قلوبهم عليه. وفيما كتب لنا الشيخ أبو العباس الحضرمي (ض): عش خامل الذكر بين الناس وارض به ... فذاك أسلم للدنيا وللدين من عاشر الناس لم تسلم ديانته ... ولم يزل بين تحريك وتسكين فإذا فرض المريد دفن النفس في أرض الخمول، وإيثار الأذى من كل شيء، حتى يأتيه من الحق في ذلك ما يغلبه بأن لا يقدر على دفعه، فليقم بواجب وقته، وحينئذ يقال له: من أراد الظهور فهو عبد الظهور، ومن أراد الخفاء فهو عبد الخفاء، وعبد الله، سواء عليه أظهره أو أخفاه، كما قاله الشيخ أبو العباس المرسي (ض). الثاني: حسن ظنه بنفسه فيما هو به، بحيث يظهر له أنه بلغ مبلغ الرجال أو ما يقرب منها، فيرى أن اختلاف الأحوال لا يؤثر (¬1) فيه، فيأخذ بالسماع والاجتماع والإكثار من المباحات والاتساع في الخلطة والانبساط في المباسطة، ويؤثر العلوم الدقيقة، فيستأنس بمواجيد ذلك كله، ظنا منه أنه فتح له، حتى يقع في إساءة الأدب، فيرد من حيث لا يعلم، وقد قال أبو حفص الحداد (ض): من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات، ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أيامه فهو مغرور، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها، وكيف يصح لعاقل الرضى عن نفسه، والكريم ابن الكريم ابن الكريم يقول: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} (¬2)، انتهى، وهو عجيب في بابه. الثالث: الغفلة عن تفقد أحواله، ومحاسبة نفسه في جميع أموره، وذلك مفتاح سوء أدبه من حيث لا يشعر، بل حتى يظن أنه على شيء، وليس عنده شيء، وقد قال أبو حفص (ض): التصوف كله أدب، (ولكل وقت أدب، ولكل حال أدب) (¬1)، ولكل مقام أدب، فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيع الأدب، فهو بعيد من حيث يظن القرب، ومردود من حيث يظن القبول انتهى، وهو تنبيه عظيم لا يقوم به إلا مراقب لكل شيء منه في جميع الأحوال، فافهم. الرابع: تعليق القلب بالاستفادة من الناس، بأن يشتغل بطلب الشيخ ويتعلق بمن يتوهم هذه المرتبة، فإن ذلك يقضي بوجود الاغترار بمن ظهرت عليه آثار نفسانية وشغل قلبه بالتشوف للجهات، فيتشتت مرة ويضل أخرى، وربما وقع في مهواة باغتراره، وفي فترة بطلبه، أو في وقفة بلقائه من ترضى حاله، (ولكن ليجعل همته في رضى مولاه، عالما أن رضاه في صدق التوجه إليه) (¬2) ولا توجه إلا ما جاء عنه من أمر ونهي في باب الواجبات والندب وغيره، حتى يفتح له بشيخ من عنده، لأنه منحة منه تعالى كما تقدم، وقد ورد في الخبر: ((في كل واد من قلب ابن آدم شعبة، فمن تبع قلبه تلك الشعاب لم يبال الله في أي واد أهلكه)) (¬3) الحديث، اللهم إلا أن ينزل به ما يحتاج للشيخ فيه، فيتعين طلبه لذلك، والله يعينه بفضله.

Sección V01/P210–V01/P213

الخامس: اتباع التأويل، وبساط الميل إلى الرخص، وتوق النفس، من ضيق التوجه وقلة الصبر على المجاهدة مع مبادئ التنوير، فلا يكاد يقع في شيء إلا رآه كمالا، أو يستدل له بدليل يظنه نورا وهو ظلمة، فيكون تارة من {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} (¬4) وتارة # ممن {زين له سوء عمله فرآه حسنا} (¬1) وتارة: ممن {اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} (¬2) وتارة: ممن {اتبع هواه بغير هدى من الله} (¬3) ولا يزال به الأمر حتى ينتهي إلى حد الابتداع، ثم إلى حد الزندقة والكفر، كل ذلك من انتصاره لنفسه، وظنه الحق في موضع الباطل، وهو باب من الجهل كبير. قال في الحكم: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد، فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد، وقد تقام مقام البعد من حيث لا تدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد. قال ابن خفيف (¬4): استدامة الكد، وترك الراحة، وليس شيء أضر على المريد من مسامحة النفس في قبول الرخص والتأويلات، وقال يوسف (¬5) بن الحسين (ض): إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص، فاعلم أنه لا يجيء منه شيء، وقال أبو إسحاق بن شيبان (¬6): من أراد أن يتعطل # ويتبطل، فليلزم الرخص، قال ابن عباد رحمه الله: ويعني بالرخصة هاهنا كل ما كان مضادا لحال المريد من تناول الشهوات واللذات، والميل إلى المألوفات والمعتادات، والركون إلى الدعات والراحات، وارتكاب الشبهات والتأويلات، فإن حال المريد يقتضي مباينته لهذا كله، وإن كان بعض ذلك مباحا في رخصة الشرع لعامة الناس. انتهى، وفي كلامه تلفيف يحتاج إلى بيان معنى، وتحقيق وبسط وجه، وبالله التوفيق. ... 65 - فصل في الرخصة والشهوة والشبهة والتأويل وحال المريد في ذلك ومعاملته فيه اعلم أن الناس ثلاثة: الأول: عارف يتصرف بالفناء على لسان العلم، ولا حديث لنا معه لكماله. الثاني: عامي يتصرف بالعلم على وجه إسقاط الحرج، ولا كلام لنا معه لأنه تابع للفقه. الثالث: مريد يتصرف بالعلم على بساط الحقيقة، فحقه أن يحفظ ظاهره من النقص، وباطنه من الغفلة، وذلك يقتضي استغراق حركاته فيما يرضي الله عنه، ولا يقدم على شيء إلا بنية، ليكون له من كل شيء أمنية، ويأخذ منه بالمحقق، ويدع المحتمل، ويأخذ من المحقق بما هو الأولى أبدا، وبحسب ذلك فهو يفارق ما فيه (مغمز ما) (¬1) وقد عرف أن الرخص والشهوات من ذلك في الجملة، لكن لها من حيث الشرع وجوه تكون فيها كمالا، فكل رخصة أجمع المسلمون أو جمهورهم على استحباب العمل # بها، أو قال بذلك فيها إمام المريد في ديانته، فهي نور وعليها تنزل قوله (ص): ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تترك عزائمه)) (¬1). مثال ذلك القصر في السفر، والترفق في العمل، والإفطار بدلا من صيام الدهر، ومباسطة الأهل، والكذب في الإصلاح بين الناس حيث يؤمن، إلى غير ذلك مما ندب إليه أو أبيح، غير مقيد بضرورة أو تقيد بمصلحة شاملة النفع في نظر الشارع، وكذا كل شهوة في طيها قربة، غير أنه ينبغي له أن يتثبت فيها، بأن لا يقدم عليها ابتداء دون تحقيق المناط فيها، مثاله أن تدعوه نفسه لأهله في النكاح، وتبدي له علة من خوفه على نفسه التشوف أو إعفافه أهله ونحو ذلك، فلا يجيبها بأول مرة، بل يتوقف إلى تحقيق ما تدعيه بوجه لا شك فيه، وكذلك إذا طلبته بتناول شهوة من مأكول ونحوه، فليعزلها عن الطلب والتشوف بالإياس حتى لا تعتاد ذلك.

Sección V01/P213–V01/P216

ثم إن جاءت من وجه مباح دون تسبب ولا تعريض ولا إشراف، فلا يتركها، لأن الشهوات لا تترك لذاتها، بل لما تؤدي إليه من الغفلة أو التحامل على ما لا ينبغي، أو الإغماض (¬2) في خلاف الحق، أو تفويت مندوب بسببها، فلذلك تركها القوم لا لذاتها، ولذلك أشار الأثر المروي عن بعض الأنبياء: أن الله تعالى أوحى إليه حذر قومك الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها محجوبة عني (¬3) وقال (ص): ((المؤمن يأكل بشهوة أهله ...)) (¬4) الحديث. وقال في الحكم: المؤمن يشغله الثناء على الله عن أن يكون لنفسه شاكرا، وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا انتهى، ومعناه أنه يذم ربه فيما ينعم عليه به فلا يتفرغ لثنائه على نفسه، لاشتغاله بحمد مولاه وشكره، ويذم حقه فيما يرومه من الحظوظ، فلا يدخلها إلا بأمر منه، فتكون عاملا له لا لحظه، والله أعلم. فإن قيل: كل مباح لا يخلو عن شهوة والعبد مضطر إليه. قلنا: الخلاص من ذلك بذم حق الله فيه، فما لم يكن الباعث عليه حق الله، فلا تقربه، ولذلك طلب من المريد أن لا يأكل إلا من فاقة، ولا ينام إلا من ضرورة، إلى غير ذلك، فافهم، ومتى تأخر ذم الوجه عن الواقع، فهو تأويل لا عبرة به، وضرره أكثر من نفعه، إلا أن يفيد استغفارا، أو تذكرا للمستقبل فلا بأس به، والفرار منه أحسن. ثم من الرخص والشهوات ما أجمع المسلمون على إباحته، أو قاربوا الإجماع، كالسلم والفطر في السفر، والسلف، وعدم البحث عما في الأسواق أحلال هو أم لا، ما لم يتعين أو تقوم شبهة فيه، والصلاة خلف أئمة الأمصار والقرى المعتبرة دون بحث، ورأوا أن البحث فيه من التنطع، وهو أيضا ممن حيز الرخص المحبوبة، لكونه من سماح الدين وسهولته الذي لا تطيب به إلا نفس مؤمن سليم الصدر، فإن الرخصة تحيك في صدر المشمر، كما تثقل العزيمة على المقصر، فلذلك قوبلت بها. وإنما الرخصة المذمومة عند القوم الرخصة المكروهة، كترك معتاد الفضائل والاسترسال في العاديات، أو التوسع في المباحات، أو الرجوع في المندوبات، أو الدخول في جلي الخلافيات، لا لضرورة فادحة، فإن توقى الشبهات لازم لكل مؤمن، فضلا عن المريدين، لكن شبهة الخلاف قل أن ترتفع عن مسألة في الفروع، لقلة مسائل الإجماع، لكن ما قويت شبهته أو كان الاحتياط يساعده لزمت مراعاته، وإلا فلا حرج في الدين، والخروج من الخلاف مستحب اتفاقا حسب الإمكان، واختلاف العلماء رحمة. وقد كان بعض مشايخنا يقول: ليتنا لا نخرج من دائرة الفقه، بل ليتنا لا نخرج من دائرة الخلاف. وكان الشيخ أبو إسحاق الجبيناني (¬1) (ض)، يقول: اكتسب بالعلم، وكل بالورع، وهي نكتة عجيبة، يخرج بها من الضيق، ويدخل بها في الاحتياط، ثم شك بلا علامة وسوسة، والترجيح عند المعارضة أصل مطلوب، وسواء بالعلم، أو بالبصيرة عند فقد العلم، والرخصة المضطر إليها خارجة مما ذكرنا، لأنه لا ورع عند ضرورة، أصله إباحة الميتة بل وجوبها لمن خاف على نفسه التلف، وبالله سبحانه التوفيق. ... 66 - فصل في التحصن مما ذكر من الآفات وإصلاح المختل بإدراك ما فات أما التحصن مما ذكر، فبأمور أربعة: أولها: إيثار الأولى في كل شيء، دينا ومروءة، فإن المريد إذا فارق الأولى وقع في دناءة أو زلة أو عيب أو علة، فكان مذموما عند الله، ممقوتا عند أبناء الدنيا، قريبا من كل آفة، بعيدا من السلامة، والله أعلم. الثاني: حفظه حرمة الربوبية، بالوفاء والعزم، والأخذ بالحزم، والوقوف على حد العلم، فإذا عقدت مع الله عقدا إياك أن تحله إلا أن يحله عليك الشرع بوجه لا خلاف فيه ولا تردد، وإذا عزمت مع الله تعالى في شيء فلا تتوقف حتى تمضيه، ولا تؤخر طاعة وقت لوقت فتعاقب بقوتها أو بقوت مثلها، ولا تقدم على أمر حتى تعلم حكم الله فيه جملة وتفصيلا، فإن من لم يحفظ الحرمة فقد أعان الشيطان على نفسه.

Sección V01/P216–V01/P219

الثالث: تعظيم حرمات المسلمين بكف الأذى وحمل الأذى، والإنصاف من نفسك وترك الانتصاف لها، فتتقي أعراضهم، وتبلغ أغراضهم، وتسامحهم فيما لا ينالك ضرره منهم، وقد كان السلف (ض) يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا، بل كما قيل: ارحم بني جميع الخلق كلهم ... وانظر إليهم بعين اللطف والشفقة وقر كبيرهم وارحم صغيرهم ... وراع في كل خلق حق من خلقه الرابع: الحذر والاشفاق واتهام النفس في جميع الأحوال، والحكم عليها بالعلم الظاهر المؤيد بحقائق الباطن، فإنها تنقاد للباطن المجرد وللظاهر المجرد (¬1)، وتحب الإكثار كما تحب الترك، ولا تقبل الوسط إلا بعد مشقة فادحة وجهاد كبير، وهي التي {لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها} (¬2)، كما قال بعض المشايخ، ويرحم الله القائل في معنى ذلك: توق نفسك لا تأمن غوائلها ... فالنفس أخبث من سبعين شيطانا وأما إصلاح المختل، وإدراك الفائت فبالعود إلى ما كنت عليه أولا من الصفاء والتوبة، ((فما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة)) (¬3)، ولا يغرنك الشيطان بقوله: أي فائدة لتوبة لا ثبات لها، نظرا إلى حالك الأول، فإنك بين ثبات وموت على إثر توبة، أو غفران الماضي واستئناف عمل، فكما اتخذت الذنب والعود إليه حرفة، فاتخذ التوبة والعود إليها حرفة، عالما أن توبتك تعرض لنفحات رحمتك، وتوبته عليك منة وعناية، # فتعرض لنفحات رحمته أبدا، لعل العناية تواجهك يوما ما، وقدر أنك لم تقع في الذنب غير هذه المرة، ثم استأنف يستأنف لك، وفي معنى ذلك قيل على لسان الحقيقة: يا غافلا قد كنت عاهدتنا ... ومن بعد هذا قد نسيت الوداد شمر من اليوم ودع ما مضى ... وكن فقيرا ما مضى ما يعاد وقد قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي (ض): تدري ما علاج من انقطع عن المعاملات، ولم يتحقق بحقائق المواصلات؟ علاجه أربع: طرح النفس على الله طرحا لا يصحبه الحول والقوة، والتسليم لأمر الله تسليما لا يصحبه الاختيار مع الله، هذان علاجان باطنان، وفي الظواهر: ازم الجوارح عن المخالفات، والقيام بحقوق الواجبات، ثم تقعد على بساط الذكر بالانقطاع إلى الله عز وجل عن كل ما سواه، لقوله تعالى: {واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا} (¬1). وقال (ض): موت النفس بالعلم والمعرفة، والاقتداء بالكتاب والسنة، وإن أردت جهاد النفس فاحكم عليها بالعلم في كل حركة، واضربها بالخوف عند كل فترة، واسجنها في قبضة الله أين ما كنت، واشك عجزك إلى الله تعالى كلما غفلت، وهي التي: {لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها}، فإن سخرت لك في قضية فجدير بأن تذكروا نعمة ربكم {وتقولوا سبحن الذيي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} (¬2). وقال (ض) بعد كلام في تصحيح العبودية: ومن أخلد إلى أرض الشهوات واتباع الهوى، ولم تساعده نفسه على التحلي، وغلب عن التخلي فعبوديته عن أمرين: أحدهما: معرفة النعمة من الله تعالى فيما وهبه من الإيمان والتوحيد، # إذ حببه في قلبه وزيه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فيقول: يا رب أنعمت علي بهذا وسميتنى راشدا فكيف أيأس منك وأنت تمدني بفضلك وإن كنت متخلفا، فأرجو أن تقبلني وإن كنت زائفا. والأمر الثاني: اللجوء والافتقار إلى الله تعالى دائما، وتقول: يا رب سلم سلم، وقني وانقذني. فلا طريق لمن غلبت عليه الأقدار، وقطعته عن العبودية المحضة لله تعالى إلا هذان الأمران، فإن ضيعهما فالشقوة حاصلة والبعد لازم، والعياذ بالله تعالى، انتهى، والله المسؤول في الهداية والتوفيق بمنه وكرمه. ... 67 - فصل في ذكر أمور عمت البلوى بها في فقراء الوقت وأمهاتها عشرون: أحدها: علم الكنوز والكيمياء والكاغديات ونحوها، وهي دسيسة من حب الدنيا وقلة العقل. الثاني: علم التصريف من الخواتم والعزائم والحروف والطلاسم ونحوها، وباعثه طلب الاستظهار بالخوارق لإقامة جاه، وانتصار من عدو ونحو ذلك. الثالث: علوم الروحاني وتخديم الجان وتصريفه في الأغراض، وأصله نحو من الذي قبله. الرابع: علم الحدثان والتنجيم وما يجرى مجراه من النظر في الاختياريات العلوية والتشوف للاطلاع على الأمور قبل بروزها، وهو (من سوسة) (¬1) الدعوى في النفس.

Sección V01/P219–V01/P221

الخامس: طلب الاسم الأعظم والتعلق بالأسماء لتحصيل خواصها والاستفادة بها مجردة عن العمل والتوجه بالهمة، وهو مفتاح البطالة والضلال. السادس: طلب الشيخ المربي بالهمة أو بالحال أو بالعمل أو بكلها دون أخذ في العمل ولا في سبب من الأسباب، وهو أيضا عكاز البطالة. السابع: الاغترار بكل من ظهرت عليه خارقة، أو الإنكار عليه قبل تحقق حاله بوجه واضح. الثامن: اشتغال الشر بخلاف المهم من العلوم والأعمال دون المهم، وهو أيضا من البطالة. التاسع: وجود الوسوسة والعمل بها ورؤيتها دينا قيما لا يعدل عنها إلا ناقص. العاشر: التعزز بالطريق، والاستظهار بالدعوى الكاذبة وغيرها، للاتتصار وللاستتباع أو لاستظهار. الحادي عشر: سب المنكرين والمبالغة في شأنهم وإن كانوا فقهاء أو أئمة أو غير ذلك. الثاني عشر: التجاسر على المراتب وادعاؤها لأنفسهم أو لغيرهم. الثالث عشر: التظاهر بالطامات والشطحات وعدم الاعتداد بغير أهلها. الرابع عشر: تتبع المشكلات والكلام فيها، مثل مسألة الروح ونحوها. الخامس عشر: جعل العلم حجة لأنفسهم لا عليها، أو يحكمون به على غيرهم لا على أنفسهم. السادس عشر: تعليم العامة علوم التوحيد ودقائق التصوف ونحو ذلك. السابع عشر: تتبع الفضائل مع إهمال الفرائض وإفاتتها. الثامن عشر: إيثار المنافع العامة وأنواع الشفاعات. 68 - فصل أما علم الكيمياء فقد أولع به طائفة من الفقراء وادعوا أن الاشتغال به مهم لتحصيل الفوائد المالية، وإقامة الزوايا وإطعام الطعام ونحو ذلك، وربما يزيد بعضهم أنه من شروط الإيمان، اغترارأ بقول أبي العباس البوني التاسع عشر: الاستظهار بما يستجلب النفوس من الأعمال كالسماع والأحوال كالتواجد ونحوه. الموفى عشرون: التبرك بالآثار وزيارة مقابر الأموات، والانتماء (¬1) إليهم وقراءة أحزابهم والنسج على منوالهم، ونحو ذلك، وسنذكر كلا في فصل يخصه بتفصيله، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ... 68 - فصل أما علم الكيمياء (¬2) فقد أولع به طائفة من الفقراء وادعوا أن الاشتغال به مهم لتحصيل الفوائد المالية، وإقامة الزوايا وإطعام الطعام ونحو ذلك، وربما يزيد بعضهم أنه من شروط الإيمان، اغترارأ بقول أبي العباس البوني: إن العلم به أول المراتب في الإيمان باليوم الدنيوي، وقصده أن تجويز وجوده من اتساع العلم بالقدرة، لا وجود طلبه والتعلق به، إذ لا يتعلق به إلا قليل الدين، قليل المروءة، قليل العقل، واسع دائرة الوهم، بعيد عن دائرة الفهم. أما قلة دينه فلأنه يؤدي إلى محرمات، منها تأذيه ببعض السموم الثائرة منه، كما اتفق لكثير منهم، فمات أو تأذى غيره بها بعده، بواسطة قلبه للعين، حتى تستعمل في بعض الأدوية ونحوها، فيكون سببا في ذلك، وكذلك حرق ما لا يحل حرقه من شعر أو عظم أو تقطير حيوان، وإتلاف المال في غير محقق ولا مضمون السلامة، هذا مع ما يعرض له إن صح # من وجوب البيان الذي لا قدرة له عليه إلا بإلقاء نفسه في الهلكة، وإن لم يبين أكل حراما، ثم إن اطلع عليه ردت شهادته وإمامته، انظر القلشاني (¬1) في بيوع الرسالة عند قوله: (ولا ما إذا ذكره كرهه المبتاع). وأما قلة عقله فتعريض نفسه للتلف، ودينه للنقص، وماله للهلاك، ومروءته للطعن بأمر متوهم، الغالب عدم وجوده بل فقده جملة وتفصيلا، كما قيل: كاف الكنوز وكاف الكيمياء معا ... لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا وقد تحدث أقوام بأمرهما ... وما أظنهما كانا ولا وقعا وأما قلة مروءته فلأنه يعرض نفسه للمقال عند الاطلاع عليه، إذ لا ينسب إلا للتدليس والغش، ولو كان يأتي بأصل الحكمة وينبوع المعادن، وأيضا فلا يصح له ما يفعل إلا بالاحتياج لقوم لا خلاق لهم، واطلاعهم على سره من اليهود وأشباههم من أهل المعرفة بأنواع المواد والوجوه والتحقيقات، وإلا كان ماشيا في عمياء، ومن لم يأنف من مثل هذا في سببه فهو خسيس الهمة، وما يدعيه من الفوائد في جنب ما يحصل له من الشر كنقطة في بحر. واحتجاج المحتج بوقائع الأكابر في ذلك، احتجاج بأمراض وقعت لمن تداركه الله على نفع العلة، ولقد رأينا هذه الصناعة ومن يطلبها مقرونة بالذل والفقر، وقال لنا بعض المشايخ:

Sección V01/P221–V01/P223

ما وقع عليها أحد قط، إلا وقع في فقر الأبد، وهو البخل، أو غنى الأبد، وهو القناعة، حتى لا ينتفع بها، ولقد عاينا ذلك في كل من يتهم بها، فأما علمها مجردا فلا بأس به، لما فيه من الاطلاع على أسرار العالم وحكمة التركيب والتحليل وأسرار وجوده، ولقد كان بعض المشايخ يسلك به من حيث الهمة والفعل، لا من حيث الطلب والتحصيل، فاتهم به وله طريقة. فأما الكنوز فليس في طلبها إلا الطمع، وقلة العقل، والتعرض للتلف في غير حاصل، وهب أن واحدا حصل فآلاف الآلاف ماتوا بغصته، بل تلفوا في طلبه، والدنيا عند أهل الله أقل من أن ينظروا إليها، فكيف يبذلون فيها نفوسهم، وعلة الإطعام علة فارغة، لأن النفقة من القليل الخالص أفضل من الكثير المشوب، بل ولو من الخالص، وبالله التوفيق. ... 69 - فصل وأما الكاغدية فهي فرع علوم الروحاني، ومرجعها لأحد أمرين : إقلاب عين لا يدوم، فلا يحل، لأنه غش حاضر، أو نقل عين، وقد تكون من مال معصوم، فلا تحل أيضا، لأن الأصل ذلك، بخلاف ما يحتجون به من قولهم إنما يأتون به من مال من لا يزكي أو من يسرق حقوق المسلمين من السوقة، فأما ما يدعونه من أن الجان يأخذ المعدن فيضربه في حينه، فأمر داخل تحت القدرة، والأصل خلافه لقوة السرعة، وهذا كله إن سلم العمل من بعض العزائم الكفرية أو المجهولة، أو العمل بالأمور التي لا تجوز، مثل الصلاة لغير القبلة، أو بصفة معلومة لوجه معلوم، أو الوضوء ببول بعض الحيوانات، أو تحريف القرآن والزيادة فيه كسرقة سورة الفاتحة، ودعوة آية الكرسي، ودعوة قل أوحي ونحو ذلك، فإن الأصل في ذلك كله المنع، والرجوع إليه من ضعف الإيمان في منافع القرآن، وإلا فالقرآن كاف بحروفه عما ذكر في جميع ما يراد منه لمن أهل له، ثم علم الروحاني غالبا لا يتفق لمستقيم في دينه، وإن اتفق له فعن قريب ينقلب عليه فيتضرر به، وإن لم يتضرر به حجبه عن العلوم الإلهية، فكان مجعزولا عن المعرفة الخاصة، كما أشار إليه بعض الأئمة، وقال: إذا اختبرت من يصحب الجان لا تجد معه علما إلهيا أبدا، ثم إن أتاه بخير يدخل به في حيز الكهان، لقول النبي (ص): ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرقرها في أذن وليه، كقرقرة الدجاجة، فيخلطون معها # أكثر من مائة كذبة)) (¬1) رواه البخاري، وقد يدعي بعضهم أن ذلك من حيز المكاشفات، ويراه من محادثة الأسرار، وما هو إلا الكهانة، فيرحم الله من قال: أطاعوا الشيطان فأطاعهم، وحصلت لهم المصادقة فسموها مكاشفة، أعاذنا الله مما ابتلاهم به بمنه وكرمه. 70 - فصل في الاشتغال بعلوم التصريف من الحروف ونحوها وقد أولع به كثير من الفقراء وغيرهم، ولا سيما أهل المشرق ومن قاربهم، فوقعوا في السحريات، وعملوا بالمجهولات التي بعضها إساءة أدب، وبعضها كفر أو صورة كفر، كما أشار إليه مالك رحمه الله: وما يدريك لعلها كفر.

Sección V01/P223–V01/P226

وقد وقع ذلك لبعض الأسرى أنه كان يعزم على جان بحضرة نصراني، والنصراني يضحك منه، فقال له في ذلك، فقال: عجبت منك، تسب ربك ونبيك وأنت لا تشعر، وقد وقعت لبعض الناس على شيء من ذلك ولم يمكنني الإنكار عليه، فقلت في نفسي: صدق مالك رحمة الله عليه، ومن أجاز ذلك استند لحديث: ((أعرضوا علي علي رقيكم))، ثم قال: ((لا أرى بأسا)) (¬2) اعتبارا بأن الأصل السلامة - بعيد من أصل مالك في سد الذرائع -، وقد أنكر ابن الحاج حفائظ السنة التي يكتبونها بالبلاد في آخر جمعة من رمضان، وبالغ فيها غاية المبالغة (¬3)، وانتصر لها غيره، وهذا كله إن سلم من وضع أشكال سحرية أو صورة عملية (¬4) أو رصودات فلكية، وإلا فهو مذموم باتفاق، وقد يؤدي إلى تقطع الأسماء الكريمة، وإفساد نظم # حروفها، وكتبها بغير ما يحل من دم ونحوه، أو إذاية بعض الحيوانات، كالخنفطرات (¬1) المبنية على رماد الخطاف وغيرها، الموقوفة على دم الحمام وزرقه، وقد يكون من باب التوغل في الأسباب القادحة في التوكل، كما أشار إليه الشيخ ابن عباد في مسألة الخاتم الوبائي (¬2) أعني حي، حميد، حنان، حليم، إلى غير ذلك، مع أنه شغل وقت بما غالبه غير نافذ، ولا مظنون النفوذ، وربما هلك فيه مستعمله، كما اتفق لكثير من أهله، لعدم علمه، وفقد مساعدة قواه عليه، فإن الخاصية التي يقع عليها الانفعال مركبة من صفة نفسية، وحقيقة قلبية، وحركة عملية (¬3) كالمغناطيس للحديد، لا يجذب غيره ولا يتأخر عنه، وقد قال علماء الفن: لا ينتفع أحد به إلا عالم يعرف حقائق ما يتحرك فيه، أو جاهل يعظم في نفسه ما يتوهمه من قوته، فلذلك لا ينتفع عالم بمجهود، ولا جاهل بواضح، بل بمبهمات، قالوا: والاختيارات الفلكية معتبرة لتقوية الهمة حتى تقع الحركة عنها. وقد قال الشيخ محيي الدين بن عربي في بعض كتبه: علم الحروف علم شريف، إلا أنه مذموم دينيا ودنيا. قلت: أما ديينا، فلأنه مثبط للهمة، وتعمق في الأسباب من غير وجه صحيح، وأما دنيا: فلأنه متعلق بأوهام مع توقفه على شروط معدومة، فالعمل فيه عمل في غير معمل، فمن شروطه إدراك مبادئه ذوقا ومعرفة مبانيه تحقيقا، ومعرفة مواقعه حقيقة بنظر دقيق، وذلك بعيد من النفوس، فلذلك قل من ينتفع به، إلا على يد شيخ كامل ونحوه من طريق الإعانة في باب الذكر، فاضرب عنه صفحا إن كنت عاقلا، وبالله التوفيق. ... 71 - فصل في الاشتغال بعلم المغيبات، وتحصيلها بطرق الكسب من أحكام النجوم والفال والقرعة والسانح والبارح وعلم الكتب والرمل ونحو ذلك وهذا الفن هو مفتاح كل فتنة في الدنيا والدين، وقل من تعلق به فأفلح، لأن مرجعه إلى الكهانة، وهي ضد الحق، وقد قال (ص): ((من أتى عرافا ليسأله، فقد كفر بما أنزل على محمد)) (¬1) يعني: إن اعتقد اطلاعه على الغيب، وإلا فكفر دون كفر. قال العلماء: وقرعة الطيور والدوائر والأنبياء ونحوها من باب الاستقسام بالأزلام، وبالغوا في ذلك إلى أن عدوا منه الاستفتاح في المصحف، وحكاية الوليد العاصي (¬2)، في تمزيقه بسبب ذلك معلومة، وقوله (ص): ((كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه خط ذلك النبي فذلك)) (¬3) الحديث، إشارة # للتوقف قيه، أو إخبار بالمنع، لأن الموافقة لا تتحقق، فالإقدام ممتنع، وإحالة لما صادف من ذلك أنه بالمصادفة لا بالتحقق. قال علماؤنا: ولو لم يكن في ذلك إلا التجسس على رب العالمين لكان كافيا، ومن تجسس على أقل الخلق ماذا ترى يلقى منه من السوء، فكيف بمن تجسس على ملك السماوات والأرض، فلذلك ابتلاهم الله سبحانه بالفقر والذل والمقت وميتة السوء، وكذلك الكيميائيون والكنازون وأهل علوم التصريف، ابتلوا بذلك في الغالب، لإرادتهم إبطال حكمة الله في الوجود، ومن اتخاذ بعضها بعضا سخريا بطريق الأسباب العادية الجامعة لتحصيل المعاش وتحصينه.

Sección V01/P226–V01/P229

فأما أهل علم الحدثان والأجفار وما يكون من الملوك والأمراء وغيرهم فزادوا على الكل بالفضول، ودخلوا المضائق التي لا حاجة بها، وقل ما تجد أحدا منهم يموت في العافية، ما ذلك إلا لمخالفة الشرع في الاشتغال بما لا يعني، وفتح باب الفتن على الناس، إلى غير ذلك، وكل من تكلم فيه من العلماء، فإما صاحب حال لا يقتدى به، أو صاحب هوى لا يصح اتباعه، أو ذو مسلك ضيق لا يصح لغيره، ثم هم لم يحرروا شيئا، فالتعلق به تعلق بموهوم لا سيما الرموز، وبالله التوفيق. 72 - فصل في طلب الاسم الأعظم والشيخ المربي بالهمة والكبريت الأحمر الذي لا يحتاج معه إلى عمل في بابه وطلب ذلك من الحمق والبطالة، والتوهم الفاسد، لأن الكل متحقق الأمر في الوجود، إلا أنه لا يوصل إليه بسبب ولا استعداد ولا طلب، ولكن بمنة الله سبحانه، ولها بساط هو العبودية، وطلب ذلك حجاب عن كل باب منها، ومقتض لاتباع كل ناعق، والتقيد بالوهم في محل الحقائق، وفاتح لأبواب الدعاوى، لأنه إذا طلب فلم يجد، واتهم بالوجدان يصعب # عليه الإقرار بالنقد وإن سهل، فلا يصدق في إخباره، وربما ساعدته القدرة في إقبال أو تيسير أسباب، فيظنه الجاهل من ذلك، فيتهالك عليه، وقد قال رسول الله (ص) لمن قال: علمني من غرائب العلم: ((فما فعلت في رأس الأمر من كذا ومن كذا))، فذكر له، فقال: ((اذهب فاحكم ما هنالك، وتعال أعلمك من غرائب العلم (¬1). وقال (ص) للذي قال له: أريد أن أكون رفيقك في الجنة: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) (¬2) واختلف جوابه (ص) في الاسم الأعظم بحسب توجهات المتوجهين (¬3) فتحير الناس في إدراك ذلك حيرة كاملة، فمن معتبر صفات النفوس، ومن معتبر حقائق الأسماء، ومن معتبر مناسبتها الأحوال، ومن معتبر جمعها للحقائق، ومن معتبر نسبتها في الوجود، والحق وراء # ذلك كله عند المحققين، لأن مواقف المنح لا تدرك بالقياس، وإن علمت الجهة، فلا ينحصر الوجه، وقد مر بعض الكلام على ما ذكر في أثناء الكتاب، فالتزم العبودية، وبالله التوفيق. ... 73 - فصل في الاغترار بكل ناعق وإيثار غير المهم ، مثل صلوات الليالي والأيام الفاضلة، والعمل بالروايات الباطلة، وترك واضح العلم، مثل صلاة أول خميس من رجب، وليلة النصف من شعبان، وليلة سبع وعشرين من رجب، وودع رمضان، وصلاة يوم عاشوراء، وصلاة القبر، وصلاة الوالدين، وصلاة الأسبوع كل يوم وليلة بما فيه، وكل ذلك موضوع، أي كذب به على رسول الله (ص)، وقد نص الأئمة على منع العمل به، كابن العربي والطرطوشي من المالكية، وابن عبد السلام والنووي من الشافعية، وبالغ ابن العربي في إنكار صلاة التسبيح (¬1)، ولم يوافق على ذلك، إذ قد صححها أئمة وعمل بها جملة من أهل العلم. وقال الدارقطني: ليس في فضائل السور أصح من فضل {قل هو الله أحد} (¬2) ولا في فضائل الصلوات أصح من صلاة التسابيح، وذهب طائفة من أهل الفقه للعمل بذلك كله، بناء على أنه مما لا يقدح في الأصل، ولا يدفع الفرع، منهم الإمام الغزالي وأبو طالب المكي ومن جرى مجراهما، وطائفة إلى قبول ما لا تدخله كيفية، كحديث الأيام السبعة (¬3) وبعض أعداد # الأذكار، وفضل الصلاة في ليلة أو يوم ما مطلقا، وهي طريقة ابن حبيب.

Sección V01/P229–V01/P231

وقد قال ابن العربي رحمه الله: أما أحاديثه فلحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى، وإذا تكلم في الفقه فاستمع لما يوحى، ولقد رأيت غالب فقراء هذا الزمان، بل سائر الناس من العوام وغيرهم يدعون إلى الحق الواضح، فلا تقبله نفوسهم إلا بتكره، بل يتركونه رأسا وينقادون لمثل هذه الأمور ويثابرون عليها، وربما ضيعوا فرضا أو وقعوا في محرم بسبب ذلك، وهو غالب أمرهم، ثم لا يبالون بذلك وهو من أكبر المصائب والنوائب، وأعظم من ذلك تعظيم أعياد الكفار، مثل الحاجوز والعنصرة، وأول خميس من مايو، وعيد البلسان عند أهل مصر، وربما تعدى بعضهم إلى مخالطة أهل المنكر ومشاهدتهم، ويعد ذلك ديانة من طريق الاعتبار، ويلتمس له الوجوه، فيقع في الزندقة وهو لا يعلم، نسأل الله العافية. ... 74 - فصل في الوقوف مع الأسلوب الغريب في العلم أو في العمل أو في الحركات أو غيرها والانقياد لكل من ظهرت عليه خارقة أو جاء بدعوى، وإن لم يكن له عليها برهان وهو باب حسن الظن في باب الاتباع، أو حيث يخشى على الغير من ذلك قبيح، وقد تقدم ما فيه، ويرحم الله تعالى بعض المشايخ، حيث قال لنا: إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء فقولوا له بلسانكم: أنت ساحر، وبالقلب نفعنا الله بك، لتسلموا من ضرره وتحصلوا منفعته، وكذلك من ظهر بعلم غريب بعلوم الحقائق والرقائق ونحوها، فإنها قد تكون عند من لا خلاق له، وكلها ظلمة وحجب، وقد عاينا ذلك، وعلامته ألا تجد منها شاهدا في شمائله، فإن من لم يكن له من علمه نصيب في عمله، فهو عليه، لا له، وكذلك من يدين بالوسوسة، وإظهار التحفظ، فإن صاحبها جاهل أو غوي، لأن الوسوسة بدعة، أصلها جهل بالسنة، أو خبال في العقل، لا يخلو منها # (متدين) (¬1) ولا يدوم عليها إلا مخدوع، وأكثر ما يغتر بهذا النوع أهل البلاد المصرية، وهي سوسة من النفحات الإسرائيلية، كالتهاون بكشف العورة عندهم لذلك ولغيره. ثم الوسوسة تجمع لصاحبها الكبر والرياء وسوء الظن بالله وعباده، مع إعجابه بنفسه، لأنه لو لم ير نفسه، ما ميزها عن جمهور المسلمين، ولو حسن الظن بهم لكان مثلهم، ولولا سوء ظنه بالله ما تعمق في الدين، ولقد تصفحت أحوال الموسوسين، فما رأيت من يتوسوس فى شيء يوفيه حقه، بل رأيت الموسوس في الطهارة قل أن يصلي بها إلا ناقصة، ويقع في أمور محرمة، والموسوس في الصلاة قل أن يصليها تامة، والموسوس في الطعام قل أن يأكل لقمة صافية، وربما وقع في محرم من رياء أو رؤية نفسه، أو احتقار مسلم، أو سوء ظن به دون وجه واضح، أو تغيير قلب مسلم في أمر خفيف، وإني لا أقضي العجب من كثير من الناس، إذا أخذ في الطهارة جننه الوسواس، وإذا عن له شيء من الدنيا توثب عليه من غير توقف، بل قد قال العلماء (ض): خلق الله المال حلالا كما خلق الماء طهورا، حتى لا ينجسه إلا ما غيره، وهذا لا يمنعه إلا ما غيره، إلا أن السلف (ض) رأوا تحفظ النفوس في العبادات وتساهلها في الكسب، فتحفظوا في الكسب، وتساهلوا في العبادة، وهذا خلاف حال أهل هذا الزمان، ولا سيما أهل الزوايا والمتصدرين للشفاعات ونحوها، فإنهم يأكلون الحرام النص، ويظنون أنهم على شيء، فهذا رسول الله (ص) قد قال: ((من شفع لأخيه شفاعة فأهدي له لأجلها هدية، فقد فتح على نفسه بابا عظيما من الربا)) (¬2) الحديث، وهم يقصدون ذلك ويتهافتون عليه، نسأل الله السلامة. ... 75 - فصل في الاستظهار بالدعوى والتعزز بالطريقة والأكل بالدين ونحو ذلك

Sección V01/P231–V01/P233

قنجد أكثرهم يهدد من يسيء إليه، ويعد من يحسن إليه، من غير تعريج على حسن الظن بالله، ل بالتألي عليه، إما جهلا منه ورؤية لاستحقاقه ما يدعيه، وهي خديعة شيطانية، أو اغترارا ببعض البوارق النفسانية والطوالع القلبية، ويدعوه لذلك استعجال العز والغنى بالطريق، وحب الاستتباع، حتى لقد سمعت عن بعض الناس أنه يقول ويشير إلى نفسه: كل شيخ لا يتكفل بمريده في المواقف الثلاث؛ أعني عند الخاتمة، وعند السؤال، وعند الصراط، فهو غاش، وهذه مصيبة كبيرة، لأن عاقبته في هذه الثلاث مجهولة، وكذا عواقب جميع الخلق، والآخرة يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله، ودعاء الرسل على الصراط: ((اللهم سلم سلم)) (¬1)، فمن أين يكون لغيرهم ما ليس لهم، أعاذنا الله من الفضيحة والكذب على الله بغير حق، وهذه مصيبة كبيرة وغلطة وقعت لصاحب هذه الحالة، من جهله وحسن ظنه بنفسه وحبه للرئاسة، فإن أضاف إلى ذلك الأكل بالدين، وصحبة الظلمة، وإيثار الأغنياء على الفقراء، والمعتقدين له على غيرهم، واستظهر بعلوم الرقائق والدقائق، والاستظهار بها عند من يعرف ومن لا يعرف، ويرى ذلك دينا قيما وصراطا مستقيما، وإن أضاف إلى ذلك منع من يتعلق به من مطالعة كتب القوم فقد باء بالخسران، واستحق وجود اللوم، فإن شر الناس الذي يأكل بدينه. قال العلماء: وهو الذي يتطهر بصفة ليست فيه، فيأكل بذلك، قالوا: ولا يجوز أن يأكل ما باسم الصوفية، إلا من لا يصر على كبيرة، وإلا أكل حراما، ولا يسكن الزوايا إلا ذلك، فصار الأمر على خلاف ذلك في جميع الوجوم، مع تعامي الكل عن الكل خوف الفضيحة، فيرحم الله القائل: فسد الزمان فأين أين المهرب ... وفشا الحرام فأي كسب أطلب # وتعامت العلماء عن شبهاتها ... فلمثل ذا فليعجب المتعجب من ذا نشاور في مراتب ديننا ... أو من لنا في ذا الزمان مؤدب وقد جاء في الحديث: ((بدأ الدين غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء منه ...)) (¬1) الحديث، والغرباء هم المذكورون في حديث الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها، وهي الجماعة المذكورة في حديث حذيفة (¬2)، والفرقة الناجية، أعني اتباع السلف (ض) وألحقنا بهم بمنه وكرمه. ... 76 - فصل في معاملة المنتقدين والمنكرين والمعترضين وهم على أنواع كثيرة فالمنكر بحق في حق حسبما أداه إليه اجتهاده، كالمعتقد كذلك. قال شيخنا أبو العباس الحضرمي (ض) بعد كلام ذكره في كتابه (صدور المراتب ونيل المراغب): والجاحد لمن يوحى إليه شيء من هذا الكلام وما يفهمه، هو معذور مسلم له، من باب الضعف والتقصير والسلامة، وهو مؤمن إيمان الخائفين، ومن يفهم شيئا من ذلك فهو لقوة إيمان معه، واتساع دائرة، ومشهده مشهد واسع، سواء كان معه نور أو ظلمة، بحسب ما في (الودائع) (¬3) الموضوعة على أي صفة كانت. قلت: وهذا هو الحق والإنصاف، لأن كل أحد لا يكلف بخلاف علمه، # ولا يجوز له تعدي ذلك لما لا علم له به، لقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (¬1) فالمنكر بحق كالمعتقد به، وقد جرت عادة فقراء هذا الزمان بسب المنكرين والانتصار عليهم من غير حق، وربما انتهى بهم الأمر إلى حد يستبيحون به دماءهم وأموالهم وأعراضهم، فيدخلون بذلك في زمرة المارقين، وربما كانوا به من الذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وحق الفقير إقباله على شأنه وإعراضه عن مواضع الشبه وعدم مقابلة الخلق فيما يأتون به، لأن ذلك لا ينقضي، ويؤدي إلى وجود التشويش دائما، كما قيل: لو (¬2) كل كلب عوى ألقمته حجرا ... لأصبح الصخر مثقالا بدينار

Sección V01/P233–V01/P235

والطريق مبني على رحمة الخلق فيما هم فيه، وإقامة الحق عليهم فيما يقتضيه، فإن من نظر إلى الخلق بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر إليهم بعين الشريعة طالت خصومته معهم، والحق أن ينظر إليهم بعين الحقيقة، ويحكم عليهم بحكم الشريعة، فيقع الإنصاف في عين الائتلاف: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} (¬3) قيل: للاختلاف، وقيل: للرحمة، وقيل: لهما، وهو الصحيح، وقد جرت سنة الله بإنكار الفقهاء على هؤلاء القوم جملة وتفصيلا، والأكثر في هذه الأزمنة التفصيل، وذلك لحكمة بقائهم مع مولاهم بلا علة، ولتظهر عنايته عليهم في عدم التمكين منهم، ولتبدو فضائلهم لمن لم يكن له بها علم. إذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود. وأيضا فلئلا يفوتهم الشكر على المدح، والصبر على الذم، ولا يبقى لهم قرار إلا مع مولاهم ولا سكون لغيره. قال في الحكم: إنما أجرى الأذى عليك منهم، كي لا تكون ساكنا إليهم، أراد أن يزعجك إليه من كل شيء، حتى لا يشغلك عنه شيء، انتهى. ثم جرت سنته تعالى في المنكرين أن يبتليهم ببلايا ظاهرة في الوجود متى خالطهم في الإنكار هوى، ولو قل، لأنه تعالى يغار لهتك حرمة جنابه إلا بإذنه، فالمعترض له بالهوى مخذول، والمصر لدين الله منصور، وأكثر الناس يقصدون الحق في الإنكار، فإذا رد عليهم اشتدوا لنصرة أنفسهم، وانقلب الأمر عليهم وهم يظنون أنهم قاموا لله، وغيرهم يرى ذلك من خاصية الإنكار، وهو جهل من الجميع، أعاذنا الله من البلاء، وسلك بنا سبيل السنة بلا بدعة ولا إنكار بمنه وكرمه. 77 - فصل في التظاهر بالأمور الغريبة من الشطحات والطامات وغيرها وهي أمور تبدو على أصحاب الأحوال من الصادقين في مبادئ الفتح والتلوين، لا تناهي التمكين، فلذلك قيل: التلون مجون، والتمكن معرفة، وأين الحال من الصفة، وغالب أمرها إنما تصدر عمن سلك من طريق العلم أو طريق التجريد، أي: سلك على طريق العمل والتأدب، لأن فيضان نور المعرفة على حسب بساطه، وكل ذلك إناء يرشح بما فيه، وتحقيق ذلك يطول، لكن هذا صوابه. لكن هناك طوائف من الناس استظهروا بهذه الأمور عن حقائقهم، إما لغلبة وارد، فمعذورون بالغلبة غير مقتدى بهم، وهو حال الغالب، كالحلاج ومن جرى مجراه منهم. (وإما للتنبيه على موارد الواردات، كحال الحاتمي ومن جرى مجراه) (¬1) ولا عذر له في ذلك، إلا من حيث أنه يقول: إنما تكلمت بخاص في خاص، يفهم ما أريد مما أورد، ولكل قوم اصطلاح، والعبارة # تقريب لمن يفهم المقصود، ولو بالنقيض، فيبقى عليه حفظ حرمة الربوبية والنبوءة في التوقيعات، فيقول: قد عرف ذلك من أصل مذهبنا، والألفاظ مؤديات، وقد أدت أعظم مما يبدي المنكر من التعظيم لأهله، كما أشار إليه ابن الفارض بقوله: وعني بالتلويح يفهم ذائق ... وغنى عن التصريح للمتعنت فيجاب عن ذلك: بأن التوقير واجب ظاهرا كوجوبه باطنا، وغلبة الحال لا يتعرض لها بغير نفي الاقتداء، فلا يجوز لأحد أن ينقل كلامهم ولو فهمه، إلا على وجه لا يصح فيه نقد، لاتساع نظر الناس اليوم في الطريق، وتداولها الجاهل والعالم وأسراع النفوس لاعتقاد ظاهرها، أو أن من ينقلها معتقد ذلك، وكل من أولع بذلك وجعله هجيراه، فالفلاح منه بعيد، وقد سئل شيخنا أبو عبد الله محمد بن القاسم القوري (ض)، عن ابن العربي الحاتمي فقال: أعرف بكل فن من أهل كل فن، فقيل له: ما سألناك عن هذا، قال: اختلف فيه من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح، قال: التسليم (¬1).

Sección V01/P235–V01/P238

قلت: وذلك لأن ظهوره بترجيحه ربما أغرى الضعفاء على اتباعه، والاغتناء به فهلكوا فيه، والتعرض للتكفير خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة، وقد قال الشيخ أبو بكر بن فورك (¬2) (ض): الغلط في إدخال ألف # كافر بشبهة إسلام أولى من إخراج مسلم بذلك (¬1) ذكره في الشفاء فانظره، ولقد رأيت من الناس كثيرا لا يرون الفقير إلا من يستظهر بذلك، ومن يحفظ حرمة الله ورسوله يسمونه يابسا، ويقولون: لا خير عنده، وهو لو فتح باب الكلام في حقائق الحقائق ما شموا له رائحة، أعاذنا الله مما ابتلاه به بمنه وكرمه. ... 78 - فصل في وضع الشيء في غير محله وهو نظر الناس بالعلم في غيرهم، وتركهم الحكم به على أنفسهم، فتجد أحدهم إذا سمع شيئا من الأمور التي عمت بها البلوى، ووقع فيها عوام الخلق من العلماء والفقراء وغيرهم، يقول: هذا حال الناس اليوم يفعلون كذا ولا يتقون كذا، ويدع النظر في نفسه بذلك، فيعمى عن عيبه ويبصر عيب أخيه، وذلك من حسن ظنه بنفسه وتزكيتها، وقد أشار إليه رسول الله (ص) بقوله: ((يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه)) (¬2) الحديث، وقد ابتلي فقراء هذا الوقت بخمسة أشياء: الاغترار، والوسوسة، والكسل، ورؤية الأهلية لكل كمال بأول قدم، والتعزز بالطريق على كل حال. فحدث لهم بذلك خمسة أمور: من الاغترار اتباع كل ناعق بحق أو # بباطل، ومن الوسوسة الابتداع في الدين مع رؤية الامتياز، ومن الكسل الإسراع لكل جهة يتوهمون فيها الكمال، ومن رؤية الأهلية الخبط والخوض فيما لم يحسنوا، ومن التعزز طلب الباطل بصورة الحق فحصل الفساد من جهة الصلاح، وما حجب العلماء عن العمل إلا تعلمهم العلم لغيرهم، وما أوجب لهم التشمير إلا تعلمهم ذلك، لأنفسهم، فإن من تعلم العلم لنفسه اهتدى وتبصر (¬1) ومن تعلم العلم لغيره، فقل أن ينتفع به، وعقوبة العالم موت قلبه (¬2) أي: طلب الدنيا بعمل الآخرة (¬3)، كما ورد به الأثر، فتعلموا العلم لتعملوا به، لا لتكتسبوا به، واجعلوه حجة على أنفسكم، لا لها ولا على الناس، وإياكم والاحتجاج بوقائع العلماء بدلا مما تحققتم علمه، فقد ضل كثير من الناس لهذا الباب (¬4)، ولعل للواقع فيما ذكر عذرا لم نطلع عليه، وبالله التوفيق. ... 79 - فصل في تتبع الفضائل وأنواع المندوبات وذلك أمر مدهش للنفس وموزع للقلب، من حيث أنه متشعب متعدد كثير قل أن تقع الإحاطة به، وهو يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وربما أدى بعض من تعلق به إلى أن تدخل عليه محرمات لا يعلمها، فلقد رأيت من هو بهذا الوصف حتى أداه إلى الغفلة الكاملة مع ابتلائه بشكاوي الخلق وسماع كلمته في ذلك وقبوله له، فصار يقبل من كل أحد ما يجيئه به، ويعمل على مقتضاه، فيقع في المتضادات، وربما ضيع حقوق أناس بذلك، ولو أبقى فضلة من رقته لصقل فكرته لكان خيرا له من جميع عباداته، وقد غلب على أكثر الناس ذلك، أعني اتباع الفضائل وحبها، وتوهم النجاة بها مع بقائهم على محرمات وذنوب وعيوب لا بد من إزالتها، حتى إن يعضهم ليهمل الفرائض ويقصر فيها، ويكثر النوافل ويسارع إليها. قال في الحكم: من علامة اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات، والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات، انتهى، فترى الواحد في هذا الزمان يقوم الليل كله ولا يقدر على فائتة يقضيها، ويتصدق بالممئين ولا يؤدي زكاة ماله، ويصوم الدهر ولا يكف عن عرض مسلم، ويذكر آناء الليل والنهار ولا يتعلم مسألة في دينه، بل لا تجد أثقل عليه من ذلك ومن التذكير به.

Sección V01/P238–V01/P241

وقال محمد بن الورد (¬1) (ض): هلاك الخلق في حرفتين، العمل في النافلة بتضييع الفريضة، وعمل الجوارح بلا مواطئة القلب، والله تعالى لا يقبل عملا إلا بالصدق وموافقة الحق، انتهى بمعناه، وقال بعض التابعين: أدركت عددا من السلف كانوا لا يعدون العبادة في الصلاة ولا في الصيام، ولكن في # الكف عن الحرام والغيبة، انتهى بمعناه، وغالب ما الناس محتاجون إليه في هذه الأزمنة، ترك الغيبة والكذب والخيانة، لا سيما في البيع والشراء ونحو ذلك، ومن عز عليه دينه سهل عليه كل شيء، ومن خف عليه دينه صعب عليه كل شيء، وقد قال سري (¬1) (ض): من عرف الله عاش، ومن مال إلى الدنيا طاش، والأحمق يغدو ويروح في لاش (¬2) والعاقل عن عيوبه فتاش، انتهى وهو عجيب، رزقنا الله العمل به بمنه وكرمه. ... 80 - فصل في التكلف وهو التصدي للعلم والعمل قبل حوز رتبة الإمامة فيه، والاكتفاء بعلمك عن علم غيرك، وبعلمك عن اتباع من يصح اتباعه، ومن ذلك الاشتغال بالتأليف والتصنيف قبل أن يراه الأشياخ أهلا لذلك، والتصدي للتربية بغير إشارة إلهية ولا أمر من شيخ صادق مصيب، والكلام في المشكلات قبل القدرة على حلها بوجه واضح دون توقف ولا تردد ولا احتمال، ومن ذلك ما وظفه بعض الناس من الأحزاب وأتى فيها بشقاشق الكلام، والخروج عن الإضمار في العبارة أو المعنى، وأعانه على ذلك قواه النفسانية، وطلب الرئاسة والاستتباع من حيث يشعر أو من حيث، لا يشعر. فأما أحزاب المشايخ فتكلموا فيها بوصف الفناء، وقصد الهداية على المعاينة في بساط العبودية، حتى إنهم ضمنوها معاني طريقهم، فكان فيه سلوك وتعليم وتربية وترقيه وتأديب، كما هو حال حزب الشيخ أبي الحسن الشاذلي (ض)، فلذلك صح لمن قرأه أن يكون له ما لهم وعليه ما عليهم، # كما قال الشيخ رحمه الله فيمن قرأ حزبه الكبير، قال ابن عباد رحمه الله: أي له ما لنا من الحرمة، وعليه ما علينا من الرحمة، وفيه مواضع تصحب بالتسليم، ولا يعمل بها لأنها من عبارات المدلين، مثل قوله: وليس من الكرم إلى آخره، كذا قال ابن عباد فيما رأيت بخط بعض أصحابه وهو صحيح، فأما ما فيها من المبهمات مثل قوله ق ج ل د م حم ونحو ذلك، فحروف قصدت لإشارات يفهمها أهلها ولا تضر غيرهم، إذ ليس موقعها موقع إيهام ولا إشكال، نعم موقع من يفهمه أهله ويخفى على غير أهله، وإن كان فيها توهيم عظمتها وأنها خارجة على قياس الفهم عند الضعفاء، فقد يكون ذلك مرادا لتقوية نياتهم، ولا يضر وقوعه لا سيما في جمع فواتح السور، مثل: ألم ألمص كهيعص حم ق ص ن إلى غير ذلك، فإنها مقصودة بذاتها (¬1) إما لذاتها، وإما لمعان في ذاتها بوضع الحكيم العليم، فالتعلق بها لا يضر بحسب الفهم الصحيح، والنظر الرجيح، وقد قال (ص) لأصحابه في الحزب: ((ليكن شعاركم حم لا ينصرون)) (¬2) الحديث، فاعرف ذلك وخذ الأشياء بقبولها إذا صح الوجه، وهو كون المأخوذ عنه ممن يصح الاقتداء به، وقد ظهر من أقوال سيدي أبي الحسن الشاذلي (ض) وأعماله وأحواله ما لا يصح معه أن يقال فيه: ضال ولا مضل، وأسند جميع ما ذكره في أحزابه لإشارته (ص) به في النوم، والرؤيا الصالحة من الرجل الصالح معلومة الصدق (¬3) للحديث، والله سبحانه أعلم. ... 81 - فصل في أمور أولع بها بعض الناس وفيها مغمز ما منها أحزاب الشيخ محمد عبد الحق بن سبعين، وهي محتوية على حقائق ودقائق وأمور عالية بعبارات فائقة، وشقاشق عظيمة، بعضها في الإضمار وبعضها خارج عال، فلذلك وجب على الضعفاء اتقاؤها، وكان التسليم فيها أولى من العمل بها، إلا حزب السلام له، وفيه ما فيه، للعدول عن الألفاظ الشرعية إلى عبارة أخرى لا ندري ما قصده بها، إن لم يكن الإيقاع في النفس، وبالجملة فذلك وقع له بحسب حاله ومقامه، ونحن لا نأخذ إلا ما جمع العبودية والأدب والتأثير، لا غير ذلك، فافهم.

Sección V01/P241–V01/P245

ومنها دعوات البوني وأقسامه المرتبة على الساعات وغيرها، وقد نص العلماء على أن ذلك بدعة مكروهة، ويعنون: للعالم به، فأما غيره من الجهال فلا حديث عليه، وهو ممنوع منه بكل حال، ويرحم الله الشيخ أبا العباس بن البنا (¬1) حيث يقول: باين البوني وأشكاله، ووافق خير النساج وأمثاله (¬2) وجملة كتب الشيخ أبي العباس البوني واجبة الاجتناب، إلا ثلاثة لثلاثة: (علم الهوى)، للعارف والمريد المتسع في باب العلم بعد إشرافه على الحقيقة، (ومواقف (¬3) الغايات) لمن يعرف موارد النفوس، ومواضع السلوك، (وقبس الاهتداء إلى وفق السعادة)، لمن أراد الاستعانة في توجهه بأسماء الحق سبحانه، وما سوى ذلك فضرره أكثر من نفعه، لا سيما ما بأيدي الناس مسمى شمس المعارف، فإنما هو ظلامها على الضعفاء وقد رأيت جزءا من كتاب مسمى بذلك، فرأيت من ترتيبه العجب العجاب، فذكر في بعض الناس أنه الأصل، وأن الذي بأيدي الناس وضعه بعض # أصحاب الشيخ بمصر، لأنه لما بلغه الكتاب المذكور، طلبه منه بعض الملوك، فأدركته الغيرة من بذله لغير أهله، فستره وبعث بهذا لهم، والله أعلم بالأمر. وقد حذر الناصحون من تلبيس ابن الجوزي (¬1)، بل ومن مواضع في مواعظه، وفتوحات الحاتمي، وتائية ابن الفارض بل كل قصائده، وأزجال الششتري (¬2) وتآليف شيخه ابن سبعين، وكتاب (خلع النعلين) لابن قسي (¬3)، وابن ذي سكين (¬4)، والعفيف التلمساني (¬5) والعجمي الأيكي (¬6)، والأقطع (¬7) وابن أجلاء (¬8) ومن نحا نحوهم، واختلف الناس فيهم اختلافا متباينا، فمن معتقد فيهم الولاية، ومن معتقد الغواية، ومن آخذ بالتسليم (¬9) ومن قائم # بالحق، وهو أخذ البين في نفسه، وترك ما عداه لأربابه، مع حسن الظن بالجمع، وبالله التوفيق. ... 82 - فصل في تتبع المشكلات والاستظهار بالكلام فيها مع العوام وغيرهم وتعليمهم علوم التوحيد ودقائق التصوف وذلك كله من حب الرئاسة والظهور بالغرائب، لأن النفوس مجبولة على حب الغريب، فتجد الواحد منهم يسأل عن المعرفة والوصول والحقيقة # والتحقيق، ويتكلم في الأحوال والمنامات والمنازلات وعلم الخواص ونحوها مع العوام، ويزعم أنه بذلك مشوق لهم ومذكر، وما هو إلا مضر بهم ومهلك لهم، حمله عليه الجهل بحكمة الله في خلقه، فقد قال عيسى (س) لأصحابه: ت (بحق أقول لكم يا معشر الحواريين، لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير) (¬1) وفي الخبر: ((لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم)) (¬2) وفي معناه أنشدوا: ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقد اختلف علماء الصوفية في بذل علومهم لغير أهلها، فقال بعضهم: لا تبذل إلا لأهلها، وقال بعضهم: تبذل لأهلها ولغير أهلها، والعلم أحمى جانبا من أن يصل إليه غير أهله. قيل للجنيد: كم تنادي على الله بين يدي العامة؟ قال: لكني أنادي على العامة بين يدي الله. وقيل للنوري (¬3): ألا تذكر أصحابك؟ قال: إنهم في حجاب القطيعة، والحق أن ما كان من حيز المعاملات يبذل لكل أحد لأنه حق الله على عباده وجوبا أو ندبا، وما كان من حيز الحقائق فيعتبر فيه الوجه، فقد قال # رسول الله (ص): ((أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم)) (¬1) وقال (ص): حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله)) (¬2). وضرب عمر بن الخطاب (ض) صبيغا (¬3) لما كان يتتبع المشكلات ويسأله عنها، وقال الإمام أبو حامد الغزالي (ض): وقد تضر الحقائق بأقوام كما يتضرر الجعل بالورد والمسك، انتهى، ومن وجوه الضرر في ذلك سبعة أشياء: أحدها: أن حقائق التوحيد ودقائقه تدهش الضعيف فتوقعه في الحيرة والشغب. الثاني: أن ذلك ربما أثار له شبهة لاتساع الأمر عليه، وزلزل اعتقاده بما يدخله من الاضطراب. الثالث: أنه ربما كان بصورة شبهة أو فرض لها، فتثبت في نفسه، ولا يمكن رفعها بعد، وهو أحد الوجوه الذي هجر ابن حنبل المحاسبي لأجله، لما ألف كتابا في الرد على المعتزلة.

Sección V01/P245–V01/P248

الرابع أن ما يسمعه من الأحوال والمقامات يؤديه لاحتقار علم الظاهر وأهله وهو الأهم عليه، فيحصل الضرر من الصلاح كما هو مشاهد في كثير من الناس. الخامس: أن ذكر الخواطر وحركات النفوس تؤديه إلى القنوط من بلوغ المراد، فتوجب له البعد عن التوجه لاتساع الحال عليه، وقد هجر ابن حنبل (ض) ذا النون (¬1) حتى مات، لتكلمه في الخواطر، قائلا: أحدث في الدين علما لم يكن فيه. السادس: أن في ذكر أحوال الرجال ووقائع الأكابر، غلق الباب على الضعفاء بحيث يصيرون لوزن أحوال الناس بذلك، فلا يعتقدون أحدا، وينظرون لأنفسهم فلا يمتدون مساغا، وإن توجهوا للطريق حملوا أنفسهم على ما لا يليق بهم من ذلك، وهذه أكبر وأعظم. السابع: أن ذكر الخواص والأذكار وفوائدها ومراصدها يقضي لهم بوجود التهافت عليها، لانطباع نفوسهم بالطمع والكسل (¬2) فيكون ذلك سببا لهلاكهم دينا ودنيا، وقد مر الكلام على بعض ذلك قريبا، وبالله سبحانه التوفيق. ... 83 - فصل في التجاسر على المراتب بادعائها مرة لنفسه ومرة لغيره ومرة فيما لا يصلح الدخول فيه مثل الكلام في مسألة الروح والنفس والعقل والقلب، من حيث حقائقها وتحقيق الحق فيها، وهل هي شيء واحد أو متعدد، وهو أمر بعيد عن إدراك التحقيق من طريق القياس والنظر، وإنما طريقه الخبر، ولا خبر، قال الله تعالى: {ما أشهدتهم خلق أنثوت السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدأ} (¬3) قيل: إن هذه الآية ترد على أربع طوائف على # الترتيب: المنجمين والطبائعيين والمشرحين والفلاسفة المضلين. وكنت يوما مع بعض من له ذوق في ذلك، فأردنا الكلام فيه على الوجه الذي تكلم به صاحب النفخ والتسوية (¬1) وغيره، فسمعنا بعض الصالحين ينكث علينا بقوله تعالى: {ستكتب شهادتهم ويسألون} (¬2) فكففنا ولم نتكلم في ذلك بعد، واذا كان سيد المرسلين الذي أوتي علم الأولين والآخرين لم يتكلم في ذلك، فكيف يتكلم فيه غيره، لا من طريق الحقيقة ولا من طريق الأدب، بل جاء في الخبر: ((أن اليهود قالوا: نسأله عن الروح، فإن أتى فيها بشيء فليس بنبي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فلعله يأتي بشيء تكرهونه، ثم سألوه، فأنزل الله تعالى: {قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (¬3) فاشتد ذلك عليهم))، وقوله: {من أمر ربي}، أي: ليس للقياس ولا للنظر فيها محل، بل هي من شأن الربوبية، لا ما يقوله بعض الناس، وأن عالم الأمر وراء العوالم، وذكر أمورا الله تعالى أعلم بها، وقد سمعت شيخنا أبا عبد الله القوري رحمه الله غير مرة يقول: اختلف في حقيقة الروح على سبعمائة قول، وذلك دليل البعد عن العلم بحقيقتها، والله أعلم، لأن الحقيقة المعلومة لا يتناولها الخلاف لبيان أمرها، والبعيدة عن الإدراك يختلف فيها على قدر بعدها، لاتساع محتملاتها أو وجوهها، ومنه اختلافهم في معنى {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} (¬4) على خمسمائة قول، كذا سمعته أيضا من شيخنا (¬5) القوري رحمة الله عليه. ... 84 - فصل وأما ادعاء المراتب والمجاسرة عليها فمثل قولهم: بأنه في مرتبة كذا، وفلان بلغ إلى كذا، وترجمة مشايخهم ومعتقديهم بالقطبانية ونحوها، فلا تكاد ترى من له شيخ إلا يدعي له القطبانية، وربما قبلها الآخر منه وادعاها، وهي مصيبة عظيمة في ثلاثة أوجه: أحدها: التجاسر على مراتب الرجال وادعاؤها لمن لا يصلح أن يكون خديما في المراحيض، حتى لقد سمعت من بعض من تعلق بالفقراء من الجند، أن القطب هو السلطان العادل، ويقول: وهذا قد يحسن بوجه، قال: فإن كان ظالما فهو وتد أو قال: بدل، وهذه جسارة عظيمة نسأل الله العافية.

Sección V01/P248–V01/P252

الثاني: الكذب على الله والرجم بالغيب على غير حقيقة ولا دلالة واضحة، إذ قال أئمة الطريق: القطب معلوم غير معين، وهو واحد من القوم، قدم عليهم كالملك على رعيته، فيرجع إليه في المهمات، وثبوته كسائر المراتب المذكورة في أولياء العدد، غير مستندة لدليل واضح من علم الظاهر، ولا الحديث الصحيح (¬1) غير إجماع القوم على إثبات هذه المرتبة وتحقيقهم لها، وشهادة أحوالهم بالصدق والحق، وكذلك حياة الخضر ووجوده ولقاؤهم له، فخبرهم في ذلك مقبول للعدالة مع الاستفاضة، والله أعلم. الثالث: سقوط حرمة أولياء الله من قلوبهم، وهب أنهم اعتقدوا ذلك لأمور دلتهم عليه، فمن أين لهم الجزم بذلك، والشيء لا يعرف إلا بمثله، ولا يقاس إلا بما كان من شكله، ولا يعرف الأمثال إلا الأماثل، ولا يفهم المرتبة إلا من قاربها أو دخلها، بل قال سيدي أبو عبد الله القرشي (¬2) (ض): إنما يفهم عنك من أشرق فيه ما أشرق فيك، ثم من صاب غاب (¬1) ومن جد وجد، ومن عرف ما وصف، لوجود الغيرة المركبة في البشر عند الاطلاع على كل جميل، والانفراد به، ولكن الجهل ورؤية النفس بعين التعظيم هو الحامل على مثل هذه الأمور، إذ لا يرضى أحدهم بأن يكون منسوبا لأحد الأولياء، ولا يرضى الآخر في بلائه أن يكون كأحد الصالحين والفقراء (¬2)، ويعضده في ذلك بعض المساعدات النفسانية والحركات الشيطانية، أو الحقائق الوجدانية، فيزيده وهمه ويبعده عن دائرة فهمه، وربما تكلم في ذلك من حيث الاستدلال بالشواهد، وهي لا تفي بالمقصود، وقد أدبنا رسول الله (ص) في ذلك بقوله: ((إذا مدح أحدكم أخاه فليقل: أحسبه، ولا أزكي على الله أحدا)) (¬3)، وقال (ص): ((ثلاث منجيات، ... وذكر منها العدل في الرضى والغضب)) (¬4)، الحديث، نعم، قد نثبت صلاح رجل بشواهد أحواله، كما نثبت إيمانه، ونحن في ذلك على حق، لاتساع رتبة الصلاح، ولقوله (ص) في ابن عمر: ((إن عبد الله رجل صالح)) (¬5)، إلى غير ذلك، نعم، ونرى ولايته بشواهد أحواله أيضا، لوجود الدلالة مع اتساع الموقع، إذ نثبت بالولاية العامة: {الله ولي الذين آمنوا} (¬6)، وقد أثبت سعد (ض) إيمان الرجل عنده (ص)، وحلف على ذلك، فلم يرده (ص) إلا # بقوله: ((أو مسلم)) (¬1) ولو كان منكرا لنهاه عن اليمين (¬2) والإثبات، فافهم. 85 - فصل في التشبه وما يلحقه من الحركات وغيرها وقد قال (ص): ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (¬3) قال المشايخ رحمهم الله، وكل تشبه لا يصحبه عمل فليس بتشبه، إنما هو تلبيس، بل من تمسك بطريق القوم وظهر بزيهم فهو متشبه، وإن لم يكن له في السلوك قدم، وقد أباح الله التزيي لدفع الشرور، فقال سبحانه وتعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا # يؤذين} (¬1) فأخذ منه العلماء جواز المرقعة والعكاز (¬2) والسبحة والمحفظة بالكتاب واللوح ونحو ذلك، لدفع الضرر في الأسفار ونحوها، لا لجلب فائدة ألبتة، فاعرف ذلك. وقد كان لأبي هريرة (ض) خيط ربط فيه خمسمائة عقدة يسبح فيه (¬3) وأقر (ص) بعض الصحابيات على التسبيح في النوى (¬4)، لكنه قد قال (ص). ((واعقدن بالأصابع، فإنهن مسؤولات مستنطقات ....)) (¬1) الحديث، وذكر للشيخ أبي يوسف الدهماني (¬2) (ض) أن بعض تلامذته أخذه العرب، فقال: لم يكن معه شيء من حلية الفقراء؟ قالوا: لا، قال: ولا الشاشية؟، قالوا: ولا الشاشية، قال: المفرط أولى بالخسارة، لأن هذه الأسباب زرب الله، ومن دخلها كان في حصن الله، فيحترم من أجله، ومن لم يحترمه، فقد هتك حرمة الله فلا يفلح، ومن فرط فيها فقد أعان على نفسه، وروي عن سحنون مثل ذلك، وأنه ينبغي لساكن القيروان أن تكون له حلية في السفر خلاف ما في الحضر، وبالجملة، فاتقاء الشرور مطلوب، والتشبه بالصالحين محبوب، والتدليس لا عبرة به، وهو ما قصد للجلب أو لإظهار الصفة حتى يميز، وبالله التوفيق. 86 - فصل في التبرك بالآثار