Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

Sección V01/P128–V01/P129

فقال الشيخ رضي الله عنه: لو تكلمت بكلمة من الحقائق على رؤوس الأشهاد لكان أول من يفتي بقتلي هؤلاء الأربعة، وكان رضي الله عنه متتابع الكشف، وزاد النيل سنة زيادة عظيمة كادت مصر تفرق وأقام على الأرض حتى كاد، وقت الزرع يفوت فضج الناس بالشيخ أبي عمرو بسبب ذلك فأتى الشيخ إلى شاطئ النيل، وتوضأ منه فنقص في الحال نحو الذراعين، ونزل عن الأرض حتى انكشف، وزرع الناس في اليوم الثاني، ووقع في بعض السنين أن النيل لم يطلع البتة، وفات أكثر وقت زراعته، وغلت الأسعار، وخيف الهلاك، وضج الناس بالشيخ أبي عمرو فجاء إلى شاطئ النيل، وتوضأ فيه بإبريق كان مع خادمه فزاد النيل في ذلك اليوم، وتتابعت زيادته إلى أن انتهى إلى حده، وبلغ الله به المنافع، وزرع الناس تلك السنة الزرع الكثير، وصلى العشاء مرة بمنزله بمصر ثم خرج هو وخادمه أبو العباس المقري يتماشيان فدخلا مكة فصليا في الحجر ساعة طويلة ثم خرجا إلى المدينة فدخلاها فزارا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجا إلى بيت المقدس فصليا فيه ساعة ثم رجعا إلى مصر قبل الفجر قال أبو العباس، ولم أحس تلك الليلة بتعب، وكان الرجل العربي إذا اشتهى أن يتكلم بالعجمية أو العجمي يريد أن يتكلم بالعربية يتفل في فمه فيصير يعرف تلك اللغة كأنها لغته الأصلية، مات رضي الله عنه بمصر سنة أربع وستين، وخمسمائة، وقد جاوز السبعين، ودفن بقرافتها شرقي الإمام الشافعي رضي الله عنه مما يلي سارية، وقبره ثم ظاهر يزار، رضي الله عنه. ومنهم الشيخ سويد السنجاري رضي الله تعالى عنه هو من أعيان مشايخ المشرق وصدور العارفين، وأكابر المحققين صاحب الكرامات، والمقامات السنية، والإشارات العلية، وهو أحد من ملكه الله تعالى التصرف في العالم، وجمع له بين علمي الشريعة، والحقيقة وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين الصادقين بسنجار، وما يليها، وأجمع المشايخ على تبجيله، واحترامه، وقصد بالزيارات من سائر الأقطار، ومن كلامه رضي الله عنه مقام العارفين على سبعة أصول القصد إلى الله تعالى بالسير، والاعتصام بالله في الأمور، والجلوس مع الله تعالى بالأمر، والنصيحة لعباد الله في السر، والجهر، وكتم أسرار الله تعالى في الطي، والنشر، وثبوت الحال مع العلم بالصبر، وذكر لا إله إلا الله الملك الحق المبين فإذا قطع العارف هذه الأحوال، ورقى عن رؤية الأفعال فتح الله تعالى عليه في القصد إلى الله بالسرباب النفس، وعلامته أن يستروح القلب إلى أنوار التجلي بنفس السرور، وسراج الأنس في مشكاة الكشف وهذا النفس لا يكون إلا في حضرة الشهود بعد غيبة الأرواح، في معارج الأحوال، واستغراق الأسرار في مدارج روح القدس بحسم مادة الجهات، واتحاد العلم، وذهاب الرسم، وهذا أول ملابس العارفين وأول استرواح أرواح العارفين هذا الذي لا يطفئ نور شهوده نور، وجوده، ولا يحجب نور وجوده حقيقة شهوده، وحقيقة القصد إلى الله تعالى بالسر ظهور الحقيقة بادية في حجاب العلم ثم يفتح الله تعالى له في الاعتصام بالله باب العناية، وعلامته أن يفتح الله تعالى له من بصيرته عيونا ثلاثة عين يدرك بها المعرفة، وعين يدرك بها أنوار الحقائق، وعين يدرك بها أنوار المعرفة. كما أن العيون ثلاثة عين البصر، وعين البصيرة، وعين الروح فعين البصر تدرك المحسوسات، وعين البصيرة تدرك المعنويات، وعين الروح تدرك الملكوتيات ثم يفتح الله تعالى له في الجلوس مع الله باب الاستغراق في عين التفريد، وله خمسة أركان فناء القرب في عين المشاهدة، واضمحلال العلم في بحر الجمع، واستهلاك الفناء في بحر الأزل. واستغراق الوجود في طي العدم، واسعدام البقاء في برد الأبد ففناء القرب في عين المشاهدة للمرسلين مصافاة الأسرار للمقربين عنايات الأبرار، واضمحلال العلم في بحر الجمع للصديقين رؤية، وللأبرار مشاهدة لأن الرؤية للذات، والمشاهدة لأنوار الصفات، وكان رضي الله عنه يقول: استهلاك الفناء في بحر الأزل للمرسلين حقيقة،

Sección V01/P129

وللمقربين حق، وطريقة، واستغراق الوجود في طي العدم للصديقين تفريد التوحيد، وللأبرار تحقين التجريد، واستعدام البقاء في برق الأزل للشهداء حياة قرب، واستدامة رزق، وللصالحين نسيم روح، واسترواح ريحان، ومعارف جنة نعيم فبفناء القرب في عين المشاهدة كان عقلا، وباضمحلال العلم في بحر الجمع كان روحا، وباستهلاك الفناء في بحر الأزل كان سرا وباستغراق الوجود في طي العدم كان ذرا، وباستعدام البقاء في برق الأبد كان ذاتا كاملة الوجود، وتامة التقويم فبالعقل بين الإيمان، والروح يثبت الخطاب، وبالسر يفهم الأمر، وبالذر ظهر الحكم، وبالذات، وقعت الحركة فالحركة ظاهر الحكم، والحكم ظاهر الأمر، والأمر ظاهر الخطاب، والخطاب ظاهر الإيمان، والإيمان ظاهر الصفات، والصفات ظاهر الذات فالإيمان بصيرة العقل، والسر بصيرة الروح، والأمر بصيرة الحكم، والحكم بصيرة الحركة. وذلك حقيقة ما يكشف للعارف المنتهى في درجة المعرفة، وكان رضي الله عنه يقول: العلوم ثلاثة علم من الله تعالى، وهو العلم بالأمر، والنهي، والأحكام والحدود، وعلم مع الله تعالى، وهو علم الخوف، والرجاء، والمحبة، والشوق، وعلم بالله تعالى، وهو علم بنعوته وصفاته، وعلم الظاهر علم الطريق، وعلم الباطن علم المنزل، وعلم الحكم علم الشرع، وكل باطن لا يقيمه ظاهر فهو باطل وكان رضي الله عنه يقول: أصل العقل الصمت، وباطنه كتمان الأسرار، وظاهره الاقتداء بالسنة، وكان يقول: من وقع في أولياء الله تعالى ابتلاه الله تعالى بانعقاد لسانه عن النطق بالشهادتين عند الموت، ولقد كان شخص من أكابر بلدنا يقع في الفقراء فحضرته الوفاة فقالوا له قل لا إله إلا الله فقال لا أستطيع ذلك فعلمت من أين أتى فدخلت الحضرة، وجعلت أترضى خاطرهم حتى رضوا عنه فأطلق لسانه، وأسأل الله تعالى قبول توبته، ورأى رضي الله عنه رجلا يحدق إلى امرأة ببصره فنهاه فلم ينته فقال اللهم أعم بصره فعمى في الحال فجاء بعد سبعة أيام وتاب واستغفر فقال الشيخ اللهم رد عليه بصره إلا في معاصيك فرد الله عليه بصره في الحال وكان إذا أراد بعد ذلك أن ينظر إلى محرم حجب عنه بصره ثم يعود إليه، وجاءه رجل أعمى فقال أنا ذو عيال، وقد عجزت عن الكسب فقال اللهم نور عليه بصره فخرج من المسجد بصيرا بعد عشرين سنة، ومات بصيرا. سكن رضي الله عنه سنجار، واستوطنها إلى أن مات بها مسنا، وقبره بها ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ حياة بن قيس الحراني رضي الله تعالى عنه هو من أجلاء المشايخ، وعظماء العارفين، وأعيان المحققين، صاحب الكرامات، والمقامات، والهمم الفخيمة، والبدايات العظيمة صاحب الفتح السني، والكشف الجلي حتى حل به مشكلات أحوال القوم، وهو أحد الأربعة الذين يتصرفون في قبورهم بأرض العراق، وكان أهل حران يستسقون به فيسقون رضي الله عنه، ومن كلامه رضي الله عنه لا يكون الرجل معدودا من المتمكنين حتى لا يطفئ نور معرفته نور، ورعه، وكان يقول: حقيقة الوفاء إقامة السر عن رقدة الغفلات، وفراغ الهمم عن جميع الكائنات، وكان رضي الله عنه يقول: من أحب أن يرى خوف الله تعالى في قلبه، ويكاشف بأحوال الصديقين فلا يأكل إلا حلالا، ولا يعمل إلا في سنة أو فريضة، وما حرم من حرم عن الوصول، ومشاهدة الملكوت إلا بشيئين سوء الطعمة، وأذى الخلق، وكان رضي الله عنه يقول: تعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر، واستجلب نور القلب بدوام الجد، وكان يقول: من علامات المريد الصادق أن لا يفتر عن ذكره، ولا يمل من حقه، ويلزم السنة، والفريضة فالسنة ترك الدنيا، والفريضة صحبة الحق جل وعلا، وكان رضي الله عنه يقول: اجعل الزهد عبادتك، واحذر أن تجعله حرفتك، وكان يقول: المحبة سمعة المعرفة، وعنوان الطريقة يتوصلون بها إلى بقاء المحبوب. سكن رضي الله عنه حران، واستوطنها إلى أن مات بها سنة إحدى وثمانين وخمسمائة ودفن بظاهرها، وقبره ثم ظاهر يزار رضي الله عنه. ومنهم الشيخ رسلان الدمشقي رضي الله تعالى عنه

Sección V01/P129–V01/P130

هو من أكابر مشايخ الشام وأعيان العارفين، وصدور البارعين صاحب الإشارات العالية، والهمم السامية، والأنفاس الصادقة، والكرامات الخارقة، والتصريف النافذ، وانتهت إليه تربية المريدين بالشام، واحترمه العلماء، والمشايخ، وبجلوه، وقصده الزائرون من كل فج عميق، ومن كلامه رضي الله عنه مشاهدة العارف تفيده تمكين التحكيم في الجمع، وبروز التفرقة في الاطلاع لأن العارف واصل إلا أنه ترد عليه أسرار الله تعالى جملة كلية فهو مصطلم بأنوارها مستغرق في بحارها مستهلك في تنزيلها، وكان رضي الله عنه يقول: العارف من جعل الله تعالى في قلبه لوحا منقوشا بأصرار الموجودات، وبإمداده بأنوار حق اليقين يدرك حقائق تلك السطور على اختلاف أطوارها، ويدرك أسرار الأفعال فلا تتحرك حركة ظاهرة أو باطنة في الملك، والملكوت إلا، ويكشف الله تعالى له عن بصيرة إيمانه، وعين عيانه فيشهدها علما، وكشفا وهذا هو الذي يصعد بسره في أكوان الملكوت كالشمس فلا يطلق النظر إليه، وصفته أن يكمل الأعمال بالعلم، والأحوال بالسر، وهو على ثلاثة أقسام حاضر، وغائب، وغريب فالحاضر بلطائف العلم، والغائب بشواهد الحقيقة، والغريب هو من انقطع السبب بينه، وبين من سواه فمن قابله بغير نفسه احترق وحقيقة الغربة سقوط الأين، ومحو الرسم قال تعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " " النساء: 100 " وعلامته أن يكشف له تعالى الأسباب ويرتفع عنه الحجاب ويطلعه الله تعالى على بواطن الأمور كشفا، وفراسة فبالكشف يدركها جملة وبالفراسة يدركها تفصيلا على أصل الوضع، وحقيقة الرسم فيخاطب الأرواح من حيث، وضعها، ويخاطب الأجسام من حيث تركيبها، ويشير إلى العلم برموز الإشارة، ويفهم كشف العبارة، وكان يقول: الحدة مفتاح كل شر، والغضب يقيمك في مقام ذل الاعتذار، وكان رضي الله عنه يقول: مكارم الأخلاق العفو عند القدرة، والتواضع في الذلة، والعطاء بغير منة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا لقدرتك عليه، وكان رضي الله عنه يقول: الكريم من احتمل الأذى، ولم يشك عند البلوى، وكان رضي الله عنه يقول: أحسنه المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر، وكان يقول: سبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس عليها ممن هو فوقها فإن الغضب يتحرك من باطن الإنسان إلى ظاهره، والحزن يتحرك من ظاهر الإنسان إلى باطف فيحدث عن الحزن المرض، والأسقام، وعن الغضب السطوة، والانتقام قال الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وحضرت سماعا فيه الشيخ رسلان فأنشد القوال شيئا فكان الشيخ رسلان رضي الله عنه يثب في الهواء، ويدور فيه دورات ثم ينزل إلى الأرض يسيرا يسيرا يفعل ذلك مرارا، والحاضرون يشاهدون فلما استقر على الأرض أسند ظهره إلى شجرة تين في تلك الدار قد يبست، وقطعت الحمل مدة سنين فأورقت، واخضرت، وأينعت، وحملت التين في السنة. سكن رضي الله عنه دمشق، واستوطنها إلى أن مات بها مسنا، ودفن بظاهرها، وقبره ثم يزار، ولما أن حمل نعشه على أعناق الرجال جاءت طيور خضر، وعكفت على نعشه رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أبو مدين المغربي رضي الله تعالى عنه ورحمه

Sección V01/P130–V01/P131

هو من أعيان مشايخ المغرب، وصدور المربين، وشهرته تغني عن تعريفه، واسمه شعيب، وولده مدين هو المدفون بمصر بجامع الشيخ عبد القادر الدشطوطي ببركة القرع خارج السور مما يلي شرقي مصر عليه قبة عظيمة، وقبره يزار. وأما والده فهو مدفون بتلمسان بأرض المغرب في جبانة العبادلة، وقد ناهز الثمانين، وقبره ثم ظاهر يزار، وكان سبب دخوله تلمسان أن أمير المؤمنين لما بلغه خبره أمر بإحضاره من بجاية ليتبرك به فلما وصل إلى تلمسان قال ما لنا، وللسلطان الليلة نزور الإخوان ثم نزد، واستقبل القبلة، وتشهد، وقال: ها قد جئت ها قد جئت، وعجلت إليك رب لترضى ثم قال الله الحي وفاضت روحه رضي الله عنه قال الشيخ أبو الحجاج الأقصري: سمعت شيخنا عبد الرزاق رضي الله عنه يقول: لقيت الخصر عليه السلام سنة ثمانين وخمسمائة فسألته عن شيخنا أبي مدين فقال: هو إمام الصديقين في هذا الوقت، وسره من الإرادة ذلك أتاه الله تعالى مفتاحا من السر المصون بحجاب القدس ما في هذه الساعة أجمع لأسرار المرسلين منه ثم قال: ومات أبو مدين رضي الله عنه بعد ذلك بيسير، وذكر الشيخ محيي الدين رضي الله عنه في الفتوحات قال: ذهبت أنا، وبعض الأبدال إلى جبل قاف فمررنا بالحية المحدقة به فقال لي: البدل سلم عليها فإنها سترد عليك السلام فسلمنا عليها فردت ثم قالت: من أي البلاد فقلنا من بجاية فقالت: ما حال أبي مدين مع أهلها فقلنا لها يرمونه بالزندقة. فقالت: عجبا والله لبني آدم، والله ما كنت أظن أن الله عز وجل يوالي عبدا من عبيده فيكرهه أحد فقلنا لها، ومن أعلمك به فقالت يا سبحان الله، وهل على الأرض دابة تجهله إنه، والله ممن اتخذه الله تعالى وليا وأنزل محبته في قلوب العباد فلا يكرهه إلا كافر أو منافق انتهى قلت، وأجمعت المشايخ على تعظيمه، وإجلاله، وتأدبوا بين يديه، وكان ظريفا جميلا متواضعا زاهدا ورعا محققا مشتملا على كرم الأخلاق رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه: ليس للقلب إلا وجهة واحدة متى توجه إليها حجب عن غيرها، وكان يقول: الجمع ما أسقط تفرقتك، ومحا إشارتك، والوصول استغراق أوصافك، وتلاشي نعوتك، وكان رضي الله عنه يقول: الغيرة أن لا تعرف، وكان يقول: أغنى الأغنياء من أبدى له الحق حقيقة من حقه، وأفقر الفقراء من ستر الحق حقه عنه، وكان رضي الله عنه يقول: الخالي من الأنس والشوق فاقد المحبة، وكان رضي الله عنه يقول: من خرج إلى الخلق قبل وجود حقيقة تدعوه إلى ذلك فهو مفتون، وكل من رأيته يدعي مع الله حالا لا يكون على ظاهره منه شاهد فاحذره، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ظهر الحق لم يبق معه غيره، وكان يقول: من تحقق بعين العبودية نظر أفعاله بعين الرياء وأحواله بعين الدعوى، وأقواله بعين الافتراء، وكان رضي الله عنه يقول: ما وصل إلى صريح الحرية من بقي عليه من نفسه بقية، وكان رضي الله عنه يقول: شاهد مشاهدته لك، ولا تشاهد مشاهدتك له، كان رضي الله عنه يقول: القريب مسرور بقربه، والمحب معذب بحبه، وكان يقول: الفقر أمارة على التوحيد، ودلالة على التفريد، وحقيقة الفقر أن لا تشاهد سواه، وكان رضي الله عنه يقول: للفقر نور ما دمت تستره فإذا أظهرته ذهب نوره، وكان يقول: من كان الأخذ أحب إليه من الإعطاء فما يشم للفقر رائحة، وكان يقول: الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق، وكان رضي الله عنه يقول: من نظر إلى المكونات نظر إرادة، وشهوة حجب عن العبرة فيها، والانتفاع بها، وكان رضي الله عنه يقول: من عرف أحدا لم يعرف الأحد، والحق ما بان عنه أحد من حيث العلم، والقدرة، ولا اتصل به أحد من حيث الذات، والصفات، وكان يقول: من لم يصلح لمعرفته شغله برؤية أعماله، ومن سمع منه بلغ عنه، وكان يقول: من لم يخلع العذار لم ترفع له الأستار، وكان يقول: الحق لا يراه أحد إلا مات فمن لم يمت لم ير الحق، وكان يقول: في نهيهم عن صحبة الأحداث الحدث هو المستقبل للأمر والمبتلي في الطريق هو الذي لم يجرب الأمور، ولم يثبت له فيها قدم، وإن كان ابن سبعين سنة، وقيل أراد بالأحداث ما سوى الله تعالى من المخلوقات.

Sección V01/P131–V01/P132

قلت: والمراد صحبتهم من غير إرشاد وتعليم، وإلا فإرشاد مثل هؤلاء هو المطلوب من كل فقير، وكان يقول: الإخلاص ما خفي على النفس درايته، وعلى الملك كتابته، وعلى الشيطان غوايته، وعلى الهوى إمالته، وكان رضي الله عنه يقول: إياكم والمحاكمات قبل إحكام الطريق، وتمكن الأحوال فإنها تقطع بكم عن درجات الكمال، وكان يقول: كل فقير لا يعرف زيادته، ونقصه في كل نفس فليس بفقير، وكان يقول: الفقر فخر، والعد غنم، والصمت نجاة، والإياس راحة، والزهد عافية، ونسيان الحق طرفة عين خيانة، وكان يقول: الحضور مع الحق جنة، والغيبة عنه نار، والقرب منه لذة والبعد عنه حسرة، والأنس به حياة، والاستيحاش منه موت، وكان يقول: طلب الإرادة قبل تصحيح التوبة غفلة، وكان يقول: من قطع موصولا بربه قطع به، ومن أشغل مشغولا بربه أدركه المقت في الوقت. ومكث رضي الله عنه سنة في بيته لا يخرج إلا للجمعة فاجمع الناس على باب داره، وطلبوا منه أن يتكلم عليهم فلما ألزموه خرج فرأى عصافير على سدرة في الدار فلما رأته في الدار فرت فرجع، وقال لو صلحت للحديث عليكم لم تفر مني الطيور ثم رجع، وجلس في البيت سنة أخرى ثم جاءوا إليه فخرج فلم تفر منه الطيور فتكلم على الناس، ونزلت الطيور تضرب بأجنحتها، وتصفق حتى مات منها طائفة، ومات رجل من الحاضرين، وكان يقول: كل بدل في قبضة العارف لأن ملك البدل من السماء إلى الأرض، وملك العارف من العرش إلى الثرى وكان الله تعالى قد أذل له الوحوش، ومر يوما على حمار، والسبع قد أكل نصفه، وصاحبه ينظر إليه من بعد لا يستطيع أن يقرب منه فقال لصاحب الحمار تعال فذهب به إلى الأسد، وقال له أمسك بأذن الأسد، واستعمله مكان حمارك فأخذ بأذنه، وركبه وصار يستعمله سنين موضع حماره حتى مات، وقيل له مرة في المنام حقيقة سرك في توحيدك فقال: سري مسرور بأسرار تستمد من البحار الإلهية التي لا ينبغي بثها لغير أهلها إذ الإشارة تعجز عن وصفها وأبت الغيرة الإلهية إلا أن تسترها، وهي أسرار محيطة بالوجود لا يدركها إلا من كان وطنه مفقودا، وكان في عالم الحقيقة بسره موجودا يتقلب في الحياة الأبدية، وهو بسره طائر في فضاء الملكوت، ويسرح في سرادقات الجبروت، وقد تخلق بالأسماء، والصفات، وفني عنها بمشاهدة الذات هناك قراري، ووطني، وقرة عيني، ومسكني، والحق تعالى في غنى عن الكل قد أظهر في وجودي بدائع قدرته، وأقبل علي بالحفظ، والتوفيق، وكشف لي عن مكنون التحقيق فحياتي قائمة بالوحدانية، وإشاراتي إلى الفردانية فروحي راسخ في علم الغيب يقول لي مالكي يا شعيب كل يوم جديد على العبيد، ولدينا مزيد رضي الله عنه. ومنهم أبو محمد عبد الرحيم المغربي القناوي رضي الله تعالى عنه

Sección V01/P132

هو من أجلاء مشايخ مصر المشهورين، وعظماء العارفين صاحب الكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة له المحل الأرفع من مراتب القرب، والمنهل العذب من مناهل الوصل، وهو أحد من جمع الله له بين علمي الشريعة، والحقيقة، وآتاه مفتاحا من علم السر المصون، وكنزا من معرفة الكتاب، والحكمة، وكان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله يقول هو شهدنا بما شاهدنا، وويل لمن كذب على الله تعالى، ومن كلامه رضي الله عنه أدركت فهم جميع صفات الله تعالى إلا صفة السمع، وكان يقول: المتكلمون كلهم يدندنون حول عرش الحق لا يصلون إليه، وكان يقول: قطع العلائق بقطع بحر الفقد، وظهور مقام العبد بعدم الالتفات إلى السوي، وثقة القلب بترتيب القدر السابق، وكان رضي الله عنه يقول: التجريد نسيان الزمنين حكما، والذهول عن الكونين حالا، وغض البصر عن الأين، وقتا حتى تنقلب الأكوان باطنا لظاهر ومتحركا لساكن فيسكن القلب بتمكين القدر على قطع الحكم، والابتهاج بمنفسحات الموارد، وانشراح الصدور بصور الأكوان مع ثبوت المقام بعد التلوين، ورسوخ التمكين فتكون السماء له رداء، والأرض له بساطا، وكان رضي الله عنه يقول: الهيبة في القلب لعظمة الله تعالى هو طمس أبصار البصائر عن مشاهدته بمن سواه حسا فلا يرى إلا بأنوار الجلال ولا يسمع إلا بسواطع الجمال وكان يقول: الرضا سكون القلب تحت مجاري الأقدار بنفي التفرقة حالا، وعلم التوحيد جمعا فيشهد القدرة بالقادر والأمر بالأمر وذلك يلزمه في كل حال من الأحوال وكان رضي الله عنه يقول: التمكن هو شهود العلم كشفا، ورجوع الأحوال إليه قهرا، والتصرف بالقادح حكما، وكمال الأمر شرعا، وكان يقول في الجوع صفاء الأسرار في استغراق الأذكار، وكان يقول: الشوق هو استغراق في مبادئ الذكر طربا ثم الغيبة في توسط الذكر شكرا ثم الحضور في أواخر الذكر صحوا فهو بين استغراق بهمة، وغيبة بزعجة، وحضور بنعشة فثلث الوقت للمشتاق استغراق وثلثه غيبة، وثلثه حضور، وكان رضي الله عنه يقول: الحياة أن يحيا القلب بنور الكشف فيدرك سر الحق الذي برزت به الأكوان في اختلاف أطوارها. وحكي أنه نزل يوما حلقة الشيخ شبح من الجو لا يدري الحاضرون ما هو فأطرق الشيخ ساعة ثم ارتفع الشبح إلى السماء فسألوه عنه فقال هذا ملك، وقعت منه هفوة فسقط علينا يستشفع بنا فقبل الله شفاعتنا فيه فارتفع، وكان الشيخ إذا شاوره إنسان في شيء يقول: أمهلني حتى أستأذن لك فيه جبريل عليه السلام فيمهله ساعة ثم يقول له: افعل أو لا تفعل على حسب ما يقول جبريل، قلت: ومراده بجبريل صاحب فعلته هو من الملائكة لا جبريل الأنبياء عليهم السلام، والله أعلم، وكان إذا قال لعامي يا فلان تكلم على العلماء فيتكلم عليهم في معاني الآيات، والأحاديث حتى لو كان هناك عشره آلاف محبرة لكلت عنه ثم يقول له: اسكت فلا يجد ذلك العامي معه كلمة، واحدة من تلك العلوم رضي الله عنه. وكان بعض العارفين رضي الله عنه يقول: لو كنت حاضرا عند وفاة الشيخ عبد الرحيم ما مكنتهم من دفنه بل كنت أتركه فوق ظهر الأرض فكل من نظر إليه نطق بالحكمة. توفي رضي الله عنه بقنا بصعيد مصر، وقبره بها مشهور يزار. ومر عليه مرة كلب فقام له إجلالا فقيل له في ذلك فقال رأيت في عنقه خيطا أزرق من زي الفقراء، وقال له مرة رجل أوصني فقال كن في الفقراء كتيس الغنم مع الغنم يعني لا ينطق مع عدم غفلته عن مصالحهم رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أبو العباس أحمد الملثم رضي الله تعالى عنه

Sección V01/P132–V01/P133

هو من أجلاء مشايخ مصر، ومحققيهم قصده الناس بالزيارة من سائر الأقطار، وتأدب علماء مصر بين يديه، وكان أبوه ملكا بالمشرق، وكان له مكاشفات عجيبة في مستقبل الزمان فكان لا يخبر بشيء إلا جاء كما قال: ويقول: أنا ما أتكلم باختياري، وكان يقف يتمنى فإن أعطوه شيئا تصدق به على الفقراء، وكان الناس مختلفين في عمره فمنهم من يقول هذا من قوم يونس عليه السلام، ومنهم من يقول إنه رأى الإمام الشافعي رضي الله عنه وصلى خلفه بمصر، ومنهم من يقول إنه رأى القاهرة وهي أخصاص قال الشيخ عبد الغفار القوصي رضي الله عنه فسألته عن ذلك فقال عمري الآن نحو أربعمائة سنة، وكان أهل مصر لا يمنعون حريمهم منه في الرؤية، والخلوة فأنكر عليه بعض الفقهاء فقال يا فقيه اشتغل بنفسك فإنه بقي من عمرك سبعة أيام، وتموت فكان كما قال، وكان يلبس ما وجد فمرة عمامة صوف خضراء، ومرة بيضاء، ومرة جبة فرجية، ومرة مرقعة لا ينضبط على حال. وأنكر عليه مرة قاض، وكتب فيه محضرا بتكفيره ووضع القاضي المحضر في صندوقه إلى بكرة النهار يدعوه للشرع فجاء وبكرة النهار فلم يجد المحضر ومفتاح الصندوق معه فأخرج الشيخ المحضر، وقال الذي قدر على أخذ المحضر من صندوقك قادر على أخذ إيمانك من قلبك فتاب القاضي، وخاف، ورجع عما كان أراده. توفي رضي الله عنه في حدود الستمائة، ودفن بالحسينية بمصر المحروسة، وقبره في مسجد يزار، وسموه ثلاث مرات ليموت فعافاه الله تعالى منه، وذلك لشدة ما كانوا ينكرون عليه، وكان رضي الله عنه يقول: لم تكن الأقطاب أقطابا والأوتاد أوتادا، والأولياء أولياء إلا بتعظيمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفتهم به وإجلالهم لشريعته، وقيامهم بآدابه، وكان يقول: بلغني عن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا استولى الحق سبحانه وتعالى على قلب عبد ذهب ما من العبد، وبقي ما من الله تعالى فيبقى العبد كالفخار في ابتداء النشأة لا حراك له من حيث نفسه، وإنما حراكه من الذي يحركه، ولا اختيار له ولا إرادة، ولا علم، ولا عمل وكأن رضي الله عنه يقول: إذا امتلأ القلب من النور دك كل حجاب بين العبد، وبين الله تعالى. ومنهم الشيخ أبو الحجاج الأقصري رضي الله تعالى عنه كان جليل المقدار كبير الشأن كان مجردا، وكان شيخه الشيخ عبد الرزاق الذي بالإسكندرية قبره من أجل أصحاب سيدي الشيخ أبي مدين المغربي، وله كلام عال في الطريق، وزاويته، وضريحه بالأقصر من صعيد مصر الأعلى ومناقبه مشهورة رضي الله تعالى عنه منها أن شخصا من الأمراء المشهورين في عصره أنكر عليه فقال له تنكر على الفقراء، وأنت رقاص عند فلان فما مات ذلك الرجل حتى صار رقاصا لسوء أدبه واعتقاده. وكان رضي الله عنه يقول: من رأيتموه يطلب الطريق فدلوه علينا فإن كان صادقا فعلينا، وصوله، وإن كان غافلا طردناه، وأبعدناه لئلا يتلف المريدين فإنه لا يصل إلى المحبوب من هو بغيره محجوب قال خادمه الشيخ أبو زكريا التميمي طلب شخص من مريدي أبي الحجاج الأقصري قتل شيخه مرات فلم يقدر، وكان يعتقد أنه ينال مقامه بقتله حين رآه محجوبا بشيخه فأخبر الشيخ بذلك فقال: يا ولدي هذا من الشيطان إذا قتلت شيخك غضب الله عليك فكيف يعطيك مقامه. قلت: وقد بلغنا ذلك عن واحد من أصحاب سيدي أبي السعود الجارحي رضي الله عنه، وهرب الشيخ منه، والله أعلم. وحكى أبو العباس الطائفي قال دخلت على الشيخ أبي الحجاج الأقصري يوما فرأيت له عينين فوق الحاجبين، وكان يقول: كنت أجئ أنا وأخي أبو الحسين بن الصائغ بإسكندرية إلى شيخنا فأرى مقامي أعلى من مقامه فأقول: اللهم أعل مقامه فوق مقامي.

Sección V01/P133–V01/P134

وكان الآخر إذا رأى مقامه أعلى من مقامي يقول في دعائه كذلك هكذا درجة الإخوان لا حسد بينهم، ولا حقد، وقيل له مرة من شيخك. فقال: شيخي أبو جعران فطنوا أنه يمزح فقال لست أمزح فقيل له كيف فقال: كنت ليلة من ليالي الشتاء سهران، وإذا بأبي جعران يصعد منارة السراج فيزلق، ويرجع لكونها ملساء فعددت عليه تلك الليلة سبعمائة مرة وهو لا يرجع فقلت في نفسي سبعمائة وقعة ولا يرجع فخرجت إلى صلاة الصبح ثم رجعت فإذا هو جالس فوق المنارة بجنب الفتيلة فأخذت من ذلك ما أخذت. وكان رضي الله عنه يقول: كنت في بدايتي أذكر لا إله إلا الله لا أغفل فقالت لي نفسي مرة من ربك فقلت ربي الله فقالت لي ليس لك رب إلا أنا فإن حقيقة الربوبية امتثالك العبودية فأنا أقول لك أطعمني تطعمني، نم تنم، قم تقم، امش تمشي، اسمع تسمع، ابطش تبطش، فأنت تمتثل أوامري كلها فإذا أنا ربك وأنت عبدي قال فبقيت متفكرا في ذلك فظهرت لي عين من الشريعة فقالت لي جالدها بكتاب الله تعالى فإذا قالت لك نم فقل لها: " كلوا قليلا من الليل ما يهجعون " " الذاريات: 17 " وإذا قالت لك كل قل: " وكلوا واشربوا ولا تسرقوا " " الأعراف: 31 " وإذا قالت امش قل: " ولا تمش في الأرض مرحا " " الإسراء: 37 " وإذا قالت لك ابطش قل: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " " الإسراء: 29 " فقلت لتلك الحقيقة فمالي إذا فعلت ذلك فقالت أخلع عليك خلع المتقين، وأتوجك بتاج العارفين، وأمنطقك بمنطقة الصديقين، وأقلدك بقلائد المحققين، وأنادي عليك في سوق المحبين " التائبون العابدون الحامدون الساجدون الراكعون " الآية. وكان رضي الله عنه يقول: لا يقدح عدم الاجتماع بالشيخ في محبته فإننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وما رأيناهم، وذلك لأن صورة المعتقدات إذا ظهرت لا تحتاج إلى صورة الأشخاص بخلاف صورة الأشخاص إذا ظهرت تحتاج إلى صورة المعتقدات فإذا حصل الجمع بينهما فذلك كمال حقيقي قلت: وفي هذا دليل عظيم لأهل الخرق من الأحمدية، والرفاعية، والبرهامية، والقادرية، ولا عبرة بمن ينكر عليهم، ويقولون هؤلاء أموات لا ينطقون فإن الاقتداء حقيقة إنما هو بأقوالهم، وأحوالهم المنقولة إلينا فافهم قال الشيخ يعيش بن محمود أحد أصحاب أبي الحجاج جئت أنا، والقليبي السخاوي، وشخص آخر إلى زيارة الشيخ بعد الصبح فوقفنا بالباب متأدبين، وإذا بالخادم قد خرج فقال يدخل يعيش، والقليبي ويروح هذا العلق يستحم فإنه جنب قال فدخلنا، وقد هدت أركاننا من الهيبة فوجدنا الشيخ متكئا. ثم قال الشيخ عن الشاب يستغفر، ويدخل فقال يعيش دستور حضر شيء في لسان حالنا، وحال هذا الشاب على لسان حال القادوس فقال الشيخ قل فقلت: المليح قلبي عليه يخفق ... لا يمر من يبصره يعشق مسكين عبدك القادوس كسر ... صار شقف من بعدما قد هجر إن تجد له بالوصال ينجبر ... ويعود غصن السرور مورق قد بلى القادوس بهم طويل ... ممتلى للراس، ودمعه يسيل قد ربط بالطونس، والسحيل ... وجميعه بالحبال موثق وألف كرة في النار يغرق ما نراه نازلا على قمته ... وحبل ناشوش في رقبته قد عجز وتناقصت همته له رفيق بقليل يسبق ... له سنين يجري وما يلحق فقام الشيخ، وتواجد ودار، وجعل يقول: لي سنين أجري، وما ألحق رضي الله عنه. ومنهم الشيخ كمال الدين بن عبد الظاهر رضي الله تعالى عنه صحب الشيخ أبا الحجاج الأقصري رضي الله عنه حين كان بقوص، وتجرد وهو في بدايته ثم رجع إلى الثياب، والزراعات وغيرها ثم صحب الشيخ إبراهيم بن معضاد الجعبري المدفون بباب النصر من القاهرة المحروسة ثم أقام باخميم، وبهامات على حالة شريفة جليلة لطيفة متظاهرا بالنعم، والغنى عن الناس رضي الله تعالى عنه. ومنهم الشيخ قطب الدين القسطلاني رضي الله عنه

Sección V01/P134–V01/P135

كان بالقاهرة يدرس في علمي الظاهر، والباطن، ويدعو الناس إلى الله تعالى وكان يلبس الخرقة من طريق السهروردي رضي الله تعالى عنه. ومنهم أبو الشيخ عبد الله القرشي رضي الله عنه ورحمه كان رضي الله عنه جليل القدر وكان يعظم الفقراء أشد التعظيم، ويقول: إنهم انتسبوا إلى الله تعالى، وكان رضي الله عنه يقول: ما رأينا أحدا قط أنكر على الفقراء، وأساء بهم الظن إلا، ومات على أسوأ حالة وكان رضي الله عنه يقول: احتقار الفقراء سبب لارتكاب الرذائل، وكان رضي الله عنه يقول: من غض من عارف بالله أو ولي لله ضرب في قلبه، ولا يموت حتى يفسد معتقده، وكان رضي الله عنه كثيرا ما يجتمع بالخضر عليه السلام، وكان يطبخ طعام القمح كثيرا فقيل له في ذلك فقال رضي الله عنه: إن الخضر عليه السلام زارني ليلة فقال: اطبخ لي شوربة قمح فلم أزل أحبها لمحبة الخضر عليه السلام لها، وكان رضي الله عنه يشترط على أصحابه أن لا يطبخوا في بيوتهم إلا لونا واحدا حتى لا يتميز على أحد فاتفق أن أحد أصحابه قال لزوجته ما تشتهي حتى نشتريه تطبخيه فقالت شاور بنتك فقال لابنته أي شيء تشتهين قالت ما تقدر على شهوتي فقال: بل أقدر عليها، ولو تكون بألف دينار، وقال لا بد تخبريني بها فقالت تزوجني للقرشي، وكان الشيخ رضي الله تعالى عنه أعمى أجذم لا ترضى بمثله النساء قال: فجئت إلى القرشي وأخبرته فقال: اطلبوا القاضي فجاء القاضي، وعقدوا عليها، وأصلحوا شأنها، وأحضروها عند الشيخ فلما خرجت النسوة دخل الشيخ إلى المرحاض، وخرج وهو شاب جميل الصورة أمرد بثياب حسنة وروائح طيبة فسترت وجهها منه حياء فقال: لا تستري أنا القرشي فقالت: ما أنت القرشي فحلف لها بالله تعالى فقالت له: ما هذا الحال فقال لها: أبقى معك على هذا الحال، ومع غيرك على تلك الحالة، ولكن لا تخبري بذلك أحدا حتى أموت فقالت: نعم ثم قالت بل أختار حالتك التي تكون بها بين الناس من الجذام، والبرص، والعمى فقال لها: جزاك الله خيرا فلم تزل معه على تلك الحالة، وكان يضع شيئا تحت ثيابه، وأقدامه ينزل فيه الصديد فكانت رضي الله عنها إذا خرجت من الحمام جاءت فشربت ذلك الصديد عوضا عن الماء فلما قبض الشيخ رضي الله عنه حكت للناس أحواله وكانت حرمتها بين الفقراء كحرمة الشيخ في حال حياته وكان رضي الله عنه يقول: الزم العبودية وآدابها، ولا تطلب بها الوصول إليه فإنه إذا أرادك له أوصلك إليه، وأي عمل خلص حتى تطلب به الوصول، وكان يقول: أبت البشرية أن تتوجه إلى الله تعالى إلا في الشدائد فقيل له في ذلك قال: عطشت مرة في طريق الحاج فقلت لخادمي اغرف لي من البحر المالح فغرف لي ماء حلوا فلما ذهبت الضرورة غرفت فإذا هو مالح، وكان يقول: لا يكون الابتلاء إلا في الفحول من الرجال. وأخبار القرشي كثيرة مشهورة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ محمد بن أبي جمرة رضي الله تعالى عنه ورحمه آمين وهو غير عبد الله بن أبي حمزة، وكان رضي الله عنه كبير الشأن مقبوض الظاهر معمور الباطن غلبت عليه آثار صفة الجلال كان معظما للشرع قائما بشرائعه، وشعائره، وأنكروا عليه في دعواه رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة، وعقدوا له مجلسا فأقام في بيته لا يخرج إلا لصلاة الجمعة، ومات المنكرون عليه على أسوأ حال وعرفوا بركته، ودفن رحمه الله تعالى بالقرافة بمصر، وقبره بها ظاهر يزار، وكان رضي الله عنه يقول: لا يفهم عنك إلا من أشرق فيه ما أشرق ورك، وكان رضي الله عنه يقول: لما كان العلماء والأولياء ورثة الرسل، والأنبياء فلا بد من حصول فترات تقع بين العالم، والعالم، والولي، والولي فإذا اندرست طريقة الداعي أتى يعد زمان من يجددها، ولما كان يحصل في فترات الأنبياء عبادة الأصنام من دون الله كذلك يقع في فترات الأولياء عبادة الأهواء، والبدع وتبديل الأفعال بالأقوال، وغير ذلك مما يشهده أرباب القلوب المنيرة.

Sección V01/P135–V01/P136

وكان رضي الله عنه يقول: لو قدرت أن أقتل من يقول: لا موجود إلا الله فعلت فما يقول هذا في بوله، وغائطه، وعجزه عن دفع الآلام عن نفسه، وشرط الإله أن يكون قادرا فكيف يقول أنا عين الحق هذا من أضل الضلال، وكان رضي الله عنه يقول: لو تدبر الفقيه في قراءته لاحترق بأنوار القرآن، وهام على وجهه، وترك الطعام، والشراب، والنوم، وغير ذلك، وكان إذا رأى فدان القصب مثلا يقول: يجيء منه كذا، وكذا قنطار عسل وكذا، وكذا قنطار سكر فلا يزيد، ولا ينقص عما قال، وطلب السلطان لما زاره أن يبني له رباطا فأخذ السلطان من يده، وأدخله جامع ابن طولون، وقال هذا الجامع كله لي اجلس في أي مكان شئت منه فسكت السلطان، وكان يقول: لا ينبغي للفقير أن يطأ زوجته إذا حملت إلا لغرض صحيح من إعفافها أو إعفافه، ولا ينبغي له وطؤها لمجرد الشهوة فإن ذلك نقص في الفقير، وكان يقول: إياكم، والإنكار على الناس فيما يحتمل التأويل فإني رأيت فقيها أنكر على فقير صنعة الخيال مع المحبظين فأخرج الفقير للفقيه بابا في الخيال وأجلس الفقيه على مكان، وجاء الفيل فلفه بزلومته، وضرب به الأرض فمات فأصبح الفقيه فوقع على ذلك ودفنوه آخر النهار، وقال: مررت يوما على مارس قمح وإذا صبي يقطف من السنابل، ويضعه في قفته فقلت له خل يا ولدي زرع الناس فقال: ومن أين ثبت عندك أنك زرع الناس، والله إنه زرع أبي وجدي فخجلت بين الفقراء من كلامه، وقلت له: جزاك الله يا ولدي خيرا أدبتني حين فاتني التأديب وكان رضي الله عنه يقول: ثلاثة لا يفلحون في الغالب ابن الشيخ، وزوجته وخادمه أما ابنه فإنه يفتح عينه على تقبيل المريدين يده، وحمله على أعناقهم، والتبرك به، ويطيعونه في كل ما يطلبه فتكبر نفسه ويرضع من حب الرياسة من صغره فتتوالى عليه الصفات المظلمة فلا يؤثر فيه، وعظ واعظ، ويتجرأ على الأكابر، وينفي مشيختهم عليه فإن جاء صالحا فاق، والده وانتفع بوالده أكثر من كل أحد وأما الزوجة فإنها ترى الشيخ بعين الإزواج لا بعين الولاية فتعتقد أنه محتاج إليها في الشهوة فإن نور الله تعالى بصرها، ورأته بعين الولاية انتفعت به قبل كل أحد لملاصقتها له ليلا، ونهارا، وأما الخادم فلتكرار رؤية الشيخ، واطلاعه على أحواله من المأكل، والمشرب، والمنام، ولذلك قالوا: لا ينبغي للشيخ أن يأكل مع المريد، ولا يجالسه إلا عند ضرورة خوفا على المريد من سقوط حرمته من قلبه فيحرم بركته من قلبه فيحرم بركة الصحبة فإن نظر الخادم إلى الشيخ بالتعظيم انتفع به كذلك، وأفلح أكثر من غيره رضي الله عنه. ومنهم الشيخ عبد الغفار القوصي رضي الله تعالى عنه صاحب كتاب التوحيد في علم التوحيد، كان رضي الله عنه جامعا بين الشريعة، والحقيقة أمارا بالمعروف ناهيا عن المنكر يبيع نفسه في طاعة الله تعالى، ويحكي أنه أكل مع ولده يقطينا فقال لولده: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب اليقطين فقال: ما هذا إلا قذارة فسل السيف، وضرب عنق ولده، وقدم غرض الشارع صلى الله عليه وسلم على ثمرة فؤاده، ومن كلامه رضي الله عنه: فؤاد لا يقر له قرار ... وأجفان مدامعها غزار وليل طال بالأنكاد حتى ... ظننت الليل ليس له نهار ولم لا والتقي حلت عراه ... وبان على بنيه الإنكسار لبيك معي على الدين البواكي ... فقد أضحت مواطنه قفار وقد هدت قواعده اعتداء ... وزال بذاكم عنه الوقار وأصبح لا تقام له حدود ... وأمسى لا تبين له شعار وعاد كما بدا فينا غريبا ... هنالك ماله في الخلق جار فقد نقضوا عهودهم جهارا ... وأسروا في العداوة ثم ساروا

Sección V01/P136

إلى آخر ما قال. مات رضي الله عنه سنة نيف وسبعين، وستمائة، وكان رضي الله عنه يقول: كلام المنكرين على أهل الله تعالى كنفخة ناموسة على جبل فكما لا يزيل الجبل نفخة الناموسة كذلك لا يتزلزل الكامل بكلام الناس فيه. وكان يقول: السماع من بقية بقيت على الكامل فلو صار أكمل ما تحرك، وقد استمع السهروردي، والقرشي، وأضرابهما. قال: ولما وشوا بذي النون المصري رضي الله عنه إلى بعض الخلفاء، وادعوا أنه زنديق قال له الخليفة ما هذا الكلام الذي يقال فيك فقال: ما هو فقال قالوا إنك تقول كما يقول الحسين الحلاج فقال: لا أعرف ذلك إلا عند السماع فأرسل خلف قوال ينشد شيئا حتى أريكم فأنشد بين يديه فانتفخ ذو النون حتى بقي كالفيل وقطرت كل شعرة منه الدم فقال: الخليفة ما هذا عن باطل ثم أكرمه ورده إلى مصر مكرما، وكان إذ ذاك مقيما بأخميم، وحكي أن سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه قال: التوبة فرض على كل عبد في كل نفس فأنكر عليه أهل بلده، وكفروه حتى خرج من تستر إلى البصرة، ومات بها هذا مع علم سهل، واجتهاده، وعلو شأنه قال: وكذلك شهدوا على الجنيد رضي الله عنه بالكفر مرارا حتى تستر بالفقه، واختفى مع علمه ومعرفته، وهذا من أعجب العجائب، وتقدم جملة من ذلك في مقدمة هذا الكتاب والله أعلم. ومنهم الشيخ أبو الحسن بن الصائغ السكندري رضي الله تعالى عنه كان من أجل أصحاب سيدي الشيخ عبد الرحيم القناوي، وكان يخرج على أصحابه، ويقول لهم أفيكم من إذا أراد الله تعالى أن يحدث في العالم حدثا أعلمه به قبل حدوثه فيقولون لا فيقول أبكوا على قلوب محجوبة عن الله عز وجل، ونزل رضي الله عنه مرة كنزا فوجد فيه سبعة أرادب ذهبا فأخذ منها سبعة دنانير وقال لم يؤذن لي في أخذ شيء غير ذلك، وكان يقول: لا ينبغي لشيخ رباط الفقراء أن يدع الشباب المرد يقيمون عنده إذا خاف من إقامتهم مفسدة على بعض الفقراء لا سيما جميل الصورة من الشباب اللهم إلا أن يكون الشاب غائبا عن طرق الفساد مقبلا على طرق عبادة ربه لا يتفرغ للهو، ولا للعب بشرط أن يتولى الشيخ أمره في الخدمة بنفسه دون نقيب الفقراء إلا أن يكون النقيب متمكنا في نفسه يبعد عنه الفساد، وقال لا ينبغي للشاب أن يجلس في وسط الحلقة مع الرجال إنما يجلس خلف الحلقة، ولا يواجه الناس بوجهه، ولا يخالط أحدا من الفقراء حتى يلتحي، وكان رضي الله عنه إذا جاءه شاب جميل الصورة ينزع ثيابه، ويلبسه الخيش، والمرقعات، وحكي أن شخصا أراد أن يفعل فاحشة في أمرد في مقبرة الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه فصاح الشيخ من داخل القبر أما تستحي من الله يا فقير، رضي الله عنه. ومنهم الشيخ أبو السعود بن أبي العشائر رضي الله عنه

Sección V01/P136–V01/P137

ابن شعبان بن الطيب الباذيني بلدة بقرب جزائر واسط بالعراق رضي الله عنه. ومن أجلاء مشايخ مصر المحروسة، وكان السلطان ينزل إلى زيارته، وتخرج بصحبته سيدي داود المغربي، وسيدي شرف الدين، وسيدي خضر الكردي، مشايخ لا يحصون، وكان يسمع عند خلع نعليه أنين كأنين المريض فسئل رضي الله عنه عن ذلك فقال: هي النفس تخلعها عند النعال إذا اجتمعنا بالناس خشية التكبر، وصام في المهد رضي الله تعالى عنه. مات رضي الله عنه بالقاهرة في يوم الأحد تاسع شوال سنة أربع وأربعين وستمائة، ودفن من يومه بسفح الجبل المقطم، ومن كلامه رضي الله عنه ينبغي للسالك الصادق في سلوكه أن يجعل كتابه قلبه، وكان يقول: من كان الطلب شغله يوشك ألا يضل عن طريق الله تعالى، ومن كان المطلوب شغلة يوشك ألا يقف فالطلب شغل الظاهر، والمطلوب شغل الباطن، ولا يستقيم ظاهر إلا بباطن، ولا يسلم ظاهر إلا بباطن، وكان رضي الله عنه يقول: لا ينصحك من لا ينصح نفسه، ولا تأمن الغش ممن غش نفسه، وكان يقول: من رأيته يميل إليك لأجل نفعه منك فاتهمه، وكان يقول: من ذكرك بالدنيا، ومدحها عندك ففر منه، ومن كان سببا لغفلتك عن مولاك فأعرض عنه، وعليك بحسم مادة الخواطر المشغلة التي يتولد منها محبة الدنيا، وإذا صدر منها خاطر فاعرض عنه، واشتغل بذكره عز وجل عن ذلك الخاطر وكان يقول: احذر أن تساكن الخاطر فيتولد من الخاطر هم، وربما غفلت عن الهم فيتولد منه إرادة، وربما قويت الإرادة فصارت هوى غالبا فإذا صارت هوى غالبا ضعف القلب وذهب نوره، وربما تلف بالكلية، وانعزل عنه العقل وصار كأن عليه غطاء. وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالاستغفال بالله تعالى فإن عجزت عن الاستغفال به فعليك بالاشتغال بالله تعالى فإن عجزت عن الاشتغال به فعليك بالاشتغال بطاعة الله تعالى، ولا أرى لك عذرا في عدم الاشتغال بطاعته لأنها أول درجات الترقي. وكان رضي الله عنه يقول: صلاح القلب في التوحيد، والصدق، وفساده في الشرك، والرياء، وعلامة صدق التوحيد شهوة، واحد ليس معه ثان مع عدم الخوف، والرجاء إلا من الله تعالى وأما الصدق فهو التجرد عن الكل، ومحو كل ذات ظهرت، وفقد كل صفة بطنت فإذا رأيت ميل قلبك إلى الخلق فانف عن قلبك الشرك، وإذا رأيت ميل قلبك إلى الدنيا فانف عن قلبك الشك وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالإحسان إلى رعيتك، والرعية خصوص، وعموم فالعموم العبد، والأمة والولد، والخصوص ما وراء ذلك فعليك بروحك ثم بسرك ثم بقلبك ثم بعقلك ثم بجسدك ثم بنفسك فالروح تطالبك بالشوق، وسرعة السير إليه من غير فتور، والسر يطالبك بأن تخفي سرك، والقلب يطالبك بالذكر له، والمراقبة، وأن تنسى نفسك، وسواه في ذكرك، والعقل يطالبك بالتسليم إليه، والموافقة له، وأن تكون مع مولاك على نفسك، وسواك، والجسد يطالبك بالخدمة له، وخلوص الطاعة، والنفس تطالبك بكفها، وحجرها عن كل ما مالت إليه، وحبسها وتقييدها، وأن لا تصبحها، ولا تستصحبها، وكان يقول: إياك أن تغفل عن مولاك وعما تعبدك به مولاك، وتشتغل بما تعبدك به عمن تعبدك بالعبادة، وكان رضي الله عنه يقول: إذا لم تعن بنفسك فغيرك أحرى أن يضيع نفسك، وكان يقول: أستغفر الله من تقصيري في كل عبادة عدد أنفاسي، وكان يقول: لو استغفرت الله عز وجل بصدق، وإخلاص منذ ابتداء الخلق إلى انتهاء الخلق من غير فتور نفس واحد من أنفاسي ما وفي استغفاري بنفس واحد غفلت فيه عن الله عز وجل فكيف، وأنفاسي كثيرة، واستغفاري خال عن الصدق، والإخلاص فقد بان نقصي، وتقصيري، وإذا كانت أنفاسي ذنوبا، واستغفاري يحتاج إلى استغفار إلى ما لا نهاية له فكيف حالي. نسأل الله المغفرة. وكان رضي الله عنه يقول الأخلاق الشريفة كلها تنشأ من القلوب، والأخلاق الذميمة كلها تنشأ من النفوس فالصادق في الطلب يشرع في رياضة نفسه، وطهارة قلبه حتى تتبدل أخلاقه فيبدل الشك بالتصديق، والشرك بالتوحيد، والمنازعة بالتسليم، والسخط والاعتراض بالرضا، والتفويض، والغفلة بالمراقبة، والتفرقة بالجمعية، والغلظة باللين، واللطف، ورؤية عيوب الناس بالغض عنها، ورؤية المحاسن، والقسوة بالرحمة، والغل، والحقد بالنصيحة، والإدلال بالخوف، وخوف التحويل، ويرى أنه ما وفى حق الله تعالى في ساعة من الساعات، ولا قام بشكر ما أعطاه من فعل الخيرات، وحينئذ تتحقق عبوديته، ويصفو توحيده، ويطيب عيشه، ويعيش مع الله تعالى عيش أهل الجنان في الجنان، وهذه أخلاق الأنبياء، والصديقين، والأولياء، والصالحين، والعلماء العاملين.

Sección V01/P137–V01/P138

وكان رضي الله عنه يقول: لم يصل أولياء الله تعالى إلى ما وصلوا بكثرة الأعمال، وإنما وصلوا إليه بالأدب. وكان رضي الله عنه يقول ما دامت النفس باقية بأخلاقها، وصفاتها فحركات العبد كلها متابعة لخواطرها، وهي شيئان إما للخلق، وذلك شرك أو الراحة النفس، وذلك هوى فالشرك لا يترك التوحيد يصفو، والهوى لا يترك العبودية تصفو، وما لم يشتغل السالك بإضعاف هذا العدو الذي بين جنبيه لا يصح له قدم، ولو أتى بأعمال تسد الخافقين، والرجل كل الرجل من داوى الأمراض من خارج، وشرع في قلع أصولها من الباطن حتى يصفو وقته، ويطيب ذكره، ويدوم أنسه، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على السالك إذا رأى من نفسه خلقا سيئا من كبر أو شرك أو بخل أو سوء ظن بأحد أن يدخل نفسه في ضد ما دعت إليه ثم يقبل على ذكر الله تعالى، ويستنجد بحوله، وقوته، ومجاهداته فتضعف أخلاق نفسه، ويكثر نور قلبه فينزل الحق تعالى ذرة من محبته فيترك الأشياء بلا مكابدة، ويقطع كل مألوف بلا مجاهدة، وكان رضي الله عنه يقول: الأصول التي يبني عليها المريد أمره أربعة اشتغال اللسان مع حضور القلب بذكره، وجبر القلب على مراقبته، ومخالفة النفس والهوى من أجله، وتصفية اللقمة لعبوديته، وهي القطب، وبها تزكو الجوارح، ويصفو القلب فيعطي النفس حظها من المأكل، والمشرب، ويمنعها ما يطغيها منه لأنها أمانة الله عز وجل عند العبد، وهي مطيته التي يسير عليها فظلمها كظلم الغير بل هو أشد لما ورد في خلود قاتل نفسه دون قاتل غيره، والإكسير الذي يقلب الأعيان ذهبا خالصا الإكثار من الذكر مع الإخلاص، وكان رضي الله عنه يقول: المراقبة لله عز وجل هي المفتاح لكل سعادة، وهي طريق الراحة المختصرة، وبها يطهر القلب، وتندحض النفس، ويقوى الأنس فينزل الحب، ويحصل الصدق. وهو الحارس الذي لا ينام، والقيوم الذي لا يغفل، وكان رضي الله عنه يقول: يجب على كل عبد أن يدخل نفسه في كل شيء يغمها، ويسوءها حتى ترجع مطيعة له فإنها هي العقبة التي تعبد الله الخلق باقتحامها، وهي حجاب العبد عن مولاه، وما دام لها حركة لا يصفو الوقت، وما عام لها خاطر لا يصفو الذكر، وبقاء النفس هو الذي صعب على العلماء الإخلاص في تعليمه فإن النفس إذا استولت على القلوب أسرتها، وصارت الولاية لها فإن تحركت تحرك القلب لها، وإن سكنت سكن من أجلها، وحب الدنيا، والرياسة لا يخرج قط من قلب العبد مع، وجودها فكيف يدعي عاقل حالا بينه، وبين الله عز وجل مع استيلائها، أم كيف يصح لعابد أن يخلص في عبادته، وهو غير عالم بآفاتها فإن الهوى روحها، والشيطان خادمها، والشرك مركوز في طبعها، ومنازعة الحق، والاعتراض عليه مجبول في خلقتها، وسوء الظن، وما ينتج من الكبر، والدعوى، وقلة الاحترام سيمتها، ومحبة الصيت، والاستهتار حياتها، ويكثر تعداد آفاتها وهي التي تحب أن تعبد كما يعبد مولاها، وتعظم ربها فكيف يقرب عبد من مولاه مع بقائها ومصالحتها، ومن أشفق عليها لا يفلح أبدا فيجب على الصادق أن كل ما تمقته النفوس يعانقه، وكل ما تميل إليه يفارقه، ويقبل من الذامين ذمهم فيه، ويقول للمادحين ما مدحتموه من وراء حجاب، ويقول لنفسه في كل نفس لا قرب الله مرادك، وأبعد مرامك فنعوذ بالله من أرض ينبت فيها نزاهة النفوس فإن من لمح نزاهتها، ورأى لها قدرا أو علم أن في الوجود أخس من نفسه فما عرف نفسه فكيف ينزهها أو يغضب لها أو يؤذي مسلما لأجلها فيجب اجتنابها كالسم، وما دامت في وجه القلب لا يصل إلى القلب خير لأنها ترس في وجهه، وكلما قويت على القلب زاد شره، ونقص خيره، وما بقى منها بقية فالشيطان لا ينعزل عنها، والخواطر المذمومة لا تنقطع منها وكان رضي الله عنه يقول: يجب على السالك ألا يشتغل بالكلية بمقاومة نفسه فإن من اشتغل بمقاومتها أوقفته كما أن من أهملها ركبته بل يخدعها يخدعها بأن يعطيها راحة دون راحة ثم ينتقل إلى أقل من ذلك، ومن قاومها، وصار خصمها شغلته، ومن أخذها بالخدع، ولم يتابع هواها تبعته.

Sección V01/P138–V01/P139

وكان رضي الله عنه يقول: إذا لبست النفس على مريد حالها، وادعت الترك للدنيا وأن عملها، وعلمها، وتعليمها خالص لله تعالى فيجب عليه أن يزنها بالميزان التي لا تنخرم، والمعيار الذي لا يظلم، وهو تصوير ذمها بعد مدحها، وردها بعد قبولها، والإعراض عنها بعد الإقبال عليها، وذلها بعد عزها، وإهانتها بعد إكرامها فإن وجد عندها التغير والانتصار فقد بقي عليه من نفسه بقية يجب عليه مجاهدتها، ولا يجوز له الاسترسال معها، وليعلم حين التغير أنه واقف مع نفسه عابد لها معين لها على حصول آفاتها وصاحب هذا الحال بعيد من الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: إن المريد متى ترك مجاهدة نفسه، ولم يجذبها، وثبت أخلاقها، وعجز عن الخروج عنها، وكأنه في كل يوم يبني على ذلك الأساس، ويشيده في كل لحظة حتى يموت بدائه، وحسرته فإنه قل من يسر لنفسه الجاه، والصيت فأمكنه الخروج عنه فيجب عليه أن يستغيث بربه عز وجل، وينكس رأسه، ويعتذر إليه، ويسكت عن كل دعوى، وكان رضي الله عنه يقول: كل من بقي له عدو يخاف أن يشمت به فإنما هو لبقاء نفسه، ولبقاء حب الدنيا في قلبه، وكان رضي الله عنه يقول: من أعرض الخلق عنه فتغير منه شعرة واحدة فهو واقف معهم مشرك بربه عز وجل، ومن كسر بكل مرض فتغير منه شعرة واحدة فهو واقف مع نفسه في حجاب عن ربه ومن تغير في حال الذل، ولم يكن كما كان في حال العز فهو محب للدنيا بعيد من ربه وكان رضي الله عنه يقول: كل ما أغفل القلوب عن ذكره تعالى فهو دنيا، وكل ما أوقف القلوب عن طلبه فهو دنيا، وكل ما أنزل الهم بالقلب فهو دنيا. وكتب رضي الله عنه رسالة إلى بعض أخوانه: السلام عليك يا أخي ورحمة الله، وبركاته وبعد فقد سألتني أيها الأخ أن أدعو لك، والعبد أقل من أن يجاب له دعاء، ولكن ندعو لك امتثالا فنقول: ألهمك الله يا أخي ذكره، وأوزعك شكره، ورضاك بقدره، ولا أخلاك من توفيقه، ومعونته، ولا وكلك إلى نفسك، ولا إلى أحد من خليقته، وجعلك ممن، وفى بعهده، وصدق في قوله وفعله وجعلك ممن أراد الله عز وجل وجل في الطلب بالصدق والأدب وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة، والتصديق، وأراد الدار الآخرة بالأعمال الصالحة، واحتمال الأذى، وترك الأذى، وجعلك من المستهترين أي المواظبين لذكر الله تعالى الوجلين من خشية الله تعالى المخلصين لله عز وجل الموحدين لله عز وجل المصدقين لله المؤثرين لله تعالى على أنفسهم المقدمين حقه على حقوقهم الذين خلت بواطنهم من الحقد، وقلوبهم من سواه، ولم يطلبوا من مولاهم سوى الدين الذين لا يستأثرون، ولا يزاحمون ولا يتخصصون، ولسوى مولاهم لا يريدون، وبغيره لا يفرحون، وعلى فقد غيره لا يحزنون الذين هم على جميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشفقون، وبهم يرفقون الذين ينصحون المسلمين ولا يقبحون ويعرفون، ولا يعنفون، وعن عيب من فيه العيب يغمضون، ويسترون، ولعورات المسلمين لا يتبعون الذين هم لله تعالى في جميع الحركات، والسكنات يراقبون الذين غضبهم لله تعالى من غير حقد، ولا تمني سوء، ورضاهم لله عز وجل من غير هوى الذين لا يأمرون إلا بما أمرت به الشريعة، ولا ينكرون إلا ما أنكرت الشريعة على حسب طاقتهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم الذين يبغضون الظلم من الظالم، ويمقتون الظالم، ولا يعظمونه، ويسألون الله تعالى تعجيز الظلمة حتى لا يظلمون، ويتوب الله عليهم حتى يتوبون الذين بما أنزل الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحكمون الزاهدين في الدنيا، والخلق المقبلين بكليتهم على الحق الذين لا يرون من مولاهم إلا ما يرضونه، ويستحسنونه، ولا يرون من نفوسهم إلا ما يكرهونه، ويستوحشونه، وجعلك يا أخي من الموحدين الذين لا شرك عندهم المنزهين الذين لا تهمة عندهم المصدقين الذين لا شك عندهم الذاكرين الذين لا نسيان عندهم الطالبين الذين لا فتور عندهم المتبعين الذين لا ابتداع عندهم المؤثرين الذين لا شفقة على نفوسهم عندهم الزاهدين الذين لا ميل إلى السوي عندهم الذين لا منازعة عندهم الراضين الذين لا سخط عندهم الراحمين للخلق ولا غلظة عندهم الناصحين الذين لا مصانعة عندهم الذين الخوف ملازمهم، والعظمة نصب أعينهم الذين لا يخطر ببالهم كيفية، ولا خيال، وجعلك يا أخي من المحافظين للطاعة التاركين للعادة الذين لا يرضيهم سوى

Sección V01/P139–V01/P140

مولاهم، ولا يرضون نفوسهم، وأرواحهم له، ولا سواهم الذين لا يحقدون، ولا يبغضون. ولاهم، ولا يرضون نفوسهم، وأرواحهم له، ولا سواهم الذين لا يحقدون، ولا يبغضون. ويقفون أثر الشارع، وبه يقتدون، وعلى جميع أصحابه يترحمون، وللقرابة يوادون، وبفضل السلف يعترفون الذين لا يبدعون المسلمين بآرائهم، ولا بأهوائهم، ولا يفسقون الذين خلت بواطنهم من ظن السوء أو تمنيه لمن آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر الذين ليس في بواطنهم إلا الشفقة، والرحمة الذين لا تعجبهم زينة الدنيا، ولا يرون عزيزها عزيزا، ولا غنيها غنيا، ولا ملكها ملكا، ولا المستريح فيها مستريحا، ولا الصحيح فيها معافى الذين يرحمون من أخذ الدنيا بحذافيرها لأنه ما معه شيء الذين يطالبون نفوسهم بالحقوق، ولا يطالبون لنفوسهم الذين لا يلحقهم هم لأجل مقسوم، ولا خوف من مخلوق الذين باينوا صفاتهم حتى انغمرت، ونقوا أخلاقهم حتى ذهبت، وخالفوا نفوسهم حتى عدمت الذين يحببون الله عز وجل إلى خلقه، ويذكرونهم نعمه، ويحببون خلقه إليه بحثهم على طاعته والاعتراف بنعمته والاعتذار من تقصيرهم في خدمته الذين أيديهم مقبوضة عن أموال الناس، وجوارحهم مكفوفة عن أذى المسلمين، والمسلمون معهم في راحة لا يقابلون عن السوء إلا عفوا، وصفحا آمين اللهم آمين: انتهى والله أعلم. قلت: وجميع هذه الرسالة من أخلاق الكمل، وما رأيت في لسان الأولياء أوسع أخلاقا منه، ومن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله عنهما. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم المسوقي القرشي رضي الله عنه هو من أجلاء مشايخ الفقراء أصحاب الخرق، وكان من صدور المقربين، وكان صاحب كرامات ظاهرة ومقامات فاخرة، ومآثر ظاهرة، وبصائر باهرة، وأحوال خارقة، وأنفاس صادقة، وهمم عالية، ورتب سنية ومناظر بهية، وإشارات نورانية، ونفحات روحانية، وأسرار ملكوتية، ومحاضرات قدسية له المعراج الأعلى في المعارف، والمنهاج الأسنى في الحقائق، والطور الأرفع في المعالي، والقدم الراسخ في أحوال النهايات، واليد البيضاء في علوم الموارد، والباع الطويل في التصريف النافذ، والكشف الخارق عن حقائق الآيات، والفتح المضاعف في معنى المشاهدات، وهو أحد من أظهره الله عز وجل إلى الوجود وأبرزه رحمة للخلق، وأوقع له القبول التام عند الخاص، والعام، وصرفه في العالم، ومكنه في أحكام الولاية، وقلب له الأعيان، وخرق له العادات، وأنطقه بالمغيبات، وأظهر على يديه العجائب، وصومه في المهد رضي الله عنه، وله كلام كثير عال على لسان أهل الطريق. ومن كلامه رضي الله عنه من لم يحن مجتهدا في بديته لا يفلح له مريد فإنه إن نام نام مريده، وإن قام قام مريده وإن أمر الناس بالعبادة وهو بطال أو توبهم عن الباطل، وهو يفعله ضحكوا عليه، ولم يسمعوا منه. وكان ينشد كثيرا إذا قيل له انصحنا، وأرشدنا بمثالين من قول بعضهم: لا تعدلين الحراير حتى تكوني مثلهن ... يقبح على معلولة تصف دواء للناس

Sección V01/P140

وكان رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن لا يتكلم قط إلا بدستور شيخه إن كان جسمه حاضرا، وإن كان غائبا يستأذنه بالقلب، وذلك حتى يترقى إلى الوصول إلى هذا المقام، في حق ربه عز وجل، فإن الشيخ إذا رأى المريد يراعيه هذه المراعاة رباه بلطيف الشراب، وأسقاه من ماء التربية، ولاحظه بالسر المعنوي الإلهي فيا سعادة من أحسن الأدب مع مربيه، ويا شقاوة من أساء، وكان رضي الله عنه يقول: من عامل الله تعالى بالسرائر جعله على الأسرة، والحضائر، ومن خلص نظره من الاعتكاس سلم من الالتباس وكان رضي الله عنه يقول: من غاب بقلبه في حضرة ربه لا يكلف في غيبته فإذا خرج إلى عالم الشهادة قضى ما فاته، وهذا حال المبتدئين أما حال الكمل فلا يجري عليهم هذا الحكم بل يردون لأداء فرضهم، وسننهم، وكان رضي الله عنه يقول: من لم يكن متشرعا بتحققا نظيفا عفيفا شريفا فليس من أولادي، ولو كان ابني لصلبي، وكل من كان من المريدين ملازما للشريعة والحقيقة، والطريقة، والديانة، والصيانة، والزهد، والورع، وقلة الطمع فهو، ولدي، وإن كان من أقصى البلاد. وقيل له مرة ما تريد؟ فقال: أريد ما أراد الله عز وجل، وكان رضي الله عنه يقول: ما كل من وقف يعرف لذة الوقوف، ولا كل من خدم يعرف آداب الخدمة، ولذلك قطع بكثير من الناس مع شدة اجتهادهم، وكان رضي الله عنه يقول: سألتكم بالله يا أولادي أن تكونوا خائفين من الله تعالى فإنكم غنم السكين، وكباش الفناء، وخرفان العلف يا من تنور شواهم قد أوهج، ويا من السكين لهم تحد، وتجذب: " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " " التحريم: 6 "، وكان رضي الله عنه يقول: لا يكمل الفقير حتى يكون محبا لجميع الناس مشفقا عليهم ساترا لعوراتهم فإن ادعى الكمال، وهو على خلاف ما ذكرناه فهو كاذب، وكان يقول: لا تنكروا على فقير حاله، ولا لباسه، ولا طعامه، ولا على أي حال كان، ولا على أي ثوب يلبس ولا إنكار على أحد إلا إن ارتكب محظورا صرحت به الشريعة، وذلك أن الإنكار يورث الوحشة والوحشة سبب لانقطاع العبد عن ربه عز وجل، فإن الناس خاص وخاص الخاص، ومبتدي، ومنته، ومتشبه، ومتحقق، ويرحم الله تعالى البعض بالبعض، والقوي ما يقدر أن يمشي مع الضعيف وعكسه والفقراء غيث، وهو سيف فإذا ضحك الفقير في وجه أحدكم فاحذروه، ولا تخالطوه إلا بالأدب، وكان رضي الله عنه يقول: الشريعة أصل، والحقيقة فرع فالشريعة جامعة لكل علم مشروع، والحقيقة جامعة لكل علم خفي، وجميع المقامات مندرجة فيهما.

Sección V01/P140–V01/P141

وكان رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن يأخذ من العلم ما يجب عليه في تأديته فرضه، ونفله، ولا يشتغل بالفصاحة، والبلاغة فإن ذلك شغل له عن مراده بل يفحص عن آثار الصالحين في العمل، ويواظب على الذكر، وكان يقول: الرجال منهم رجل، وبصف رجل، وربع رجل، ورجل كامل، وبالغ، ومدرك، وواصل، وكان رضي الله عنه يقول: توبة الخواص محو لكل ما سوى الله تعالى ولا يتطلعون إلى عمل، ولا قول يتوبون عن أن يختلج في أسرارهم أن لي أو يتوهمون أن علي، ويخشون من قول أنا فهم يراعون الخطرات، وكان يقول: يا مريدي اجمع همة العزم، وقوة شدة الحزم لتعرف الطريق، لإدراك لا بالوصف فأي مقام، وقفت فيه حجبك بل ارفض كل ما يحجبك عن مولاك فإن كل ما دون الله تعالى باطل، وكأن رضي الله عنه يقول: الأعراض تورث الأعراض، وكان يقول: دعني يا ولدي من البطالات، وتجرد من قالبك إلى قلبك، وكان رضي الله عنه يقول: احذر يا أخي أن تدعي أن لك معاملة خالصة أو حالا، واعلم أنك إن صمت فهو الذي صومك، وإن قمت فهو الذي أقامك، وإن عملت فهو الذي استعملك، وإن رأيت فهو الذي أراك، وإن شربت شراب القوم فهو الذي أسقاك، وإن اتقيت فهو الذي وقاك، وإن ارتفعت فهو الذي رقى منزلتك، وإن نلت فهو الذي نولك، وليس لك في الوسط شيء إلا أن تعترف بأنك عاص مالك حسنة، واحدة، وهو صحيح من أين لك حسنة، وهو الذي أحسن إليك، وهو الحاكم فيك إن شاء قبلك، وإن شاء ردك، وكان رضي الله عنه يقول: ولد القلب خير من ولد الصلب، فولد الصلب له إرث الظاهر من الميراث وولد القلب له إرث الباطن من السر. وكان يقول: من أدخل دار الفردانية، وكشف له عن الجلال والعظمة بقي هو بلا هو فحينئذ يبقى زمانا ما فانيا ثم يعود في حفظ الله تعالى: وكلاءته سواء حضر أو غاب، ولا يبقى له حظ في كرامات، ولا كلام، ولا نظام نفساني، وخلص لجانب العبودية المحضة، وكان رضي الله عنه يقول: أصحاب العطاء كثير، وأهل هذا الزمان ما بقي عندهم إلا المنافسة إما يسألون عن معنى الصفات أو معنى الأسماء أو معنى مقطعات حروف المعجم، وهذا لا يليق بالمبتدئ السؤال عنه وأما المتمكن فله أن يلوح بذلك لمن يستحق فإن علمها طريقة الكشف لا غير، وأما من اشتغل بحفظ كلامه الناس أو جمع الحقائق، ولسان المتكلمين في الطريق، والطرائق فمتى يعيش عمرا آخر حتى يفرغ من عمر الفناء إلى عمر البقاء فإن القوم كانوا محبين.

Sección V01/P141–V01/P142

وكل منهم يتكلم بلسان محبته وذوقه فهو كلام لا يحصر، وبحر غرق فيه خلق كثير، ولا، وصل أحد إلى قعره، ولا إلى ساحله، وإنما يذكر العارف كلام غيره تسترا على نفسه أو تنفيسا لما يجده من ضيق الكتمان آه آه آه، ولقد شهد الله العظيم أني ما أتكلم قط أو أخط في قرطاس إلا، وأتوخى أن يكون ذلك شاكلا أو بيانا لمعنى غامض على الناس لا غير فإن الصدق قد ذهب من أكثر الناس وكان رضي الله عنه يقول: جميع المعبرين، والمؤولين، والمتكلمين في علم التوحيد والتفسير لم يصلوا إلى عشر معشار معرفة كنه إدراك معرفة ومعنى حرف، واحد من حروف القرآن العظيم، وكان يقول: أول الطريق الخروج عن النفس، والتلف، والضيق، والحظ فإن الفلاح، والنجاح والصلاح، والهدى، والأرباح لا تصح إلا لمن ترك الحظ، وقابل الأذى، والشر بالاحتمال، والخير، ووسع خلقه والفقير لا يكون له يد، ولا لسان، ولا كلام، ولا صرف، ولا شطح، ولا فعل رديء، ولا يصرفه عن محبوبه صارف ولا ترده السيوف، والمتالف، وكان رضي الله عنه يقول: أكل الحرام يوقف العمل، ويوهن الدين، وقول الحرام يفسد على المبتدئ عمله، والطعام الحرام يفسد على العامل عمله، ومعاشرة أهل الأدناس تورث الظلمة للبصر، والبصيرة، وكان رضي الله عنه يقول: إن الله عز وجل يحب من عباده أخوفهم منه وأطهرهم قلبا، وفرجا ولسانا ويدا وأعفهم، وأعفاهم، وأكرمهم، وأكثرهم ذكرا، وأوسعهم صدرا. وكان يقول: من كان في الحضرة نظر الدنيا، والآخرة، وكان يقول: إياكم، والدعوات الكاذبة فإنها تسود الوجه، وتعمي البصيرة، وإياكم ومؤاخاة النساء، وإطلاق البصر في رؤيتهن، والقول بالشاهد والمشي مع الأحداث في الطرقات فإن هذا كله نفوس، وشهوات، ومن أحدث في طريق القوم ما ليس فيها فليس هو منا، ولا فينا قال الله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا "، وكان رضي الله عنه يتكلم بالعجمي، والسرياني والعبراني، والزنجي، وسائر لغات الطيور، والوحش، وكتب رضي الله عنه إلى بعص مريديه بعد السلام وإنني أحب الولد، وباطني خلى من الحقد، ولا بباطني شظا، ولا حريق لظى، ولا جوى من مضى، ولا مضض غضا، ولا نكص نصا، ولا سقط نطا، ولا ثطب غظا، ولا عطل حظا، ولا شنب سرى، ولا سلب سبا، ولا عتب فجا، ولا سمداد حدا، ولا بدع رضا، ولا شطف جوا، ولا حتف حرا، ولا خمش خيش، ولا حفص عفص، ولا خفض خنس، ولا حولد كنس، ولا عنس كنس، ولا عسعس خمس، ولا جيقل خندس، ولا سطاريس، ولا عيطافيس، ولا هطا مرش، ولا سطا مريش، ولا شوش أريش، ولا ركاش قوش، ولا سملادنوس، ولا كتبا سمطلول الروس، ولا بوس عكمسوس، ولا انفداد أفاد، ولا قمداد انكاد، ولا بهداد، ولا شهداد، ولا بد من العيون، وما لنا فعل إلا في الخير، والنوال انتهى، وكتب إلى بعض مريديه أيضا: سلام على العرائس المحشورة في ظل، وابل الرحمة، وبعد فإن شجرة القلوب: إذا هزت فاح منها شذا يغذي الروح فيستنشق من لا عنده زكم فتبدو له أنوار، وعلوم مختلفة مانعة محجوبة معلومة لا معلومة معروفة لا معروفة غريبة عجيبة سهلة شطة فائقة طعم، ورائحة، وشم يم محل جميل جهد راب علوب نغط نبوط هوبط سهبط جرموا غميطا غلب عمن عسب غلب عرماد علمود على عروس علماس مسرود قدقد فرسم صباع صبع صبوغ نبوب جهمل جما يدحر بوعس قنبود سماع بناع سرنوع ختلوف كداف كروف كمتوف شهدا سهنبيل ختلولف ختوف رصص مامن قمن قرفنيود سعى طبوطا طابرطا كمط، كهرجة جهد بيد قيلودات كهلودات كيكل كلوب فافهم مبرم وقرم منعم وأخبر سهدم سوس سفيوس كلا فيدلا تهتر عن عنيلا سعسد سج تزيد، ولا تتكوكع زند حدام هدام سكهدل، وقد سطرنا لك يا ولدي تحفة سنية، ودرة مضية ربانية سريانية شمسية قمرية كواكب درية، وأنجم خفية علوية، وإنما تصفح المبهم المغلق المغرب الذي سره مغطى بالرموز انتهى.

Sección V01/P142–V01/P143

وكتب رضي الله عنه إلى بعض مريديه أيضا: سلام إن هب الجنوب المفتق أو الصبا المعبق أو الضحى المرونق أو الشمس المتحفة أو الأضحية المعترفة في الأبرجة المعونقة، والمجبرة المحونقة، والميثرة المحتوطفة، واللطيفات المختلفة المستوجنة، والأرابج الأرياح المتولوجة المستودجة فالشهار، والأنهار المستوطج، والصفو المزروق أو المفتودج، والفتوع، والسنبابول، والسربايور، والشوشاند، والشربو ساسع، والبرقوا شاند تفهم يا ولدي فإن كلام المغرب لا يشاكل المعرب وما ليس من لغة العرب لا يفهمه إلا من له قلب أو فهمه الرب، ولا إنكار على علماء الحقيقة، وهم يتكلمون بكل لسان، ولهم لسن عجام، وكتب رضي الله عنه: سلاما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرسله مع الحجاج: سلام على أمير حي المحيا جميل المعنى سخي المراشف أرخى المعاطف كريم الخلق سني الصدق عرفوط الوقت، وردساني الفهم ثاقب المرحب محبول الرحب قطابة النفل قيدوح النماطة ليدوح النباطة سرسا مع الوحب بهدياني الوعب بهبساني الحداقة سهبري النساقة موز الرموز عموز النهوز سلاحات أفق فردفانية أمق شوامق اليرامق حيد وفرقيد، وفرغاط الأسباط، ومبيط البساط الكرقولية، والقدد القيلولية إن حدول شذول وإن عرذل خردل السبل السبل يبط العقود النماحة النياحة جاجوي نبا كلكوي سبا مقطعات حم، ومحكمات حكيم بدايه لوايع إن شدت أنشدت عنيقبات رسمانية ناتوتية نابهتنية بابلية أرس أرسون كمين كبيوت ناتون نون، وجيم ونقطة تنعيم ازمح همدج تنسج هيج دهبر رعبوت قيداف قيدوف عرائش مجليات شعشانية على قطط النبط لا النمط، والبعد لا الشطط فلاق القندم خلاق الزيدم، وأبقى الهندم إن طاطا فطاوما، وإن تعاطى فاستبرق يسمع عنين النبك، وعنين التبك من أوباح فوائد، وأدراح قلائد ليش من لفظ قس الأيادي، ولا له بها أيادي نهدبانية البهاسبهانية الربا قل تيشلقت بالنباهة أببا، وتعطرفت بالسياحة عببا طرايقا عجنبا عرائفها جبا إن تمادى تمدى، وإن بعد أعدد لفظة بارق لحظة حاذق إن ينشد فردقوينة قد أعدت بالرشطاط من قروربان، وحرموزان كروم المرتبلاه، ولا أشباه ألم تك، والدتك، والدتك انتهى. وكان رضي الله عنه يقول: عليك بالعمل، وإياك، وشقشقة اللسان بالكلام في الطريق دون التخلق بأخلاق أهلها، وقد كان صلى الله عليه وسلم يجوع حتى شد الحجر على بطنه، وقام حتى تورمت قدماه ثم تبعه أكابر الصحابة رضي الله عنهم على ذلك فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا تنهد يشم لكبده رائحة الكبد المشوي، وأنفق ماله في سبيل الله كله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد العمل، والكد حتى رقع دلقه بالجلود، ولف رأسه بقطعة خش، وكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن قائما كل ليلة على أقدامه، وكان علي رضي الله عنه من زهاد الصحابة، ومجاهديهم حتى فتح أكثر بلاد الإسلام هؤلاء خواص الصحابة رضي الله عنهم مع قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كان عملهم هذا كان اجتهادهم، وزهدهم، وجوعهم فأحكموا الحقيقة والشريعة ولا تفرطوا إن أردتم أن تكونوا يقتدى بكم وما سميت الحقيقة حقيقة إلا لكونها تحقق الأمور بالأعمال، وتنتج الحقائق من بحر الشريعة، وكان رضي الله عنه يقول: ما دام لسانك يذوق الحرام فلا تطمع أن تذوق شيئا من الحكم، والمعارف. وكان رضي الله عنه يقول: للباصر في العين بصر، وللقلب لسان يدق عن الإدراك، وكان رضي الله عنه يقول: أحببه يحبك أهل الأرضين، والسماء، وأطعه يطع لك الجن، والإنس، ويجف لك البحر والماء، ويطع لك الهواء، وكان يقول: يا ولدي عليك بالتخلق بأخلاق الأولياء لتنال السعادة، وأما إذا أخذت، ورقة الإجازة، وصار كل من نازعك تقول: هذه إجازتي بالمشيخة دون التخلق فإن ذلك لا شيء إنما هو حظ نفس لكن اقرأ الإجازة، واعمل بما فيها من الوصايا، وهناك تحصل على الفائدة، ويحصل لك الاصطفاء، وهذه طريق مدارج الأولياء قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل إلى آخر الدنيا، وكان رضي

Sección V01/P143

الله عنه يقول: إذا اشتغل المريد بالفصاحة، والبلاغة فقد تودع منه في الطريق، وما اشتغل أحد بذلك إلا وقطع به، وأما حكايات الصالحين، وصفاتهم فمطالعتها للمريد جند من أجناد الله تعالى ما لم يقنع بها في الطريق، وكان يقول: العلم كله مجموع في حرفين أن يعرف العبودية، ويعبده فمن فعل ذلك فقد أدرك الشريعة، والحقيقة، وليس في هذا تعطيل العلماء بل العلم ابن للعمل، وإنما قلنا ذلك من أجل قول الله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " " المزمل: 20 " ولكل فرقة منهاج، وإلا فقد يجمع الله العلم، والعمل في رجل واحد، يفيد الناس كل الفوائد فالشريعة هي الشجرة، والحقيقة هي الثمرة، وكان يقول: الطريق إلى الله تعالى تفني الجلاء، وتفتت أكباد، وتضني الأجساد، وتدفع السهاد، وتسقم القلب، وتذيب الفؤاد فإذا ارتفع الحجاب سمع الخطاب، وقرأ من اللوح المحفوظ الرموز، واطلع على معان دقت، وشرب بأوان رقت فكان مع قلبه ثم يكون مع مقلبه لا مع قلبه لأن الله يحول بين المرء، وقلبه فإذا خرج عن الكل طال لسانه بلا لسان مع شدة اجتهاده، وأعماله الظاهرة ثم الباطنة ثم بعد ذلك لا حركة، ولا كلام، ولا تسمع إلا همسا إنما هو سمت بلا حس ثم يصفو من صفاء الصفاء، ووفاء الوفاء، ويخلص من إخلاص الإخلاص في الإخلاص للإخلاص ثم يتقرب بما يكون به جليسا فإن المجالسة لها آداب أخر خاصة يعرفها العارفون وكان رضي الله عنه يقول: إذا كمل العارف في مقام العرفان أورثه الله علما بلا واسطة، وأخذ العلوم المكتوبة في ألواح المعاني ففهم رموزها وعرف كنوزها، وفك طلسماتها، وعلم اسمها، ورسمها، وأطلعه الله تعالى على العلوم المودعة في النقط، ولولا خوف الإنكار لنطقوا بما يبهر العقول، وكذلك لهم من إشارات العبارات عبارات معجمة، وألسن مختلفة، وكذلك لهم في معاني الحروف، والقطع، والوصل، والهمز، والشكل، والنصب، والرفع ما لا يحصر، ولا يطلع عليه إلا هم وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر، والماء، والهواء، وما في البر، والبحر، وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء، وما في جباه الإنس، والجان مما يقع لهم في الدنيا، والآخرة، وكذلك لهم الاطلاع على ما هو مكتوب بلا كتابة من جميع ما فوق الفوق، وما تحت التحت، ولا عجب من حكيم يتلقى علما من حكيم عليم فإن مواهب السر اللدني قد ظهر بعضها في قصة موسى، والخضر عليهما السلام، وكان رضي الله عنه يقول: من الأولياء من لا يدري الخطاب، ولا الجواب فهو كالحجارة مودعة أسرارا ناطقة بلسان حال صامتة عن الكلام مودعة من غوامض الأسرار، والعطاء مفرق فمنهم عارف، ومحب، ومشغوف، وذاكر، ومذكر، ومعتبر، وناطق، وصامت، ومستغرق، وصائم، وقائم، وهائم، ومفطر، وصائم صائن، وصائم صائم، وقائم دائم، ونائم، واصل، وواصل سهران، وواقف ذاهل، وداهش، واهن وواهم، وباك باسم، ومقبوض، وضاحك، وخائف، ومختلط، ومختبط، وموله، ومتوله، وصائح، ونائح، ومجموع بجمعيه، وجمعه إن خرج عن إياهما انتفع، ومنهم من مزق الثياب حين حقق، وتاب، وغلب عليه الحال، ويرحم الله البعض بالبعض، وكان رضي الله عنه يقول: يا أولادي طوبى لمن وصل إلى حال تقرب العباد من الله تعالى ثم وقف يدعوهم إليها فكونوا داعين إلى الله تعالى بإذن الله، وكان رضي الله عنه يقول: رأس مال المريد المحبة، والتسليم، وإلقاء عصا المعاندة، والمخالفة، والسكون تحت مراد شيخه، وأمره فإذا كان المريد كل يوم في زيادة محبة وتسليم سلم من القطع فإن عوارض الطريق، وعقبات الالتفاتات، والإرادات هي التي تقطع عن الإمداد، وتحجب عن الوصول.