İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
والثاني : أن تعظم عنده عظمة توقعه في اليأس والقنوط » وتؤديه إلى سوء الظن باللّه تعالى : فهذه عظمة مذمومة قادحة في الإيمان » وهي شر عليه من ذنوبه » وسبب ذلك وجود جهله بصفات مولاه المحسن الجواد الكريم » ووقوفه مع نفسه وقياسه بعقله وحدسه « 2 » » ولو كان عارفا باللّه حق المعرفة لاستحقر ذنوبه في جنب كرمه وفضله » فأيّ قدر للعبد أو قيمة حتى يقع في ذنب لا يسعه عفو ربّه » ويكبر عليه أن يغفره . قال في « التنوير » : « واعلم أنه لا بدّ في مملكته من عباد هم نصب الحلم » ومحل ظهور الرحمة والمغفرة ووقوع الشفاعة » » وافهم قوله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لو لم تذهبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اله تعالى فيغفر لهم » « 3 » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي » « 4 ». وجاء رجل إلى الأستاذ أبي الحسن » قدّس الله سره العزيز » فقال : يا سيدي » كان (1 ) أخرجه ابن الجوزي في ( زاد المسير 7 / 29 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 9 ) ء والزبيدي في ( إتحاف السادة المتقين 9 / 168 ) » وابن عساكر في ( تهذيب تاريخ دمشق ( 6 / 37 ) » وأبو نعيم في ( حلية الأولياء 4 / 109 ) » والهيثمي في ( مجمع الزوائد 7 / 194 ) . (2 ) الحدس : الظن والتخمين . ( 3 ) أخرجه مسلم ( توبة » 11 » 9 ) » والترمذي ( جنة » 2 ) » ( دعوات » 98 ) » وأحمد بن حنبل (1 ١ 5 ١» 309 ٠» 305 ١ 2 » 289 ١ 414 ) . ( 4 ) أخرجه أبو داود ( سنة » 21 ) والترمذي ( قيامة » 11 ) » وابن ماجة ( زهد ؛ 37 ) » وأحمد بن حنبل ( 3 / 213 ) . 102 103 « 7/7 » البارحة بجوارنا من المنكرات كيت . . وكيت « 1 » ٠ وظهر من ذلك الرجل استغراب أن يكون هذا ء فقال : يا هذا كأنك تريد أن لا يعصى الله تعالى في مملكته ! ! صل الله عليه وسلم : وإن عصى عالما ! ! انتهى . فلا ينبغي للعبد أن يستعظم ذنبه استعظاما يؤديه إلى أن يلقي بيديه إياسا من روحه » وقنوطا من رحمته » وسوء ظن به » بل عليه أن يتوب إلى ربّه منه » ويرجع إليه عنه » ويعلم حكمة الله تعالى في تسليطه عليه وتخليته بينه وبينه » وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى الله تعالى بين مؤمن وبين ذنب أبدا » فنبهك الله بهذا على أن الذنب مانع من وجود العجب الذي هو أعظم حجاب بين العبد وبين مولاه » لأن صاحبه ناظر إلى نفسه » لا إلى ربه » مستعظم لطاعته وعبادته » ملاحظ لذلك » وساكن إليه » بخلاف ذلك الذنب » لأنه يوجب له الخوف والحذر والملجأ إلى الله تعالى والفرار إليه عن نفسه » والعجب يصرف العبد عن اللَّه تعالى ؛ والذنب يصرفه إليه » والعجب يقبل به على ربّه » والعجب يؤديه إلى الاستغناء والذنب يؤديه إلى الافتقار » وأحت أوصاف العيد إلى الله عز وجل افتقاره إلى 'مولاه + وأشرف أحوال المؤمن ما يرذه إليه » ويقبل به عليه . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا صغيرة إذا قابلك عدله » ولا كبيرة إذا واجهك فضله ) .
إذا ظهرت الصفات العليّة بطلت أعمال العاملين ؛ فإذا ظهرت صفة العدل على من أبغضه ومقته ل بطلت حسناته وعادت صغائره كبائر » وإذا ظهر و صف الكرم والفضل على من أحبّه اضمحلت سيئاته ورجعت كبائره صغائر . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « إن وضع عليهم عدله لم تبق لهم حسنة » وإن نالهم فضله لم تبق لهم سيئة » . ومن دعائه » رضي الله عنه : « إلهي . . إن أحببتني غفرت سيئاتي . . وإن مقتّني لم تقبل حسناتي . . » . وما أحسن قول سيدي أبي الحسن الشاذلي » رضي الله تعالى عنه » في دعائه ومناجاته : « . . البغض منك ؛ والإساءة لا تضر مع الحب منك » . 104 105 » 7/8 « وسيأتي من مناجاة المؤلف رحمه الله في مثل هذا المعنى قوله : « إلهي كم من طاعة بنيتها . . . وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك » بل أقالني منها فضلك » . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه (لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده » ويحتقر عندك وجوده ). [لا عمل أرجى للقلوب من عمل يغيب عنك شهوده و يحتقر عندك وجوده. ] في النسخ الموجودة بأيدينا « لا عمل أرجى للقلوب » ٠ ومعناه على هذا الوجه : إن العمل الموصوف بهذه الصفة لا يلتفت إليه القلب ولا يعتبره » وفي عدم التفاته واعتباره صلاحه وتحرره من رقّ رؤيته » فيبقى حينئذ مع ربه لا مع عمله » ويكون ذلك على حذف مضاف تقديره : لا عمل أرجى لصلاح القلوب » أو ما في معناه . وسيأتي من كلام المؤلف ما يناسب هذا المعنى » وهو قوله : « قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم . . . الخ » . والقاك على الطن أن الذى قكللة: المؤلف ؛ راحمه الناققاك ١ وذكره انما هو لفظ زر القبول » وتفريزه على هذا الوحه أن تقول : بسلامة العمل من الآذات قراط 3 قرولة ؛ أن ساك مق ال تعالى ؛ وقد قال » عرّ من قائل :إِنّما ينبل اللَّهُ مِنَ الْمتَقِينَ[ المائدة : 27 ] . وإنما يسلم العمل من الآفات باتهام النفس في القيام بحقه ورؤية تقصيره فيه » فيغيب عنه إذ ذاك شهوده ويحتقر عنده وجوده » فلا يساكنه ولا يعتمد عليه » فإن لم يكن على هذا الوصف بل كان ناظرا إليه مستعظما له » غائبا عن شهود منّة الله تعالى عليه فى توفيقه له أوقعه ذلك فى العجب تخبط للك عبله ر خاب مكيهه : 1 قال أبو سليمان الدارانى رضى الله عنه : « ما استحسنت من نفسيى عملا فاحتسبته » وقل على بن الحسين + رحن الله تغالى عنه : رز كل شىء من أفعالك ذا انصلت ب 95377 فذلك دليل على أنه لم يقبل منك ٠ لأن القبول مرفوع مغيّب عنك » وما انقطعت رؤيتك فذلك دليل على القبول » . وقد سئل بعض العارفين : « ما علامة قبول العمل ؟ 7 قال : نسيانك ياه وانقطاع نظرك عنه بالكلية » بدلالة قوله تعالى :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمْ الطَيّبْ وَالْعَمَلْ الصَالِحٌ يَرْفَعْهُ [ فاطر : 10 ] قال : فعلامة رفع الحق تعالى ذلك العمل أن لا يبقى عندك منه شيء » فإنه إذا بقي في نظرك منه شيء ولم يرتفع لبينونة بين عنديّتك وعنديّته » فينبغي للعبد إذا عمل عملا أن يكون عنده نسيا منسيا بما ذكرناه من اتهام النفس ورؤية التقصير حتى يحصل له قبوله .
9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 106 107 » 7/9 « الوارد عبارة عما يرد على القلب عن المعارف الربانية واللطائف الروحانية ليطهره بذلك ويزكّيه حتى يصلح بذلك للورود عليه والدخول إلى حضرته ؛ لأن الحضرة منزّهة عن كل قلب متكدّر بالآثار متلوّث بأقذار الأغيار » فإذن إنما أورده عليك لتكون به عليه واردا . أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار » وليحررك من رق الآثار . الإ اي ل قل قلق لور يك 0 ل ل فإنما أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد من غصبك ؛ وليحررك من ملكية من استرقك » والإشارة إلى هذا المعنى بما ضرب الله تعالى من المثل للكافر في قوله :ضَرَب الله مَتَلَّا رَجُلّا فيه شرَكاءً مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلَا سَلَما ِرَجُلٍ » هَل يَسْتَّوِيانِ متلا[ الزمر : 29 ] فمن سلم من يد الأغيار » وحرّر من رق الآثار لا يكون لمخلوق فيه نصيب ولا شركة » وكان سلما رن ]1 © تعر جل 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك ). سجن وجوده هو شهرةة شه ودرا ساته لحكلة فضي شيرةء : أن يغيب عن ذلك بشهوده عظمة الله تعالى وجلاله ورؤية قيام حركاته وسكناته به . قال أبو القاسم النصراباذي « 2 » » رضي الله تعالى عنه : « سجنك نفسك إذا خرجت منها وقعت في راحة الابد » لس وسوس الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ) . 51 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( الآنوار مطايا القلوب. و الأسرار و النور جند القلبء, كما أن الظلمة جند النفسء فإذا أراد أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار و قطع عنه مدد الظلم و الأغيار). أنوار الإيمان واليقين مطايا حاملة لأسرار القلوب إلى حضرة علام الغيوب » وتلك هي الواردات المذكورات . النور حند القلب ؛ كما أن الظلمة حند النفس » فاذا أراذ. الله أن ينضصر عيذه أمذه بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار . نور التوحيد واليقين » وظلمة الشرك والشك جندان للقلب والنفس » والحرب (1 ) السّلم : الاستسلام والخضوع . ( 2 ) هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي ( توفي 369 ه / 979 م ) 108 109 » 80 « بينهما سجال « 1 » » فإذا أراد الله نصر عبده أمدّ قلبه بجنوده » وقطع عن نفسه مدد جنودها » وإذا أراد خذلان عبده فعلى العكس ٠ فإذا مال القلب إلى العمل بأمر محمود مؤلم في الحال ملتذ به في المآل ومالت النفس إلى العمل بأمر مذموم ملت به في الحال مؤلم في المآل » وتنازعا وتقاتلا سارع النور الذي هو من أمر الله تعالى ورحمته إلى نصرة القلب » وبادرت الظلمة التي هي من وساوس الشيطان وملّته إلى نصرة النفس » وقام صف القتال بينهما ؛ فإن سبقت للعبد من لله سابقة السعادة اهتدى القلب بنور الله تعالى واستهان بالعاجلة ورغب في الآجلة » وعمل بما مال إليه القلب وإن آلمه في الحال لما يرجوه من التنعٌم به في المآل » وإن سبقت له من الله الشقاوة » والعياذ بالله » ذهل القلب عن النور » وأعمته الظلمة عن منفعة الآجل » واغترٌ بلذة العاجل » وعمل بما مالت إليه نفسه » وإن آلمه في المآل لما يحصل لها من لذة الحال . وعند التقاء الصفين والتحام القتال بين الجندين لا سبيل للعبد إِلّا فزعه إلى الله تعالى » ولياذه به » وكثرة ذكره له وصدق توكله عليه » واستعاذته به من الشيطان الرجيم .
وهذه العبارات الخمس من قوله : ( إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه واردا ) إلى هنا تفنن فيها صاحب الكتاب » وكررها بألفاظ مختلفة والمعاني فيها متقاربة » وهذه عادته في مواضع كثيرة من هذا الكتاب » رضي الله تعالى عنه . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( النور له الكشف . والبصيرة لها الحكم . والقلب له الإقبال والإدبار) . هذه ألفاظ مختلفة لمعان متغايرة ؛ فالنور يفيد كشف المعاني المغيّبات حتى تتّضح وتشاهد » والبصبرة التي هي تأطر القلب لقي الحكم ء وهو صحة ما شاهدته » والقلب له لقيال كما بمقتضى ما شاهدته البصيرة » وله أيضا الإدبار تركا للعمل د أ بمقتضى ما شاهدته البصيرة . 53 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك , وافرح بها لأنها برزت من اللّه إليك ؛ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) . الفرح بالطاعة على وجهين : ' طلب من العبد » وذلك هو مقتضى شكرها . وفرح بها من حيث ظهورها من العبد باختياره وإرادته » وحوله وقوته » فهذا هو 110 111 « 81 » هذا الوجه فرح بلا شيء » وسيأتي في آخر الكتاب أنواع الفرح بالنعم وما يحمد منها وما يذمّ تامة مستوفاة . 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم : أما السائرون , فلآنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها » وأما الواصلون . فلأنه غيبهم بشهوده عنها). فقد أسبغ الله نعمته على الفريقين ؛ حيث فعل معهم ذلك » لأنه أبقاهم معه » ولم يدّعهم لسواه ؛ فالواصلون فعل ذلك بهم طوعا منهم » والسالكون فعل ذلك بهم كرها : وَلِلَهِ يَسْجُّدُ مَنْ في السّماوات وَالْأَرْضٍ طعا وَكَرْهاً [ الرعد 5 فالواصلون ن قطعهم عن ذلك بشهودهم له في حضرة قربه » ومن شاهده لم يشهد معه غيره ؛ إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه . والسالكون قطعهم عن ذلك عدم تحققهم بالصدق أو البراءة من الدعوى » فهم أبدا متتهمون لأنفسهم في توفية أعمالهم وتصفية أحوالهم . قال النهرجوري « 1 » رضي الله تعالى عنه : « من علامات من تولاه الله في أحواله أن يشهد التقصير في إخلاصه والغفلة في أذكاره . والنقصان في صدقه » والفتور في مجاهداته » وقلّة المراعاة في فقره » فتكون جميع أحواله عنده غير مرضيّة ويزداد فقرا إلى الله في قصده وسيره حتى يفنى عن كل ما دونه » . وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد « 2 » رضي الله عنه : « لا يصفو لأحد قدم ة في العبودية حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء وأحواله كلّها عنده دعاوى » . وقال أبو يزيد رضي الله تعالى عنه : « لو صفت لي تهليلة واحدة ما باليت بعدها بشيء 1 وإلى هذين المقامين تشير الحكاية التي تروي عن الواسطي رضي الله تعالى عنه وذلك : أنه لما دخل نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان رضي اله عنه : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها » فقال : أمركم (1 ) إسحاق بن محمد النهرجوري ( توفي سنة 330 ٠ه - 941 م ) أبو يعقوب من علماء الصوفية نسبته إلى نهرجور . رحل إلى الحجاز » وأقام مجاورا بالحرم سنين كثيرة ومات بمكة من كلامه : الصدق موافقة الحق في السر والعلانية » وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة . ( الأعلام 1 / 296 » والرسالة القشيية ص 438 ) .
( 2 ) إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف السلمي النيسابوري ( توفي سنة 366 ه - 977 م ) أبو عمرو ء زاهد عابد » له « جزء » في الحديث » كان ثقة وكان شيخ الصوفية في نيسابور » 112 113 « 82 » بالمجوسية « 1 » المحضة ! ! هلا أمركم بالغيبة عنها بشهود مجريها ومنشتها » . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري ءرضصي الله تعالى عنه : « وإنما أراد الواسطي بهذا صيانتهم 0 محل الإعجاب » لا تعريجا في أوطان التقصير » أو تجويزا للإخلال بأدب من الآداب « 2 » , 5 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما بسقت أغصان ذل إِلّا على بذر طمع ) . البسوق : الطول » يقال : بسقت النخلة بسوقا إذا طالت » قال الله تعالى : وَالنَخْلَ بابقاتٍ [ ق : 10]. والآأغصان : جمع غصن » وهو ما تشغب عن سوق الشجر » ويجمع أيضا على غصون . والبذر : الحبٌ الذي يزرع وهذه كلها استعارات مليحة . محض تعلّق بالناس ٠ والتجاء إليهم » واعتماد عليهم » وعبودية لهم . وفي ذلك من المذلّة والمهانة ما لا مزيد عليه » ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه . والطمع مضاد لحقيقة الإيمان الذي يقتضي وجود العزة » والعزة التي اتصف بها المؤمنون إنما تكون برفع هممهم إلى مولاهم » وطمأنينة قلوبهم إليه » وثقتهم به دون من سواه » فهذه هى العزة التي منحها الله عبده المؤمن » قال الله تعالى :وَيِلَهِ الْعِرّةُ وَلِرَسُوَلِهِ وَلِلْمُوْمِنِينَ[ٍ المناقون : 8 ] . وكما أن العزّة من صفات المؤمنين كذلك الذلّة من أخلاق الكافرين والمنافقين ٠ قال الله تعالى :إِنَّ الذين بحاذون الدْدَ وَرَسُوَلَهُ أوليْكَ فِي الْأذَلِينَ[ المجادلة 20 ]. قال أبو بكر الورّاق الحكيم « 3 » رضي الله عنه : « لو قيل للطمع من أبوك ؟ قال : الشك في المقدور ء ولو قيل له : ما حرفتك ؟ قال : اكتساب الذلّ » ولو قيل : ما غايتك ؟ قال : الحرمان » . (1 ) المجوس : معرب عن ( منج كوش ) بالفارسية » ومعناها : صفير الأذنين » وهم أمة يعبدون الشمس أو النار » وواحدهم مجوسي . (2 ) انظر الرسالة القشيرية ص /5 . (3 ) هو أبو بكر محمد بن عمر الوراق الترمذي » أقام ببلخ » وصحب أحمد بن خضرويه وغيره . له تصانيف في الرياضة » قال : من أرض الجوارح بالشهوات » غرس في قلبه شجر الندامات . ( الرسالة القشيرية ص 440 ) . 114 » 83 « وقال أبو الحسن الورّاق النيسابوري » رضي الله عنه : « من أشعر في نفسه محبة شيء من الدنيا فقد قتلها بسيف الطمع » ومن طمع في شيء ذل » وبذّله هلك » وقد قيل في ذلك : أتطمع في ليلى وتعلم أنما تقطع أعناق الرجال المطامع فالطامع لا محالة فاسد الدين » مفلس من أنوار اليقين . قال في التذوير : « وتفقد وجود الورع من نفسك أكثر مما تتفقد ما سواه » وتطهّر من الطمع في الخلق . » فلو تطهّر الطامع فيهم بسبعة أبحر ما طهّره إِلّا اليأس منهم » ورفع الهمّة عنهم » . قال : وقدم علي بن أبي طالب « 1 » » رضي الله تعالى عنه » البصرة » فدخل جامعها » فوجد 3 6 31 5 00 فأقامهم ١ حتى جاء إلى الحسن البصري » رضي الله تعالى عنه » فقال : يا فتى إني سائلك عن أمر فإن أجبتني عنه أبقيتك ٠ وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه سمتا « 2 » وهديا « 3 - فقال الحسن : سل عما شئت قال : ما ملاك « 4 » الدين ؟
قال : الورع » قال : فما فساد الدين ؟ قال : الطمع . قال : اجلس فمثلك من يتكلم على الناس . قال : وسمعت شيخنا » رضي الله عنه » يقول : كنت في ابتداء أمري بثغر الإسكندرية جئنت إلى بعض من يعرفني فاشتريت منه حاجة بنصف درهم » ثم قلت في نفسي : لعله لا يأخذه مني » فهتف بي هاتف : السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين . قال : وسمعته يقول : صاحب الطمع لا يشبع أبدا » ألا ترى أنّ حروفه كلّها مجوّفة : الطاء : والميم » والعين . ثم قال بعد هذا : فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق » ولا تذلٌ لهم » فقد سبقت قسمته وجودك » وتقدّم ثبوته ظهورك (1 ) علي بن أبي طالب ( 23 ق ه - 40 ه ( 600 - 661 م ) هاشمي قرشي . رابع الخلفاء الراشدين وأول العشرة المبشرين » وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره » ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء » وأول الرجال إسلاما » ولد بمكة . ( الأعلام 4 / 295 » والرسالة القشيرية ص 108 » وتهذيب الكمال 13 / 293 ) . (2 ) السمت : الطريق والمذهب أو هيئة أهل الخير . (3 ) الهدى : الرشاد . (4 ) ملاك الأمر : قوامه وخلاصته أو عنصره الجوهري . 115 » 84 « واسمع ما قاله بعض المشايخ : « أيها الرجل ؛ ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه » فلا بدّ أن يمضغاه » فكله - ويحك - بعز » ولا تأكله بذلٌ » . قلت : تقدّم الآن من كلامه في « التنوير » ذكر الورع في مقابلة الطمع » وكذلك في جواب الحسن لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما لمّا سأله مستخبرا له عن صلاح الدين وفساده في الكلام الذي حكاه عنهما » ولا شك أنّ الورع الظاهر لعامة الناس » وهو ترك الشبهات والتحرّج من اقتحام المشكلات لا يقابل الطمع كل المقابلة » وقد ذكرنا الطمع ما هو » وإنما يقابله ورع الخاصة » وهو عندهم : صحة اليقين وكمال التعلق برب العالمين » ووجود السكون إليه » وعكوف الهمم عليه » وطمأنينة القلب به » ولا يكون له ركون إلى غير ء ولا انتساب إلى خلق ولا كون » فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد » وبه يصلح كل عمل مقرّب وحال مسعد . قال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « الورع على وجهين : ورع في الظاهر » وهو : ألا تتحرك إلا لله » وورع في الباطن » وهو : أن لا يدخل قلبك إلا الله » . ذكر أن بعضهم كان حريصا على أن يرى أحدا ممن هذه صفته » فجعل يجتهد في طلبه » ويحتال ويقول لمن يعطيه منهم حين المناولة : خذ لا لك » فكانوا يأخذون ولا يسمع من أحد منهم جوابا مطابقا لما أراده بكلامه » إلى أن ظفر ذات يوم ببغيته وحصل على مقصوده ومنيته » وذلك أنه قال لأحدهم : خذ لا لك » فقال له : آخذه لا منك . فإن كان للعبد استشراف « 1 » إلى خلق ,٠ أو سبقية نظر إليهم قبل مجيء الرزق أو بعده فمقتضى هذا الورع » والواجب في حق الأدب » أن لا ينيل نفسه شيئا مما يأتيه على هذه الحال عقوبة لنفسه في نظره إلى أبناء جنسه » كقصّة أيوب الحمّال مع أحمد بن حنبل » رضي الله عنهم » وهي معروفة » وكما روي عن الشيخ أبي مدين » رضي الله عنه » أنه أتاه حمّال بقمح فنازعته نفسه وقالت له : يا ترى » من أين هذا ؟
فقال لها : أنا أعرف من أي هو يا عدوّة الله » وأمر بعض أصحابه أن يدفعه لبعض الفقراء ؛ عقوبة لها . لكونها رأت الخلق قبل رؤية الحق تعالى . وقد قيل : « أحلّ الحلال ما لم يخطر لك على بال » ولا سألت فيه أحدا من النساء والرجال » . (1 ) استشرف الشيء : رفع بصره ناظرا إليه . 116 » 85 « وقد صرّح بهذا المعنى الذي ذكرناه وأوضح الغرض الذي قصدناه شيخ الطريقة وإمام أهل الحقيقة من المتأخرين أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي الله عنه » فإنه قال : « اعلم أن الورع أن لا يكون بينك وبين الخلق نسبة في أخذ أو إعطاء أو قبول أو ردّ » وأن يكون السبق لله تعالى » وهو أن تأتي إليه طاهرا من جميع الأشياء والعلم والعمل , كما قال تعالى :وَلَقَدْ حِنثمُونا فرادى كما حَلَقْناكُمْ أَوّلَ مَرَةِ[ الأنعام : 94 ] » . وقال أيضا : « الورع : أن لا تتحرك ولا تسكن إِلَا وترى الله في الحركة والسكون » فإذا رأى الله ذهبت الحركة والسكون وبقي مع الله » فالحركة ظرف لما فيها . كما قال بعضهم : « ما رأيت شينا إلا رأيت الله فيه » فإذا رأى اللّه ذهبت الأشياء . وقال أيضا : « أجمع العلماء على أن الحلال المطلق ما أخذ من يد الله بسقوط الوسائط » وهذا مقام التوكل ؛ ولهذا قال بعضهم : « الحلال هو الذي لا ينسى الله فيه » » إلى غير هذا من العبارات التي عبّر بها في هذا المعنى . وقال بعض هذه الطائفة : « العبيد كلهم يأكلون أرزاقهم » ثم يفترقون في المشاهدات » فمنهم : من يأكل رزقه بذلَ » ومنهم : من يأكل رزقه بامتهان » ومنهم : من يأكل رزقه بانتظار » ومنهم : من يأكل رزقه بعز بلا مهانة ولا انتظار ولا ذلة » فأمًا الذي يأكلون أرزاقهم بذل » فالسؤال يشهدون أيدي الخلق فيذلون لهم » وأما الذين يأكلون أرزاقهم بامتهان فالصناع يأكل أحدهم رزقه بمهنته وكدّه » وأما الذين يأكلون أرزاقهم بانتظار فالتجار ينتظر أحدهم على نفاق سلعته » فهو متعوب القلب معذب بانتظاره ٠ وأما الذين يأكلون أرزاقهم بعر من غير مهنة ولا انتظار ولا ذل ٠ فالصوفية يشهدون العزيز فيأخذون قسمتهم من يده بعزة » . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه تر لسن مع الإيمان أسباب » إنما الأسباب مع الإسلام » قال الشيخ أبو طالب رضي الله عنه » معناه : ليس في حقيقة الإيمان رؤية الأسباب والسكون إليها » إنما رؤيتها والطمع في الخلق يوجد في مقام الإسلام .
وقد عقد المؤلف رحمه الله في « لطائف المنن » فصلا في هذا المعنى وجعله لجميع وظائف الآداب الدينية أصلا ومبنى » فرأينا نقله في هذا الموضع من صواب العمل المتكفّل إن شاء الله بنجاح الأمل » قال رضي الله عنه : « اعلم - رحمك الله - أن ورع الخصوص لا يفهم إلا قليل » فإن من جملة ورعهم تورّعهم عن أن يسكنوا لغيره أو يميلوا بالحب لغيره » أو تمتد أطماعهم بالطمع في غير فضله وخيره ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع الوسائط والأسباب » وخلع الأنداد والأرباب , كك[ ل9#ا9ا9اةا406ا00060 إلى أنوار 117 » 86 « ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا أو ترفعهم الآخرة » تورّعوا عن الدنيا وفاء » وعن الوقوف مع الآخرة صفاء » قال الشيخ عثمان بن عاشوراء : « خرجت من بغداد أريد الموصل فأنا أسير » وإذا أنا بالدنيا قد عرضت لي بعزها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيّناتها ومشتهياتها فأعرضت عنها » فعرضت علي الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وثمارها فلم اشتغل بها » فقيل لي : يا عثمان » لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية » ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنا » فها نحن لك » وقسطك « 1 » من الدارين يأتيك » . وقال الشيخ عبد الرحمن المغربي » وكان مقيما بشرقي الإسكندرية : « حججت سنة من السنين » فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية » فإذا عليّ قائل يقول لي : إنك في العام القابل عندنا » فقلت في نفسي : إذا كنت بالعام القادم هاهنا فلا أعود إلى الإسكندرية » فخطر لي الذهاب إلى اليمن فأتيت إلى عدن فإنا يوما على ساحلها » وإذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم ومتاجرهم » ثم نظرت فإذا رجل فرش سجادته على البحر ومشى على الماء » فقلت في نفسي : لم أصلح للدنيا ولا للآخرة » فإذا العلىّ يقول لي : من لم يصلح للدنيا ولا للآخرة يصلح لنا » . وقال الشيخ أبو الحسن » رضي الله تعالى عنه : « الورع نعم الطريق لمن عجّل ميراثه وأجّل ثوابه » فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من الله وعن الله » والقول بالله » والعمل لله وبالله وعلى البينة الواضحة والبصيرة الفائقة « 2 » » فهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالهم لا يدبّرون ولا يختارون » ولا يريدون ولا يتفكرون » ولا ينظرون ولا ينطقون » ولا يبطشون ولا يمشون ولا يتحركون إلا باللّه » وله من حيث يعلمون » هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فهم مجموعون في عيد الجمع لا يتفرقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى . 9 11« «[ [ [ زذزذز1ذز1 1 1 1 2231# لعلمه وعمله ميزان فهو محجوب بدنيا » أو مصروف بدعوى ء وميراثه التعزر « 3 » لخلقه السك على مكلة» والدلالة على اله يعمله قهذا هر الكبير ان المبين ١ و العياذ كاله العظي م ذلك . والأكياس يتورّعون عن هذا الورع ويستعيذون باللّه منه » ومن لم يزدد بعلمه وعمله احتقارا لنفسه » وافتقارا لربّه » وتواضعا لخلقه فهو هالك » فسبحان من قطع كثيرا من الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم » كما قطع كثيرا من المفسدين بفسادهم عن موجدهم » فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم » . قال : فانظر - 1 تسطك «نصيرك حصتك . (2 ) الفائق : الجيد من كل شيء والممتاز على غيره من الناس ( ج ) فوقة ((3 ) تعزز : صار عزيزا » وتقوى بعد ذلة . 118 » 8/ « فهّمك الله سبيل أوليائه ؛ ومن عليك بمتابعة أحبائه - هذا الورع الذي ذكره الشيخ رضي الله عنه هل كان يصل فهمك إلى مثل هذا النوع من الورع ؟
, 07 ألا ترى قوله : « قد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من الله وعن الله » والقول بالله » والعمل لله وبالله على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة » فهذا هو ورع الأبدال والصدّيقين لا ورع المنقطعين الذي ينشأ عن سوء الظن وغلبة الوهم » انتهى . وإنما أوردنا هذه المعاني هاهنا تتميما للفائدة المتعلقة بكلام صاحب « التنوير » من كون الورع يي الي ا يي ل ل ل « لا تمد يدك إلى الإخذ من الخلائق ق . . . إلخ ) » فانظره فيه . 6 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما قادك شيء مثل الوهم ) . الوهم : أمر عدمي . وهو ضد الحقيقة الوجودية » والنفس الناقصة انقيادها إلى الأمور الوهمية الباطلة أشد من انقيادها إلى الحقائق الثابتة ؛ لوجود المناسبة بينهما . والطمع في الناس انقياد إلى الأوهام الباطلة » لأن الطمع تصديق الظنّ الكاذب » والطمع فيهم طمع في غير مطمع » وأرباب الحقائق بمعزل عن هذا فلا تتعلّق هممهم إلا بالله » ولا يتوكلون إلا عليه » ولا يثقون إلا به » قد سقط اعتبار الأوهام والخيالات التي هي متعلّقة بالأغيار عن قلوبهم » فزال عنهم الطمع فاتصفوا بصفة القناعة والورع » فكانت لهم الحياة الطيبة والعيشة الراضية . والقناعة مقام عظيم من مقامات اليقين » وهي من بدايات أحوال الراضين . قال بعض العارفين : « لا يكون العبد قانعا حتى لو جاء إلى باب منزله جميع ما يرغب فيه أهل الدنيا من الاتساع والنعمة فعرض عليه لم ينظر إلى ذلك ولم يفتح له بابه قناعة منه بحاله » وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في معنى قوله تعالى : فَلَنْحْبيَنَهُ حَياةَ طَيّبّة [ النحل : 97] قال : هي القناعة . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنت حر مما أنت عنه آيس . وعبد لما أنت فيه طامع ) . ا من الشيء دليل على فراغ القلب منه وغناه عنه » وذلك حريّة منه » فالطامع عبد » واليائس حر ؟ ولهذا قيل : الح ىا ووه ته ناكم ولا نطبم نا 386 حو قن م 19 10 « 88 » العقاب « 1 » يطير في فضاء عزه بحيث لا يرتقي طرف إلى مطاره » ولا تسمو همّة إلى الورضول إليه ؛ فيرى قطعة لحم معلفة على شبكة فير له الطيع من مطاره : فبداق بالشيكة 8135 » فيصيده صبيّ يلعب به » . وقيل : إن فتحا الموصلّى رضي الله تعالى عنه » كان قاعدا فسئل عمن تابع الشهوات كيف صفته ؛ وكان بقربه صبيّان مع أحدهما خبز بلا إدام » ومع الآخر خبز مع كامخ « 2 » » فقال الذي لم يكن معه كامخ لصاحبه : أطعمني من الكامخ » فقال له : بشرط أن تكون كلبي » فقال : نعم » فجعل في رقبته خيطا » وجعل يجرّه كما يقاد الكلب ٠ فقال فتح للسائل : أما إنه لو رضى بخبزه ولم يطمع في كامخ صاحبه لم يصر كلبا لصاحبه . وحكى عن بعضهم أنه دخل على تلميذ له فقدّم التلميذ إليه خبزا قفارا « 3 » » ولم يكن له إدام » فأخذ يتمنى بقلبه أن ليت كان له إدام يقدّمه إلى أستاذه » فقام الأستاذ وقال : تعالى معي ٠ فحمله إلى باب السجن فرأى الناس : يضرب واحد » ويقطع آخر » ويعذب كلّ واحد بأنواع العذاب » فقال الأستاذ للتلميذ : ترى هؤلاء ؛ هم الذين لم يصبروا على الخبز القفار » . وقيل : إن رجلا أخرج من السجن وفي رجله قيد وهو يسأل الناس » فقال لإنسان : أعطني كسرة ء فقال : لو قنعت بالكسرة لما وضع القيد في رجلك .
ورأى رجل رجلا من الحكماء يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء » فقال : لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذاء تقال الحكيم «. وانت لو تنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان. وقد أردت أن أذكر هنا حكاية مناسبة لما نحن فيه ليتعرّف بها كيف تكون الهمّة السنية والآداب المرضية في إخذ البلغ « 4 » من الدنيا والقناعة باليسير من الأشياء ورؤية منّة الله تعالى في تيسير القليل والشكر له على ذلك » قال بعضهم : « خرجنا من المدينة حجاجا » فلما كنا بالزاوية نزلنا » فوقف بنا رجل عليه ثياب رثّة » وله منظر وهيبة وصورة حسنة ومروءة فقال : من يبغي خادما ؟ من يبغي ساقيا ؟ فقلت : دونك هذه القربة » فأخذها وانطلق » ولم يلبث إِلَّا يسيرا حتى أقبل وقد امتلأت أثوابه طينا وأثّرت القربة في كتفيه فوضعها وهو كالمسرور الضاحك » ثم قال : ألكم غيرها ؟ قلنا : لا » وأطعمناه قرصا باردا فأخذه وحمد الله سبحانه وشكره شكرا كثيرا » ثم اعتزل » وقعد يأكله أكل جائع . (1 ) العقاب : طائر من كواسر الطير قوي المخالب » حادّ البصر » له منقار قصير أعقف ( ج ) عقبان . (2 ) الكافح : ما يؤتدم به أو المخللات المشهية ( ج ) كوافح . ( 3 ) القفار : الخبز غير المأدوم . 21 122 « 89 » فأدركتني عليه الشفقة فقمت إليه بطعام طيّب كان معنا » وأكثرت له منه » فقلت له : قد علمت أنه لم يقع منك القرص بموقع فدونك هذا الطعام »؛ فنظر في وجهي وتبسم وقال : يا عبد الله إنَما هي فورة جوع فلا أبالي بأي شيء رددتها عني ! ! فرجعت عنه ء» فقال لي رجل إلى جنبي : أتعرفه ؟ قلت : لا ! ! قال : إنه رجل من بني هاشم من ولد العباس بن عبد المطلب « 1 » » هذا من ولد سليمان بن أبي جعفر المنصور » كان يسكن البصرة فتاب » فخرج منها » ففقد » فما عرف له أثر وقلت له : يا فتى ٠ أنا رجل من إخوانك » وقد بلغني موضعك فأحببت الاتصال بك فهل لك أن وقال : لو أردت هذا لكان لي معدا » ثم أنس إليّ » وجعل يحدثني فقال : أنا رجل من ولد العباس ؛ كنت أسكن البصرة » وكنت ذا كبر شديد وتجبّر وبذخ وإني أمرت خادما أن تحشو لي فراشا من حرير » ومخذة بورد نثير » فبينما نائم إذا بقمع وردة قد غفلت عنه الخادمة » فقمت إليها فأوجعتها ضربا » ثم عدت إلى مضجعي بعد إخراج القمع من المخدّة » فأتاني آت في منامي في صورة فظيعة » فهزني » وقال لي : أفق من غشيتك » وأبصر من حيرتك » ثم أنشأ يقول : يا خدّ إنك إن توسّد ليّنا وسدّت بعد الموت صمّ الجندل « 2 » فامهد لنفسك صالحا تسعد به فلتند من غدا إذا لم تفعل قال : فانتبهت فزعا فخرجت من ساعتي إلى ربي هاربا . فهذا خبري . قال الراوي : فلما قضى حديثه هذا انخنس عني » ومضى . 8 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ومن لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان ) . النفوس الكريمة تقبل على الله بملاطفات إحسانه » وموالاة فضله وامتنانه والنفوس اللئيمة لا تنقاد إلا بسلاسل الامتحان ووقوع المصائب في الأموال والأبدان . والقود بالسسلاسل استعارة حسنة . قال سيدي أبو مدين رضي الله تعالى عنه : د سنة اشدعر وجل استدعاء العياد لعيادته يبعة الأرراف وذوا م المعافاة ليرجعوا إليه بنعمته » فإن لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم ان مراده عز وجل » رجوع العبد إليه طوعا أو كرها » .
(1 ) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ( 51 ق ه - 32 ه - 573 - 653 م ) أبو الفضل من أكابر فريش في الجاهلية والإسلام ؛ وحِذ الخلفاء العياسيين , قال رسول الله حلى الله عليه وسلم في وصفه : العقل » مولعا بإعتاق العبيد » كار ها للرق » وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسيجد الحرام . أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه » شهد وقعة حنين وفتح مكة » وعمي في آخر عمره . ( الأعلام 2 / 262 م » وتهديب الكمال 9 / 464 ) . 123 124 « 90 » 9 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ومن لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها » ومن شكرها قيدها بعقالها ). شكر النعم موجب لبقائها والزيادة منها » وكفرانها وعدم شكرها موجب لزوالها وانفصالها قال الله تعالى ِلَيْنْ شكَرْتُمْ لَأزِيدَتَكُم[ إبراهيم : 7] . وقال الله تعالى :إِنَّ الله لا يُغَيْرُ ما بهم حَتّى يُغَيرُوا ما بِأَنْْسِهمْ[ الرعد : 11 ] لف ذا غتروا مايه من الطاعات وه شك الندم عر انه تداك ها مه 237727 الكرم و حتفت كنا اندر و الفحء على ا اللفظة فقوا : الشكر قي الل ' وقالوا : « الشكر قيد للموجود وصيد للمفقود » وكان يقال : « النعم إذا روعيت بالشكر فهي أطواق » وإذا روعيت بالكفر فهي أغلال » . والشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب » وشكر باللسان » وشكر بسائر الجوارح . فشكر القلب : أن يعلم أن النعم كلها من الله تعالى » قال الله تعالى :وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ الله [ النحل : 53] . وشكر اللسان : الثناء على الل تعالى » وكثرة الحمد والمدح له » ويدخل فيه التحدث بالنعم وإظهارها ونشرها قال الله تعالى :وَأمًا ينفمّة رَئِكَ فَحَدّتْ [ الضحى :11 ] , وقال عمر بن عبد العزيز « 1 » رضي الله تعالى عنه : « تذكّروا النعم » فإن تذكٌرها شكر » « 2». ومن شكر اللسان أيضا شكر الوسائط بالثناء عليهم والدعاء لهم : وفي حديث النعمان بن بشير « 3 » رضي الله تعالى عنه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يشكر القليل لم (1 ) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي ( 61 - 101 ه - 681 - 0م ) أبو حفص الخليفة الصالح + والملك العلدل » وك ونشا بالمدينة . ولى الخلافة يعيداكق سليمان فبويع في مسجد دمشق ٠؛ وسكن الناس في أيامه » فمنع سب عليّ بن أبي طالب ولم تطل مدته حيث دس له السم فمات . وكان يدعى « أشج بني أمية » » وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين تشبيها له بهم . ( الأعلام 5 / 50 » وشذرات الذهب 1 / 119 » وتهذيب الكمال 14 / 115 ) . (2 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 4 » 278 ٠» 375 ) . ( 3 ) النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري ( 2 - 65 ه - 623 - 684 م ) أبو عبد الله , الى معطب 73317 ل ل 10 معاوية وولي القضاء بدمشق » وولي اليمن لمعاوية » ثم استعمله على الكوفة تسعة أشهر , وعزله وولاه حمص », واستمر فيها إلى أن مات يزيد بن معاوية فبايع النعمان لابن الزبير » وتمرد أهل حمص » فخرج هاربا » فأتبعه خالد بن خلّي فقتله . ( الأعلام 8 / 36 » وأسد الغابة 5 / 22 » وتهذيب الكمال 19 / 98 ) . 125 » 91 « يشكر الكثير » ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله » « 1».
وعن أسامة بن زيد « 2 » » رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أشكر الناس لله أشكرهم للنّاس » « 3 » » وسيأتي الكلام على هذا المعنى في آخر الكتاب إن شاء الله عند كلام المؤلف عليه . وشكر سائر الجوارح : أن تعمل بها العمل الصالح » قال الله تعالى :ِاغْمَلُوا آلَ داودَ شكْراً [ سبأ : 3 ] ؛ فجعل العمل شكرا . وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى انتفخت قدماه » فقيل له : يا رسول الله أتفعل هذا » وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال « أفلا أكون عبدا شكورا » « 4 » . وسأل رجل أبا حازم رضي الله تعالى عنه » فقال : « ما شكر العينين ؟ قال : اذا رأيت يهما خيرا أعلنته » وإذا رأيث يهما شرا سترته . قال : فما شكرا الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا وعيته » وإذا سمعت بهما شرا دفنته » قال : فما شكر اليدين ؟ قال : لا تأخذ بهما ما ليس لك , ولا تمنع حقًا هو لله فيهما ذل نما شكر البطر ؟ قال : أن يكون أسفله صبرا وأعلاه علما . قال : فما شكرٍ الفرج ؟ قال : كما قال الله تعالى : وَالَّذِينَ كُمْ لِفْرُوجِهِمْ حافِظونَ إِلّا عَلى أَرُواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنْهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [ المؤمنون : 6 ] . قال ؛ نما شكر الرجلين ؟ قال + إن ر اياقا نينا 12ت الل ني 11 ايك قينا بد كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله تعالى » فأما من شكر بلسانه » ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه » فلم ينفعه ذلك من الحرّ والبرد والثلج والمطر » . وأجمع العبارات للشكر قول من قال : «الشكر معرفة الجنان» وذكر باللسان» وعمل بالأركان». (1 ) أخرجه أبو داود ( أدب ٠ 11 ) » والترمذي ( برّء 35 ) » وأحمد بن حنبل ( 2 » 258 » ١ 5 ١» 3/5 ٠» 2/8 » 4 ١» 82 » 74 »3 » 402 » 461 ١» 388 » 303 » 5 211 » . 2 (2 ) أسامة بن زيد بن حارثة ( 7 ق ه - 54 ه - 615 - 674 م ) من كنانة عوف » أبو محمد » صحابي جليل . ولد بمكة » ونشأ على الإسلام » وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا جما وينظر إليه نظره إلى سبطيه الحسن والحسين » وهاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة » وأمرّه رسول اله قبل أن يبلغ العشرين من عمره » مات في الجرف في آخر خلافة معاوية . له في كتب الحديث ( 128 ) حديثا . ( الأعلام 1 / 291 » والإصابة 1 / 29 » وتهذيب الكمال 1 / 514 ) . (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 5 » 212 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( تهجد ء 6 ) » تفسير سورة 48 » 2 ) ٠» ومسلم ( منافقين 79 ٠ 81 ) » والنسائي ( قيام الليل » 17 ) » والترمذي ( صلاة » 187 ) » وابن ماجة ( إقامة » 200 ) » وأحمد بن حنبل ( 4 ٠» 251 ٠ 255 »؛ 6 ؛ 115 ) .
126 « 92 » والقدر اللازم من شكر المنعم ما قاله الجنيد رضي الله تعالى عنه » حين سأله السرّي » رضي الله تعالى عنه قال الجنيد رضي الله عنه : كنت بين يدي السرّي » رضي الله عنه » وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر فقال لي : يا غلام » ما الشكر ؟ فقلت : « أن لا يعصى الله بنعمه . فقال : يوشك أن يكون حظك من الله لسانك » » فلا أزال أبكي على هذه الكلمة . 0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( خف من وجود إحسانه إليك ودوام إساءتك معه . أن يكون ذلك استدراجا لك : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثْ لا يَعْلَمُونَ ) . الخوف من الاستدراج بالنعم من صفات المؤمنين » وعدم الخوف منه مع الدوام على الإساءة من صفات الكافرين » يقول : من أمارات الاستدراج ركوب السيئة والاغترار بزمن المهلة » وحمل ا ل م ل ل أي لا يشعرون بذلك » وهو أن يلقي في أوهامهم أنهم على شيء ٠ وليسوا كذلك » ليستدرجهم شيئا فشيئا حتى يأخذهم بغتة » كما قال تعالى : فَلَمّا نَسُوا ما ذُكُرُوا بِهِ . . [ الأنعام : 44 والقلم ] 44 : إشارة إلى مخالفتهم وعصيانهم فَتَحْنا عَلَيْهمْ أْواتٍ كُلَّ شَيْءٍ » أي : فتحنا عليهم أسباب العافية وأبواب الرفاهية حَتّى إذا قَرِحُوا بما أوتُوا من الحظوظ الدنيوية » ولم يشكروا عليها برجوعهم منها إلينا أخذدائم بثنة , أي : فجأة فإذا هم منلينون أي : أيسون قانطون من الرحمة . قال سهل بن عبد الله » رضي الله تعالى عنه » في قوله تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْتْ لا يَعْلَمُونَ شن ل رسيي الشكر شيها : قإذا كدر إلى النقمة رحد اع المي اخنوا »4 وقال ابن عطاء الله : « كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة » وأنسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة » . : ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه )1 ( من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه ١ فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد » فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ء ولو لم يكن إلا منع المزيد وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري » ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد) . 27 128 » 93 « بالعذاب لأهل الخطايا والذنوب » والعقوبة بالحجاب لأهل إساءة الأدب بين يدي علام الغيوب . وقد تكون العقوبة الخفية والمؤجّلة أشد على المريد من العقوبة الجلية المعجلة ؛ ومثال تلك العقوبة الخفية ما ذكره من قطع المدد عنه وإقامته في مقام البعد عنه , وهذا هو مبدأ وقوع الحجاب الذي ذكرناه » فإذا ابتلي به المريد ولم تتداركه رحمة من الله تعالى في الحال العتيد « 1 » » كان ذلك موجبا لسقوطه من عين الله ووقوع الحجاب على قلبه » وتبدّل الأنس بالوحشة » وانتساخ الضياء بالظلمة » ولم يمكنه بعد ذلك معاودة الحال الأولى » لأنه إذ ذاك تنقطع عنه الإمدادات المتصلة » والواردات المتحصلة ؛ فتنكسف عنه حينئذ شمس العرفان » وتتستر عنه الكشوفات والبيان » وهذه جنود الله تعالى في قلب العبد » فإذا فقد النصرة من الله تعالى بذلك وقع في الخذلان » واستحوذ عليه الشيطان » فأنساه الذكر وحاق به سئ المكر » ورجع إلى متابعة هوى نفسه الأمّارة » وخرج من دائرة الصفوة المختارة » فنعود باللّه من سوء المقدر وعدم التوفيق إلى مراعاة أوائل الأمور » وما احتج به المريد لنفسه من الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه الله ؛ يقتضي توجّه هذه العقوبة إليه ضربة لازب « 2 » » لأن قوله : ( لو كان سوء أدب . .
إلخ ) دليل على رضاه بحاله واستحسانه لأعماله » وهذا هو الموجب له عدم المزيد الذي اقتضاه قطع المدد عنه » ولو كان المدد متواصلا إليه لازداد عندما يقع منه سوء الأدب تواضعا لربّه وافتقارا إليه وخوفا من مكره » ولم يستحسن حال نفسه ولم يرضها . ١ قال سيدي أبو العباس » رضي الله تعالى عنه : « كل سوء أدب يثمر لك أدبا مع الله تعالى فهو أدب » » وهو الذي أوجب له أيضا التخلية بينه وبين ما يريد الذي اقتضى له إقامته مقام البعد» إذلو كان مقاما في القرب لبعد عن رؤية نفسه وكان متهما لها في إرادتها » وكان واقفا مع مراد الله به » فإن أقدم على أمر بإرادته وشهوته تداركه الله تعالى بالعصمة » وعوّق عليه ما أراده » وسدّ عليه مسالكه ؛ ولم يخله وما أراد من ذلك . ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد منك إليها ؛ وصرف المعاصي عنك مع السعي فيها » فتح باب اللجاء والافتقار إلى الله تعالى في كل الأحوال . الهرب منها » وغلق باب اللجاء إلى الله وترك الدعاء في الأحوال . (1 ) العتيد : المهيأ والحاضر والمعدٌ . (2 ) اللازب : اللازم الثابت » يقال : صار الأمر ضربة لازب أي صار لازما ثابتا شديد اللزوم 129 » 94 « والأدب له موقع عظيم في التصوّف ؛ ولذلك قال ابو حفص ؛ رحس اله عد « التصوّف كله آداب : لكل وقت أدب » ولكل حال أدب ٠ ولكل مقام أدب » فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال » ومن ضيّع الآداب فهو بعيد من حيث يظن القرب » ومردود من حيث بيظن القبول » . وقال أبو عبد الله بن خفيف « 1 » : « قال لي « رويم » « 2 » : يا بني اجعل عملك ملحا » وأدبك دقيقا » . وقال بعضهم : « الزم الأدب ظاهرا وباطنا » فما أساء أحد الأدب ظاهرا إلا عوقب ظاهرا » وما أساء أحد الأدب باطنا إلا عوقب باطنا » . وقال ذو النون المصري رضي الله تعالى عنه : « إذا خرج المريد عن حدّ الأدب فإنه يرجع من حيث جاء » . وقال الثوري » رضي الله عنه : « من لم يتأدب لوقت فوقته مقت » . وقال ابن المبارك » رضي الله عنه : «نحن إلى قليل من الأدبء أحوج منًا إلى كثير من العلم». وقيل لبعضهم : «يا سئ الأدب ! فقال : لست بسيء الأدب » فقيل له : ومن أدّبك ؟ فقال: والآداب اللازمة للمريد عامة في ظاهره وباطنه » وآداب الظاهر تبع لآداب الباطن » وآداب الباطن هي التحلّي بمحاسن الأخلاق كلها » وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « أدبني ربّي فأحسن تأديبي » ثم أمرني بمكارم الأخلاق » « 3 » » فقال :خُذِ الْعَفََ وَأَمُرْ بِالْعْرْفٍ وَأَعْرِضن عَنِ الْجِاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] . (1 ) محمد بن خفيف ( 276 - 371 ه - 890 - 982 م ) أبو عبد الله الشيرازي » صوفي شافعي » كان شيخ إقليم فارس » وهو من أولاد الأمراء » تزهد وسافر في سياحات كثيرة وصنف كتبا » من كلامه : « ليس شيء أضر بالمريد » من مسامحة النفس في ركوب الرخص » . ( الأعلام 6 / 114 » وشذرات الذهب 3 / 76 » والرسالة القشيرية ص 420 ) . (2 ) رويم بن أحمد بن يزيد بن رويم ( توفي سنة 330 ه - 941 م ) صوفي شهير » من جلة مشايخ بغداد . من كلامه « الصبر ترك الشكوى » والرضى استلذاذ البلوى » . ( الأعلام 3 / 37 ) » والرسالة القشيرية ص 420 ) .
( 3 ) أخرجه العجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 72 ) » والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 327 ) والفتني في ( تذكرة الموضوعات 87 ) » والألباني في ( السلسلة الضعيفة 72 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 31895 ) . 130 » 95 « ولا يحصل له ذلك » بعد توفيق الله وتأييده » إِلّا بالرياضة والمجاهدة . قال ابن غطاء الله ركب الله غنه : د« النفس محبولة على سوء الأدي ) و الكة لامر يملا زبية الأدب » فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة » والعبد يردّها بجهده عن سوء المطالبة » ممن أطلق عنانها فهو شريكها في فسادها » . ويختلف ما ذكرناه من المجاهدة والرياضة باختلاف الأشخاص » فربَ شخص ذكيّ الفطرة « 1 » كريم السجيّة « 2 » سهل المقادة » لا يحتاج في ذلك إلى كثير معاناة ولا تعب » ورب شخص يكون حاله على عكس هذا » فلا جرم « 3 » يحتاج إلى زيادة تعب وقوّة ممارسة وشدة مجاهدة لرداءة فطرته ونقصان غريزته » وبين هذين درجات لا تحصى , ولهذا كله يحتاج المريد إلى صحبة المشايخ والتأدب بآدابهم واتّباع أوامرهم ونواهيهم . لأنه إن لم تجر أفعاله على مراد غيره لا يصح له الانتقال عن الهوى ». ولو بلغ في الرياضة والمجاهدة كل مبلغ » وذلك لكثافة حجاب نفسه » . وقد سئل الدّقاق » رضي الله تعالى عنه : « بما ذا يقوّم الرجل إعوجاجه ؟ فقال : بالتأتب بإمام » فإن لم يتأدب بإمام بقي بطّالا » فإذا دام العبد على ذلك تزكّت نفسه » وطهر لبه : ونيايت أخلاقه : وظهر على ظاهرء انوار ذلك ؛ فتكرن حر كات ظاهرة وياطنة مزمومة بزمام الأدب حتى تنتهي به إلى المحافظة على تجنب أمور غير مستنكرة » في ظاهر العلم ؛ ريكون ترك محافظته عليها ننبا من مثله » وقد يعاتب عليه وقد يعاقب من أجله . قال السري » رضي الله عنه : « صلّيت العشاء واشتغلت بوردي « 4 » ليلة من الليالي ؛ ومددت رجلي في المحراب « 5 » » فنوديت : يا سري » هكذا تجالس الملوك ؟ ! فضممت رجلي » ثم قلت : وعزتك وجلالك لا مددت رجلي أبدا » . م د ل ل له مامه رجحل يك ل تيار وقال أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « كان الأستاذ أبو عليّ الدقاق » رضي الله عنه ٠ لا يستند إلى شيء » فكان يوما جالسا في مجمع » فأردت أن أضع وسادة خلف ظهره لأني رأيته غير مستند » فتنحّى عن الوسادة قليلا » فتوهمت أنه توقى الوسادة » (1 ) الفطرة : الخلقة التي خلق عليها المولود في أول خلقه . (2 ) السجية : الخلق والغريزة والطبيعة ( ج ) سجيات وسجايا . (3 )لا جرم : لا بد ولا محالة . الورد : النصيب من القرآن أو الذكر . المحراب : صدر البيت » وأكرم موضع فيه . ( ج ) محاريب . 131 » 96 « لأنه لم يكن عليها خرقة ولا سجّادة » فقال : لا أريد الاستناد . فتأملت بعد ذلك فعلمت أنه لا يستند إلى شيء أبدا » .
وقال أبو القاسم الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « كنت جالسا في مسجد « الشونزية » « 1 » أنتظر جنازة أصلّي عليها » وأهل بغداد » على طبقاتهم , ؛ جلوس ينتظرون الجنازة » فرأيت فقيرا عليه أثر النسك « 2 » يسأل الناس » فقلت في نفسي : لو عمل هذا عملا يصون به نفسه لكان أجمل به » فلما انصرفت إلى منزلي » وكان لي شيء من الورد بالليل من البكاء والصلاة وغير ذلك ٠» فثقل عليّ جميع أورادي » فسهرت وأنا قاعد » فغلبتني عيني فرأيت ذلك الفقير جاؤوا به على خوان « 3 » ممدود وقالوا لي : كل لحمه » فقد اغتبته ! ! وكشف لي عن الحال » فقلت : ما اغتبته وإنما قلت في نفسي شيئا ! ! فقيل لي : ما أنت مما يرضى منك بمثله » اذهب واستحله » فأصبحت ولم أزل أتردد حتى رأيته في موضع يلتقط من الماء عند تراد الماء أوراقا من البقل مما تساقط من غسل البقل » فسلّمت عليه » فقال أتعود يا أبا القاسم ؟ فقلت : لا » فقال : غفر الله لنا ولك » . . . إلى غير ذلك من آدابهم » رضي الله عنهم أجمعين . والظاهر أن مراد المؤلف » رحمه الله » بإساءة الأدب ما كان فيه نوع من الرعونة وإظهار الدعوى واتصاف العبد بصفة المولى » وانبساطه وإذلاله في موقف الهيبة والحياء وما أشبه ذلك مما يخاف على صاحبه وقوع الاستدراج والمكر به » ولكن ينبغي للمريد أن لا يتهاون بشيء من الآداب ولا يستحقرها ؛ فإنّ التهاون بذلك والاستحقار له من مخامرة الجهل وعدم المعرفة باللّه تعالى » وهذا أقبح أنواع سوء الأدب . فإن وقعت منه إساءة أدب فليكن خائفا من ذلك مستعظما للامر فيه » وليبادر إلى التوبة والاعتذار والتنصّل منها خشية أن توجّه إليه العقوبة من حيث لا يشعر . وآكد ما ينبغي أن يجتنبه المريد من مقتضيات هذه الجملة التي ظهر لنا أنها مراد المؤلف » رحمه لله تعالى رمن انواء سرع لهب ) أن بر طن خاطرةه على تىء من الاعتر اضن على الله تعالى وتعاطي التدبير معه » والتبرّم بأحكامه المؤلمة في نفسه أو غيره » وأن يسرح لسانه بالشكوى إلى الخلق » والعيب لما لا يوافق هواه » أو نقض في نظره مما يراه من الحق » فإن خطر بباله أو جرى على لسانه شيء من ذلك فليبادر إلى الاستغفار منه والتفصّي عنه > وليعلم أن تشاغله يذلك من أعظم الحسنات وأفضل ْ (1 ) الشونزية : مقبرة بغداد في جانبها الغربي . ( معجم البلدان 3 / 34 ) . (2 ) النسك. : حق اله تعالى , دك الرجل : أخلص نقيه للادة والطاعة ل و :7385 (5 ) الخوان . ها يوضع عليه الطعام ليؤكل فإذا وضع عليه الطعام فهر مائدة راع ) لكَركةً وخون . 132 133 » 9/7 « القربات » وذلك يدخله في مقامات الرضا ويوصّله إلى غاية النعيم والعطاء » كما أن توطينه عليه وتهاونه به من أعظم خطاياه وأكبر ذنوبه » ويؤديه ذلك إلى تسخط الأقدار والوقوع في دركات الذار نكو يانه كن ذلك . ضاع لبعض الصوفية ولد صغير ؛ فلم يعرف له خبرا ثلاثة أيام ال رن عليك » فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشْدّ عليّ من ذهاب ولدي . وقال بعض السادة أذنبت ذنبا » فأن أبكي عليه منذ ستين سنة ٠ وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب » فقيل له : وما ذلك الذنب ؟ قال : قلت مرّة لشيء ليته كان ! ! » . وقال بعض السلف : « لو قرض جسمي بالمقاريض « 1 » كان أحببٌ إليّ من أن أقول لشيء قضاه ليته لم يقضه » .
وقال بعضهم : « مرض الجنيد » رضي الله تعالى عنه » فقال : اللهم عافني » فسمع هاتفا يقول : مالك والدخول بيني وبين ملكي » . ومن مقتضياتها أيضا : أن يعلق بقلبه شيء من الاعتراض على المشايخ والأولياء » وأن يترك تعظيمهم واحترامهم » وأن لا يقبل إشاراتهم فيما يشيرون به عليه » فقد قالوا : عقوق « 2 » الأستاذين لا توبة له . وقالوا أيضا : من قال لأستاذه لم ؟ لا يفلح . وقال أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : « من صحب شيخا من الشيوخ » ثم اعترض عليه بقلبه فقد نقض عهد الصحبة ووجبت عليه التوبة » . وإن بقي من أهل السلوك قاصد لم يصل إلى مقصوده فليعلم أن موجب حجبه اعتراض خامر قلبه على بعض شيوخه في بعض أوقاته ؛ فإن الشيوخ بمنزلة السفراء « 3 » للمريدين » قال وفي الخبر : إن الشيخ في أهله كالنبيّ في أمّته » وكذلك من سوء أدبه تصدّره للتعليم والهداية ؛ وتصدّيه للآمر والولاية » ومحبته للاستتباع والرياسة وتربيته للجاه والحشمة والقبول بين الناس » واستدعاؤه بسرّه أن يكرم ويعظم ويتبرّك به وتقبّل يده ويسارع في قضاء حوائجه » وذلك من ضر الأشياء به » وهو نتيجة استحسانه لما هو عليه » وعدم تفقّده لعيوبه » واتهام نفسه في كل 1 ) المقاريص: رج )متراض»: المقص وهورما برض :به الثوب أو خيرة , (2 ) عق الولد أياه : عصاه وسق عنصا طاعته » وقطعه وترك الإحمان إليه . (3 ) السفراء ( ج ) سفير : المصلح بين القوم . 134 » 98 « كما قال أبو عثمان » رضي اللّه تعالى عنه : « لا يرى أحد عيب نفسه وهو يستحسن من نفسه شيئا » وإنما يرى عيوب نفسه من يتهمها في جميع الأحوال » وقال أبو عبد الله السجزي « 1 » » رضي الله تعالى عنه » « من استحسن شيئا من أحواله في حال إرادته فسدت عليه إرادته إلا أن يرجع إلى ابتدائه ويروؤض نفسه ثانيا » . وقال أبو عبد الرحمن السلمي » رضي الله تعالى عنه : « سمعت جدّي يقول : « آفة العبد رضاه عن نفسه بما هو فيه » . فإن استشعر المريد من نفسه شيئا مما ذكرناه فليبادر إلى قطع مواده واستئصال « 2 » عروقه من قبل أن يستحكم ذلك فيه ويرسخ فيه » فبدايات الأمور هي التي ينبغي أن تراعى كثيرا . يمن أنوات سوه أايه المريد النقضي إلى خطيه زر وله حل مقتاضيات الحتيقة إلى رخض 1973301 لد عدوا يدا الات السظيمة الس 2 لانعطاط الرقة الس ع مكل الفرية وليدا قالوا : « إذا رأيت المريد انحط عن رتبة الحقيقة إلى رخص الشريعة فاعلم أنه قد نقض عهده مع الله وفسخ عقده بينه وبين الله » . وقال ابن خفيف . رضي الله تعالى عنه : « الإرادة استدامة الكدّ وترك الراحة وليس شيء أضرٌ على المريدين من مسامحة النفس في قبول الرخص والتأويلات » . وقال يوسف بن الحسين » رضي الله عنه : « إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أنه لا يجيء منه شيء » . وقال أبو إسحاق إبراهيم بن شيبان : « من أراد أن يتعطل ويتبطل فليلزم الرخص » . ويعني بالرخصة هاهنا » ما كان مضادًا لحال المريد من تناول الشهوات واللذات والميل إلى ل م ا ا ا إمام الكرامية » من فرق الابتداع في الإسلام » ولد ابن كرام في سجستان وجاور بمكة خمس سنين » وورد نيسابور » فحبسه طاهر بن عبد الله » ثم انصرف إلى الشام وعاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر وخرج منها إلى المقدس فمات فيها . ( الأعلام 7 / 14 » ولسان الميزان 5 / 353 ) .
135 » 99 « وكان إبراهيم الخوّاص » رضي الله تعالى عنه يقول : « إلا إنَ هذه الشهوات التي أظلمت قلوب المتعبدين بعد صفاء نورها » وفترت أبدانهم بعد اجتهادها » وحجبت قلوبهم بعد قربها » وأطالت أمالهم بعد قصرها » وأنسوا بالمخلوقين بعد الهرب منهم » وتوطئوا الفرش بعد الترك لها فسقتهم الدنيا بكأس سمّها » فنظروا إلى ظاهرها بعد باطنها فناموا بعد السهر » وشبعوا بعد 6 ؛ واكتسوا بعد العرى » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام إِنْي إنما خلقت الشهوات لضعفاء خلقي فإياك أن تعلّق قلبك منها بشيء » فأيسر ما أعاقبك به أن أنسخ حلاوة حبي من قلبك » وفي أخبار داود عليه السلام : « يا داود تمسك بكلامي » وخذ من نفسك لنفسك لا تؤتينٌ منها فأحجب محبّتي عنك » اقطع شهوتك إليّ ؛ فإني إنما أبحت الشهوات لضعفاء خلقي , ما بال الأقوياء أن ينالوا الشهوات فإنها تنقص حلاوة مناجاتي » فإني لم أرض الدنيا لحبيبي » ونزهته عنها يا داود لا تجعل بيني وبينك عالما سكران بحبها بسكره عن محبتي » أولئك قطاع الطريق على عبادي المريدين » استعن على ترك الشهوات بإدمان الصوم », يا داود » تحبب إليّ بمعاداة نفسك وامنعها الشهوات ٠ أنظر إليك وترى الحجب بيني وبينك مرفوعة » . وقال إبراهيم بن أدهم » رضي اله تعالى عنه : « لن ينال الوجل درجة الصالحين حتى يجوز يلت غفيات ” أولاها : أن يغلق باب العز ء ويفتح باب الذلّ . والثانية : أن يغلق باب النعمة » ويفتح باب الشدّة . والثالثة : أن يغلق باب الراحة ويفتح باب الجهد . والرابعة : أن يغلق باب النوم ويفتح باب السهر. والخامسة : أن يغلق باب الغنى ويفتح باب الفقر . والسادسة : أن يغلق باب الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت في جبل « لكام » « 1 » فرأيت رمَّانا ( فاشتهيته » فدنوت منه فأخذت واحدة فشققتها » فوجدتها حامضة فمضيت وتركت (1 ) جبل اللكام : الجبل المشرف على أنطاكية وبلاد ابن ليون والمصيصة وطرسوس ( معجم البلدان 5 / 22 ) . 136 « 100 » الرمان » فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمعت عليه الزنابير « 1 » فقلت : السلام عليك » فقال : وعليك السلام يا إبراهيم » فقلت : كيف عرفتني ؟ فقال : من عرف الله لم يخف عليه شيء » فقلت : أرى لك حالا مع الله تعالى » فلو سألته أن يحميك ويقيك من هذه الزنابير ! ! 8 0 فقال : وأرى لك حالا مع الله تعالى » فلو سألته أن يحميك ويقيك من شهوة الرمّان » فإنّ لذغ [ 3 9 شهوة ] الرمّان يجد الإنسان ألمه في الآخرة » ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا » . وقال السري رضي الله تعالى عنه : « إن نفسي تطالبني منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أاغمس جزرة في دبس « 2 » فما ا طعمتها » » فلما كان ترك الشهوات والتنعمات من شأن قال جعفر بن نصير « 3 » » رضي الله تعالى عنه : « دفع إليّ الجنيد درهما وقال اشتر به التين الوزيري ٠» فاشتريته » فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فيه ثم ألقاها » وبكى » وقال : احمله ! ! فقلت له في ذلك ٠» فقال : هتف بي هاتف أما تستحي شهوة تركتها من أجله ثم تعود إليها ! .
وعن شقيق بن إبراهيم « 4 » قال : « لقيت إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » بمكة في سوق الليل عند مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ناحية من الطريق يبكي ٠ فعدلت إليه » وجلست عنده » وقلت له : أي شيء هذا البكاء يا أبا إسحاق ؟ فقال : خير وعافية » فعاودته مرّة » واثنتين » وثلاثة » فلما أكثرت عليه قال : يا شقيق استر علىّ فقلت : يا أخي قل ما شئت . قال : اشتهت نفسي « سكباجا » « 5 » فمنعتها جهدي » فلما كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس ٠ فإذا أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلو منه بخار ورائحة سكباج قال فاجتمعت همتي عليه فقرب مني وقال : يا إبراهيم كل » فقلت : (1 ) الزنابير ( ج ) زنبور : جنس حشرات من فصيلة الزنبوريات ٠» أنواعه عديدة منها الزنبور الكبير ( الدبور ) وهو كبير القد واسع الانتشار » يلسع الإنسان إن ضايقه ولسعته مؤلمة مؤذية . (2 ) الدبس : رب التمر والزبيب وعصارتهما » وما تحلّب منهما . ربما يكون جعفر بن محمد بن نصر »ء أبو محمد ( 253 - 348 ه - 867 - 959 م ) ولد ونشأ في بغداد » صحب الجنيد وانتمى إليه » مات ببغداد . ( الرسالة القشيرية ص 437 ) . ( 4 ) شقيق بن إبراهيم بن علي الأزدي البلخي ( توفي سنة 194 ه - 810 م ) أبو علي زاهد صوفي من مشاهير المشايخ في خراسان . ولعله أول من تكلم في علوم الأحوال ( الصوفية ) بكور خراسان وكان من كبار المجاهدين » استشهد في غزوة كولان . ( الأعلام 171/3 » وطبقات الشعراني 1 / 65 » وميزان الاعتدال 1 / 449 » ووفيات الأعيان 2 / 475 وفيه وفاته سنة ( 153 ) » والرسالة القشيرية ص /39 . 137 138 » 101 « ما آكل شيئا قد تركته لله تعالى » فقال لي : فإذا أطعمك الله تأكل ؟ فما كان لي جواب إلا أن بكيت ٠ فقال لي : يرحمك الله » كل . قال إبراهيم فقلت له : قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا شيئا إلا من حيث نعلم » فقال لي : كل » يرحمك الله فإنما أعطيته » وقد قيل لي : يا خضر اذهب بهذا وأطعم نفس إبراهيم بن أدهم » فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحمّلها من منعها ٠ فاعلم يا ل ا م ٠ فقلت , 5ك الا ىاة ل ب ات وت او ا م قال شقيق رضي الله تعالى عنه : فقلت : أرني كفك » فأخذت كفه بكفي فقبلتها وقلت : يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع » يا من يقدح في الضمير اليقين » يا من سقى قلوبهم من محبته أترى لشقيق عندك حالا » ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء » فقلت : إلهي بقدر هذه الكفّ . وبقدر صاحبها » وبالجود الذي وجده منك » جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك » قال : فقام إبراهيم رضي الله تعالى عنه » ومشى حتى دخل المسجد الحرام » . وقال عتبة الغلام لعبد الواحد بن زيد رضي الله تعالى عنهما : إن فلانا يصف من قلبه منزلة ما أعرفها , قال : لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا » فقلت : إن كنت تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة ؟ قال : نعم وغيرها . فأخذ يبكي » فقال له بعض أصحابه : لا أبكى الله عينيك » أعلى التمر تبكى ؟
فقال عبد الواحد : دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه فى الترك » هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبدا » . ْ وقال أحمد بن أبي الحواري : « اشتهى أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه » رغيفا حارا بملح فجئت به إليه » فعض منه عضة » ثم طرح الرغيف ٠ وقال : عجلت إليّ شهوتي بعد إطالة جهدي وشقوتي » قد عزمت على التوبة فاقبلني » قال أحمد : فما رأيته أكل الملح حتى لقى الله تعالى » . وقال أبو بكر بن الجللاء » رضي الله تعالى عنه : « أعرف إنسانا تقول له نفسه : أنا أصبر لك على طي عشرة أيام » وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها » فيقول لها : لا أريد أن أطوي عشرة أيام ولكن اتركي هذه الشهوة » . وقال أبو سليمان » رضي الله تعالى عنه : « ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها » . ا 0 139 » 102 « تعالى عنهم » من تناول لذائذ الأطعمة وتمرين النفس عليها » ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة » ورأوا أنّ منع الله منه غاية السعادة » حتى روى أن وهب بن منبّه رضي الله تعالى عنه » قال : التقى ملكان في السماء الرابعة » فقال أحدهما للآخر : من أين ؟ فقال : أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي . وقال الآخر : أمرت باهراق زيف أننتياه فلان العلية وقال : و هذا تنبية على أن نيسير الشهوات ليس من علامات الخير . قال الشيخ أبو حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه : « والأصل المهمّ في المجاهدة الوفاء بالعزم ؛ فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت له أسباب ذلك » ويكون ذلك من الله ابتلاء واختبارا ؛ فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عوّد نفسه كسر العزم ألفت ذلك وفسدت », وإذا اتفق منه كسر عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه » كما ذكرناه في معاقبة النفس من كتاب « المراقبة » فإذا لم يخوّف النفس بعقوبة غلبته وحسّنت عنده تناول الشهوة » وتفسد الرياضة عليه بالكلية » . هذا كلام أبي حامد » وهو حسن » ومعناه صحيح مجرب » فلتعتمد عليه أيها المريد . وقد يعجّل الله تعالى لبعض هؤلاء العقوبة رحمة له » ومئة عليه . قال أبو تراب النخشبي رضي الله تعالى عنه : « ما تمنْت نفسي شهوة من الشهوات إلا مرة واحدة » تمنت خبزا وبيضا وأنا في سفر » فعدلت إلى قرية » فقام واحد وتعلّق بي وقال : هذا كان مع اللصوص » فضربوني سبعين درّة « 1 » » ثم عرفني رجل منهم » فقال : هذا أبو تراب النخشبى » فاعتذروا إليّ » فحملني رجل منهم إلى منزله » وقدّم لي خبزا وبيضا » فقلت في نفسي : كلي » بعد سبعين درّة » . وقال بعضهم : اشتهى أبو الخير العسقلاني » رضي الله تعالى عنه » السمك سنين ثم ظهر له ذلك ا » فلما مدّ يده إليه ليأكل دخلت شوكة من عظامه أصبعه » فذهبت في ذلك يده » فقال : « يا رب » هذا لمن مد يده بشهوة إلى حلال فكيف بمن مذ يده بشهوة إلى حرام » ؟ . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت جائعا في الطريق فوافيت « الريّ » « 22 فخطر ببالي أن لي بها معارف » فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني » فلما دخلت (1 ) الدرّة : السوط يضرب به ( ج ) درر. (2 ) الريّ : مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن » وهي محط الحاج على طريق يوه 100 « 103 » من أين أصابني هذا الضرب على جوعي ! !