Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Sección V01/P353–V01/P355

وقال رسول الله عليه السلام تأخذون ثلثي دينكم من عائشة وأما العمى فإنه لا يؤثر في الخبر لأنه لا يقدح في العدالة ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ابتلي بذلك كشعيب ويعقوب وكان في الصحابة من ابتلي به كابن أم مكتوم وعتبان بن مالك رضي الله عنهما وفيهم من كف بصره كابن عباس وابن عمر وجابر وواثلة بن الأسقع رضي الله عنهم والأخبار المروية عنهم مقبولة ولم يشتغل أحد بطلب التاريخ في ذلك أنهم رووا في حالة البصر أم بعد العمى وهذا بخلاف الشهادة فإن شهادتهم إنما لا تقبل لحاجة الشاهد إلى تمييز بين المشهود له والمشهود عليه عند الأداء وهذا التمييز من البصير يكون بالمعاينة ومن الأعمى بالاستدلال وبينهما تفاوت يمكن التحرز عنه في جنس الشهود وفي رواية الخبر لا حاجة إلى هذا التمييز فكان الأعمى والبصير فيه سواء والمحدود في القذف بعد التوبة في رواية الخبر كغيره في ظاهر المذهب فإن أبا بكرة رضي الله عنه مقبول الخبر ولم يشتغل أحد بطلب التاريخ في خبره أنه روى بعدما أقيم عليه الحد أم قبله بخلاف الشهادة فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك بالنص ورواية الخبر ليست في معنى الشهادة ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في الحدود أصلا وروايتهن في باب الحدود كرواية الرجال وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه لا يكون المحدود في القذف مقبول الرواية لأنه محكوم بكذبه بالنص قال تعالى فأولئك عند الله هم الكاذبون والمحكوم بالكذب فيما يرجع إلى التعاطي لا يكون عدلا ومن شرط كون الخبر حجة العدالة مطلقا كما بينا فصل في بيان ضبط المتن والنقل بالمعنى قال بعض أهل الحديث مراعاة اللفظ في الرواية واجب على وجه لا يجوز النقل بالمعنى من غير مراعاة اللفظ بحال وذلك منقول عن ابن سيرين قال بعض أهل النظر قول الصحابي على سبيل الحكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله لا يكون حجة بل يجب طلب لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الباب حتى يصح الاحتجاج به وهذا قول مهجور وقال جمهور العلماء مراعاة اللفظ في النقل أولى ويجوز النقل بالمعنى بعد حسن الضبط على تفصيل نذكره في آخر الفصل وقد نقل ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي فأما من لم يجوز ذلك استدل بقوله عليه السلام نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه فقد أمر بمراعاة اللفظ في النقل وبين المعنى فيه وهو تفاوت الناس في الفقه والفهم واعتبار هذا المعنى يوجب الحجر عاما عن تبديل اللفظ بلفظ آخر وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي من جوامع الكلم والفصاحة في البيان ما هو نهاية لا يدركه فيه غيره ففي التبديل بعبارة أخرى لا يؤمن التحريف أو الزيادة والنقصان فيما كان مرادا له وحجتنا في ذلك ما اشتهر من قول الصحابة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ونهانا عن كذا ولا يمتنع أحد من قبول ذلك إلا من هو متعنت وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان إذا روى حديثا قال نحو هذا أو قريبا منه أو كلاما هذا معناه وكان أنس رضي الله عنه إذا روى حديثا قال في آخره أو كما قال رسول الله عليه السلام فدل أن النقل بالمعنى كان مشهورا فيهم وكذلك العلماء بعدهم يذكرون في تصانيفهم بلغنا نحوا من ذلك

Sección V01/P355–V01/P356

وهذا لأن نظم الحديث ليس بمعجز والمطلوب منه ما يتعلق بمعناه وهو الحكم من غير أن يكون له تعلق بصورة النظم وقد علمنا أن الأمر بالتبليغ لما هو المقصود به فإذا كمل ذلك بالنقل بالمعنى كان ممتثلا لما أمر به من النقل لا مرتكبا للحرام وإنما يعتبر النظم في نقل القرآن لأنه معجز مع أنه قد ثبت أيضا فيه نوع رخصة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أشار إليه في قوله أنزل القرآن على سبعة أحرف إلا أن في ذلك رخصة من حيث الإسقاط وهذا من حيث التخفيف والتيسير ومعنى الرخصة يتحقق بالطريقين كما تقدم بيانه إذا عرفنا هذا فنقول الخبر إما أن يكون محكما له معنى واحد معلوم بظاهر المتن أو يكون ظاهرا معلوم المعنى بظاهره على احتمال شيء آخر كالعام الذي يحتمل الخصوص والحقيقة التي تحتمل المجاز أو يكون مشكلا أو يكون مشتركا يعرف المراد بالتأويل أو يكون مجملا لا يعرف المراد به إلا ببيان أو يكون متشابها أو يكون من جوامع الكلم فأما المحكم يجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالما بوجوه اللغة لأن المراد به معلوم حقيقة وإذا كساه العالم باللغة عبارة أخرى لا يتمكن فيه تهمة الزيادة والنقصان فأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة لأنه إذا لم يكن عالما بذلك لم يؤمن إذا كساه عبارة أخرى أن لا تكون تلك العبارة في احتمال الخصوص والمجاز مثل العبارة الأولى وإن كان ذلك هو المراد به ولعل العبارة التي يروي بها تكون أعم من تلك العبارة لجهله بالفرق بين الخاص والعام فإذا كان عالما بفقه الشريعة يقع الأمن عن هذا التقصير منه عند تغيير العبارة فيجوز له النقل بالمعنى كما كان يفعله الحسن والنخعي والشعبي رحمهم الله فأما المشكل والمشترك لا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلا لأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى لأنه لا يوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر والمتشابه كذلك لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه فكيف يتصور نقله بالمعنى وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله عليه السلام الخراج بالضمان وقوله عليه السلام العجماء جبار وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرنا في الظاهر قال رضي الله عنه والأصح عندي أنه لا يجوز ذلك لأن النبي عليه السلام كان مخصوصا بهذا النظم على ما روي أنه قال أوتيت جوامع الكلم أي خصصت بذلك فلا يقدر أحد بعده على ما كان هو مخصوصا به ولكن كل مكلف بما في وسعه وفي وسعه نقل ذلك اللفظ ليكون مؤديا إلى غيره ما سمعه منه بيقين وإذا نقله إلى عبارته لم يؤمن القصور في المعنى المطلوب به ويتيقن بالقصور في النظم الذي هو من جوامع الكلم وكان هذا النوع هو مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ثم أداها كما سمعها فصل في بيان الضبط بالكتابة والخط قال رضي الله عنه اعلم بأن الكتابة نوعان تذكرة وإمام

Sección V01/P356–V01/P358

فالتذكرة هو أن ينظر في المكتوب فيتذكر به ما كان مسموعا له والنقل بهذا الطريق جائز سواء كان مكتوبا بخطه أو بخط غيره وذلك الخط معروف أو مجهول لأنه إنما ينقل ما يحفظ غير أن النظر في الكتاب كان مذكرا له فلا يكون دون التفكر ولو تفكر فتذكر جاز له أن يروي ويكون خبره حجة فكذلك إذا نظر في الكتاب فتذكر ولهذا المقصود ندب إلى الكتاب على ما جاء في الحديث قيدوا العلم بالكتاب وقال إبراهيم كانوا يأخذون العلم حفظا ثم أبيح لهم الكتابة لما حدث بهم من الكسل ولأن النسيان مركب في الإنسان لا يمكنه أن يحفظ نفسه منه إلا ما كان خاصا لرسول الله عليه السلام بقوله سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ولهذا الاستثناء وقع لرسول الله عليه السلام تردد في قراءته سورة المؤمنين في صلاة الفجر حتى قال لأبي رضي الله عنه ( هلا ذكرتني ) فثبت أن النسيان مما لا يستطاع الامتناع منه إلا بحرج بين والحرج مدفوع وبعد النسيان النظر في الكتاب طريق للتذكر والعود إلى ما كان عليه من الحفظ وإذا عاد كما كان فالرواية تكون عن ضبط تام وأما النوع الثاني فهو أن لا يتذكر عند النظر ولكنه يعتمد الخط وذلك يكون في فصول ثلاثة رواية الحديث والقاضي يجد في خريطته سجلا مخطوطا بخطه من غير أن يتذكر الحادثة والشاهد يرى خطه في الصك ولا يتذكر الحادثة ف أبو حنيفة رحمه الله أخذ في الفصول الثلاثة بما هو العزيمة وقال لا يجوز له أن يعتمد الكتاب ما لم يتذكر لأن النظر في الكتاب لمعرفة القلب كالنظر في المرآة للرؤية بالعين ثم النظر في المرآة إذا لم تفده إدراكا لا يكون معتبرا فالنظر في الكتاب إذا لم يفده تذكرا يكون هدرا وهذا لأن الرواية والشهادة وتنفيذ القضاء لا يكون إلا بعلم والخط يشبه الخط فبصورة الخط لا يستفيد علما من غير التذكر وما كان الفساد في سائر الأديان إلا بالاعتماد على الصور بدون المعنى وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف رحمهما الله أن في السجل ورواية الأثر يجوز له أن يعتمد الخط وإن لم يتذكر به وفي الصك لا يجوز له ذلك وروى ابن رستم عن محمد رحمهما الله أن ذلك جائز في الفصول كلها وما ذهبنا إليه رخصة للتيسير على الناس ثم هذه الرخصة تتنوع أنواعا إما أن يكون الكتاب بخطه أو بخط رجل معروف ثقة موقع بتوقيعه أو بخط رجل معروف غير ثقة أو غير موقع أو بخط مجهول أما أبو يوسف رحمه الله فقال السجل يكون في خريطة القاضي مختوما بختمه وكان في يده أيضا فباعتبار الظاهر يؤمن فيه التزوير والتبديل بالزيادة والنقصان والقاضي مأمور باتباع الظاهر في القضاء فله أن يعتمد السجل في ذلك وكذلك كتاب المحدث إذا كان في يده وإن لم يكن السجل في يد القاضي فليس له أن يعتمده لأن التزوير والتغيير فيه عادة لما يبتنى عليه من المظالم والخصومات ومثله في كتاب الحديث ليس بعادة فلا فرق فيه بين أن يكون في يده أو في يد أمين آخر لم يظهر منه خيانة في مثله وأما الصك فيكون بيد الخصم فلا يقع الأمن فيه عن التغيير والتزوير حتى إذا كان في يد الشاهد كان الجواب فيه مثل الجواب في السجل

Sección V01/P358–V01/P359

والحاصل أنه بنى هذه الرخصة على ما يوقع الأمن عن التغيير والتعديل عادة و محمد رحمه الله أثبت الرخصة في الصك أيضا وإن لم يكن في يده إذا علم أن المكتوب خطه على وجه لا يبقى فيه شبهة له لأن الباقي بعد ذلك توهم التغيير وله أثر بين يوقف عليه فإذا لم يظهر ذلك فيه جاز اعتماده فأما إذا وجد الكتاب بخط بين وهو معلوم عنده أو بخط رجل معروف موثق به فإنه يجوز له أن يقول وجدت بخط فلان كذا لا يزيد على ذلك ثم إن كان ذلك الخط منفردا ليس معه شيء آخر فإنه لا يكون حجة وإن كان معه غيره فذلك يوقع الأمن عن التزوير بطريق العادة فيجوز اعتماده على وجه الرخصة ( وهذا في الأخبار خاصة ) فأما في الشهادة والقضاء فلا لأن ذلك من مظالم العباد يعتبر فيه من الاستقصاء ما لا يعتبر في رواية الأخبار واشتراط العلم فيه منصوص عليه قال تعالى إلا من شهد بالحق وهم يعلمون وقال عليه السلام للشاهد إذا رأيت مثل هذا الشمس فاشهد وإلا فدع فصل في بيان وجوه الانقطاع قال رضي الله عنه اعلم بأن الانقطاع نوعان انقطاع صورة وانقطاع معنى أما صورة الانقطاع صورة ففي المراسيل من الأخبار ولا خلاف بين العلماء في مراسيل الصحابة رضي الله عنهم أنها حجة لأنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يروونه عن رسول الله عليه السلام مطلقا يحمل على أنهم سمعوه منه أو من أمثالهم وهم كانوا أهل الصدق والعدالة وإلى هذا أشار البراء بن عازب رضي الله عنهما بقوله ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما كان يحدث بعضنا بعضا ولكنا لا نكذب فأما مراسيل القرن الثاني والثالث حجة في قول علمائنا رحمهم الله وقال الشافعي لا يكون حجة إلا إذا تأيد بآية أو سنة مشهورة أو اشتهر العمل به من السلف أو اتصل من وجه آخر قال ولهذا جعلت مراسيل سعيد بن المسيب حجة لأني اتبعتها فوجدتها مسانيد احتج في ذلك فقال الخبر إنما يكون حجة باعتبار أوصاف في الراوي ولا طريق لمعرفة تلك الأوصاف في الراوي إذا كان غير معلوم الأصل فلا تقوم الحجة بمثل هذه الرواية وإعلامه بالإشارة إليه في حياته وبذكر اسمه ونسبه بعد وفاته فإذا لم يذكره أصلا فقد تحقق انقطاع هذا الخبر عن رسول الله والحجة في الخبر باتصاله برسول الله عليه السلام فبعد الانقطاع لا يكون حجة ولا يقال إن رواية العدل عنه تكون تعديلا له وإن لم يذكر اسمه لأن طريق معرفة الجرح والعدالة الاجتهاد وقد يكون الواحد عدلا عند إنسان مجروحا عند غيره بأن يقف منه على ما كان الآخر لا يقف عليه ألا ترى أن شهود الفرع إذا شهدوا على شهادة الأصول من غير ذكرهم في شهادتهم لا تكون شهادتهم حجة لهذا المعنى يوضحه أنه قد كان فيهم من يروي عمن هو مجروح عنده على ما قال الشعبي رحمه الله حدثني الحارث وكان والله كذابا فعرفنا أن بروايته عنه لا يثبت فيه ما يشترط في الراوي فيكون خبره حجة ولأن الناس تكلفوا بحفظ الأسانيد في باب الأخبار فلو كانت الحجة تقوم بالمراسيل لكان تكلفهم اشتغالا بما لا يفيد فيبعد أن يقال اجتمع الناس على ما ليس بمفيد ولكنا نقول الدلائل التي دلت على كون خبر الواحد حجة من الكتاب والسنة كلها تدل على كون المرسل من الأخبار حجة ثم قد ظهر الإرسال من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم ظهورا لا ينكره إلا متعنت

Sección V01/P359–V01/P361

أما من الصحابة فبيانه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أصبح جنبا فلا صوم له ولما أنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها قال هي أعلم حدثني به الفضل بن عباس رضي الله عنهما فقد أرسل الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع منه وقيل إن ابن عباس ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بضعة عشر حديثا وقد كثرت روايته مرسلا وإنما كان ذلك سماعا من غير رسول الله عليه السلام حتى روي أن النبي عليه السلام كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر وإنما سمع ذلك من أخيه الفضل ونعمان بن بشير رضي الله عنهم ما سمع من رسول الله عليه السلام إلا حديثا واحدا وهو قوله عليه السلام إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر جسده وإذا فسدت فسد سائر جسده ألا وهي القلب ثم كثرت روايته عن رسول الله عليه السلام مرسلا والحسن وسعيد بن المسيب رضي الله عنهما وغيرهما من أئمة التابعين كان كثيرا ما يروون مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قيل أكثر ما رواه سعيد بن المسيب مرسلا إنما سمعه من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال الحسن كنت إذا اجتمع لي أربعة من الصحابة على حديث أرسلته إرسالا وقال ابن سيرين رضي الله عنه ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة فقال الأعمش قلت لإبراهيم إذا رويت لي حديثا عن عبد الله فأسنده لي فقال إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله فهو ذاك وإذا قلت لك قال عبد الله فهو غير واحد ولهذا قال عيسى بن أبان المرسل أقوى من المسند فإن من اشتهر عنده حديث ( بأن سمعه ) بطرق طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده وقطع الشهادة بقوله قال رسول الله عليه السلام وإذا سمعه بطريق واحد لا يتضح الأمر عنده على وجه لا يبقى له فيه شبهة فيذكره مسندا على قصد أن يحمله من يحمل عنه فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن يجوز النسخ بالمرسل كما يجوز بين الأخبار بالمشهور عندكم قلنا إنما لم يجز ذلك لأن قوة المرسل من هذا الوجه بنوع من الاجتهاد فيكون نظير قوة تثبت بطريق القياس والنسخ بمثله لا يجوز ثم رواية هؤلاء الكبار مرسلا أما إن كان باعتبار سماعهم ممن ليس بعدل عندهم أو باعتبار سماعهم من عدل مع اعتقادهم أن ذلك ليس بحجة أو على اعتقادهم أن المرسل حجة كالمسند والأول باطل فإن من يستجيز الرواية عمن يعرفه غير عدل بهذه الصفة لا يعتمد روايته مرسلا ولا مسندا ولا يجوز أن يظن بهم هذا والثاني باطل لأنه قول بأنهم كتموا موضع الحجة بترك الإسناد مع علمهم أن الحجة لا تقوم بدونه فتعين الثالث وهو أنهم اعتقدوا أن المرسل حجة كالمسند وكفى باتفاقهم حجة وقال الشافعي في بعض كتبه إنما أرسلوا ليطلب ذلك في المسند وهذا كلام فاسد لأنه إما أن يقال لم يكن عندهم إسناد ذلك أو كان ولم يذكروا والأول باطل لأن فيه قولا بأنهم تخرصوا ما لم يسمعوا ليطلب ذلك في المسموعات ولا يجوز ذلك لمن هو دونهم فكيف بهم والثاني باطل لأنه إذا كان عندهم الإسناد وقد علموا أن الحجة لا تقوم بدونه فليس في تركه إلا القصد إلى إتعاب النفس بالطلب ولو قال من أنكر الاحتجاج بخبر الواحد إنهم إنما رووا ذلك ليطلب ذلك في المتواتر لا يكون هذا الكلام مقبولا منه بالاتفاق فكذلك هذا يقرره أن المفتي إذا قال للمستفتي قضى رسول الله في هذه الحادثة بكذا كان عليه أن يعمل به وإن لم يذكر له إسنادا فكذلك إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ولو قال روى فلان عن فلان قبل ذلك منه وإن لم يقل حدثني ولا سمعته منه وهذا في معنى الإرسال فإن قال إنما نجيزه على هذا الوجه عمن لقي فيحمل مطلق كلامه على المسموع منه

Sección V01/P361–V01/P363

قلنا لما جاز حمل كلامه على هذا وإن لم ينص عليه لتحسين الظن به فكذلك يجوز حمل كلامه عند الإرسال على السماع ممن هو عدل باعتبار الظاهر لتحسين الظن به وهذا لأنه لا طريق لنا إلى معرفة الشرائط للرواية فيمن لم يدركه إلا بالسماع ممن أدركه وإذا كان من أدركه عدلا ثقة فإنه لا يروي عنه مطلقا ما لم يعرف استجماع الشرائط فيه فبروايته عنه يثبت لنا استجماع الشرائط ألا ترى أنه لو أسند الرواية إليه يثبت استجماع الشرائط فيه بروايته عنه فكذلك إذا أرسله بل أولى لأنه إذا أسند إليه فإنما شهد عليه بأنه روى ذلك فإذا أرسل فإنما يشهد على رسول الله أنه قال ذلك ومن علم أنه لا يستجيز الشهادة على غير رسول الله بالباطل فكيف يظن أن يستجيز الشهادة على رسول الله بالباطل مع قوله عليه السلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار يوضحه أن القاضي إذا كتب سجلا فيه قضاؤه في حادثة وأشهد على ذلك كان ذلك حجة وإن لم يبين اسم الشهود في المسجل وما كان ذلك إلا بهذا الطريق وهذا بخلاف الشهود على شهادة الغير لأن العلماء مختلفون في أن عند الرجوع هل يجب الضمان على شهود الأصل أم لا فلعل القاضي ممن يرى تضمينهم فلا يتمكن من القضاء به إذا لم يكونوا معلومين عنده ومثل هذا لا يتحقق في باب الأخبار مع أن شاهد الفرع ينوب عن شاهد الأصل في نقل شهادته ألا ترى أنه لو أشهد قوما على شهادته فسمعه آخرون لم يكن لهم أن يشهدوا على شهادته بخلاف رواية الأخبار وإذا كان الفرعي يعبر عن الأصل بشهادته لم يجد بدا من ذكره ليكون معبرا ألا ترى أنه لو قال أشهد عن فلان لم يكن ذلك مقبولا وهنا لو قال أروي عن فلان كان مقبولا منه ثم اشتغال الناس بالإسناد كاشتغالهم بالتكلف لسماع الحديث من وجوه وذلك لا يدل على أن خبر الواحد لا يكون حجة فكذلك اشتغالهم بالإسناد لا يكون دليلا على أن المرسل لا يكون حجة فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار وكان يقول من تقبل روايته مسندا تقبل روايته مرسلا للمعنى الذي ذكرنا وكان عيسى بن أبان رحمه الله يقول من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته مرسلا ومسندا وإنما يعني به محمد بن الحسن رحمه الله وأمثاله من المشهورين بالعلم ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقا وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده يكون حجة ومرسله يكون موقوفا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي رضي الله عنه أن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الرواية مطلقا عمن ليس بعدل ثقة ومرسل من كان بعدهم لا يكون حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلا عمن هو عدل ثقة لأن النبي عليه السلام شهد للقرون الثلاثة بالصدق والخيرية فكانت عدالتهم ثابتة بتلك الشهادة ما لم يتبين خلافهم وشهد على من بعدهم بالكذب بقوله ثم يفشو الكذب فلا تثبت عدالة من كان في زمن شهد على أهله بالكذب إلا برواية من كان معلوم العدالة يعلم أنه لا يروي إلا عن عدل وإلى نحو هذا أشار عروة بن الزبير رضي الله عنهما حين روى لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحيا أرضا ميتة فهي له فقال أتشهد به على رسول الله عليه السلام قال نعم فما يمنعني من ذلك وقد أخبرني به العدل الرضا فقبل عمر بن عبد العزيز روايته واختلف أصحاب الحديث في منقطع من وجه متصل من وجه آخر

Sección V01/P363–V01/P364

فمنهم من قال سقط اعتبار الاتصال فيه بالانقطاع من وجه وكأن هذا القائل جعل الانقطاع بسكوت راوي الفرع عن تسمية راوي الأصل دليل الجرح فيه وإذا استوى الموجب للعدالة والموجب للجرح يغلب الجرح وأكثرهم على أن هذا يكون حجة لوجود الاتصال فيه بطريق واحد والطريق الآخر الذي هو منقطع يجعل كأن لبس لأن ذلك الطريق ساكت عن الراوي وحاله أصلا وفي الطريق المتصل بيان له ولا معارضة بين الساكت والناطق فأما النوع الثاني وهو الانقطاع معنى ينقسم قسمين إما أن يكون ذلك المعنى بدليل معارض أو نقصان في حال الراوي يثبت به الانقطاع فأما القسم الأول وهو ثبوت الانقطاع بدليل معارض فعلى أربعة أوجه إما أن يكون مخالفا لكتاب الله تعالى أو لسنة مشهورة عن رسول الله أو يكون حديثا شاذا لم يشتهر فيما تعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته أو يكون حديثا قد أعرض عنه الأئمة من الصدر الأول بأن ظهر منهم الاختلاف في تلك الحادثة ولم تجر بينهم المحاجة بذلك الحديث فأما الوجه الأول وهو ما إذا كان الحديث مخالفا لكتاب الله تعالى فإنه لا يكون مقبولا ولا حجة للعمل به عاما كانت الآية أو خاصا نصا أو ظاهرا عندنا على ما بينا أن تخصيص العام بخبر الواحد لا يجوز ابتداء وكذلك ترك الظاهر فيه والحمل على نوع من المجاز لا يجوز بخبر الواحد عندنا خلافا للشافعي وقد بينا هذا ودليلنا في ذلك قوله عليه السلام كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وكتاب الله أحق والمراد كل شرط هو مخالف لكتاب الله تعالى لا أن يكون المراد ما لا يوجد عينه في كتاب الله تعالى فإن عين هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله تعالى وبالإجماع من الأحكام ما هو ثابت بخبر الواحد والقياس وإن كان لا يوجد ذلك في كتاب الله تعالى فعرفنا أن المراد ما يكون مخالفا لكتاب الله تعالى وذلك تنصيص على أن كل حديث هو مخالف لكتاب الله تعالى فهو مردود وقال عليه السلام تكثر الأحاديث لكم بعدي فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه واعلموا أنه مني وما خالفه فردوه واعلموا أني منه بريء ولأن الكتاب متيقن به وفي اتصال الخبر الواحد برسول الله صلى الله عليه وسلم شبهة فعند تعذر الأخذ بهما لا بد من أن يؤخذ بالمتيقن ويترك ما فيه شبهة والعام والخاص في هذا سواء لما بينا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا كالخاص وكذلك النص والظاهر سواء لأن المتن من الكتاب متيقن به ومتن الحديث لا ينفك عن شبهة لاحتمال النقل بالمعنى ثم قوام المعنى بالمتن فإنما يشتغل بالترجيح من حيث المتن أولا إلى أن يجيء إلى المعنى ولا شك أن الكتاب يترجح باعتبار النقل المتواتر في المتن على خبر الواحد فكانت مخالفة الخبر للكتاب دليلا ظاهرا على الزيافة فيه ولهذا لم يقبل علماؤنا خبر الوضوء من مس الذكر لأنه مخالف للكتاب فإن الله تعالى قال فيه رجال يحبون أن يتطهروا يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهرا ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر فالحديث الذي يجعل مسه حدثا بمنزلة البول يكون مخالفا لما في الكتاب لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهرا

Sección V01/P364–V01/P366

وكذلك لم يقبل حديث فاطمة بنت قيس في أن لا نفقة للمبتوتة لأنه مخالف للكتاب وهو قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا خلاف أن المراد وأنفقوا عليهن من وجدكم فالمراد الحائل فإنه عطف عليه قوله تعالى وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وكذلك لم يقبل خبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف للكتاب من أوجه فإن الله تعالى قال واستشهدوا شهيدين من رجالكم الآية وقوله واستشهدوا أمر بفعل هو مجمل فيما يرجع إلى عدد الشهود كقول القائل كل يكون مجملا فيما يرجع إلى بيان المأكول فيكون ما بعده تفسيرا لذلك المجمل وبيانا لجميع ما هو المراد بالأمر وهو استشهاد رجلين فكذا أو أذنت لك أن تعامل فلانا فإن لم يكن ففلانا يكون ذلك بيانا لجميع ما هو المراد بالأمر والإذن وإذا ثبت أن جميع ما هو المذكور في الآية كان خبر القضاء بالشاهد واليمين زائدا عليه والزيادة على النص كالنسخ عندنا يقرره قوله تعالى وأدنى ألا ترتابوا فقد فإن لم يكونا فرجل وامرأتان كقول القائل كل طعام كذا فإن لم يكن نص على أن أدنى ما تنتفي به الريبة شهادة شاهدين بهذه الصفة وليس دون الأدنى شيء آخر تنتفي به الريبة ولأنه نقل الحكم من استشهاد الرجل الثاني بعد شهادة الشاهد الواحد إلى استشهاد امرأتين مع أن حضور النساء مجالس القضاء لأداء الشهادة خلاف العادة وقد أمرن بالقرار في البيوت شرعا فلو كان يمين المدعي مع الشاهد الواحد حجة لما نقل الحكم إلى استشهاد امرأتين وهو خلاف المعتاد مع تمكن المدعي من إتمام حجته بيمينه وبمثل هذا الطريق جعلنا شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض حجة لأن الله تعالى نقل الحكم عن استشهاد مسلمين على وصية المسلم إلى استشهاد ذميين بقوله تعالى أو آخران من غيركم مع أن حضور أهل الذمة مجالس القضاة لأداء الشهادة خلاف المعتاد فذلك دليل ظاهر على أن الحجة تقوم بشهادتهم في الجملة وهو دليل أيضا على رد خبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه نقل الحكم إلى استشهاد ذميين عند عدم شاهدين مسلمين فلو كان الشاهد الواحد مع يمين المدعي حجة لكان الأولى بيان ذلك عند الحاجة وذكر في الآية يمين الشاهدين ظاهرا عند الريبة مع أن ذلك ليس بحجة اليوم ( لأجل النسخ ) فلو كان بيمين المدعي تنتفي الريبة أو تتم الحجة لكان الأولى ذكر يمينه عند الحاجة فبهذه الوجوه يتبين أن خبر القضاء بالشاهد واليمين مخالف للكتاب فتركنا العمل به لهذا وكذلك الغريب من أخبار الآحاد إذا خالف السنة المشهورة فهو منقطع في حكم العمل به لأن ما يكون متواترا من السنة أو مستفيضا أو مجمعا عليه فهو بمنزلة الكتاب في ثبوت علم اليقين به وما فيه شبهة فهو مردود في مقابلة اليقين وكذلك المشهور من السنة فإنه أقوى من الغريب لكونه أبعد عن موضع الشبهة ولهذا جاز النسخ بالمشهور دون الغريب فالضعيف لا يظهر في مقابلة القوي ولهذا لم يعمل بخبر القضاء بالشاهد واليمين لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام البينة على المدعي واليمين على من أنكر من وجهين أحدهما أن في هذا الحديث بيان أن اليمين في جانب المنكر دون المدعي والثاني أن فيه بيان أنه لا يجمع بين اليمين والبينة فلا تصلح اليمين متممة للبينة بحال ولهذا الأصل لم يعمل أبو حنيفة بخبر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في بيع الرطب بالتمر أن النبي عليه السلام قال أينتقص إذا جف قالوا نعم

Sección V01/P366–V01/P367

قال فلا إذا لأنه مخالف للسنة المشهورة وهو قوله عليه السلام التمر بالتمر مثل بمثل من وجهين أحدهما أن فيها اشتراط المماثلة في الكيل مطلقا لجواز العقد فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو بعد الجفوف يكون زيادة والثاني أنه جعل فضلا يظهر بالكيل هو الحرام في السنة المشهورة فجعل فضل يظهر عند فوات وصف مرغوب فيه ربا حراما يكون مخالفا لذلك الحكم إلا أن أبا يوسف ومحمدا قالا السنة المشهورة لا تتناول الرطب لأن مطلق اسم التمر لا يتناوله بدليل أن من حلف لا يأكل تمرا فأكل رطبا لم يحنث ولو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعد ما صار تمرا لم يحنث فإذا لم تتناوله السنة المشهورة وجب إثبات الحكم فيه بالخبر الآخر و أبو حنيفة قال التمر اسم للثمرة الخارجة من النخل من حين تنعقد صورتها إلى أن تدرك وما يختلف عليه أحوال وأوصاف حسب ما يكون على الآدمي لا يتبدل به اسم العين وفي الأيمان تترك الحقائق لدلالة العرف واليمين تتقيد بوصف في العين إذا كان داعيا إلى اليمين ففي هذين النوعين من الانتقاد للحديث علم كثير وصيانة للدين بليغة فإن أصل البدع والأهواء إنما ظهر من قبل ترك عرض أخبار الآحاد على الكتاب والسنة المشهورة فإن قوما جعلوها أصلا مع الشبهة في اتصالها برسول الله عليه السلام ومع أنها لا توجب علم اليقين ثم تأولوا عليها الكتاب والسنة المشهورة فجعلوا التبع متبوعا وجعلوا الأساس ما هو غير متيقن به فوقعوا في الأهواء والبدع بمنزلة من أنكر خبر الواحد فإنه لما لم يجوز العمل به احتاج إلى القياس ليعمل به وفيه أنواع من الشبهة أو إلى استصحاب الحال وهو ليس بحجة أصلا وترك العمل بالحجة إلى ما ليس بحجة يكون فتحا لباب الآحاد وجعل ما هو غير متيقن به أصلا ثم تخريج ما فيه التيقن عليه يكون فتحا لباب الأهواء والبدع وكل واحد منهما زيف مردود وإنما سواء السبيل ما ذهب إليه علماؤنا رحمهم الله من إنزال كل حجة منزلتها فإنهم جعلوا الكتاب والسنة المشهورة أصلا ثم خرجوا عليهما ما فيه بعض الشبهة وهو المروي بطريق الآحاد مما لم يشتهر فما كان منه موافقا للمشهور قبلوه وما لم يجدوا في الكتاب ولا في السنة المشهورة له ذكرا قبلوه أيضا وأوجبوا العمل به وما كان مخالفا لهما ردوه على أن العمل بالكتاب والسنة أوجب من العمل بالغريب بخلافه وما لم يجدوه في شيء من الأخبار وصاروا حينئذ إلى القياس في معرفة حكمه لتحقق الحاجة إليه وأما القسم الثالث وهو الغريب فيما يعم به البلوى ويحتاج الخاص والعام إلى معرفته للعمل به فإنه زيف لأن صاحب الشرع كان مأمورا بأن يبين للناس ما يحتاجون إليه وقد أمرهم بأن ينقلوا عنه ما يحتاج إليه من بعدهم فإذا كانت الحادثة مما تعم به البلوى فالظاهر أن صاحب الشرع لم يترك بيان ذلك للكافة وتعليمهم وأنهم لم يتركوا نقله على وجه الاستفاضة فحين لم يشتهر النقل عنهم عرفنا أنه سهو أو منسوخ ألا ترى أن المتأخرين لما نقلوه اشتهر فيهم فلو كان ثابتا في المتقدمين لاشتهر أيضا وما تفرد الواحد بنقله مع حاجة العامة إلى معرفته ولهذا لم تقبل شهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء علة ولم يقبل قول الوصي فيما يدعي من إنفاق مال عظيم على اليتيم في مدة يسيرة وإن كان ذلك محتملا لأن الظاهر يكذبه في ذلك وعلى هذا الأصل لم نعمل بحديث الوضوء من مس الذكر لأن بسرة تفردت بروايته مع عموم الحاجة لهم إلى معرفته

Sección V01/P367–V01/P369

فالقول بأن النبي عليه السلام خصها بتعليم هذا الحكم مع أنها لا تحتاج إليه ولم يعلم سائر الصحابة مع شدة حاجتهم إليه شبه المحال وكذلك خبر الوضوء مما مسته النار وخبر الوضوء من حمل الجنازة وعلى هذا لم يعمل علماؤنا رحمهم الله بخبر الجهر بالتسمية وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع لأنه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفته فإن قيل فقد قبلتم الخبر الدال على وجوب الوتر وعلى وجوب المضمضة والاستنشاق في الجنابة وهو خبر الواحد فيما تعم به البلوى قلنا لأنه قد اشتهر أن النبي عليه السلام فعله وأمر بفعله فأما الوجوب حكم آخر سوى الفعل وذلك مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه بالنقل المستفيض وأما القسم الرابع وهو ما لم تجر المحاجة به بين الصحابة مع ظهور الاختلاف بينهم في الحكم فإنه زيف لأنهم الأصول في نقل الدين لا يتهمون بالكتمان ولا يترك الاحتجاج بما هو الحجة والاشتغال بما ليس بحجة فإذا ظهر منهم الاختلاف في الحكم وجرت المحاجة بينهم فيه بالرأي والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر فلو كان الخبر صحيحا لاحتج به بعضهم على بعض حتى يرتفع به الخلاف الثابت بينهم بناء على الرأي فكان إعراض الكل عن الاحتجاج به دليلا ظاهرا على أنه سهو ممن رواه بعدهم أو هو منسوخ وذلك نحو ما يروى الطلاق بالرجال والعدة بالنساء فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلا فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول والمراد به أن إيقاع الطلاق إلى الرجال وكذلك ما يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة فإن الصحابة اختلفوا في وجوب الزكاة في مال الصبي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلا فعرفنا أنه غير ثابت إذ لو كان ثابتا لاشتهر فيهم وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف ففي الانتقاد بالوجهين الأولين تظهر الزيافة معنى للمقابلة بمنزلة نقد البلد إذا قوبل بنقد أجود منه تظهر الزيافة فيه وفي الانتقاد بالوجهين الآخرين إظهار الزيافة معنى من حيث إنه تقوي فيه شبهة الانقطاع بمنزلة نقد تبين فيه زيادة غش على ما هو في النقد المعهود فيصير زيفا مردودا من هذا الوجه والشافعي أعرض عن طلب الانقطاع معنى واشتغل ببناء الحكم على ظاهر الانقطاع في المرسل فترك العمل به مع قوة المعنى فيه كما هو دأبه ودأبنا فإنه يبني على الظاهر أكثر الأحكام وعلماؤنا يبنون الفقه على المعاني المؤثرة التي يتضح الحكم عند التأمل فيها وأما النوع الثاني وهو ما يبتنى على نقصان حال الراوي فبيان ذلك في فصول منها خبر المستور والفاسق والكافر والصبي والمعتوه والمغفل والمساهل وصاحب الهوى أما المستور فقد نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان على أن خبره كخبر الفاسق وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه بمنزلة العدل في رواية الأخبار لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وعن عمر رضي الله عنه ) المسلمون عدول بعضهم على بعض ولهذا جوز أبو حنيفة القضاء بشهادة المستورد فيما يثبت مع الشبهات إذا لم يطعن الخصم ولكن ما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا فإن الفسق غالب في أهل هذا الزمان فلا تعتمد رواية المستورد ما لم تتبين عدالته كما لم تعتمد شهادته في القضاء قبل أن تظهر عدالته وهذا بحديث عباد بن كثير أن النبي عليه السلام قال لا تحدثوا عمن لا تعلمون بشهادته ولأن في رواية الحديث معنى الإلزام فلا بد من أن يعتمد فيه دليل ملزم وهو العدالة التي تظهر بالتفحص عن أحوال الراوي

Sección V01/P369–V01/P371

وأما الفاسق فقد ذكر في كتاب الاستحسان أنه إذا أخبر بطهارة الماء أو بنجاسته أو بحل الطعام والشراب وحرمته فإن السامع يحكم رأيه في ذلك فإن وقع عنده أنه صادق فعليه أن يعمل بخبره وإلا لم يعمل به وعلى هذا قال بعض مشايخنا رحمهم الله الجواب كذلك فيما يرويه الفاسق قال رضي الله عنه والأصح عندي أن خبره لا يكون حجة لأنه غير مقبول الشهادة وفي حل الطعام وحرمته وطهارة الماء ونجاسته إنما اعتبر خبره إذا تأيد بأكثر الرأي لأجل الضرورة لأن ذلك حكم خاص ربما يتعذر الوقوف عليه من جهة غيره ومثل هذه الضرورة لا يتحقق في رواية الخبر فإن في العدول كثرة يمكن الوقوف على معرفة الحديث بالسماع منهم فلا حاجة إلى الاعتماد على رواية الفاسق فيه ثم في المعاملات جعل خبر الفاسق مقبولا لأجل الضرورة أيضا فإن المعاملة تكثر بين الناس ولا يوجد عدل يرجع إليه في كل خبر من ذلك النوع إلا أن ذلك ينفك عن معنى الإلزام فجوز الاعتماد فيه على خبر الفاسق مطلقا والحل والحرمة فيه معنى الإلزام من وجه فلهذا لم نجعل خبر الفاسق فيه معتمدا على الإطلاق حتى ينضم إليه غالب الرأي ومن الناس من لم يجعل خبر الفاسق مقبولا في المعاملة أيضا لظاهر قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وروي أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا إلى قوم فرجع إليه وقال إنهم هموا بقتلي فأراد رسول الله أن يعتمد خبره ويبعث إليهم خيلا لأنه ما كان ظاهر الفسق عنده فأنزل الله تعالى هذه الآية وما أخبر به كان من المعاملات خاليا عن الإلزام ومع ذلك أمر الله تعالى بالتوقف في هذا النبأ من الفاسق ولكنا نقول كان ذلك خبرا مستنكرا فإنه أخبر أنهم ارتدوا بمنع الزكاة وجحودها وهموا بقتله وفيه إلزام الجهاد معهم ونحن نقول إن من ثبت فسقه لا يعتبر خبره في مثل هذا فأما في المعاملات التي تنفك عن معنى الإلزام فيجوز اعتماد خبره لأجل الضرورة إذ الفسق يرجح معنى الكذب في خبره من غير أن يكون موجبا الحكم بأنه كاذب في خبره لا محالة ولهذا جعلناه مع الفسق من أهل الشهادة فأما الكافر فإنه لا تعتمد روايته في باب الأخبار أصلا وكذلك في طهارة الماء ونجاسته إلا أنه إذا وقع في قلب السامع أنه صادق فيما يخبر به من نجاسة الماء فالأفضل له أن يريق الماء ثم يتيمم ولا تجوز صلاته بالتيمم قبل إراقة الماء لأنه لا يعتمد خبره في باب الدين أصلا فيبقى مجرد غلبة الظن وذلك لا يجوز له الصلاة بالتيمم مع وجود الماء بخلاف الفاسق فهناك يلزمه أن يتوضأ بذلك الماء إذا وقع في قلبه أنه صادق في الإخبار بطهارة الماء وإن أخبر بنجاسة الماء ووقع في قلبه أنه صادق فالأولى له أن يريق الماء ويتيمم فإن تيمم ولم يرق الماء جازت صلاته وأما خبر الصبي فقد ذكر في الاستحسان بعد ذكر الفاسق والكافر وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان فزعم بعض مشايخنا أن المراد العطف على الفاسق وأن خبره بمنزلة خبر الفاسق في طهارة الماء ونجاسته والأصح أن المراد عطفه على الكافر فإن الصبي ليس من أهل الشهادة أصلا كما أن الكافر ليس من أهل الشهادة على المسلمين بخلاف الفاسق فهو من أهل الشهادة وإن لم يكن مقبول الشهادة لفسقه ( و ) لأن الصبي بخبره يلزم الغير ابتداء من غير أن يلتزم شيئا لأنه غير مخاطب كالكافر يلزم غيره من غير أن يلتزم لأنه غير معتقد للحكم الذي يخبر به فأما الفاسق فيلتزم أولا ثم يلزم غيره ولأن الولاية المتعدية تبتنى على الولاية القائمة للمرء على نفسه والفاسق من أهل هذه الولاية فيكون أهلا للولاية المتعدية أيضا بخلاف الصبي والمعتوه بمنزلة الصبي فقد سوى علماؤنا بينهما في الأحكام في الكتب لنقصان عقلهما

Sección V01/P371–V01/P373

ومن الناس من يقول رواية الصبي في باب الدين مقبولة وإن لم يكن هو مقبول الشهادة لانعدام الأهلية للولاية بمنزلة رواية العبد واستدل فيه بحديث أهل قباء فإن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أتاهم وأخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم كانوا في الصلاة فاستداروا كهيئتهم وكان ابن عمر يومئذ صغيرا على ما روي أنه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أو يوم أحد على حسب ما اختلف الرواة فيه وهو ابن أربع عشرة سنة فرده وتحويل القبلة كان قبل بدر بشهرين فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بعلم وهو الصلاة إلى الكعبة ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنا نقول قد روي أن الذي أتاهم أنس بن مالك وقد روى عبد الله بن عمر فإنا نحمل على أنهما جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك وإنما تحولوا معتمدين على خبر البالغ وهو أنس بن مالك أو كان ابن عمر بالغا يومئذ وإنما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرا فإن ابن أربع عشرة سنة يجوز أن يكون بالغا فأما المغفل فإن كان أغلب أحواله التيقظ فهو بمنزلة من لا غفلة به في الرواية والشهادة لأن ما به من الغفلة يسير قلما يخلو العدل عن مثله إلا من عصمه الله تعالى وإن تفاحش ما به من الغفلة حتى ظهر ذلك في أغلب أموره فهو بمنزلة المعتوه لأن ما يلزم من النقصان في المرء بطريق العادة يجعل بمنزلة الثابت بأصل الخلقة ألا ترى أنه يترجح معنى السهو والغلط في الرواية باعتبارهما جميعا كما يترجح جانب الكذب باعتبار فسق الراوي وأما المساهل فهو كالمغفل فإنه اسم لمن يجازف في الأمور ولا يبالي بما يقع له من السهو والغلط ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن يعلم به فيكون بمنزلة المغفل إذا ظهر ذلك في أكثر أموره وأما صاحب الهوى فقد بينا أن الصحيح أنه لا تعتمد روايته في أحكام الدين وإن كانت شهادتهم مقبولة إلا الخطابية فإن الهوى لا يكون مرجحا جانب الكذب في شهادته على ما قررنا إلا الخطابية وهم ضرب من الروافض يجوزون أداء الشهادة إذا حلف المدعي بين أيديهم أنه محق في دعواه ويقولون المسلم لا يحلف كاذبا ففي هذا الإعتقاد ما يرجح جانب الكذب في شهادتهم لتوهم أنهم اعتمدوا ذلك وكذلك قالوا فيمن يعتقد أن الإلهام حجة موجبة للعلم لا تقبل شهادته لتوهم أن يكون اعتمد ذلك في أداء الشهادة بناء على اعتقاده فأما من سواهم من أهل الأهواء ليس فيما يعتقدون من الهوى ما يمكن تهمة الكذب في شهادتهم لأن الشهادة من باب المظالم والخصومات ولا يتعصب صاحب الهوى بهذا الطريق مع من هو محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبا فأما في أخبار الدين فيتوهم بهذا التعصب لإفساد طريق الحق على من هو محق حتى يجيبه إلى ما يدعو إليه من الباطل فلهذا لا تعتمد روايته ولا تجعل حجة في باب الدين والله أعلم فصل في بيان أقسام الأخبار قال رضي الله عنه هذه الأقسام أربعة خبر يحيط العلم بصدقه وخبر يحيط العلم بكذبه وخبر يحتملهما على السواء وخبر يترجح فيه أحد الجانبين فالأول أخبار الرسل المسموعة منهم فإن جهة الصدق متعين فيها لقيام الدلالة على أنهم معصومون عن الكذب وثبوت رسالتهم بالمعجزات الخارجة عن مقدور البشر عادة وحكم هذا النوع اعتقاد الحقية فيه والائتمار به بحسب الطاقة قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

Sección V01/P373–V01/P375

والنوع الثاني نحو دعوى فرعون الربوبية مع قيام آيات الحدث فيه ظاهرا ودعوى الكفار أن الأصنام آلهة أو أنها شفعاؤهم عند الله أو أنها تقربهم إلى الله زلفى مع التيقن بأنها جمادات ونحو دعوى زرادشت وماني ومسيلمة وغيرهم من المتنبئين النبوة مع ظهور أفعال تدل على السفه منهم وأنهم لم يبرهنوا على ذلك إلا بما هو مخرفة من جنس أفعال المشعوذين فالعلم يحيط بكذب هذا النوع وحكمه اعتقاد البطلان فيه ثم الاشتغال برده باللسان واليد بحسب ما تقع الحاجة إليه في دفع الفتنة والنوع الثالث نحو خبر الفاسق في أمر الدين ففيه احتمال الصدق باعتبار فالحكم فيه التوقف إلى أن يظهر ما يترجح به أحد الجانبين عملا بقوله تعالى فتبينوا دينه وعقله واحتمال الكذب باعتبار تعاطيه واستوى الجانبان في الاحتمال والنوع الرابع نحو شهادة الفاسق إذا ردها القاضي فإن بقضائه يترجح جانب الكذب فيه وخبر المحدود في القذف عند إقامة الحد عليه وحكمه أنه لا يجوز العمل به بعد ذلك لتعين جانب الكذب فيه فيما يوجب العمل ومن هذا النوع خبر العدل المستجمع لشرائط الرواية في باب الدين فإنه يترجح جانب الصدق فيه بوجود دليل شرعي موجب للعمل به وهو صالح للترجيح والمقصود هذا النوع ولهذا النوع أطراف ثلاثة طرف السماع وطرف الحفظ وطرف الأداء فطرف السماع نوعان عزيمة ورخصة فالعزيمة ما تكون بحسب الاستماع وهو أربعة أوجه وجهان من ذلك حقيقة وأحدهما أحق من الآخر ووجهان من ذلك عزيمة فيهما شبهة الرخصة فالوجهان الأولان قراءة المحدث عليك وأنت تسمع وقراءتك على المحدث وهو يسمع ثم استفهامك إياه بقولك أهو كما قرأت عليك فيقول نعم وأهل الحديث يقولون الوجه الأول أحق لأنه طريق رسول الله عليه السلام وهو الذي كان يحدث أصحابه ثم نقلوه عنه وهو أبعد من الخطأ والسهو فيكون أحق فيما هو المقصود وهو تحمل الأمانة بصفة تامة وروي عن أبي حنيفة رحمه الله أن قراءتك على المحدث أقوى من قراءة المحدث عليك وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة لكونه مأمون السهو والغلط ولأنه كان يذكر ما يذكره حفظا وكان لا يكتب ولا يقرأ المكتوب أيضا وإنما كلامنا فيمن يخبر عن كتاب لا عن ( حفظه حتى إذا كان يروي عن حفظ لا عن كتاب فقراءته أقوى لأنه يتحدث به ) حقيقة فأما إذا كان يروي عن كتاب فالجانبان سواء في معنى التحدث بما في الكتاب ألا ترى أن في الشهادات لا فرق بين أن يقرأ من عليه الحق ذكر إقراره عليك وبين أن تقرأه عليه ثم تستفهمه هل تقر بجميع ما قرأته عليك فيقول نعم وبكل واحد من الطريقين يجوز أداء الشهادة وباب الشهادة أضيق من باب رواية الخبر فكان المعنى فيه أن نعم جواب مختصر ولا فرق في الجواب بين المختصر والمشبع فيصير ما تقدم كالمعاد في الجواب كله ثم للطالب من الرعاية عند القراءة عادة ما ليس للمحدث فعند قراءة المحدث لا يؤمن من الخطأ في بعض ما يقرأ لقلة رعايته ويؤمن ذلك إذا قرأ الطالب لشدة رعايته فإن قيل عند قراءة الطالب يتوهم أن يسهو المحدث عن بعض ما يسمع وينتفي هذا التوهم إذا قرأه المحدث لشدة رعاية الطالب في ضبط ما يسمع منه قلنا هو كذلك ولكن السهو عن سماع البعض مما لا يمكن التحرز عنه عادة وهو أيسر مما يقع بسبب الخطأ في القراءة فمراعاة ذلك الجانب أولى والوجهان الآخران الكتابة والرسالة فإن المحدث إذا كتب إلى غيره على رسم الكتب وذكر في كتابه حدثني فلان عن فلان إلى آخره ثم قال وإذا جاءك كتابي هذا وفهمت ما فيه فحدث به عني فهذا صحيح وكذلك لو أرسل إليه رسولا فبلغه على هذه الصفة فإن رسول الله عليه السلام كان مأمورا بتبليغ الرسالة وبلغ إلى قوم مشافهة وإلى آخرين بالكتاب والرسول وكان ذلك تبليغا تاما

Sección V01/P375–V01/P377

وكذلك في زماننا يثبت من الخلفاء تقليد السلطنة والقضاء بالكتاب والرسول بهذا الطريق كما يثبت بالمشافهة إلا أن المختار في الوجهين الأولين للراوي أن يقول حدثني فلان وفي الوجهين الآخرين أن يقول أخبرني لأن في الوجهين الأولين شافهه المحدث بالإسماع فيكون محدثا له وفي الوجهين الآخرين لم يشافهه ولكنه مخبر له بكتابه فإن الكتاب ممن بعد كالخطاب ممن حضر والرسول كالكتاب أو أقوى لأن معنى الضبط يوجد فيهما ثم الرسول ناطق والكتاب غير ناطق وعلى هذا ذكر في الزيادات إذا حلف أن لا يتحدث بسر فلان أو لا يتكلم به فكتب به أو أرسل رسولا لم يحنث ولو تكلم به مشافهة يحنث ولو حلف لا يخبر به فكتب أو أرسل يحنث بمنزلة ما لو تكلم به والدليل عليه أن الله تعالى أكرمنا بكتابه ورسوله ثم لا يجوز لأحد أن يقول حدثني الله ولا كلمني الله إنما ذلك لموسى عليه الصلاة والسلام خاصة كما قال تعالى وكلم الله موسى تكليما ويجوز أن يقول أخبرنا الله بكذا أو أنبأنا ونبأنا فلهذا كان المختار في الوجهين الأولين حدثني وفي الوجهين الآخرين أخبرني وأما الرخصة فيه فمما لا تكون فيه إسماع وذلك الإجازة والمناولة وشرط الصحة في ذلك أن يكون ما في الكتاب معلوما للمجاز له مفهوما له وأن يكون المجيز من أهل الضبط والإتقان قد علم جميع ما في الكتاب وإذا قال حينئذ أجزت لك أن تروي عني ما في هذا الكتاب كان صحيحا لأن الشهادة تصح بهذه الصفة فإن الشاهد إذا وقف على جميع ما في الصك وكان ذلك معلوما لمن عليه الحق فقال أجزت لك أن تشهد علي بجميع ما في هذا الكتاب كان صحيحا فكذلك رواية الخبر والأحوط للمجاز له أن يقول عند الرواية أجاز لي فلان فإن قال أخبرني فهو جائز أيضا وليس ينبغي له أن يقول حدثني فإن ذلك مختص بالإسماع ولم يوجد والمناولة لتأكيد الإجازة فيستوى الحكم فيما إذا وجدا جميعا أو وجدت الإجازة وحدها فأما إذا كان المستجيز غير عالم بما في الكتاب فقد قال بعض مشايخنا إن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا تصح هذه الإجازة وعلى قول أبي يوسف رحمه الله تصح على قياس اختلافهم في كتاب القاضي إلى القاضي وكتاب الشهادة فإن علم الشاهد بما في الكتاب شرط في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولا يكون شرطا في قول أبي يوسف رحمه الله لصحة أداء الشهادة قال رضي الله عنه والأصح عندي أن هذه الإجازة لا تصح في قولهم جميعا إلا أن أبا يوسف استحسن هناك لأجل الضرورة فالكتب تشتمل على أسرار لا يريد الكاتب والمكتوب إليه أن يقف عليها غيرهما وذلك لا يوجد في كتب الأخبار ثم الخبر أصل الدين أمره عظيم وخطبه جسيم فلا وجه للحكم بصحة تحمل الأمانة فيه قبل أن يصير معلوما مفهوما له ألا ترى أنه لو قرأ عليه المحدث فلم يسمع ولم يفهم لم يجز له أن يروي والإجازة إذا لم يكن ما في الكتاب معلوما له دون ذلك كيف تجوز الرواية بهذا القدر وإسماع الصبيان الذين لا يميزون ولا يفهمون نوع تبرك استحسنه الناس فأما أن يثبت بمثله نقل الدين فلا وكذلك من حضر مجلس السماع واشتغل بقراءة كتاب آخر غير ما يقرؤه القارىء أو اشتغل بالكتابة لشيء آخر أو اشتغل بتحدث أو لغو أو لهو أو اشتغل عن السماع لغفلة أو نوم فإن سماعه لا يكون صحيحا مطلقا له الرواية إلا أن مقدار ما لا يمكن التحرز عنه من السهو والغفلة يجعل عفوا للضرورة فأما عند القصد فهو غير معذور ولا يأمن أن يحرم بسبب ذلك حظه ونعوذ بالله فأما إذا قال المحدث أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي فإن ذلك غير صحيح بالاتفاق بمنزلة ما لو قال رجل لآخر اشهد علي بكل صك تجد فيه إقراري فقد أجزت لك ذلك فإن ذلك باطل

Sección V01/P377–V01/P379

وقد نقل عن بعض أئمة التابعين أن سائلا سأله الإجازة بهذه الصفة فتعجب وقال لأصحابه هذا يطلب مني أن أجيز له أن يكذب علي وبعض المتأخرين جوزوا ذلك على وجه الرخصة لضرورة المستعجلين ولكن في هذه الرخصة سد باب الجهد في الدين وفتح باب الكسل فلا وجه للمصير إليه فأما الكتب المصنفة التي هي مشهورة في أيدي الناس فلا بأس لمن نظر فيها وفهم شيئا منها وكان متقنا في ذلك أن يقول قال فلان كذا أو مذهب فلان كذا من غير أن يقول حدثني أو أخبرني لأنها مستفيضة بمنزلة الخبر المشهور وبعض الجهال من المحدثين استبعدوا ذلك حتى طعنوا على محمد رحمه الله في كتبه المصنفة وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن رحمه الله أسمعت هذا كله من أبي حنيفة فقال لا فقال أسمعته من أبي يوسف فقال لا وإنما أخذنا ذلك مذاكرة فقال كيف يجوز إطلاق القول بأن مذهب فلان كذا أو قال فلان كذا بهذا الطريق وهذا جهل لأن تصنيف كل صاحب مذهب معروف في أيدي الناس مشهور كموطأ مالك رحمه الله وغير ذلك فيكون بمنزلة الخبر المشهور يوقف به على مذهب المصنف وإن لم نسمع منه فلا بأس بذكره على الوجه الذي ذكرنا بعد أن يكون أصلا معتمدا يؤمن فيه التصحيف والزيادة والنقصان فأما بيان طرق الحفظ فهو نوعان عزيمة ورخصة فالعزيمة فيه أن يحفظ المسموع من وقت السماع والفهم إلى وقت الأداء وكان هذا مذهب أبي حنيفة في الأخبار والشهادات جميعا ولهذا قلت روايته وهو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه للناس وأما الرخصة فيه أن يعتمد الكتاب إلا أنه إذا نظر في الكتاب فتذكر فهو عزيمة أيضا ولكنه مشبه بالرخصة وإذا لم يتذكر فهو محض الرخصة على قول من يجوز ذلك وقد بينا فيما سبق والأداء أيضا نوعان عزيمة ورخصة فالعزيمة أن يؤدي على الوجه الذي سمعه بلفظه ومعناه والرخصة فيه أن يؤدي بعبارته معنى ما فهمه عند سماعه وقد بينا ذلك ومن نوع الرخصة التدليس وهو أن يقول قال فلان كذا لمن لقيه ولكن لم يسمع منه فيوهم السامعين أنه قد سمع ذلك منه وكان الأعمش والثوري يفعلان ذلك وكان شعبة يأبى ذلك ويستبعده غاية الاستبعاد حتى كان يقول لأن أزني أحب إلي من أن أدلس والصحيح القول الأول وقد بينا أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك فيقول الواحد منهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فإذا روجع فيه قال سمعته من فلان يرويه عن رسول الله عليه السلام وما كان ينكر بعضهم على بعض ذلك فعرفنا أنه لا بأس به وأن هذا النوع لا يكون تدليسا مطلقا فإنه لا يجوز لأحد أن يسمي أحدا من الصحابة مدلسا وإنما التدليس المطلق أن يسقط اسم من رواه له ويروى عن راوي الأصل على قصد الترويج بعلو الإسناد فإن هذا القصد غير محمود فأما إذا لم يكن على هذا القصد وإنما كان على قصد التيسير على السامعين بإسقاط تطويل الإسناد عنهم أو على قصد التأكيد بالعزم على أنه قول رسول الله عليه السلام قطعا فهذا لا بأس به وما نقل عن الصحابة والتابعين محمول على هذا النوع وتجوز الرواية عمن اشتهر بهذا الفعل إذا علم أنه لا يدلس إلا فيما سمعه عن ثقة فأما إذا كان يروي عمن ليس بثقة ويدلس بهذه الصفة لا تجوز الرواية عنه بعدما اشتهر بالتدليس واختلف العلماء في فصل من هذا الجنس وهو أن الصحابي إذا قال أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو السنة كذا فالمذهب عندنا أنه لا يفهم من هذا المطلق الإخبار بأمر رسول الله عليه السلام أو أنه سنة رسول الله

Sección V01/P379–V01/P381

وقال الشافعي في القديم ينصرف إلى ذلك عند الإطلاق وفي الجديد قال لا ينصرف إلى ذلك بدون البيان لاحتمال أن يكون المراد سنة البلدان أو الرؤساء حتى قال في كل موضع قال مالك رحمه الله السنة ببلدنا كذا فإنما أراد سنة سليمان بن بلال وهو كان عريفا بالمدينة وعلى قوله القديم أخذ بقول سعيد بن المسيب رضي الله عنه في العاجز عن النفقة إنه يفرق بينه وبين امرأته لأنه حمل قول سعيد السنة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أخذ بقوله في أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية بقول سعيد فيه السنة فحمل ذلك على سنة رسول الله عليه السلام ولم نأخذ نحن بذلك لأنا علمنا أن مراده سنة زيد ورجحنا قول علي وعبد الله رضي الله عنهما على قول زيد رضي الله عنه بالقياس الصحيح وحجتنا في ذلك أن الأمر والنهي يتحقق من غير رسول الله عليه السلام كما يتحقق منه قال تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم وعند الإطلاق لا يثبت إلا أدنى الكمال ألا ترى أن مطلق قول العالم أمرنا بكذا لا يحمل على أنه أمر الله أنزله في كتابه نصا فكذلك لا يحمل على أنه أمر رسول الله عليه السلام نصا لاحتمال أن يكون الآمر غيره ممن يجب متابعته وكذلك السنة فقد قال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وقال عليه السلام من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وقد ظهر من عادة الصحابة التقييد عند إرادة سنة رسول الله عليه السلام بالإضافة إليه على ما قال عمر لصبي بن معبد هديت لسنة نبيك وقال عقبة بن عامر رضي الله عنه ثلاث ساعات نهانا رسول الله عليه السلام أن نصلي فيهن وقال صفوان بن عسال رضي الله عنه ( أمرنا رسول الله عليه السلام إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها ) الحديث فبهذا يتبين أنهم إذا أطلقوا هذا اللفظ فإنه لا يكون مرادهم الإضافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا ومع الاحتمال لا يثبت التعيين بغير دليل فصل في الخبر يلحقه التكذيب من جهة الراوي أو من جهة غيره أما ما يلحقه من جهة الراوي فأربعة أقسام أحدها أن ينكر الرواية أصلا والثاني أن يظهر منه مخالفة للحديث قولا أو عملا قبل الرواية أو بعدها أو لم يعلم التاريخ والثالث أن يظهر منه تعيين شيء مما هو من محتملات الخبر تأويلا أو تخصيصا والرابع أن يترك العمل بالحديث أصلا فأما الوجه الأول فقد اختلف فيه أهل الحديث من السلف فقال بعضهم بإنكار الراوي يخرج الحديث من أن يكون حجة وقال بعضهم لا يخرج ( من أن يكون حجة ) وبيان هذا فيما رواه ربيعة عن سهيل بن أبي صالح من حديث القضاء بالشاهد واليمين ثم قيل لسهيل إن ربيعة يروي عنك هذا الحديث فلم يذكره وجعل يروي ويقول حدثني ربيعة عني وهو ثقة وقد عمل الشافعي بالحديث مع إنكار الراوي ولم يعمل به علماؤنا رحمهم الله

Sección V01/P381–V02/P003

وذكر سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه السلام قال أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث ثم روى أن ابن جريج سأل الزهري عن هذا الحديث فلم يعرفه ثم عمل به محمد والشافعي مع إنكار الراوي ولم يعمل به أبو حنيفة وأبو يوسف لإنكار الراوي إياه وقالوا ينبغي أن يكون هذا الفصل على الاختلاف بين علمائنا رحمهم الله بهذه الصفة واستدلوا عليه بما لو ادعى رجل عند قاض أنه قضى له بحق على هذا الخصم ولم يعرف القاضي قضاءه فأقام المدعي شاهدين على قضائه بهذه الصفة فإن على قول أبي يوسف لا يقبل القاضي هذه البينة ولا ينفذ قضاءه بها وعلى قول محمد يقبلها وينفذ قضاءه فإذا ثبت هذا الخلاف بينهما في قضاء ينكره القاضي فكذلك في حديث ينكره الراوي الأصل وعلى هذا ما يحكي من المحاورة التي جرت بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في الرواية عن أبي حنيفة في ثلاث مسائل من الجامع الصغير وقد بيناها في شرح الجامع الصغير فإن محمدا ثبت على ما رواه عن أبي يوسف عنه بعد إنكار أبي يوسف وأبو يوسف لم يعتمد رواية محمد عنه حين لم يتذكر وزعم بعض مشايخنا أن على قياس قول علمائنا ينبغي أن لا يبطل الخبر بإنكار راوي الأصل إلا على قول زفر رحمه الله وردوا هذا إلى قول زوج المعتدة أخبرتني أن عدتها قد انقضت وهي تنكر فإن على قول زفر لا يبقى الخبر معمولا به بعد إنكارها وعندنا يبقى معمولا به إلا في حقها والأول أصح فإن جواز نكاح الأخت والأربع له هنا عندنا باعتبار ظهور انقضاء العدة في حقه ( بقوله ) لكونه أمينا في الإخبار عن أمر بينه وبين ربه لا لاتصال الخبر بها ولهذا لو قال انقضت عدتها ولم يضف الخبر إليها كان الحكم كذلك في الصحيح من الجواب فأما الفريق الأول فقد احتجوا بحديث ذي اليدين رضي الله عنه فإن النبي عليه السلام لما قال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ( أحق ما يقول ذو اليدين ) فقالا نعم فقام فأتم صلاته وقبل خبرهما عنه وإن لم يذكره وعمر قبل خبر أنس بن مالك عنه في أمان الهرمزان بقوله له أتكلم كلام حي وإن لم يذكر ذلك ولأن النسيان غالب على الإنسان فقد يحفظ الإنسان شيئا ويرويه لغيره ثم ينسى بعد مدة فلا يتذكره أصلا والراوي عنه عدل ثقة فبه يترجح جانب الصدق في خبره ثم لا يبطل ذلك بنسيانه وهذا بخلاف الشهادة على الشهادة فإن شاهد الأصل إذا أنكره لم يكن للقاضي أن يقضي بشهادته لأن الفرعي هناك ليس بشاهد على الحق ليقضي بشهادته وإنما هو ثابت في نقل شهادة الأصلي ولهذا لو قال أشهد على فلان لا يكون صحيحا ما لم يقل أشهدنى على شهادته وأمرني بالأداء فأنا أشهد على شهادته ثم القضاء يكون بشهادة الأصلي ومع إنكار لا تثبت شهادته في مجلس القضاء فأما هنا الفرعي إنما يروي الحديث باعتبار سماع صحيح له من الأصلي ولا يبطل ذلك بإنكار الأصلي بناء على نسيانه

Sección V02/P003–V02/P005

وأما الفريق الثاني استدلوا بحديث عمار رضي الله عنه حين قال لعمر أما تذكر إذ كنا في الإبل فأجنبت فتمعكت في التراب ثم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض فتمسح بهما وجهك وذراعيك فلم يرفع عمر رضي الله عنه رأسه ولم يعتمد روايته مع أنه كان عدلا ثقة لأنه روى عنه ولم يتذكر هو ما رواه فكان لا يرى التيمم للجنب بعد ذلك ولأن باعتبار تكذيب العادة يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعمل كما قررنا فيما سبق وتكذيب الراوي أدل على الوهن من تكذيب العادة وهذا لأن الخبر إنما يكون معمولا به إذا اتصل برسول الله عليه السلام وقد انقطع هذا الاتصال بإنكار راوي الأصل لأن إنكاره حجة في حقه فتنتفي به روايته الحديث أو يصير هو مناقضا بإنكاره ومع التناقض لا تثبت روايته وبدون روايته لا يثبت الاتصال فلا يكون حجة كما في الشهادة على الشهادة وكما يتوهم نسيان راوي الأصل يتوهم غلط راوي الفرع فقد يسمع الإنسان حديثا فيحفظه ولا يحفظ من سمع منه فيظن أنه سمعه من فلان وإنما سمعه من غيره فأدنى الدرجات فيه أن يقع التعارض فيما هو متوهم فلا يثبت الاتصال من جهته ولا من جهة غيره لأنه مجهول وبالمجهول لا يثبت الاتصال وأما حديث ذي اليدين فإنما يحمل على أن النبي عليه السلام تذكر ذلك عند خبرهما وهذا هو الظاهر فإنه كان معصوما عن التقرير على الخطأ وحديث عمر محتمل لذلك أيضا فربما تذكر حين شهد به غيره فلهذا عمل به أو تذكر غفلة من نفسه وشغل القلب بشيء في ذلك الوقت وقد يكون هذا للمرء بحيث يوجد شيء منه ثم لا يذكره فأخذه بالاحتياط وجعله آمنا من هذا الوجه ونحن لا نمنع من مثل هذا الاحتياط وإنما ندعي أنه لا يبقى موجبا للعمل مع إنكار راوي الأصل وكما أن راوي الفرع عدل ثقة فراوي الأصل كذلك وذلك يرجح جانب الصدق في إنكاره أيضا فتتحقق المعارضة من هذا الوجه وأدنى ما فيه أن يتعارض قولاه في الرواية والإنكار فيبقى الأمر على ما كان قبل روايته وأما الوجه الثاني وهو ما إذا ظهر منه المخالفة قولا أو عملا فإن كان ذلك بتاريخ قبل الرواية فإنه لا يقدح في الخبر ويحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث فلما سمع الحديث رجع إليه وكذلك إن لم يعلم التاريخ لأن الحمل على أحسن الوجهين واجب ما لم يتبين خلافه وهو أن يكون ذلك منه قبل أن يبلغه الحديث ثم رجع إلى الحديث وأما إذا علم ذلك منه بتاريخ بعد الحديث فإن الحديث يخرج به من أن يكون حجة لأن فتواه بخلاف الحديث أو عمله من أبين الدلائل على الانقطاع وأنه الأصل للحديث فإن الحالات لا تخلو إما إن كانت الرواية تقولا منه لا عن سماع فيكون واجب الرد أو تكون فتواه وعمله بخلاف الحديث على وجه قلة المبالاة والتهاون بالحديث فيصير به فاسقا لا تقبل روايته أصلا أو يكون ذلك منه عن غفلة ونسيان وشهادة المغفل لا تكون حجة فكذلك خبره أو يكون ذلك منه على أنه علم انتساخ حكم الحديث وهذا أحسن الوجوه فيجب الحمل عليه تحسينا للظن بروايته وعمله فإنه روى على طريق إبقاء الإسناد وعلم أنه منسوخ فأفتى بخلافه أو عمل بالناسخ دون المنسوخ وكما يتوهم أن يكون فتواه أو عمله بناء على غفلة أو نسيان يتوهم أن تكون روايته بناء على غلط وقع له وباعتبار التعارض بينهما ينقطع الاتصال وبيان هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ثم صح من فتواه أنه يطهر بالغسل ثلاثا فحملنا على أنه كان علم انتساخ هذا الحكم أو علم بدلالة الحال أن مراد رسول الله عليه السلام الندب فيما وراء الثلاثة

Sección V02/P005–V02/P007

وقال عمر رضي الله عنه متعتان كانتا على عهد رسول الله عليه السلام وأنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما متعة النساء ومتعة الحج فإنما يحمل هذا على علمه بالانتساخ ولهذا قال ابن سيرين هم الذين رووا الرخصة في المتعة وهم الذين نهوا عنها وليس في رأيهم ما يرغب عنه ولا في نصيحتهم ما يوجب التهمة وأما في العمل فبيان هذا في حديث عائشة رضي الله عنها ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها ) ثم صح أنها زوجت ابنة أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما فبعملها بخلاف الحديث يتبين النسخ وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الرجوع ثم قد صح عن مجاهد قال صحبت ابن عمر سنين وكان لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح فيثبت بعمله بخلاف الحديث نسخ الحكم وأما الوجه الثالث وهو تعيينه بعض محتملات الحديث فإن ذلك لا يمنع كون الحديث معمولا به على ظاهره من قبل أنه إنما فعل ذلك بتأويل وتأويله لا يكون حجة على غيره وإنما الحجة الحديث وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث فيبقى معمولا به على ظاهره وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء وبيان هذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا يحتمل التفرق بالأقوال ويحتمل التفرق بالأبدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان حتى روى عنه أنه كان إذا أوجب البيع مشى هنيهة ولم نأخذ بتأويله لأن الحديث في احتمال كل واحد من الأمرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا لا تصرفا في الحديث وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى ابن عباس أن المرتدة لا تقتل فقال هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك بمنزلة التأويل لا يكون حجة على غيره فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل على المرتدة وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى يخرج به من أن يكون حجة لأن ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرام كما أن العمل بخلافه حرام ومن هذا النوع ترك ابن عمر العمل بحديث رفع اليدين عند الركوع كما بينا وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان أحدهما ما يكون من جهة الصحابة والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث فأما ما يكون من الصحابة فهو نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث فيخرج الحديث به من أن يكون حجة لأنه لما انقطع توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء رواه هو أو غيره فأحسن الوجوه فيه أنه علم انتساخه أو أن ذلك الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا وبيانه فيما روى البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث لشهرته فعرفنا به انتساخ هذا الحكم وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه قوله والله لا أنفي أحدا أبدا وقول علي رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة مع علمنا أنه لم يخف عليهما الحديث فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب وكذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه حين فتح السواد من بها على أهلها وأبى أن يقسمها بين الغانمين مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله عليه السلام خيبر بين أصحابه حين افتتحها فاستدللنا به على أنه علم أن ذلك لم يكن حكما حتما من رسول الله عليه السلام على وجه لا يجوز غيره في الغنائم

Sección V02/P007–V02/P008

فإن قيل أليس أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يطبق في الصلاة بعد ما ثبت انتساخه بحديث مشهور فيه أمر بالأخذ بالركب ثم خفي عليه ذلك حتى لم يجعل عمله دليلا على أن الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب منسوخ أو أن الأخذ بالركب لا يكون عينا في الصلاة قلنا ما خفي على ابن مسعود حديث الأمر بالأخذ بالركب وإنما وقع عنده أنه على سبيل الرخصة فكان تلحقهم المشقة في التطبيق مع طول الركوع لأنهم كانوا يخافون السقوط على الأرض فأمروا بالأخذ بالركب تيسيرا عليهم لا تعيينا عليهم فلأجل هذا التأويل لم يترك العمل بظاهر الحديث الذي فيه أمر بالأخذ بالركب والوجه الثاني أن يظهر منه العمل بخلاف الحديث وهو ممن يجوز أن يخفى عليه ذلك الحديث فلا يخرج الحديث من أن يكون حجة بعمله بخلافه وبيان هذا فيما روي أن النبي عليه السلام رخص للحائض في أن تترك طواف الصدر ثم صح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها تقيم حتى تطهر فتطوف ولا تترك بهذا العمل بالحديث الذي فيه رخصة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه وكذلك ما يروى عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان لا يوجب إعادة الوضوء على من قهقه في الصلاة ولا يترك به العمل بالحديث الموجب للوضوء من القهقهة في الصلاة لجواز أن يكون ذلك خفي عليه وكذلك قول ابن عمر لا يحج أحد عن أحد لا يمنع العمل بالحديث الوارد في الإحجاج عن الشيخ الكبير لجواز أن يكون ذلك خفي عليه وهذا لأن الحديث معمول به إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يترك العمل به باعتبار عمل ممن هو دونه بخلافه وإنما تحمل فتواه بخلاف الحديث على أحسن الوجهين وهو أنه إنما أفتى به برأيه لأنه خفي عليه النص ولو بلغه لرجع إليه فعلى من يبلغه الحديث بطريق صحيح أن يأخذ به وأما ما يكون من أئمة الحديث فهو الطعن في الرواة وذلك نوعان مبهم ومفسر ثم المفسر نوعان ما لا يصلح أن يكون طعنا وما يصلح أن يكون والذي يصلح نوعان مجتهد فيه أو متفق عليه والمتفق عليه نوعان أن يكون ممن هو مشهور بالنصيحة والإتقان أو ممن هو معروف بالتعصب والعداوة فأما الطعن المبهم فهو عند الفقهاء لا يكون جرحا لأن العدالة باعتبار ظاهر الدين ثابت لكل مسلم خصوصا من كان من القرون الثلاثة فلا يترك ذلك بطعن مبهم ألا ترى أن الشهادة أضيق من رواية الخبر في هذا ثم الطعن المبهم من المدعى عليه لا يكون جرحا فكذلك من المزكي ولا يمتنع العمل بالشهادة لأجل الطعن المبهم فلأن لا يخرج الحديث بالطعن المبهم من أن يكون حجة أولى وهذا للعادة الظاهرة أن الإنسان إذا لحقه من غير ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه في ذلك الوقت حتى يطعن فيه طعنا مبهما إلا من عصمه الله تعالى ثم إذا طلب منه تفسير ذلك لا يكون له أصل والمفسر الذي لا يصلح أن يكون طعنا لا يوجب الجرح أيضا وذلك مثل طعن بعض المتعنتين في أبي حنيفة أنه دس ابنه ليأخذ كتب أستاذه حماد فكان يروي من ذلك وهذا إن صح فهو لا يصلح طعنا بل هو دليل الإتقان فقد كان هو لا يستجيز الرواية إلا عن حفظ والإنسان لا يقوى اعتماده على جميع ما يحفظه ففعل ذلك ليقابل حفظه بكتب أستاذه فيزداد به معنى الإتقان وكذلك الطعن بالتدليس على من يقول حدثني فلان عن فلان ولا يقول قال حدثني فلان فإن هذا لا يصلح أن يكون طعنا لأن هذا يوهم الإرسال وإذا كان حقيقة الإرسال دليل زيادة الإتقان على ما بينا فما يوهم الإرسال كيف يكون طعنا