Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)

Sección V01/P026–V01/P028

الثالث إن المعاني باعتبار أسبابها المدركة لها ثلاثة محسوسة ومتخيلة ومعقولة ولنصطلح على تسمية سبب الإدراك قوة فنقول في حدقتك معنى به تميزت الحدقة عن الجبهة حتى صرت تبصر بها وإذا بطل ذلك المعنى بطل الإبصار والحالة التي تدركها عند الإبصار شرطها وجود المبصر فلو انعدم المبصر انعدم الإبصار وتبقى صورته في دماغك كأنك تنظر إليها وهذه الصورة لا تفتقر إلى وجود المتخيل بل عدمه وغيبته لا تنفي الحالة المسماة تخيلا وتنفي الحالة التي تسمى إبصارا ولما كنت تحس بالمتخيل في دماغك لا في فخذك وبطنك فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة بها يتهيأ للتخيل وبها باين البطن والفخذ كما باين العين الجبهة والعقب في الأبصار بمعنى اختص به لا محالة والصبي في أول نشئه تقوى فيه قوة الإبصار لا قوة التخيل فلذلك إذا ولع بشيء فغيبته عنه وأشغلته بغيره اشتغل به ولها عنه وربما يحدث في الدماغ مرض يفسد القوة الحافظة للتخيل ولا يفسد الأبصار فيرى الأشياء ولكنه كما تغيب عنه ينساها وهذه القوة تشارك البهيمة فيها الإنسان ولذلك مهما رأى الفرس الشعير تذكر صورته التي كانت له في دماغه فعرف أنه موافق له وأنه مستلذ لديه فبادر إليه فلو كانت الصورة لا تثبت في خياله لكانت رؤيته لها ثانيا كرؤيته لها أولا حتى لا يبادر إليه ما لم يجربه بالذوق مرة أخرى ثم فيك قوة ثالثة شريفة يباين الإنسان بها البهيمة تسمى عقلا محلها إما دماغك وإما قلبك وعند من يرى النفس جوهرا قائما بذاته غير متحيز محلها النفس وقوة العقل تباين قوة التخيل مباينة أشد من مباينة التخيل للإبصار إذ ليس بين قوة الإبصار وقوة التخيل فرق إلا أن وجود المبصر شرط لبقاء الأبصار وليس شرطا لبقاء التخيل وإلا فصورة الفرس تدخل في الإبصار مع قدر مخصوص ولون مخصوص وبعد منك مخصوص ويبقى في التخيل ذلك البعد وذلك القدر واللون وذلك الوضع والشكل حتى كأنك تنظر إليه ولعمري فيك قوة رابعة تسمى المفكرة شأنها أن تقدر على تفصيل الصور التي في الخيال وتقطيعها وتركيبها وليس لها إدراك شيء آخر ولكن إذا حضر في الخيال صورة إنسان قدر على أن يجعلها نصفين فيصور نصف إنسان وربما ركب شخصا نصفه من إنسان ونصفه من فرس وربما تصور إنسانا يطير إذ ثبت في الخيال صورة الإنسان وحده وصورة الطير وحده وهذه القوة تجمع بينهما كما تفرق بين نصفي الإنسان وليس في وسعها البتة اختراع صورة لا مثال لها في الخيال بل كل تصوراتها بالتفريق والتأليف في الصور الحاصلة في الخيال والمقصود أن مباينة إدراك العقل لإدراك التخيل أشد من مباينة التخيل للإبصار إذ ليس للتخيل أن يدرك المعاني المجردة العارية عن القرائن الغريبة التي ليست داخلة في ذاتها أعني التي ليست ذاتية كما سبق فإنك لا تقدر على تخيل السواد إلا في مقدار مخصوص من الجسم ومعه شكل مخصوص ووضع مخصوص منك بقرب أو بعد ومعلوم أن الشكل غير اللون والقدر غير الشكل فإن المثلث له شكل واحد صغيرا كان أو كبيرا وإنما إدراك هذه المفردات المجردة بقوة أخرى اصطلحنا على تسميتها عقلا فيدرك السواد ويقضي بقضايا ويدرك اللونية مجردة ويدرك الحيوانية والجسمية مجردة وحيث يدرك الحيوانية قد لا يحضره الإلتفات إلى العاقل وغير العاقل وإن كان الحيوان لا يخلو عن القسمين وحيث يستمر في نظره قاضيا على الألوان بقضية قد لا يحضر معنى السوادية والبياضية وغيرهما وهذه من عجيب خواصها وبديع أفعالها فإذا رأى فرسا واحدا أدرك الفرس المطلق الذي يشترك فيه الصغير والكبير والأشهب والكميت والبعيد منه في المكان والقريب بل يدرك الفرسية المجردة المطلقة متنزهة عن كل قرينة ليست ذاتية لها فإن القدر المخصوص واللون المخصوص ليس للفرس ذاتيا بل عارضا أو لازما في الوجود إذ مختلفات اللون والقدر تشترك في حقيقة الفرسية وهذه المطلقات المجردة الشاملة لأمور مختلفة هي التي يعبر عنها المتكلمون بالأحوال والوجوه والأحكام ويعبر عنها المنطقيون بالقضايا الكلية المجردة ويزعمون أنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان وتارة يعبرون عنها بأنها غير موجودة من خارج بل من داخل يعنون خارج الذهن وداخله ويقول أرباب الأحوال إنها أمور ثابتة تارة يقولون إنها موجودة معلومة وتارة يقولون لا موجودة ولا معلومة ولا مجهولة وقد دارت فيه رؤوسهم وحارت عقولهم والعجب أنه أول منزل ينفصل فيه المعقول عن المحسوس إذ من هاهنا يأخذ العقل الإنساني في التصرف وما كان قبله كان يشارك التخيل البهيمي فيه التخيل الإنساني ومن تحير في أول منزل من منازل العقل كيف يرجى فلاحه في تصرفاته

Sección V01/P028–V01/P029

الفصل الثالث من السوابق في أحكام المعاني المؤلفة قد نظرنا في مجرد اللفظ ثم في مجرد المعنى فننظر الآن في تأليف المعنى على وجه يتطرق إليه التصديق والتكذيب كقولنا مثلا العالم حادث والباري تعالى قديم فإن هذا يرجع إلى تأليف القوة المفكرة بين معرفتين لذاتين مفردتين بنسبة إحداهما إلى الأخرى إما بالإثبات كقولك العالم حادث أو بالسلب كقولك العالم ليس بقديم وقد التأم هذا من جزأين يسمي النحويون أحدهما مبتدأ والآخر خبرا ويسمي المتكلمون أحدهما وصفا والآخر موصوفا ويسمي المنطقيون أحدهما موضوعا والآخر محمولا ويسمي الفقهاء أحدهما حكما والآخر محكوما عليه ويسمي المجموع قضية وأحكام القضايا كثيرة ونحن نذكر منها ما تكثر الحاجة إليه وتضر الغفلة عنه وهو حكمان الأول إن القضية تنقسم بالإضافة إلى المقضى عليه إلى التعيين والإهمال والعموم والخصوص فهي أربع الأولى قضية في عين كقولنا زيد كاتب وهذا السواد عرض الثانية قضية مطلقة خاصة كقولنا بعض الناس عالم وبعض الأجسام ساكن الثالثة قضية مطلقة عامة كقولنا كل جسم متحيز وكل سواد لون الرابعة قضية مهملة كقولنا الإنسان في خسر وعلة هذه القسمة أن المحكوم عليه إما أن يكون عينا مشارا إليه أو لا يكون عينا فإن لم يكن عينا فإما أن يحصر بسور يبين مقداره بكليته فتكون مطلقة عامة أو بجزئيته فتكون خاصة أو لا يحصر بسور فتكون مهملة والسور هو قولك كل وبعض وما يقوم مقامهما ومن طرق المغالطين في النظر استعمال المهملات بدل القضايا العامة فإن المهملات قد يراد بها الخصوص والعموم فيصدق طرفا النقيض كقولك الإنسان في خسر تعني الكافر الإنسان ليس في خسر تعني الأنبياء ولا ينبغي أن يسامح بهذا في النظريات مثاله أن يقول الشفعوي مثلا معلوم أن المطعوم ربوي والسفرجل مطعوم فهو إذا ربوي فإن قيل لم قلت المطعوم ربوي فتقول دليله البر والشعير والتمر بمعنى فإنها مطعومات وهي ربوية فينبغي أن يقال فقولك المطعوم ربوي أردت به كل المطعومات أو بعضها فإن أردت البعض لم تلزم النتيجة إذ يمكن أن يكون السفرجل من البعض الذي ليس بربوي ويكون هذا خللا في نظم القياس كما يأتي وجهه وإن أردت الكل فمن أين عرفت هذا وما عددته من البر والشعير ليس كل المطعومات النظر الثاني في شروط النقيض وهو محتاج إليه إذ رب مطلوب لا يقوم الدليل عليه ولكن على بطلان نقيضه فيستبان من إبطاله صحة نقيضه والقضيتان المتناقضتان يعني بهما كل قضيتين إذا صدقت إحداهما كذبت الأخرى بالضرورة كقولنا العالم حادث العالم ليس بحادث وإنما يلزم صدق إحداهما عند كذب الأخرى بستة شروط الأول أن يكون المحكوم عليه في القضيتين واحدا بالذات لا بمجرد اللفظ فإن اتحد اللفظ دون المعنى لم يتناقضا كقولك النور مدرك بالبصر النور غير مدرك بالبصر إذا أردت بأحدهما الضوء وبالآخر العقل ولذلك لا يتناقض قول الفقهاء المضطر مختار المضطر ليس بمختار وقولهم المضطر آثم المضطر ليس بآثم إذ قد يعبر بالمضطر عن المرتعد والمحمول المطروح على غيره وقد يعبر به عن المدعو بالسيف إلى الفعل فالاسم متحد والمعنى مختلف الثاني أن يكون الحكم واحدا والإسم مختلفا كقولك العالم قديم العالم ليس بقديم أردت بأحد القديمين ما أراده الله تعالى بقوله كالعرجون القديم يس 39 ولذلك لم يتناقض قولهم المكره مختار المكره ليس بمختار لأن المختار عبارة عن معنيين مختلفين الثالث أن تتحد الإضافة في الأمور الإضافية فإنك لو قلت زيد أب زيد ليس بأب لم يتناقضا إذ يكون أبا لبكر ولا يكون أبا لخالد وكذلك تقول زيد أب زيد ابن فلا يتعدد بالإضافة إلى شخصين والعشرة نصف والعشرة ليست بنصف أي بالإضافة إلى العشرين والثلاثين وكما يقال المرأة مولى عليها المرأة غير مولى عليها وهما صادقان بالإضافة إلى النكاح والبيع لا إلى شيء واحد وإلى العصبة والأجنبي لا إلى شخص واحد

Sección V01/P029–V01/P031

الرابع أن يتساويا في القوة والفعل فإنك تقول الماء في الكوز مرو أي بالقوة وليس الماء بمرو أي بالفعل والسيف في الغمد قاطع وليس بقاطع ومنه ثار الخلاف في أن البارىء في الأزل خالق أو ليس بخالق الخامس التساوي في الجزء والكل فإنك تقول الزنجي أسود الزنجي ليس بأسود أي ليس بأسود الأسنان وعنه نشأ الغلط حيث قيل إن العالمية حال لزيد بجملته لأن زيدا عبارة عن جملته ولم يعرف أنا إذا قلنا زيد في بغداد إذ لم نعن به أنه في جميع بغداد بل في جزء منها وهو مكان يساوي مساحته السادس التساوي في المكان والزمان فإنك تقول العالم حادث العالم ليس بحادث أي هو حادث عن أول وجوده وليس بحادث قبله ولا بعده بل قبله معدوم وبعده باق والصبي تنبت له أسنان والصبي لا تنبت له أسنان ونعني بأحدهما السنة الأولى وبالآخر التي بعدها وبالجملة فالقضية المتناقضة هي التي تسلب ما أثبتته الأولى بعينه عما أثبتته بعينه وفي ذلك الوقت والمكان والحال وبتلك الإضافة بعينها وبالقوة إن كان ذلك بالقوة وبالفعل إن كان ذلك بالفعل وكذلك في الجزء والكل وتحصيل ذلك بأن لا تخالف القضية النافية المثبتة إلا في تبادل النفي بالإثبات فقط الفن الثاني في المقاصد وفيه فصلان فصل في صورة البرهان وفصل في مادته الفصل الأول في صورة البرهان والبرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين تؤلف تأليفا مخصوصا بشرط مخصوص فيتولد بينهما نتيجة وليس يتحد نمطه بل يرجع إلى ثلاثة أنواع مختلفة المأخذ والبقايا ترجع إليها النمط الأول ثلاثة أضرب مثال الأول قولنا كل جسم مؤلف وكل مؤلف حادث فلزم أن كل جسم حادث ومن الفقه قولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلزم أن كل نبيذ حرام فهاتان مقدمتان إذا سلمتا على هذا الوجه لزم بالضرورة تحريم النبيذ فإن كانت المقدمات قطعية سميناها برهانا وإن كانت مسلمة سميناها قياسا جدليا وإن كانت مظنونة سميناها قياسا فقهيا وسيأتي الفرق بين اليقين والظن إذا ذكرنا أصل القياس فإن كل مقدمة أصل فإذا ازدوج أصلان حصلت النتيجة وعادة الفقهاء في مثل هذا النظم أنهم يقولون النبيذ مسكر فكان حراما قياسا على الخمر وهذا لا تنقطع المطالبة عنه ما لم يرد إلى النظم الذي ذكرناه فإن رد إلى هذا النظم ولم يكن مسلما فلا تلزم النتيجة إلا بإقامة الدليل حتى يثبت كونه مسكرا إن نوزع فيه بالحس والتجربة وكون المسكر حراما بالخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام وقد ذكرنا في كتاب أساس القياس أن تسمية هذا قياسا تجوز فإن حاصله راجع إلى ازدواج خصوص تحت عموم وإذا فهمت صورة هذا النظم فاعلم أن في هذا البرهان مقدمتين إحداهما قولنا كل نبيذ مسكر والأخرى قولنا كل مسكر حرام وكل مقدمة تشتمل على جزأين مبتدأ وخبر المبتدأ محكوم عليه والخبر حكم فيكون مجموع أجزاء البرهان أربعة أمور إلا أن أمرا واحدا يتكرر في المقدمتين فيعود إلى ثلاثة أجزاء بالضرورة لأنها لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد وبطل الازدواج بينهما فلا تتولد النتيجة فإنك إذا قلت النبيذ مسكر ثم لم تتعرض في المقدمة الثانية لا للنبيذ ولا للمسكر لكن قلت والمغصوب مضمون أو العالم حادث فلا ترتبط إحداهما بالأخرى فبالضرورة ينبغي أن تكرر أحد الأجزاء الأربعة فلنصطلح على تسمية المتكرر علة وهو الذي يمكن أن يقترن بقولك لأن في جواب المطالبة بلم فإنه إذا قيل لك لم قلت أن النبيذ حرام قلت لأنه مسكر ولا تقول لأنه نبيذ ولا تقول لأنه حرام فما يقترن به لأن هو العلة ولنسم ما يجري مجرى النبيذ محكوما عليه وما يجري مجرى الحرام حكما فإنا في النتيجة نقول فالنبيذ حرام ولنشتق للمقدمتين اسمين منهما لا من العلة لأن العلة متكررة فيهما فنسمي المقدمة المشتملة على المحكوم المقدمة الأولى وهي قولنا كل نبيذ مسكر والمشتملة على الحكم المقدمة الثانية وهي قولنا كل مسكر حرام أخذا من النتيجة فإنا نقول فكل نبيذ حرام فتذكر النبيذ أولا ثم الحرام وغرض هذه التسمية سهولة التعريف عند التفصيل والتحقيق ومهما كانت المقدمات معلومة كان البرهان قطعيا وإن كانت مظنونة كان فقيها وإن كانت ممنوعة فلا بد من إثباتها وأما بعد تسليمها فلا يمكن الشك في النتيجة أصلا بل كل عاقل صدق بالمقدمتين فهو مضطر إلى التصديق بالنتيجة مهما أحضرهما في الذهن وأحضر مجموعهما بالبال وحاصل وجه الدلالة في هذا النظم أن الحكم على الصفة حكم على الموصوف لأنا إذا قلنا النبيذ مسكر جعلنا المسكر وصفا فإذا حكمنا على كل مسكر بأنه حرام فقد حكمنا على الوصف فبالضرورة يدخل الموصوف فيه فإنه إن بطل قولنا النبيذ حرام مع كونه مسكرا بطل قولنا كل مسكر حرام إذا ظهر لنا مسكر ليس بحرام وهذا الضرب له شرطان في كونه منتجاز شرط في المقدمة الأولى وهو أن تكون مثبتة فإن كانت نافية لم تنتج لأنك إذا نفيت شيئا عن شيء لم يكن الحكم على المنفي حكما على المنفي عنه فإنك إذا قلت لا خل واحد مسكر وكل مسكر حرام لم يلزم منه حكم في الخل إذا وقعت المباينة بين المسكر والخل فحكمك على المسكر بالنفي والإثبات لا يتعدى إلى الخل

Sección V01/P031–V01/P032

الشرط الثاني في المقدمة الثانية وهو أن تكون عامة كلية حتى يدخل المحكوم عليه بسبب عمومها فيها فإنك إذا قلت كل سفرجل مطعوم وبعض المطعوم ربوي لم يلزم منه كون السفرجل ربويا إذ ليس من ضرورة الحكم على بعض المطعوم أن يتناول السفرجل نعم إذا قلت وكل مطعوم ربوي لزم في السفرجل ويثبت ذلك بعموم الخبر فإن قلت فبماذا يفارق هذا الضرب الضربين الآخرين بعده فاعلم أن العلة إما أن توضع محكوما عليها في المقدمتين أو محكوما بها في المقدمتين أو توضع حكما في إحداهما محكومة في الأخرى وهذا الأخير هو النظم الأول والثاني والثالث لا يتضحان غاية الاتضاح إلا بالرد إليه فلذلك قدمنا ذكره النظم الثاني أن تكون العلة حكما في المقدمتين مثاله قولنا الباري تعالى ليس بجسم لأن الباري غير مؤلف وكل جسم مؤلف فالباري تعالى إذن ليس بجسم فهاهنا ثلاثة معان الباري والمؤلف والجسم والمكرر هو المؤلف فهو العلة وتراه خبرا في المقدمتين وحكما بخلاف المسكر في النظم الأول إذ كان خبرا في إحداهما مبتدأ في الأخرى ووجه لزوم النتيجة منه أن كل شيئين ثبت لأحدهما ما انتفى عن الآخر فهما متباينان فالتأليف ثابت للجسم منتف عن الباري تعالى فلا يكون بين معنى الجسم وبين الباري التقاء أي لا يكون الباري جسما ولا الجسم هو الباري تعالى ويمكن بيان لزوم النتيجة بالرد إلى النظم الأول بطريق العكس كما أوضحناه في كتاب معيار العلم وكتاب محك النظر فلا نطول الآن به وهذا النظم هو الذي يعبر عنه الفقهاء بالفرق إذ يقولون الجسم مؤلف والباري غير مؤلف وخاصية هذا النظم أنه لا ينتج إلا قضية نافية سالبة وأما النظم الأول فإنه ينتج النفي والإثبات جميعا ومن شروط هذا النظم أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات فإن كانتا مثبتتين لم ينتجا لأن حاصل هذا النظم يرجع إلى الحكم بشيء واحد على شيئين وليس من ضرورة كل شيئين يحكم عليهما بشيء واحد أن يخبر بأحدهما عن الآخر فإنا نحكم على السواد والبياض باللونية ولا يلزم أن يخبر عن السواد بأنه بياض ولا عن البياض بأنه سواد ونظمه أن يقال كل سواد لون وكل بياض لون فلا يلزم كل سواد بياض ولا كل بياض سواد نعم كل شيئين أخبر عن أحدهما بما يخبر عن الآخر بنفيه يجب أن يكون بينهما انفصال وهو النفي النظم الثالث أن تكون العلة مبتدأ في المقدمتين وهذا يسميه الفقهاء نقضا وهذا إذا اجتمعت شروطه أنتج نتيجة خاصة لا عامة مثاله قولنا كل سواد عرض وكل سواد لون فيلزم منه أن بعض العرض لون وكذلك لو قلت كل بر مطعوم وكل بر ربوي فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي ووجه دلالته أن الربوي والمطعوم شيئان حكمنا بهما على شيء واحد وهو البر فالتقيا عليه وأقل درجات الإلتقاء أن يوجب حكما خاصا وإن لم يكن عاما فأمكن أن يقال بعض المطعوم ربوي وبعض الربوي مطعوم

Sección V01/P032–V01/P033

النمط الثاني من البرهان وهو نمط التلازم يشتمل على مقدمتين والمقدمة الأولى تشتمل على قضيتين والمقدمة الثانية تشتمل على ذكر إحدى تينك القضيتين تسليما إما بالنفي أو بالإثبات حتى تستنتج منه إحدى تينك القضيتين أو نقيضها ولنسم هذا نمط التلازم ومثاله قولنا إن كان العالم حادثا فله محدث فهذه مقدمة ومعلوم أنه حادث وهي المقدمة الثانية فيلزم منه أن له محدثا والأولى اشتملت على قضيتين لو أسقط منهما حرف الشرط لانفصلتا إحداهما قولنا إن كان العالم حادثا والثانية قولنا فله محدث ولنسم القضية الأولى المقدم ولنسم القضية الثانية اللازم والتابع والقضية الثانية اشتملت على تسليم عين القضية التي سميناها مقدما وهو قولنا ومعلوم أن العالم حادث فتلزم منه النتيجة وهو أن للعالم محدثا وهو عين اللازم ومثاله في الفقه قولنا إن كان الوتر يؤدى على الراحلة بكل حال فهو نفل ومعلوم أنه يؤدى على الراحلة فثبت أنه نفل وهذا النمط يتطرق إليه أربع تسليمات تنتج منها اثنتان ولا تنتج اثنتان أما المنتج فتسليم عين المقدم ينتج عين اللازم مثاله قولنا إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن هذه الصلاة صحيحة فيلزم أن يكون المصلي متطهرا ومثاله من الحس إن كان هذا سوادا فهو لون ومعلوم أنه سواد فإذا هو لون وأما المنتج الآخر فهو تسليم نقيض اللازم فإنه ينتج نقيض المقدم مثاله قولنا إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن المصلي غير متطهر فينتج أن الصلاة غير صحيحة وإن كان بيع الغائب صحيحا فهو يلزم بصريح الإلزام ومعلوم أنه لا يلزم بصريح الإلزام فيلزم منه أنه ليس بصحيح ووجه دلالة هذا النمط على الجملة أن ما يفضي إلى المحال فهو محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال كقولنا لو كان الباري سبحانه وتعالى مستقرا على العرش لكان إما مساويا للعرش أو أكبر أو أصغر وكل ذلك محال فما يفضي إليه محال وهذا يفضي إلى المحال فهو إذا محال وأما الذي لا ينتج فهو تسليم عين اللازم فإنا لو قلنا إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر ومعلوم أن المصلي متطهر فلا يلزم منه لا صحة الصلاة ولا فسادها إذ قد تفسد الصلاة بعلة أخرى وكذلك تسليم نقيض المقدم لا ينتج عين اللازم ولا نقيضه فإنا لو قلنا ومعلوم أن الصلاة ليست صحيحة فلا يلزم من هذا كون المصلي متطهرا ولا كونه غير متطهر وتحقيق لزوم النتيجة من هذا النمط أنه مهما جعل شيء لازما لشيء فينبغي أن لا يكون الملزوم أعم من اللازم بل إما أخص أو مساويا ومهما كان أخص فثبوت الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم إذ يلزم من ثبوت السواد ثبوت اللون وهو الذي عنيناه بتسليم عين اللازم وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص بالضرورة إذ يلزم من انتفاء اللون انتفاء السواد وهو الذي عنيناه بتسليم نقيض اللازم وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص فإن ثبوت اللون لا يوجب ثبوت السواد فلذلك قلنا تسليم عين اللازم لا ينتج وأما انتفاء الأخص فلا يوجب انتفاء الأعم ولا ثبوته فإن انتفاء السواد لا يوجب انتفاء اللون ولا ثبوته وهو الذي عنيناه بقولنا إن تسليم نقيض المقدم لا ينتج أصلا وإن جعل الأخص لازما للأعم فهو خطأ كمن يقول إن كان هذا لونا فهو سواد فإن كان اللازم مساويا للمقدم أنتج منه أربع تسليمات كقولنا إن كان زنا المحصن موجودا فالرجم واجب لكنه موجود فإذا هو واجب لكنه واجب فإذا هو موجود لكن الرجم غير واجب فالزنا غير موجود لكن زنا المحصن غير موجود فالرجم غير واجب وكذلك كل معلول له علة واحدة كقولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكنها طالعة فالنهار موجود لكن النهار موجود فهي إذا طالعة لكنها غير طالعة فالنهار غير موجود لكن النهار غير موجود فهي إذا غير طالعة

Sección V01/P033–V01/P034

النمط الثالث نمط التعاند وهو على ضد ما قبله والمتكلمون يسمونه السبر والتقسيم والمنطقيون يسمونه الشرطي المنفصل ويسمون ما قبله الشرطي المتصل وهو أيضا يرجع إلى مقدمتين ونتيجة ومثاله العالم إما قديم وإما حادث وهذه مقدمة وهي قضيتان الثانية أن تسلم إحدى القضيتين أو نقيضها فيلزم منه لا محالة نتيجة وينتج فيه أربع تسليمات فإنا نقول لكنه حادث فليس بقديم لكنه قديم فليس بحادث لكنه ليس بحادث فهو قديم لكنه ليس بقديم فهو حادث وبالجملة كل قسمين متناقضين متقابلين إذا وجد فيهما شرائط التناقض كما سبق فينتج إثبات أحدهما نفي الآخر ونفي أحدهما إثبات الآخر ولا يشترط أن تنحصر القضية في قسمين بل شرطه أن تستوفي أقسامه فإن كانت ثلاثة فإنا نقول العدد إما مساو أو أقل أو أكثر فهذه ثلاثة لكنها حاصرة فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين وإبطال اثنين ينتج إثبات الثالث وإثبات واحد ينتج انحصارا الحق في الآخرين في أحدهما لا بعينه والذي لا ينتج فيه انتفاء واحد هو أن لا يكون محصورا كقولك زيد إما بالعراق وإما بالحجاز فهذا مما يوجب إثبات واحد نفي الآخر أما إبطال واحد فلا ينتج إثبات الآخر إذ ربما يكون في صقع آخر وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه إلا أن نتكلف له وجها فإن قول مصحح الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرا فيبطل بالعرض أو كونه عرضا فيبطل بالجوهر أو كونه سوادا أو لونا فيبطل بالحركة فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود وهذا غير حاصر إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك سوى الوجود لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلا فإن أبطل هذا فلعله لمعنى آخر إلا أن يتكلف حصر المعاني وينفي جميعها سوى الوجود فعند ذلك ينتج فهذه أشكال البراهين فكل دليل لا يمكن رده إلى واحد من هذه الأنواع الخمسة فهو غير منتج البتة ولهذا شرح أطول من هذا ذكرناه في كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم الفصل الثاني من فن المقاصد في بيان مادة البرهان وهي المقدمات الجارية من البرهان مجرى الثوب من القميص والخشب من السرير فإن ما ذكرناه يجري مجرى الخياطة من القميص وشكل السرير من السرير وكما لا يمكن أن يتخذ من كل جسم سيف وسرير إذ لا يتأتى من الخشب قميص ولا من الثوب سيف ولا من السيف سرير فكذلك لا يمكن أن يتخذ من كل مقدمة برهان منتج بل البرهان المنتج لا ينصاغ إلا من مقدمات يقينية إن كان المطلوب يقينا أو ظنية إن كان المطلوب فقهيا فلنذكر معنى اليقين في نفسه لتفهم ذاته ولنذكر مدركه لتفهم الآلة التي بها يقتنص اليقين أما اليقين فشرحه أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال أحدها أن يتيقن ويقطع به وينضاف إليه قطع ثان وهو أن يقطع بأن قطعها به صحيح ويتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس فلا يجوز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ بل حيث لو حكى لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل بل تقطع بأنه كاذب أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن من معجزة فهي مخرقة وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله وناقله وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سر به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقينا مثاله قولنا الثلاثة أقل من الستة وشخص واحد لا يكون في مكانين والشيء الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ساكنا متحركا في حالة واحدة

Sección V01/P034–V01/P035

الحالة الثانية أن تصدق بها تصديقا جزما لا تتمارى فيه ولا تشعر بنقيضها البتة ولو أشعرت بنقيضها تعسر إذعانها للإصغاء إليه ولكنها لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيض معتقدها عمن هو أعلم الناس عندها كنبي أو صديق أورث ذلك فيها توقفا ولنسم هذا الجنس اعتقادا جزما وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم بطريق الأدلة فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعا بحسن الظن في الصبا فوقع عليه نشؤهم فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز الحالة الثالثة أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر لكن لو أشعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله وهذا يسمى ظنا وله درجات في الميل إلى الزيادة والنقصان لا تحصى فمن سمع من عدل شيئا سكنت إليه نفسه فإن انضاف إليه ثان زاد السكون وإن انضاف إليه ثالث زاد السكون والقوة فإن انضافت إليه تجربة لصدقهم على الخصوص زادت القوة فإن انضافت إليه قرينة كما إذا أخبروا عن أمر مخوف وقد اصفرت وجوههم واضطربت أحوالهم زاد الظن وهكذا لا يزال يترقى قليلا قليلا إلى أن ينقلب الظن علما عند الانتهاء إلى حد التواتر والمحدثون يسمون أكثر هذه الأحوال علما ويقينا حتى يطلقوا القول بأن الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح توجب العلم والعمل وكافة الخلق إلا آحاد المحققين يسمون الحالة الثانية يقينا ولا يميزون بين الحالة الثانية والأولى والحق أن اليقين هو الأول والثاني مظنة الغلط فإذا ألفت برهانا من مقدمات يقينية على الذوق الأول وراعيت صورة تأليفه على الشروط الماضية فالنتيجة ضرورية يقينية يجوز الثقة بها هذا بيان نفس اليقين أما مدارك اليقين فجميع ما يتوهم كونه مدركا لليقين والاعتقاد الجزم ينحصر في سبعة أقسام الأول الأوليات وأعني بها العقليات المحضة التي أفضى ذات العقل بمجرده إليها من غير استعانة بحس أو تخيل مجبل على التصديق بها مثل علم الإنسان بوجود نفسه وبأن الواحد لا يكون قديما حادثا وأن النقيضين إذا صدق أحدهما كذب الآخر وأن الاثنين أكثر من الواحد ونظائره وبالجملة هذه القضايا تصادف مرتسمة في العقل منذ وجوده حتى يظن العاقل أنه لم يزل عالما بها ولا يدري متى تجدد ولا يقف حصوله على أمر سوى وجود العقل إذ يرتسم فيه الموجود مفردا والقديم مفردا والحادث مفردا والقوة المفكرة تجمع هذه المفردات وتنسب بعضها إلى بعض مثل أن القديم حادث فيكذب بالعقل به وأن القديم ليس بحادث فيصدق العقل به فلا يحتاج إلا إلى ذهن ترتسم فيه المفردات وإلى قوة مفكرة تنسب بعض هذه المفردات إلى البعض فينتهض العقل على البديهة إلى التصديق أو التكذيب الثاني المشاهدات الباطنة وذلك كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وخوفه وفرحه وجميع الأحوال الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس فهذه ليست من الحواس الخمس ولا هي عقلية بل البهيمة تدرك هذه الأحوال من نفسها بغير عقل وكذا الصبي والأوليات لا تكون للبهائم ولا للصبيان الثالث المحسوسات الظاهرة كقولك الثلج أبيض والقمر مستدير والشمس مستنيرة وهذا الفن واضح لكن الغلط يتطرق إلى الأبصار لعوارض مثل بعد مفرط وقرب مفرط أو ضعف في العين وأسباب الغلط في الأبصار التي هي على الاستقامة ثمانية والذي بالانعكاس كما في المرآة أو بالانعطاف كما يرى ما وراء البلور والزجاج فيتضاعف في أسباب الغلط واستقصاء ذلك في هذه العلاوة غير ممكن فإن أردت أن تفهم منه أنموذجا فانظر إلى طرف الظل فتراه ساكنا والعقل يقضي بأنه متحرك وإلى الكواكب فتراها ساكنة وهي متحركة وإلى الصبي في أول نشوئه والنبات في أول النشوء وهو في النمو والتزايد في كل لحظة على التدريج فتراه واقفا وأمثال ذلك مما يكثر

Sección V01/P035–V01/P036

الرابع التجربيات وقد يعبر عنها باطراد العادات وذلك مثل حكمك بأن النار محرقة والخبز مشبع والحجر هاو إلى أسفل والنار صاعدة إلى فوق والخمر مسكر والسقمونيا مسهل فإذا المعلومات التجربية يقينية عند من جربها والناس يختلفون في هذه العلوم لاختلافهم في التجربة فمعرفة الطبيب بأن السقمونيا مسهل كمعرفتك بأن الماء مرو وكذلك الحكم بأن المغناطيس جاذب للحديد عند من عرفه وهذه غير المحسوسات لأن مدرك الحس هو أن هذا الحجر يهوي إلى الأرض وأما الحكم بأن كل حجر هاو فهي قضية عامة لا قضية في عين وليس للحس إلا قضية في عين وكذلك إذا رأى مائعا وقد شربه فسكر فحكم بأن جنس هذا المائع مسكر فالحس لم يدرك إلا شربا وسكرا واحدا معينا فالحكم في الكل إذا هو للعقل ولكن بواسطة الحس أو بتكرر الإحساس مرة بعد أخرى إذ المرة الواحدة لا يحصل العلم بها فمن تألم له موضع فصب عليه مائعا فزال ألمه لم يحصل له العلم بأنه المزيل إذ يحتمل أن زواله بالاتفاق بل هو كما لو قرأ عليه سورة الإخلاص فزال فربما يخطر له أن إزالته بالاتفاق فإذا تكرر مرات كثيرة في أحوال مختلفة انغرس في النفس يقين وعلم بأنه المؤثر كما حصل بأن الاصطلاء بالنار مزيل للبرد والخبز مزيل لألم الجوع وإذا تأملت هذا عرفت أن العقل قد ناله بعد التكرر على الحس بواسطة قياس خفي ارتسم فيه ولم يشعر بذلك القياس لأنه لم يلتفت إليه ولم يشغله بلفظ وكأن العقل يقول لو لم يكن هذا السبب يقتضيه لما اطرد في الأكثر ولو كان بالاتفاق لاختلف وهذا الآن يحرك قطبا عظيما في معنى تلازم الأسباب والمسببات التي يعبر عنها باطراد العادات وقد نبهنا على غورها في كتاب تهافت الفلاسفة والمقصود تمييز التجربيات عن الحسيات ومن لم يمعن في تجربة الأمور تعوزه جملة من اليقينيات فيتعذر عليه ما يلزم منها من النتائج فيستفيدها من أهل المعرفة بها وهذا كما أن الأعمى والأصم تعوزهما جملة من العلوم التي تستنتج من مقدمات محسوسة حتى يقدر الأعمى على أن يعرف بالبرهان أن الشمس أكبر من الأرض فإن ذلك يعرف بأدلة هندسية تنبني على مقدمات حسية ولما كان السمع والبصر شبكة جملة من العلوم قرنهما الله تعالى بالفؤاد في كتابه في مواضع الخامس متواترات كعلمنا بوجود مكة ووجود الشافعي وبعدد الصلوات الخمس بل كعلمنا بأن من مذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالذمي فإن هذا أمر وراء المحسوس إذ ليس للحس إلا أن يسمع صوت المخبر بوجود مكة وأما الحكم بصدقة فهو للعقل وآلته السمع ولا مجرد السمع بل تكرر السماع ولا ينحصر العدد الموجب للعلم في عدد ومن تكلف حصر ذلك فهو في شطط بل هو كتكرر التجربة ولكل مرة في التجربة شهادة أخرى إلى أن ينقلب الظن علما ولا يشعر بوقته فكذلك التواتر فهذه مدارك العلوم اليقينية الحقيقية الصالحة لمقدمات البراهين وما بعدها ليس كذلك

Sección V01/P036–V01/P037

السادس الوهميات وذلك مثل قضاء الوهم بأن كل موجود ينبغي أن يكون مشارا إلى جهته فإن موجودا لا متصلا بالعالم ولا منفصلا عنه ولا داخلا ولا خارجا محال وأن إثبات شيء مع القطع بأن الجهات الست خالية عنه محال وهذا عمل قوة في التجويف الأوسط من الدماغ وتسمى وهمية شأنها ملازمة المحسوسات ومتابعتها والتصرف فيها فكل ما لا يكون على وفق المحسوسات التي ألفتها فليس في طباعها إلا النبوة عنها وإنكارها ومن هذا القبيل نفرة الطبع عن قول القائل ليس وراء العالم خلاء ولا ملاء وهاتان قضيتان وهميتان كاذبتان والأولى منهما ربما وقع لك الأنس بتكذيبها لكثرة ممارستك للأدلة العقلية الموجبة لإثبات موجود ليس في جهة والثانية ربما لم تأنس بتكذيبها لقلة ممارستك لأدلتها وإذا تأملت عرفت أن ما أنكره الوهم من نفي الخلاء والملاء غير ممكن لأن الخلاء باطل بالبراهين القاطعة إذ لا معنى له والملاء متناه بأدلة قاطعة إذ يستحيل وجود أجسام لا نهاية لها وإذا ثبت هذان الأصلان علم أنه لا خلاء ولا ملاء وراء العالم وهذه القضايا مع أنها وهمية فهي في النفس لا تتميز عن الأوليات القطعية مثل قولك لا يكون شخص في مكانين بل يشهد به أول الفطرة كما يشهد بالأوليات العقلية وليس كل ما تشهد به الفطرة قطعا هو صادق بل الصادق ما يشهد به قوة العقل فقط ومداركه الخمسة المذكورة وهذه الوهميات لا يظهر كذبها للنفس إلا بدليل العقل ثم بعد معرفة الدليل أيضا لا تنقطع منازعة الوهم بل تبقى على نزاعها فإن قلت فبماذا أميز بينها وبين الصادقة والفطرة قاطعة بالكل ومتى يحصل الأمان منها فاعلم أن هذه ورطة تاه فيها جماعة فتسفسطوا وأنكروا كون النظر مفيد العلم اليقين فقال بعضهم طلب اليقين غير ممكن وقالوا بتكافؤ الأدلة وادعوا اليقين بتكافؤ الأدلة وقال بعضهم لا تيقن أيضا بتكافؤ الأدلة بما هو أيضا في محل التوقف وكشف الغطاء عن هذه الورطة يستدعي تطويلا فلا نشتغل به ونفيدك الآن طريقين نستعين بهما في تكذيب الوهم الأول جملي وهو أنك لا تشك في وجود الوهم والقدرة والعلم والإرادة وهذه الصفات ليست من النظريات ولو عرضت على الوهم نفس الوهم لأنكره فإنه يطلب له سمكا ومقدارا ولونا فإذا لم يجده أباه ولو كلفت الوهم أن يتأمل ذات القدرة والعلم والإرادة لصور لكل واحد قدرا ومكانا مفردا ولو فرضت له اجتماع هذه الصفات في جزء واحد أو جسم واحد لقدر بعضها منطبقا على البعض كأنه ستر رقيق مرسل على وجهه ولم يقدر على اتحاد البعض بالبعض بأسره فإنه ربما يشاهد الأجسام ويراها متميزة في الوضع فيقضي في كل شيئين بأن أحدهما متميز في الوضع عن الآخر الطريق الثاني وهو معيار في آحاد المسائل وهو أن نعلم أن جميع قضايا الوهم ليست كاذبة فإنها توافق العقل في استحالة وجود شخص في مكانين بل لا تنازع في جميع العلوم الهندسية والحسابية وما يدرك بالحس وإنما تنازع فيما وراء المحسوسات لأنها تمثل غير المحسوسات بالمحسوسات إذ لا تقبله إلا على نحو المحسوسات فحيلة العقل مع الوهم في أن يثق بكذبه مهما نظر في غير محسوس أن يأخذ مقدمات يقينية ليساعده الوهم عليها وينظمها نظم البرهان الذي ذكرناه فإن الوهم يساعد على أن اليقينيات إذا نظمت كذلك كانت النتيجة لازمة كما سبق في الأمثلة وكما في الهندسيات فتجد ذلك ميزانا وحاكما بينه وبينه فإذا رأى الوهم قد زاغ عن قبول نتيجة دليل قد ساعد على مقدماته وساعد على صحة نظمها وعلى كونها نتيجة علم أن ذلك من قصور في طباعه عن إدراك مثل هذا الشيء الخارج عن المحسوسات فاكتف بهذا القدر فإن تمام الإيضاح فيه تطويل

Sección V01/P037–V01/P039

السابع المشهورات وهي آراء محمودة يوجب التصديق بها إما شهادة الكل أو الأكثر أو شهادة جماهير الأفاضل كقولك الكذب قبيح وإيلام البريء قبيح وكفران النعم قبيح وشكر المنعم وإنقاذ الهلكى حسن وهذه قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة فلا يجوز أن يعول عليها في مقدمات البرهان فإن هذه القضايا ليست أولية ولا وهمية فإن الفطرة الأولى لا تقضي بها بل إنما ينغرس قبولها في النفس بأسباب كثيرة تعرض من أول الصبا وذلك بأن تكرر على الصبي ويكلف اعتقادها ويحسن ذلك عنده وربما يحمل عليها حب التسالم وطيب المعاشرة وربما تنشأ من الحنان ورقة الطبع فترى أقواما يصدقون بأن ذبح البهائم قبيح ويمتنعون عن أكل لحومها وما يجري هذا المجرى فالنفوس المجبولة على الحنان والرقة أطوع لقبولها وربما يجبل على التصديق بها الاستقراء الكثير وربما كانت القضية صادقة ولكن بشرط دقيق لا يفطن الذهن لذلك الشرط ويستمر على تكرير التصديق فيرسخ في نفسه كمن يقول مثلا التواتر لا يورث العلم لأن كل واحد من الآحاد لا يورث العلم فالمجموع لا يورث لأنه لا يزيد على الآحاد وهذا غلط لأن قول الواحد لا يوجب العلم بشرط الإنفراد وعند التواتر فات هذا الشرط فيذهل عن هذا الشرط لدقته ويصدق به مطلقا وكذلك يصدق بقوله إن الله على كل شيء قدير مع أنه ليس قادرا على خلق ذاته وصفاته وهو شيء لكن هو قدير على كل شيء بشرط كونه ممكنا في نفسه فيذهل عن هذا الشرط ويصدق به مطلقا لكثرة تكرره على اللسان ووقع الذهول عن شرطه الدقيق وللتصديق بالمشهورات أسباب كثيرة وهي من مثارات الغلط العظيمة وأكثر قياسات المتكلمين والفقهاء مبنية على مقدمات مشهورة يسلمونها بمجرد الشهرة فلذلك ترى أقيستهم تنتج نتائج متناقضة فيتحيرون فيها فإن قلت فبم يدرك الفرق بين المشهور والصادق فأعرض قول القائل العدل جميل والكذب قبيح على العقل الأول الفطري الموجب للأوليات وقدر أنك لم تعاشر أحدا ولم تخالط أهل ملة ولم تأنس بمسموع ولم تتأدب باستصلاح ولم تهذب بتعليم أستاذ ومرشد وكلف نفسك أن تشكك فيه فإنك تقدر عليه وتراه متأتيا وإنما الذي يعسر عليك هذه التقديرات أنك على حالة تضادها فإن تقدير الجوع في حال الشبع عسير وكذا تقدير كل حالة أنت منفك عنها في الحال ولكن إذا تحذقت فيها أمكنك التشكك ولو كلفت نفسك الشك في أن الاثنين أكثر من الواحد لم يكن الشك متأتيا بل لا يتأتى الشك في أن العالم ينتهي إلى خلاء أو ملاء وهو كاذب وهمي لكن فطرة الوهم تقتضيه والآخر يقتضيه فطرة العقل وأما كون الكذب قبيحا فلا يقتضيه فطرة العقل الوهم ولا فطرة العقل بل ما ألفه الإنسان من العادات والأخلاق والاستصلاحات وهذه أيضا معارضة مظلمة يجب التحرز عنها فهذا القدر كاف في المقدمات التي منها ينتظم البرهان فالمستفاد من المدارك الخمسة بعد الاحتراز عن مواقع الغلط فيها يصلح لصناعة البرهان والمستفاد من غلط الوهم لا يصلح البتة والمشهورات تصلح للفقهيات الظنية والأقيسة الجدلية ولا تصلح لإفادة اليقين البتة الفن الثالث من دعامة البرهان في اللواحق وفيه فصول الفصل الأول في بيان أن ما تنطق به الألسنة في معرض الدليل والتعليل في جميع أقسام العلوم يرجع إلى الضروب التي ذكرناها فإن لم يرجع إليها لم يكن دليلا وحيث يذكر لا على ذلك النظم فسببه إما قصور علم الناظر أو إهماله إحدى المقدمتين للوضوح أو لكون التلبيس في ضمنه حتى لا ينتبه له أو لتركيب الضروب وجمع جملة منها في سياق كلام واحد

Sección V01/P039–V01/P040

مثال ترك إحدى المقدمتين لوضوحها وذلك غالب في الفقهيات والمحاورات احترازا عن التطويل كقول القائل هذا يجب عليه الرجم لأنه زنى وهو محصن وتمام القياس أن تقول كل من زنى وهو محصن فعليه الرجم وهذا زنى وهو محصن ولكن ترك المقدمة الأولى لاشتهارها وكذلك يقال العالم محدث فيقال لم فيقول لأنه جائز ويقتصر عليه وتمامه أن يقول كل جائز فله فاعل والعالم جائز فإذا له فاعل ويقول في نكاح الشغار هو فاسد لأنه منهي عنه وتمامه أن يقول كل منهي عنه فهو فاسد والشغار منهي عنه فهو إذا فاسد ولكن ترك الأولى لأنها موضع النزاع ولو صرح بها لتنبه الخصم لها فربما تركها للتلبيس مرة كما تركها للوضوح أخرى وأكثر أدلة القرآن كذلك تكون مثل قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الأنبياء 22 فينبغي أن يضم إليها ومعلوم أنهما لم تفسدا وقوله تعالى إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا الإسراء 42 وتمامه أنه معلوم أنهم لم يبتغوا إلى ذي العرش سبيلا ومثال ما يترك للتلبيس أن يقال فلان خائن في حقك فتقول لم فيقال لأنه كان يناجي عدوك وتمامه أن يقال كل من يناجي العدو فهو عدو وهذا يناجي العدو فهو إذا عدو ولكن لو صرح به لتنبه الذهن بأن من يناجي العدو فقد ينصحه وقد يخدعه فلا يجب أن يكون عدوا وربما يترك المقدمة الثانية وهي مقدمة المحكوم عليه مثاله أن يقال لا تخالط فلانا فيقول لم فيقال لأن الحساد لا يخالطون وتمامه أن يضم إليه إن هذا حاسد والحاسد لا يخالط فهذا إذا لا يخالط وسبيل من يريد التلبيس إهمال المقدمة التي التلبيس تحتها استغفالا للخصم واستجهالا له وهذا غلط في النظم الأول ويتطرق ذلك إلى النظم الثاني والثالث مثاله قولك كل شجاع ظالم فيقال لم فيقال لأن الحجاج كان شجاعا وظالما وتمامه أن يقول الحجاج شجاع والحجاج ظالم فكل شجاع ظالم وهذا غير منتج لأنه طلب نتيجة عامة من النظم الثالث وقد بينا أنه لا ينتج إلا نتيجة خاصة وإنما كان من النظم الثالث لأن الحجاج هو العلة لأنه المتكرر في المقدمتين لأنه محكوم عليه في المقدمتين فيلزم منه أن بعض الشجعان ظالم ومن هاهنا غلط من حكم على كل المتصوفة أو كل المتفقهة بالفساد إذا رأى ذلك من بعضهم ونظم قياسه أن فلانا متفقه وفلان فاسق فكل متفقه فاسق وذلك لا يلزم بل يلزم أن بعض المتفقهة فاسق وكثيرا ما يقع مثل هذا الغلط في الفقه أن يرى الفقيه حكما في موضع معين فيقضي بذلك الحكم على العموم فيقول مثلا البر مطعوم والبر ربوي فالمطعوم ربوي وبالجملة مهما كانت العلة أخص من الحكم والمحكوم عليه في النتيجة لم يلزم منه إلا نتيجة جزئية وهو معنى النظم الثالث ومهما كانت العلة أعم من المحكوم عليه وأخص من الحكم أو مساوية له كان من النظم الأول وأمكن استنتاج القضايا الأربعة منه أعني الموجبة العامة والخاصة والنافية العامة والخاصة ومهما كانت العلة أعم من الحكم والمحكوم عليه جميعا كان من النظم الثاني ولم ينتج منه إلا النفي فأما الإيجاب فلا ومثال المختلطات المركبة من كل نمط كقولك الباري تعالى إن كان على العرش أما مساو أو أكبر أو أصغر وكل مساو وأصغر وأكبر مقدر وكل مقدر فإما أن يكون جسما أو لا يكون جسما وباطل أن لا يكون جسما فثبت أنه جسم فيلزم أن يكون الباري تعالى جسما ومحال أن يكون جسما فمحال أن يكون على العرش وهذا السياق اشتمل على النظم الأول والثاني والثالث مختلطا كذلك فمن لا يقدر على تحليله وتفصيله فربما انطوى التلبيس في تفاصيله وتضاعيفه فلا يتنبه لموضعه ومن عرف المفردات أمكنه رد المختلطات إليها فإذا لا يتصور النطق بالاستدلال إلا ويرجع إلى ما ذكرناه

Sección V01/P040–V01/P041

الفصل الثاني في بيان رجوع الاستقراء والتمثيل إلى ما ذكرناه أما الاستقراء فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات كقولنا في الوتر ليس بفرض لأنه يؤدى على الراحلة والفرض لا يؤدى على الراحلة فيقال لم قلتم أن الفرض لا يؤدى على الراحلة فيقال عرفناه بالاستقراء إذ رأينا القضاء والأداء والمنذور وسائر أصناف الفرائض لا تؤدى على الراحلة فقلنا إن كل فرض لا يؤدى على الراحلة ووجه دلالة هذا لا يتم إلا بالنظم الأول بأن يقول كل فرض فإما قضاء أو أداء أو نذر وكل قضاء وأداء ونذر فلا يؤدى على الراحلة فكل فرض لا يؤدى على الراحلة وهذا مختل يصلح للظنيات دون القطعيات والخلل تحت قوله إما أداء فإن حكمه بأن كل أداء لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم إذ الوتر عنده أداء واجب ويؤدى على الراحلة وإنما يسلم الخصم من الأداء الصلوات الخمس وهذه صلاة سادسة عنده فيقول وهل استقريت حكم الوتر في تصفحك وكيف وجدته فإن قلت وجدته لا يؤدى على الراحلة فالخصم لا يسلم فإن لم تتصفحه فلم يبين لك إلا بعض الأداء فخرجت المقدمة الثانية عن أن تكون عامة وصارت خاصة وذلك لا ينتج لأنا بينا أن المقدمة الثانية في النظم الأول ينبغي أن تكون عامة ولهذا غلط من قال أن صانع العالم جسم لأنه قال كل فاعل جسم وصانع العالم فاعل فهو إذا جسم فقيل لم قلت أن كل فاعل جسم فيقول لأني تصفحت الفاعلين من خياط وبناء وإسكاف وحجام وحداد وغيرهم فوجدتهم أجساما فيقال وهل تصفحت صانع العالم أم لا فإن لم تتصفحه فقد تصفحت البعض دون الكل فوجدت بعض الفاعلين جسما فصارت المقدمة الثانية خاصة لا تنتج وإن تصفحت الباري فكيف وجدته فإن قلت وجدته جسما فهو محل النزاع فكيف أدخلته في المقدمة فثبت بهذا أن الاستقراء إن كان تاما رجع إلى النظم الأول وصلح للقطعيات وإن لم يكن تاما لم يصلح إلا للفقهيات لأنه مهما وجد الأكثر على نمط غلب على الظن أن الآخر كذلك الفصل الثالث في وجه لزوم النتيجة من المقدمات وهو الذي يعبر عنه بوجه الدليل ويلتبس الأمر فيه على الضعفاء فلا يتحققون أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره فنقول كل مفردين جمعتهما القوة المفكرة ونسبت أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات وعرضته على العقل لم يخل العقل فيه من أحد أمرين إما أن يصدق به أو يمتنع من التصديق فإن صدق فهو الأولى المعلوم بغير واسطة ويقال إنه معلوم بغير نظر ودليل وحيلة وتأمل وكل ذلك بمعنى واحد وإن لم يصدق فلا مطمع في التصديق إلا بواسطة وتلك الواسطة هي التي تنسب إلى الحكم فيكون خبرا عنها وتنسب إلى المحكوم عليه فتجعل خبرا عنه فيصدق فيلزم من ذلك بالضرورة التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه

Sección V01/P041–V01/P042

بيانه أنا إذا قلنا للعقل احكم على النبيذ بالحرام فيقول لا أدري ولم يصدق به فعلمنا أنه ليس يلتقي في الذهن طرفا هذه القضية وهو الحرام والنبيذ فلا بد أن يطلب واسطة ربما صدق العقل بوجودها في النبيذ وصدق بوجود وصف الحرام لتلك الواسطة فيلزمه التصديق بالمطلوب فيقال هل النبيذ مسكر فيقول نعم إذا كان قد علم ذلك بالتجربة فيقال وهل المسكر حرام فيقول نعم إذا كان قد حصل ذلك بالسماع وهو المدرك بالسمع قلنا فإن صدقت بهاتين المقدمتين لزمك التصديق بالثالث لا محالة وهو أن النبيذ حرام بالضرورة فيلزمه أن يصدق بذلك ويذعن للتصديق به فإن قلت فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين وليست زائدة عليهما فاعلم أن ما توهمت حق من وجه وغلط من وجه أما الغلط فهو أن هذه قضية ثالثة لأن قولك النبيذ حرام غير قولك النبيذ مسكر وغير قولك المسكر حرام بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات وليس فيها تكرير أصلا بل النتيجة اللازمة غير المقدمات الملتزمة وأما وجه كونه حقا فهو أن قولك المسكر حرام شمل بعمومه النبيد الذي هو أحد المسكرات فقولك النبيذ حرام ينطوي فيه لكن بالقوة لا بالفعل وقد يحضر العام في الذهن ولا يحضر الخاص فمن قال الجسم متحيز ربما لا يخطر بباله ذلك الوقت أن الثعلب متحيز بل ربما لا يخطر بباله ذلك الثعلب فضلا عن أن يخطر بباله أنه متحيز فإذا النتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة والموجود بالقوة القريبة لا يظن أنه موجود بالفعل فاعلم أن هذه النتيجة لا تخرج من القوة إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين ما لم تحضر المقدمتين في الذهن وتخطر ببالك وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة فإذا تأملت ذلك صارت النتيجة بالفعل إذ لا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة منتفخة البطن فيتوهم أنها حامل فيقال له هل تعلم أن البغلة عاقر لا تحمل فيقول نعم فيقال وهل تعلم أن هذه بغلة فيقول نعم فيقال كيف توهمت أنها حامل فيتعجب من توهم نفسه مع علمه بالمقدمتين إذ نظمهما أن كل بغلة عاقر وهذه بغلة فهي إذا عاقر والانتفاخ له أسباب فإذا انتفاخها من سبب آخر ولما كان السبب الخاص لحصول النتيجة في الذهن التفطن لوجود النتيجة بالقوة في المقدمة أشكل على الضعفاء فلم يعرفوا أن وجه الدليل عين المدلول أو غيره فالحق أن المطلوب هو المدلول المستنتج وأنه غير التفطن لوجوده في المقدمتين بالقوة ولكن هذا التفطن هو سبب حصوله على سبيل التولد عند المعتزلة وعلى سبيل استعداد القلب لحضور المقدمتين مع التفطن لفيضان النتيجة من عند واهب الصور المعقولة الذي هو العقل الفعال عند الفلاسفة وعلى سبيل تضمن المقدمات للنتيجة بطريق اللزوم الذي لا بد منه عند أكثر أصحابنا المخالفين للتولد الذي ذكره المعتزلة وعلى سبيل حصوله بقدرة الله تعالى عقيب حضور المقدمتين في الذهن والتفظن لوجه تضمنهما له بطريق إجراء الله تعالى العادة على وجه يتصور خرقها بأن لا يخلق عقيب تمام النظر عند بعض أصحابنا ثم ذلك من غير نسبة له إلى القدرة الحادثة عند بعضهم بل بحيث لا تتعلق به قدرة العبد وإنما قدرته على إحضار المقدمتين ومطالعة وجه تضمن المقدمتين للنتيجة على معنى وجودها فيهما بالقوة فقط أما صيرورة النتيجة بالفعل فلا تتعلق بها القدرة وعند بعضهم هو كسب مقدور والرأي الحق في ذلك لا يليق بما نحن فيه والمقصود كشف الغطاء عن النظر وإن وجه الدليل ما هو والمدلول ما هو والنظر الصحيح ما هو والنظر الفاسد ما هو وترى الكتب مشحونات بتطويلات في هذه الألفاظ من غير شفاء وإنما الكشف يحصل بالطريق الذي سلكناه فقط فلا ينبغي أن يكون شغفك بالكلام المعتاد المشهور بل بالكلام المفيد الموضح وإن خالف المعتاد

Sección V01/P042–V01/P044

مغالطة من منكري النظر وهو أن يقول ما تطلب بالنظر وهو معلوم لك أم لا فإن علمت فكيف تطلب وأنت واجد وإن جهلته فإذا وجدته فبم تعرف أنه مطلوبك وكيف يطلب العبد الآبق من لا يعرفه فإنه لو وجده لم يعرف أنه مطلوبه فنقول أخطأت في نظم شبهتك فإن تقسيمك ليس بحاصر إذ قلت تعرفه أو لا تعرفه بل هاهنا قسم ثالث وهو أني أعرفه من وجه وأعلمه من وجه وأجهله من وجه وأعني الآن بالمعرفة غير العلم فإني أفهم مفردات أجزاء المطلوب بطريق المعرفة والتصور وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة لا بالفعل أي في قوتي أن أقبل التصديق بها بالفعل وأجهلها من وجه أي لا أعلمها بالفعل ولو كنت أعلمها بالفعل لما طلبتها ولو لم أعلمها بالقوة لما طمعت في أن أعلمها إذ ما ليس في قوتي علمه يستحيل حصوله كاجتماع الضدين ولولا أني أفهمه بالمعرفة والتصور لأجزائه المنفردة لما كنت أعلم الظفر بمطلوبي إذا وجدته وهو كالعبد الآبق فإني أعرف ذاته بالتصور وإنما أطلب مكانه وأنه في البيت أم لا وكونه في البيت أفهمه بالمعرفة والتصور أي أفهم البيت مفردا والكون مفردا وأعلمه بالقوة أي في قوتي أن أصدق بكونه في البيت وأطلب حصوله بالفعل من جهة حاسة البصر فإذا رأيته في البيت صدقت بكونه في البيت فكذلك طلبي لكون العالم حادثا إذا وجدته الفصل الرابع في انقسام البرهان إلى برهان علة وبرهان دلالة أما برهان الدلالة فهو أن يكون الأمر المتكرر في المقدمتين معلولا ومسببا فإن العلة والمعلول يتلازمان وكذلك السبب والمسبب والموجب والموجب فإن استدللت بالعلة على المعلول فالبرهان برهان علة وإن استدللت بالمعلول على العلة فهو برهان دلالة وكذلك لو استدللت بأحد المعلولين على الآخر ومثال قياس العلة من المحسوسات أن تستدل على المطر بالغيم وعلى شبع زيد بأكله فتقول من أكل كثيرا فهو في الحال شبعان وزيد قد أكل كثيرا فهو إذا شبعان وإن قلت إن كل شبعان قد أكل كثيرا وزيد شبعان فإذا قد أكل كثيرا فهذا برهان دلالة ومثاله من الكلام قولك كل فعل محكم ففاعله عالم والعالم فعل محكم فصانعه عالم ومثال الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى في الفقه قولنا الزنا يوجب حرمة المصاهرة لأن كل وطء لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة وهذا لا يوجب المحرمية فلا يوجب الحرمة فإن الحرمة والمحرمية ليست إحداهما علة للأخرى بل هما نتيجتا علة واحدة وحصول إحدى النتيجتين يدل على حصول الأخرى بواسطة العلة فإنها تلازم علتها والنتيجة الثانية أيضا تلازم علتها وملازم الملازم ملازم لا محالة وجميع استدلالات الفراسة من قبيل الاستدلال بإحدى النتيجتين على الأخرى حتى أنه يستدل بخطوط حمر في كتف الشاة على إراقة الدماء في تلك السنة ويستدل بالخلق على الأخلاق ولا يمكن ذلك إلا بطريق تلازم النتائج الصادرة عن سبب واحد ولنقتصر من مدارك العقول على هذا القدر فإنه كالعلاوة على علم الأصول ومن أراد مزيدا عليه فليطلبه من كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم ولنشتغل الآن بالأقطاب الأربعة التي يدور عليها علم الأصول والحمد لله وحده والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وعلى جميع أصحابه بسم الله الرحمن الرحيم القطب الأول في الثمرة وهي الحكم والكلام فيه ينقسم إلى فنون أربعة فن في حقيقة الحكم وفن في أقسامه وفن في أركانه وفن فيما يظهره الفن الأول في حقيقته ويشتمل على تمهيد وثلاث مسائل أما التمهيد فهو أن الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين فالحرام هو المقول فيه إتركوه ولا تفعلوه والواجب هو المقول فيه إفعلوه ولا تتركوه والمباح هو المقول فيه إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم فلهذا قلنا العقل لا يحسن ولا يقبح ولا يوجب شكر المنعم ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع فلنرسم كل مسألة برأسها مسألة ( الحسن والقبح في الفعل )

Sección V01/P044–V01/P045

ذهبت المعتزلة إلى أن الأفعال تنقسم إلى حسنة وقبيحة فمنها ما يدرك بضرورة العقل كحسن إنقاذ الغرقى والهلكى وشكر المنعم ومعرفة حسن الصدق وكقبح الكفران وإيلام البريء والكذب الذي لا غرض فيه ومنها ما يدرك بنظر العقل كحسن الصدق الذي فيه ضرر وقبح الكذب الذي فيه نفع ومنها ما يدرك بالسمع كحسن الصلاة والحج وسائر العبادات وزعموا أنها متميزة بصفة ذاتها عن غيرها بما فيها من اللطف المانع من الفحشاء الداعي إلى الطاعة لكن العقل لا يستقل بدركه فنقول قول القائل هذا حسن وهذا قبيح لا يحس بفهم معناه ما لم يفهم معنى الحسن والقبح فإن الاصطلاحات في إطلاق لفظ الحسن والقبح مختلفة فلا بد من تلخيصها والاصطلاحات فيه ثلاثة الأول الاصطلاح المشهور العامي وهو أن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض الفاعل وإلى ما يخالفه وإلى ما لا يوافق ولا يخالف فالموافق يسمى حسنا والمخالف يسمى قبيحا والثالث يسمى عبثا وعلى هذا الاصطلاح إذا كان الفعل موافقا لشخص مخالفا لآخر فهو حسن في حق من وافقه قبيح في حق من خالفه حتى أن قتل الملك الكبير يكون حسنا في حق أعدائه قبيحا في حق أوليائه وهؤلاء لا يتحاشون عن تقبيح فعل الله تعالى إذا خالف غرضهم ولذلك يسبون الدهر والفلك ويقولون خرب الفلك وتعس الدهر وهم يعلمون أن الفلك مسخر ليس إليه شيء ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فإطلاق اسم الحسن والقبح على الأفعال عند هؤلاء كإطلاقه على الصور فمن مال طبعه إلى صورة أو صوت شخص قضى بحسنه ومن نفر طبعه عن شخص استقبحه ورب شخص ينفر عنه طبع ويميل إليه طبع فيكون حسنا في حق هذا قبيحا في حق ذاك حتى يستحسن سمرة اللون جماعة ويستقبحها جماعة فالحسن والقبح عند هؤلاء عبارة عن الموافقة والمنافرة وهما أمران إضافيان لا كالسواد والبياض إذ لا يتصور أن يكون الشيء أسود في حق زيد أبيض في حق عمرو الاصطلاح الثاني التعبير بالحسن عما حسنه الشرع بالثناء على فاعله فيكون فعل الله تعالى حسنا في كل حال خالف الغرض أو وافقه ويكون المأمور به شرعا ندبا كان أو إيجابا حسنا والمباح لا يكون حسنا الاصطلاح الثالث التعبير بالحسن عن كل ما لفاعله أن يفعله فيكون المباح حسنا مع المأمورات وفعل الله يكون حسنا بكل حال وهذه المعاني الثلاثة كلها أوصاف إضافية وهي معقولة ولا حجر على من يجعل لفظ الحسن عبارة عن شيء منها فلا مشاحة في الألفاظ فعلى هذا إذا لم يرد الشرع لا يتميز فعل عن غيره إلا بالموافقة والمخالفة ويختلف ذلك بالإضافات ولا يكون صفة للذات فإن قيل نحن لا ننازعكم في هذه الأمور الإضافية ولا في هذه الاصطلاحات التي تواضعتم عليها ولكن ندعي الحسن والقبح وصفا ذاتيا للحسن والقبيح مدركا بضرورة العقل في بعض الأشياء كالظلم والكذب والكفران والجهل ولذلك لا نجوز شيئا من ذلك على الله تعالى لقبحه ونحرمه على كل عاقل قبل ورود الشرع لأنه قبيح لذاته وكيف ينكر ذلك والعقلاء بأجمعهم متفقون على القضاء به من غير إضافة إلى حال دون حال قلنا أنتم منازعون فيما ذكرتموه في ثلاثة أمور أحدها في كون القبح وصفا ذاتيا والثاني في قولكم أن ذلك مما يعلمه العقلاء بالضرورة والثالث في ظنكم أن العقلاء لو توافقوا عليه لكان ذلك حجة مقطوعا بها ودليلا على كونه ضروريا أما الأول وهو دعوى كونه وصفا ذاتيا فهو تحكم بما لا يعقل فإن القتل عندهم قبيح لذاته بشرط أن لا تسبقه جناية ولا يعقبه عوض حتى جاز إيلام البهائم وذبحها ولم يقبح من الله تعالى ذلك لأنه يثيبها عليه في الآخرة والقتل في ذاته له حقيقة واحدة لا تختلف بأن تتقدمه جناية أو تتعقبه لذة إلا من حيث الإضافة إلى الفوائد والأغراض وكذلك الكذب كيف يكون قبحه ذاتيا ولو كان فيه عصمة دم نبي بإخفاء مكانه عن ظالم يقصد قتله لكان حسنا بل واجبا يعصى بتركه والوصف الذاتي كيف يتبدل بالإضافة إلى الأحوال

Sección V01/P045–V01/P046

وأما الثاني وهو كونه مدركا بالضرورة وكيف يتصور ذلك ونحن ننازعكم فيه والضروري لا ينازع فيه خلق كثير من العقلاء وقولكم أنكم مضطرون إلى المعرفة وموافقون عليه ولكنكم تظنون أن مستند معرفتكم السمع كما ظن الكعبي أن مستند علمه بخبر التواتر النظر ولا يبعد التباس مدرك العلم وإنما يبعد الخلاف في نفس المعرفة ولا خلاف فيها قلنا هذا كلام فاسد لأنا نقول يحسن من الله تعالى إيلام البهائم ولا نعتقد لها جريمة ولا ثوابا فدل أنا ننازعكم في نفس العلم وأما الثالث فهو أنا لو سلمنا اتفاق العقلاء على هذا أيضا لم تكن فيه حجة إذ لم يسلم كونهم مضطرين إليه بل يجوز أن يقع الاتفاق منهم على ما ليس بضروري فقد اتفق الناس على إثبات الصانع وجواز بعثه الرسل ولم يخالف إلا الشواذ فلو اتفق أن ساعدهم الشواذ لم يكن ذلك ضروريا فكذلك اتفاق الناس على هذا الإعتقاد يمكن أن يكون بعضه عن دليل السمع الدال على قبح هذه الأشياء وبعضه عن تقليد مفهوم من الآخذين عن السمع وبعضه عن الشبهة التي وقعت لأهل الضلال فالتئام الإتفاق من هذه الأسباب لا يدل على كونه ضروريا فلا يدل على كونه حجة لولا منع السمع عن تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة إذ لا يبعد اجتماع الكافة على الخطأ عن تقليد وعن شبهة وكيف وفي الملحدة من لا يعتقد قبح هذه الأشياء ولا حسن نقائضها فكيف يدعى اتفاق العقلاء احتجوا بأنا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق ومال إليه إن كان عاقلا وليس ذلك إلا لحسنه وإن الملك العظيم المستولي على الأقاليم إذا رأى ضعيفا مشرفا على الهلاك يميل إلى إنقاذه وإن كان لا يعتقد أصل الدين لينتظر ثوابا ولا ينتظر منه أيضا مجازاة وشكرا ولا يوافق ذلك أيضا غرضه بل ربما يتعب به بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره على كلمة الكفر أو على إفشاء السر ونقض العهد وهو على خلاف غرض المكره وعلى الجملة استحسان مكارم الأخلاق وإفاضة النعم مما لا ينكره عاقل إلا عن عناد والجواب أنا لا ننكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة مشهورة ولكن مستندها إما التدين بالشرائع وإما الأغراض ونحن إنما ننكر هذا في حق الله تعالى لانتفاء الأغراض عنه فأما إطلاق الناس هذه الألفاظ فيما يدور بينهم فيستمر من الأغراض ولكن قد تدق الأغراض وتخفى فلا يتنبه لها إلا المحققون ونحن ننبه على مثارات الغلط فيه وهي ثلاث مثارات يغلط الوهم فيها الأولى إن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه وإن كان يوافق غرض غيره من حيث إنه لا يلتفت إلى الغير فإن كل طبع مشغوف بنفسه ومستحقر لغيره فيقضي بالقبح مطلقا وربما يضيف القبح إلى ذات الشيء ويقول هو بنفسه قبيح فيكون قد قضى بثلاثة أمور هو مصيب في واحد منها وهو أصل الاستقباح ومخطىء في أمرين أحدهما إضافة القبح إلى ذاته إذ غفل عن كونه قبيحا لمخالفة غرضه والثاني حكمه بالقبح مطلقا ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عدم الالتفات إلى بعض أحوال نفسه فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف الغرض

Sección V01/P046–V01/P047

الغلطة الثانية أن ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة نادرة قد لا يلتفت الوهم إلى تلك الحالة النادرة بل لا يخطر بالبال فيراه مخالفا في كل الأحوال فيقضي بالقبح مطلقا لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه وذهاب الحالة النادرة عن ذكره كحكمه على الكذب بأنه قبيح مطلقا وغفلته عن الكذب الذي تستفاد به عصمة دم نبي أو ولي وإذا قضى بالقبح مطلقا واستمر عليه مدة وتكرر ذلك على سمعه ولسانه انغرس في نفسه استقباح منفر فلو وقعت تلك الحالة النادرة وجد في نفسه نفرة عنه لطول نشوه على الاستقباح فإنه ألقي إليه منذ الصبا على سبيل التأديب والإرشاد أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه أحد ولا ينبه على حسنه في بعض الأحوال خيفة من أن لا تستحكم نفرته عن الكذب فيقدم عليه وهو قبيح في أكثر الأحوال والسماع في الصغر كالنقش في الحجر فينغرس في النفس ويحن إلى التصديق به مطلقا وهو صدق لكن لا على الإطلاق بل في أكثر الأحوال وإذا لم يكن في ذكره إلا أكثر الأحوال فهو بالإضافة إليه كل الأحوال فلذلك يعتقده مطلقا الغلطة الثالثة سببها سبق الوهم إلى العكس فإن ما يرى مقرون بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا محالة مقرون به مطلقا ولا يدري أن الأخص أبدا مقرون بالأعم والأعم لا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله نفرة نفس السليم وهو الذي نهشته الحية عن الحبل المبرقش اللون لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى وكذلك تنفر النفس عن العسل إذا شبه بالعذرة لأنه وجد الأذى والاستقذار مقرونا بالرطب الأصفر فتوهم أن الرطب الأصفر مقرون به الاستقذار ويغلب الوهم حتى يتعذر الأكل وإن حكم العقل بكذب الوهم لكن خلقت قوى النفس مطيعة للأوهام وإن كانت كاذبة حتى أن الطبع لينفر عن حسناء سميت باسم اليهود إذ وجد الاسم مقرونا بالقبح فظن أن القبح أيضا ملازم للاسم ولذا تورد على بعض العوام مسألة عقلية جليلة فيقبلها فإذا قلت هذا مذهب الأشعري أو الحنبلي أو المعتزلي نفر عنه إن كان يسيء الإعتقاد فيمن نسبته إليه وليس هذا طبع العامي خاصة بل طبع أكثر العقلاء المتسمين بالعلوم إلا العلماء الراسخين الذين أراهم الله الحق حقا وقواهم على اتباعه وأكثر الخلق قوى نفوسهم مطيعة للأوهام الكاذبة مع علمهم بكذبها وأكثر إقدام الخلق وإحجامهم بسبب هذه الأوهام فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس ولذلك ينفر طبع الإنسان عن المبيت في بيت فيه ميت مع قطعه بأنه لا يتحرك ولكنه كأنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه

Sección V01/P047–V01/P048

فإذا تنبهت لهذه المثارات فنرجع ونقول إنما يترجح الإنقاذ على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع لدفع الأذى الذي يلحق الإنسان من رقة الجنسية وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه وسببه أن الإنسان يقدر نفسه في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عنه وعن إنقاذه فيستقبحه منه بمخالفة غرضه فيعود ويقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح المتوهم فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه فهو بعيد تصوره ولو تصور فيبقى أمر آخر وهو طلب الثناء على إحسانه فإنه فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ فيتوقع أن يعلم فيكون ذلك التوقع باعثا فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم فيبقى ميل النفس وترجح يضاهي نفرة طبع السليم عن الحبل المبرقش وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء فظن أن الثناء مقرون بها بكل حال كما أنه لما رأى الأذى مقرونا بصورة الحبل وطبعه ينفر عن الأذى فنفر عن المقرون بالأذى فالمقرون باللذيذ لذيذ والمقرون بالمكروه مكروه بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان فإذا انتهى إليه أحس في نفسه تفرقة بين ذلك المكان وغيره ولذلك قال الشاعر أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما تلك الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا وقال ابن الرومي منبها على سبب حب الأوطان وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا وشواهد ذلك مما يكثر وكل ذلك من حكم الوهم وأما الصبر على السيف في ترك كلمة الكفر مع طمأنينة النفس فلا يستحسنه جميع العقلاء لولا الشرع بل ربما استقبحوه وإنما استحسنه من ينتظر الثواب على الصبر أو من ينتظر الثناء عليه بالشجاعة والصلابة في الدين وكم من شجاع يركب متن الخطر ويتهجم على عددهم أكثر منه وهو يعلم أنه لا يطيقهم ويستحقر ما يناله من الألم لما يعتاضه من توهم الثناء والحمد ولو بعد موته وكذلك إخفاء السر وحفظ العهد إنما تواصى الناس بهما لما فيهما من المصالح وأكثروا الثناء عليهما فمن يحتمل الضرر فيه فإنما يحتمله لأجل الثناء فإن فرض حيث لا ثناء فقد وجد مقرونا بالثناء فيبقى ميل الوهم إلى المقرون باللذيذ وإن كان خاليا عنه فإن فرض من لا يستولي عليه هذا الوهم ولا ينتظر الثواب والثناء فهو مستقبح للسعي في هلاك نفسه بغير فائدة ويستحمق من يفعل ذاك قطعا فمن يسلم أن مثل هذا يؤثر الهلاك على الحياة وعلى هذا يجري الجواب عن الكذب وعن جميع ما يفرضونه ثم نقول نحن لا ننكر أن أهل العادة يستقبح بعضهم من بعض الظلم والكذب وإنما الكلام في القبح والحسن بالإضافة إلى الله تعالى ومن قضى به فمستنده قياس الغائب على الشاهد وكيف يقيس والسيد لو ترك عبيده وإماءه وبعضهم يموج في بعض ويرتكبون الفواحش وهو مطلع عليهم وقادر على منعهم لقبح منه وقد فعل الله تعالى ذلك بعباده ولم يقبح منه وقولهم أنه تركهم لينزجروا بأنفسهم فيستحقوا الثواب هوس لأنه علم أنهم لا ينزجرون فليمنعهم قهرا فكم من ممنوع عن الفواحش بعنة أو عجز وذلك أحسن من تمكينهم مع العلم لأنهم لا ينزجرون مسألة ( شكر الخالق )

Sección V01/P048–V01/P049

لا يجب شكر المنعم عقلا خلافا للمعتزلة ودليله أن لا معنى للواجب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به وتوعد بالعقاب على تركه فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب ثم تحقيق القول فيه أن العقل لا يخلو إما أن يوجب ذلك لفائدة أو لا لفائدة ومحال أن يوجب لا لفائدة فإن ذلك عبث وسفه وإن كان لفائدة فلا يخلو إما أن ترجع إلى المعبود وهو محال إذ يتعالى ويتقدس عن الأغراض أو إلى العبد وذلك لا يخلو إما أن تكون في الدنيا أو في الآخرة ولا فائدة له في الدنيا بل يتعب بالنظر والفكر والمعرفة والشكر ويحرم به عن الشهوات واللذات ولا فائدة له في الآخرة فإن الثواب تفضل من الله يعرف بوعده وخبره فإذا لم يخبر عنه فمن أين يعلم أنه يثاب عليه فإن قيل يخطر له أنه إن كفر وأعرض ربما يعاقب والعقل يدعو إلى سلوك طريق الأمن قلنا لا بل العقل يعرف طريق الأمن ثم الطبع يستحث على سلوكه إذ كل إنسان مجبول على حب نفسه وعلى كراهة الألم فقد غلطتم في قولكم أن العقل داع بل العقل هاد والبواعث والدواعي تنبعث من النفس تابعة لحكم العقل وغلطتم أيضا في قولكم أنه يثاب على جانب الشكر والمعرفة خاصة لأن هذا الخاطر مستنده توهم غرض في جانب الشكر يتميز به عن الكفر وهما متساويان بالإضافة إلى جلال الله تعالى بل إن فتح باب الأوهام فربما يخطر له أن الله يعاقبه لو شكره ونظر فيه لأنه أمده بأسباب النعم فلعله خلقه ليترفه وليتمتع فإتعابه نفسه تصرف في مملكته بغير إذنه ولهم شبهتان إحداهما قولهم إتفاق العقلاء على حسن الشكر وقبح الكفران لا سبيل إلى إنكاره وذلك مسلم لكن في حقهم لأنهم يهتزون ويرتاحون للشكر ويغتمون بالكفران والرب تعالى يستوي في حقه الأمران فالمعصية والطاعة في حقه سيان ويشهد له أمران أحدهما أن المتقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية بيته وحجرته مستهين بنفسه وعبادة العباد بالنسبة إلى جلال الله دونه في الرتبة والثاني أن من تصدق عليه السلطان بكسرة خبز في مخمصة فأخذ يدور في البلاد وينادي على رؤوس الأشهاد بشكره كان ذلك بالنسبة إلى الملك قبيحا وافتضاحا وجملة نعم الله تعالى على عباده بالنسبة إلى مقدوراته دون ذلك بالنسبة إلى خزائن الملك لأن خزانة الملك تفنى بأمثال تلك الكسرة لتناهيها ومقدورات الله تعالى لا تتناهى بأضعاف ما أفاضه على عباده

Sección V01/P049–V01/P050

الشبهة الثانية قولهم حصر مدارك الوجوب في الشرع يفضي إلى إفحام الرسل فإنهم إذا أظهروا المعجزات قال لهم المدعوون لا يجب علينا النظر في معجزاتكم إلا بالشرع ولا يستقر الشرع إلا بنظرنا في معجزاتكم فثبتوا علينا وجوب النظر حتى ننظر ولا نقدر على ذلك ما لم ننظر فيؤدي إلى الدور والجواب من وجهين أحدهما من حيث التحقيق وهو أنكم غلطتم في ظنكم بنا أنا نقول استقرار الشرع موقوف على نظر الناظرين بل إذا بعث الرسول وأيد بمعجزته بحيث يحصل بها إمكان المعرفة لو نظر العاقل فيها فقد ثبت الشرع واستقر ورود الخطاب بإيجاب النظر إذ لا معنى للواجب إلا ما ترجح فعله على تركه بدفع ضرر معلوم أو موهوم فمعنى الوجوب رجحان الفعل على الترك والموجب هو المرجح والله تعالى هو المرجح وهو الذي عرف رسوله وأمره أن يعرف الناس أن الكفر سم مهلك والمعصية داء والطاعة شفاء فالمرجح هو الله تعالى والرسول هو المخبر والمعجزة سبب يمكن العاقل من التوصل إلى معرفة الترجيح والعقل هو الآلة التي بها يعرف صدق المخبر عن الترجيح والطبع المجبول على التألم بالعذاب والتلذذ بالثواب هو الباعث المستحث على الحذر من الضرر وبعد ورود الخطاب حصل الإيجاب الذي هو الترجيح وبالتأييد بالمعجزة حصل الإمكان في حق العاقل الناظر إذ قدر به على معرفة الرجحان فقوله لا أنظر ما لم أعرف ولا أعرف ما لم أنظر مثاله ما لو قال الأب لولده التفت فإن وراءك سبعا عاديا هوذا يهجم عليك إن غفلت عنه فيقول لا ألتفت ما لم أعرف وجوب الإلتفات ولا يجب الإلتفات ما لم أعرف السبع ولا أعرف السبع ما لم ألتفت فيقول له لا جرم تهلك بترك الالتفات وأنت غير معذور لأنك قادر على الإلتفات وترك العناد فكذلك النبي يقول الموت وراءك ودونه الهوام المؤذية والعذاب الأليم إن تركت الإيمان والطاعة وتعرف ذلك بأدنى نظر في معجزتي فإن نظرت وأطعت نجوت وإن غفلت وأعرضت فالله تعالى غني عنك وعن عملك وإنما أضررت بنفسك فهذا أمر معقول لا تناقض فيه الجواب الثاني المقابلة بمذهبهم فإنهم قضوا بأن العقل هو الموجب وليس يوجب بجوهره إيجابا ضروريا لا ينفك منه أحد إذ لو كان كذلك لم يخل عقل عاقل عن معرفة الوجوب بل لا بد من تأمل ونظر ولو لم ينظر لم يعرف وجوب النظر وإذا لم يعرف وجوب النظر فلا ينظر فيؤدي أيضا إلى الدور كما سبق فإن قيل العاقل لا يخلو عن خاطرين يخطران له أحدهما أنه إن نظر وشكر أثيب والثاني أنه إن ترك النظر عوقب فيلوك له على القرب وجوب سلوك طريق الأمن قلنا كم من عاقل انقضى عليه الدهر ولم يخطر له هذا الخاطر بل قد يخطر له أنه لا يتميز في حق الله تعالى أحدهما عن الآخر فكيف أعذب نفسي بلا فائدة ترجع إلي ولا إلى المعبود ثم إن كان عدم الخلو عن الخاطر كافيا في التمكين من المعرفة فإذا بعث النبي ودعا وأظهر المعجزة كان حضور هذه الخواطر أقرب بل لا ينفك عن هذا الخاطر بعد إنذار النبي وتحذيره ونحن لا ننكر أن الإنسان إذا استشعر المخافة استحثه طبعه على الاحتراز فإن الاستشعار إنما يكون بالتأمل الصادر عن العقل فإن سمى مسم معترف الوجوب موجبا فقد تجوز في الكلام بل الحق الذي لا مجاز فيه أن الله موجب أي مرجح للفعل على الترك والنبي مخبر والعقل معرف والطبع باعث والمعجزة ممكنة من التعريف والله تعالى أعلم مسألة ( حكم الأفعال قبل ورود الشرع على الإباحة )