Gazâlî — el-Müstasfâ (usûlü'l-fıkh)
مسألة ( إثبات بدل غير المنسوخ ) ليس من شرط النسخ إثبات بدل غير المنسوخ وقال قوم يمتنع ذلك فنقول يمتنع ذلك عقلا أو سمعا ولا يمتنع عقلا جوازه إذ لو امتنع لكان الإمتناع لصورته أو لمخالفته المصلحة والحكمة ولا يمتنع لصورته إذ يقول قد أوجبت عليك القتال ونسخته عنك ورددتك إلى ما كان قبل من الحكم الأصلي ولا يمتنع للمصلحة فإن الشرع لا ينبني عليها وإن ابتنى فلا يبعد أن تكون المصلحة في رفعه من غير إثبات بدل وإن منعوا جوازه سمعا فهو تحكم بل نسخ النهي عن إدخار لحوم الأضاحي وتقدمة الصدقة أمام المناجاة ولا بدل لها وإن نسخت القبلة إلى بدل ووصية الأقربين إلى بدل وغير ذلك وحقيقة النسخ هو الرفع فقط أما قوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها البقرة 106 أن تمسكوا به فالجواب من أوجه الأول أن هذا لا يمنع الجواز وإن منع الوقوع عند من يقول بصيغة العموم ومن لا يقول بها فلا يلزمه أصلا ومن قال بها فلا يلزمه من هذا أنه لا يجوز في جميع المواضع إلا ببدل بل يتطرق التخصيص إليه بدليل الأضاحي والصدقة أمام المناجاة ثم ظاهره أنه أراد أن نسخ آية بآية أخرى مثلها لا يتضمن الناسخ إلا رفع المنسوخ أو يتضمن مع ذلك غيره فكل ذلك محتمل مسألة ( الأخف والأثقل في النسخ ) قال قوم يجوز النسخ بالأخف ولا يجوز بالأثقل فنقول امتناع النسخ بالأثقل عرفتموه عقلا أو شرعا ولا يستحيل عقلا لأنه لا يمتنع لذاته ولا للاستصلاح فإنا ننكره وإن قلنا به فلم يستحيل أن تكون المصلحة في التدريج والترقي من الأخف إلى الأثقل كما كانت المصلحة في ابتداء التكليف ورفع الحكم الأصلي فإن قيل إن الله تعالى رؤوف رحيم بعباده ولا يليق به التشديد قلنا فينبغي أن لا يليق به ابتداء التكليف ولا تسليط المرض والفقر وأنواع العذاب على الخلق فإن قالوا إنه يمتنع سمعا لقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة 185 ولقوله تعالى يريد الله أن يخفف عنكم النساء 28 قلنا فينبغي أن يتركهم وإباحة الفعل ففيه اليسر ثم ينبغي أن لا ينسخ بالمثل لأنه لا يسر فيه إذ اليسر في رفعه إلى غير بدل أو بالأخف وهذه الآيات وردت في صور خاصة أريد بها التخفيف وليس فيه منع إرادة التثقيل والتشديد فإن قيل فقد قال ما ننسخ من آية أو ننسها البقرة 106 الآية وهذا خير عام والخير ما هو خير لنا وإلا فالقرآن خير كله والخير لنا ما هو أخف علينا قلنا لا بل الخير ما هو أجزل ثوابا وأصلح لنا في المآل وإن كان أثقل في الحال فإن قيل لا يمتنع ذلك عقلا بل سمعا لأنه لم يوجد في الشرع نسخ بالأثقل قلنا ليس كذلك إذ أمر الصحابة أولا بترك القتال والأعراض ثم بنصب القتال مع التشديد بثبات الواحد للعشرة وكذلك نسخ التخيير بين الصوم والفدية بالإطعام بتعيين الصيام وهو تضييق وحرم الخمر ونكاح المتعة والحمر الأهلية بعد إطلاقها ونسخ جواز تأخير الصلاة عند الخوف إلى إيجابها في أثناء القتال ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر مسألة ( هل هناك نسخ في حق من لم يبلغه الخبر أم لا )
اختلفوا في النسخ في حق من لم يبلغه الخبر فقال قوم النسخ حصل في حقه وإن كان جاهلا به وقال قوم ما لم يبلغه لا يكون نسخا في حقه والمختار أن للنسخ حقيقة وهو ارتفاع الحكم السابق ونتيجة وهو وجوب القضاء وانتفاء الأجزاء بالعمل السابق أما حقيقته فلا يثبت في حق من لم يبلغه وهو رفع الحكم لأن من أمر باستقبال بيت المقدس فإذا نزل النسخ بمكة لم يسقط الأمر عمن هو باليمن في الحال بل هو مأمور بالتمسك بالأمر السابق ولو ترك لعصى وإن بان أنه كان منسوخا ولا يلزمه استقبال الكعبة بل لو استقبلها لعصى وهذا لا يتجه فيه خلاف وأما لزوم القضاء للصلاة إذا عرف النسخ فيعرف ذلك بدليل نص أو قياس وربما يجب القضاء حيث لا يجب الإداء كما في الحائض لو صامت عصت ويجب عليها القضاء فكذلك يجوز أن يقال هذا لو استقبل الكعبة عصى ويلزمه استقبالها في القضاء وكما نقول في النائم والمغمى عليه إذا تيقظ وأفاق يلزمهما قضاء ما لم يكن واجبا لأن من لا يفهم لا يخاطب فإن قيل إذا علم النسخ ترك تلك القبلة بالنسخ أو بعلمه بالنسخ والعلم لا تأثير له فدل أن الحكم انقطع بنزول الناسخ لكنه جاهل به وهو مخطىء فيه لكنه معذور قلنا الناسخ هو الرافع لكن العلم شرط ويحال عند وجود الشرط على الناسخ ولكن لا نسخ قبل وجود الشرط لأن الناسخ خطاب ولا يصير خطابا في حق من لم يبلغه وقولهم أنه مخطىء محال لأن اسم الخطأ يطلق على من طلب شيئا فلم يصب أو على من وجب عليه الطلب فقصر ولا يتحقق شيء منه في محل النزاع الباب الثاني في أركان النسخ وشروطه ويشتمل عى تمهيد لمجامع الأركان والشروط وعلى مسائل تتشعب من أحكام الناسخ والمنسوخ أما التمهيد فاعلم أن أركان النسخ أربعة النسخ والناسخ والمنسوخ والمنسوخ عنه فإذا كان النسخ حقيقته رفع الحكم فالناسخ هو الله تعالى فإنه الرافع للحكم والمنسوخ هو الحكم المرفوع والمنسوخ عنه هو المتعبد المكلف والنسخ قوله الدال على رفع الحكم الثابت وقد يسمى الدليل ناسخا على سبيل المجاز فيقال هذه الآية ناسخة لتلك وقد يسمى الحكم ناسخا مجازا فيقال صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء والحقيقة هو الأول لأن النسخ هو الرفع والله تعالى هو الرافع بنصب الدليل على الارتفاع وبقوله الدال عليه وأما مجامع شروطه فالشروط أربعة الأول أن يكون المنسوخ حكما شرعيا لا عقليا أصليا كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات الثاني أن يكون النسخ بخطاب فارتفاع الحكم بموت المكلف ليس نسخا إذ ليس المزيل خطابا رافعا لحكم خطاب سابق ولكنه قد قيل أولا الحكم عليك ما دمت حيا فوضع الحكم قاصر على الحياة فلا يحتاج إلى الرفع الثالث أن لا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت يقتضي دخوله زوال الحكم كقوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل البقرة 187 الرابع أن يكون الخطاب الناسخ متراخيا لا كقوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن البقرة 222 وقوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 وليس يشترط فيه تسعة أمور الأول أن يكون رافعا للمثل بالمثل بل أن يكون رافعا فقط الثاني أن لا يشترط ورود النسخ بعد دخول وقت المنسوخ بل يجوز قبل دخول وقته الثالث أن لا يتشرط أن يكون المنسوخ مما يدخله الاستثناء والتخصيص بل يجوز ورود النسخ على الأمر بفعل واحد في وقت واحد الرابع أن لا يشترط أن يكون نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة فلا تشترط الجنسية بل يكفي أن يكون مما يصح النسخ به الخامس أن لا يشترط أن يكونا نصين قاطعين إذ يجوز نسخ خبر الواحد بخبر الواحد وبالمتواتر وإن كان لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد
السادس لا يشترط أن يكون الناسخ منقولا بمثل لفظ منسوخ بل أن يكون ثابتا بأي طريق كان فإن التوجه إلى بيت المقدس لم ينقل إلينا بلفظ القرآن والسنة وناسخه نص صريح في القرآن وكذلك لا يمتنع نسخ الحكم المنطوق به باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم وقياسه وإن لم يكن ثابتا بلفظ ذي صيغة وصورة يجب نقلها السابع لا يشترط أن يكون الناسخ مقابلا للمنسوخ حتى لا ينسخ الأمر إلا بالنهي ولا النهي إلا بالأمر بل يجوز أن ينسخ كلاهما بالإباحة وأن ينسخ الواجب المضيق بالموسع وإنما يشترط أن يكون الناسخ رافعا حكما من المنسوخ كيف كان الثامن لا يشترط كونهما ثابتين بالنص بل لو كان بلحن القول وفحواه وظاهره وكيف كان بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن آية وصية الأقارب نسخت بقوله إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث مع أن الجمع بين الوصية والميراث ممكن فليسا متنافيين تنافيا قاطعا التاسع لا يشترط نسخ الحكم ببدل أو بما هو أخف بل يجوز بالمثل والأثقل وبغير بدل كما سبق ولنذر الآن مسائل تتشعب عن النظر في ركني المنسوخ والناسخ وهي مسألتان في المنسوخ وأربع مسائل في المنسوخ به مسألة ( هل الحكم الشرعي قابل للنسخ أم لا ) ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا من الأفعال مالها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها فلا يمكن نسخها مثل معرفة الله تعالى والعدل وشكر المنعم فلا يجوز نسخ وجوبه ومثل الكفر والظلم والكذب فلا يجوز نسخ تحريمه وبنوا هذا على تحسين العقل وتقبيحه وعلى وجوب الأصلح على الله تعالى وحجروا بسببه على الله تعالى في الأمر والنهي وربما بنوا هذا على صحة إسلام الصبي وأن وجوبه بالعقل وإن استثناء الصبي عنه غير ممكن وهذه أصول أبطلناها وبينا أنه لا يجب أصل التكليف على الله تعالى كان فيه صلاح العباد أو لم يكن نعم بعد أن كلفهم لا يمكن أن ينسخ جميع التكاليف إذ لا يعرف النسخ من لا يعرف الناسخ وهو الله عز وجل ويجب على المكلف معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه فيبقى هذا التكليف بالضرورة ونسلم أيضا أنه لا يجوز أن يكلفهم أن لا يعرفوه وأن يحرم عليهم معرفته لأن قوله أكلفك أن لا تعرفني يتضمن المعرفة أي إعرفني لأني كلفتك أن لا تعرفني وذلك محال فيمكتنع التكليف فيه عند من يمنع تكليف المحال وكذلك لا يجوز أن يكلفه معرفة شيء من الحوادث على خلاف ما هو به لأنه محال لا يصح فعله ولا تركه مسألة ( نسخ الحكم أو التلاوة أو نسخهما معا )
الآية إذا تضمنت حكما يجوز نسخ تلاوتها دون حكمها ونسخ حكمها دون تلاوتها ونسخهما جميعا وظن قوم استحالة ذلك فنقول هو جائز عقلا وواقع شرعا أما جوازه عقلا فإن التلاوة وكتبتها في القرآن وانعقاد الصلاة بها كل ذلك حكمها كما أن التحريم والتحليل المفهوم من لفظها حكمها وكل حكم فهو قابل للنسخ وهذا حكم فهو إذن قابل للنسخ وقد قال قوم نسخ التلاوة أصلا ممتنع لأنه لو كان المراد منها الحكم لذكر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزله الله تعالى عليه إلا ليتلى ويثاب عليه فكيف يرفع قلنا وأي استحالة في أن يكون المقصود مجرد الحكم دون التلاوة لكن أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ معين فإن قيل فإن جاز نسخها فلينسخ الحكم معها لأن الحكم تبع للتلاوة فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل قلنا لا بل التلاوة حكم وانعقاد الصلاة بها حكم آخر فليس بأصل وإنما الأصل دلالتها وليس في نسخ تلاوتها والحكم بأن الصلاة لا تنعقد بها نسخ لدلالتها فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة وهذه الآية دليل لنزولها وورودها لا لكونها متلوة في القرآن والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها ولا يجعلها كأنها غير واردة بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى كيف ويجوز أن ينعدم الدليل ويبقى المدلول فإن الدليل علامة لا علة فإذا دل فلا ضرر في انعدامه كيف والموجب للحكم كلام الله تعالى القديم ولا ينعدم ولا يتصور رفعه ونسخه فإذا قلنا الآية منسوخة أردنا به انقطاع تعلقها عن العبد وارتفاع مدلولها وحكمها لا ارتفاع ذاتها فإن قيل نسخ الحكم مع بقاء التلاوة متناقض لأنه رفع للمدلول مع بقاء الدليل قلنا إنما يكون دليلا عند انفكاكه عما يرفع حكمه فإذا جاء خطاب ناسخ لحكمه زال شرط دلالته ثم الذي يدل على وقوعه سمعا قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين البقرة 184 الآية وقد بقيت تلاوتها ونسخ حكمها بتعيين الصوم والوصية للوالدين ووقربين متلوة في القرآن وحكمها منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث ونسخ تقديم الصدقة أمام المناجاة والتلاوة باقية ونسخ التربص حولا عن المتوفى عنها زوجها والحبس والأذى عن اللاتي يأتين الفاحشة بالجلد والرجم مع بقاء التلاوة وأما نسخ التلاوة فقد تظاهرت الأخبار بنسخ تلاوة آية الرجم مع بقاء حكمها وهي قوله تعالى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم واشتهر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أنزلت عشر رضعات من محرمات فنسخن بخمس وليس ذلك في الكتاب مسألة ( أنواع النسخ )
يجوز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن لأن الكل من عند الله عز وجل فما المانع منه ولم يعتبر التجانس مع أن العقل لا يحيله كيف وقد دل السمع على وقوعه إذ التوجه إلى بيت المقدس ليس في القرآن وهو في السنة وناسخه في القرآن وكذلك قوله تعالى فالآن باشروهن البقرة 370 نسخ لتحريم المباشرة وليس التحريم في القرآن ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان وكان عاشوراء ثابتا بالسنة وصلاة الخوف وردت في القرآن ناسخة لما ثبت في السنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال حتى قال عليه السلام يوم الخندق وقد أخر الصلاة حشا الله قبورهم نارا لحبسهم له عن الصلاة وكذلك قوله تعالى فلا ترجعوهن إلى الكفار الممتحنة 10 نسخ لما قرره عليه السلام من العهد والصلح وأما نسخ القرآن بالسنة فنسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله صلى الله عليه وسلم ألا لا وصية لوارث لأن آية الميراث لا تمنع الوصية للوالدين والأقربين إذ الجمع ممكن وكذلك قال صلى الله عليه وسلم قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فهو ناسخ لإمساكهن في البيوت وهذا فيه نظر لأنه صلى الله عليه وسلم بين أن آية الميراث نسخت آية الوصية ولم ينسخها هو بنفسه صلى الله عليه وسلم وبين أن الله تعالى جعل لهن سبيلا وكان قد وعد به فقال أو يجعل الله لهن سبيلا النساء 15 فإن قيل قال الشافعي رحمه الله لا يجوز نسخ السنة بالقرآن كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وهو أجل من أن لا يعرف هذه الوجوه في النسخ فكأنه يقول إنما تلتغي السنة بالسنة إذ يرفع النبي صلى الله عليه وسلم سنته بسنته ويكون هو مبينا لكلام نفسه وللقرآن ولا يكون القرآن مبينا للسنة وحيث لا يصادف ذلك فلأنه لم ينقل وإلا فلم يقع النسخ إلا كذلك قلنا هذا إن كان في جوازه عقل فلا يخفى أنه يفهم من القرآن وجوب التحول إلى الكعبة وإن كان التوجه إلى بيت المقدس ثابتا بالسنة وكذلك عكسه ممكن وإن كان يقول لم يقع هذا فقد نقلنا وقوعه ولا حاجة إلى تقدير سنة خافية مندرسة إذ لا ضرورة في هذا التقدير والحكم بأن ذلك لم يقع أصلا تحكم محض وإن قال الأكثر كان ذلك فربما لا ينازع فيه احتجوا بقوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم يونس 15 فدل أنه لا ينسخ القرآن بالسنة قلنا لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه بل بوحي يوحى إليه لكن لا يكون بنظم القرآن وإن جوزنا النسخ في الاجتهاد فالإذن في الاجتهاد يكون من الله عز وجل والحقيقة أن الناسخ هو الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والمقصود أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن بل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي ليس بقرآن وكلام الله تعالى واحد هو الناسخ باعتبار والمنسوخ باعتبار وليس له كلامان أحدهما قرآن والآخر ليس بقرآن وإنما الاختلاف في العبارات فربما دل على كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآنا وربما دل بغير لفظ متلوفيسمى سنة والكل مسموع من الرسول عليه السلام والناسخ هو الله تعالى في كل حال على أنهم طالبوه بقرآن مثل هذا القرآن فقال لا أقدر عليه من تلقاء نفسي وما طالبوه بحكم غير ذلك فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه احتجوا بقوله تعالى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها يونس 15 وبين أن الآية لا تنسخ إلا بمثلها أو بخير منها فالسنة لا تكون مثلها ثم تمدح وقال ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير البقرة 106 بين أنه لا يقدر عليه غيره قلنا قد حققنا أن الناسخ هو الله تعالى وأنه المظهر له على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم المفهم إيانا بواسطته نسخ كتابه ولا يقدر عليه غيره ثم لو نسخ الله تعالى آية على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم أتى بآية أخرى مثلها كان قد حقق وعده فلم يشترط أن تكون الآية الأخرى هي الناسخة للأولى ثم نقول ليس المراد الإتيان بقرآن آخر خير منها لأن القرآن لا يوصف بكون بعضه خيرا من البعض كيفما قدر قديما أو مخلوقا بل معناه أن يأتي بعمل خير من ذلك العمل لكونه أخف منه أو لكونه أجزل ثوابا
مسألة ( لا ينسخ الإجماع ) الإجماع لا ينسخ به إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي وما نسخ فالإجماع بالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في زمان نزول الوحي من كتاب أو سنة أما السنة فينسخ المتواتر منها بالمتواتر والآحاد بالآحاد أما نسخ المتواتر منها بالآحاد فاختلفوا في وقوعه سمعا وجوازه عقلا فقال قوم وقع ذلك سمعا فإن أهل مسجد القباء تحولوا إلى الكعبة بقول واحد أخبرهم وكان ثابتا بطريق قاطع فقلبوا نسخه عن الواحد والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد به ووقوعه سمعا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء وبدليل أنه كان ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا ولكن ذلك ممتنع بعد وفاته بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف والعمل بخبر الواحد تلقى من الصحابة وذلك فيما لا يرفع قاطعا بل ذهب الخوارج إلى منع نسخ القرآن بالخبر المتواتر حتى أنهم قالوا رجم ماعز وإن كان متواترا لا يصلح لنسخ القرآن وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز نسخ القرآن بالسنة وإن تواترت وليس ذلك بمحال لأنه يصح أن يقال تعبدناكم بالنسخ بخبر الواحد في زمان نزول الوحي وحرمنا ذلك بعده فإن قيل كيف يجوز ذلك عقلا وهو رفع القاطع بالظن وأما حديث قباء فلعله انضم إليه من القرائن ما أورث العلم قلنا تقدير قرائن معرفة توجب إبطال أخبار الآحاد وحمل عمل الصحابة على المعرفة بالقرائن ولا سبيل إلى وضع ما لم ينقل وأما قولهم إنه رفع للقاطع بالظن فباطل إذ لو كان كذلك لقطعنا بكذب الناقل ولسنا نقطع به بل نجوز صدقه وإنما هو مقطوع به بشرط أن لا يرد خبر نسخه كما أن البراءة الأصلية مقطوع بها وترتفع بخبر الواحد لأنها تفيد القطع بشرط عدم خبر الواحد فإن قيل بم تنكرون على من يقطع بكونه كاذبا لأن الرسول عليه السلام أشاع الحكم فلو ثبت نسخه للزمه الإشاعة قلنا ولم يستحيل أن يشيع الحكم ويكل النسخ إلى الآحاد كما يشيع العموم وبكل التخصيص إلى المخصص مسألة ( لا يصح نسخ المتواتر بالقياس ) لا يجوز نسخ النص القاطع المتواتر بالقياس المعلوم بالظن والاجتهاد على اختلاف مراتبه جليا كان أو خفيا هذا ما قطع به الجمهور إلا شذوذا منهم قالوا ما جاز التخصيص به جاز النسخ به وهو منقوض بدليل العقل وبالإجماع وبخبر الواحد فالتخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ ثم كيف يتساويان والتخصيص بيان والنسخ رفع والبيان تقرير والرفع إبطال وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز النسخ بالقياس الجلي ونحن نقول لفظ الجلي مبهم فإن أرادوا المقطوع به فهو صحيح وأما المظنون فلا وما يتوهم القطع به على ثلاث مراتب الأولى ما يجري مجرى النص وأوضح منه كقوله تعالى فلا تقل لهما أف الإسراء 23 فإن تحريم الضرب مدرك منه قطعا فلو كان ورد نص بإباحة الضرب لكان هذا ناسخا لأنه أظهر من المنطوق به وفي درجته قوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره الزلزلة 7 الآية في أن ما هو فوق الذرة كذلك وكذلك قوله تعالى وورثه أبواه فلأمه الثلث النساء 11 في أن للأب الثلثين الرتبة الثانية لو ورد نص بأن العتق لا يسري في الأمة ثم ورد قوله صلى الله عليه وسلم من أعتق شركا له في عبد قوم عليه الباقي لقضينا بسراية عتق الأمة قياسا على العبد لأنه مقطوع به إذ علم قطعا قصد الشارع إلى المملوك لكونه مملوكا
الرتبة الثالثة أن يرد النص مثلا بإباحة النبيذ ثم يقول الشارع حرمت الخمر لشدتها فينسخ إباحة النبيد بقياسه على الخمر إن تعبدنا بالقياس وقال قوم وإن لم نتعبد بالقياس نسخنا أيضا إذ لا فرق بين قوله حرمت كل منتبذ وبين قوله حرمت الخمر لشدتها ولذلك أقر النظام بالعلة المنصوصة وإن كان منكرا لأصل القياس ولنبين أنه إن لم نتعبد بالقياس فقوله حرمت الخمر عليكم لشدتها ليس قاطعا في تحريم النبيذ بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة كما تكون العلة في الرجم زنا المحصن خاصة والمقصود أن القاطع لا يرفع بالظن بل بالقاطع فإن قيل استحالة رفعه بالمظنون عقلي أو سمعي قلنا الصحيح أنه سمعي ولا يستحيل عقلا أن يقال تعبدناكم بنسخ النص بالقياس على نص آخر نعم يستحيل أن نتعبد بنسخ النص بقياس مستنبط من عين ذلك النص لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير هو مناقضا لنفسه فيكون واجب العمل به وساقط العمل به فإن قيل فما الدليل على امتناعه سمعا قلنا يدل عليه الإجماع على بطلان كل قياس مخالف للنص وقول معاذ رضي الله عنه اجتهد رأيي بعد فقد النص وتزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم له وإجماع الصحابة على ترك القياس بأخبار الآحاد فكيف بالنص القاطع المتواتر واشتهار قولهم عند سماع خبر الواحد لولا هذا لقضينا برأينا ولأن دلالة النص قاطع في المنصوص ودلالة الأصل على الفرع مظنون فكيف يترك الأقوى بالأضعف وهذا مستند الصحابة في إجماعهم على ترك القياس بالنص فإن قيل إذا تناقض قاطعان وأشكل المتأخر فهل يثبت تأخر أحدهما بقول الواحد حتى يكون هو الناسخ قلنا يحتمل أن يقال ذلك لأنه إذا ثبت الإحصان بقول اثنين مع أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة دل على أنه لا يحتاط للشرط بما يحتاط به للمشروط ويحتمل أن يقال النسخ إذا كان بالتأخير والمنسوخ قاطع فلا يكفي فيه قول الواحد فهذا في محل الاجتهاد والأظهر قبوله لأن أحد النصين منسوخ قطعا وإنما هذا مطلوب قبوله للتعيين مسألة ( نسخ الحكم بقول الصحابي ) لا ينسخ حكم بقول الصحابي نسخ حكم كذا ما لم يقل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نسخت حكم كذا فإذا قال ذلك نظر في الحكم إن كان ثابتا بخبر الواحد صار منسوخا بقوله وإن كان قاطعا فلا أما قوله نسخ حكم كذا فلا يقبل قطعا فلعله ظن ما ليس ينسخ نسخا فقد ظن أن الزيادة على النص نسخ وكذلك في مسائل وقال قوم إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده لكن نظرنا فيه وإن أطلق فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية وهذا فاسد بل الصحيح أنه إن ذكر الناسخ تأملنا فيه وقضينا برأنيا وإن لم يذكر لم نقلده وجوزنا أن يقول ذلك عن اجتهاد ينفرد به هذا ما ذكره القاضي رحمه الله والأصح عندنا أن نقبل كقول الصحابي أمر بكذا ونهى عن كذا فإن ذلك يقبل كما سنذكره في كتاب الأخبار ولا فرق بين اللفظين فإن قيل قالت عائشة رضي الله عنها ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد أحلت له النساء اللاتي حظرن عليه بقوله تعالى إنا أحللنا لك أزواجك الأحزاب 50 فقبل ذلك منها قلنا ليس ذلك مرضيا عندنا ومن قبل فإنما قبل ذلك للدليل الناسخ ورآه صالحا للنسخ ولم يقلد مذهبها خاتمة الكتاب فيما يعرف به تاريخ الناسخ اعلم أنه إذا تناقض نصان فالناسخ هوالمتأخر ولا يعرف تأخره بدليل العقل ولا بقياس الشرع بل بمجرد النقل وذلك بطرق الأول أن يكون في اللفظ ما يدل عليه كقوله عليه السلام كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فالآن ادخروها وكقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها الثاني أن تجمع الأمة في حكم على أنه المنسوخ وأن ناسخه الآخر
الثالث أن يذكر الراوي التاريخ مثل أن يقول سمعت عام الخندق أو عام الفتح وكان المنسوخ معلوما قبله ولا فرق بين أن يروي الناسخ والمنسوخ راو واحد أو راويان ولا يثبت التاريخ بطرق الأول أن يقول الصحابي كان الحكم علينا كذا ثم نسخ لأنه ربما قاله عن اجتهاد الثاني أن يكون أحدهما مثبتا في المصحف بعد الآخر لأن السور والآيات ليس إثباتها على ترتيب النزول بل ربما قدم المتأخر الثالث أن يكون راويه من أحداث الصحابة فقد ينقل الصبي عمن تقدمت صحبته وقد ينقل الأكابر عن الأصاغر وبعكسه الرابع أن يكون الراوي أسلم عام الفتح ولم يقل إني سمعت عام الفتح إذ لعله سمع في حاله كفره ثم روى بعد الإسلام أو سمع ممن سبق بالإسلام الخامس أن يكون الراوي قد انقطعت صحبته فربما يظن أن حديثه مقدم على حديث من بقيت صحبته وليس من ضرورة من تأخرت صحبته أن يكون حديثه متأخرا عن وقت انقطاع صحبة غيره السادس أن يكون أحد الخبرين على وفق قضية العقل والبراءة الأصلية فربما يظن تقدمه ولا يلزم ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء مما مسته النار ولا يلزم أن يكون متقدما على إيجاب الوضوء مما مست النار إذ يحتمل أنه أوجب ثم نسخ والله أعلم وقد فرغنا من الأصل الأول من الأصول الأربعة وهو الكتاب ويتلوه القول في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأصل الثاني من أصول الأدلة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة لدلالة المعجزة على صدقه ولأمر الله تعالى إيانا باتباعه ولأنه وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى النجم 3 لكن بعض الوحي يتلى فيسمى كتابا وبعضه لا يتلى وهو السنة وقول لسول الله صلى الله عليه وسلم حجة على من سمعه شفاعا فأما نحن فلا يبلغنا قوله إلا على لسان المخبرين إما على سبيل التواتر وإما بطريق الآحاد فلذلك اشتمل الكلام في هذا الأصل على مقدمة وقسمين قسم في أخبار التواتر وقسم في أخبار الآحاد ويشتمل كل قسم على أبواب أما المقدمة ففي بيان ألفاظ الصحابة رضي الله عنهم في نقل الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوعلى خمس مراتب الأولى وهي أقواها أن يقول الصحابي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا أو أخبرني أو حدثني أو شافهني فهذا لا يتطرق إليه الاحتمال وهو الأصل في الرواية والتبليغ قال صلى الله عليه وسلم نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها الحديث
الثانية أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أخبر أو أخبر أو حدث فهذا ظاهره النقل إذا صدر من الصحابي وليس نصا صريحا إذ قد يقول الواحد منا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمادا على ما نقل إليه وإن لم يسمعه منه فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك اعتمادا على ما بلغه تواترا أو بلغه على لسان من يثق به ودليل الاحتمال ما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أصبح جنبا فلا صوم له فلما استكشف قال حدثني به الفضل بن عباس فأرسل الخبر أولا ولم يصرح وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله صلى الله عليه وسلم إنما الربا في النسيئة فلما روجع فيه أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد إلا أن هذا وإن كان محتملا فهو بعيد بل الظاهر أن الصحابي إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يقوله إلا وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف من لم يعاصر إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قرينة حاله تعرف أنه لم يسمع ولا يوهم إطلاقه السماع بخلاف الصحابي فإنه إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوهم السماع فلا يقدم عليه إلا عن سماع هذا هو الظاهر وجميع الأخبار إنما نقلت إلينا كذلك إذ يقال قال أبو بكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نفهم من ذلك إلا السماع الثالثة أن يقول الصحابي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو نهى عن كذا فهذا يتطرق إليه احتمالان أحدهما في سماعه كما في قوله قال والثاني في الأمر إذ ربما يرى ما ليس بأمر أمرا فقد اختلف الناس في أن قوله إفعل هو للأمر فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر لا حجة فيه ما لم ينقل اللفظ والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقا أنه أمر بذلك وأن يسمعه يقول أمرتكم بكذا أو يقول إفعلوا وينضم إليه من القرائن ما يعرفه كونه أمرا ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر أما احتمال بنائه الأمر على الغلط والوهم فلا نطرقه إلى الصحابة بغير ضرورة بل يحمل ظاهر قولهم وفعلهم على السلامة ما أمكن ولهذا لو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ولكن شرط شرطا ووقت وقتا فيلزمنا اتباعه ولا يجوز أن نقول لعله غلط في فهم الشرط والتأقيت ورأى ما ليس بشرط شرطا ولهذا يجب أن يقبل قول الصحابي نسخ حكم كذا وإلا فلا فرق بين قوله نسخ وقوله أمر ولذلك قال علي رضي الله عنه وأطلق أمرت أن أقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين ولا يظن بمثله أن يقول أمرت إلا عن مستند يقتضي الأمر ويتطرق إليه احتمال ثالث في عمومه وخصوصه حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضا ينبغي أن يتوقف في هذا إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمرا للأمة أو لطائفة أو لشخص بعينه وكل ذلك يتيح له أن يقول أمر فيتوقف فيه على الدليل لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمر للجماعة إلا إذا كان لوصف يخصه من سفر أو حضر ولو كان كذلك لصرح به الصحابي كقوله أمرنا إذا كنا مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن نعم لو قال أمرنا بكذا وعلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة حمل عليه وإلا احتمل أن يكون أمرا للأمة أو له أو لطائفة
الرابعة أن يقول أمرنا بكذا ونهينا عن كذا فيتطرق إليه ما سبق من الاحتمالات الثلاثة واحتمال رابع وهو الآمر فإنه لا يدري أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأئمة والعلماء فقال قوم لا حجة فيه فإنه محتمل وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يريد به إثبات شرع وإقامة حجة فلا يحمل على قول من لا حجة في قوله وفي معناه قوله من السنة كذا والسنة جارية بكذا فالظاهر أنه لا يريد إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب اتباعه دون سنة غيره ممن لا تجب طاعته ولا فرق بين أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعد وفاته أما التابعي إذا قال أمرنا احتمل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الأمة بأجمعها والحجة حاصلة به ويحتمل أمر الصحابة لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته ولكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي الخامسة أن يقول كانوا يفعلون كذا فإن أضاف ذلك إلى زمن الرسول عليه السلام فهو دليل على جواز الفعل لأن ذكره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكت عليه دون ما لم يبلغه وذلك يدل على الجواز وذلك مثل قول ابن عمر رضي الله عنه كنا نفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينكره وقال كنا نخابر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج الحديث وقالأبو سعيد كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر في زكاة الفطر وقالت عائشة رضي الله عنها كانوا لا يقطعون في الشيء التافه وأما قول التابعي كانوا يفعلون لا يدل على فعل جميع الأمة بل على البعض فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا للإجماع وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي فقد ظهر من هذه المقدمة ما هو خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ليس خبرا عنه والآن فلا بد من بيان طرق انتهاء الخبر إلينا وذلك إما بنقل التواتر أو الآحاد عمل
القسم الأول من هذا الأصل الكلام في التواتر وفيه أبواب الباب الأول في إثبات أن التواتر يفيد العلم ولنقدم عليها حد الخبر وحده أنه القول الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب أو هو القول الذي يدخله الصدق أو الكذب وهو أولى من قولهم يدخله الصدق والكذب إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما بل كلام الله تعالى لا يدخله الكذب أصلا والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلا والخبر قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وأما العبارة فهي الأصوات المقطعة التي صيغتها مثل قول القائل زيد قائم وضارب وهذا ليس خبرا لذاته بل يصير خبرا بقصد القاصد إلى التعبير به عما في النفس ولهذا إذا صدر من نائم أو مغلوب لم يكن خبرا وأما كلام النفس فهو خبر لذاته وجنسه إذا وجد لا يتغير بقصد القاصد أما إثبات كون التواتر مفيدا للعلم فهو ظاهر خلافا للسمنية حيث حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا وحصرهم باطل فإنا بالضرورة نعلم كون الألف أكثر من الواحد واستحالة كون الشيء الواحد قديما محدثا وأمورا أخر ذكرناها في مدارك اليقين سوى الحواس بل نقول حصرهم العلوم في الحواس معلوم لهم وليس ذلك مدركا بالحواس الخمس ثم لا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها ولا يشك في وجود الأنبياء بل في وجود الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله بل في الدول والوقائع الكبيرة فإن قيل لو كان هذا معلوما ضرورة لما خالفناكم قلنا من يخالف في هذا فإنما يخالف بلسانه أو عن خبط في عقله أو عن عناد ولا يصدر إنكار هذا من عدد كثير يستحيل إنكارهم في العادة لما علموه وعنادهم ولو تركنا ما علمناه ضرورة لقولكم للزمكم ترك المحسوسات بسبب خلاف السوفسطائية أما بطلان مذهب الكعبي حيث ذهب إلى أن هذا العلم نظري فإنا نقول النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك وتختلف فيه الأحوال فيعلمه بعض الناس دون بعض ولا يعلمه النساء والصبيان ومن ليس من أهل النظر ولا يعلمه من ترك النظر قصدا وكل علم نظري فالعالم به قد يجد نفسه فيه شاكا ثم طالبا ونحن لا نجد أنفسنا شاكين في وجود مكة ووجود الشافعي رحمه الله طالبين لذلك فإن عنيتم بكونه نظريا شيئا من ذلك فنحن ننكره وإن عنيتم به أن مجرد قول المخبر لا يفيد العلم ما لم ينتظم في النفس مقدمتان إحداهما أن هؤلاء مع اختلاف أحوالهم وتباين أغراضهم ومع كثرتهم على حال لا يجمعهم على الكذب جامع ولا يتفقون إلا على الصدق
والثانية أنهم قد اتفقوا على الأخبار عن الواقعة فيبتني العلم بالصدق على مجموع المقدمتين فهذا مسلم ولا بد وأن تشعر النفس بهاتين المقدمتين حتى يحصل له العلم والتصديق وإن لم تتشكل في النفس هذه المقدمات بلفظ منظوم فقد شعرت به حتى حصل التصديق وإن لم يشعر بشعورها وتحقيق القول فيه أن الضروري إن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فهذا ليس بضروري فإنه حصل بواسطة المقدمتين المذكورتين وإن كان عبارة عما يحصل بدون تشكل الواسطة في الذهن فهذا ضروري ورب واسطة حاضرة في الذهن لا يشعر الإنسان بوجه توسطها وحصول العلم بواسطتها فيسمى أوليا وليس بأولي كقولنا الإثنان نصف الأربعة فإنه لا يعلم ذلك إلا بواسطة وهو أن النصف أحد جزئي الجملة المساوي للآخر والإثنان أحد الجزأين المساوي للثاني من جملة الأربعة فهو إذا نصف فقد حصل هذا العلم بواسطة لكنها جلية في الذهن حاضرة ولهذا لو قيل ستة وثلاثون هل هو نصف اثنين وسبعين يفتقر فيه إلى تأمل ونظر حتى يعلم أن هذه الجملة تنقسم بجزأين متساويين أحدهما ستة وثلاثون فإذا العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات وما هو كذلك فهو ليس بأولي وهل يسمى ضروريا هذا ربما يختلف في الاصطلاح والضروري عند الأكثرين عبارة عن الأولي لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية وهي نظرية ومعنى كونها نظرية أنها ليست بأولية وكذلك العلم بصدق خبر التواتر ويقرب منه العلم المستفاد من التجربة التي يعبر عنها باطراد العادات كقولنا الماء مرو والخمر مسكر كما نبهنا عليه في مقدمة الكتاب فإن قيل لو استدل مستدل على كونه غير ضروري بأنه لو كان ضروريا لعلمنا بالضرورة كونه ضروريا ولما تصور الخلاف فيه فهذا الاستدلال صحيح أم لا قلنا إن كان الضروري عبارة عما نجد أنفسنا مضطرين إليه فبالضرورة نعلم من أنفسنا أنا مضطرون إليه وإن كان عبارة عما يحصل بغير واسطة فيجوز أن يحتاج في معرفة ذلك إلى تأمل ويقع الشك فيه كما يتصور أن نعتقد شيئا على القطع ونتردد في أن اعتقادنا علم محقق أم لا الباب الثاني في شروط التواتر وهي أربعة الأول أن يخبروا عن علم لا عن ظن فإن أهل بغداد لو أخبرونا عن طائر أنهم ظنوه حماما أو عن شخص أنهم ظنوه زيدا لم يحصل لنا العلم بكونه حماما وبكونه زيدا وليس هذا معللا بل حال المخبر لا تزيد على حال المخبر لأنه كان في قدرة الله تعالى أن يخلق لنا العلم بخبرهم وإن كان عن ظن ولكن العادة غير مطردة بذلك الشرط الثاني أن يكون علمهم ضروريا مستندا إلى محسوس إذ لو أخبرنا أهل بغداد عن حدوث العالم وعن صدق بعض الأنبياء لم يحصل لنا العلم وهذا أيضا معلوم بالعادة وإلا فقد كان في قدرة الله تعالى أن يجعل ذلك سببا للعلم في حقنا الشرط الثالث أن يستوي طرفاه وواسطته في هذه الصفات وفي كمال العدد فإذا نقل الخلف عن السلف وتوالت الأعصار ولم تكن الشروط قائمة في كل عصر لم يحصل العلم بصدقهم لأن خبر أهل كل عصر خبر مستقل بنفسه فلا بد من شروط ولا جل ذلك لم يحصل لنا العلم بصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم عن موسى صلوات الله عليه تكذيب كل ناسخ لشريعته ولا بصدق الشيعة والعباسية والبكرية في نقل النص على إمامة علي أو العباس أو أبي بكر رضي الله عنهم وإن كثر عدد الناقلين في هذه الأعصار القريبة لأن بعض هذا وضعه الآحاد أولا ثم أفشوه ثم كثر الناقلون في عصره وبعده والشرط إنما حصل في بعض الأعصار فلم تستو فيه الأعصار ولذلك لم يحصل التصديق بخلاف وجود عيسى عليه السلام وتحديه بالنبوة ووجود أبي بكر وعلي رضي الله عنهما وانتصابهما للإمامة فإن كل ذلك لما تساوت فيه الأطراف والواسطة حصل لنا علم ضروري لا نقدر على تشكيك أنفسنا فيه ونقدر على التشكيك فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليهما السلام وفي نص الإمامة
الشرط الرابع في العدد وتهذب الغرض منه برسم مسائل مسألة ( العدد الذي يحصل به التواتر ) عدد المخبرين ينقسم إلى ما هو ناقص فلا يفيد العلم وإلى ما هو كامل وهو الذي يفيد العلم وإلى زائد وهو الذي يحصل العلم ببعضه وتقع الزيادة فضلا عن الكفاية والكامل وهو أقل عدد يورث العلم ليس معلوما لنا لكنا بحصول العلم الضروري نتبين كمال العدد لا أنا بكمال العدد نستدل على حصول العلم فإذا عرفت هذا فالعدد الكامل الذي يحصل التصديق به في واقعة هل يتصور أن لا يفيد العلم في بعض الوقائع قال القاضي رحمه الله ذلك محال بل كل ما يفيد العلم في واقعة يفيد في كل واقعة وإذا حصل العلم لشخص فلا بد وأن يحصل لكل شخص يشاركه في السماع ولا يتصور أن يختلف وهذا صحيح إن تجرد الخبر عن القرائن فإن العلم لا يستند إلى مجرد العدد ونسبة كثرة العدد إلى سائر الوقائع وسائر الأشخاص واحدة أما إذا اقترنت به قرائن تدل على التصديق فهذا يجوز أن تختلف فيه الوقائع والأشخاص وأنكر القاضي ذلك ولم يلتفت إلى القرائن ولم يجعل لها أثرا وهذا غير مرضي لأن مجرد الأخبار يجوز أن يورث العلم عند كثرة المخبرين وإن لم تكن قرينة ومجرد القرائن أيضا قد يورث العلم وإن لم يكن فيه أخبار فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة معنى القرائن وكيفية دلالتها فنقول لا شك في أن نعرف أمورا ليست محسوسة إذ نعرف من غيرنا حبه لإنسان وبغضه له وخوفه منه وغضبه وخجله وهذه أحوال في نفس المحب والمبغض لا يتعلق الحس بها قد تدل عليها دلالات آحادها ليست قطعية بل يتطرق إليها الاحتمال ولكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف ثم الثاتي والثالث يؤكد ذلك ول أفردت آحاذها لتطرق إليها الإحتمال يحصل القطع باجتماعها كما أن قول كل واحد من عدد التواتر يتطرق إليه الاحتمال لو قدر مفردا ويحصل القطع بسبب الاجتماع ومثاله أنا نعرف عشق العاشق لا بقوله بل بأفعال هي أفعال المحبين من القيام بخدمته وبذل ماله وحضور مجالسه لمشاهدته وملازمته في تردداته وأمور من هذا الجنس فإن كل واحد يدل دلالة لو انفرد لاحتمل أن يكون ذلك لغرض آخر يضمره لا لحبه إياه لكن تنتهي كثرة هذه الدلالات إلى حد يحصل لنا علم قطعي بحبه وكذلك ببغضه إذا رؤيت منه أفعال ينتجها البغض وكذلك نعرف غضبه وخجله لا بمجرد حمرة وجهه لكن الحمرة إحدى الدلالات وكذلك نشهد الصبي يرتضع مرة بعد أخرى فيحصل لنا علم قطعي بوصول اللبن إلى جوفه وإن لم نشاهد اللبن في الضرع لأنه مستور ولا عند خروجه فإنه مستور بالفم ولكن حركة الصبي في الامتصاص وحركة حلقه تدل عليه دلالة ما مع أن ذلك قد يحصل من غير وصول اللبن لكن ينضم إليه أن المرأة الشابة لا يخلو ثديها عن لبن ولا تخلو حلمته عن ثقب ولا يخلو الصبي عن طبع باعث على الامتصاص مستخرج للبن وكل ذلك يحتمل خلافه نادرا وإن لم يكن غالبا لكن إذا انضم إليه سكوت الصبي عن بكائه مع أنه لم يتناول طعاما آخر صار قرينة ويحتمل أن يكون بكاؤه عن وجع وسكوته عن زواله ويحتمل أن يكون تناول شيئا آخر لم نشاهده وإن كنا نلازمه في أكثر الأوقات ومع هذا فاقتران هذه الدلائل كاقتران الأخبار وتواترها وكل دلالة شاهدة يتطرق إليها الاحتمال كقول كل مخبر على حياله وينشأ من الاجتماع العلم وكأن هذا مدرك سادس من مدارك العلم سوى ما ذكرناه في المقدمة من الأوليات والمحسوسات والمشاهدات الباطنة والتجريبات والمتواترات فيلحق هذا بها وإذا كان هذا غير منكر فلا يبعد أن يحصل التصديق بقول عدد ناقص عن انضمام قرائن إليه لو تجرد عن القرائن لم يفد العلم فإنه إذا أخبر خمسة أو ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه وكذلك العدد الكثير ربما يخبرون عن أمر يقتضي إيالة الملك وسياسة إظهاره والمخبرون من رؤساء جنود الملك فيتصور اجتماعهم تحت ضبط الإيالة بالاتفاق على الكذب ولو كانوا متفرقين خارجين عن ضبط الملك لم يتطرق إليهم هذا الوهم فهذا يؤثر في النفس تأثيرا لا ينكر ولا أدري لم أنكر القاضي ذلك وما برهانه على استحالته فقد بان بهذا أن العدد يجوز أن يختلف بالوقائع وبالأشخاص فرب شخص انغرس في نفسه أخلاق تميل به إلى سرعة التصديق ببعض الأشياء فيقوم ذلك مقام القرائن وتقوم تلك القرائن مقام خبر بعض المخبرين فينشأ من ذلك أن لا برهان على استحالته فإن قيل فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد قلنا حكي عن الكعبي جوازه ولا يظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة فهذا مما لا يعرف استحالته ولا يقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا وعن هذا أحال القاضي ذلك وهذا كلام في الوقائع مع بقاء العادات على المعهود من استمرارها فأما لو قدرنا خرق هذه العادة فالله تعالى قادر على أن يحصل لنا العلم بقول واحد من غير قرينة فضلا على أن تنضم إليه القرائن
مسألة ( هل شهادة الأربعة فيها غلبة الظن ) قطع القاضي رحمه الله بأن قول الأربعة قاصر عن العدد الكامل لأنها بينة شرعية يجوز بالإجماع للقاضي وقفها على المزكين لتحصل غلبة الظن ولا يطلب الظن فيما علم ضرورة وما ذكره صحيح إذا لم تكن قرينة فإنا لا نصادف أنفسنا مضطرين إلى خبر الأربعة أما إذا فرضت قرائن مع ذلك فلا يستحيل حصول التصديق لكن لا يكون ذلك حاصلا عن مجرد الخبر بل عن القرائن مع الخبر والقاضي رحمه الله يحيل ذلك مع القرائن أيضا مسألة ( هل شهادة الخمسة تفيد العلم ) قال القاضي علمت بالإجماع أن الأربعة ناقص أما الخمس فأتوقف فيها لأنه لم يقم فيها دليل الإجماع وهذا ضعيف لأنا نعلم بالتجربة ذلك فكم من أخبار نسمعها من خمسة أو ستة ولا يحصل لنا العلم بها فهو أيضا ناقص لا نشك فيه مسألة ( العدد الذي يفيد التواتر ) إذا قدرنا انتفاء القرائن فأقل عدد يحصل به العلم الضروري معلوم لله تعالى وليس معلوما لنا ولا سبيل لنا إلى معرفته فإنا لا ندري متى حصل علمنا بوجود مكة ووجود الشافعي ووجود الأنبياء عليهم السلام عند تواتر الخبر إلينا وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين ويعسر علينا تجربة ذلك وإن تكلفناها وسبيل التكلف أن نراقب أنفسنا إذا قتل رجل في السوق مثلا وانصرف جماعة عن موضع القتل ودخلوا علينا يخبرونا عن قتله فإن قول الأول يحرك الظن وقول الثاني والثالث يؤكده ولا يزال يتزايد تأكيده إلى أن يصير ضروريا لا يمكننا أن نشكك فيه أنفسنا فلو تصور الوقوف على اللحظة التي يحصل العلم فيها ضرورة وحفظ حساب المخبرين وعددهم لأمكن الوقوف ولكن درك تلك اللحظة عسير فإنه تتزايد قوة الإعتقاد تزايدا خفي التدريج نحو تزايد عقل الصبي المميز إلى أن يبلغ حد التكليف ونحو تزايد ضوء الصبح إلى أن ينتهي إلى حد الكمال فلذلك بقي هذا في غطاء من الإشكال وتعذر على القوة البشرية إدراكه فأما ما ذهب إليه قوم التخصيص بالأربعين أخذا من الجمعة وقوم إلى التخصيص بالسبعين أخذا من قوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا الأعراف 155 وقوم إلى التخصيص بعدد أهل بدر فكل ذلك تحكمات فاسدة باردة لا تناسب الغرض ولا تدل عليه ويكفي تعارض أقوالهم دليلا على فسادها فإذا لا سبيل لنا إلى حصر عدده لكنا بالعلم الضروي نستدل على أن العدد الذي هو الكامل عند الله تعالى قد توافقوا على الإخبار فإن قيل فكيف علمتم حصول العلم بالتواتر وأنتم لا تعلمون أقل عدده قلنا كما نعلم أن الخبز يشبع والماء يروي والخمر يسكر وإن كنا لا نعلم أقل مقدار منه ونعلم أن القرائن تفيد العلم وإن لم نقدر على حصر أجناسها وضبط أقل درجاتها مسألة ( هل يكذب العدد الكامل ) العدد الكامل إذا أخبروا ولم يحصل العلم بصدقهم فيجب القطع بكذبهم لأنه لا يشترط في حصول العلم إلا شرطان أحدهما كمال العدد
والثاني أن يخبروا عن يقين ومشاهدة فإذا كان العدد كاملا كان امتناع العلم لفوات الشرط الثاني فنعلم أنهم بجملتهم كذبوا أو كذب بعضهم في قوله إني شاهدت ذلك بل بناه على توهم وظن أو كذب متعمدا لأنهم لو صدقوا وقد كمل عددهم حصل العلم ضرورة وهذا أيضا أحد الأدلة على أن الأربعة ليسوا عدد التواتر إذ القاضي لم يحصل له العلم بصدقهم وجاز له القضاء بغلبة الظن بالإجماع ولو تمر عددهم لكان انتفاء العلم بصدقهم دليلا قاطعا على كذب جميعهم أو كذب واحد منهم ولقطعنا بأن فيهم كاذبا أو متوهما ولا يقبل شهادة أربعة يعلم أن فيهم كاذبا أو متوهما فإن قيل فإن لم يحصل العلم بقولهم وقد كثروا كثرة يستحيل بحكم العادة توافقهم على الكذب عن اتفاق ويستحيل دخولهم تحت ضابط وتساعدهم على الكذب بحيث ينكتم ذلك على جميعهم ولا يتحدث به واحد منهم فعلى ماذا يحمل كذبهم وكيف يتصور ذلك قلنا إنما يمكن ذلك بأن يكونوا منقسمين إلى صادقين وكاذبين أما الصادقون فعددهم ناقص عن المبلغ الذي يستقل بإفادة العلم وأما الكاذبون فيحتمل أن يقع منهم التواطؤ لنقصان عددهم عن مبلغ يستحيل عليهم التواطؤ مع الانكتام فإن كانوا مبلغا لا يستحيل التواطؤ عليهم مع الانكتام فلا يستحيل الانكتام في الحال إلى أن يتحدث به في ثاني الحال ونقل الشيعة نص الإمامة مع كثرتها إنما لم يفد العلم لأنهم لم يخبروا عن المشاهدة والسماع بل لو سمعوا عن سلف فهم صادقون لكن السلف الواضعون لهذا الكذب يكون عددهم ناقصا عن مبلغ يستحيل منهم التواطؤ مع الانكتام وربما ظن الخلف أن عددهم كامل لا يستحيل عليهم التواطؤ فيخطئون في الظن فيقطعون بالحكم ويكون هذا منشأ غلطهم خاتمة لهذا الباب في بيان شروط فاسدة ذهب إليها قوم وهي خمسة الأول شرط قوم في عدد التواتر أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد وهذا فاسد فإن الحجيج بأجمعهم إذا أخبروا عن واقعة صدتهم عن الحج ومنعتهم من عرفات حصل العلم بقولهم وهم محصورون وأهل الجامع إذا أخبروا عن نائبة في الجمعة منعت الناس من الصلاة علم صدقهم مع أنهم يحويهم مسجد فضلا عن بلد وكذلك أهل المدينة إذا أخبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حصل العلم وقد حواهم بلد الثاني شرط قوم أن تختلف أنسابهم فلا يكونوا بني أب واحد وتختلف أوطانهم فلا يكونوا في محلة واحدة وتختلف أديانهم فلا يكونوا أهل مذهب واحد وهذا فاسد لأن كونهم من محلة واحدة ونسب واحد لا يؤثر إلا في إمكان تواطئهم والكثرة إلى كمال العدد تدفع هذا الإمكان وإن لم تكن كثرة أمكن التواطؤ من بني الأعمام كما يمكن من الأخوة ومن أهل بلد كما يمكن من أهل محلة وكيف يعتبر اختلاف الدين ونحن نعلم صدق المسلمين إذا أخبروا عن قتل وقتنة وواقعة بل نعلم صدق أهل قسطنطينية إذا أخبروا عن موت قيصر فإن قيل فلنعلم صدق النصارى في نقل التثليث عن عيسى عليه السلام وصدقهم في صلبه قلنا لم ينقلوا التثليث توقيفا وسماعا عن عيسى بنص صريح لا يحتمل التأويل لكن توهموا ذلك بألفاظ موهمة لم يقفوا على مغزاها كما فهم المشبهة التشبيه من آيات وأخبار لم يفهموا معناها والتواتر ينبغي أن يصدر عن محسوس فأما قتل عيسى عليه السلام فقد صدقوا في أنهم شاهدوا شخصا يشبه عيسى عليه السلام مقتولا ولكن شبه لهم فإن قيل فهل يتصور التشبيه في المحسوس فإن تصور فليشك كل واحد منا إذا رأى زوجته وولده فلعله شبه له قلنا إن كان الزمان زمان خرق العادة يجوز التشبيه في المحسوس وذلك زمان النبوة لإثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لا يوجب الشك في غير ذلك الزمان إذ لا خلاف في قدرة الله تعالى على قلب العصا ثعبانا وخرق العادة به لتصديق النبي عليه السلام ومع ذلك إذا أخذنا العصا في زماننا لم نخف من انقلابها ثعبانا ثقة بالعادات في زماننا
فإن قيل خرق العادة في زماننا هذا جائز كرامة للأولياء فلعل وليا من الأولياء دعا الله تعالى بذلك فأجابه فلنشك لإمكان ذلك قلنا إذا فعل الله تعالى ذلك نزع عن قلوبنا العلم الضروري الحاصل بالعادات فإذا وجدنا من أنفسنا علما ضروريا بأنه لم تنقلب العصا ثعبانا ولا الجبل ذهبا ولا الحصى في الجبال جواهر ويواقيت قطعنا بأن الله تعالى لم يخرق العادة وإن كان قدارا عليها الثالث شرط قوم أن يكونوا أولياء مؤمنين وهو فاسد إذ يحصل العلم بقول الفسقة والمرجئة والقدرية بل بقول الروم إذا أخبروا بموت ملكهم حصل العلم الرابع شرط قوم أن لا يكونوا محمولين بالسيف على الإخبار وهو فاسد لأنهم إن حملوا على الكذب لم يحصل العلم لفقد الشرط وهو الإخبار عن العلم الضروري وإن صدقوا حصل العلم فلو أن أهل بغداد حملهم الخليفة بالسيف على الإخبار عن محسوس شاهدوه أو شهادة كتموها فأخبروا حصل العلم بقولهم فإن قيل هل يتصور عدد يحصل العلم بقولهم إذا أخبروا عن اختيار ولا يحصل لو أخبروا عن إكراه قلنا أجاب القاضي رحمه الله ذلك من حيث أنه لم يجعل للقرائن مدخلا وذلك غير محال عندنا فإنا بينا أن النفس تشعر بأن هؤلاء على كثرتهم لا يجمعهم على الكذب جامع ثم تصدق فإذا ظهر كون السيف جامعا لم يبعد أن لا يحصل العلم الخامس شرط الروافض أن يكون الإمام المعصوم في جملة المخبرين وهذا يوجب العلم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام لأنه معصوم فأي حاجة إلى أخبار غيره ويجب أن لا يحصل العلم بنقلهم على التواتر النص على علي رضي الله عنه إذ ليس فيهم معصوم وأن لا تلزم حجة الإمام إلا على من شاهده من أهل بلده وسمع منه دون سائر البلاد وأن لا تقوم الحجة بقول أمرائه ودعاته ورسله وقضاته إذ ليسوا معصومين وأن لا يعلم موت أمير وقتله ووقوع فتنة وقتال في غير مصر وكل ذلك لازم على هذيانهم الباب الثالث في تقسيم الخبر إلى ما يجب تصديقه وإلى ما يجب تكذيبه وإلى ما يجب التوقف فيه وهي ثلاثة أقسام القسم الأول ما يجب تصديقه وهي سبعة الأول ما أخبر عنه عدد التواتر فإنه يجب تصديقه ضرورة وإن لم يدل عليه دليل آخر فليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرد الأخبار إلا المتواتر وما عداه فإنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه سوى نفس الخبر الثاني ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق بدليل استحالة الكذب عليه ويدل عليه دليلان أقواهما إخبار الرسول عليه السلام عن امتناع الكذب عليه تعالى والثاني أن كلامه تعالى قائم بنفسه ويستحيل الكذب في كلام النفس على من يستحيل عليه الجهل إذ الخبر يقوم بالنفس على وفق العلم والجهل على الله تعالى محال الثالث خبر الرسول عليه السلام ودليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه مع استحالة إظهار المعجزة على أيدي الكاذبين لأن ذلك لو كان ممكنا لعجز الباري عن تصديقه رسله والعجز عليه محال الرابع ما أخبر عنه الأمة إذ ثبت عصمتها بقول الرسول عليه السلام المعصوم عن الكذب وفي معناه كل شخص أخبر الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم عنه بأنه صادق لا يكذب الخامس كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو الأمة أو من صدقه هؤلاء أو دل العقل عليه والسمع فإنه لو كان كاذبا لكان الموافق له كذبا السادس كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسمع منه ولم يكن غافلا عنه فسكت عليه لأنه لو كان كذبا لما سكت عنه ولا عن تكذيبه ونعني به ما يتعلق بالدين
السابع كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذبا وذلك بأن يكون للخبر وقع في نفوسهم وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليهم بحيث ينكتم التواطؤ ولا يتحدثون به وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان ينقل بمشهد جماعات وكانوا يسكتون عن التكذيب مع استحالة السكوت عن التكذيب على مثلهم فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق نزل منزلة قولهم صدقت فإن قيل لو ادعى واحد أمرا بمشهد جماعة وادعى علمهم به فسكتوا عن تكذيبه فهل يثبت صدقه قلنا إن كان ذلك في محل النظر والاجتهاد فلا يثبت صدقه لاحتمال أنهم اعتقدوا عن النظر ما ادعاه وإن كان يسنده إلى مشاهدة وكانوا عددا يستحيل عليهم الدخول تحت داع واحد فالسكوت عن تكذيبه تصديق من جهتهم فإن قيل وهل يدل على الصدق تواتر الخبر عن جماعة لا يجوز على مثلهم التواطؤ على الكذب قصدا ولا التوافق على اتفاق قلنا أحال القاضي رحمه الله ذلك وقال قولهم يورث العلم ضرورة إن بلغوا عدد التواتر في علم الله فإن لم يورث العلم الضروري دل على نقصان العدد ولا يجوز الاستدلال على صدقهم بالنظر في أحوالهم بل نعلم قطعا كذبهم أو اشتمالهم على كاذب أو متوهم وهذا على مذهبه إن لم ينظر إلى القرائن لازم أما من نظر إلى القرائن فلا يبعد أن يعلم صدقهم بنوع من النظر فإن قيل خبر الواحد الذي عمل به الأمة هل يجب تصديقه قلنا إن عملوا على وفقه فلعلهم عملوا عن دليل آخر وإن عملوا به أيضا فقد أمروا بالعمل بخبر الواحد وإن لم يعرفوا صدقه فلا يلزم الحكم بصدقه فإن قيل لو قدر الراوي كاذبا لكان عمل الأمة بالباطل وهو خطأ ولا يجوز ذلك على الأمة قلنا الأمة ما تعبدوا إلا بالعمل بخبر يغلب على الظن صدقهم فيه وقد غلب على ظنهم كالقاضي إذ قضى بشهادة عدلين فلا يكون مخطئا وإن كان الشاهد كاذبا بل يكون محقا لأنه لم يؤمر إلا به القسم الثاني من الأخبار ما يعلم كذبه وهي أربعة الأول ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس والمشاهدة أو أخبار التواتر وبالجملة ما خالف المعلوم بالمدارك الستة المذكورة كمن أخبر عن الجمع بين الضدين وإحياء الموتى في الحال وأنا على جناح نسر أو في لجة بحر وما يحس خلافه الثاني ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة فإنه ورد مكذبا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة الثالث ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إذا قالوا حضرنا معه في ذلك الوقت فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلا
الرابع ما سكت الجمع الكثير عن نقله والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله كما لو أخبر مخبر بأن أمير البلدة قتل في السوق على ملأ من الناس ولم يتحدث أهل السوق به فيقطع بكذبه إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله ولا حالت العادة اختصاصه بحكايته وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن ونص الرسول على نبي آخر بعده وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه فإن قيل فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه كإفراده صلى الله عليه وسلم الحج أو قرانه وكدخوله الكعبة وصلاته فيها وأنه عليه السلام نكح ميمونة وهو حرام وأنه دخل مكة عنوة وقبوله شهادة الأعرابي وحده على رؤية الهلال وانفراد الأعرابي بالرؤية حتى لم يشاركه أحد فيه وانشقاق القمر ولم ينقله إلا ابن مسعود رضي الله عنه وعدد يسير معه وكان ينبغي أن يراه كل مؤمن وكافر وباد وحاضر ونقل النصارى معجزات عيسى عليه السلام ولم ينقلوا كلامه في المهد وهو من أعظم العلامات ونقلت الأمة القرآن ولم ينقلوا بقية معجزات الرسول عليه السلام كنقل القرآن في الشيوع ونقل الناس أعلام الرسل ولم ينقلوا أعلام شعيب عليه السلام ونقلت الأمة سور القرآن ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما حتى خالف ابن مسعود رضي الله عنه في كونهما من القرآن وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضا فكل هذا نقض على هذه القاعدة والجواب أن إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرانه ليس مما يجب أن ينكشف وأن ينادي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكافة بل لا يطلع عليه إلا من أطلعه عليه أو على نيته بإخباره إياه نعم ظهر على الاستفاضة تعليمه الناس الإفراد والقران جميعا وأما دخوله الكعبة وصلاته فيها فقد يكون ذلك مع نفر يسير ومع واحد واثنين ولا يقع شائعا كيف ولو وقع شائعا لم تتوفر الدواعي على دوام نقله لأنه ليس من أصول الدين ولا من فرائضه ومهماته وأما دخوله مكة عنوة فقد صح على الاستفاضة دخوله متسلحا مع الألوية والأعلام وتمام التمكن والاستيلاء وبذله الأمان لمن دخل دار أبي سفيان ولمن ألقى سلاحه واعتصم بالكعبة وكل ذلك غير مختلف فيه ولكن استدل بعض الفقهاء بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ودى قوما قتلهم خالد بن الوليد رضي الله عنه على أنه كان صلحا ووقوع مثل هذه الشبهة للآحاد ممكن إلى أن تزال بالنظر وأن يكون ذلك بنهي خاص عن قوم مخصوصين ولسبب مخصوص وأما انفراد الأعرابي برؤية الهلال فممكن وقد يقع مثل ذلك في زماننا في الليلة الأولى لخفاء الهلال ودقته فينفرد به من يتحد بصره وتصدق في الطلب رغبته ويقع على موضع الهلال بصره عن معرفة أو اتفاق وأما انشقاق القمر فهي آية ليلية وقعت والناس نيام غافلون وإنما كان في لحظة فرآه من ناظره النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ونبهه على النظر له وما انشق منه إلا شعبة ثم عاد صحيحا في لحظة فكم من انقضاض كوكب وزلزلة وأمور هائلة من ريح وصاعقة بالليل لا يتنبه له إلا الآحاد على أن مثل هذا إنما يعمله من قيل له انظر إليه فانشق عقيب القول والتحدي ومن لم يعلم ذلك ووقع عليه بصره ربما توهم أنه خيال انقشع أو كوكب كان تحت القمر فانجلى القمر عنه أو قطعة سحاب سترت قطعة من القمر فلهذا لم يتواتر نقله وأما نقلهم القرآن دون سائر الأعلام فذلك لأمرين أحدهما أن الدواعي لا تتوفر بعد ثبوت النبوة بالقرآن واستقلالها به على نقل ما يقع بعده بحيث تقع المداومة عليه اكتفاء بثبوتها بالقرآن الذي هو أعظم الآيات ولأن غير القرآن إنما ظهر في عمر كل واحد مرة واحدة وربما ظهر بين يدي نفر يسير والقرآن كان يردده طول عمره مرة بعد أخرى ويلقيه على كافتهم قصدا ويأمرهم بحفظه والتلاوة له والعمل بموجبه وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعا من القرآن كسائر السور وابن مسعود رضي الله عنه لم ينكر كونهما من القرآن لكن أنكر إثباتهما في المصحف وإثبات الحمد أيضا لأنه كانت السنة عنده أن لا يثبت إلا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإثباته وكتبته ولما لم يجده كتب ذلك ولا سمع أمره به أنكره وهذا تأويل وليس جحدا لكونه قرآنا ولو جحد ذلك لكان فسقا عظيما لا يضاف إلى مثله ولا إلى أحد من الصحابة وأما ترك النصارى نقل كلام عيسى عليه السلام في المهد فلعله لم يتكلم إلا بحضرة نفر يسير ومرة واحدة لتبرئة مريم عليها السلام عما نسبوها إليه فلم ينتشر ذلك ولم يحصل العلم بقول من سمع ذلك منهم فاندرس فيما بينهم وأما شعيب ومن يجري مجراه من الرسل عليهم السلام فلم يكن لهم شريعة ينفردون بها بل كانوا يدعون إلى شريعة من قبلهم فلم تتوفر الدواعي على نقل معجزاتهم إذ لم يكن لهم معجزات ظاهرة لكن ثبت صدقهم بالنص والتوقيف من نبي ذي معجزة وأما الخبر عن اللمس والمس للذكر وما تعم به البلوى فيجوز أن يخبر به الرسول عليه السلام عددا يسيرا ثم ينقلونه آحادا ولا يستفيض وليس ذلك مما يعظم في الصدور وتتوفر الدواعي على التحدث به دائما
القسم الثالث ما لا يعلم صدقه ولا كذبه فيجب التوقف فيه وهو جملة الأخبار الواردة في أحكام الشرع والعبادات مما عدا القسمين المذكورين وهو كل خبر لم يعرف صدقه ولا كذبه فإن قيل عدم قيام الدليل على صدقه يدل على كذبه إذ لو كان صدقا لما أخلانا الله تعالى عن دليل على صدقه قلنا ولم يستحيل أن يخلينا عن دليل قاطع على صدقه ولو قلب هذا وقيل يعلم صدقه لأنه لو كان كذبا لما أخلانا الله تعالى عن دليل قاطع على كذبه لكان مقاوما لهذا الكلام وكيف يجوز ذلك ويلزم منه أن يقطع بكذب كل شاهد لا يقطع بصدقه وكفر كل قاض ومفت وفجوره إذا لم يعلم إسلامه وورعه بقاطع وكذا كل قياس ودليل في الشرع لا يقطع بصحته فليقطع ببطلانه وهذا بخلاف التحدي بالنبوة إذا لم تظهر معجزة فإنا نقطع بكذبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كلفنا تصديقه وتصديقه بغير دليل محال وتكليف المحال محال فبه علمنا أنا لم نكلف تصديقه فلم يكن رسولا إلينا قطعا أما خبر الواحد وشهادة الإثنين فلم نتعبد فيه بالتصديق بل بالعمل عند ظن الصدق والظن حاصل والعمل ممكن ونحن مصيبون وإن كان هو كاذبا ولو عملنا بقول شاهد واحد فنحن مخطئون وإن كان هو صادقا فإن قيل إنما وجب إقامة المعجزة لنعرف صدقه فنتبعه فيما يشرعه فليجب عليه إزالة الشك فيما يبلغ من الشرع بالمشافهة والإشاعة إلى حد التواتر ليحصل العلم في حق من لم يشافهه به قلنا لا استحالة في أن يقسم الشارع شرعه إلى ما يتعبد فيه بالعلم والعمل فيجب فيه ما ذكرتموه وإلى ما يتعبد فيه بالعمل دون العلم فيكون فرض من يسمع من الرسول العلم والعمل جميعا وفرض من غاب العمل دون العلم ويكون العمل منوطا بظن الصدق في الخبر وإن كان هو كاذبا عند الله تعالى وكذا الظن الحاصل من قياس وقول شاهد ويمين المدعى عليه أو يمين المدعي مع النكول فلا نحيل شيئا من ذلك القسم الثاني من هذا الأصل في أخبار الآحاد وفيه أبواب الباب الأول في إثبات التعبد به مع قصوره عن إفادة العلم وفيه أربع مسائل مسألة ( هل خبر الواحد يفيد العلم ) اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد وأما قول الرسول عليه السلام مما علم صحته فلا يسمى خبر الواحد وإذا عرفت هذا فنقول خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة إنا لا نصدق بكل ما نسمع ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن ولا تمسك لهم في قوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات الممتحنة 10 وأنه أراد الظاهر لأن المراد به العلم الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي ظاهر الإيمان دون الباطن الذي لم يكلف به والإيمان باللسان يسمى إيمانا مجازا ولا تمسك لهم في قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم الإسراء 36 وأن الخبر لو لم يفد العلم لما جاز العمل به لأن المراد بالآية منع الشاهد عن جزم الشهادة إلا بما يتحقق وأما العلم بخبر الواحد فمعلوم الوجوب بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق والظن حاصل قطعا ووجوب العمل عنده معلوم قطعا كالحكم بشهادة اثنين أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه مسألة ( هل يتعبد بخبر الواحد )
أنكر منكرون جواز التعبد بخبر الواحد عقلا فضلا عن وقوعه سمعا فيقال لهم من أين عرفتم استحالته أبالضرورة ونحن نخالفكم فيه ولا نزاع في الضرورة أو بدليل ولا سبيل لهم إلى إثباته لأنه لو كان محالا لكان يستحيل إما لذاته أو لمفسدة تتولد منه ولا يستحيل لذاته ولا التفات إلى المفسدة ولا نسلم أيضا لو التفتنا إليها فلا بد من بيان وجه المفسدة فإن قيل وجه المفسدة أن يروي الواحد خبرا في سفك دم أو في استحلال بضع وربما يكذب فيظن أن سفك الدم هو بأمر الله تعالى ولا يكون بأمره فكيف يجوز الهجوم بالجهل ومن شككنا في إباحة بضعه وسفك دمه فلا يجوز الهجوم عليه بالشك فيقبح من الشارع حوالة الخلق على الجهل واقتحام الباطل بالتوهم بل إذا أمر الله تعالى بأمر فليعرفنا أمره لنكون على بصيرة إما ممتثلون أو مخالفون والجواب أن هذا السؤال إن صدر ممن ينكر الشرائع فنقول له أي استحالة في أن يقول الله تعالى لعباده إذا طار بكم طائر وظننتموه غرابا فقد أوجبت عليكم كذا وكذا وجعلت ظنكم علامة وجوب العمل كما جعلت زوال الشمس علامة وجوب الصلاة فيكون نفس الظن علامة الوجوب والظن مدرك بالحس وجوده فيكون الوجوب معلوما فمن أتى بالواجب عند الظن فقد امتثل قطعا وأصاب فإذا جاز أن يجعل الزوال أو ظن كونه غرابا علامة فلم لا يجوز أن يجعل ظنه علامة ويقال له إذا ظننت صدق الراوي والشاهد والحالف فاحكم به ولست متعبدا بمعرفة صدقه ولكن بالعمل عند ظن صدقه وأنت مصيب وممتثل صدق أو كذب ولست متعبدا بالعلم بصدقه ولكن بالعمل عند ظنك الذي تحسه من نفسك وهذا ما نعتقده في القياس وخبر الواحد والحكم بالشاهد واليمين وغير ذلك وأما إذا صدر هذا من مقر بالشرع فلا يتمكن منه لأنه تعبد بالعمل بالشهادة والحكم والفتوى ومعاينة الكعبة وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فهذه خمسة ثم الشهادة قد يقطع بها كشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وشهادة خزيمة بن ثابت حين صدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادة موسى وهارون والأنبياء صلوات الله عليهم وقد يظن ذلك كشهادة غيرهم ثم ألحق المظنون بالمقطوع به في وجوب العمل وكذلك فتوى النبي صلى الله عليه وسلم وحكمه مقطوع به وفتوى سائر الأئمة وحكم سائر القضاة مظنون وألحق بالمعلوم والكعبة تعلم قطعا بالعيان وتظن بالاجتهاد وعند الظن يجب العمل كما يجب عند المشاهدة فكذلك خبر الرسول صلى الله عليه وسلم يجب العمل به عند التواتر فلم يستحيل أن يلحق المظنون بالمعلوم في وجوب العلم خاصة ومن أراد أن يفرق بين هذه الخمسة في مفسدة أو مصلحة لم يتمكن منه أصلا فإن قيل فهل يجوز التعبد بالعمل بخبر الفاسق قلنا قال قوم يجوز بشرط ظن الصدق وهذا الشرط عندنا فاسد بل كما يجوز أن تجعل حركة الفلك علامة التعبد بالصلاة فحركة لسان الفاسق يجوز أن تجعل علامة فتكليف العمل عند وجود الخبر شيء وكون الخبر صدقا أو كذبا شيء آخر مسألة ( هل يجب العمل بخبر الواحد )