Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
الخامس وهو في الإخبار عن المغيبات قوله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) خص الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب فلا يطلع غيرهم وإن كانوا أولياء مرتضين فما يشاهد من الكهنة إلقاء الجن والشياطين ومن أصحاب التعبير والنجوم ظنون واستدلالات ربما تقع وربما لا تقع ليس من اطلاع الله تعالى في شيء والجواب أن الغيب ههنا ليس للعموم بل مطلق أو معين هو وقت وقوع القيمة بقرينة السياق ولا يبعد أن يطلع عليه بعض الرسل من الملائكة أو البشر فيصح الاستثناء وإن جعل منقطعا فلا خفاء بل لا امتناع حينئذ في جعل الغيب للعموم لكون اسم الجنس المضاف بمنزلة المعرف باللام سيما وقد كان في الأصل مصدرا ويكون الكلام لسلب العموم أي لا يطلع على كل غيبه أحد أو هو لا ينافي اطلاع البعض على البعض وكذا لا إشكال إن خص الاطلاع بطريق الوحي وبالجملة فالاستدلال مبني على أن الكلام لعموم السلب أي لا يطلع على شيء من غيبه أحدا من الأفراد نوعا من الاطلاع وذلك ليس بلازم قال خاتمة
حكي عن بعض الكرامية أن الولي قد يبلغ درجة النبي بل أعلى وعن بعض الصوفية أن الولاية أفضل من النبوة لأنها تنبىء عن القرب والكرامة كما هو شأن خواص الملك والمقربين منه والنبوة عن الإنباء والتبليغ كما هو حال من أرسله الملك إلى الرعايا لتبليغ أحكامه إلا أن الولي لا يبلغ درجة النبي لأن النبوة لا تكون بدون الولاية وعن أهل الإباحة والإلحاد أن الولي إذا بلغ الغاية في المحبة وصفاء القلب وكمال الإخلاص سقط عنه الأمر والنهي ولم يضره الذنب ولا يدخل النار بارتكاب الكبيرة والكل فاسد بإجماع المسلمين والأول خاصة بأن النبي مع ماله من شرف الولاية معصوم عن المعاصي مأمون عن سوء العاقبة بحكم النصوص القاطعة مشرف بالوحي ومشاهدة الملك مبعوث لإصلاح حال العالم ونظام أمر المعاش والمعاد إلى غير ذلك من الكمالات والثاني بأن النبوة تنبىء عن البعثة والتبليغ من الحق إلى الخلق ففيها ملاحظة للجانبين ويتضمن قرب الولاية وشرفها لا محالة فلا تقصر عن مرتبة ولاية غير الأنبياء لأنها لا تكون على غاية الكمال لأن علامة ذلك نيل مرتبة النبوة نعم قد يقع تردد في أن نبوة النبي أفضل أم ولايته فمن قائل بالأول لما في النبوة من معنى الوساطة بين الجانبين والقيام بمصالح الخلق في الدارين مع شرف مشاهدة الملك ومن مائل إلى الثاني لما في الولاية من معنى القرب والاختصاص الذي يكون في النبي في غاية الكمال بخلاف ولاية غير النبي وفي كلام بعض العرفاء أن ما قيل الولاية أفضل من النبوة لا يصح مطلقا وليس من الأدب إطلاق القول به بل لا بد من التقييد وهو أن ولاية النبي أفضل من نبوته لأن نبوة التشريع متعلقة بمصلحة الوقت والولاية لا تعلق لها بوقت دون وقت بل قام سلطانها إلى قيام الساعة بخلاف النبوة فإنها مختومة بمحمد صلى الله عليه وسلم من حيث ظاهرها الذي هو الإنباء وإن كانت دائمة من حيث باطنها الذي هو الولاية أعني التصرف في الخلق بالحق فإن الأولياء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم حملة تصرف ولايته بهم يتصرف في الخلق بالحق إلى قيام الساعة ولهذا كانت علامتهم المتابعة إذ ليس الولي إلا مظهر تصرف النبي وإما بطلان القول بسقوط الأمر والنهي فلعموم الخطابات ولأن أكمل الناس في المحبة والإخلاص هم الأنبياء سيما حبيب الله مع أن التكاليف في حقهم أتم وأكمل حتى يعاتبون بأدنى زلة بل بترك الأفضل نعم حكي عن بعض الأولياء أنه استعفى الله عن التكاليف وسأله الإعتاق عن ظواهر العبادات فأجابه إلى ذلك بأن سلبه العقل الذي هو مناط التكليف ومع ذلك كان من علو المرتبة على ما كان وأنت خبير بأن العارف لا يسأم من العبادة ولا يفتر في الطاعة ولا يسأل الهبوط من أوج الكمال إلى حضيص النقصان والنزول من معارج الملك إلى منازل الحيوان بل ربما يحصل له كمال الانجذاب إلى عالم القدس والاستغراق في ملاحظة جناب الحق بحيث يذهل عن هذا العالم ويخل بالتكاليف من غير تأثم بذلك لكونه في حكم غير المكلف كالنائم وذلك لعجزه عن مراعاة الأمرين وملاحظة الجانبين فربما يسأل دوام تلك الحالة وعدم العود إلى عالم الظاهر وهذا الذهول هو الجنون الذي ربما يترجح على بعض العقول والمتسمون به هم المسمون بمجانين العقلاء وبهذا يظهر فضل الأنبياء على الأولياء فإنهم مع أن استغراقهم أكمل وانجذابهم أشمل لا يخلون بأدنى طاعة ولا يذهلون من هذا الجانب ساعة لأن قوتهم القدسية من الكمال بحيث لا يشغلها شاغل عن ذلك الجناب ولهذا ينعى عليهم أدنى زلة عن منهج الصواب قال المبحث التاسع السحر إظهار أمر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة أعمال مخصوصة يجري فيها التعلم والتلمذ وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المقترحين وبأنه يختص ببعض الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط وبأنه قد يتصدى بمعارضته وببذل الجهد في الإتيان بمثله وبأن صاحبه ربما يعلن بالفسق ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن والخزي في الدنيا والآخرة إلى غير ذلك من وجوه المفارقة وهو عند أهل الحق جائز عقلا ثابت سمعا وكذلك الإصابة بالعين وقالت المعتزلة بل هو مجرد إراءة ما لا حقيقة له بمنزلة الشعبذة التي سببها خفة حركات اليد أو إخفاء وجه الحيلة فيه لنا على الجواز ما مر في الإعجاز من إمكان الأمر في نفسه وشمول قدرة الله تعالى فإنه هو الخالق وإنما الساحر فاعل وكاسب وأيضا إجماع الفقهاء وإنما اختلفوا في الحكم وعلى الوقوع وجوه منها قوله تعالى يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت إلى قوله فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله وفيه إشعار بأنه ثابت حقيقة ليس مجرد إراءة وتمويه وبأن المؤثر والخالق هو الله وحده ومنها سورة الفلق فقد اتفق جمهور المسلمين على أنها نزلت فيما كانت من سحر لبيد بن أعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرض ثلاث ليال ومنها ما روى أن جارية سحرت عائشة رضي الله تعالى عنها وأنه سحر ابن عمر رضي الله تعالى عنه فتكوعت يده فإن قيل لو صح السحر لأضرت السحرة بجميع الأنبياء والصالحين ولحصلوا لأنفسهم الملك العظيم وكيف يصح أن يسحر النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى والله يعصمك من الناس ولا يفلح الساحر حيث أتى وكان الكفرة يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور مع القطع بأنهم كاذبون قلنا ليس الساحر يوجد في كل عصر وزمان وبكل قطر ومكان ولا ينفذ حكمه كل أوان ولا له يد في كل شان والنبي معصوم من أن يهلكه الناس أو يوقع خللا في نبوته لا أن يوصل ضررا وألما إلى بدنه ومراد الكفار بكونه مسحورا أنه مجنون أزيل عقله بالسحر حيث ترك دينهم فإن قيل قوله تعالى في قصة موسى صلى الله تعالى عليه وسلم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى يدل على أنه لا حقيقة للسحر وإنما هو تخيل وتمويه قلنا يجوز أن يكون سحرهم هو إيقاع ذلك التخييل وقد تحقق ولو سلم فيكون أثره في تلك الصورة هو التحييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا وأما الإصابة بالعين وهو أن يكون لبعض النفوس خاصية أنها إذا استحسنت شيئا لحقته الآفة فثبوتها يكاد يجري مجرى المشاهدات التي لا تفتقر إلى حجة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم العين حق وقال العين تدخل الرجل القبر والجمل القدر وذهب كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم الآية نزل في ذلك وقالوا إن كان العين في بني أسد وكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام فلا يمر به شيء يقول فيه لم أر كاليوم الإعانة فالتمس الكفار من بعض من كانت له هذه الصفة أن يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فعصمه الله واعترض الجبائي بأن القوم ما كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظراستحسان بل مقت وبغض والجواب أنهم كانوا يستحسنون منه الفصاحة وكثيرا من الصفات وإن كانوا يبغضونه من جهة الدين ثم للقائلين بالسحر والعين اختلاف في جواز الاستعانة بالرقى والعوذ وفي جواز تعليق التمايم وفي جواز النفث والمسح ولكل من الطرفين أخبار وآثار والجواز هو الأرجح والمسئلة بالفقهيات أشبه ولله علم قال الفصل الثاني في المعاد وفيه مباحث وهو مصدر أو مكان وحقيقة العود توجه الشيء إلى ما كان عليه والمراد ههنا الرجوع إلى الوجود بعد الفناء أو رجوع أجزاء البدن إلى الاجتماع بعد التفرق وإلى الحياة بعد الموت والأرواح إلى الأبدان بعد المفارقة وأما المعاد الروحاني المحض على ما يراه الفلاسفة فمعناه رجوع الأرواح إلى ما كانت عليه من التجرد عن علاقة البدن واستعمال الآلات أو التبرىء عما ابتليت به من الظلمات قال المبحث الأول كثير من مباحث المتكلمين يرى في الظاهر أجنبية عن العلم بالعقائد الدينية ويعلم عند تحقيق المقاصد الأصلية أنها نافعة في إيراد الحجج عليها أو دفع الشبه عنها وذلك كإعادة المعدوم وثبوت الجزء والخلاء وصحة الفناء على العالم وجواز الخرق على الأفلاك وعدم اشتراط الحياة بالبنية وعدم لزوم تناهي القوى الجسمانية ونحو ذلك في إثبات الحشر وعذاب القبر والخلود في الجنة أو النار وغير ذلك على اختلاف الآراء وإنما آخر بحث إعادة المعدوم خاصة إلى ههنا لمالها من زيادة الاختصاص بأمر المعاد حيث لا يفتقر إليها إلا في إثبات المعاد بطريق الوجود بعد الفناء اتفق جمهور المتكلمين على جوازها والحكماء على امتناعها وأما المعتزلة فذهب غير البصري إلى جواز إعادة الجواهر لكن بناء على بقاء ذواتها في العدم حتى لو بطلت لاستحالت إعادتها واختلفوا في الأعراض فقال بعضهم يمتنع إعادتها مطلقا لأن المعاد إنما يعاد معنى فيلزم قيام المعنى بالمعنى وإلى هذا ذهب بعض أصحابنا وقال الأكثرون منهم بامتناع إعادة الأعراض التي لا تبقى كالأصوات والإرادات لاختصاصها عندهم بالأوقات وقسموا الباقية إلى ما يكون مقدورا للعبد وحكموا بأنه لا يجوز إعادتها لا للعبد ولا للرب وإلى مالا يكون مقدورا للعبد وجوزوا إعادتها لنا إقناعا أن الأصل فيما لا دليل وجه على وجوبه وامتناعه هو الإمكان على ما قالت الحكماء أن كل ما قرع سمعك من الغرايب فذره في بقعة الإمكان ما لم يدل عليه قائم البرهان فمن ادعى عدم إعادة المعدوم فعليه الدليل وإلزاما أن المعاد مثل المبدأ بل عينه لأن الكلام في إعادة المعدوم بعينه ويستحيل كون الشيء ممكنا في وقت ممتنعا في وقت للقطع بأنه لا أثر للأوقات فيما هو بالذات وعلى هذا لا يرد ما يقال أن العود وهو الوجود ثانيا أخص من مطلق الوجود ولا يلزم من إمكان الأعم إمكان الأخص وقريب من هذا ما يقال أن المعدوم الممكن قابل للوجود ضرورة استحالة الانقلاب فالوجود الأول إن أفادة زيادة استعداد لقبول الوجود على ما هو شأن سائرالقوابل بناء على اكتساب ملكة الإتصاف بالفعل فقد صار قابليته للوجود ثانيا أقرب وإعادته على الفاعل أهون ويشبه أن يكون هذا هو الحق والمراد بقوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وإن لم يفده زيادة الاستعداد فمعلوم بالضرورة أنه لا ينقص عما هو عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات هذا ولكن الأقرب أن تحمل الإعادة التي جعلت أهون على إعادة الأجزاء وما تفتتت من المواد إلى ما كانت عليه من الصور والتأليفات على ما يشير إليه قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة لا على إعادة المعدوم لأنه لم يبق هناك القابل والمستعد فضلا عن الاستعداد القائم به فإن قيل ما معنى كون الإعادة أهون على الله تعالى وقدرته قديمة لا تتفاوت المقدورات بالنسبة إليها قلنا كون الفعل أهون تارة يكون من جهة الفاعل بزيادة شرايط الفاعلية وتارة من جهة القابل بزيادة استعدادات القبول وهذا هو المراد ههنا وأما من جهة قدرة الفاعل فالكل على السواء لا يقال غاية ما ذكرتم أن المعدوم ممكن الوجود في الزمان الثاني كما في الزمان الأول نظرا إلى ذاته وهو لا ينافي امتناع وجوده لأمر لازم له كامتناع الحكم عليه والإشارة إليه على أن الكلام ليس في الوجود بل في الإعادة التي هي الإيجاد ثانيا لذلك الشيء بعينه وإمكان الوجود لا يستلزم إمكانها لأنا نقول لو امتنع المعدوم لأمر لازم له لامتنع وجوده أولا كما لو امتنع لذاته ثم إمكان الوجود مستلزم لإمكان الإيجاد سيما بالنظر إلى قدرة واحدة على أن المراد بالإعادة ههنا كونه معادا وهو معنى الوجود ثانيا قال والمنكرون منهم من ادعى الضرورة وقال الحكم بأن الموجود ثانيا ليس بعينه هو الموجود أولا ضروري لا يتردد فيه العقل عند الخلوص عن شوائب التقليد والتعصب واستحسنه الإمام في المباحث العالية حيث قال ونعم ما قال الشيخ من أن كل من رجع إلى فطرته السليمة ورفض عن نفسه الميل والعصبية شهد عقله الصريح بأن إعادة المعدوم ممتنع والرد بالمنع كيف وقد قال بجوازه كثير من العقلاء وقام البرهان عليه ومنهم من تمسك بوجوه
الأول أنه لو أعيد المعدوم بعينه لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه واللازم باطل بالضرورة ورد بمنع ذلك بحسب وقتين فإن معناه عند التحقيق تخلل العدم بين زماني وجوده بعينه واتصاف ذلك الشيء بل وجوه السابق واللاحق نظرا إلى الوقتين لا ينافي اتحاده بالشخص ويكفي لصحة تخلل العدم كتحلل الوجود بين العدم السابق واللاحق وجعل صاحب المواقف هذا الوجه بيانا لدعوى الضرورة وهو مخالف لكلام القوم وللتحقيق فإن ضرورية مقدمة الدليل لا توجب ضرورية المدعي الثاني لو جاز إعادة المعدوم بعينه أي بجميع مشخصاته لجاز إعادة وقته الأول لأنه من جملتها ضرورة أن الموجود بقيد كونه في هذا الوقت غير الموجود بقيد كونه في وقت آخر ولأن الوقت أيضا معدوم بجواز إعادته لعدم التمايز أو بطريق الإلزام على من يقول بجواز إعادة الشكل لكن اللازم باطل لإفضائه إلى كون الشيء مبتدأ من حيث أنه معاد إذ لا معنى للمبتدأ لا الموجود في وقته الأول وفي هذا جمع بين المتقابلين حيث صدق على شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة أنه مبتدأ أو معاد لما أشرنا إليه من لزوم كونه مبتدأ من جهة كونه معادا أو منع لكونه معادا لأنه الموجود في الوقت الثاني وهذا قد وجد في الوقت الأول ورفع للتفرقة والامتياز بين المبتدأ والمعاد حيث لم يكن معادا إلا من حيث كونه مبتدأ والامتياز بينهما بحسب العقل ضروري وقد يجعل هذاالوجه ثلاثة أوجه بحسب ما يلزم من الفسادات والجواب أنا لا نسلم كون الوقت من المشخصات فإنا قاطعون بأن هذا الكتاب هو بعينه الذي كان بالأمس حتى أن من زعم خلاف ذلك نسب إلى السفسطة وتغاير الاعتبارات والإضافات لا ينافي الوحدة الشخصية بحسب الخارج ولو سلم فلا نسلم أن ما يوجد في الوقت الأول يكون مبتدأ البتة وإنما يلزم لو لم يكن الوقت أيضا معادا أو لم يكن هو مسبوقا بحدوث آخر وهذا ما يقال أن المبتدأ هو الواقع أولا لا الواقع في الزمان الأول والمعاد هو الواقع ثانيا لا الواقع في الزمان الثاني وبهذا يمكن أن يدفع ما يقال لو أعيد الزمان بعينه لزم التسلسل لأنه لا مغايرة بين المبتدأ والمعاد بالماهية ولا بالوجود ولا بشيء من العوارض وإلا لم يكن إعادة له بعينه بل بالقبلية والبعدية بأن هذا في زمان سابق وذلك في زمان لاحق فيكون للزمان زمان يمكن إعادته بعد العدم وبتسلسل الثالث لو جاز أن يعاد المعدوم بعينه لجاز أن يوجد ابتداء ما يماثله في الماهية وجميع العوارض المشخصة لأن حكم الأمثال واحد ولأن التقديران وجود فرد بهذه الصفات من جملة الممكنات واللازم باطل لعدم التميز بينه وبين المعاد لأن التقدير اشتراكهما في الماهية وجميع العوارض ورد بأن عدم التميز في نفس الأمر غير لازم كيف ولو لم يتميزا لم يكونا شيئين وعند العقل غير مسلم الاستحالة إذ ربما يلتبس وعلى العقل ما هو متميز في نفس الأمر وقد يجاب بأنه لو صح هذا الدليل لجاز وقوع شخصين متماثلين ابتداء بعين ما ذكرتم ويلزم عدم التميز وحاصله أنه لا تعلق لهذا بإعادة المعدوم
الرابع أن المعدوم تمتنع الإشارة إليه إذ لم يبق له ثبوت أصلا فيمتنع الحكم عليه بصحة العود لأن الحكم ثبوت شيء لشيء يقتضي تميزه وثبوته في الجملة والجواب عند المعتزلة القائلين بثبوت المعدوم وبقاء ذاته ظاهر وعندنا أن التميز والثبوت عند العقل كاف في صحة الحكم والاحتياج إلى الثبوت العيني إنما هو عند ثبوت الصفة له في الخارج وما يقال أن القضية تكون حينئذ ذهنية لا حقيقية ولا خارجية فلا يفيد إلا صحة العود في الذهن ليس بشيء لأنا نأخذ للقضية مفهوما عاما هو أن ما يصدق عليه الوصف العنواني في الجملة يصدق عليه المحمول فالمعنى ههنا أن ما يصدق عليه أنه معدوم في الخارج يصدق عليه أنه يوجد في الخارج ولو سلم فالذهنية معناها أن الموضوع المأخوذ في الذهن محكوم عليه بالمحمول فالمعنى ههنا أن المعنى الذهني المعدوم في الخارج يصح أن يعاد ويوجد في الخارج وبالجملة فهذا كما يقال المعدوم الممكن يجوز أن يوجد ومن سيولد يجوز أن يتعلم إلى غير ذلك من الحكم على ما ليس بموجود في الخارج حال الحكم وقد يجاب عن جميع الوجوه بأنا نعني بالإعادة أن يوجد ذلك الشيء الذي هو بجميع أجزائه وعوارضه بحيث يقطع كل من يراه بأنه هو ذلك الشيء كما يقال أعد كلامك أي تلك الحروف بتأليفها وهيئاتها ولا يضر كون هذا معادا في زمان وذاك مبتدأ وفي زمان آخر ولا مناقشة في أن هذا نفس الأول أو مثله وهذاالقدر كاف في إثبات الحشر ولا يبطل بشيء من الوجوه قال المبحث الثاني الفلاسفة الطبيعيون الذين لا يعتد بهم في المسئلة ولا في الفلسفة أنه لا معاد للبشر أصلا زعما منهم أنه هذا الهيكل المحسوس بما له من المزاج والقوى والأعراض وأن ذلك يفنى بالموت وزوال الحياة ولا يبقى إلا المواد العنصرية المتفرقة وأنه لا إعادة للمعدوم وفي هذا تكذيب للعقل على ما يراه المحققون من أهل الفلسفة وللشرع على ما يراه المحققون من أهل الملة وتوقف جالينوس في أمر المعاد لتردده في أن النفس هو المزاج فيفنى بالموت فلا يعاد أم جوهر باق بعد الموت فيكون له المعاد واتفق المحققون من الفلاسفة والمليين على حقية المعاد واختلفوا في كيفيته فذهب جمهور المسلمين إلى أنه جسماني فقط لأن الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد وذهب الفلاسفة إلى أنه روحاني فقط لأن البدن ينعدم بصوره وأعراضه فلا يعاد والنفس جوهر مجرد باق لا سبيل إليه للفناء فيعود إلى عالم المجردات بقطع التعلقات وذهب كثير من علماء الإسلام كالإمام الغزالي والكعبي والحلمي والراغب والقاضي أبي زيد الدبوسي إلى القول بالمعاد الروحاني والجسماني جميعا ذهابا إلى أن النفس جوهر مجرد يعود إلى البدن وهذا رأي كثير من الصوفية والشيعة والكرامية وبه يقول جمهورالنصارى والتناسخية قال الإمام الرازي إلا أن الفرق أن المسلمين يقولون بحدوث الأرواح وردها إلى الإبدان لا في هذا العالم بل في الآخرة والتناسخية بقدمها وردها إليها في هذا العالم وينكرون الآخرة والجنة والنار وإنما نبهنا على هذا الفرق لأنه يغلب على الطباع العامية أن هذا المذهب يجب أن يكون كفرا وضلالا لكونه مما ذهب إليه التناسخية والنصارى ولا يعلمون أن التناسخية إنما يكفرون لإنكارهم القيامة والجنة والنار والنصارى لقولهم بالتثليث وأما القول بالنفوس المجردة فلا يرفع أصلا من أصول الدين بل ربما يؤيده ويبين الطريق إلى إثبات المعاد بحيث لا يقدح فيه شبه المنكرين كذا في نهاية العقول وقد بالغ الإمام الغزالي في تحقيق المعاد الروحاني وبيان أنواع الثواب والعقاب بالنسبة إلى الروح حتى سبق إلى كثير من الأوهام ووقع في السنة بعض العوام أنه ينكر حشر الأجساد افتراء عليه كيف وقد صرح به في مواضع من كتاب الأحياء وغيره وذهب إلى أن إنكاره كفر وإنما لم يشرحه في كتبه كثير شرح لما قال أنه ظاهر لا يحتاج إلى زيادة بيان نعم ربما يميل كلامه وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أن معنى ذلك أن يخلق الله تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدنا فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن ولا يضرنا كونه غير البدن الأول بحسب الشخص ولا امتناع إعادة المعدوم بعينه وما شهد به النصوص من كون أهل الجنة جردا مرد أو كون ضرس الكافر مثل جبل أحد يعضد ذلك وكذا قوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ولا يبعد أن يكون قوله تعالى أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم إشارة إلى هذا فإن قيل فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية قلنا العبرة في ذلك بالإدراك وإنما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه وكذا الأجزاء الأصلية من البدن ولهذا يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة أنه هو بعينه وإن تبدلت الصور والهيئات بل كثير من الآلات والأعضاء ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب أنها عقوبة لغير الجاني قال لنا المعتمد في إثبات حشرالأجساد دليل السمع والمفصح عنه غاية الإفصاح من الأديان دين الإسلام ومن الكتب القرآن ومن الأنبياء محمد عليه السلام والمعتزلة يدعون إثباته بل وجوبه بدليل العقل وتقريره أنه يجب على الله ثواب المطيعين وعقاب العاصين وإعواض المستحقين ولا يتأتى ذلك إلا بإعادتهم بأعيانهم فيجب لأن مالا يتأتى الواجب إلا به واجب وربما يتمسكون بهذا في وجوب الإعادة على تقدير الفناء ومبناه على أصلهم الفاسد في الوجود على الله تعالى وفي كون ترك الجزاء ظلما لا يصح صدوره من الله تعالى مع إمكان المناقشة في أن الواجب لا يتم إلا به وأنه لا يكفي المعاد الروحاني ويدفعون ذلك بأن المطيع والعاصي هي هذه الجملة أو الأجزاء الأصلية لا الروح وحده ولا يصل الجزاء إلى مستحقه إلا بإعادتها والجواب أنه إن اعتبر الأمر بحسب الحقيقة فالمستحق هو الروح لأن مبنى الطاعة والعصيان على الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات وهو المبدأ للكل وإن اعتبر بحسب الظاهر يلزم أن يعاد جميع الأجزاء الكائنة من أول التكليف إلى الممات ولا يقولون بذلك فالأولى التمسك بدليل السمع وتقريره أن الحشر والإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق فيكون واقعا أما الإمكان فلأن الكلام فيما عدم بعد الوجود أو تفرق بعد الاجتماع أو مات بعد الحياة فيكون قابلا لذلك والفاعل هو الله القادر على كل الممكنات العالم بجميع الكليات والجزئيات وأما الأخبار فلما تواتر من الأنبياء سيما نبينا عليه السلام أنهم كانوا يقولون بذلك ولما ورد في القرآن من نصوص لا يحتمل أكثرها التأويل مثل قوله تعالى قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور إلى غير ذلك من الآيات وفي الأحاديث أيضا كثيرة وبالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر بيقين فإن قيل الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك وقد وجب تأويلها قطعا فلنصرف هذه أيضا إلى بيان المعاد الروحاني وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام فإن الأنبياء مبعثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحق وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالا والإنذار عما يعتقدونه ألما ونقصانا وأكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية واللذات العقلية وتقتصر على ما ألفوه من اللذات والآلام الحسية وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي ترغيبا وترهيبا للعوام وتتميما لأمر النظام وهذا ما قال أبو نصر الفارابي أن الكلام مثل وخيالات للفلسفة قلنا إنما يجب التأويل عند تعذر الظاهر ولا تعذر ههنا سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول لا عينه وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس والرعاية لمصلحة العامة نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق لأنهم لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم نعم لو قيل أن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر مثل للمعاد الروحاني واللذات والآلام العقلية وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحققون من علماء الإسلام لكان حقا لا ريب فيه ولا اعتداد بمن ينفيه قال احتج المنكرون بوجوه
الأول إن المعاد الجسماني موقوف على إعادة المعدوم وقد بان استحالتها وجه التوقف إما على تقدير كونها إيجادا بعد الفناء فظاهر وإما على تقدير كونها جمعا وإحياء بعد التفرق والموت فللقطع بفناء التأليف والمزاج والحياة وكثير من الأعراض والهيئات والجواب منع امتناع الإعادة وقد تكلمنا على أدلته ولو سلم فالمراد إعادة الأجزاء إلى ما كانت عليه من التأليف والحياة ونحو ذلك ولا يضرنا كون المعاد مثل المبدأ لا عينه الثاني لو أكل إنسان إنسانا وصار غداء له جزأ من بدنه فالأجزاء المأكولة إما أن تعاد في بدن الآكل أو في بدن المأكول وأيا ما كان لا يكون أحدهما بعينه معادا بتمامه على أنه لا أولوية لجعلها جزأ من بدن أحدهما دون الآخر ولا سبيل لجعلها جزأ من كل منهما وأيضا إذا كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا يلزم تنعيم الأجزاء العاصية أو تعذيب الأجزاء المطيعة والجواب أنا نعني بالحشر إعادة الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره لا الحاصلة بالتغذية فالمعاد من كل من الآكل والمأكول الأجزاء الأصلية الحاصلة في أول الفطرة من غير لزوم فساد فإن قيل يجوز أن يصير تلك الأجزاء الغذائية الأصلية في المأكول الفصل في الآكل نطفة وأجزاء أصلية لبدن آخر ويعود المحذور قلنا الفساد إنما هو في وقوع ذلك لا في إمكانه فلعل الله تعالى يحفظها من أن تصير جزأ لبدن آخر فضلا عن أن يصير جزأ أصليا وقد ادعى المعتزلة أنه يجب على الحكيم حفظها عن ذلك ليتمكن من أيصال الجزاء إلى مستحقه ونحن نقول لعله يحفظها عن التفرق فلا يحتاج إلى إعادة الجمع والتأليف بل إنما يعاد إلى الحياة في الصور والهيئات فإن قيل الآيات الواردة في باب الحشر من مثل من يحيي العظام وهي رميم أئذا متنا وكنا ترابا إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد تشعر بأن الأصلية وغير الأصلية ومتنازع المحق والمبطل ومتوارد الإثبات والنفي هي إعادة الأجزاء بأسرها إلى الحياة لا الأصلية وحدها ولا إعادة المعدوم بعينه قلنا ومن الآيات ما هو مسوق لنفس الإعادة مثل وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة وكان المنكرين استبعدوا إحياء ما كانوا يشاهدون من الرميم والتراب فأزيل استبعادهم بتذكير ابتداء الفطرة والتنبيه على كمال العلم والقدرة وأما حديث إعادة المعدوم والأجزاء الأصلية فلعله لم يخطر ببالهم
الثالث أن الإعادة لا لغرض عبث لا يليق بالحكيم ولغرض عائد إلى الله تعالى نقص يجب تنزيهه عنه ولغرض عائد إلى العباد أيضا باطل لأنه إما أيصال ألم وهو لا يليق بالحكيم وإما أيصال لذة ولا لذة في الموجود سيما في عالم الحس فكل ما يتخيل لذة فإنما هو خلاص عن الألم ولا ألم في العدم أو الموت ليكون الخلاص عنه لذة مقصودة بالإعادة بل إنما يتصور ذلك بأن يوصل إليه ألما ثم يخلصه عنه فتكون اإلإعادة لإيصال ألم يعقبه خلاص وهو غير لائق بالحكمة والجواب منع لزوم الفرض وقبح الحلو عنه في فعل الله تعالى ثم منع انحصار الغرض في أيصال اللذة والألم إذ يجوز أن يكون نفس إيصال الجزاء إلى من يستحقه غرضا ثم منع كون اللذة دفعا للألم وخلاصا عنه كيف واللذة والألم من الوجدانيات التي لا يشك العاقل في تحققها وقد سبق تحقيق ذلك ثم منع كون اللذات الأخروية من جنس الدنيوية بحسب الحقيقة ليلزم كونها دفعا للألم وخلاصا عنه قال تنبيه القائلون بالمعاد الروحاني فقط أو به وبالجسماني جميعا هم الذين يقولون بالنفوس الناطقة مجردة باقية لا تفنى بخراب البدن لما سبق من الدلائل ويشهد بذلك نصوص من الكتاب والسنة فلا حاجة للأولين إلى زيادة بيان في إثبات المعاد لأنه عبارة عن عود النفس إلى ما كانت عليه من التجرد أو التبرؤ من ظلمات التعلق وبقائها ملتذة بالكمال أو متألمة بالنقصان ولا للآخرين بعد إثبات حشر الأجساد لأن القول بإحياء البدن مع تعلق نفس أخرى به تدبر أمره وبقاء نفسه معطلة أو متعلقة ببدن آخر غير مقبول عند العقل ولا منقول من أحد كيف ونفسها مناسبة لذلك المزاج آلفة به لم تفارقه إلا لانتفاء قابليته لتصرفاتها فحين عادت القابلية عاد التعلق لا محالة وقد يقال أن قوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ورضوان من الله أكبر إشارة إلى المعاد الروحاني وكذا الأحاديث الواردة في حال أرواح المؤمنين وخصوصا الصديقين والشهداء والصالحين وأنها في حواصل طيور خضر في قناديل من نور معلقة تحت العرش وإن كانت ظواهرها مشعرة بأن الأرواح من قبيل الأجسام على ما قال إمام الحرمين أن الأظهر عندنا أن الأرواح أجسام لطيفة مشابكة للأجسام المحسوسة أجرى الله تعالى العادة باستمرار حياة الأجساد ما استمرت مشابكتها بها فإذا فارقها يعقب الموت الحياة في استمرار العادة ثم الروح يعرج به ويرفع في حواصل طيور خضر في الجنة ويهبط به إلى سجين من الكفرة كما وردت فيه الآثار والحياة عرض يحيى به الجوهر والروح يحيى بالحياة أيضا إن قامت به الحياة فهذا قولنا في الروح كذا في الإرشاد قال المبحث الثالث قد سبقت في مباحث الجسم إشارة إلى أن الأجسام باقية غير متزايلة على ما يراه النظام وقابلة للفناء غير دائمة البقاء على ما يراه الفلاسفة قولا بأنها أزلية أبدية والجاحظ وجمع من الكرامية قولا بأنها أبدية غير أزلية وتوقف أصحاب أبي الحسين في صحة الفناء واختلف القائلون بها في أن الفناء بإعدام معدم أو بحدوث ضد أو بانتفاء شرط أما الأول فذهب القاضي وبعض المعتزلة إلى أن الله تعالى يعدم العالم بلا واسطة فيصير معدوما كما أوجده كذلك فصار موجودا وذهب أبو الهذيل إلى أنه تعالى يقول له إفن فيفنى كما قال له كن فكان وأما الثاني فذهب جمهور المعتزلة إلى أن فناء الجوهر بحدوث ضد له هو الفناء ثم اختلفوا فذهب ابن الإخشيد إلى أن الفناء وإن لم يكن متحيزا لكنه يكون حاصلا في جهة معينة فإذا أحدثه الله تعالى فيها عدمت الجواهر بأسرها وذهب ابن شبيب إلى أن الله تعالى يحدث في كل جوهر فناء ثم ذلك الفناء يقتضي عدم الجوهر في الزمان الثاني وذهب أبو علي وأتباعه إلى أنه يخلق بعدد كل جوهر فناء لا في محل فيفنى الجواهر وقال أبو هاشم وأشياعه يخلق فناء واحد لا في محل فتفنى به الجواهر بأسرها
وأما الثالث وهو أن فناء الجوهر بانقطاع شرط وجوده فزعم بشر أن ذلك الشرط بقاء يخلقه الله تعالى لا في محل فإذا لم يوجد عدم الجوهر وذهب الأكثرون من أصحابنا والكعبي من المعتزلة إلى أنه بقاء قائم به يخلقه الله تعالى حالا فحالا فإذا لم يخلقه الله تعالى فيه انتفى الجوهر وقال إمام الحرمين بأنها الأعراض التي يجب اتصاف الجسم بها فإذا لم يخلقها الله فيه فني وقال القاضي في أحد قوليه هو الأكوان التي يخلقها الله تعالى في الجسم حالا فحالا فمتى لم يخلقها فيه انعدم وقال النظام أنه ليس بباق بل يخلق حالا فحالا فمتى لم يخلق فني وأكثر هذه الأقاويل من قبيل الأباطيل سيما القول يكون الفناء أمرا محققا في الخارج وضدا للبقاء قائما بنفسه أو بالجوهر وكون البقاء موجود إلا في محل ولعل وجه البطلان غني عن البيان قال المبحث الرابع يعني أن القائلين بصحة الفناء وبحقية حشر الأجساد اختلفوا في أن ذلك بإيجاد بعد الفناء أو بالجمع بعد تفرق الأجزاء والحق التوقف وهو اختيار إمام الحرمين حيث قال يجوز عقلا أن تعدم الجواهر ثم تعاد وأن تبقى وتزول أعراضها المعهودة ثم تعاد بنيتها ولم يدل قاطع سمعي على تعيين أحدهما فلايبعد أن يغير أجسام العباد على صفة أجسام التراب ثم يعاد تركيبها إلى ما عهد ولا تحيل أن يعدم منها شيء ثم يعاد والله أعلم احتج الأولون بوجوه الأول الإجماع على ذلك قبل طهور المخالفين كبعض المتأخرين من المعتزلة وأهل السنة ورد بالمنع كيف وقد أطبقت معتزلة بغداد على خلافه نعم كان الصحابة مجمعين على بقاء الحق وفناء الخلق بمعنى هلاك الأشياء وموت الأحياء وتفرق الأجزاء لا بمعنى انعدام الجواهر بالكلية لأن الظاهر أنهم لم يكونوا يخوضون في هذه التدقيقات الثاني قوله تعالى هو الأول والآخر أي في الوجود ولا يتصور ذلك إلا بانعدام ما سواه وليس بعد القيامة وفاقا فيكون قبلها وأجيب بأنه يجوز أن يكون المعنى هو مبدأ كل موجود وغاية كل مقصود أو هو المتوحد في الألوهية أو صفات الكمال كما إذا أقيل لك هذا أول من زارك وآخرهم فتقول هو الأول والآخر وتريد أنه لا زائر سواه أو هو الأول والآخر بالنسبة إلى كل حي بمعنى أنه يبقى بعد موت جميع الأحياء أو هو الأول خلقا والآخر رزقا كما قال خلقكم ثم رزقكم وبالجملة فليس المراد أنه آخر كل شيء يحسب الزمان للاتفاق على أبدية الجنة ومن فيها الثالث قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه فإن المراد به الانعدام لا الخروج عن كونه منتفعا به لأن الشيء بعد التفرق يبقى دليلا على الصانع وذلك من أعظم المنافع وأجيب بأن المعنى أنه هالك في حد ذاته لكونه ممكنا لايستحق الوجود إلا بالنظر إلى العلة أو المراد بالهلاك الموت أو الخروج عن الانتفاع المقصود به اللائق بحاله كما يقال هلك الطعام إذا لم يبق صالحا للأكل وإن صلح لمنفعة أخرى ومعلوم أن ليس مقصود الباري تعالى من كل جوهر الدلالة عليه وإن صلح لذلك كما أن من كتب كتابا ليس مقصوده بكل كلمة الدلالة على الكاتب أو المراد الموت كما في قوله تعالى إن امرؤ هلك وقيل معناه كل عمل لم يقصد به وجه الله تعالى فهو هالك أي غير مثاب عليه
الرابع قوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده كما بدأنا أول خلق نعيده كما بدأكم تعودون والبدأ من العدم فكذا العود وأيضا إعادة الخلق بعد إبدائه لا تتصور بدون تخلل العدم وأجيب بأنا لا نسلم أن المراد بإبداء الخلق الإيجاد والإخراج عن العدم بل الجمع والتركيب على ما يشعر به قوله وبدأ خلق الإنسان من طين ولهذا يوصف بكونه مرئيا مشاهدا كقوله تعالى أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق وأما القول بأن الخلق حقيقة في التركيب تمسكا بمثل قوله تعالى خلقكم من تراب أي ركبكم ويخلقون إفكا أي يركبونه فلا يكون حقيقة في الإيجاد دفعا للاشتراك فضعيف جدا لإطباق أهل اللغة على أنه إحداث وإيجاد مع تقدير سواء كان عن مادة كما في خلقكم من تراب أو بدونه كما في خلق الله العالم الخامس قوله تعالى كل من عليها فان والفناء هو العدم وأجيب بالمنع بل هو خروج الشيء عن الصفة التي ينتفع به عندها كما يقال فني زاد القوم وفني الطعام والشراب ولهذا يستعمل في الموت مثل أفناهم الحرب وقيل معنى الآية كل من على وجه الأرض من الأحياء فهو ميت قال الإمام الرازي ولو سلم كون الهلاك والفناء بمعنى العدم فلا بد في الآيتين من تأويل إذ لو حملنا على ظاهرهما لزم كون الكل هالكا فانيا في الحال وليس كذلك وليس التأويل بكونه آئلا إلى العدم على ما ذكرتم أولى من التأويل بكونه قابلا له وهذا منه إشارة إلى ما اتفق عليه أئمة العربية من كون اسم الفاعل ونحوه مجازا في الاستقبال وأنه لا بد من الاتصاف بالمعنى المشتق منه وإنما الخلاف في أنه هل يشترط بقاء ذلك المعنى وقد توهم صاحب التلخيص أنه كالمضارع مشترك بين الحال والاستقبال فاعترض بأن حمله على الاستقبال ليس تأويلا وصرفا عن الظاهر قال احتج الآخرون وهم القائلون بأن حشر الأجساد إنما هو بالجمع بعد التفريق لا بالإيجاد بعد الانعدام بوجوه الأول أنه لو عدمت الأجساد لما كان الجزاء واصلا إلى مستحقه واللازم باطل سمعا عندنا بالنصوص الواردة في أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وعقلا عند المعتزلة لما سبق من وجوب ثواب المطيع وعقاب العاصي بيان اللزوم أن المعاد لا يكون هو المبدأ بل مثله لامتناع إعادة المعدوم بعينه ورد بالمنع وقد مر بيان ضعف أدلته ولو سلم فلا يقوم على من يقول ببقاء الروح والأجزاء الأصلية وإعدام البواقي ثم إيجادها إن لم يكن الثاني هو الأول بعينه بل مغايرا له في صفة الابتداء والإعادة أو باعتبار آخر ولا شك أن العمدة في الاستحقاق هو الروح على ما مر وقد يقرر بأنها لو عدمت لما علم إيصال الجزاء إلى مستحقه لأنه لا يعلم أن ذلك المحشور هو الأول أعيد بعينه أم مثل له خلق على صفته إما على تقدير الفناء بالكلية فظاهر وإما على تقدير بقاء الروح والأجزاء الأصلية فلانعدام التركيب والهيئات والصفات التي بها تمايز المثلين سيما على قول من يجعل الروح أيضا من قبيل الأجسام واللازم منتف لأن الأدلة قائمة على وصول الجزاء إلى المستحق لا يقال لعل الله تعالى يحفظ الروح والأجزاء الأصلية عن التفرق والانحلال بل الحكمة يقتضي ذلك ليعلم وصول الحق إلى المستحق لأنا نقول المقصود إبطال رأي من يقول بفناء الأجساد بجميع الأجزاء بل أجسام العالم بأسرها ثم الإيحاد وقد حصل ولو سلم فقد علمت أن العمدة في الحشر هو الأجزاء الأصلية لا الفضلية وقد سلمتم أنها لا تفرق فضلا عن الانعدام بالكلية بل الجواب أن المعلوم بالأدلة هو أن الله يوصل الجزاء إلى المستحق ولا دلالة على أنا نعلم ذلك بالإيصال البتة وكفى بالله عليما ولو سلم فلعل الله يخلق علما ضروريا أو طريقا جليا جزئيا أو كليا
الثاني وهو للمعتزلة أن فعل الحكيم لا بد أن يكون لغرض لامتناع العبث عليه ولا يتصور له غرض في الإعدام إذ لا منفعة فيه لأحد لأنها إنما تكون مع الوجود بل الحياة وليس أيضا جزاء المستحق كالعذاب والسؤال والحساب ونحو ذلك وهذا ظاهر ورد بمنع انحصار الغرض في المنفعة والجزاء فلعل لله تعالى في ذلك حكما ومصالح لا يعلمها غيره على أن في الإخبار بالإعدام لطفا للمكلفين وإظهار الغاية العظمة والاستغناء والتفرد بالدوام والبقاء ثم الإعدام تحقيق لذلك وتصديق وقد يورد الوجهان على طريق تفريق الأجزاء أما الثاني فظاهر وأما الأول فلانعدام التأليف والهيئات التي بها التمايز فإما أن تمتنع الإعادة أو يلتبس المعاد بالمثل ويجاب بأنه يجوز أن لا تنعدم الصفات التي بها التمايز كاختصاص الجواهر بما لها من الجهات مثلا ولو سلم فالمستحق هو تلك الجواهر الموصوفة الباقية لا مجموع الجواهر والصفات والتعينات كما إذا جنى وهو شاب سمين سليم الأعضاء واقتص منه حين صار هرما عجيفا ساقط الأعضاء وعن الثاني بأن في التفريق منفعة الاعتبار وإمكان اللذة والألم على طريق الجزاء الثالث النصوص الدالة على كون النشور بالإحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق لا الإيجاد وبعد العدم كقوله تعالى وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية وكقوله تعالى أو كالذي مر على قرية إلى قوله ثم نكسوها لحما وكقوله كذلك النشور و كذلك تخرجون و كما بدأكم تعودون بعد ما ذكر بدأ الخلق من طين على وجه يرى ويشاهد مثل أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ( وكقوله تعالى يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش إلى غير ذلك من الآيات المشعرة بالتفريق دون الإعدام والجواب أنها لا تنفي الإعدام وإن لم تدل عليه وإنما سيقت بيانا لكيفية الإحياء بعد الموت والجمع بعد التفريق لأن السؤال وقع عن ذلك ولأنه أظهر في بادي النظر والشواهد عليه أكثر ثم هي معارضة بما سبق من الآيات المشعرة بالإعدام والفناء قال المبحث الخامس جمهور المسلمين على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافا لأبي هاشم والقاضي عبدالجبار ومن يجري مجراهما من المعتزلة حيث زعموا أنهما إنما يخلقان يوم الجزاء لنا وجهان الأول قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة ثم إخراجهما عنها بأكل الشجرة وكونهما يخصفان عليهما من ورق الجنة على ما نطق به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع قبل ظهور المخالفين وحملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين ثم لا قائل بخلق الجنة دون النار فثبوتها ثبوتها الثاني الآيات الصريحة في ذلك كقوله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وكقوله في حق الجنة أعدت للمتقين أعدت للذين آمنوا بالله ورسله وأزلفت الجنة للمتقين وفي حق النار أعدت للكافرين وبرزت الجحيم للغاوين وحملها على التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي مبالغة في تحققه مثل ونفخ في الصور ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار خلاف الظاهر فلا يعدل إليه بدون قرينة تمسك المنكرون بوجوه الأول أن خلقهما قبل يوم الجزاء عبث لا يليق بالحكيم وضعفه ظاهر الثاني أنهما لو خلقتا لهلكتا لقوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه واللازم باطل للإجماع على دوامهما وللنصوص الشاهدة بدوام أكل الجنة وظلها وأجيب بتخصيصها من آية الهلاك جمعا بين الأدلة ويحمل الهلاك على غير الفناء كما مر وبأن الدوام المجمع عليه هو أنه لا انقطاع لبقائهما ولا انتهاء لوجودهما بحيث لا يبقيان على العدم زمانا يعتد به كما في دوام المأكول فإنه على التجدد والانقضاء قطعا وهذا لا ينافي فناء لحظة
الثالث أنهما لو وجدتا الآن فإما في هذا العالم أو في عالم آخر وكلاهما باطل أما الأول فلأنه لا يتصور في أفلاكه لامتناع الحرق والالتيام عليها وحصول العنصريات فيها وهبوط آدم منها ولا في عنصرياته لأنها لا تسع جنة عرضها كعرض السماء والأرض ولأنه لا معنى للتناسخ إلا عود الأرواح إلى الأبدان مع بقائها في عالم العناصر وأما الثاني فلأنه لا بد في ذلك العالم أيضا من جهات مختلفة إنما تتحد بالمحيط والمركز فيكون كريا فلا يلاقي هذا العالم إلا بنقطة فيلزم بين العالمين خلاء وقد تبين استحالته ولأنه يشتمل لا محالة على عناصر لها فيه أحياز طبيعية فيكون لعنصر واحد حيزان طبيعيان ويلزم سكون كل عنصر في حيزه الذي في ذلك العالم لكونه طبيعيا له وحركته عنه إلى حيزه الذي في هذا العالم لكونه خارجا عنه واجتماع الحركة والسكون محال وإن لم يلزم الحركة والسكون فلا اقل من لزوم الميل إليه وعنه ولأنه لا محالة يكون في جهة من محدد هذا العالم والمحدد في جهة منه فيلزم تحدد الجهة قبله لا به مع لزوم الترجح بلا مرجح لاستواء الجهات والجواب أن مبني ذلك على أصول فلسفية غير مسلمة عندنا كاستحالة الخلاء وامتناع الخرق والالتيام ونفي القادر المختار الذي بقدرته وإرادته تحديد الجهات وترجيح المتساويات إلى غير ذلك من المقدمات على أن ما ادعوا تحدده بالمحيط والمركز إنما هو من جهة العلو والسفل لا غير ودليلهم على امتناع الخرق إنما قام في المحدد لا غير وكون العالمين في محيط منهما بمنزلة تدويرين في ثخن فلك لا يستلزم الخلاء ولا يمتنع كون عناصر العالمين مختلفة الطبايع ولا كون تحيزهما في أحد العالمين غير طبيعي وليس التناسخ عود الأرواح إلى أبدانها بل تعلقها ببدن آخر في هذا العالم لا يقال هذا الدليل لا يليق بالقائلين بوجود الجنة والنار يوم الجزاء لأنه على تقدير تمامه ينفي وجود جنة يدخلها الناس ويوجد فيها العنصريات لابتناء ذلك على خرق الأفلاك لأنا نقول على تقدير افناء هذا العالم بالكلية وإيجاد عالم آخر فيه الجنة والنار والإنسان وسائر العنصريات لا يلزم الخرق ولا غيره من المحالات فلذا خص هذا الدليل بنفي الجنة والنار مع وجود هذا العالم قال ( خاتمة ) لم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار والأكثرون على أن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرش تشبثا بقوله تعالى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وقوله عليه السلام سقف الجنة عرش الرحمن والنار تحت الأرضين السبع والحق تفويض ذلك إلى علم العليم الخبير قال المبحث السادس في سؤال القبر وعذابه اتفق الإسلاميون على حقية سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة قال بعض المتأخرين منهم حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق لنا الآيات كقوله تعالى في آل فرعون النار يعرضون عليها غدوا وعشيا أي قبل القيامة وذلك في القبر بدليل قوله تعالى ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وكقوله تعالى في قوم نوح أغرقوا فأدخلوا نارا والفاء للتعقيب وكقوله تعالى ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين وإحدى الحياتين ليست إلا في القبر ولا يكون إلا لأنموذج ثواب أو عقاب بالاتفاق وكقوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله والأحاديث المتواترة المعنى كقوله صلى الله عليه وسلم القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران وكما روي أنه عليه السلام مر بقبرين فقال إنهما ليعذبان الحديث وكالحديث المعروف في الملكين اللذين هما يدخلان القبر ومعهما مرزبتان فيسألان الميت عن ربه وعن دينه وعن نبيه إلى غير ذلك من الأخبار والآثار المسطورة في الكتب المشهورة وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذته من عذاب القبر واستفاض ذلك في الأدعية المأثورة تمسك المنكرون بالسمع والعقل أما السمع وهو للمعترفين بظواهر الشرايع فقوله تعالى لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ولو كان في القبر حياة ولا محالة يعقبها موت إذ لا خلاف في إحياء الحشر لكان لهم قبل دخول الجنة موتتان لا موتة واحدة فقط فإن قيل ما معنى هذا الاستثناء ومعلوم أن لا موت في الجنة أصلا ولو فرض فلا يتصور ذوق الموتة الأولى فيها قلنا هو منقطع أي لكن ذاقوا الموتة الأولى أو متصل على قصد المبالغة في عدم انقطاع نعيم الجنة بالموت بمنزلة تعليقه بالمحال أي لو أمكنت فيها موتة لكانت الموتة الأولى التي مضت وانقضت لكن ذلك محال فإن قيل وصف الموتة بالأولى يشعر بموتة ثانية وليست إلا بعد إحياء القبر فتكون الآية حجة على المتمسك لا له قلنا المراد بالأولى بالنسبة إلى ما يتوهم في الجنة ويقصد نفيها فإن قيل يجوز ألا يراد الواحد بالعدد بل المتحقق المقابل بهذا المتوهم على ما يتناول موتة الدنيا وموتة القبر قلنا يأباه بناء المرة وتاء الوحدة وكذا قوله تعالى وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ولو كان في القبر إحياء لكانت الإحياآت ثلاثة في الدنيا وفي القبر وفي الحشر وقوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور ولو كان في القبر إحياء لصح إسماع والجواب أن إثبات الواحد أو اثنين لا ينفي وجود الثاني أو الثالث على أن التعليق بأحد المحالين كاف في المبالغة وإثبات الإماتة والإحياء فكقوله تعالى ثم يميتكم ثم يحييكم يمكن حمله على جميع ما يقع بعد حياة الدنيا من الإماتة والإحياء في الدنيا وفي القبر والحشر إذ لا دلالة للفعل على المرة لكن ربما يقال أن في لفظ ثم الثانية بعض نبوة عن ذلك ثم الظاهر أن المراد الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة ولم يتعرض لما في القبر لخفاء أمره وضعف أثره على ما سيجيء فلا يصلح ذكره في معرض الدلالة على ثبوت الألوهية ووجوب الإيمان والتعجب والتعجيب من الكفر وأما في قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فالإماتتان في الدنيا وفي القبر وكذا الإحياآن وترك ما في الآخرة لأنه معاين وقيل بل ما في القبر وما في الحشر لأن المراد إحياء تعقبه معرفة ضرورية بالله واعتراف بالذنوب وأما قوله تعالى وما أنت بمسمع من في القبور فتمثيل لحال الكفرة بحال الموتى ولا نزاع في أن الميت لا يسمع وأما العقل فلأن اللذة والألم والمسئلة والتكلم ونحو ذلك لا يتصور بدون العلم والحياة ولا حياة مع فساد البنية وبطلان المزاج ولو سلم فإنا نرى الميت أو المقتول أو المصلوب يبقى مدة من غير تحرك وتكلم ولا أثر تلذذ أو تألم وربما يدفن في صندوق أو لحد ضيق لا يتصور فيه جلوسه على ما ورد في الخبر وربما يذر على صدره كف من الذرة فترى باقية على حالها بل ربما يأكله السباع أو تحرقه النار فيصير رمادا تذروه الرياح في المشارق والمغارب فكيف يعقل حياته وعذابه وسؤاله وجوابه وتجويز ذلك سفسطة وليس بأبعد من تجويز حياة سرير الميت وكلامه وتعذيب خشبة المصلوب واحتراقها ونحن نراها بحالها والجواب إجمالا أن جميع ما ذكرتم استبعادات لا تنفي الإمكان كسائر خوارق العادات وإذ قد أخبر الصادق بها لزم التصديق وتفصيلا أنا لا نسلم اشتراط الحياة بالبنية ولو سلم فيجوز أن يبقى من الأجزاء قدر ما يصلح بنية والتعذيب والمسئلة يجوز أن يكون للروح الذي هو أجسام لطيفة أو للأجزاء الأصلية الباقية فلا يمتنع أن لا يشاهده الناظر ولا أن يخفيه الله تعالى عن الإنس والجن لحكمة لا اطلاع لنا عليها ولا أن يتحقق مع كون الميت في بطون السباع ومن قال بالقادر المختار المحيي المميت لا يستبعد توسيع اللحد والصندوق ولا حفظ الذرة على صدر المتحرك والقول بأن تجويز أمثال ذلك يفضي إلى السفطسة إنما يصح فيما لم يقم عليه الدليل ولم يخبر به الصادق وأما ما يقول به الصالحية والكرامية من جواز التعذيب بدون الحياة لأنها ليست شرطا للإدراك وابن الراوندي من أن الحياة موجودة في كل ميت لأن الموت ليست ضدا للحياة بل هو آفة كلية معجزة عن الأفعال الاختيارية غير منافية للعلم فباطل لا يوافق أصول أهل الحق قال خاتمة اتفق أهل الحق على أن الله يعيد إلى الميت في القبر نوع حياة قدر ما يتألم ويتلذذ ويشهد بذلك الكتاب والأخبار والآثار ولكن توقفوا في أنه هل يعاد الروح إليه أم لا وما يتوهم من امتناع الحياة بدون الروح ممنوع وإنما ذلك في الحياة الكاملة التي يكون معها القدرة والأفعال الاختيارية وقد اتفقوا على أن الله تعالى لم يخلق في الميت القدرة والأفعال الاختيارية فلهذا لا يعرف حياته كمن أصابته سكتة ويشكل هذا بجوابه لمنكر ونكير على ما ورد في الحديث قال المبحث السابع في سائر السمعيات المتعلقة بأمر المعاد وجملة الأمر أنها أمور ممكنة نطق بها الكتاب والسنة وانعقد عليها إجماع الأمة فيكون القول بها حقا والتصديق بها واجبا فمنها المحاسبة المشار إليها بقوله تعالى إن الله سريع الحساب وبقوله عليه الصلاة والسلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وأهوالها هول الوقوف قيل ألف سنة وقيل خمسون ألفا وقيل أقل وقيل أكثر والله أعلم قال الله تعالى وقفوهم إنهم مسؤولون يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وهول تطاير الكتب قال الله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وقال وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا وهول المسئلة وقفوهم إنهم مسؤولون فوربك لنسألنهم أجمعين وهول شهادة الشهود العشرة الألسنة والأيدي والأرجل والسمع والأبصار والجلود والأرض والليل والنهار والحفظة الكرام قال الله تعالى يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقال شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقال عليه الصلاة والسلام ما من يوم وليلة يأتي على ابن آدم إلا قال أنا ليل جديد وأنا فيما يعمل في شهيد وكذا قال في اليوم وقال الله تعالى وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد وهول تغير الألوان قال الله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وقال وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة وهول المناداة بالسعادة أو الشقاوة وقال عليه السلام يكون عند كل كفة الميزان ملك فإذا ترجح كفة الخير نادى الملك الأول ألا إن فلانا سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبدا وإذا ترجح الكفة الأخرى نادى الملك الثاني ألا إن فلانا شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا والحكمة في هذه المحاسبة والأهوال مع أن المحاسب خبير والناقد بصير ظهور مراتب أرباب الكمال وفضايح أصحاب النقصان على رؤس الأشهاد زيادة في الذات هؤلاء ومسراتهم وآلام أولئك وأحزانهم ثم في هذا ترغيب في الحسنات وزجر عن السيئات وهل يظهر أثر هذه الأهوال في الأنبياء والأولياء والصلحاء والأتقياء فيه تردد والظاهر السلامة لقوله تعالى تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومنها الصراط وهو جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون أدق من الشعر وأحد من السيف على ما ورد في الحديث الصحيح ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد بورود كل أحد النار على ما قال تعالى وإن منكم إلا واردها وأنكره القاضي عبدالجبار وكثير من المعتزلة زعما منهم أنه لا يمكن الحظور عليه ولو أمكن ففيه تعذيب ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة قالوا بل المراد به طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى سيهديهم ويصلح بالهم وطريق النار المشار إليه بقوله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقيل المراد الأدلة الواضحة وقيل العبادات كالصلاة والزكاة ونحوهما وقيل الأعمال الردية التي يسأل عنها ويؤاخذ بها كأنه يمر عليها ويطول المرور بكثرتها ويقصر بقلتها والجواب أن إمكان العبور ظاهر كالمشي على الماء والطيران في الهواء غايته مخالفة العادة ثم الله تعالى يسهل الطريق على من أراد كما جاء في الحديث إن منهم من يمر كالبرق الخاطف ومنهم من يمر كالريح الهابة ومنهم من يمر كالجواد ومنهم من تخور رجلاه وتتعلق يداه ومنهم من يخر على وجهه ومنها الميزان قال الله تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقال فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ذهب كثير من المفسرين إلى أنه ميزان له كفتان ولسان وساقان عملا بالحقيقة لإمكانها وقد ورد في الحديث تفسيره بذلك وأنكره بعض المعتزلة ذهابا إلى أن الأعمال أعراض لا يمكن وزنها فكيف إذا زالت وتلاشت بل المراد به العدل الثابت في كل شيء ولذا ذكره بلفظ الجمع وإلا فالميزان المشهور واحد وقيل هو الإدراك فميزان الألوان البصر والأصوات السمع والطعوم الذوق وكذا سائر الحواس وميزان المعقولات العلم والعقل وأجيب بأنه يوزن صحايف الأعمال وقيل بل تجعل الحسنات أجساما نورانية والسيئات أجساما ظلمانية وأما لفظ الجمع فللاستعظام وقيل لكل مكلف ميزان وإنما الميزان الكبير واحد إظهارا لجلالة الأمر وعظمة المقام ومنها الحوض قال تعالى إنا أعطيناك الكوثر وفي الحديث حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه أكثر من نجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا وقال الصحابة له عليه السلام أين نطلبك يوم الحشر فقال على الصراط فإن لم تجدوا فعلى الميزان فإن لم تجدوا فعلى الحوض قال المبحث الثامن في تقرير مذهب الحكماء في الجنة والنار والثواب والعقاب أما القائلون بعالم المثل فيقولون بالجنة والنار وسائر ما ورد به الشرع من التفاصيل لكن في عالم المثل لا من جنس المحسوسات المحضة على ما يقول به الإسلاميون وأما الأكثرون فيجعلون ذلك من قبيل اللذات والآلام العقلية وذلك أن النفوس البشرية سواء جعلت أزلية كما هو رأي أفلاطون أو لا كما هو رأي أرسطو فهي أبدية عندهم لا تفنى بجراب البدن بل تبقى ملتذة بكمالاتها مبتهجة بإدراكاتها وذلك سعادتها وثوابها وجنانها على اختلاف المراتب وتفاوت الأحوال أو متألمة بفقد الكمالات وفساد الاعتقادات وذلك شقاوتها وعقابها ونيرانها على ما لها من اختلاف التفاصيل وإنما لم تتنبه لذلك في هذا العالم لاستغراقها في تدبير البدن وانغماسها في كدورات عالم الطبيعة لما بها من العلايق والعوايق الزايلة بمفارقة البدن فما ورد في لسان الشرع من تفاصيل الثواب والعقاب وما يتعلق بذلك من السمعيات فهي مجازات وعبارت عن تفاصيل أحوالها في السعادة والشقاوة واختلاف أحوالها في اللذات والآلالم والتدرج مما لها من دركات الشقاوة إلى درجات السعادة فإن الشقاوة السرمدية إنما هي الجهل المركب الراسخ والشرارة المضادة للملكة الفاضلة لا الجهل البسيط والأخلاق الخالية عن غايتي الفضل والشرارة فإن شقاوتها منقطعة بل ربما لا تقتضي الشقاوة أصلا وتفصيل ذلك أن فوات كمالات النفس يكون إما لأمر عدمي كنقصان غريزة العقل أو وجودي كوجود الأمور المضادة للكمالات وهي إما راسخة أو غير راسخة وكل واحد من الأقسام الثلاثة إما أن يكون بحسب القوة النظرية أو العملية يصير ستة فالذي بحسب نقصان الغريزة في القوتين معا فهو غير مجبور بعد الموت ولا عذاب بسببه أصلا والذي بسبب مضاد راسخ في القوة النظرية كالجهل المركب الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنها فغير مجبور أيضا لكن عذابه دايم وأما الثلاثة الباقية أعني النظرية غير الراسخة كاعتقادات العوام والمقلدة والعملية الراسخة وغير الراسخة كالأخلاق والملكات الردية المستحكمة وغير المستحكمة فيزول بعد الموت لعدم رسوخها أو لكونها هيئات مستفادة من الأفعال والأمزجة فيزول بزوالها لكنها تختلف في شدة الرداءة وضعفها وفي سرعة الزوال وبطئه فيختلف العذاب بها في الكم والكيف بحسب الاختلافين وهذا إذا عرفت النفس أن لها كمالا فإنها لاكتسابها ما يضاد الكمال أو لاشتغالها بما يصرفها عن اكتساب الكمال أو لتكاسلها في اقتناء الكمال وعدم اشتغالها بشيء من العلوم وأما النفوس السليمة الخالية عن الكمال وعما يضاده وعن الشوق إلى الكمال فتبقى في سعة من رحمة الله تعالى خالصة من البدن إلى سعادة تليق بها غير متألمة بما يتأذى به الأشقياء إلا أنه ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك فلا بد أن تتعلق بأجسام أخر لما أنها لا تدرك إلا بالآلات الجسمانية وحينئذ إما أن تصير مبادي صور لها وتكون نفوسا لها وهذا هو القول بالتناسخ وإما أن لا تصير وهذا هو الذي مال إليه ابن سينا والفارابي من أنها تتعلق بأجرام سماوية لا على أن تكون نفوسا لها مدبرة لأمورها بل على أن تستعملها لإمكان التخيل ثم تتخيل الصور التي كانت معتقدة عندها وفي وهمها فتشاهد الخيرات الأخروية على حسب ما تتخيلها قالوا ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة من غير أن يقارن مزاجا يقتضي فيضان نفس إنسانية ثم إن الحكماء وإن لم يثبتوا المعاد الجسماني والثواب والعقاب المحسوسين فلم ينكروها غاية الإنكار بل جعلوها من الممكنات لا على وجه إعادة المعدوم وجوزوا حمل الآيات الواردة فيها على ظواهرها وصرحوا بأن ذلك ليس مخالفا للأصول الحكمية والقواعد الفلسفية ولا مستبعد الوقوع في الحكمة الإلهية لأن للتبشير والإنذار نفعا ظاهرا في أمر نظام المعاش وصلاح المعاد ثم الإيفاء بذلك التبشير والإنذار بثواب المطيع وعقاب العاصي تأكيد لذلك وموجب لازدياد النفع فيكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين وإن كان ضرا في حق المعذب فيكون من جملة الخير الكثير الذي يلزمه شر قليل بمنزلة قطع العضو لإصلاح البدن قال المبحث التاسع الثواب فضل من الله تعالى والعقاب عدل من غير وجوب عليه ولا استحقاق من العبد خلافا للمعتزلة إلا أن الخلف في الوعد نقص لا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى فيثيب المطيع البتة إنجازا لوعده بخلاف الخلف في الوعيد فإنه فضل وكرم يجوز إسناده إليه فيجوز أن لا يعاقب العاصي ووافقنا في ذلك البصريون من المعتزلة وكثير من البغداديين ومعنى كون الثواب أو العقاب غير مستحق أنه ليس له حقا لازما يقبح تركه وأما الاستحقاق بمعنى ترتبهما على الأفعال والتروك وملايمة إضافتهما إليهما في مجاري العقول والعادات فمما لا نزاع فيه كيف وقد ورد بذلك الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى وأجمع السلف على أن كلا من فعل الواجب والمندوب ينتهض سببا للثواب ومن فعل الحرام وترك الواجب سببا للعقاب وبنوا أمر الترغيب في اكتساب الحسنات واجتناب السيئات على إفادتهما الثواب والعقاب لنا وجوه
الأول وهو العمدة ما مر أنه لا يجب على الله تعالى شيء لا الثواب على الطاعة ولا العقاب على المعصية الثاني أن طاعات العبد وإن كثرت لا تفي بشكر بعض ما أنعم الله عليه فكيف يتصور استحقاق عوض عليها ولو استحق العبد بشكره الواجب عوضا لاستحق الرب على ما يوليه من الثواب عوضا وكذا العبد على خدمته لسيده الذي يقوم بمؤنته وإزاحة علله والولد على خدمته لأبيه الذي يربيه وعلى مراعاته وتوخي مرضاته لا يقال لا يجوز أن تكون الطاعة شكرا للنعمة لأن العقلاء يستقبحون الإحسان إلى الغير لتكليفه الشكر ولأن الشكر يتصور بدون تكليف المشاق والمضار كشكر أهل الجنة فلا بد لتكليف المشاق من عوض ليخرج عن العبث لأنا نقول بعد تسليم قاعدة الحسن والقبح ولزوم العوض وقبح الإحسان لتكليف الشكر فوجوب الشكر على الإحسان لا يوجب كون الإحسان لأجله حتى يقبح وكون تكليف المشاق لغرض لا يوجب كونه لغرض ولو سلم لكفى بترتب التفضل عليه عوضا الثالث أنه لو وجب الثواب والعقاب بطريق الاستحقاق وترتب المسبب على السبب لزم أن يثاب من واظب طول عمره على الطاعات وارتد نعوذ بالله تعالى في آخر الحياة وأن يعاقب من أصر دهرا على كفره وتبرأ وأخلص الإيمان في آخر عمره ضرورة تحقق الوجوب والاستحقاق واللازم باطل بالاتفاق لا يقال يجوز أن يكون موت المطيع على الطاعة والعاصي على المعصية شرطا في استحقاق الثواب والعقاب على ما هو قاعدة الموافاة لأنا نقول لو كان كذلك لم يتحقق الاستحقاق أصلا لعدم الشرط عند تحقق العلة وانقضاء العلة عند تحقق الشرط احتج المخالف بوجوه الأول أن إلزام المشاق من غير منفعة مؤقتة تقابلها تكون ظلما والله منزه عن الظلم وتلك المنفعة هي الثواب ثم أن الفعل لا يجب عقلا لأجل تحصيل المنفعة وإلا لوجب النوافل وإنما يجب لدفع المضرة فلزم استحقاق العقاب بتركه ليحسن إيجابه ورد بعد تسليم لزوم الغرض بأنه يجوز أن يكون شكرا للنعم السابقة أو يكون الغرض أمرا آخر كحصول السرور بالمدح على أداء الواجب واحتمال المشاق في طاعة الخالق على أنه يجوز أن يكون إيجاب الواجبات بناء على أن لها وجه وجوب في أنفسها وما يقال من أنه لو كان كذلك لوجب على الله تعالى أن لا يجعلها شاقة علينا بأن يزيد في قوانا لأن وجه الوجوب لا يتوقف على كونها شاقة كرد الوديعة وترك الظلم يجب سواء كان شاقا أو لا فليس بشيء لجواز أن يكون وجوبها بهذا الوجه ولأن الوجوب وإن لم يتوقف على كونها شاقة لكن لم يكن منافيا لذلك فيجوز أن تجعل شاقة لغرض آخر الثاني أنه لو لم يجب الثواب والعقاب لأفضى ذلك إلى التواني في الطاعات والاجتراء على المعاصي لأن الطاعات مشاق ومخالفات للهوى لا تميل إليها إلا بعد القطع بلذات ومنافع تربى عليها والمعاصي شهوات ومستلذات لا ينزجر عنها النفس إلا مع القطع بآلام ومضار تترتب عليها ورد بأن شمول الوعد والوعيد للكل وغلبة ظن الوفاء بهما وكثرة الأخبار والآثار في ذلك كاف في الترغيب والترهيب ومجرد جواز الترك غير قادح
الثالث الآيات والأحاديث الواردة في تحقق الثواب والعقاب يوم الجزاء فلو لم يجب وجاز العدم لزم الخلف والكذب ورد بأن غايته الوقوع البتة وهو لا يستلزم الوجوب على الله والاستحقاق من العبد على ما هو المدعى هذا والمذهب جواز الخلف في الوعيد بأن لا يقع العذاب وحينئذ يتأكد الإشكال وسنتكلم عليه في بحث العفو إن شاء الله تعالى قال خاتمة في فروع للمعتزلة على استحقاق الثواب والعقاب منها أنهم بعد الاتفاق على أنه يستحق الثواب والمدح بفعل الواجب والمندوب وفعل ضد القبيح بشرط أن يكون فعل الواجب لوجوبه كالواجب المعين أو لوجه وجوبه كالواجب المخير وفعل المندوب لندبيته أو لوجه ندبيته وفعل ضد القبيح لكونه تركا للقبيح بأن يفعل المباح لكونه تركا للحرام ويستحق العذاب والذم بفعل القبيح اختلفوا في أنه هل يستحق المدح والثواب بالإخلال بالقبيح لكونه إخلالا به والذم والعقاب على الإخلال بالواجب فقال المتقدمون لا بل إنما يستحق المدح والثواب بفعل عند الإخلال بالقبيح هو ترك القبيح والذم والعقاب على فعل عند الإخلال بالواجب هو ترك الواجب لأن الإخلال عدمي لا يصلح علة للاستحقاق الوجودي ولأن كل أحد يخل كل لحظة بما لا يتناهى من القبايح وقال المتأخرون كأبي هاشم وأبي الحسين وعبدالجبار نعم للنصوص الصريحة في تعليل العقاب بعدم الإتيان بالواجب كقوله تعالى خذوه فغلوه إلى قوله إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين وكقوله حكاية ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ومنها أنه يجب اقتران الثواب بالتعظيم والعقاب بالإهانة للعلم الضروري باستتحقاقهما وقيل لأنه يحسن التفضل بالمنافع العظيمة ابتداء فإلزام المشاق والمضار لأجلها يكون عبثا بخلاف التعظيم فإنه لا يحسن التفضل به ابتداء من غير استحقاق كتعظيم البهائم والصبيان ومنها أنه يجب دوامهما لكونه لطفا أو يقرب المكلف إلى الطاعة ويبعده عن المعصية ولأن التفضل بالمنافع الدائمة حسن إجماعا فلا يحسن التكليف للثواب المنقطع الذي هو أدنى حالا ومنها أنه يجب خلوصهما عن الشوب لكونه أدخل في الترغيب والترهيب ولأنه واجب في العوض مع كونه أدنى حالا من الثواب لخلوه عن التعظيم فإن قيل ثواب أهل الجنة يشوبه شوق كل ذي مرتبة إلى ما فوقها ومشقة وجوب شكر المنعم وترك القبايح وعقاب أهل النار يشوبه ثواب ترك القبايح فيها أجيب بأن كل ذي مرتبة في الجنة يكون فرحا بما عنده لا يطلب الأعلى ويعد الشكر لذة وسرورا لا يحصى ويكون في شغل شاغل عن القبايح وذكرها والتألم بتركها وأهل النار لا يثابون لكونهم مضطرين إلى ترك القبايح ومنها اختلافهم في وقت استحقاق الثواب والعقاب فعند البصرية حالة الطاعة والمعصية وعند البغدادية في الآخرة وقيل في حال الاحترام وقيل وقت الفعل بشرط الموافاة وهو أن لا تحبط الطاعة والمعصية إلى الموت وليس لأحد تمسك يعول عليه سوى ما قيل بأن المدح والذم يثبتان حال الفعل فكذا الثواب والعقاب لكونهما من موجبات الفعل مثلهما وإنما حسن تأخير تمام الثواب إلى دار الآخرة لمانع وهو لزوم الجمع بين المتنافيين فإن من شرط الثواب الخلوص عن شوب المشاق ومن لوازم التكليف الشوب بها وتمسك الاخرون بالنصوص المقتضية لتأخير الأجزية وبلزوم الجمع بين المتنافيين كما ذكر ولا خفاء في أن ذلك لا ينافي ثبوت الاستحقاق في دارالتكليف والظاهر أن مراد الأولين ثبوت أصل الاستحقاق ومراد الآخرين وجوب الأداء وقال بعضهم الحق أن التكليف لا يجامع كل الجزاء للزوم المحال بخلاف البعض كتعظيم المؤمن ونصرته على الأعداء وكالحدود فإنه يجامع التكليف فلم يجب تأخيره قال المبحث العاشر أجمع المسلمون على خلود أهل الجنة في الجنة وخلود الكفار في النار فإن قيل القوى الجسمانية متناهية فلا تقبل خلود الحياة وأيضا الرطوبة التي هي مادة الحياة تفنى بالحرارة سيما حرارة نار الجحيم فتفضي إلى الفناء ضرورة وأيضا دوام الإحراق مع بقاء الحياة خروج عن قضية العقل قلنا هذه قواعد فلسفية غير مسلمة عند المليين ولا صحيحة عند القائلين بإسناد الحوادث إلى القادر المختار وعلى تقدير تناهي القوى وزوال الحياة يجوز أن يخلق الله البدل فيدوم الثواب والعقاب قال الله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب هذا حكم الكافر الجاهل المعاند وكذا من بالغ في الطلب والنظر واستفراغ المجهود ولم ينل المقصود خلافا للجاحظ والعنبري حيث زعما أنه معذور إذ لا يليق بحكمة الحكيم أن يعذبه مع بذل الجهد والطاقة من غير جرم وتقصير كيف وقد قال الله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا شك أن عجز المتخير أشد وهذا الفرق خرق للإجماع وترك للنصوص الواردة في هذا الباب هذا في حق الكفار عنادا واعتقادا وأما الكفار حكما كأطفال المشركين فكذلك عند الأكثرين لدخولهم في العمومات ولما روي أن خديجة رضي الله عنها سألت النبي عليه السلام عن أطفالها الذين ماتوا في الجاهلية فقال هم في النار وقالت المعتزلة ومن تبعهم لا يعذبون بل هم خدم أهل الجنة على ما ورد في الحديث لأن تعذيب من لا جرم له ظلم ولقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون ونحو ذلك وقيل من علم الله تعالى منه الإيمان والطاعة على تقدير البلوغ ففي الجنة ومن علم منه الكفر والعصيان ففي النار واختلف أهل الإسلام فيمن ارتكب الكبيرة من المؤمنين ومات قبل التوبة فالمذهب عندنا عدم القطع بالعفو ولا بالعقاب بل كلاهما في مشيئة الله تعالى لكن على تقدير التعذيب نقطع بأنه لا يخلد في النار بل يخرج البتة لا بطريق الوجوب على الله تعالى بل بمقتضى ما سبق من الوعد وثبت بالدليل كتخليد أهل الجنة وعند المعتزلة القطع بالعذاب الدايم من غير عفو ولا إخراج من النار ويعبر عن هذا بمسئلة وعيد الفساق وعقوبة العصاة وانقطاع عذاب أهل الكبائر ونحو ذلك وليس في مسئلة الاستحقاق ووجوب العقاب غنى عن ذلك لأن التخليد أمر زايد على التعذيب ولا في مسئلة العفو لأنه بطريق الاحتمال دون القطع ولأنه شاع في ترك العقاب بالكلية وهذا قطع بالخروج بعد الدخول وما وقع في كلام البعض من أن صاحب الكبيرة عند المعتزلة ليس في الجنة ولا في النار فغلط نشأ من قولهم أن له المنزلة بين المنزلتين أي حالة غير الإيمان والكفر وأما ما ذهب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المرجئة من أن عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلا وإنما النار للكفار تمسكا بالآيات الدالة على اختصاص العذاب بالكفار مثل إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين فجوابه تخصيص ذلك بعذاب لا يكون على سبيل الخلود وأما تمسكهم بمثل قوله عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق فضعيف لأنه إنما ينفي الخلود لا الدخول لنا وجوه
الأول وهو العمدة الآيات والأحاديث الدلالة على أن المؤمنين يدخلون الجنة البتة وليس ذلك قبل دخول النار وفاقا فتعين أن يكون بعده وهو مسئلة انقطاع العذاب أو بدونه وهو مسئلة العفو التام قال الله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون وقال النبي عليه السلام من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وقال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق الثاني النصوص المشعرة بالخروج من النار كقوله تعالى النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وكقوله عليه السلام يخرج من النار قوم بعدما امتحشوا وصاروا فحما وحميما فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل وخبر الواحد وإن لم يكن حجة في الأصول لكن يفيد التأييد والتأكيد بتعاضد النصوص الثالث وهو على قاعدة الاعتزال أن من واظب على الإيمان والعمل الصالح مائة سنة وصدر عنه في أثناء ذلك أو بعده جريمة واحدة كشرب جرعة من الخمر فلا يحسن من الحكيم أن يعذبه على ذلك أبد الآباد ولو لم يكن هذا ظلما فلا ظلم أو لم يستحق بهذا ذما فلا ذم الرابع أن المعصية متناهية زمانا وهو ظاهر وقدرا لما يوجد من معصية أشد منها فجزاؤها يجب أن يكون متناهيا تحقيقا لقاعدة العدل بخلاف الكفر فإنه لا يتناهى قدرا وإن تناهى زمانه وأما التمسك بأن الخلود في النار أشد العذاب وقد جعل جزاء لأشد الجنايات وهو الكفر فلا يصح جعله جزاء بما هو دونه كالمعاصي فربما يدفع بتفاوت مراتب العذاب في الشدة وإن تساوت في عدم الانقطاع الخامس أنه استحق الثواب بالإيمان والطاعات عقلا عندكم ووعدا عندنا ولا يزول ذلك الاستحقاق بارتكاب الكبيرة لما سيجيء فيكون لزوم اتصال الثواب إليه بحالة وما ذاك إلا بالخروج من النار والدخول في الجنة وهو المطلوب واحتجت المعتزلة بوجوه الأول الآيات الدالة على الخلود المتناولة للكافر وغيره كقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها وقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وقوله وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ومثل هذا مسوق للتأييد ونفي الخروج وقوله وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين وعدم الغيبة عن النار خلود فيها وقوله ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وليس المراد تعدي جميع الحدود بارتكاب الكبائر كلها تركا وإتيانا فإنه محال لما بين البعض من التضاد كاليهودية والنصرانية والمجوسية فيحمل على مورد الآية من حدود المواريث وقوله بلا من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والجواب بعد تسليم كون الصيغ للعموم أن العموم غير مراد في الآية الأولى للقطع بخروج التائب وأصحاب الصغائر وصاحب الكبيرة الغير المنصوصة إذا أتى بعدها بطاعات يربى ثوابها على عقوباته فليكن مرتكب الكبيرة من المؤمنين أيضا خارجا بما سبق من الآيات والأدلة وبالجلمة فالعام المخرج منه البعض لا يفيد القطع وفاقا ولو سلم فلا نسلم تأبيد الاستحقاق بل هو مغيا بغاية رؤية الوعيد لقوله بعده حتى إذا رأوا ما يوعدون ولو سلم فغايته الدلالة على استحقاق العذاب المؤبد لا على الوقوع كما هو المتنازع لجواز الخروج بالعفو وما يقال من أنا لا نسلم كون حتى للغاية بل هي ابتدائية ولو سلم فغاية لقوله يكونون عليه لبدا أو لمحذوف أي يكونون على ما هم عليه حتى يروا فخارج عن قانون التوجيه وكذا ما يقال أنه لما ثبت الاستحقاق المؤبد جزما وهو مختلف فيه حصل إلزام الخصم ولم يثبت العفو والخروج بالشك وعن الثانية بأن معنى متعمدا مستحلا فعله على ما ذكره ابن عباس رضي الله تعالى عنه إذ التعمد على الحقيقة إنما يكون من المستحل أو بأن التعليق بالوصف يشعر بالحيثية فيخص بمن قتل المؤمن لإيمانه أو بأن الخلود وإن كان ظاهرا في الدوام والمراد ههنا المكث الطويل جمعا بين الأدلة لا يقال الخلود حقيقة في التأبيد لتبادر الفهم إليه ولقوله تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ولأنه يؤكد بلفظ التأبيد مثل خالدين فيها أبدا وتأكيد الشيء تقوية لمدلوله ولأن العمومات المقرونة بالخلود متناولة للكفار والمراد في حقهم التأبيد وفاقا فكذا في حق الفساق لئلا يلزم إرادة معنيي المشترك أو المعنى الحقيقي والمجازي معا لأنا نقول لا كلام في أن المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق والشايع في الاستعمال هو الدوام لكن قد يستعمل في المكث الطويل المنقطع كسجن مخلد ووقف مخلد فيكون محتملا على أن في جعله لمطلق المكث الطويل نفيا للمجاز والاشتراك فيكون أولى ثم أن المكث الطويل سواء جعل معنى حقيقيا أو مجازيا أعم من أيكون مع دوام كما في حق الكفار أو انقطاع كما في حق الفساق فلا محذور في إرادتهم جميعا وح فلا نسلم أن التأبيد تأكيد بل تقييد ولو سلم فالمراد به تأكيد لطول المكث إذ قد يقال حبس مؤبد ووقف مؤبد وعن الثالثة بأنها في حق الكافرين المنكرين للحشر بقرينة قوله ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون مع ما في دلالتها على الخلود من المناقشة الظاهرة لجواز أن يخرجوا عند عدم إرادتهم الخروج بالبأس أو الذهول أو نحو ذلك وعن الرابعة بعد تسليم إفادتها النفي عن كل فرد ودلالتها على دوام عدم الغيبة إنما يخص بالكفار جمعا بين الأدلة وكذا الخامسة والسادسة حملا للحدود على حدود الإسلام ولإحاطة الخطيئة على غلبتها بحيث لا يبقى معها الإيمان هذا مع ما في الخلود من الاحتمال الثاني أن الفاسق لو دخل الجنة لكان باستحقاق لامتناع دخول غير المستحق كالكافر واللازم منتف لبطلان الاستحقاق بالإحباط أو الموازنة على ما سيجيء ورد بمنع المقدمتين بل إنما يدخل بفضل الله ورحمته ووعده ومغفرته وسنتكلم على الإحباط والموازنة
الثالث لو انقطع عذاب الفاسق لانقطع عذاب الكافر قياسا عليه بجامع تناهي المعصية ورد بمنع غلبة التناهي ومنع تناهي الكفر قدرا ومنع اعتبار القياس في مقابلة النص والإجماع وفي الاعتقادات
الرابع أن الوعيد بالعقاب الدائم لطف بالعباد لكونه أزجر عن المعاصي فإن منهم من لا يكترث بالعذاب المنقطع عند الميل إلى المستلذات ثم لا بد من تحقيق الوعيد تصديقا للخبر وصونا للقول عن التبديل ورد بمنع وجوب اللطف ومنع انحصاره في الدوام فإن من لا يكترث باللبث في الجحيم أحقابا قلما يستكثر الخلود فيها عقابا وإذ قد كان كل وعيد لطفا ولا شيء من الوعيد يطلق للكل فليكن لطف الخلود في النار مختصا بالكفار وكفى بوعيد النيران بل وعد الجنان لطفا ومزجرة لأهل الإيمان ولو وجب ما هو الغاية في اللطف والزجر لما صح الاكتفاء بوعيد الخلود في النار لإمكان المزيد قال المبحث الحادي عشر لا خلاف في أن من آمن بعد الكفر والمعاصي فهو من أهل الجنة بمنزلة من لا معصية له ومن كفر نعوذ بالله بعد الإيمان والعمل الصالح فهو من أهل النار بمنزلة من لا حسنة له وإنما الكلام فيمن آمن وعمل صالحا وآخر سيئا واستمر على الطاعات والكباير كما يشاهد من الناس فعندنا مآله إلى الجنة ولو بعد النار واستحقاقه للثواب والعقاب بمقتضى الوعد والوعيد ثابت من غير حبوط والمشهور من مذهب المعتزلة أنه من أهل الخلود في النار إذا مات قبل التوبة فأشكل عليهم الأمر في إيمانه وطاعته وما ثبت من استحقاقاته أين طارت وكيف زالت فقالوا بحبوط الطاعات ومالوا إلى أن السيئات يذهبن الحسنات حتى ذهب الجمهور منهم إلى أن الكبيرة الواحدة تحبط ثواب جميع العبادات وفساده ظاهر أما سمعا فللنصوص الدالة على أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا وأما عقلا فللقطع بأنه لا يحسن من الحكيم الكريم إبطال ثواب إيمان العبد ومواظبته على الطاعات طول العمر يتناول لقمة من الربا وجرعة من الخمر بمنزلة من خدم كريما مائة سنة حق الخدمة ثم بدت منه مخالفة أمر من أوامره فهل يحسن رفض حقوق تلك الخدمات ونقض ما عهد ووعد من الحسنات وتعذيبه عذاب من واظب مدة الحياة على المخالفة والمعاداة وأيضا استحقاق الثواب على الطاعة عندهم إنما هو لكونها حسنة وامتثالا لأمر الباري وهذا متحقق مع الكبيرة فيتحقق أثره وأيضا لو كانت الكبيرة محبطة لثواب الطاعة لكانت منافية لصحتها بمنزلة الردة قالوا استحقاق الثواب والعقاب متنافيان لا يجتمعان لأن الثواب منفعة خالصة دائمة مع التعظيم والعقاب مضرة خالصة دائمة مع الإهانة قلنا لا نسلم لزوم قيد الخلوص والدوام سيما في جانب العقاب وح لا يتنافي الثواب والعقاب بأن يعاقب حينا ثم يثاب ولو سلم فلا يلزم تنافي الاستحقاقين بأن يستحق المنفعة الدائمة من جهة الطاعة والمضرة الدائمة من جهة المعصية ولو سلم فليس إبطال الحسنة بالسيئة أولى من العكس كيف وقد قال الله أن الحسنات يذهبن السيئات وحكم بأن السيئة لا تجزى إلا بمثلها والحسنة تجزى بعشر أمثالها إلى سبعمائة وأكثر قالوا الإحباط مصرح في التنزيل كقوله تعالى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم أولئك حبطت أعمالهم و لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى قلنا لا بالمعنى الذي قصدتم بل بمعنى أن من عمل عملا صالحا استحق به الذم وكان يمكنه أن يعمله على وجه يستحق به المدح والثواب يقال أنه أحبط عمله كالصدقة مع المن والأذى وبدونهما وأما إحباط الطاعات بالكفر بمعنى أنه لا يثاب عليها البتة فليس من المتنازع في شيء وحين تنبه أبو علي وأبو هاشم لفساد هذا الرأي رجعا عن التمادي بعض الرجوع فقالا إن المعاصي إنما تحبط بالطاعات إذا أذنب عليها وإن إذنب الطاعات أحبطت المعاصي ثم ليس النظر إلى أعداد الطاعات والمعاصي بل إلى مقادير الأوزار والأجور فرب كبيرة يغلب وزرها أجور طاعات كثيرة ولا سبيل إلى ضبط ذلك بل هو مفوض إلى علم الله ثم افترقا فزعم أبو علي أن الأقل يسقط ولا يسقط من الأكثر شيئا وسقوط الأقل يكون عقابا إذا كان الساقط ثوابا وثوابا إذا كان الساقط عقابا وهذا هو الإحباط المحض وقال أبو هاشم الأقل يسقط ويسقط من الأكثر ما يقابله مثلا من له مائة جزء من العقاب واكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط عنه العقاب ومائة جزء من الثواب بمقابلته ويبقى له تسعمائة جزء من الثواب ومن له مائة جزء من الثواب واكتسب ألفا من العقاب سقط ثوابه ومائة جزء من عقابه وهذا هو القول بالموازنة لا ما قال في المواقف أنه يوازن بين الطاعات والمعاصي فأيهما رجح أحبط الآخر واختلفت كلمتهم في أن الإحباط والموازنة بين الفعلين أعني الطاعة والمعصية أو المستحقين أعني الثواب والعقاب أو الاستحقاقين مال الجبائي إلى الأول وأبو هاشم إلى الثاني وهو المختار عند الأكثرين وبالجملة لا يخفى على أحد أن القول بما ذهبا إليه من الإحباط والموازنة لا يصح إلا بنص من الشارع صريح ونقل صحيح واستدل الإمام الرازي على بطلانه بأن الأكثر إذا أحبط الأقل فإن لم يحبط منه شيء كما هو رأي أبي علي صارت الطاعة السابقة لغوا محضا لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا وهو باطل إما عقلا فلكونه ظلما ولأنه ليس انتفاء الباقي بطريان الحادث أولى من اندفاع الحادث بوجوه الباقي وأما سمعا فكقوله تعالى فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره وغير ذلك وإن حبط من الأكثر ما يوازن الأقل كما هو رأي أبي هاشم فباطل أيضا أما أولا فلأنهما لما كانا متنافيين كان طريان الحادث مشروطا بزوال السابق فلو كان زواله لأجل طريان الحادث لزم الدور وأما ثانيا فلأن تأثير ذلك الاستحقاق القليل في بعض أجزاء الكثير ليس أولى من تأثيره في الباقي لكون الأجزاء متساوية وحينئذ يلزم أن يفنى بذلك القليل كل ذلك الكثير وهو باطل وفاقا وهذا ما قال في المحصل أنه إذا استحق بالطاعة عشرة أجزاء من الثواب وبالمعصية خمسة أجزاء من العقاب فليس انتفاء استحقاق إحدى الخمستين أولى من انتفاء استحقاق الخمسة الأخرى ليتساوى أجزاء الثواب واستحقاقاتها وأما ثالثا فلأن زوال كل من الاستحقاقين بالآخر إما أن يكون دفعة وهو محال لأنه إذا كان عدم كل منهما لوجود الآخر فلو عدما دفعة لوجدا دفعة لكن العلة موجودة حال حدوث المعلول فيلزم كونهما موجودين حال كونهما معدومين هف وأما أن لا يكون دفعة وهو أيضا باطل لأنه إذا كان سبب زوال الأول حدوث الثاني فما لم يوجد الثاني لا يزول الأول وإذا وجد الثاني وزال الأول استحاله زوال الثاني لأنه لا مزيل له لأن التقدير أن كلا منهما إنما يزول بالآخر وهذا ما يقال أن الثاني كان قاصرا عن الغلبة حين مالم يكن مغلوبا فكيف إذا صار مغلوبا واعترض بوجوه
الأول أن الطاري أقوى وبالبقاء أولى لكونه مقارنا لمؤثره الذي يوجده بخلاف السابق فإنه وإن كان موجودا لكن لم يبق معه مؤثره فإذا يجوز على الإحباط أن يفنى السابق بالطاري ويبقى هو بحاله وعلى الموازنة أن يفنى من الطاري ما يقابل السابق ثم يفنى السابق بما بقي من الطاري والجواب المنع بل السابق لاستمرار وجوده وتحقق علة بقائه أقوى وأبقى والطاري لقربه من العدم وعدم تحقق علة بقائه بالفناء أولى على أن الدفع أهون من الرفع ثم هذا على تقدير صحته إنما يتأتى فيما إذا كان الأكثر طاريا بخلاف ما إذا استحق بالطاعة ثوابا كثيرا أو بالمعصية عقابا أقل أو بالعكس الثاني أنه يجوز أن يكون التوقف فيما بين طريان الحادث وزوال السابق توقف معية لا تقدم ليلزم الدور المحال والجواب أن الكلام إنما هو على تقدير جعل طريان الحادث هو السبب في زوال السابق فيتقدمه بالذات ضرورة وهو ينافي اشتراطه به لاستلزامه تأخره عنه بالذات الثالث أن الاستحقاقات ليست أمورا متمايزة بحسب الخارج بمنزلة ما إذا كان لك عند أحد خمستان وديعة فيمكن تسليم هذه أو تلك بل بحسب الذهن فقط بمنزلة ما إذا كان لك عليه خمستان دينا فلا يكون تسليم خمسة أو الإبراء عنها أو مقاصتها بخمسة له عليك إلا إبراء عن النصف وبما ذكرنا من حمل كلام المحصل على ما نقلنا من تقرير نهاية العقول يظهر أن ليس مقصود الإمام ما فهمه المعترض فإن معناه أن الاستحقاقات لما كانت متساوية فالاستحقاق القليل كما يزيل ما يقابله من الكثير كذلك يزيل الباقي لأن حكم المتساويات واحد بل الاعتراض أن تساوي الاستحقاقات لا يوجب إلا جواز زوال كل بما يزول به الآخر لا زوال الكل بما يزول به البعض الرابع أما الطاعات والمعاصي مثبتة عند الحفظة وفي صحايف الكتبة فالطاعات تبطل استحقاق العقاب بالمعاصي والمعاصي تبطل استحقاق الثواب بالطاعات من غير لزوم محال والجواب أن المقصود بيان امتناع زوال أحد الاستحقاقين والمستحقين أعني الثواب والعقاب بالآخر على ما هو المذهب في الإحباط والموازنة وبهذا يندفع اعتراض خامس وهو أنه يجوز أن لا يؤثر أحدهما في عدم الآخر لكن يتمانعان في ظهور حكمهما فيظهر حكم الزيادة فقط
السادس أنه يجوز أن يؤثر الطاري في عدم السابق بشرط أن يسقط من الطاري مثل السابق من غير لزوم محذور والجواب أنه يعود الكلام في سقوط ذلك القدر من الطاري ويلزم المحذور نعم يتجه على الوجه الأخير أنه لو جعل زوال كل من الاستحقاقين بالآخر بأن يزيل جزء من هذا جزأ من ذلك وبالعكس إلى أن يفنى الأقل بالكلية ويبقى من الأكثر القدر الزائد لم يلزم شيء من المحالات لأنه يكون مزيلا للجزء الأخير من الأقل إلا أن الإمام إنما أورد هذا البرهان فيما إذا استحق المكلف عشرة أجزاء من الثواب ثم فعل معصية استحق بها عشرة أجزاء من العقاب فلا يرد عليه هذا لكن يتجه أن البيان يختص بما إذا تساوى الاستحقاقات والمعتزلة اضطربوا في مثله وزعم أبو هاشم أنه لا يجوز وقوع ذلك لأن المكلف إما في الجنة أو في النار وأجيب بأنه يجوز أن يرجح جانب الثواب فينزل برحمة الله تعالى منزل الكرامة ويحل بفضله دار المقامة أو يجمع بين الثواب والعقاب من غير خلوص أحدهما أو لا يثاب ولا يعاقب ويكون من أصحاب الأعراف على ما ورد في الحديث ويمكن دفع استدلال الإمام بأن الاستحقاق اعتبار شرعي ليس له تأثير وتأثر حقيقي وفناء بعد وجود بل معنى إحباط الطاعة أو استحقاق الثواب أن الله تعالى لا يثيب عليها ومعنى الموازنة أنه لا يثيب عليها ولا يعاقب على المعصية بقدرها من غير أن يتحقق في الخارج استحقاقات بينها منافاة ومفاناة وأما الثواب والعقاب فلا وجود لهما إلا في الآخرة وحينئذ لا اجتماع بينهما ولا اندفاع بل ذلك إلى حكم الله ومشيئته على وفق حكمته والأقرب ما قال إمام الحرمين أنه ليس بإزاء معرفة الله تعالى كبيرة يرى وزرها على أجرها فكان من حقهم أن يدرؤا بها جميع الكبائر فإذا لم يفعلوا ذلك بطل هذيانهم بتغالب الأعمال وسقوط أقلها بأكثرها ومما يجب التنبيه له أنه لا فرق عندهم بين أن يكون المعاصي طارية على الطاعات أو سابقة عليها أو متخللة بينهما وأن ما يوهم به كلام البعض من اختصاص الحكم بما إذا كانت الكبيرة طارية ليس بشيء قال المبحث الثاني عشر اتفقت الأمة ونطق الكتاب والسنة بأن الله تعالى عفو غفور يعفو عن الصغاير مطلقا وعن الكباير بعد التوبة ولا يعفو عن الكفر قطعا وإن جاز عقلا ومنع بعضهم الجواز العقلي أيضا لأنه مخالف لحكمة التفرقة بين من أحسن غاية الإحسان ومن أساء غاية الإساءة وضعفه ظاهر واختلفوا في العفو عن الكباير بدون التوبة فجوزه الأصحاب بل أثبتوه خلافا للمعتزلة حيث منعوه سمعا وإن جاز عقلا عند الأكثرين منهم حتى صرح بعض المتأخرين منهم بأن القول بعدم حسن العفو عن المستحق للعقاب عقلا قول أبي القاسم الكعبي لنا على الجواز أن العقاب حقه فيحسن إسقاطه مع أن فيه نفعا للعبد من غير ضرر لأحد وعلى الوقوع الآيات والأحاديث الناطقة بالعفو والغفران وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير إن الله يغفر الذنوب جميعا إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وفي الأحاديث كثرة ومعنى العفو والغفران ترك عقوبة المجرم والستر عليه بعدم المؤاخذة لا يقال يجوز حمل النصوص على العفو عن الصغاير أو عن الكباير بعد التوبة أو على تأخير العقوبات المستحقة أو على عدم شرع الحدود في عامة المعاصي أو على ترك وضع إلا صار عليهم من التكاليف المهلكة كما على الأمم السالفة أو على ترك ما فعل ببعض الأمم من المسخ وكتبة الآثام على الجباه ونحو ذلك بما يفضحهم في الدنيا لأنا نقول هذا مع كونه عدولا عن الظاهر بلا دليل وتقييد للإطلاق بلا قرينة وتخصيصا للعام بلا مخصص ومخالفة لا لأقاويل من يعتد به من المفسرين بلا ضرورة وتفريقا بين الآيات والأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى بلا فارق مما لا يكاد يصح في بعض الآيات كقوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية فإن المغفرة بالتوبة تعم الشرك وما دونه فلا تصح التفرقة بإثباتها لما دونه وكذا تعم كل أحد من العصاة فلا تلائم التعليق بمن يشاء المفيد للبعضية وكذا مغفرة الصغاير على أن في تخصيصها إخلالا بالمقصود أعني تهويل شأن الشرك ببلوغه النهاية في القبح بحيث لا يغفر ويغفر جميع ما سواه ولو كبيرة في الغاية وأما باقي المعاني المذكورة فربما يكون في الشرك أقوى على مالا يخفى فلا معنى للنفي والمشهور في إبطال تقييدهم المغفرة بما بعد التوبة أن قبول التوبة وترك العقاب بعدها واجب عندهم فلا يتعلق بالمشيئة واعترض بأن ترك العقاب على الكبيرة بعد التوبة ليس واجبا كثواب المطيع بل بمقتضى الوعد بمعنى أنه واجب أن يكون كما هو المذهب عندكم ووعده بذلك ووفاؤه بما وعد هو المغفرة والعفو ولو سلم ففعل الله تعالى وإن كان واجبا عليه يكون بمشيئته وإرادته فيصح تعليقه بها والجواب أن المذهب عندهم على ما صرحوا به في كتبهم هو أن العقاب بعد التوبة ظلم يجب على الله تركه ولا يجوز فعله ثم الواجب وإن كان فعله بالإرادة والمشيئة لا يحسن في الإطلاق تعليقه بالمشيئة كقضاء الدين والوفاء بالنذر لأنه إنما يحسن فيما يكون له الخيرة في الفعل والترك على أنك إذا تحققت فليس هذا مجرد تعليق بالمشيئة بمنزلة قولك يغفر ما دونه إن شاء بل تقييدا للمغفور له بمنزلة قولك يغفر لمن يشاء دون من لا يشاء وهذا لا يكون في الواجب البتة بل في المتفضل به كقولك الأمير يخلع على من يشاء بمعنى أنه يفعل ذلك لكن بالنسبة إلى البعض دون البعض وبهذا يندفع إشكال آخر وهو أن المغفرة معلقة بالمشيئة فلا يدل على الوقوع لعدم العلم بوقوع المشيئة بل على مجرد الجواز وليس المتنازع وقد يدفع بأنه لا بد من وقوع المشيئة ليتحقق الفرق بين الشرك وما دونه على ما هو مقصود سوق الآية وهذا الدفع إنما يتم على رأي من يجعل التفرقة بينهما بوقوع العفو ولا وقوعه ويجعل العفو عن الكفر جايزا غير واقع وعليه الأشاعرة وكثير من المتكلمين قال للمانعين عقلا تمسكت الوعيدية القائلون بعدم جواز العفو عن الكبائر عقلا وهم البلخي وأتباعه بأنه إغراء على القبيح لأن المكلف يتكل على العفو ويرتكب القبايح وهذا قبيح يمتنع إسناده إلى الله تعالى وأجيب بعد تسليم قاعدة الحسن والقبح العقليين بأن مجرد احتمال العقوبة يصلح زاجرا للعاقل عن ارتكاب الباطل فكيف مع الآيات القاطعة بالعذاب والوعيدات الشايعة في ذلك الباب فكيف يكون احتمال تركها بل وقوعه في الجملة وبالنسبة إلى من لا يعلمه إلا الله مظنة للإغراء ومفضية إلى الاجتراء ألا ترى أن قبول التوبة مع وجوبه عندكم وعزم كل أحد عليها غالبا ليس بإغراء والتردد في نيل توفيقها لا يزيد على التردد في نيل كرامة العفو قال قيل ترك العفو أدعى إلى الطاعة فيكون لطفا فيجب فيمتنع العفو قلنا منقوض بقبول التوبة وتأخير العقوبة وإن ادعى وجه مفسدة في تركهما منعنا انتفاءه في ترك العفو فإن في العفو لطفا بالعبد في تأدية وظيفة مزيد الثناء على الله تعالى بالعفو والكرم والرأفة قال وسمعا تمسك القائلون بجواز العفو عقلا وامتناعه سمعا وهم البصريون من المعتزلة وبعض البغدادية بالنصوص الواردة في وعيد الفساق وأصحاب الكبائر إما بالخصوص كقوله تعالى في أكل أموال الناس ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وفي التولي عن الزحف ومأواه جهنم وبئس المصير وفي تعدي حدود المواريث يدخله نارا خالدا فيها ) وإما بالدخول في العمومات المذكورة في بحث الخلود وإذا تحقق الوعيد فلو تحقق العفو وترك العقوبة بالنار لزم الخلف في الوعيد والكذب في الأخبار واللازم باطل فكذا الملزوم وأجيب بأنهم داخلون في عمومات الوعد بالثواب ودخول الجنة على ما مر والخلف في الوعد لوم لا يليق بالكريم وفاقا بخلاف الخلف في الوعيد فإنه ربما يعد كرما والقول بالإحباط وبطلان استحقاق الثواب بالمعصية فاسد كما مر فكيف كان ترك عقابهم بالنار خلفا مذموما ولم يكن ترك ثوابهم بالجنة كذلك والدفع بأنه لو صح أن يخلف الوعيد لصح أن يسمى مخلفا ليس بشيء لأن كثيرا من أفعاله بهذه الحيثية أعني لا يصح إطلاق اسم الفاعل ههنا عليه لإيهام النقص كما أنه يتكلم بالمجاز ولا يسمى متجوزا وكذا لا يسمى ماكرا ومستهزئا ونحو ذلك بل مع أنه ينجز وعد الثواب لا يسمى منجزا نعم لزوم الكذب في إخبار الله تعالى مع الإجماع على بطلانه ولزوم تبديل القول مع النص الدال على انتفائه مشكل فالجواب الحق أن من تحقق العفو في حقه يكون خارجا عن عموم اللفظ بمنزلة الثابت فإن قيل صيغة العموم المتعرية عن دليل الخصوص تدل على إرادة كل فرد مما يتناوله اللفظ بمنزلة التنصيص عليه باسمه الخاص فإخراج البعض بدليل متراخ يكون نسخا وهو لا يجري في الخبر للزوم الكذب وإنما التخصيص هو الدلالة على أن المخصوص غير داخل في العموم ولا يكون ذلك إلا بدليل متصل قلنا ممنوع بل إرادة الخصوص من العام والتقييد من المطلق شايع من غير دليل متصل ثم دليل التخصيص والتقييد بعد ذلك وإن كان متراخيا بيان لا نسخ وهذا هو المذهب عند الفقهاء الشافعية والقدماء من الخفية وكانوا ينسبون القول بخلاف ذلك إلى المعتزلة إلا أن المتأخرون منهم لا يعدون ذلك نسخا ويخصون التخصيص بما يكون دليله متصلا ويجوزون الخلف في الوعيد ويقولون الكذب يكون في الماضي دون المستقبل وهذا ظاهر الفساد فإن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو كذب سواء كان في الماضي أو في المستقبل قال الله تعالى ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم ثم قال والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم على أن المذهب عندنا أن إخبار الله تعالى أزلي لا يتعلق بالزمان ولا يتغير بتغيير المخبر به على ما سبق في بحث الكلام فإن قيل فعلى ما ذكرتم يكون حكم العام هو التوقف حتى يظهر دليل الخصوص قلنا لا بل يجري على عمومه في حق العمل بل وفي حق وجوب اعتقاد العموم دون فرضيته وهذا البحث مستوفى في أصول الفقه وقد بسط الكلام فيه صاحب التبصرة بعض البسط وللإمام الرازي ههنا جواب إلزامي وهو أن صدق كلامه لما كان عندنا أزليا امتنع كذبه لأن ماثبت قدمه امتنع عدمه وأما عندكم فإن امتنع كذبه لكونه قبيحا فلم قلتم أن هذا الكذب قبيح وقد توقف عليه العفو الذي هو غاية الكرم وهذا كمن أخبر أنه يقتل زيد غدا ظلما ففي الغد إما أن يكون الحسن قتله وهو باطل وإما ترك قتله وهو الحق لكنه لا يوجد إلا عند وجود الكذب ومالا يوجد الحسن إلا عند وجوده حسن قطعا فهذا الكذب حسن قطعا ويمكن دفعه بأن الكذب في إخبار الله تعالى قبيح وإن تضمن وجوها من المصلحة وتوقف عليه أنواع من الحسن لما فيه من مفاسد لا تحصى ومطاعن في الإسلام لا تخفى منها مقال الفلاسفة في المعاد ومجال الملاحدة في العناد وههنا بطلان ما وقع عليه الإجماع من القطع بخلود الكفار في النار فإن غاية الأمر شهادة النصوص القاطعة بذلك وإذا جاز الخلف لم يبق القطع إلا عند شرذمة لا يجوزون العفو عنهم في الحكمة على ما يشعر قوله تعالى أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون وغير ذلك من الآيات ووجه التفرقة أن العاصي قلما يخلو عن خوف عقاب ورجاء رحمة وغير ذلك من خيرات تقابل ما ارتكب من المعصية اتباعا للهوى بخلاف الكافر وأيضا الكفر مذهب والمذهب يعتقد للأبد وحرمته لا تحتمل الارتفاع أصلا فكذلك عقوبته بخلاف المعصية فإنها لوقت الهوى والشهوة وأما من جوز العفو عقلا والكذب في الوعيد إما قولا لجواز الكذب المتضمن الفعل الحسن أو بأنه لا كذب بالنسبة إلى المستقبل فمع صريح إخبار الله تعالى بأنه لا يعفو عن الكافر ويخلده في النار فجواز الخلف وعدم وقوع مضمون هذا الخبر محتمل ولما كان هذا باطلا قطعا علم أن القول بجواز الكذب في إخبار الله تعالى باطل قطعا قال خاتمة قد اشتهر من مذهب المعتزلة أن صاحب الكبيرة بدون التوبة مخلد في النار وإن عاش على الإيمان والطاعة مائة سنة ولم يفرقوا بين أن تكون الكبيرة واحدة أو كثيرة واقعة قبل الطاعات أو بعدها أو بينها وجعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى أن الله تعالى يغفر إن شاء ويعذب إن شاء على ما هو مذهب أهل الحق إرجاء بمعنى أنه تأخير للأمر وعدم جزم بالعقاب أو الثواب وبهذا الاعتبار جعل أبو حنيفة من المرجئة وقد قيل له من أين أخذت الإرجاء فقال من الملائكة عليهم السلام قالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا وإنما المرجئة الخالصة الباطلة هم الذين يحكمون بأن صاحب الكبيرة لا يعذب أصلا وإنما العذاب والنار للكفار وهذا تفريط كما أن قول الوعيدية إفراط والتفويض إلى الله تعالى وسط بينهما كالكسب بين الجبر والقدر ونحن نقول ينبغي أن يكون ما اشتهر منهم مذهب بعضهم والمختار خلافه لأن مذهب الجبائي وأبي هاشم وكثير من المحققين وهو اختيار المتأخرين أن الكبائر إنما تسقط الطاعات وتوجب دخول النار إذا زاد عقابها على ثوابها والعلم بذلك مفوض إلى الله تعالى فمن خلط الحسنات بالسيئات ولم يعلم عليه غلبة الأوزار لم يحكم بدخوله النار بل إذا زاد الثواب يحكم بأنه لا يدخل النار أصلا واضطربوا فيما إذا تساوى الثواب والعقاب وصرحوا بأن هذا بحسب السمع وأما بحسب العقل فيجوز العفو عن الكبائر كلها إلا عند الكعبي وذكر إمام الحرمين في الإرشاد أن مذهب البصريين وبعض البغداديين جواز العفو عقلا أو شرعا ولقد مننا بهذا على المعتزلة إن أدركوا ونهجنا لهم منهاجا إن سلكوا وإلا فمن لهم بعصمة تنجي أو توبة ترجي قال المبحث الثالث عشر في الشفاعة يدل على ثبوتها النص والإجماع إلا أن المعتزلة قصروها على المطيعين والتائبين لرفع الدرجات وزيادة المثوبات وعندنا يجوز لأهل الكبائر أيضا في حط السيئات إما في العرصات وإما بعد دخول النار لما سبق من دلائل العفو عن الكبيرة ولما اشتهر بل تواتر معنى من ادخار الشفاعة لأهل الكبائر كقوله عليه السلام ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي وترك العقاب بعد التوبة واجب عندهم فليس للعفو والشفاعة كثير معنى وقد يستدل بقوله تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين أي لذنوب المؤمنين فيعم الكبائر وبقوله تعالى في حق الكفار فما تنفعهم شفاعة الشافعين فإن مثل هذا الكلام إنما يساق حيث تنفع الشفاعة غيرهم فيقصد تقبيح حال الكفرة وتخييب رجائهم بأنهم ليسوا كذلك إذ لو لم تنفع الشفاعة أحدا لما كان في تخصيصهم زيادة تخييب وتوبيخ لهم لكنه مع هذا التكلف لا يفيد إلا ثبوت أصل الشفاعة ولا نزاع فيه نعم لو تم ما ذكره بعض أصحابنا من أن الشفاعة لا يجوز أن تكون حقيقة لزيادة المنافع بل لإسقاط المضار فقط والصغاير مكفرة عندكم باجتناب الكبائر فتعين أن تكون لإسقاط الكبائر لكان في إثبات أصل الشفاعة إثبات المطلوب إلا أن غاية متشبثهم في ذلك هو أن الشفاعة لو كانت حقيقة في طلب زيادة المنافع لكنا شافعين في حق النبي عليه السلام حين نسأل الله تعالى زيادة كرامته واللازم باطل وفاقا واعترض بأنه يجوز أن يعتبر فيها زيادة قيد ككون الشفيع أعلى حالا من المشفوع له أو كون زيادة المنافع محصولة البتة لسؤاله وطلبه وأجيب بأن الشفيع قد يشفع لنفسه فلا يكون أعلى وقد يكون غير مطاع فلا يقع المسؤل فضلا عن أن يكون لأجل سؤاله فإن قيل إطلاق الشفاعة على طلب المنافع مما لا سبيل إلى إنكاره كقول الشاعر
( فذاك فتى إن تأته في صنيعة إلى ماله لم تأته بشفيع ) وكما في منشور دار الخلافة لسلطان محمود وليناك كورة خراسان ولقيناك بيمين الدولة وأمين الملة بشفاعة أبي حامد الإسفرائني قلنا نعم لكن لو كان حقيقة لا طرد فيما ذكرنا احتجت المعتزلة بوجوه الأول الآيات الدالة على نفي الشفاعة بالكلية فيخص المطيع والتائب بالإجماع فتبقى حجة فيما وراء ذلك مثل قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية والضمير في لا تقبل منها شفاعة ولا تنفعها شفاعة للنفس المبهمة العامة وكقوله تعالى من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة وكقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع أي يجاب بمعنى لا شفاعة أصلا على طريقة قوله ولا ترى الضب بها يتحجر وكقوله تعالى وما للظالمين من أنصار الثاني ما يشعر بنفي الشفاعة لصاحب الكبيرة منطوقا كقوله تعالى ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) فإنه ليس بمرتضى أو مفهوما كقوله تعالى حكاية عن حملة العرش ويستغفرون للذين آمنوا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ولا فارق بين شفاعة الملائكة والأنبياء الثالث ما سبق من الآيات المشعرة بخلود الفساق ولو كانت شفاعة لما كان خلودا
الرابع الإجماع على الدعاء بقولنا اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة محمد ولو خصت الشفاعة لأهل الكبائر لكان ذلك دعاء يجعله منهم والجواب عن الأول بعد تسليم العموم في الأزمان والأحوال أنها تختص بالكفار جمعا بين الأدلة على أن الظالم على الإطلاق هو الكافر وأن نفي النصرة لا يستلزم نفي الشفاعة لأنها طلب على خضوع والنصرة ربما تنبىء عن مدافعة ومغالبة هذا بعد تسليم كون الكلام لعموم السلب لا لسلب العموم وقد سبق مثل ذلك وعن الثاني بأنا لا نسلم أن من ارتضى لا يتناول الفاسق فإنه مرتضى من جهة الإيمان والعمل الصالح وإن كان مبغوضا من جهة المعصية بخلاف الكافر المتصف بمثل العدل أو الجود فإنه ليس بمرتضى عند الله تعالى أصلا لفوات أصل الحسنات وأساس الكمالات ولا نسلم أن الذين تابوا لا يتناول الفاسق فإن المراد تابوا عن الشرك إذ لا معنى لطلب مغفرة من تاب عن المعاصي وعمل صالحا عندكم لكونه عبثا أو طلبا لترك الظلم بمنع المستحق حقه هذا بعد تسليم دلالة التخصيص بالوصف على نفي الحكم عما عداه وعن الثالث بما سبق في مسئلة انقطاع عذاب صاحب الكبيرة وعن الرابع أن المراد اجعلنا من اهل الشفاعة على تقدير المعاصي كما في قولنا اجعلنا من أهل المغفرة وأهل التوبة وتحقيقه أن المتصف بالصفات إذا اختص بكرامة منشأها بعض تلك الصفات دون البعض لم يكن استدعاء أهلية تلك الكرامة إلا استدعاء الصفة التي هي منشأ تلك الكرامة ألا يرى أن المعالجة وإن لم تكن إلا للمريض لكن قولك اللهم اجعلني من أهل العلاج ليس طلبا للمرض بل لقوة المزاج فكذا ههنا الشفاعة وإن اختصت بأهل الكبائر لكن منشأها الإيمان وبعض الحسنات التي تصير سببا لرضى الشفيع عنه وميله إليه وبهذا يخرج الجواب عما قالوا أن من حلف بالطلاق أن يعمل ما يجعله أهلا للشفاعة أنه يؤمر بالطاعات لا المعاصي قال خاتمة ظاهر قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم يدل على أن الكبائر متمايزة عن الصغاير بالذات لا كما قيل أن كل سيئة فهي بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة وبالنسبة إلى ما دونها كبيرة لأنه لا يتصور حينئذ اجتناب الكبائر إلا بترك جميع المنهيات سوى واحدة هي دون الكل وأنى للبشر ذلك فمن ههنا ذهب بعضهم إلى تفسير الكبيرة بأنها التي تشعر بقلة الاكتراث بالدين أو التي توعد عليها الشارع بخصوصها وبعضهم إلى تعيين الكبائر ففي رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنها الشرك بالله وقتل النفس بغير حق وقذف المحصنة والزنا والفرار من الزحف والسحر وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم وزاد في رواية أبي هريرة أكل الربا وفي رواية على السرقة وشرب الخمر قال المبحث الرابع عشر في التوبة وهي في اللغة الرجوع يقال تاب وناب أو أناب إذا رجع فإذا أسند إلى العبد أريد رجوعه عن الزلة إلى الندم وإذا أسند إلى الله تعالى أريد رجوع نعمه وإلطافه إلى عباده وفي الشرع هي الندم على المعصية لكونها معصية وقيد بذلك لأن الندم على المعصية لا ضرارها ببدنه أو إخلالها بعرضه أو ماله أو نحو ذلك لا تكون توبة وأما الندم لخوف النار أو طمع الجنة فهل تكون توبة فيه تردد مبني على أن ذلك هل يكون ندما عليها لقبحها ولكونها معصية أم لا وكذا في الندم عليها لقبحها مع غرض آخر والحق أن جهة القبح إن كانت بحيث لو انفردت لتحقق الندم فتوبة وإلا فلا كما إذا كان الغرض مجموع الأمرين لا كل واحد منهما وكذا في التوبة عند مرض مخوف بناء على أن ذلك الندم هل يكون لقبح المعصية أم لا بل للخوف كما في الآخرة عند معاينة النار فيكون بمنزلة إيمان اليأس والظاهر من كلام النبي عليه السلام قبول التوبة مالم تظهر علامات الموت ومعنى الندم تحزن وتوجع على أن فعل وتمنى كونه لم يفعل ولا بد من هذا للقطع بأن مجرد الترك كالماجن إذا مل مجونه فاستروج إلى بعض المباحات ليس بتوبة ولقوله عليه السلام الندم توبة وقد يزاد قيد العزم على ترك المعاودة في المستقبل واعترض بأن فعل المعصية في المستقبل قد لا يخطر بالبال لذهول أو جنون أو موت أو نحو ذلك وقد لا يقتدر عليه لعارض آفة كخرس في القذف وشلل أوجب في الزنا فلا يتصور العزم على الترك لما فيه من الإشعار بالقدرة والاختيار فأجيب بأن المراد العزم على الترك على تقدير الخطور والاقتدار حتى لو سلب القدرة لم يشترط العزم على الترك بهذا يشعر كلام إمام الحرمين حيث قال أن العزم على ترك المعاودة إنما يقارن التوبة في بعض الأحوال ولا يطرد في كل حال إذ العزم إنما يصح فيمن يتمكن من مثل ما قدمه ولا يصح من المجبوب العزم على ترك الزنا ولا من الآخرس العزم على ترك القذف فما ذكر في المواقف من أن قولنا إذا قدر لأن من سلب القدرة على الزنا وانقطع طمعه عن عود القوة إذا عزم على تركه لم يكن ذلك توبة منه ليس على ما ينبغي لإشعاره بأن العزم على الترك يصح مع عدم القدرة على الفعل وبأن الندم على الفعل مع العزم على الترك لا يكفي في التوبة لكن لا بد من أمر ثالث هو بقاء القدرة وكلام الإمام وغيره أن عند عدم القدرة لا يشترط في التوبة العزم بل لا يصح ويكفي مجرد الندم لا يقال مراد المواقف أن مجرد هذ العزم بدون الندم ليس بتوبة لأنا نقول هذا لغو من الكلام لا بيان لفائدة التقييد بالقدرة وقد يتوهم أن تقدير القدرة قيد للترك لا للعزم أي يجب العزم على أن لا يفعل على تقدير القدرة حتى يجب على من عرض له الآفة أن يعزم على أن لا يفعل لو فرض وجود القدرة بهذا يشعر ما قال في المواقف أن الزاني المجبوب إذا ندم وعزم على أن لا يعود على تقدير القدرة فهو توبة عندنا خلافا لأبي هاشم ثم التحقيق إن ذكر العزم إنما هو للتقرير والبيان لا التقييد والاحتراز إذ النادم على المعصية لقبحها لابخ عن ذلك العزم البتة على تقدير الحظور والاقتدار هذا وقد شاع في عرف العوام إطلاق اسم التوبة على الاستئناف وإظهار العزم على ترك المعصية في المستقبل وليس من التوبة في شيء مالم يتحقق الندم والأسف على ما مضى وعلامته طول الحسرة والحزن وانسكاب الدموع ومن نظر في باب التوبة من كتاب الإحياء للإمام حجة الإسلام وتأمل فيما يروى من قصة استغفار داود عليه السلام علم صعوبة أمر التوبة والمعتزلة لما خرجوا بالكبيرة عن الإيمان وجزموا بالدخول بل الخلود في النيران مالم يتوبوا هونوا أمر التوبة حتى اعتقد عوامهم أنه يكفي مجرد قول العاصي تبت ورجعت وخواصهم أنه يكفي أن يعتقد أنه أساء وأنه لو أمكنه رد تلك المعصية لردها ولا حاجة إلى الأسف والحزن لأن أهل الجنة يندمون على تقصيرهم ولا حزن وإنما الحزن لتوقع الضرر ولا ضرر مع الندم ولأن العاصي مكلف بالتوبة في كل وقت ولا يمكنه تحصيل الغم والحزن فيلزم تكليف مالا يطاق قال وهي واجبة لا نزاع في وجوب التوبة أما عندنا فسمعا لقوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا توبوا إلى الله توبة نصوحا ونحو ذلك وأما عند المعتزلة فعقلا لما فيها من دفع ضرر العقاب ولما أن الندم على القبيح من مقتضيات العقل الصحيح وهذا يتناول الصغائر أيضا فيكون حجة على البهشمية القائلين بوجوب التوبة عن الصغائر سمعا لا عقلا لسقوط عقوبتها ثم المصرح في كلام المعتزلة أن وجوب التوبة على الفور حتى يلزمه بتأخير ساعة إثم آخر يجب التوبة عنه وهلم جرا حتى ذكروا أن بتأخير التوبة عن الكبيرة ساعة واحدة تكون له كبيرتان المعصية وترك التوبة وساعتين أربع الأوليان وترك التوبة عن كل منهما وثلاث ساعات ثمان وهكذا وأما قبول التوبة فلا يجب عندنا إذ لا وجوب على الله تعالى وهل ثبت سمعا ووعدا قال إمام الحرمين نعم بدليل ظني إذ لم يثبت في ذلك نص قاطع لا يحتمل التأويل وعند المعتزلة يجب حتى قالوا أن العقاب بعد التوبة ظلم لكن بمقتضى الجود على رأي البغدادية وبمقتضى العدل والحكمة على رأي الجمهور واحتجوا بأن العاصي قد بذل وسعه في التلافي فيسقط عقابه كمن بالغ في الاعتذار إلى من أساء إليه سقط ذمه بالضرورة وبأن التكليف باق وهو تعريض للثواب ولا يتصور إلا بسقوط العقاب فوجب أن يكون له مخلص من العقاب وليس غير التوبة فوجب أن يكون مخلصا وأكثر المقدمات مزخرف بل ربما يدعى القطع بأن من أساء إلى غيره وانتهك حرماته ثم جاء معتذرا لا يجب في حكم العقل قبول اعتذاره بل الخيرة إلى ذلك الغير إن شاء صفح وإن شاء جازاه وأما احتجاجنا بالإجماع على الابتهال إلى الله تعالى في وجوب قبول التوبة وعلى وجوب شكره على ذلك فربما يدفع بأن المسؤل هو استجماعها بشرايط القبول فإن الأمر فيه خطير ووجوب القبول لا ينافي وجوب الشكر لكونه إحسانا في نفسه كتربية الوالد لولده يجب شكرها مع وجوبها ثم اختلفوا في مسقط العقوبة فعند اكثر المعتزلة بنفس التوبة وعند بعضهم بكثرة ثوابها إذ لو كان بنفس التوبة لسقط بتوبة الملجأ ويندم العاصي عند معاينة النار ورد بمنع الندم في صورة الإلجاء وبمنع كونه للقبح في صورة المعاينة واحتج الأكثرون بأنه لو كان بكثرة الثواب لما اختصت التوبة عن معصية معينة بسقوط عقابها دون أخرى لأن نسبة كثرة الثواب إلى الكل على السوية ولما بقي فرق بين التوبة المتقدمة على المعصية والمتأخرة عنها في إسقاط عقابها كسائر الطاعات التي تسقط العقوبات بكثرة ثوابها واللازم باطل للقطع بأن من تاب عن المعاصي كلها ثم شرب الخمر لا يسقط عنه عقاب الشرب وأما عندنا فهو بمحض عفو الله تعالى وكرمه وتوبته الصحيحة عبادة يثاب عليها تفضلا ولا تبطل بمعاودة الذنب ثم إذا تاب عنه ثانيا يكون عبادة أخرى فإن قيل فعندكم حكم المؤمن المواظب على الطاعات المعصوم عن المعاصي والمؤمن المصر على المعاصي طول عمره من غير عبادة أصلا والمؤمن الجامع بين الطاعات والمعاصي من غير توبة والمؤمن التائب عن المعاص واحد وهو التفويض إلى مشيئة الله تعالى من غير قطع بالثواب أو العقاب فلا رجاء من الطاعات والتوبة ولا خوف من المعصية والإصرار وهذه جهالة جاهلة ومكابرة تابهة قلنا حكم الكل واحد في أنه لا يجب على الله تعالى في حقهم شيء لكن يثيب المطيع والتايب البتة بمقتضى الوعد على تفاوت درجات ويعاقب العاصي المصر بمقتضى الوعيد على اختلاف دركات لكن مع احتمال العفو احتمالا مرجوحا فإين التساوي وانقطاع الخوف والرجاء نعم خوفنا لا ينتهي إلى حد اليأس والقنوط إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ثم اختلفت المعتزلة في أنه إذا سقط استحقاق عقاب المعصية بالتوبة هل يعود استحقاق ثواب الطاعة الذي أبطله تلك المعصية فقال أبو على وأبو هاشم لا لأن الطاعة تنعدم في الحال وإنما يبقى استحقاق الثواب وقد سقط والساقط لا يعود وقال الكعبي نعم لأن الكبيرة لا تزيل الطاعة وإنما تمنع حكمها وهو المدح والتعظيم فلا تزيل ثمرتها فإذا صارت بالتوبة كأن لم تكن ظهرت ثمرة الطاعة كنور الشمس إذا زال الغيم وقال بعضهم وهو اختيار المتأخرين لا يعود ثوابه السابق لكن تعود طاعته السالفة مؤثرة في استحقاق ثمراته وهو المدح والثواب في المستقبل بمنزلة شجرة أحرقت بالنار أغصانها وثمارها ثم انطفت النار فإنه يعود أصل الشجرة وعروقها إلى خضرتها وثمرتها قال ولا يلزم تجديد الندم كلما ذكر المعصية لأنه قد أتى بما كلف به وخرج عن عهدته خلافا للقاضي منا وأبي علي من المعتزلة وشبهتهما أنه لو لم يندم كلما ذكرها لكان مشتهيا لها فرحا بها وذلك إبطال للندم ورجوع إلى الإصرار والجواب المنع إذ ربما يضرب عنها صفحا من غير ندم عليها ولا اشتهاء لها وابتهاج بها ولو كان الأمر كما ذكر لزم أن لا تكون التوبة السابقة صحيحة وقال القاضي أنه إن لم يجد ندما كان ذلك معصية جديدة يجب الندم عليها والتوبة الأولى مضت على صحتها إذا لعبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد ثبوتها قال ولا تعميمه لتصح المذهب أنه تصح التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على بعض خلافا لأبي هاشم لنا الإجماع على أن الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره مع استدامة بعض المعاصي صحت توبته وإسلامه ولم يعاقب إلا عقوبة تلك المعصية وأيضا ليست التوبة عن تلك المعاصي إلا الرجوع عنها والندم عليها والعزم على أن لا يعاودها وقد وجدت وشبهة أبي هاشم أن الندم عليها يجب أن يكون لقبحها وهو شامل للمعاصي كلها فلا يتحقق الندم على قبيح مع الإصرار على قبيح وأجيب بأن الشامل للكل هو القبح لا قبحها والتحقيق على ما ذكره صاحب التجويد هو أن الدواعي إلى الندم عن القبائح وإن اشتركت في كون الندم على القبيح لقبحه لكن يجوز أن تترجح بعض الدواعي بأمور تنضم إليه كعظم المعصية أو قلة غلبة الهوى فيها فيبعثه ذلك الترجح على الندم عن هذا البعض خاصة دون البعض الآخر لانتفاء ترجيح الداعي بالنسبة إليه ولا يلزم من ذلك ان يكون الندم على البعض الذي تحقق منه الترجيح لا لقبحه إذ لا يخرج الداعي بهذا الترجيح عن الاشتراك في كونه داعيا إلى الندم على القبيح لقبحه وهذا كما في الدواعي إلى الفعل لحسنه قد يترجح البعض فيخصص بعض الأفعال الحسنة بالوقوع ولا يلزم من ترك البعض الآخر كون إيقاع هذا البعض لا لحسنه بل لغرض غاية ما في الباب إنه حصل للداعي إلى هذا الفعل لحسنه رجحان لم يحصل للداعي إلى الفعل الآخر وهذا ما قال أصحابنا أنه كما يجوز الإتيان بواجب لحسنه مع ترك واجب آخر يجوز ترك قبيح لقبحه مع الإصرار على قبيح آخر يقال ويكفي في الإجمال يعني يكفي في التوبة عن المعاصي كلها الإجمال وإن علمت مفصلة لحصول الندم والعزم وذهب بعض المعتزلة إلى أنه لا بد من الندم تفصيلا فيما علم مفصلا ورد بأنه مكلف بالتوبة في كل وقت مع امتناع اجتماع الذنوب الكثيرة في وقت واحد فلو لم يكف الإجمال ألزم تكليف ما لايطاق قالوا ثم إن كانت المعصية في خالص حق الله تعالى كالواجب فقد يكفي الندم كما في ارتكاب الفرار من الزحف وترك الأمر بالمعروف وقد يفتقر إلى أمر زائد كتسليم النفس للحد في الشرب وتسليم ما وجب في ترك الزكاة ومثله في ترك الصلاة وإن تعلقت بحقوق العباد لزم مع الندم إيصال حق العبد أو بدله إليه إن كان الذنب ظلما كما في الغصب والقتل العمد ولزم أرشاده إن كان الذنب إضلالا له والاعتذار إليه إن كان إيذاء كما في الغيبة ولا يلزم تفصيل ما اغتابه به إلا إذا بلغه على وجه أفحش والتحقيق إن هذا الزائد واجب آخر خارج عن التوبة على ما قال إمام الحرمين أن القاتل إذا ندم من غير تسليم نفسه للقصاص صحت توبته في حق الله تعالى وكان منعه القصاص من مستحقه معصية متجددة تستدعي توبة ولا يقدح في التوبة عن القتل ثم قال وربما لا يصح التوبة بدون الخروج من حق العبد كما في الغصب فإنه لا يصح الندم عليه مع إدامة اليد على المغصوب ففرق بين القتل والغصب قال المبحث الخامس عشر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد جرت عادة المتكلمين بإيرادهما في علم الكلام مع أنهما بالفروع أشبه وكأنهما يشبهان التوبة في الزجر عن ارتكاب المعصية والإخلال بالواجب والمراد بالمعروف الواجب وبالمنكر الحرام ولهذا بنوا القول بأنهما واجبان مع القطع بأن الأمر بالمندوب ليس بواجب بل مندوب والدليل على وجوبهما من غير توقف على ظهور الإمام كما يزعم الروافض والكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وقوله تعالى وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وأما السنة فقوله عليه السلام مر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك وقوله عليه السلام لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم وقوله عليه السلام من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان وأما الإجماع فهو أن المسلمين في الصدر الأول وبعده كانوا يتواصون بذلك ويوبخون تاركه مع الاقتدار عليه فإن استدل على نفي الوجوب بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وقوله تعالى لا إكراه في الدين وبما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت قلنا يا رسول الله متى لا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر قال إذا كان البخل في خياركم وإذا كان الحكم في رذالكم وإذا كان الإدهان في كباركم وإذا كان الملك في صغاركم أجيب بأن المعنى أصلحوا أنفسكم بأداء الواجبات وترك المعاصي وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يضركم بعد النهي عنادهم وإصرارهم على المعصية أو لا يضر المهتدي إذا نهى ضلال الضال وقوله لا إكراه منسوخ بأيات القتال على أنه ربما يناقش في كون الأمر والنهي إكراها أما الحديث فلا يدل إلا على نفي الوجوب عند فوات الشرط بلزوم المفسدة وانتفاء الفائدة فإن من شرائط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علم الفاعل بوجههما من أنه واجب معين أو مخير مضيق أو موسع عين أو كفاية وكذا في المنهى وبالجملة العلم بما يختلف باختلافه حال الأمر والنهي ليقعا على ما ينبغي ومنها تجويز التأثير بأن لا يعلم عدم التأثير قطعا لئلا يكون عبثا واشتغالا بما لا يعني فإن قيل يجب وإن لم يؤثر إعزازا للدين قلنا ربما تكون ذلك إذلالا ومنها انتفاء مضرة ومفسدة أكثر من ذلك المنكر أو مثله وهذا في حق الوجوب دون الجواز حتى قالوا يجوز وإن ظن أنه يقتل ولا ينكى نكاية بضرب ونحوه لكن يرخص له السكوت بخلاف من يحمل وحده على المشركين ويظن أنه يقتل فإنه إنما يجوز إذا غلب على ظنه أنه ينكى فيهم بقتل أو جرح أو هزيمة قال ولا يختص بالولاة كان المسلمون في الصدر الأول وبعده يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر من غير نكير من أحد ولا توقيف على إذن فعلم أنه لا يختص بالولاة بل يجوز لآحاد الرعية بالقول والفعل لكن إذا انتهى الأمر إلى نصب القتال وشهر السلاح ربط بالسلطان حذرا عن الفتنة كذا ذكر إمام الحرمين وقال أن الحكم الشرعي إذا استوى في إدراكه الخاص والعام ففيه للعالم وغير العالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا اختص مدركه بالاجتهاد فليس للعوام فيه أمر ونهي بل الأمر فيه موكول إلى أهل الاجتهاد ثم ليس لمجتهد أن يتعرض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موضع الخلاف إذ كل مجتهد مصيب في الفروع عندنا ومن قال أن المصيب واحد فهو غير متعين عنده وذكر في محيط الحنفية أن للحنفي أن يحتسب على الشافعي في أكل الضبع ومتروك التسمية عمدا وللشافعي أن يحتسب على الحنفي في شرب المثلث والنكاح بلا ولي ثم لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يكون ورعا لا يرتكب مثله بل من رأى منكرا وهو يرتكب مثله فعليه أن ينهى عنه لأن تركه للمنكر ونهيه عنه فرضان متميزان ليس لمن ترك أحدهما ترك الآخر ثم هو فرض كفاية إذا قام به في كل بقعة من فيه غناء سقط الفرض عن الباقين وهذا لا ينافي القول بأنه فرض على الكل لأن المذهب أن فرض الكفاية فرض على الكل ويسقط بفعل البعض نعم إذا نصب لذلك أحد تعين عليه فيحتسب فيما يتعلق بحقوق الله تعالى من غير بحث وتجسس وفيما يتعلق بحقوق العباد لا على وجه العموم كمطل المديون الموسر وتعدي الجار في جدار الجار يحتسب إذا استعداه صاحب الحق وعلى العموم كتعطل شرب البلد وانهدام سورة وترك أهله رعاية أبناء السبيل المحتاجين مع عدم المال في بيت المال يحتسب ويأمر على الإطلاق وينكر على من يغير هيئات العبادات كالجهل في الصلاة السرية وبالعكس وعلى من يزيد في الأذان وعلى من يتصدى الإفتاء أو التدريس أو الوعظ وهو ليس من أهله وعلى القضاة إذا حجبوا الخصوم أو قصروا في النظر في الخصومات وعلى أئمة المساجد المطروقة إذا طولوا في الصلاة وبهذا يعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على الواجب والحرم وينبغي أن يحتسب برفق وسكون متدرجا إلى الأغلظ فالأغلظ بحسب حال المنكر ذكر في المحيط للحنفية أن من رأى غيره مكشوف الركبة ينكر عليه برفق ولا ينازعه إن لج وفي الفخذ ينكر عليه بعنف ولا يضربه وإن لج وفي السوءة أدبه وإن لج قتله قال الفصل الثالث في الأسماء والأحكام وفيه مباحث هذه الترجمة شايعة في كلام المتقدمين ويعنون بالأسماء اسامي المكلفين في المدح مثل المؤمن والمسلم والمتقي والصالح وفي الذم مثل الكافر والفاسق والمنافق وبالأحكام ما لكل منها في الآخرة من الثواب والعقاب وكيفيتهما قال المبحث الأول الإيمان في للغة التصديق أفعال من الأمن للصيرورة أو التعدية بحسب الأصل كأن المصدق صار ذا أمن من أن يكون مكذوبا أو جعل الغير آمنا من التكذيب والمخالفة ويعدى بالباء لاعتبار معنى الإقرار والاعتراف كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه وباللام لاعتبار معنى الإذعان والقبول كقوله تعالى حكاية وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ولما أنه في التحقيق عايدا إلى أخذ الشيء صادقا والصدق مما يوصف به المتكلم والكلام والحكم يقع تعليقه بالشيء باعتبارات مختلفة مثل آمنت بالله أي بأنه واحد متصف بما يليق منزه عما لا يليق وآمنت بالرسول أي بأنه مبعوث من الله تعالى صادق فيما جاء به وآمنت بملائكته أي بأنهم عباده المكرمون المطيعون المعصومون لا يتصفون بذكورة ولا أنوثة ليسوا بنات الله ولا شركاءه وآمنت بكتبه وكلماته أي بأنها منزلة من عند الله صادقة فيما تتضمنه من الأحكام وآمنت باليوم الآخر أي بأنه كائن البتة وآمنت بالقدر أي بأن الخير والشر بتقدير الله ومشيئته ومرجع الكل إلى القبول والاعتراف وأما في الشرع فاختلف الآراء في تحقيق الإيمان وفي كونه اسما لفعل القلب فقط أو فعل اللسان فقط أو لفعلهما جميعا وحدهما أو مع سائر الجوارح وهذه طرق أربعة فعلى الأول قد يجعل اسما للتصديق أعني تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه وبحرمة الخمر عند السؤال عنه كان كافرا وهذا هو المشهور وعليه الجمهور وقد يجعل اسما للمعرفة أعني معرفة ما ذكرنا ويتناول معرفة الله تعالى بوحدانيته وسائر ما يليق به وتنزهه عما لا يليق به وهو مذهب الشيعة وجهم بن صفوان وأبي الحسين الصالحي من القدرية وقد يميل إليه الأشعري وستعرف فرقا بين المعرفة والتصديق ومن الناس من يكاد يقول بأنه اسم لمعنى آخر غير المعرفة والتصديق هو التسليم إلا أنه يعود بالآخرة إلى التصديق على ما يراه أهل التحقيق وعلى الثاني وهو أن يجعل اسما لفعل اللسان أعني الإقرار بحقية ما جاء به النبي عليه السلام وقد يشترط معه معرفة القلب حتى لا يكون الإقرار بدونها إيمانا وإليه ذهب الرقاشي زاعما أن المعرفة ضرورية يوجد لا محالة فلا يجعل من الإيمان لكونه اسما لفعل مكتسب لا ضروري وقد يشترط التصديق وإليه ذهب القطان وصرح بأن الإقرار الخالي عن المعرفة والتصديق لا يكون إيمانا وعند اقترانه بهما يكون الإيمان هو الإقرار فقط وقد لا يشترط شيء منهما وإليه ذهب الكرامية حتى أن من أضمر الكفر وأظهر الإيمان يكون مؤمنا إلا أنه يستحق الخلود في النار ومن أضمر الإيمان وأظهر الكفر لا يكون مؤمنا ومن أضمر الإيمان ولم يتفق منه الإظهار والإقرار لم يستحق الجنة وإذا تحققت فليس لهؤلاء الفرق الثلاث كثير خلاف في المعنى وفيما يرجع إلى الأحكام وعلى الثالث وهو أن يكون اسما لفعل القلب واللسان فهو اسم للتصديق المذكور مع الإقرار وعليه كثير من المحققين وهو المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وكثيرا ما يقع في عبارات التحارير من العلماء مكان التصديق تارة المعرفة وتارة العلم وتارة الإعتقاد فعلى هذا من صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط فإن الإقرار حينئذ شرط لإجراء الأحكام عليه في الدنيا من الصلاة عليه وخلفه والدفن في مقابر المسلمين والمطالبة بالعشور والزكوات ونحو ذلك ولا يخفى أن الإقرار بهذا الغرض لا بد أن يكون على وجه الإعلان والإظهار على الإمام وغيره من أهل الإسلام بخلاف ما إذا كان لا تمام الإيمان فإنه يكفي مجرد التكلم وإن لم يظهر على غيره ثم الخلاف فيما إذا كان قادرا وترك التكلم لا على وجه الإباء إذ العاجز كالأخرس مؤمن وفاقا والمصر على عدم الإقرار مع المطالبة به كافر وفاقا لكون ذلك من إمارت عدم التصديق ولهذا أطبقوا على كفر أبي طالب وإن كابرت الروافض غير متألمين في أنه كان أشهر أعمام النبي عليه الصلاة والسلام وأكثرهم اهتماما لشأنه وأوفرهم حرصا من النبي عليه الصلاة والسلام على إيمانه فكيف اشتهر إيمان حمزة والعباس رضي الله عنهما وشاع على رؤس المنابر فيما بين الناس وورد في إيمانهما الأحاديث المشهورة وكثر منهما في الإسلام المساعي المشكورة دون أبي طالب وأما على الرابع وهو أن يكون الإيمان اسما لفعل القلب واللسان والجوارح على ما يقال أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان فقد يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان داخلا في الكفر وإليه ذهب الخوارج أو غير داخل فيه وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين وإليه ذهب المعتزلة إلا أنهم اختلفوا في الأعمال فعند أبي علي وأبي هاشم فعل الواجبات وترك المحظورات وعند أبي الهذيل وعبدالجبار فعل الطاعات واجبة كانت أو مندوبة إلا أن الخروج عن الإيمان وحرمان دخول الجنة بترك المندوب مما لا ينبغي أن يكون مذهبا لعاقل وقد لا يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان بل يقطع بدخول الجنة وعدم خلوده في النار وهو مذهب أكثر السلف وجميع أئمة الحديث وكثير من المتكلمين والمحكي عن مالك والشافعي والأوزاعي رض وعليه إشكال ظاهر وهو أنه كيف لا ينتفي الشيء أعني الإيمان مع انتفاء ركنه أعني الأعمال وكيف يدخل الجنة من لم يتصف بما جعل اسما للإيمان وجوابه أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة وهو التصديق وحده أو مع الإقرار وعلى ما هو الكامل المنجي بلا خلاف وهو التصديق مع الإقرار والعمل على ما أشير إليه بقوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا وموضع الخلاف أن مطلق الاسم للأول أم الثاني وذكر الإمام في وجه الضبط أن الإيمان إما أن يكون اسما لعمل القلب فقط وهو المعرفة عند الإمامية وجهم والتصديق عندنا وإما لعمل الجوارح فإن كان هو ا لقول فمذهب الكرامية أو سائر الأعمال فمذهب المعتزلة وأما مجموع عمل القلب والجوارح وهو مذهب السلف وفيه اختلال من جهة ترك عمل القلب في مذهب الاعتزال وعدم التعرض لمذهب التصديق والإقرار فإن قيل قد ذكرت من المذاهب ما يبلغ عشرة ونحن قاطعون بأن النبي عليه السلام ومن بعده كانوا يأمرون بأمر معلوم يمتثل من غير افتقار إلى بيان ولا استفسار إلا بحسب المتعلق أعني ما يجب الإيمان به فكيف ذلك قلنا لا خفاء ولا خلاف في أنهم كانوا يأمرون بالتصديق وقبول الأحكام ويكتفون في حق الأحكام الدنيوية بما يدل على ذلك وهو الإقرار إلا أنه وقع اختلاف واجتهاد في أن مناط الأحكام الأخروية مجرد هذا المعنى أم مع الإقرار أم كلاهما مع الأعمال وفي أن ذلك مجرد معرفة واعتقاد أم أمر زائد على ذلك وهذا لا بأس به قال لنا مقامات
الأول أن الإيمان فعل القلب دون مجرد فعل اللسان الثاني أنه التصديق دون المعرفة والاعتقاد والثالث أن الأعمال ليست داخلة فيه بحيث ينتفي هو بانتفائها أما المقام الأول فبيانه بنصوص تدل على ذلك حتى أن القول بكون الإيمان مجرد الإقرار يكاد يجري مجرى إنكار النصوص قال الله تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن وقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ثبت قلبي على دينك ومن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان الحديث وقد يستدل بوجهين أحدهما أنه لو كان الإيمان هو القول لما كان المكلف مؤمنا حقيقة إلا حال التلفظ لانقضاء القول بعده بخلاف التصديق فإنه باق في القلب حتى حال النوم والغفلة إلى طريان ضده الذي هو الكفر وأجيب بعد تسليم كون اسم الفاعل حقيقة في الحال دون الماضي بأن المؤمن بحسب الشرع اسم لمن تكلم بما يدل على التصديق إلى أن يطرأ ضده