Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
قال وإذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم مضروبة من حرز لا شبهة فيه وجب عليه القطع والأصل فيه قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما الآية ولا بد من اعتبار العقل والبلوغ لأأن الجناية لا تتحقق دونهما والقطع جزاء الجناية ولا بد من التقدير بالمال الخطير لأن الرغبات تفتر في الحقير وكذا أخذه لا يخفى فلا يتحقق ركنه ولا حكمة الزجر لأنها فيما يغلب والتقدير بعشرة دراهم مذهبنا وعند الشافعي رحمه الله التقدير بربع دينار وعند مالك رحمه الله بثلاثة دراهم لهما أن القطع على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام ما كان إلا في ثمن المجن وأقل ما نقل في تقديره ثلاثة دراهم والأخذ بالأقل وهو المتيقن به أولى غير أن الشافعي رحمه الله يقول كانت قمة الدينار على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام اثني عشر درهما والثلاثة ربعها ولنا أن الأخذ بالأكثر في هذا الباب أولى احتيالا لدرء الحد وهذا لأن في الأقل شبهة عدم الجناية وهي دارئة للحد وقد تأيد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم واسم الدراهم ينطلق على المضروبة عرفا فهذا يبين لك اشتراط المضروب كما قال في الكتاب وهو ظاهر الرواية وهو الأصح رعاية لكمال الجناية حتى لو سرق عشرة تبرا قيمتها أنقص من عشرة مضروبة لا يجب القطع والمعتبر وزن سبعة مثاقيل لأنه هو المتعارق في عامة البلاد وقوله أو ما يبلغ قيمته عشرة دراهم إشارة إلى أن غير الدراهم تعتبر قيمته بها وإن كان ذهبا ولا بد من حرز لا شبهة فيه لأن الشبهة دارئة وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى قال والعبد والحر في القطع سواء لأن النص لم يفصل ولأن التنصيف متعذر فيتكامل صيانة لأموال الناس ويجب القطع بإقراره مرة واحدة وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله لا يقطع إلا بالإقرار مرتين ويروى عنه أنهما في مجلسين مختلفين لأنه إحدى الحجتين فيعتبر بالأخرى وهي البينة كذلك اعتبرنا في الزنا ولهما أن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة فيكتفي به كما في القصاص وحد القذفولا اعتبار بالشهادة لأن الزيادة تفيد فيها تقليل تهمة الكذب ولا تفيد في الإقرار شيئا لأنه لا تهمة وباب الرجوع في حق الحد لا ينسد بالتكرار والرجوع في حق المال لا يصح أصلا لأن صاحب المال يكذبه واشترط الزيادة في الزنا بخلاف القياس فيقتصر على مورد الشرع قال ويجب بشهادة شاهدين لتحقق الظهور كما في سائر الحقوق وينبغي أن يسألهما الإمام عن كيفية السرقة وما هيتها وزمانها ومكانها لزيادة الاحتياط كما مر في الحدود ويحبسه إلى أن يسأل عن الشهود للتهمة قال وإذا اشترك جماعة في سرقة فأصاب كل واحد منهم عشرة دراهم قطع وإن أصابه أقل لا يقطع لأن الموجب سرقة النصاب ويجب على كل واحد منهم بجنايته فيعتبر كمال النصاب في حقه والله أعلم 2 باب ما يقطع فيه ومالا يقطع 2
ولا قطع فيما يوجد تافها مباحا في دار الإسلام كالخشب والحشيش والقصب والسمك والطير والصيد والزرنيخ والمغرة والنورة والأصل فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام في الشيء التافه أي الحقير وما يوجد جنسه مباحا في الأصل بصورته غير مرغوب فيه حقير تقل الرغبات فيه والطباع لا تضن به فقلما يوجد أخذه على كره من الملك فلا حاجة إلى شرع الزاحر ولهذا لم يجب القطع في سرقة ما دون النصاب ولأن الحرز فيها ناقص ألا يرى أن الخشب يلقى على الأبواب وإنما يدخل في الدار للعمارة لا للإحراز والطير يطير والصيد يفر وكلنا الشركة العامة التي كانت فيه وهو على تلك الصفة تورث الشبهة والحد يندرىء بها ويدخل في السمك المالح والطري وفي الطير الدجاج والبط والحمام لما ذكرنا ولإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام لا قطع في الطير وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجب القطع في كل شيء إلا الطين والتراب والسرقين وهو قول الشافعي رحمه الله والحجة عليهما ما ذكرنا قال ولا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم والفواكه الرطبة لقوله عليه الصلاة والسلام لا قطع في تمر ولا كثر والكثر الجمار وقيل الودى وقال عليه الصلاة والسلام لا قطع في الطعام والمراد والله أعلم ما يتسارع إليه الفساد كالمهيأ للأكل منه وما في معناه كاللحم والثمر لأنه يقطع في الحنطة والسكر إجماعا وقال الشافعي رحمه الله يقطع فيها لقوله عليه الصلاة والسلام لا قطع في ثمر ولا كثر فإذا أولاه الجرين أو الجران قطع قلنا أخرجه على وفاق العادة والذي يؤويه الجرين في عادتهم هو اليابس من الثمر وفيه القطع قال ولا قطع في الفاكهة على الشجر والزرع الذي لم يحصد لعدم الإحراز ولا قطع في الأشربة المطربة لأن السارق يتأول في تناولها الإراقة ولأن بعضها ليس بمال وفي مالية بعضها اختلاف فتتحقق شبهة عدم المالية قال ولا في الطنبور لأنه من المعازف ولا في سرقة المصحف وإن كان عليه حلية وقال الشافعي رحمه الله يقطع لأنه مال متقوم حتى يجوز بيعه وعن أبي يوسف رحمه الله مثله وعنه أيضا أن يقطع إذا بلغت الحلية نصابا لآنها ليست من المصحف فتعتبر بانفرادها ووجه الظاهر أن الآخذ يتأول في أخذه القراءة والنظر فيه ولأنه لا مالية له على اعتبار المكتوب وإحرازه لأجله لا للجلد والأوراق والحلية وإنما هي توابع ولا معتبر بالتبع كمن سرق آنية فيها خمر وقيمة الآنية تربو على النصاب ولا قطع في أبواب المسجد لعدم الإحراز فصار كباب الدار بل أولى لأنه يحرز بباب الدار ما فيها ولا يحرز بباب المسجد ما فيه حتى لا يجب القطع بسرقة متاعه
قال ولا الصليب من الذهب ولا الشطرنج ولا النرد لأنه يتأول من أخذها الكسر نهيا عن المنكر بخلاف الدرهم الذي عليه التمثال لأنه ما أعد للعبادة فلا تثبت شبهة إباحة الكسر وعن أبي يوسف رحمه الله أنه إن كان الصليب في المصلى لا يقطع لعد الحرز وإن كان في بيت آخر يقطع لكمال المالية والحرز ولا قطع على سارق الصبي الحر وإن كان عليه حلى لأن الحر ليس بمال وما عليه من الحلى تبع له ولأنه يتأول في أخذه الصبي إسكاته أو حمله إلى مرضعته وقال أبو يوسف رحمه الله يقطع إذا كان عليه حلى فهو نصاب لآنه يجب القطع بسرقته وحده فكذا مع غيره وعلى هذا إذا سرق إناء فضة فيه نبيذ أو ثريد والخلاف في صبي لا يمشي ولا يتكلم كيلا يكون في يد نفسه ولا قطع في سرقة العبد الكبير لأنه غصب أو خداع ويقطع في سرقة العبد الصغير لتحققها بحدها إذا كان يعبر عن نفسه لأنه هو والبالغ سواء في اعتبار يده وقال أبو يوسف رحمه الله لا يقطع وإن كان صغيرا لا يعقل ولا يتكلم استحسانا لآنه آدمي من وجه مال من وجه ولهما أنه مال مطلق لكونه منتفعا به أو يعرض أن يصير منتفعا به إلا أنه انضم إليه معنى الآدمية ولا قطع في الدفاتر كلها لأن المقصود ما فيها وذلك ليس بمال إلا في دفاتر الحساب لأن ما فيها لا يقصد بالأخذ فكان المقصود هو الكواغد قال ولافي سرقة كلب ولا فهد لأن من جنسهما يوجد مباح الأصل غير مرغوب فيه ولأن الاختلاف بين العلماء ظاهر في مالية الكلب فأورث شبهة ولا قطع في دف ولا طبل ولا بربط ولا مزمار لأن عندهما لا قيمة لها وعند أبي حنيفة رحمه الله آخذها يتأول الكسر فيها ويقطع في الساج والقنا والآبنوس والصندل لأنها أموال محرزة لكونها عزيزة عند الناس ولا توجد بصورتها مباحة في دار الإسلام قال ويقطع في الفصوص الخضر والياقوت والزبرجد لأنها من أعز الأموال وأنفسها ولا توجد مباحة الأصل في دار إسلام غير مرغوب فيها فصارت كالذهب والفضة وإذا اتخذ من الخشب أواني وأبوبا قطع فيها لأنه بالصنعة التحق بالأموال النفيسة ألا ترى أنها تحرز بخلاف الحصير لأن الصنعة فيه لم تغلب على الجنس حتى يبسط في غير الحرز وفي الحصر البغدادية قالوا يجب القطع في سرقتها لغلبة الصنعة على الأصل وإنما يجب القطع في غير المركب وإنما يجب إذا كان خفيفا لا يثقل على الواحد حمله لأن الثقيل منه لا يرغب في سرقته ولا قطع على خائن ولا خائنة لقصور في الحرز ولا منتهب ولا مختلس لأنه يجاهر بفعله كيف وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لا قطع في مختلس ولا منتهب ولا خائن ولا قطع على النباش وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله عليه القطع لقوله عليه الصلاة والسلام من نبش قطعناه ولأنه مال متقوم محرز بحرز مثله فيقطع فيه ولهما قوله عليه الصلاة والسلام لاقطع على المختفي وهو النباش بلغة أهل المدينة ولأن الشبهة تمكنت في الملك لأنه لا ملك للميت حقيقة ولا للوارث لتقدم حاجة الميت وقد تمكن الخلل في المقصود وهو الانزجار لأن الجناية في نفسها نادرة الوجود وما رواه غير مرفوع أو هو محمول على السياسة وإن كان القبر في بيت مقفل فهو على الخلاف في الصحيح لما قلنا وكذا إذا سرق من تابوت في القافلة وفيه الميت لما بيناه ولا يقطع السارق من بيت المال لأنه مال العامة وهو منهم قال ولا من مال للسارق فيه شركة لما قلنا
ومن له على آخر دراهم فسرق منه مثلها لم يقطع لأنه استيفاء لحقه والحال والمؤجل فيه سواء استحسانا لأن التأجيل لتأخير المطالبة وكذا إذا سرق زيادة على حقه لآنه بمقدار حقه يصير شريكا فيه وإن سرق منه عروضا قطع لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه إلا بيعا بالتراضي وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يقطع لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء قضاء من حقه أو رهنا بحقه قلنا هذا قول لا يستند إلى دليل ظاهر فلا يعتبر بدون إتصال الدعوى به حتى لو ادعى ذلك درىء عنه الحد لأنه ظن في موضع الخلاف ولو كان حقه دراهم فسرق منه دنانير قيل يقطع لأنه ليس له حق الأخذ وقيل لا يقطع لأن النقود جنس واحد ومن سرق عينا فيها فردها ثم عاد فسرقها وهي بحالها لم يقطع والقياس أن يقطع وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله وهو قول الشافعي رحمه الله لقوله عليه الصلاة والسلام فإن عاد فاقطعوه من غير فصل ولأن الثانية متكاملة كالأولى بل أقبح لتقدم الزاجر وصار كما إذا باعه المالك من السارق ثم اشتراه منه ثم كانت السرقة ولنا أن القطع أوجب سقوط عصمة المحل على ما يعرف من بعد إن شاء الله تعالى وبالرد إلى المالك إن عادت حقيقة العصمة بقيت شبهة السقوط نظرا إلى اتحاد الملك والمحل وقيل الموجب وهو القطع فيه بخلاف ما ذكر لأن الملك قد اختلف باختلاف سببه ولأن تكرار الجناية منه نادر لتحمله مشقة الزاجر فتعرى الإقامة عن المقصود وهو تقليل الجناية وصار كما إذا قذف المحدود في قذف المقذوف الأول قال فإن تغيرت عن حالها مثل أن يكون غزلا فسرقه وقطع فرده ثم نسج فعاد فسرقه قطع لأن العين قد تبدلت ولهذا يملكه الغاصب به وهذا هو علامة التبدل في كل محل وإذا تبدلت انتفت الشبهة الناشئة من اتحاد المحل والقطع فيه فوجب القطع ثانيا والله أعلم بالصواب فصل في الحرز والأخذ منه ومن سرق من أبويه أو ولده أو ذي رحم محرم منه لم يقطع فالأول وهو الولاد للبسوطة في المال وفي الدخول في الحرز والثاني للمعنى الثاني ولهذا أباح الشرع النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها بخلاف الصديقين لأنه عاداه بالسرقة وفي الثاني خلاف الشافعي رحمه الله لأنه ألحقها بالقرابة البعيدة وقد بيناه في العتاق ولو سرق من بيت ذي رحم محرم متاع غيره ينبغي أن لا يقطع ولو سرق ماله من بيت غيره يقطع اعتبارا للحرز وعدمه وإن سرق من امه من ا لرضاعة قطع وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه لا يقطع لأنه يدخل عليها من غير استئذان وحشمة بخلاف الأخت من الرضاعة لانعدام هذا المعنى فيها عادة وجه الظاهر أنه لا قرابة والمحرمية بدونها لا تحترم كما إذا ثبتت بالزنا والتقبيل عن شهوة وأقرب من ذلك الأخت من الرضاعة وهذا لأن الرضاع قلما يشتهر فلا بسوطة تحرزا عن موقف التهمة بخلاف النسب وإذا سرق أحد الزوجين من الآخر أو العبد من سيده أو من امرأة سيده أو من زوج سيدته لم يقطع لوجود الإذن بالدخول عادة وإن سرق أحد الزوجين من حرز الآخر خاصة لا يسكنان فيه فكذلك عندنا خلافا للشافعي رحمه الله لبسوطة بينهما في الأموال عادة ودلالة وهو نظير الخلاف في الشهادة ولو سرق المولى من مكاتبه لم يقطع لأن له في أكسابه حقا وكذلك السارق من الغنم لأن له فيه نصيبا وهو مأثور عن علي رضي الله تعالى عنه درءا وتعليلا
قال والحرز على نوعين حرز لمعنى فيه كالبيوت والدور وحرز بالحافظ قال العبد الضعيف احرز لا بد منه لأن الاستسرار لا يتحقق دونه ثم هو قد يكون بالمكان وهو المكان المعد لإحراز الأمتعة كالدور والبيوت والصندوق والحانوت وقد يكون بالحافظ كمن جلس في الطريق أو في المسجد وعنده متاعه فهو محرز به وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرق رداء صفوان من تحت رأسه وهو نائم في المسجد وفي المحرز بالمكان لا يعتبر الإحراز بالحافظ هو الصحيح لآنه محرز بدونه وهو البيت وإن لم يكن له باب أو كان وهو مفتوح حتى يقطع السارق منه لأن البناء لقصد الإحراز إلا أنه لا يجب القطع إلا بالإخراج منه لقيام يده فيه قبله بخلاف المحرز بالحافظ حيث يجب القطع فيه كما أخذ لزوال يد المالك بمجرد الأخذ فتتم السرقة ولا فرق بين أن يكون الحافظ مستيقظا أو نائما والمتاع تحته أو عنده هو الصحيح لأنه يعد النائم عند متاعه حافظا له في العادة وعلى هذا لا يضمن المودع والمستعير بمثله لأنه ليس له بتضييع بخلاف ما اختاره في الفتاوى قال ومن سرق شيئا من حرز أو من غير حرز وصاحبه عنده يحفظه قطع لأنه سرق مالا محرزا بأحد الحرزين ولا قطع على من سرق مالا من حمام أو من بيت أذن للناس في دخوله فيه لوجود الإذن عادة أو حقيقة في الدخول فاختل الحرز ويدخل في ذلك حوانيت التجار والخانات إلا إذا سرق منها ليلا لأنها بنيت لإحراز الأموال وإنما الإذن يختص بالنهار ومن سرق من المسجد متاعا وصاحبه عنده قطع لأنه محرز بالحافظ لأن المسجد ما بني لإحراز الأموال فلم يكن المال محرزا بالمكان بخلاف الحمام والبيت الذي أذن للناس في دخوله حيث لا يقطع لأنه بني للإحراز فكان المكان حرزا فلا يعتبر الإحراز بالحافظ ولا قطع على الضيف إذا سرق ممن أضافه لأن البيت لم يبق حرزا في حقه لكونه مأذونا في دخوله ولأنه بمنزلة أهل الدار فيكون فعله خيانة لا سرقة ومن سرق سرقة فلم يخرجها من الدار لم يقطع لأن الدار كلها حرز واحد فلا بد من الإخراج منها ولأن الدار وما فيها في يد صاحبها معنى فتتمكن شبهة عدم الأخذ فإن كانت دار فيها مقاصير فأخرجها من المقصورة إلى صحن الدار قطع لأن كل مقصورة باعتبار ساكنها حرز على حدة وإن أغار إنسان من أهل المقاصير على مقصورة فسرق منها قطع لما بينا وإذا نقب اللص البيت فدخل وأخذ المال وناوله آخر خارج البيت فلا قطع عليهما لأن الأول لم يوجد منه الإخراج لاعتراض يد معتبرة على المال قبل خروجه والثاني لم يوجد منه هتك الحرز فلم تتم السرقة من كل واحد وعن أبي يوسف رحمه الله إن أخرج الداخل يده وناولها الخارج فالقطع على الداخل وإن أدخل الخارج يده فتناولها من يد الداخل فعليهما القطع وهي بناء على مسئلة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى وإن ألقاه في الطريق وخرج فأخده قطع وقال زفر رحمه الله لا يقطع لأن الإلقاء غير موجب للقطع كما لو خرج ولم يأخذ وكذا الأخذ من السكة كما لو أخذه غيره ولنا أن الرمي حيلة يعتادها السراق لتعذر الخروج مع المتاع أو ليتفرغ لقتال صاحب الدار أو للفرار ولم تعترض عليه يد معتبرة فاعتبر الكل فعلا واحدا فإذا خرج ولم يأخذه فهو مضيع لا سارق قال وكذلك إن حمله على حمار فساقه وأخرجه لأن سيره مضاف إليه لسوقه وإذا دخل الحرز جماعة فتولى بعضهم الأخذ قطعوا جميعا قال العبد الضعيف رحمه الله هذا استحسان والقياس أن يقطع الحامل وحده وهو قول زفر رحمه الله لأن الإخراج وجد منه فتمت السرقة به ولنا أن الإخراج من الكل معنى للمعاونة كما في السرقة الكبرى وهذا لأن المعتاد فيما بينهم أن يحمل البعض المتاع ويتشمر الباقون للدفع فلو امتنع القطع لأدى إلى سد باب الحد
قال ومن نقب البيت وأدخل يده فيه وأخذ شيئا لم يقطع وعن أبي يوسف رحمه الله في الإملاء أنه يقطع لأنه أخرج المال من الحرز وهو المقصود فلا يشترط الدخول فيه كما إذا أدخل يده في صندوق الصيرفي فأخرج الغطريفي ولنا أن هتك الحرز يشترط فيه الكمال تحرزا عن شبهة العدم والكمال في الدخول وقد أمكن اعتباره والدخول هو المعتاد بخلاف الصندوق لأن الممكن فيه إدخال اليد دون الدخول وبخلاف ما تقدم من حمل البعض المتاع لأن ذلك هو المعتاد قال وإن طر صرة خارجة من الكم لم يقطع وإن أدخل يده في الكم يقطع لأن في الوجه الأول الرباط من خارج فبالطر يتحقق الأخذ من الظاهر فلا يوجد هتك الحرز وفي الثاني الرباط من داخل فبالطر يتحقق الأخذ من الحرز وهو الكم ولو كان مكان الطر حل الرباط ثم الأخذ في الوجهين ينعكس الجواب لانعكاس العلة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يقطع على كل حال لأنه محرز إما بالكم أو بصاحبه قلنا الحرز هو الكم لأنه يعتمده وإنما قصده قطع المسافة والاستراحة فأشبه الجوالق وإن سرق من القطار بعيرا أو حملا لم يقطع لأنه ليس بمحرز مقصودا فتتمكن شبهة العدم وهذا لأن السائق والقائد والراكب يقصدون قطع المسافة ونقل الأمتعة دون الحفظ حتى لو كان مع الأحمال من يتبعها للحفظ قالوا يقطع وإن شق الجمل وأخذ منه قطع لأن الجوالق في مثل هذا حرز لأنه يقصد بوضع الأمتعة فيه صيانتها كالكم فوجد الأخذ من الحرز فيقطع وإن سرق جوالقا فيه متاع وصاحبه يحفظه ونائم عليه قطع ومعناه إذا كان الجوالق في موضع هو ليس بحرز كالطريق ونحوه حتى يكون محرزا بصاحبه لكونه مترصدا لحفظه وهذا لأن المعتبر هو الحفظ المعتاد والجلوس عنده والنوم عليه يعد حفظا عادة وكذا النوم بقرب منه على ما اخترناه من قبل وذكر في بعض النسخ وصاحبه نائم عليه أو حيث يكون حافظا له وهذا يؤكد ما قدمناه من القول المختار والله أعلم بالصواب فصل في كيفية القطع وإثباته قال ويقطع يمين السارق من الزند ويحسم فالقطع لما تلوناه من قبل واليمين بقراءة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ومن الزند لأن الاسم يتناول اليد إلى الإبط وهذا المفصل أعني الرسغ متيقن به كيف وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقطع يد السارق من الزند والحسم لقوله عليه الصلاة والسلام فاقطعوه واحسموه ولأنه لو لم يحسم يفضي إلى التلف والحد زاجر لا متلف فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى فإن سرق ثالثا لم يقطع وخلد في السجن حتى يتوب وهذا استحسان ويعزر أيضا ذكره المشايخ رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله في الثالثة تقطع يده اليسرى وفي الرابعة تقطع رجله اليمنى لقوله عليه الصلاة والسلام من سرق فاقطعوه فإن عاد فاقطعوه فإن عاد فاقطعوه ويروى مفسرا كما هو مذهبه ولأن الثالثة مثل الأولى في كونها جناية بل فوقها فتكون أدعى إلى شرع الحد ولنا قول علي رضي الله عنه فيه إني لأستحي من الله تعالى أن لا أدع له يدا يأكل بها ويستنجي بها ورجلا يمشي عليها وبهذا حاج بقية الصحابة رضي الله عنهم فحجهم فانعقد إجماعا ولأنه إهلاك معني لما فيه من تفويت جنس المنفعة والحد زاجر ولأنه نادر الوجود والزجر فيما يغلب وقوعه بخلاف القصاص لأنه حق العبد فيستوفى ما أمكن جبرا لحقه والحديث طعن فيه الطحاوي رحمه الله أو نحمله على السياسة وإذا كان السارق أشل اليد اليسرى أو أقطع أو مقطوع الرجل اليمنى لم يقطع لأن فيه تفويت جنس المنفعة بطشا أو مشيا وكذا إذا كانت رجله اليمنى شلاء لما قلنا وكذا إذا كانت إبهامه اليسرى مقطوعة أو شلاء أو الأصبعان منها سوى الإبهام لأن قوام البطش بالإبهام فإن كانت أصبع واحدة سوى الإبهام مقطوعة أو شلاء قطع لأن فوات الواحدة لا يوجب خللا ظاهرا في البطش بخلاف فوات الأصبعين لأنهما ينزلان منزلة الإبهام في نقصان البطش
قال وإذا قال الحاكم للحداد اقطع يمين هذا في سرقة سرقها فقطع يساره عمدا أو خطأ فلا شيء عليه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا شيء عليه في الخطأ ويضمن في العمد وقال زفر رحمه الله يضمن في الخطأ أيضا وهو القياس والمراد بالخطأ هو الخطأ في الاجتهاد وأما الخطأ في معرفة اليمين واليسار لا يجعل عفوا وقيل يجعل عذرا أيضا له أنه قطع يدا معصومة والخطأ في حق العباد غير موضوع فيضمنها قلنا إنه أخطأ في اجتهاده إذ ليس في النص تعيين اليمين والخطأ في الاجتهاد موضوع ولهما أنه قطع طرفا معصوما بغير حق ولا تأويل لأنه تغمد الظلم فلا يعفى وإن كان في المجتهدات وكان ينبغي أن يجب القصاص إلا أنه امتنع للشبهة ولأبي حنيفة رحمه الله أنه أتلف وأخلف من جنسه ما هو خير منه فلا يعد إتلافا كمن شهد على غيره ببيع ماله بمثل قيمته ثم رجع وعلى هذا لو قطعه غير الحداد لا يضمن أيضا هو الصحيح ولو أخرج السارق يساره وقال هذه يميني لا يضمن بالاتفاق لأنه قطعه بأمره ثم في العمد عنده عليه أي السارق ضمان المال لأنه لم يقع حدا وفي الخطأ كذلك على هذه الطريقة وعلى طريقة الاجتهاد لا يضمن ولا يقطع السارق إلا أن يحضر المسروق منه فيطالب بالسرقة لأن الخصومة شرط لظهورها ولا فرق بين الشهادة والإقرار عندنا خلافا للشافعي رحمه الله في الإقرار لأن الجناية على مال الغير لا تظهر إلا بخصومته وكذا إذا غاب عند القطع عندنا لأن الاستيفاء من القضاء في باب الحدود وللمستودع والغاصب وصاحب الربا أن يقطعوا السارق منهم ولرب الوديعة أن يقطعه أيضا وكذا المغصوب منه وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يقطع بخصومة الغاصب والمستودع وعلى هذا الخلاف المستعير والمستأجر والمضارب والمستبضع والقابض على سوم الشراء والمرتهن وكل من له يد حافظة سوى المالك ويقطع بخصومة المالك في السرقة من هؤلاء إلا أن الراهن إنما يقطع بخصومته حال قيام الرهن بعد قضاء الدين لأنه لا حق له في المطالبة بالعين بدونه والشافعي رحمه الله بناه على أصله لا خصومة لهؤلاء في الاسترداد عنده وزفر رحمه الله يقول ولاية الخصومة في حق الاسترداد ضرورة الحفظ فلا تظهر في حق القطع لأن فيه تفويت الصيانة ولنا أن السرقة موجبة للقطع في نفسها وقد ظهرت عند القاضي بحجة شرعية وهي شهادة رجلين عقيب خصومة معتبرة مطلقا إذ الاعتبار لحاجتهم إلى الاسترداد فيستوفي القطع والمقصود من الخصومة إحياء حقه وسقوط العصمة ضرورة الاستيفاء فلم يعتبر ولا معتبر بشبهة موهومة الاعتراض كما إذا حضر المالك وغاب المؤتمن فإنه يقطع بخصومته في ظاهر الرواية وإن كانت شبهة الإذن في دخول الحرز ثابتة وإن قطع سارق فسرقت منه لم يكن له ولا لرب السرقة أن يقطع السارق الثاني لأن المال غير متقوم في حق السارق حتى لا يجب عليه الضمان بالهلاك فلم تنعقد موجبة في نفسها وللأول ولاية الخصومة في الاسترداد في رواية لحاجته إذ الرد واجب عليه ولو سرق الثاني قبل أن يقطع الأول أو بعد ما درئ الحد بشبهة يقطع بخصومة الأول لأن سقوط التقوم ضرورة القطع ولم يوجد فصار كالغاصب ومن سرق سرقة فردها على المالك قبل الارتفاع إلى الحاكم لم يقطع وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يقطع اعتبارا بما إذا رده بعد المرافعة وجه الظاهر أن الخصومة شرط لظهور السرقة لأن البينة إنما جعلت حجة ضرورة قطع المنازعة وقد انقطعت الخصومة بخلاف ما عبد المرافعة لانتهاء الخصومة لحصول مقصودها فتبقى تقديرا
وإذا قضي على رجل بالقطع في سرقة فوهبت له لم يقطع معناه إذا سلمت إليه وكذلك إذا باعها المالك إياه وقال زفر والشافعي رحمهما الله يقطع وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله لأن السرقة قد تمت انعقادا وظهورا وبهذا العارض لم يتبين قيام الملك وقت السرقة فلا شبهة ولنا أن الإمضاء من القضاء في هذا الباب لوقوع الاستغناء عنه بالاستيفاء إذ القضاء للإظهار والقطع حق الله تعالى وهو ظاهر عنده وإذا كان كذلك يشترط قيام الخصومة عند الاستيفاء وصار كما إذا ملكها منه قبل القضاء قال وكذلك إذا نقصت قيمتها من النصاب يعني قبل الإستيفاء بعد القضاء وعن محمد رحمه الله أنه يقطع وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله اعتبارا بالنقصان في العين ولنا أن كمال النصاب لما كان شرطا يشترط قيامه عند الإمضاء لما ذكرنا بخلاف النقصان في العين لأنه مضمون عليه فكمل النصاب عينا ودينا كما إذا استهلك كله أما نقصان السعر فغير مضمون فافترقا وإذا ادعى السارق أن العين المسروقة ملكه سقط القطع عنه وإن لم يقم بينة معناه بعد ما شهد الشاهدان بالسرقة وقال الشافعي رحمه الله لا يسقط بمجرد الدعوى لأنه لا يعجز عنه سارق فيؤدي إلى سد باب الحد ولنا أن الشبهة دارئة تتحقق بمجرد الدعوى للاحتمال ولا معتبر بما قال بدليل صحة الرجوع بعد الإقرار وإذا أقر رجلان بسرقة ثم قال أحدهما هو مالي لم يقطعا لأن الرجوع عامل في حق الراجع ومورث للشبهة في حق الآخر لأن السرقة تثبت بإقرارهما على الشركة فإن سرقا ثم غاب أحدهما وشهد الشاهدان على سرقتهما قطع الآخر في قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر وهو قولهما وكان يقول أولا لا يقطع لأنه لو حضر ربما يدعي الشبهة وجه قوله الآخر أن الغيبة تمنع ثبوت السرقة على الغائب فيبقى معدوما والمعدوم لا يورث الشبهة ولا معتبر بتوهم حدوث الشبهة على ما مر وإذا أقر العبد المحجور عليه بسرقة عشرة دراهم بعينها فإنه يقطع وترد السرقة إلى المسروق منه وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف رحمه الله يقطع والعشرة للمولى وقال محمد رحمه الله لا يقطع والعشرة للمولى وهو قول زفر رحمه الله ومعنى هذا إذا كذبه المولى ولو أقر بسرقة مال مستهلك قطعت يده ولو كان العبد مأذونا له يقطع في الوجهين وقال زفر رحمه الله لا يقطع في الوجوه كلها لأن الأصل عنده أن إقرار العبد على نفسه بالحدود والقصاص لا يصح لأنه يرد على نفسه وطرفه وكل ذلك مال المولى والإقرار على الغير غير مقبول إلا أن المأذون له يؤاخذ بالضمان والمال لصحة إقراره به لكونه مسلطا عليه من جهته والمحجور عليه لا يصح إقراره بالمال أيضا ونحن نقول يصح إقراره من حيث إنه آدمي ثم يتعدى إلى المالية فيصح من حيث إنه مال ولأنه لا تهمة في هذا الإقرار لما يشتمل عليه من الإضرار ومثله مقبول على الغير لمحمد رحمه الله في المحجور عليه أن إقراره بالمال باطل ولهذا لا يصح منه الإقرار بالغصب فيبقى مال المولى ولا قطع على العبد في سرقة مال المولى يؤيده أن المال أصل فيها والقطع تابع حتى تسمع الخصومة فيه بدون القطع ويثبت المال دونه وفي عكسه لا تسمع ولا يثبت وإذا بطل فيما هو الأصل بطل في التبع بخلاف المأدون لأن إقراره بالمال الذي في يده صحيح فيصح في حق القطع تبعا ولأبي يوسف رحمه الله أنه أقر بشيئين بالقطع وهو على نفسه فيصح على ما ذكرناه وبالمال وهو على المولى فلا يصح في حقه فيه والقطع يستحق بدونه كما إذا قال الحر الثوب الذي في يد زيد سرقته من عمرو وزيد يقول هو ثوبي يقطع يد المقر وإن كان لا يصدق في تعيين الثوب حتى لا يؤخذ من زيد ولأبي حنيفة رحمه الله أن الإقرار بالقطع قد صح منه لما بينا فيصح بالمال بناء عليه لأن الإقرار يلاقي حالة البقاء والمال في حالة البقاء تابع للقطع حتى تسقط عصمة المال باعتباره فيستوفى القطع بعد استهلاكه بخلاف مسئلة الحر لأن القطع إنما يجب بالسرقة من المودع أما مالا يجب بسرقة العبد مال المولى فافترقا ولو صدقه المولى يقطع في الفصول كلها لزوال المانع
قال وإذا قطع السارق والعين قائمة في يده ردت إلى صاحبها لبقائها على ملكه وإن كانت مستهلكة لم يضمن وهذا الإطلاق يشمل الهلاك والاستهلاك وهو رواية أبي يوسف رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله وهو المشهور وروى الحسن عنه أنه يضمن بالاستهلاك وقال الشافعي رحمه الله يضمن فيهما لأنهما حقان قد اختلف سبباهما فلا يمتنعان فالقطع حق بالشرع وسببه ترك الانتهاء عما نهي عنه والضمان حق العبد وسببه أخذ المال فصار كاستهلاك صيد مملوك في الحرم أو شرب خمر مملوكة لذمي ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا غرم على السارق بعد ما قطعت يمينه ولأن وجوب الضمان ينافي القطع لأنه يتملكه بأداء الضمان مستندا إلى وقت الأخذ فتبين أنه ورد على ملكه فينتفي القطع للشهبة وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي ولأن المحل لا يبقى معصوما حقا للعبد إذ لو بقي لكان مباحا في نفسه فينتفي القطع للشبهة فيصير محرما حقا للشرع كالميتة ولا ضمان فيه إلا أن العصمة لا يظهر سقوطها في حق الاستهلاك لأنه فعل آخر غير السرقة ولا ضرورة في حقه وكذا الشبهة تعتبر فيما هو السبب دون غيره ووجه المشهور أن الاستهلاك إتمام المقصود فتعتبر الشبهة فيه وكذا يظهر سقوط العصمة في حق الضمان لأنه من ضرورات سقوطها في حق الهلاك لانتفاء المماثلة قال ومن سرق سرقات فقطع في إحداها فهو لجميعها ولا يضمن شيئا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يضمن كلها إلا التي قطع لها ومعنى المسئلة إذا حضر أحدهم فإن حضروا جميعا وقطعت يده لخصومتهم لا يضمن شيئا بالاتفاق في السرقات كلها لهما أن الحاضر ليس بنائب عن الغائب ولا بد من الخصومة لتظهر السرقة فلم تظهر السرقة من الغائبين فلم يقع القطع لها فبقيت أموالهم معصومة وله أن الواجب بالكل قطع واحد حقا لله تعالى لأن مبنى الحدود على التداخل والخصومة شرط للظهور عند القاضي فإذا استوفى فالمستوفي كل الواجب ألا ترى أنه يرجع نفعه إلى الكل فيقع عن الكل وعلى هذا الخلاف إذا كانت النصب كلها لواحد فخاصم في البعض والله تعالى أعلم بالصواب 2 باب ما يحدث للسارق في السرقة 2 ومن سرق ثوبا فشقه في الدار نصفين ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم قطع وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يقطع لأن له فيه سبب الملك وهو الخرق الفاحش فإنه يوجب القيمة وتملك المضمون وصار كالمشتري إذا سرق مبيعا فيه خيار للبائع ولهما أن الأخذ وضع سببا للضمان لا للملك وإنما الملك يثبت ضرورة أداء الضمان كيلا يجتمع البدلان في ملك واحد ومثله لا يورث الشبهة كنفس الأخذ وكما إذا سرق البائع معيبا باعه بخلاف ما ذكر لأن البيع موضوع لإفادة الملك وهذا الخلاف فيما إذا اختار تضمين النقصان وأخذ الثوب فإن اختار تضمين القيمة وترك الثوب عليه لا يقطع بالاتفاق لأنه ملكه مستندا إلى وقت الأخذ فصار كما إذا ملكه بالهبة فأورث شبهة وهذا كله إذا كان النقصان فاحشا فإن كان يسيرا يقطع بالاتفاق لانعدام سبب الملك إذ ليس له اختيار تضمين كل القيمة وإن سرق شاة فذبحها ثم أخرجها لم يقطع لأن السرقة تمت على اللحم ولا قطع فيه ومن سرق ذهبا أو فضة يجب فيه القطع فصنعه دراهم أو دنانير قطع وترد الدراهم والدنانير إلى المسروق منه وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا سبيل للمسروق منه عليهما وأصله في الغصب فهذه صنعة متقومة عندهما خلافا له ثم وجوب الحد لا يشكل على قوله لأنه لم يملكه وقيل على قولهما لا يجب لأنه ملكه قبل القطع وقيل يجب لأنه صار بالصنعة شيئا آخر فلم يملك عينه فإن سرق ثوبا فصبغه أحمر قطع ولم يؤخذ منه الثوب ولم يضمن قيمة الثوب وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله
وقال محمد رحمه الله يؤخذ منه الثوب ويعطى ما زاد الصبغ فيه اعتبارا بالغصب والجامع بينهما كون الثوب أصلا قائما وكون الصبع تابعا ولهما أن الصبغ قائم صورة ومعنى حتى لو أراد أخذه مصبوغا يضمن ما زاد الصبغ فيه وحق المالك في الثوب قائم صورة لا معنى ألا ترى أنه غير مضمون على السارق بالهلاك فرجحنا جانب السارق بخلاف الغصب لأن حق كل واحد منهما قائم صورة ومعنى فاستويا من هذا الوجه فرجحنا جانب المالك بما ذكرنا وإن صبغه أسود أخذ منه في المذهبين يعني عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله هذا والأول سواء لأن السواد زيادة عنده كالحمرة وعند محمد رحمه الله زيادة أيضا كالحمرة ولكنه لا يقطع حق المالك وعند أبي حنيفة رحمه الله السواد نقصان فلا يوجب انقطاع حق المالك والله أعلم بالصواب 2 باب قطع الطريق 2 قال وإذا خرج جماعة ممتنعين أو واحد يقدر على الامتناع فقصدوا قطع الطريق فأخذوا قبل أن يأخذوا مالا ويقتلوا نفسا حبسهم الإمام حتى يحدثوا توبة وإن أخذوا مال مسلم أو ذمي والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد منهم عشرة دراهم فصاعدا أو ما تبلغ قيمته ذلك قطع الإمام أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الإمام حدا والأصل فيه قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية والمراد منه والله أعلم التوزيع على الأحوال وهي أربعة هذه الثلاثة المذكورة والرابعة نذكرها إن شاء الله تعالى ولأن الجنايات تتفاوت على الأحوال فاللائق تغلظ الحكم بتغلظها أما الحبس في الأولى فلأنه المراد بالنفي المذكور لأنه نفي عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها ويغزرون أيضا لمباشرتهم منكرا لإخافة وشرط القدرة على الامتناع لأن المحاربة لا تتحقق إلا بالمنعة والحالة الثانية كما بيناها لما تلوناه وشرط أن يكون المأخوذ مال مسلم أو ذمي لتكون العصمة مؤبدة ولهذا لو قطع الطريق على المستأمن لا يجب القطع وشرط كمال النصاب في حق كل واحد كيلا يستباح طرفه إلا بتناوله ماله خطر والمراد قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى كيلا يؤدي إلى تفويت جنس المنفعة والحالة الثالثة كما بيناها لما تلوناه ويقتلون حدا حتى لو عفا الأولياء عنهم لا يلتفت إلى عفوهم لأنه حق الشرع والرابعة إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام بالخيار إن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم وإن شاء قتلهم وإن شاء صلبهم وقال محمد رحمه الله يقتل أو يصلب ولا يقطع لأنه جناية واحدة فلا توجب حدين ولأن ما دون النفس يدخل في النفس في باب الحد كحد السرقة والرجم ولهما أن هذه عقوبة واحدة تغلظت لغلظ سببها وهو تفويت الأمن على التناهي بالقتل وأخذ المال ولهذا كان قطع اليد والرجل معا في الكبرى حدا واحدا وإن كانا في الصغرى حدين والتداخل في الحدود لا في حد واحد ثم ذكر في الكتاب التخيير بين الصلب وتركه وهو ظاهر الرواية وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يتركه لأنه منصوص عليه والمقصود التشهير ليعتبر به غيره ونحن نقول أصل التشهير بالقتل والمبالغة بالصلب فيخير فيه ثم قال ويصلب حيا ويبعج بطنه برمح إلى أن يموت ومثله عن الكرخي رحمه الله وعن الطحاوي رحمه الله أنه يقتل ثم يصلب توقيا عن المثلة وجه الأول وهو الأصح أن الصلب على هذا الوجه أبلغ في الردع وهو المقصود به قال ولا يصلب أكثر من ثلاثة أيام لأنه يتغير بعدها فيتأذى الناس به وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يترك على خشبة حتى يتقطع ويسقط ليعتبر به غيره قلنا حصل الاعتبار بما ذكرناه والنهاية غير مطلوبة قال وإذا قتل القاطع فلا ضمان عليه في مال أخذه اعتبارا بالسرقة الصغرى وقد بيناه فإن باشر القتل أحدهم أجرى الحد عليهم بأجمعهم لأنه جزاء المحاربة وهي تتحقق بأن يكون البعض ردءا للبعض حتى إذا زلت أقدامهم انحازوا إليهم وإنما الشرط القتل من واحد منهم وقد تحقق
قال والقتل وإن كان بعصا أو بحجر أو بسيف فهو سواء لأنه يقع قطعا للطريق بقطع المارة وإن لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه فيما فيه القصاص وأخذ الأرش منه فيما فيه الأرش وذلك إلى الأولياء لأنه لا حد في هذه الجناية فظهر حق العبد وهو ما ذكرناه فيستوفيه الولي وإن أخذ مالا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات لأنه لما وجب الحد حقا لله سقطت عصمة النفس حقا للعبد كما تسقط عصمة المال وإن أخذ بعد ما تاب وقد قتل عمدا فإن شاء الأولياء قتلوه وإن شاءوا عفوا عنه لأن الحد في هذه الجناية لا يقام بعد التوبة للاستثناء المذكور في النص ولأن التوبة تتوقف على رد المال ولا قطع في مثله فظهر حق العبد في النفس والمال حتى يستوفي الولي القصاص أو يعفو ويجب الضمان إذا هلك في يده أو استهلكه وإن كان من القطاع صبي أو مجنون أو ذو رحم محرم من المقطوع عليه سقط الحد عن الباقين فالمذكور في الصبي والمجنون قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لو باشر العقلاء يحد الباقون وعلى هذا السرقة الصغرى له أن المباشر أصل والردء تابع ولا خلل في مباشرة العاقل ولا اعتبار بالخلل في التبع وفي عكسه ينعكس المعنى والحكم ولهما أنه جناية واحدة قامت بالكل فإذا لم يقع فعل بعضهم موجبا كان فعل الباقين بعض العلة وبه لا يثبت الحكم فصار كالخاطئ مع العامد وأما ذو الرحم المحرم فقد قيل تأويله إذا كان المال مشتركا بين المقطوع عليهم والأصح أنه مطلق لأن الجناية واحدة على ما ذكرناه فالامتناع في حق البعض يوجب الامتناع في حق الباقين بخلاف ما إذا كان فيهم مستأمن لأن الامتناع في حقه لخلل في العصمة وهو يخصه أما هنا الامتناع لخلل في الحرز والقافلة حرز واحد وإذا سقط الحد صار القتل إلى الأولياء لظهور حق العبد على ما ذكرناه فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا وإذا قطع بعض القافلة الطريق على البعض لم يجب الحد لأن الحرز واحد فصارت القافلة كدار واحدة ومن قطع الطريق ليلا أو نهارا في المصر أو بين الكوفة والحيرة فليس بقاطع الطريق استحسانا وفي القياس يكون قاطع الطريق وهو قول الشافعي رحمه الله لوجوده حقيقة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يجب الحد إذا كان خارج المصر وإن كان بقربه لأنه لا يلحقه الغوث وعنه إن قاتلوا نهارا بالسلاح أو ليلا به أو بالخشب فهم قطاع الطريق لأن السلاح لا يلبث والغوث يبطئ بالليالي ونحن نقول إن قطع الطريق يقطع المارة ولا يتحقق ذلك في المصر ويقرب منه لأن الظاهر لحوق الغوث لأنهم يؤخذون برد المال إيصالا للحق إلى المستحق ويؤدبون ويحبسون لارتكابهم الجناية ولو قتلوا فالأمر فيه إلى الأولياء لما بينا ومن خنق رجلا حتى قتله فالدية على عاقلته عند أبي حنيفة رحمه الله وهي مسئلة القتل بالمثقل وسنبين في باب الديات إن شاء الله تعالى وإن خنق في المصر غير مرة قتل به لأنه صار ساعيا في الأرض بالفساد فيدفع شره بالقتل والله تعالى أعلم بالصواب 1 كتاب السير 1 السير جمع سيرة وهي الطريقة في الأمور وفي الشرع تختص بسير النبي عليه الصلاة والسلام في مغازيه
قال الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين أما الفرضية فلقوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ولقوله عليه الصلاة والسلام الجهاد ماض إلى يوم القيامة وأراد به فرضا باقيا وهو فرض على الكفاية لأنه ما فرض لعينه إذ هو إفساد في نفسه وإنما فرض لإعزاز دين الله ودفع الشر عن العباد فإذا حصل المقصود بالبعض سقط عن الباقين كصلاة الجنازة ورد السلام فإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه لأن الوجوب على الكل ولأن في اشتغال الكل به قطع مادة الجهاد من الكراع والسلاح فيجب على الكفاية إلا أن يكون النفير عاما فحينئذ يصير من فروض الأعيان لقوله تعالى انفروا خفافا وثقالا الآية وقال في الجامع الصغير الجهاد واجب إلا أن المسلمين في سعة حتى يحتاج إليهم فأول هذا الكلام إشارة إلى الوجوب على الكفاية وآخره إلى النفير العام وهذا لأن المقصود عند ذلك لا يتحصل إلا بإقامة الكل فيفترض على الكل وقتال الكفار واجب وإن لم يبدءوا للعمومات ولا يجب الجهاد على صبي لأن الصبا مظنة المرحمة ولا عبد ولا امرأة لتقدم حق المولى والزوج ولا أعمى ولا مقعد ولا أقطع لعجزهم فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع تخرج المرأة بغير إذن زوجها والعبد بغير إذن المولى لأنه صار فرض عين وملك اليمين ورق النكاح لا يظهر في حق فروض الأعيان كما في الصلاة والصوم بخلاف ما قبل النفير لأن بغيرهما مقنعا فلا ضرورة إلى إبطال حق المولى والزوج ويكره الجعل ما دام للمسلمين فيء لأنه لا يشبه الأجر ولا ضرورة إليه لأن مال بيت المال معد لنوائب المسلمين قال فإذا لم يكن فلا بأس بأن يقوي بعضهم بعضا لأن فيه دفع الضرر الأعلى بإلحاق الأدنى يؤيده أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ دروعا من صفوان وعمر رضي الله عنه كان يغزي الأعزب عن ذي الحليلة ويعطي الشاخص فرس القاعد والله أعلم بالصواب 2 باب كيفية القتال 2 وإذا دخل المسملون دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصنا دعوهم إلى الإسلام لما روى ابن عباس رضي الله عنما أن النبي عليه الصلاة والسلام ما قاتل قوما حتى دعاهم إلى الإسلام قال فإن أجابوا كفوا عن قتالهم لحصول المقصود وقد قال صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله الحديث وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية به أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام أمراء الجيوش ولأنه أحد ما ينتهي به القتال على ما نطق به النص وهذا في حق من تقبل منه الجزية ومن لا تقبل منه كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب لا فائدة في دعائهم إلى قبول الجزية لأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين لقول علي رضي الله عنه إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا والمراد بالبذل القبول وكذا المراد بالإعطاء المذكور فيه في القرآن والله أعلم ولا يجوز أن يقاتل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام إلا أن يدعوه لقوله عليه الصلاة والسلام في وصية أمراء الأجناد فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ولأنهم بالدعوة يعلمون أنا نقاتلهم على الدين لا على سلب الأموال وسبي الذراري فلعلهم يجيبون فنكفى مؤنة القتال ولو قاتلهم قبل الدعوة أثم للنهي ولا غرامة لعدم العاصم وهو الدين أو الإحراز بالدار فصار كقتل النسوان والصبيان
ويستحب أن يدعو من بلغته الدعوة مبالغة في الإندار ولا يجب ذلك لأنه صح أن النبي عليه الصلاة والسلام أغار على بني المصطلق وهم غارون وعهد إلى أسامة رضي الله عنه أن يغير على أبنى صباحا ثم يحرق والغارة لا تكون بدعوة قال فإن أبوا ذلك استعانوا بالله عليهم وحاربوهم لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سليمان بن بريدة فإن أبوا ذلك فادعهم إلى إعطاء الجزية إلى أن قال فإن أبوها فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ولأنه تعالى هو الناصر لأوليائه والمدمر على أعدائه فيستعان به في كل الأمور قال ونصبوا عليهم المجانيق كما نصب رسول الله عليه الصلاة ولاسلام على الطائف وحرقوهم لأنه عليه الصلاة والسلام أحرق اليوبرة قال وأرسلوا عليهم الماء وقطعوا أشجارهم وأفسدوا زروعهم لأن في جميع ذلك إلحاق الكبت والغيظ بهم وكسر شوكتهم وتفريق جمعهم فيكون مشروعا ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص ولأنه قلما يخلو حصن من مسلم فلو امتنع باعتباره لانسد بابه وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم لما بينا ويقصدون بالرمي الكفار لأنه إن تعذر التمييز فعلا فلقد أمكن قصدا والطاعة بحسب الطاقة وما أصابوه منهم لا دية عليهم ولا كفارة لأن الجهاد فرض والغرامات لا تقرن بالفروض بخلاف حالة المخمصة لأنه لا يمتنع مخافة الضمان لما فيه من إحياء نفسه أما الجهاد فمبني على إتلاف النفس فيمتنع حذار الضمان قال ولا بأس بإخراج النساء والمصاحف مع المسلمين إذا كانوا عسكرا عظيما يؤمن عليه لأن الغالب هو السلامة والغالب كالمتحقق ويكره إخراج ذلك في سرية لا يؤمن عليها لأن فيه تعريضهن على الضياع والفضيحة وتعريض المصاحف على الاستخفاف فإنهم يستخفون بها مغايظة للمسلمين وهو التأويل الصحيح لقوله عليه الصلاة والسلام لا تسافروا بالقرآن في أرض العدو ولو دخل مسلم إليهم بأمان لا بأس بأن يحمل معه المصحف إذا كانوا قوما يوفون بالعهد لأن الظاهر عدم التعرض والعجائز يخرجن في العسكر العظيم لإقامة عمل يليق بهن كالطبخ والسقي والمداواة فأما الشواب فقرارهن في البيوت أدفع للفتنة ولا يباشرن القتال لأنه يستدل به على ضعف المسلمين إلا عند الضرورة ولا يستحب إخراجهن للمباضعة والخدمة فإن كانوا لا بد مخرجبن فبالإماء دون الحرائر ولا تقاتل المرأة إذ بإذن زوجها ولا العبد إلا بإذن سيده لما بينا إلا أن يهجم العدو على بلد للضرورة وينبغي للمسلمين أن لا يغدروا ولا يغلوا ولا يمثلوا لقوله عليه الصلاة والسلام لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا والغلول السرقة من المغنم والغدر الخيانة ونقض العهد والمثلة المروية في قصة العرنيين منسوخة بالنهي المتأخر هو المنقول ولا يقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا مقعدا ولا أعمى لأن المبيح للقتل عندنا هو الحراب ولا يتحقق منهم ولهذا لا يقتل يابس الشق والمقطوع اليمنى والمقطوع يده ورجله من خلاف والشافعي رحمه الله تعالى يخالفنا في الشيخ الفاني والمقعد والأعمى لأن المبيح عنده الكفر والحجة عليه ما بينا وقد صح أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قتل الصبيان والذراري وحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة مقتولة قال هذه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت قال إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة لتعدي ضررها إلى العباد وكذا يقتل من قاتل من هؤلاء دفعا لشره ولأن القتال مبيح حقيقة ولا يقتلوا مجنونا لأنه غير مخاطب إلا أن يقاتل فيقتل دفعا لشره غير أن الصبي والمجنون يقتلان ما داما يقاتلان وغيرهما لا بأس بقتله بعد الأسر لأنه من أهل العقوبة لتوجه الخطاب نحوه وإن كان يجن ويفيق فهو في حال إفاقته كالصحيح
ويكره أن يبتدئ الرجل أباه من المشركين فيقتله لقوله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا ولأنه يجب عليه إحياؤه بالإتفاق فيناقضه الإطلاق في إفنائه فإن أدركه امتنع عليه حتى يقتله غيره لأن المقصود يحصل بغيره من غير اقتحامه المأثم وإن قصد الأب قتله بحيث لا يمكنه دفعه إلا بقتله لا بأس به لأن مقصوده الدفع ألا ترى أنه لو شهر الأب المسلم سيفه على ابنه ولا يمكنه دفعه إلا بقتله يقتله لما بينا فهذا أولى والله أعلم بالصواب 2 باب الموادعة ومن يجوز أمانه 2 وإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقا منهم وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به لقوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ووادع رسول الله عليه الصلاة والسلام أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ولأن الموادعة جهاد معنى إذا كان خيرا للمسلمين لأن المقصود وهو دفع الشر حاصل به ولا يقتصر الحكم على المدة المروية لتعدي المعنى إلى ما زاد عليها بخلاف ما إذا لم يكن خيرا لأنه ترك الجهاد صورة ومعنى وإن صالحهم مدة ثم رأى نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم لأنه عليه الصلاة والسلام نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة ولأن المصلحة لما تبدلت كان النبذ جهادا وإيفاء العهد ترك الجهاد صورة ومعنى فلا بد من النبذ تحرزا عن الغدر وقد قال عليه الصلاة والسلام في العهود وفاء لا غدر ولا بد من اعتبار مدة يبلغ فيها خبر النبذ إلى جميعهم ويكتفى في ذلك بمضي مدة يتمكن ملكهم بعد علمه بالنبذ من إنفاذ الخبر إلى أطراف مملكته لأن بذلك ينتفي الغدر قال وإن بدءوا بخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم لأنهم صاروا ناقضين للعهد فلا حاجة إلى نقضه بخلاف ما إذا دخل جماعة منهم فقطعوا الطريق ولا منعة لهم حيث لا يكون هذا نقضا للعهد ولو كانت لهم منعة وقاتلوا المسلمين علانية يكون نقضا للعهد في حقهم دون غيرهم لأنه بغير إذن ملكهم ففعلهم لا يلزم غيرهم حتى لو كان بإذن ملكهم صاروا ناقضين للعهد لأنه باتفاقهم معنى وإذا رأى الإمام موادعة أهل الحرب وأن يأخذ على ذلك مالا فلا بأس به لأنه لما جازت الموادعة بغير المال فكذا بالمال لكن هذا إذا كان بالمسلمين حاجة أما إذا لم تكن لا يجوز لما بينا من قبل والمأخوذ من المال يصرف مصارف الجزية هذا إذا لم ينزلوا بساحتهم بل أرسلوا رسولا لأنه في معنى الجزية أما إذا أحاط ا لجيش بهم ثم أخذوا المال فهو غنيمة بخمسها ويقسم الباقي بينهم لأنه مأخوذ بالقهر معنى وأما المرتدون فيوادعهم الإمام حتى ينظر في أمرهم لأن الإسلام مرجو منهم فجاز تأخير قتالهم طمعا في إسلامهم ولا يأخذ عليه مالا لأنه لا يجوز أخذ الجزية منهم لما تبين ولو أخذه لم يرده لأنه مال غير معصوم ولو حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على مال يدفعه المسلمون إليهم لا يفعله الإمام لما فيه من إعطاء الدنية وإلحاق المذلة بأهل الإسلام إلا إذا خاف الهلاك لأن دفع الهلاك واجب بأي طريق يمكن ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم ولأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك وكذا الكراع لما بينا وكذا الحديد لأنه أصل السلاح وكذا بعد الموادعة لأنها على شرف النقض أو الانقض فكانا حربا علينا وهذا هو القياس في الطعام والثوب إلا أنا عرفناه بالنص فإنه عليه الصلاة والسلام أمر ثمامة أن يمير أهل مكة وهم حرب عليه فصل
إذا أمن رجل حرا وامرأة حرا كافرا أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة صح أمانهم ولم يكن لأحد من المسلمين قتالهم والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بدمتهم أدناهم أي أقلهم وهو الواحد ولأنه من أهل القتال فيخافونه إذ هو من أهل المنعة فيتحقق الأمان منه لملاقاته محله ثم يتعدى إلى غيره ولأن سببه لا يتجزأ وهو الإيمان وكذا الأمان لا يتجزأ فيتكامل كولاية الإنكاح قال إلا أن يكون في ذلك مفسدة فينبذ إليهم كما إذا أمن الإمام بنفسه ثم رأى المصلحة في النبذ وقد بيناه ولو حاصر الإمام حصنا وأمن واحد من الجيش وفيه مفسدة ينبذ الإمام الأمان لما بينا ويؤدبه الإمام لا فتيانه على رأيه بخلاف ما إذا كان فيه نظر لأنه ربما تفوت المصلحة بالتأخير فكان معذورا ولا يجوز أمان ذمي لأنه متهم بهم وكذا لا ولاية له على المسلمين قال ولا أسير ولا تاجر يدخل عليهم لأنهما مقهوران تحت أيديهم فلا يخافونهما والأمان يختص بمحل الخوف ولأنهما يجبران عليه فيعرى الأمان عن المصلحة ولأنهم كلما اشتد الأمر عليهم يجدون أسيرا أو تاجرا فيتخلصون بأمانه فلا ينفتح لنا باب الفتح ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا لا يصح أمانه لما بينا ولا يجوز أمان العبد المحجور عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يأذن له مولاه في القتال وقال محمد رحمه الله يصح وهو قول الشافعي رحمه الله وأبو يوسف رحمه الله معه في رواية ومع أبي حنيفة رحمه الله في رواية لمحمد رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام أمان العبد أمان رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ولأنه مؤمن ممتنع فيصح أمانه اعتبارا بالمأذون له في القتال وبالمؤبد من الأمان فالإيمان لكونه شرطا للعبادة والجهاد عبادة والامتناع لتحقق إزالة الخوف به والتأثير إعزاز الدين وإقامة المصلحة في حق جماعة المسلمين إذ الكلام في مثل هذه الحالة وإنما لا يملك المسايفة لما فيه من تعطيل منافع المولى ولا تعطيل في مجرد القول ولأبي حنيفة رحمه الله أنه محجور عن القتال فلا يصح أمانه لأنهم لا يخافونه فلم يلاق الأمان محله بخلاف المأذون له في القتال لأن الخوف منه متحقق ولأنه إنما لا يملك المسايفة لما أنه تصرف في حق المولى على وجه لا يعرى عن احتمال الضرر في حقه والأمان نوع قتال وفيه ما ذكرناه لأنه قد يخطئ بل هو الظاهر وفيه سد باب الاستغنام بخلاف المأذون لأنه رضي به والخطأ نادر لمباشرته القتال وبخلاف المؤبد لأنه خلف عن الإسلام فهو بمنزلة الدعوة إليه ولأنه مقابل بالجزية ولأنه مفروض عند مسألتهم ذلك وإسقاط الفرض نفع فافترقا ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح كالمجنون وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف وإن كان مأذونا له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق والله أعلم بالصواب 2 باب الغنائم وقسمتها 2 وإذا فتح الإمام بلدة عنوة أي قهرا فهو بالخيار إن شاء قسمه بين المسلمين كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام بخيبر وإن شاء أقر أهله عليه ووضع عليهم الجزية وعلى أراضيهم الخراج كذلك فعل عمر رضي الله عنه بسواد العراق بموافقة من الصحابة رضي الله عنهم ولم يحمد من خالفه وفي كل من ذلك قدوة فيتخير وقيل الأولى هو الأول عند حاجة الغانمين والثاني عند عدم الحاجة ليكون عدة في الزمان الثاني وهذا في العقار
أما في المنقول المجرد لا يجوز المن بالرد عليهم لأنه لم يرد به الشرع فيه وفي العقار خلاف الشافعي رحمه الله لأن في المن إبطال حق الغانمين أو ملكهم فلا يجوز من غير بدل يعادله والخراج غير معادل لقلته بخلاف الرقاب لأن للإمام أن يبطل حقهم رأسا بالقتل والحجة عليه ما رويناه ولأن فيه نظرا لأنهم كالأكرة العاملة للمسلمين العالمة بوجوه الزراعة والمؤن مرتفعة مع ما أنه يحظى به الذين يأتون من بعد والخراج وإن قل حالا فقد جل مآلا لدوامه وإن من عليهم بالرقاب والأراضي يدفع إليهم من المنقولات بقدر ما يتهيأ لهم العمل ليخرج عن حد الكراهة قال وهو في الأسارى بالخيار إن شاء قتلهم لأنه عليه الصلاة والسلام قد قتل ولأن فيه حسم مادة الفساد وإن شاء استرقهم لأن فيه دفع شرهم مع وفور المنفعة لأهل الإسلام وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين لما بيناه إلا مشركي العرب والمرتدين على ما نبين إن شاء الله تعالى ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب لأن فيه تفويتهم على المسلمين فإن أسلموا لا يقتلهم لاندفاع ا لشر بدونه وله أن يسترقهم توفيرا للمنفعة بعد انعقاد سبب الملك بخلاف إسلامهم قبل الأخذ لأنه لم ينعقد السبب بعد ولا يفادى بالأسارى عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يفادى بهم أسارى المسلمين وهو قول الشافعي رحمه الله لأن فيه تخليص المسلم وهو أولى من قتل الكافر والانتفاع به وله أن فيه معونة للكفرة لأنه يعود حربا عليا ودفع شر حرابه خير من استنقاذ الأسير المسلم لأنه إذا بقي في أيديهم كان ابتلاء في حقه غير مضاف إلينا والإعانة بدفع أسيرهم إليهم مضاف إلينا أما المفاداة بمال يأخذه منهم لا يجوز في المشهور من المذاهب لما بينا وفي السير الكبير أنه لا بأس به إذا كان بالمسلمين حاجة استدلالا بأسارى بدر ولو كان أسلم الأسير في أيدينا لا يفادى بمسلم أسير في أيديهم لأنه لا يفيد إلا إذا طابت نفسه به وهو مأمون على إسلامهم قال ولا يجوز المن عليهم أي على الأسارى خلافا للشافعي رحمه الله فإنه يقول من رسول الله عليه الصلاة والسلام على بعض الأسارى يوم بدر ولنا قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولأنه بالأسر والقسر ثبت حق الاسترقاق فيه فلا يجوز إسقاطه بغير منفعة وعوض وما رواه منسوخ بما تلونا وإذا أراد الإمام العود ومعه مواش فلم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحها وحرقها ولا يعقرها ولا يتركها وقال الشافعي رحمه الله يتركها لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذبح الشاة إلا لمأكلة ولنا أن ذبح الحيوان يجوز لغرض صحيح ولا غرض أصح من كسر شوكة الأعداء ثم يحرق بالنار لينقطع منفعته عن الكفار وصار كتخريب البنيان بخلاف التحريق قبل الذبح لأنه منهي عنه وبخلاف العقر لأنه مثلة وتحرق الأسلحة أيضا ومالا يحترق منها يدفن في موضع لا يطلع عليه الكفار إبطالا للمنفعة عليهم
ولا يقسم غنيمة في دار الحرب حتى يخرجها إلى دار الإسلام وقال الشافعي رحمه الله لا بأس بذلك وأصله أن الملك للغانمين لا يثبت قبل للإحراز بدار الإسلام عندنا وعنده يثبت ويبتنى على هذا الأصل عدة من المسائل ذكرناها في كفاية المنتهى له أن سبب الملك الاستيلاء إذا ورد على مال مباح كما في الصيود ولا معنى للاستيلاء سوى إثبات اليد وقد تحقق ولنا أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب والخلاف ثابت فيه والقسمة بيع معني فتدخل تحته ولأن الاستيلاء إثبات اليد الحافظة والناقلة والثاني منعدم لقدرتهم على الاستنقاذ ووجوده ظاهرا ثم قيل موضع الخلاف ترتب الأحكام على القسمة إذا قسم الإمام لا عن اجتهاد لأن حكم الملك لا يثبت بدونه وقيل الكراهة وهي كراهة تنزيه عند محمد رحمه الله فإنه قال على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا تجوز القسمة في دار الحرب وعند محمد رحمه الله الأفضل أن بقسم في دار الإسلام ووجه الكراهة أن دليل البطلان راجح إلا أنه تقاعد عن سلب الجواز فلا يتعاقد عن إيراث الكراهة قال والردء والمقاتل في العسكر سواء لاستوائهم في السبب وهو المجاوزة أو شهود الوقعة على ما عرف وكذلك إذا لم يقاتل لمرض أو غيره لما ذكرنا وإذا لحقهم المدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام شاركوهم فيها خلافا للشافعي رحمه الله بعد انقضاء القتال وهو بناء على ما مهدناه من الأصل وإنما ينقطع حق المشاركة عندنا بالإحراز أو بقسمة الإمام في دار الحرب أو ببيعه المغانم فيها لأن بكل واحد منها يتم الملك فينقطع حق شركة المدد قال ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه يسهم له لقوله عليه الصلاة والسلام الغنيمة لمن شهد الوقعة ولأنه وجد الجهاد معنى بتكثير السواد ولنا أنه لم توجد المجاوزة على قصد القتال فانعدم السبب الظاهر فيعتبر السبب الحقيقي وهو القتال فيفيد الاستحقاق على حسب حاله فارسا أو راجلا عند القتال وما رواه موقوف على عمر رضي الله عنه أو تأويله أن يشهدها على قصد القتال وإن لم تكن للإمام حمولة تحمل عليها الغنائم قسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملوها إلى دار الإسلام ثم يرتجعها منهم فيقسمها قال العبد الضعيف هكذا ذكر في المختصر ولم يشترط رضاهم وهو رواية السير الكبير والجملة في هذا أن الإمام إذا وجد في المغنم حمولة يحمل الغنائم عليها لأن الحمولة والمحمول ما لهم وكذا إذا كان في بيت المال فضل حمولة لأنه مال المسلمين ولو كان للغانمين أو لبعضهم لا يجبهرم في رواية السير الصغير لأنه ابتداء إجارة وصار كما إذا نفقت دابته في مفازة ومع رفيقه فضل حمولة ويجبرهم في رواية السير الكبير لأنه دفع الضرر العام بتحميل ضرر خاص ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب لأنه لا ملك قبلها وفيه خلاف الشافعي رحمه الله وقد بينا الأصل ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في الغنيمة ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام فنصيبه لورثته لأن الإرث يجري في الملك ولا ملك قبل الإحراز وإنما الملك بعده وقال الشافعي رحمه الله من مات منهم بعد استقرار الهزيمة يورث نصيبه لقيام الملك فيه عنده وقد بيناه
قال ولا بأس بأن يعلف العسكر في دار الحرب ويأكلوا مما وجدوه من الطعام قال العبد الضعيف أرسل ولم يقيده بالحاجة وقد شرطها في رواية ولم يشترطها في أخرى وجه الأولى أنه مشترك بين الغانمين فلا يباح الانتفاع به إلا للحاجة كما في الثياب والدواب وجه الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام في طعام خيبر كلوها واعلفوها ولا تحملوها ولأن الحكم يدار على دليل الحاجة وهو كونه في دار الحرب لأن الغازي لا يستصحب قوت نفسه وعلف ظهره مدة مقامه فيها والميرة منقطعة فبقي على أصل الإباحة للحاجة بخلاف السلاح لأنه يستصحبه فانعدم دليل الحاجة وقد تمس إليه الحاجة فتعتبر حقيقتها فيستعمله ثم يرده في المغنم إذا استغنى عنه والدابة مثل السلاح والطعام كالخبز واللحم وما يستعمل فيه كالسمن والزيت قال ويستعملوا الحطب وفي بعض النسخ الطيب ويدهنوا بالدهن ويوقحوا به الدابة لمساس الحاجة إلى جميع ذلك ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح كل ذلك بلا قسمة وتأويله إذا احتاج إليه بأن لم يكن له سلاح وقد بيناه ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئا ولا يتمولونه لأن البيع يترتب على الملك ولا ملك على ما قدمناه وإنما هو إباحة وصار كالمباح له الطعام وقوله ولا يتمولونه إشارة إلى أنهم لا يبيعونه بالذهب والفضة والعروض لأنه لا ضرورة إلى ذلك فإن باعه أحدهم رد الثمن إلى الغنيمة لأنه بدل عين كانت للجماعة وأما الثياب والمتاع فيكره الانتفاع بها قبل القسمة من غير حاجة للاشتراك إلا أنه يقسم الإمام بينهم في دار الحرب إذا احتاجوا إلى الثياب والدواب والمتاع لأن المحرم يستباح للضرورة فالمكروه أولى وهذا لأن حق المدد محتمل وحاجة هؤلاء متيقن بها فكان أولى بالرعاية ولم يذكر القسمة في السلاح ولا فرق في الحقيقة فإنه إذا احتاج واحاد يباح له الانتفاع في الفصلين وإن احتاج الكل يقسم في الفصلين بخلاف ما إذا احتاجوا إلى السبي حيث لا يقسم لأن الحاجة إليه من فضول الحوائج قال ومن أسلم منهم معناه في دار الحرب أحرز بإسلامه نفسه لأن الإسلام ينافي ابتداء الاسترقاق وأولاده الصغار لأنهم مسلمون بإسلامه تبعا وكل مال هو في يده لقوله عليه الصلاة والسلام من أسلم على مال فهو له ولأنه سبقت يده الحقيقية إليه يد الظاهرين عليه أو وديعة في يد مسلم أو ذمي لأنه في يد صحيحة محترمة ويده كيده فإن ظهرنا على دار الحرب فعقاره فيء وقال الشافعي رحمه الله هو له لأنه في يده فصار كالمنقول ولنا أن العقار في يد أهل الدار وسلطانها إذ هو من جملة دار الحرب فلم يكن في يده حقيقة وقيل هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر وفي قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول رحمهم الله هو كغيره من الأموال بناء على أن اليد حقيقة لا تثبت على العقار عندهما وعند محمد تثبت وزوجته فيء لأنها كافرة حربية لا تتبعه في الإسلام وكذا حملها فيء خلافا للشافعي رحمه الله هو يقول إنه مسلم تبعا كالمنفصل ولنا أنه جزؤها فيرق برقها والمسلم محل للتملك تبعا لغيره بخلاف المنفصل لأنه حر لانعدام الجزئية عند ذلك وأولاده الكبار فيء لأنهم كفار حربيون ولا تبعية
ومن قاتل من عبيده فيء لأنه لما تمرد على مولاه خرج من يده فصار تبعا لأهل دارهم وما كان من ماله في يد حربي فهو فيء غصبا كان أو وديعة لأن يده ليست بمحترمة وما كان غصبا في يد مسلم أو ذمي فهو فيء عند أبي حنيفة وقال محمد رحمه الله لا يكون فيئا قال العبد الضعيف رحمه الله كذا ذكر الاختلاف في السير الكبير وذكروا في شروح الجامع الصغير قول أبي يوسف مع قول محمد رحمهما الله لهما أن المال تابع للنفس وقد صارت معصومة بإسلامه فيتبعها ماله فيها وله أنه مال مباح فيملك بالاستيلاء والنفس لم تصر معصومة بالإسلام ألا ترى أنها ليست بمتقومة إلا أنه محرم التعرض في الأصل لكونه مكلفا وإباحة التعرض بعارض شره وقد اندفع بالإسلام بخلاف المال لأنه خلق عرضة للامتهان فكان محلا للتملك وليست في يده حكما فلم تثبت العصمة وإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة ولا يأكلوا منها لأن الضرورة قد ارتفعت والإباحة باعتبارها ولأن الحق قد تأكد حتى يورث نصيبه ولا كذلك قبل الإخراج إلى دار الإسلام ومن فضل معه علف أو طعام رده إلى الغنيمة معناه إذا لم تقسم وعن الشافعي رحمه الله مثل قولنا وعنه أنه لا يرد اعتبارا بالمتلصص ولنا أن الاختصاص ضرورة الحاجة وقد زالت بخلاف المتلصص لأنه كان أحق به قبل الإحراز فكذا بعده وبعد القسمة تصدقوا به إن كانوا إغنياء وانتفعوا به إن كانوا محاويج لأنه صار في حكم اللقطة لتعذر الرد على الغانمين وإن كانوا انتفعوا به بعد الإحراز ترد قيمته إلى المغنم إن كان لم يقسم وإن قسمت الغنيمة بالغني يتصدق بقيمته والفقير لا شيء عليه لقيام القيمة مقام الأصل فأخذ حكمه والله أعلم بالصواب فصل في كيفية القسمة قال ويقسم الإمام الغنيمة فيخرج خمسها لقوله تعالى فأن لله خمسه وللرسول استثنى الخمس ويقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين لأنه عليه الصلاة والسلام قسمها بين الغانمين ثم للفارس سهمان وللراجل سهم عند أبي حنيفة رحمه الله وقال للفارس ثلاثة أسهم وهو قول الشافعي رحمه الله لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهما ولأن الاستحقاق بالغناء وغناؤه على ثلاثة أمثال الراجل لأنه للكر والفر والثبات والراجل للثبات لا غير ولأبي حنيفة رحمه الله ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى الفارس سهمين والراجل سهما فتعارض فعلاه فيرجع إلى قوله وقد قال عليه الصلاة والسلام للفارس سهمان وللراجل سهم كيف وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قسم للفارس سهمين وللراجل سهما وإذا تعارضت روايتاه ترجح رواية غيره لأن الكر والفر من جنس واحد فيكون غناؤه مثلي غناء الراجل فيفضل عليه بسهم ولأنه تعذر اعتبار مقدار الزيادة لتعذر معرفته فيدار الحكم على سبب ظاهر وللفارس سببان النفس والفرس وللراجل سبب واحد فكان استحقاقه على ضعفه ولا يسهم إلا لفرس واحد وقال أبو يوسف رحمه الله يسهم لفرسين لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام أسهم لفرسين ولأن الواحد قد يعيا فيحتاج إلى الآخر ولهما أن البراء بن أوس قاد فرسين فلم يسهم رسول الله عليه الصلاة ولاسلام إلا لفرس واحد ولأن القتال لا يتحقق بفرسين دفعة واحدة فلا يكون السبب الظاهر مفضيا إلى القتال عليهما فيسهم لواحد ولهذا لا يسهم لثلاثة أفراس وما رواه محمول على التنفيل كما أعطى سلمة بن الأكوع سهمين وهو راجل والبراذين والعتاق سواء لأن الإرهاب مضاف إلى جنس الخيل في الكتاب قال الله تعالى ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واسم الخيل ينطلق على البراذين والعراب والهجين والمقرف إطلاقا واحدا ولأن العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى فالبرذون أصبر وألين عطفا ففي كل واحد منهما منفعة معتبرة فاستويا
ومن دخل دار الحرب فارسا فنفق فرسه استحق سهم الفرسان ومن دخل راجلا فاشترى فرسا استحق سهم راجل وجواب الشافعي رحمه الله على عكسه في الفصلين وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة رحمه الله في الفصل الثاني أنه يستحق سهم الفرسان والحاصل أن المعتبر عندنا حالة المجاوزة وعنده حالة انقضاء الحرب له أن السبب هو القهر والقتال فيعتبر حال الشخص عنده والمجاوزة وسيلة إلى السبب كالخروج من البيت وتعليق الأحكام بالقتال يدل على إمكان الوقوف عليه ولو تعذر أو تعسر تعلق بشهود الوقعة لأنه أقرب إلى القتال ولنا أن المجاوزة نفسها قتال لأنه يلحقهم الخوف بها والحال بعدها حالة الدوام ولا معتبر بها ولأن الوقوف على حقيقة القتال متعسر وكذا على شهود الوقعة لأنه حال التقاء الصفين فتقام المجاوزة مقامه إذ هو السبب المفضي إليه ظاهرا إذا كان على قصد القتال فيعتبر حال الشخص بحالة المجاوزة فارسا كان أو راجلا ولو دخل فارسا وقاتل راجلا لضيق المكان يستحق سهم الفرسان بالاتفاق ولو دخل فارسا ثم باع فرسه أو وهب أو آجر أو رهن ففي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله يستحق سهم الفرسان اعتبارا للمجاوزة وفي ظاهر الرواية يستحق سهم الرجالة لأن الإقدام على هذه التصرفات يدل على أنه لم يكن من قصده بالمجاوزة القتال فارسا ولو باعه بعد الفراغ لم يسقط سهم الفرسان وكذا إذا باع في حالة القتال عند البعض والأصح أنه يسقط لأن البيع يدل على أن غرضه التجارة فيه إلا أنه ينتظر عزته ولا يسهم لمملوك ولا امرأة ولا صبي ولا ذمي ولكن يرضخ لهم على حسب ما يرى الإمام لما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد وكان يرضخ لهم ولما استعان عليه الصلاة والسلام باليهود على اليهود لم يعطهم شيئا من الغنيمة يعني أنه لم يسهم لهم ولأن الجهاد عبادة والذمي ليس من أهل العبادة والصبي والمرأة عاجزان عنه ولهذا لم يلحقهما فرضه والعبد لا يمكنه المولى وله منعه إلا أنه يرضخ لهم تحريضا على القتال مع إظهار انحطاط رتبتهم والمكاتب بمنزلة العبد لقيام الرق وتوهم عجزه فيمنعه المولى عن الخروج إلى القتال ثم العبد إنما يرضخ له إذا قاتل لأنه دخل لخدمة المولى فصار كالتاجر والمرأة يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى وتقوم على المرضى لأنها عاجزة عن حقيقة القتال فيقام هذا النوع من الإعانة مقام القتال بخلاف العبد لأنه قادر على حقيقة القتال والذمي إنما يرضخ له إذا قاتل أو دل على الطريق ولم يقاتل لأن فيه منفعة للمسلمين إلا أنه يزاد على السهم في الدلالة إذا كانت فيه منفعة عظيمة ولا يبلغ به السهم إذا قاتل لأنه جهاد والأول ليس من عمله ولا يسوى بينه وبين المسلم في حكم الجهاد وأما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل يدخل فقراء ذوي القربى فيهم ويقدمون ولا يدفع إلى أغنيائهم وقال الشافعي رحمه الله لهم خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ويكون لبني هاشم وبني المطلب دون غيرهم لقوله تعالى ولذي القربى من غير فصل بين الغني والفقير ولنا أن الخلفاء الأربعة الراشدين رضي الله عنهم قسموه على ثلاثة أسهم على نحو ما قلناه وكفى بهم قدوة وقال عليه الصلاة والسلام يا معشر بني هاشم إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس وأوساخهم وعوضكم منها بخمس الخمس والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض وهم الفقراء والنبي عليه الصلاة والسلام أعطاهم للنصرة ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام علل فقال إنهم لن يزالوا معي هكذا في الجاهلية والإسلام وشبك بين أصابعه دل على أن المراد من النص قرب النصرة لا قرب القرابة