Qur'an&Sunnah

Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)

Section V02/P177–V02/P178

الآبق أخذه أفضل في حق من يقوى عليه لما فيه من إحيائه وأما الضال فقد قيل كذلك وقد قيل تركه أفضل لأنه لا يبرح مكانه فيجده المالك ولا كذلك الآبق ثم آخذ الآبق يأتي به إلى السلطان لأنه لا يقدر على حفظه بنفسه بخلاف اللقطة ثم إذا رفع الآبق إليه يحبسه ولو رفع الضال لا يحبسه لأنه لا يؤمن على الآبق الإباق ثانيا بخلاف الضال قال ومن رد آبقا على مولاه من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فله عليه جعله أربعون درهما وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه وهذا استحسان والقياس أن لا يكون له شيء إلا بالشرط وهو قول الشافعي رحمه الله لأنه متبرع بمنافعه فأشبه العبد الضال ولنا أن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على وجوب أصل الجعل إلا أن منهم من أوجب أربعين ومنه من أوجب ما دونها فأوجبنا الأربعين في مسيرة السفر وما دونها فيما دونه توفيقا وتلفيقا بينهما ولأن إيجاب الجعل أصله حامل على الرد إذ الحسبة نادرة فتحصل صيانة أموال الناس والتقدير بالسمع ولا سمع في الضال فامتنع ولأن الحاجة إلى صيانة الضال دونها إلى صيانة الآبق لأنه لا يتوارى والآبق يختفي ويقدر الرضخ في الرد عما دون السفر باصطلاحهما أو يفوض إلى رأي القاضي وقيل تقسم الأربعون على الأيام الثلاثة إذ هي أقل مدة السفر قال وإن كانت قيمته أقل من أربعين يقضى له بقيمته إلا درهما قال رضي الله عنه وهذا قول محمد رحمه الله وقال أبو يوسف رحمه الله له أربعون درهما لأن التقدير بها ثبت بالنص فلا ينقص عنها ولهذا لا يجوز الصلح على الزيادة بخلاف الصلح على الأقل لأنه حط منه ولمحمد رحمه الله أن المقصود حمل الغير على الرد ليحيا مال المالك فينقص درهم ليسلم له شيء تحقيقا للفائدة وأم الولد والمدبر في هذا بمنزلة القن إذا كان الرد في حياة المولى لما فيه من إحياء ملكه ولو رد بعد مماته لا جعل فيهما لأنهما يعتقان بالموت بخلاف القن ولو كان الراد أبا المولى أو ابنه وهو في عياله أو أحد الزوجين على الآخر فلا جعل لأن هؤلاء يتبرعون بالرد عادة ولا يتناولهم إطلاق الكتاب قال وإن أبق من الذي رده فلا شيء عليه لأنه أمانة في يده لكن هذا إذا أشهد وقد ذكرناه في اللقطة قال رضي الله عنه وذكر في بعض النسخ أنه لا شيء له وهو صحيح أيضا لأنه في معنى البائع من المالك ولهذا كان له أن يحبس الآبق حتى يستوفي الجعل بمنزلة البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن وكذا إذا مات في يده لا شيء عليه لما قلنا قال ولو أعتقه المولى كما لقيه صار قابضا بالإعتاق كما في العبد المشترى وكذا إذا باعه من الراد لسلامة البدل له والرد وإن كان له حكم البيع لكنه بيع من وجه فلا يدخل تحت النهي الوارد عن بيع مالم يقبض فجاز

Section V02/P178–V02/P180

قال وينبغي إذا أخذه أن يشهد أنه يأخذه ليرده فالإشهاد حتم فيه عليه على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى لو رده من لم يشهد وقت الأخذ لا جعل له عندهما لأن ترك الإشهاد أمارة أنه أخذه لنفسه وصار كما إذا اشتراه من الآخذ أو أتهبه أو ورثه فرده على مولاه لا جعل له لأنه رده لنفسه إلا إذا أشهد أنه اشتراه ليرده فيكون له الجعل وهو متبرع في أداء الثمن وإن كان الآبق رهنا فالجعل على المرتهن لأنه أحيا ماليته بالرد وهي حقه إذ الاستيفاء منها والجعل بمقابلة إحياء المالية فيكون عليه والرد في حياة الراهن وبعده سواء لأن الرهن لا يبطل بالموت وهذا إذا كانت قيمته مثل الدين أو أقل منه فإن كانت أكثر فبقدر الدين عليه والباقي على الراهن لأن حقه بالقدر المضمون فصار كثمن الدواء وتخليصه عن الجناية بالفداء وإن كان مديونا فعلى المولى إن اختار قضاء الدين وإن بيع بدئ بالجعل والباقي للغرماء لأنه مؤنة الملك والملك فيه كالموقوف فتجب على من يستقر له وإن كان جانيا فعلى المولى إن اختار الفداء لعود المنفعة إليه وعلى الأولياء إن اختار الدفع لعودها إليهم وإن كان موهوبا فعلى الموهوب له وإن رجع الواهب في هبته بعد الرد لأن المنفعة للواهب ما حصلت بالرد بل بترك الموهوب له التصرف فيه بعد الرد وإن كان لصبي فالجعل في ماله لأنه مؤنة ملكه وإن رده وصيه فلا جعل له لأنه هو الذي يتولى الرد فيه والله أعلم بالصواب 1 كتاب المفقود 1 إذا غاب الرجل فلم يعرف له موضع ولا يعلم أحي هو أم ميت نصب القاضي من يحفظ ماله ويقوم عليه ويستوفي حقه لأن القاضي نصب ناظرا لكل عاجز عن النظر لنفسه والمفقود بهذه الصفة وصار كالصبي والمجنون وفي نصب الحافظ لماله والقائم عليه نظر له وقوله يستوفي حقه لإخفاء أنه يقبض غلاته والدين الذي أقر به غريم من غرمائه لأنه من باب الحفظ ويخاصم في دين وجب بعقده لأنه أصيل في حقوقه ولا يخاصم في الذي تولاه المفقود ولا في نصيب له في عقار أو عروض في يد رجل لأنه ليس بمالك ولا نائب عنه إنما هو وكيل بالقبض من جهة القاضي وأنه لا يملك الخصومة بلا خلاف إنما الخلاف في الوكيل بالقبض من جهة المالك في الدين وإذا كان كذلك يتضمن الحكم به قضاء على الغائب وأنه لا يجوز إلا إذا رآه القاضي وقضى به لأنه مجتهد فيه ثم ما كان يخاف عليه الفساد يبيعه القاضي لأنه تعذر عليه حفظ صورته ومعناه فينظر له بحفظ المعنى ولا يبيع مالا يخاف عليه الفساد في نفقة ولا غيرها لأنه لا ولاية له على الغائب إلا في حفظ ماله فلا يسوغ له ترك حفظ الصورة وهو ممكن قال وينفق على زوجته وأولاده من ماله وليس هذا الحكم مقصورا على الأولاد بل يعم جميع قرابة الأولاد والأصل أن كل من يستحق النفقة في ماله حال حضرته بغير قضاء القاضي ينفق عليه من ماله عند غيبته لأن القضاء حينئذ يكون إعانة وكل من لا يستحقها في حضرته إلا بالقضاء لا ينفق عليه من ماله في غيبته لأن النفقة حينئذ تجب بالقضاء والقضاء على الغائب ممتنع فمن الأول الأولاد الصغار والإناث من الكبار والزمنى من الذكور الكبار ومن الثاني الأخ والأخت والخال والخالة

Section V02/P180–V02/P181

وقوله من ماله مراده الدراهم والدنانير لأن حقهم في المطعوم والملبوس فإذا لم يكن ذلك في ماله يحتاج إلى القضاء بالقيمة وهي النقدان والتبر بمنزلتهما في هذا الحكم لأنه يصلح قيمة كالمضروب وهذا إذا كانت في يد القاضي فإن كانت وديعة أو دينا ينفق عليهم منهما إذا كان المودع والمديون مقرين بالدين والوديعة والنكاح والنسب وهذا إذا لم يكونا ظاهرين عند القاضي فإن كانا ظاهرين فلا حاجة إلى الإقرار وإن كان أحدهما ظاهر الوديعة والدين أو النكاح والنسب يشترط الإقرار بما ليس بظاهر هذا هو الصحيح فإن دفع المودع بنفسه أو من عليه الدين بغير أمر القاضي يضمن المودع ولا يبرأالمديون لأنه ما أدى إلى صاحب الحق ولا إلى نائبه بخلاف ما إذا دفع بأمر القاضي لأن القاضي نائب عنه وإن كان المودع والمديون جاحدين أصلا أو كانا جاحدين الزوجية والنسب لم ينتصب أحد من مستحقي النفقة خصما في ذلك لأن ما يدعيه للغائب لم يتعين سببا لثبوت حقه وهو النفقة لأنها كما تجب في هذا المال تجب في مال آخر للمفقود قال ولا يفرق بينه وبين امرأته وقال مالك إذا مضى أربع سنين يفرق القاضي بينه وبين امرأته وتعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من شاءت لأن عمر رضي الله عنه هكذا قضى في الذي استهواه الجن بالمدينة وكفى به إماما ولأنه منع حقها بالغيبة فيفرق القاضي بينهما بعد مضي مدة اعتبارا بالإيلاء والعنة وبعد هذا الاعتبار أخذ المقدار منهما الأربع من الإيلاء والسنين من العنة عملا بالشبهين ولنا قوله صلى الله عليه وسلم في امرأة المفقود إنها امرأته حتى يأتيها البيان وقول علي رضي الله عنه فيها هي امرأة ابتليت فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق خرج بيانا للبيان المذكور في المرفوع ولأن النكاح عرف ثبوته والغيبة لا توجب الفرقة والموت في حيز الاحتمال فلا يزال النكاح بالشك وعمر رضي الله عنه رجع إلى قول علي رضي الله عنه ولا معتبر بالإيلاء لأنه كان طلاقا معجلا فاعتبر في الشرع مؤجلا فكان موجبا للفرقة ولا بالعنة لأن الغيبة تعقب العودة والعنة قلما تنحل بعد استمرارها سنة قال وإذا تم له مائة وعشرون سنة من يوم ولد حكمنا بموته قال رضي الله عنه وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة وفي ظاهر المذهب يقدر بموت الأقران وفي المروي عن أبي يوسف بمائة سنة وقدره بعضهم بتسعين والأقيس أن لا يقدر بشيء والأرفق أن يقدر بتسعين وإذا حكم بموته اعتدت امرأته عدة الوفاة من ذلك الوقت ويقسم ماله بين ورثته الموجودين في ذلك الوقت كأنه مات في ذلك الوقت معاينة إذ الحكمي معتبر بالحقيقي ومن مات قبل ذلك لم يرث منه لأنه لم يحكم بموته فيها فصار كما إذا كانت حياته معلومة ولا يرث المفقود أحدا مات في حال فقده لأن بقاءه حيا في ذلك الوقت باستصحاب الحال وهو لا يصلح حجة في الاستحقاق وكذلك لو أوصى المفقود ومات الموصي ثم الأصل أنه لو كان مع المفقود وارث لا يحجب به ولكنه ينتقص حقه به يعطي أقل النصيبين ويوقف الباقي وإن كان معه وارث يحجب به لا يعطى أصلا بيانه رجل مات عن ابنتين وابن مفقود وابن ابن وبنت ابن والمال في يد الأجنبي وتصادقوا على فقد الابن وطلبت الابنتان الميراث تعطيان النصف لأنه متيقن به ويوقف النصف الآخر ولا يعطى ولد الابن لأنهم يحجبون بالمفقود ولو كان حيا فلا يستحقون الميراث بالشك ولا ينزع من يد الأجنبي إلا إذا ظهرت منه خيانة ونظير هذا الحمل فإنه يوقف له ميراث ابن واحد على ما عليه الفتوى ولو كان معه وارث آخر إن كان لا يسقط بحال ولا يتغير بالحمل يعطى كل نصيبه وإن كان ممن يسقط بالحمل لا يعطى وإن كان ممن يتغير به يعطى الأقل للتيقن به كما في المفقود وقد شرحناه في كفاية المنتهى بأتم من هذا والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب تم الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله كتاب الشركة الهداية

Section V02/P181–V03/P004

شرح بداية المبتدى من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين بسم الله الرحمن الرحيم 1 كتاب الشركة 1 الشركة جائزة لأنه صلى الله عليه وسلم بعث والناس يتعاملون بها فقررهم عليه قال الشركة ضربان شركة أملاك وشركة عقود فشركة الأملاك العين يرثها رجلان أو يشتريانها فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بإذنه وكل واحد منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي وهذه الشركة تتحقق في غير المذكور في الكتاب كما إذا اتهب رجلان عينا أو ملكاها بالاستيلاء أو اختلط مالهما من غير صنع أحدهما أو بخلطهما خلطا يمنع التمييز رأسا أو إلا بحرج ويجوز بيع أحدهما نصيبه من شريكه في جميع الصور ومن غير شريكه بغير إذنه إلا في صورة الخلط والاختلاط فإنه لا يجوز إلا بإذنه وقد بينا الفرق في كفاية المنتهى والضرب الثاني شركة العقود وركنها الإيجاب والقبول وهو أن يقول أحدهما شاركتك في كذا وكذا ويقول الآخر قبلت وشرطه أن يكون التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلا للوكالة ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركا بينهما فيتحقق حكمه المطلوب منه ثم هي أربعة أوجه مفاوضة وعنان وشركة الصنائع وشركة الوجوه فأما شركة المفاوضة فهي أن يشترك الرجلان فيتساويان في مالهما وتصرفهما ودينهما لأنها شركة عامة في جميع التجارات يفوض كل واحد منهما أمر الشركة إلى صاحبه على الإطلاق إذ هي من المساواة قال قائلهم لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا أي متساويين فلا بد من تحقيق المساواة ابتداء وانتهاء وذلك في المال والمراد به ما تصح الشركة فيه ولا يعتبر التفاضل فيما لا يصح الشركة فيه وكذا في التصرف لأنه لو ملك أحدهما تصرفا لا يملك الآخر لفات التساوي وكذلك في الدين لما نبين إن شاء الله تعالى وهذه الشركة جائزة عندنا استحسانا وفي القياس لا تجوز وهو قول الشافعي رحمه الله وقال مالك رحمه الله لا أعرف ما المفاوضة وجه القياس أنها تضمنت الوكالة بمجهول الجنس والكفالة بمجهول وكل ذلك بانفراده فاسد وجه الاستحسان قوله عليه الصلاة والسلام فاوضوا فإنه أعظم للبركة وكذا الناس يعاملونها من غير نكير وبه يترك القياس والجهالة محتملة تبعا كما في المضاربة ولا تنعقد إلا بلفظة المفاوضة لبعد شرائطها من علم العوام حتى لو بينا جميع ما تقتضيه تجوز لأن المعتبر هو المعنى قال فتجوز بين الحرين الكبيرين مسلمين أو ذميين لتحقق التساوي وإن كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا تجوز أيضا لما قلنا ولا تجوز بين الحر والمملوك ولا بين الصبي والبالغ لانعدام المساواة لأن الحر البالغ يملك التصرف والكفالة والمملوك لا يملك واحدا منهما إلا بإذن المولى والصبي لا يملك الكفالة ولا يملك التصرف إلا بإذن الولي قال ولا بين المسلم والكافر وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله يجوز التساوي بينهما في الوكالة والكفالة ولا معتبر بزيادة تصرف يملكه أحدهما كالمفاوضة بين الشافعي والحنفي فإنها جائزة ويتفاوتان في التصرف في متروك التسمية إلا أنه يكره لأن الذمي لا يهتدي إلى الجائز من العقود ولهما أنه لا تساوي في التصرف فإن الذمي لو اشترى برأس المال خمورا أو خنازير صح ولو اشتراها مسلم لا يصح ولا يجوز بين العبدين ولا بين الصبيين ولا بين المكاتبين لانعدام صحة الكفالة وفي كل موضع لم تصح المفاوضة لفقد شرطها ولا يشترط ذلك في العنان كان عنانا لاستجماع شرائط العنان إذ هو قد يكون خاصا وقد يكون عاما قال وتنعقذ على الوكالة والكفالة أما الوكالة فلتحقق المقصود وهو الشركة في المال على ما بيناه وأما الكفالة فلتحقق المساواة فيما هو من مواجب التجارات وهو توجه المطالبة نحوهما جميعا

Section V03/P004–V03/P005

قال وما يشتريه كل واحد منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم وكذا كسوته وكذا الإدام لأن مقتضى العقد المساواة وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في التصرف وكان شراء أحدهما كشرائهما إلا ما استثناه في الكتاب وهو استحسان لأنه مستثنى عن المفاوضة للضرورة فإن الحاجة الراتبة معلومة الوقوع ولا يمكن إيجابه على صاحبة ولا التصرف من ماله ولا بد من الشراء فيختص به ضرورة والقياس أن يكون على الشركة لما بينا وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء المشتري بالأصالة وصاحبه بالكفالة ويرجع الكفيل على المشتري بحصته مما أدى لأنه قضى دينا عليه من مال مشترك بينهما قال وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلا عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامن له تحقيقا للمساواة فما يصح فيه الاشتراك الشراء والبيع والاستئجار ومن القسم الآخر الجناية والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد وعن النفقة قال ولو كفل أحدهما بمال عن أجنبي لزم صاحبه عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يلزمه لأنه تبرع ولهذا لا يصح من الصبي والعبد المأذون والمكاتب ولو صدر من المريض يصح من الثلث وصال كالإقراض والكفالة بالنفس ولأبي حنيفة رحمه الله أنه تبرع ابتداء ومعاوضة بقاء لأنه يستوجب الضمان بما يؤدى عن المكفول عنه إذا كانت الكفالة بأمره فبالنظر إلى البقاء تتضمنه المفاوضة وبالنظر إلى الابتداء لم تصح ممن ذكره وتصح من الثلث من المريض بخلاف الكفالة بالنفس لأنها تبرع ابتداء وانتهاء وأما الإقراض فعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يلزم صاحبه ولو سلم فهو إعارة فيكون لمثلها حكم عينها لا حكم البدل حتى لا يصح فيه الأجل فلا يتحقق معاوضة ولو كانت الكفالة بغير أمره لم تلزم صاحبه في الصحيح لانعدام معنى المفاوضة ومطلق الجواب في الكتاب محمول على المقيد وضمان الغصب والاستهلاك بمنزلة الكفالة عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه معاوضة انتهاء قال فإن ورث أحدهما ما لايصح فيه الشركة أو وهب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت عنانا لفوات المساواة فيما يصلح رأس المال إذ هي شرط فيه ابتداء وبقاء وهذا لأن الآخر لا يشاركه فيما أصابه لانعدام السبب في حقه إلا أنها تنقلب عنانا للإمكان فإن المساواة ليست بشرط فيه ولدوامه حكم الابتداء لكونه غير لازم فإن ورث أحدهما عرضا فهو له ولا تفسد المعاوضة وكذا العقار لأنه لا تصح فيه الشركة فلا تشترط المساواة فيه فصل ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة وقال مالك رحمه الله تجوز بالعروض والمكيل والموزون أيضا إذا كان الجنس واحدا لأنها عقدت على رأس مال معلوم فأشبه النقود بخلاف المضاربة لأن القياس يأباها لما فيها من ربح ما لم يضمن فيقتصر على مورد الشرع ولنا أنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن لأنه إذا باع كل واحد منهما رأس ماله وتفاضل الثمنان فما يستحقه أحدهما من الزيادة في مال صاحبه ربح مالم يملك وما لم يضمن بخلاف الدراهم والدنانير لأن ثمن ما يشتريه في ذمته إذ هي لا تتعين فكان ربح ما يضمن ولأن أول التصرف في العروض البيع وفي النقود الشراء وبيع أحدهما ماله على أن يكون الآخر شريكا في ثمنه لا يجوز وشراء أحدهما شيئا بماله على أن يكون المبيع بينه وبين غيره جائز وأما الفلوس النافقة فلأنها تروج رواج الأثمان فألحقت بها قالوا هذا قول محمد رحمه الله لأنها ملحقة بالنقود عنده حتى لا تتعين بالتعيين ولا يجوز بيع اثنين بواحد بأعيانها على ما عرف أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فلا تجوز الشركة والمضاربة بها لأن ثمنيتها تتبدل ساعة فساعة وتصير سلعا وروى عن أبي يوسف رحمه الله مثل قول محمد رحمه الله والأول أقيس وأظهر وعن أبي حنيفة رحمه الله صحة المضاربة بها

Section V03/P005–V03/P007

قال ولا تجوز الشركة بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بالتبر والنقرة فتصح الشركة بهما هكذا ذكر في الكتاب وفي الجامع الصغير ولا تكون المفاوضة بمثاقيل ذهب أو فضة ومراده التبر فعلى هذه الرواية التبر سلعة تتعين بالتعيين فلا تصلح رأس المال في المضاربات والشركات وذكر في كتاب الصرف أن النقرة لا تتعين بالتعيين حتى لا ينفسخ العقد بهلاكه قبل التسليم فعلى تلك الرواية تصلح رأس المال فيهما وهذا لما عرف أنهما خلقا ثمنين في الأصل إلا أن الأول أصح لأنها وإن خلقت للتجارة في الأصل لكن الثمنية تختص بالضرب المخصوص لأن عند ذلك لا تصرف إلى شيء آخر ظاهرا إلا أن يجري التعامل باستعمالها ثمنا فينزل التعامل بمنزلة الضرب فيكون ثمنا ويصلح رأس المال ثم قوله ولا تجوز بما سوى ذلك يتناول المكيل والموزون والعددي المتقارب ولا خلاف فيه بيننا قبل الخلط ولكل واحد منهما ربح متاعه وعليه وضيعته وإن خلطا ثم اشتركا فكذلك في قول أبي يوسف رحمه الله والشركة شركة ملك لا شركة عقد وعند محمد رحمه الله تصح شركة العقد وثمرة الاختلاف تظهر عند التساوي في المالين واشتراط التفاضل في الربح فظاهر الرواية ما قاله أبو يوسف رحمه الله لأنه يتعين بالتعيين بعده الخلط كما تعين قبله ولمحمد رحمه الله أنها ثمن من وجه حتى جاز البيع بها دينا في الذمة ومبيع من حيث إنه يتعين بالتعيين فعملنا بالشبهين بالإضافة إلى الحالين بخلاف العروض لأنها ليست ثمنا بحال ولو اختلفا جنسا كالحنطة والشعير والزيت والثمن فخلطا لا تنعقد الشركة بها بالاتفاق والفرق لمحمد رحمه الله أن المخلوط من جنس واحد من ذوات الأمثال ومن جنسين من ذوات الأمثال ومن جنسين من ذوات القيم فتتمكن الجهالة كما في العروض وإذا لم تصح الشركة فحكم الخلط قد بيناه في كتاب القضاء قال وإذا أرادا الشركة بالعروض باع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثم عقدا الشركة قال رضي الله عنه وهذه شركة ملك لما بينا أن العروض لا تصلح رأس مال الشركة وتأويله إذا كان قيمة متاعهما على السواء ولو كان بينهما تفاوت يبيع صاحب الأقل بقدر ما تثبت به الشركة قال وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة وهي أن يشترك اثنان في نوع بر أو طعام أو يشتركان في عموم التجارات ولا يذكران الكفالة وانعاقده على الوكالة لتحقق مقصودة كما بيناه ولا تنعقد على الكفالة لأن اللفظ مشتت من الأعراض يقال عن له أي عرض وهذا لا ينبىء عن الكفالة وحكم التصرف لا يثبت بخلاف مقتضى اللفظ ويصح التفاضل في المال للحاجة إليه وليس من قضية اللفظ المساواة ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأن التفاضل فيه يؤدي إلى ربح مالم يضمن فإن المال إذا كان نصفين والربح أثلاثا فصاحب الزيادة يستحقها بلا ضمان إذ الضمان بقدر رأس المال ولأن الشركة عندهما في الربح للشركة في الأصل ولهذا يشترطان الخلط فصار ربح المال بمنزلة نماء الأعيان فيستحق بقدر الملك في الأصل ولنا قوله صلى الله عليه وسلم الربح على ما شرطا والوضيعة على قدر المالين ولم يفصل ولأن الربح كما يستحق بالمال يستحق بالعمل كما في المضاربة وقد يكون أحدهما أحذق وأهدى وأكثر عملا وأقوى فلا يرضى بالمساواة فمست الحاجة إلى التفاضل بخلاف اشتراط جميع الربح لأحدهما لأنه يخرج العقد به من الشركة ومن المضاربة أيضا إلى قرض باشتراطه للعامل أو إلى بضاعة باشتراطه لرب المال وهذا العقد يشبه المضاربة من حيث إنه يعمل في مال الشريك ويشبه الشركة اسما وعملا فإنهما يعملان فعملنا بشبه المضاربة وقلنا يصح اشتراط الربح من غير ضمان ويشبه الشركة حتى لا تبطل باشتراط العمل عليها

Section V03/P007–V03/P008

قال ويجوز أن يعقدها كل واحد منهما ببعض ماله دون البعض لأن المساواة في المال ليست بشرط فيه إذ اللفظ لايقتضيه ولا يصح إلا بما بينا أن المفاوضة تصح به للوجه الذي ذكرناه ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دنانير ومن الآخر دراهم وكذا من أحدهما دراهم بيض ومن الآخر سود وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يجوز وهذا بناء على اشتراط فإن عندهما شرط ولا يتحقق ذلك في مختلفي الجنس وسنبينه من بعد إن شاء الله تعالى قال وما اشتراه كل واحد منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر لما بينا أنه يتضمن الوكالة دون الكفالة والوكيل هو الأصل في الحقوق قال ثم يرجع على شريكه بحصته منه معناه إذا أدى من مال نفسه لأنه وكيل من جهته في حصته فإذا نقد من مال نفسه رجع عليه فإن كان لا يعرف ذلك إلا بقوله فعليه الحجة لأنه يدعى وجوب المال في ذمة الآخر وهو ينكر والقول للمنكر مع يمينه قال وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئا بطلت الشركة لأن المعقود عليه في عقد الشركة المال فإنه يتعين فيه كما في الهبة والوصية وبهلاك المعقود عليه يبطل العقد كما في البيع بخلاف المضاربة والوكالة المفردة لأنه لا يتعين الثمنان فيهما بالتعيين وإنما يتعينان بالقبض على ما عرف وهذا ظاهر فيما إذا هلك المالان وكذا إذا هلك أحدهما لأنه ما رضي بشركة صاحبه في ماله إلا ليشركه في ماله فإذا فات ذلك لم يكن راضيا بشركته فيبطل العقد لعدم فائدته وأيهما هلك هلك من مال صاحبه إن هلك في يده فظاهر وكذا إذا كان هلك في يد الآخر لأنه أمانه في يده بخلاف ما بعد الخلط حيث يهلك على الشركة لأنه لا يتميز فيجعل الهالك من المالين وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر قبل الشراء فالمشترى بينهما على ما شرطا لأن الملك حين وقع وقع مشتركا بينهما لقيام الشركة وقت الشراء فلا يتغير الحكم بهلاك مال الآخر بعد ذلك ثم الشركة شركة عقد عند محمد رحمه الله خلافا للحسن بن زياد حتى أن أيهما باع جاز بيعه لأن الشركة قد تمت في المشترى فلا ينتقض بهلاك المال بعد تمامها قال ويرجع على شريكه بحصة من ثمنه لأنه اشترى نصفه بوكالته ونقد الثمن من مال نفسه وقد بيناه هذا إذا اشترى أحدهما بأحد المالين أولا ثم هلك مال الآخر أما إذا هلك مال أحدهما ثم اشترى الآخر بمال الآخر إن صرحا بالوكالة في عقد الشركة فالمشترى مشترك بينهما على ما شرطا لأن الشركة إن بطلت فالوكالة المصرح بها قائمة فكان مشتركا بحكم الوكالة ويكون شركة ملك ويرجع على شريكه بحصته من الثمن لما بيناه وإن ذكرا مجرد الشركة ولم ينصا على الوكالة يها كان المشترى للذي اشتراه خاصة لأن الوقوع على الشركة حكم الوكالة التي تضمنتها الشركة فإذا بطلت يبطل ما في ضمنها بخلاف ما إذا صرح بالوكالة لأنها مقصودة

Section V03/P008–V03/P010

قال وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المال وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأن الربح فرع المال ولا يقع الفرع على الشركة إلا بعد الشركة في الأصل وأنه بالخلط وهذا لأن المحل هو المال ولهذا يضاف إليه ويشترط تعيين رأس المال بخلاف المضاربة لأنها ليست بشركة وإنما هو يعمل لرب المال فيستحق الربح عمالة على عمله أما هنا بخلافه وهذا أصل كبير لهما حتى يعتبر اتحاد الجنس ويشترط الخلط ولا يجوز التفاضل في الربح مع التساوي في المال ولا تجوز شركة التقبل والأعمال لانعدام المال ولنا أن الشركة في الربح مستندة إلى العقد دون المال لأن العقد يسمى شركة فلا بد من تحقق معنى هذا الاسم فيه فلم يكن الخلط شرطا ولأن الدراهم والدنانير لا يتعينان فلا يستفاد الربح برأس المال وإنما يستفاد بالتصرف لأنه في النصف أصيل وفي النصف وكيل وإذا تحققت الشركة في التصرف بدون الخلط تحققت في المستفاد به وهو الربح بدونه وصار كالمضاربة فلا يشترط اتحاد الجنس والتساوي في الربح وتصح شركة التقبل قال ولا تجوز الشركة إذا شرط لأحدهما دراهم مسماة من الربح لأنه شرط يوجب انقطاع الشركة فعساه لا يخرج إلا قدر المسمى لأحدهما ونظيره في المزارعة قال ولكل واحد من المتفاوضين وشريكي العنان أن يبضع المال لأنه معتاد في عقد الشركة ولأن له أن يستأجر على العمل والتحصيل بغير عوض دونه فيملكه وكذا له أن يودعه لأنه معتاد ولا يجد التاجر منه بدا قال ويدفعه مضاربة لأنها دون الشركة فتتضمنها وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس له ذلك لأنه نوع شركة والأصح هو الأول وهو رواية الأصل لأن الشركة غير مقصودة وإنما المقصود تحصيل الربح كما إذا استأجره بأجر بل أولى لأنه تحصيل بدون ضمان في ذمته بخلاف الشركة حيث لا يملكها لأن الشيء لا يستتبع مثله قال ويوكل من يتصرف فيه لأن التوكيل بالبيع والشراء من توابع التجارة والشركة انعقدت للتجارة بخلاف الوكيل بالشراء حيث لا يملك أن يوكل غيره لأنه عقد خاص طلب منه تحصيل العين فلا يستتبع مثله قال ويده في المال يد امانه لأنه قبض المال بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة فصار كالوديعة قال وأما شركة الصنائع وتسمى شركة التقبل كالحياطين والصباغين يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بيهما فيجوز ذلك وهذا عندنا وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأن هذه شركة لا تفيد مقصودها وهو التثمير لأنه لا بد من رأس المال وهذا لأن الشركة في الربح تبتني على الشركة في المال على أصلهما على ما قررناه ولنا أن المقصود منه التحصيل وهو ممكن بالتوكيل لأنه لما كان وكيلا في النصف أصيلا في النصف تحققت الشركة في المال المستفاد ولا يشترط فيه اتحاد العمل والمكان خلافا لمالك وزفر رحمهما الله فيهما لأن المعنى المجوز للشركة وهو ما ذكرناه لا يتفاوت ولو شرطا العمل نصفين والمال أثلاثا جاز وفي القياس لا يجوز لأن الضمان بقدر العمل فالزيادة عليه ربح مالم يضمن فلم يجز العقد لتأديته إليه وصار كشركة الوجوه ولكنا نقول ما يأخذه لا يأخذه ربحا لأن الربح عند اتحاد الجنس وقد اختلف لأن رأس المال عمل والربح مال فكان بدل العمل والعمل يتقوم بالتقويم فيتقدر بقدر ما قوم به فلا يحرم بخلاف شركة لوجوه لأن جنس المال متفق والربح يتحقق في الجنس المتفق وربح مالم يضمن لا يجوز إلا في المضاربة قال وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه حتى أن كل واحد منهما يطالب بالعمل ويطالب بالأجر ويبرأ الدافع بالدفع إليه وهذا ظاهر في المفاوضة وفي غيرها استحسان والقياس خلاف ذلك لأن الشركة وقعت مطلقة والكفالة مقتضى المفاوضة وجه الاستحسان أن هذه الشركة مقتضية للضمان ألا ترى أن ما يتقبله كل واحد منهما من العمل مضمون على الآخر ولهذا يستحق الأجر بسبب نفاذ تقبله عليه فجرى مجرى المفاوضة في ضمان العمل واقتضاء البدل

Section V03/P010–V03/P011

قال وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوجوههما ويبيعا فتصح الشركة على هذا سميت به لأنه لا يشتري بالنسيئة إلا من كان له وجاهة عند الناس وإنما تصح مفاوضة لأنه يمكن تحقيق الكفالة والوكالة في الأبدال وإذا أطلقت تكون عنانا لأن مطلقه ينصرف إليه وهي جائزة عندنا خلافا للشافعي رحمه الله والوجه من الجانبين ما قدمناه في شركة التقبل قال وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه لأن التصرف على الغير لا يجوز إلا بوكالة أو بولاية ولا ولاية فتتعين الوكالة فإن شرطا أن المشتري بينهما نصفان والربح كذلك يجوز ولا يجوز أن يتفاضلا فيه وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثا فالربح كذلك وهذا لأن الربح لا يستحق إلا بالمال أو العمل أو بالضمان فرب المال يستحقه بالمال والمضارب يستحقه بالعمل والأستاذ الذي يلقى العلم على التلميذ بالنصف بالضمان ولا يستحق بما سواها ألا ترى أن من قال لغيره تصرف في مالك على أن لي ربحه لم يجز لعدم هذه المعاني واستحقاق الربح في شركة الوجوه بالضمان على ما بينا والضمان على قدر الملك في المشتري وكان الربح الزائد عليه ربح ما لم يضمن فلا يصح اشتراطه إلا في المضاربة والوجوه ليست في معناها بخلاف العنان لأنه في معناها من حيث إن كل واحد منهما يعمل في مال صاحبه فيلحق بها والله أعلم فصل في الشركة الفاسدة ولا تجوز الشركة في الإحتطاب والإصطياد وما اصطاده كل واحد منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه وعلى هذا الإشتراك في أخذ كل شيء مباح لأن الشركة متضمنة معنى الوكالة والتوكيل في أخذ المال المباح باطل لأن أمر الموكل به غير صحيح والوكيل يملكه بدون أمره فلا يصلح نائبا عنه وإنما يثبت الملك لهما بالأخذ وإحراز المباح فإن أخذاه معا فهو بينهما نصفان لاستوائهما في سبب الاستحقاق وإن أخذه أحدهما ولم يعمل الآخر شيئا فهو للعامل وإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله بأن قلعه أحدهما وجمعه الآخر أو قلعه وجمعه وحمله الآخر فللمعين أجر المثل بإلغاء ما بلغ عند محمد وعند أبي يوسف رحمهما الله لا يجاوز به نصف ثمن ذلك وقد عرف في موضعه قال وإذا اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستقي عليها الماء فالكسب بينهما لم تصح الشركة والكسب كله الذي استقى وعليه أجر مثل الراوية إن كان العامل صاحب البغل وإن كان صاحب الراوية فعليه أجر مثل البغل أما فساد الشركة فلانعقادها على إحراز المباح وهو الماء وأما وجوب الأجر فلأن المباح إذا صار ملكا للمحرز وهو المستقى وقد استوفى منافع ملك الغير وهو البغل أو الراوية بعقد فاسد فيلزمه أجره وكل شركة فاسدة فالربح فيها على قدر المال ويبطل شرط التفاضل لأن الربح فيها تابع للمال فيتقدر بقدره كما أن الريع تابع للبذر في المزارعة والزيادة إنما تستحق بالتسمية وقد فسدت فبقي الاستحقاق على قدر رأس المال وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة لأنها تتضمن الوكالة ولا بد منها لتحقق الشركة على مامر والوكالة تبطل بالموت وكذا بالالتحاق مرتدا إذا قضى القاضي بلحاقه لأنه بمنزلة الموت على ما بيناه من قبل ولا فرق بينما إذا علم الشريك بموت صاحبه أو لم يعلم لأنه عزل حكمي وإذا بطلت الوكالة بطلت الشركة بخلاف ما إذا فسخ أحد الشريكين الشركة ومال الشركة دراهم ودنانير حيث يتوقف على علم الآخر لأنه عزل قصدي والله أعلم فصل

Section V03/P011–V03/P012

وليس لأحد الشريكين أن يودي زكاة مال الآخر إلا بإذنه لأنه ليس من جنس التجارة فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته فإن أدى كل واحد منهما فالثاني ضامن علم بأداء الأول أو لم يعلم وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا لا يضمن إذا لم يعلم وهذا أذا أديا على التعاقب أما إذا أديا معا ضمن كل واحد منهما نصيب صاحبه وعلى هذا الاختلاف المأمور بأداء الزكاة إذا تصدق على الفقير بعد ما أدى الآمر بنفسه لهما أنه مأمور بالتمليك من الفقير وقد أتى به فلا يضمن للموكل وهذا لأن في وسعه التمليك لا وقوعه زكاة لتعلقه بنية الموكل وإنما يطلب منه ما في وسعه وصار كالمأمور بذبح دم الإحصار إذا ذبح بعد ما زال الإحصار وحج الآمر لم يضمن المأمور علم أو لا ولأبي حنيفة رحمه الله أنه مأمور بأداء الزكاة والمؤدي لم يقع زكاة فصار مخالفا وهذا لأن المقصود من الأمر إخراج نفسه عن عهدة الواجب لأن الظاهر أنه لا يلتزم الضرر إلا لدفع الضرر وهذا المقصود حصل بأدائه وعرى أداه المأمور عنه فصار معزولا علم أو لم يعلم لأنه عزل حكمي وأما دم الإحصار فقد قيل هو على هذا الاحتلاف وقيل بينهما فرق ووجهه أن الدم ليس بواجب عليه فإنه يمكنه أن يصبر حتى يزول الإحصار وفي مسألتنا الأداء واجب فاعتبر الإسقاط مقصودا فيه دون دم الإحصار قال وإذا أذن أحد المتفاوضين لصاحبه أن يشتري جارية فيطأها ففعل فهي له بغير شيء عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا يرجع عليه بنصف الثمن لأنه أدى دينا عليه خاصة من مال مشترك فيرجع عليه صاحبه بنصيبه كما في شراء الطعام والكسوة وهذا لأن الملك واقع له خاصة والثمن بمقابلة الملك وله أن الجارية دخلت في الشركة على البنات جريا على مقتضى الشركة إذ هما لايملكان تغييره فأشبه حال عدم الإذن غير أن الإذن يتضمن هبة نصيبه منه لأن الوطء لا يحل إلا بالملك ولا وجه إلى إثباته بالبيع لما بينا أنه يخالف مقتضى الشركة فأثبتناه بالهبة الثابتة في ضمن الإذن بخلاف الطعام والكسوة لأن ذلك مستثنى عنها للضرورة فيقع الملك له خاصة بنفس العقد فكان مؤديا دينا عليه من مال الشركة وفي مسألتنا قضى دينا عليهما لما بينا وللبائع أن يأخذ بالثمن أيهما شاء بالاتفاق لأنه دين وجب بسبب التجارة والمفاوضة تضمنت الكفالة فصار كالطعام والكسوة 1 كتاب الوقف 1 قال أبو حنيفة رحمه الله لا يزول ملك الواقف عن الوقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته فيقول إذا مت فقد وقفت داري على كذا وقال أبو يوسف يزول ملكه بمجرد القول وقال محمد لا يزول حتى يجعل للوقف وليا ويسلمه إليه

Section V03/P012–V03/P013

قال رضي الله عنه الوقف لغة هو الحبس تقول وقفت الدابة وأوقفتها بمعنى وهو في الشرع عند أبي حنيفة رحمه الله حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة بمنزلة العارية ثم قيل المنفعة معلومة فالتصدق بالمعدوم لا يصح فلا يجوز الوقف أصلا عنده وهو الملفوظ في الأصل والأصح أنه جائز عنده إلا أنه غير لازم بمنزلة العارية وعندهما حبس العين على حكم ملك الله تعالى فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته إلى العباد فيلزم ولا يباع ولا يوهب ولا يورث واللفظ ينتظمهما والترجيح بالدليل لهما قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر حين أراد أن يتصدق بأرض له تدعى ثمغ تصدق بأصلها لا يباع ولا يورث ولا يوهب ولأن الحاجة ماسة إلى أن يلزم الوقف منه ليصل ثوابه إليه على الدوام وقد أمكن دفع حاجته بإسقاط الملك وجعله لله تعالى إذ له نظير في الشرع وهو المسجد فيجعل كذلك ولأبي حنيفة رحمه الله قوله عليه الصلاة والسلام لا حبس عن فرائض الله تعالى وعن شريح جاء محمد عليه الصلاة والسلام ببيع الحبيس ولأنه الملك باق فيه بدليل أنه يجوز الانتفاع به زراعة وسكنى وغير ذلك والملك فيه للواقف ألا ترى أن له ولاية التصرف فيه بصرف غلاته إلى مصارفها ونصب القوام فيها إلا أنه يتصدق بمنافعه فصار شبيه العارية ولأنه يحتاج إلى التصدق بالغلة دائما ولا تصدق عنه إلا بالبقاء على ملكه ولأنه لا يمكن أن يزال ملكه لا إلى مالك لأنه غير مشروع مع بقائه كالسائبة بخلاف الأعتاق لأنه إتلاف وبخلاف المسجد لأنه جعل خالصا لله تعالى ولهذا لا يجوز الانتفاع به وههنا لم ينقطع حق العبد عنه فلم يصر خالصا لله تعالى قال رضي الله عنه قال في الكتاب لا يزول ملك الواقف إلا أن يحكم به الحاكم أو يعلقه بموته وهذا في حكم الحاكم صحيح لأنه قضاء في مجتهد فيه أما في تعليقه بالموت فالصحيح أنه لا يزول ملكه إلا أنه تصدق بمنافعه مؤبدا فيصير بمنزلة الوصية بالمنافع مؤبدا فيلزم والمراد بالحاكم المولى فأما المحكم ففيه اختلاف المشايخ ولو وقف في مرض موته قال الطحاوي هو بمنزلة الوصية بعد الموت والصحيح أنه لا يلزمه عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يلزمه إلا أنه يعتبر من الثلث والوقف في الصحة من جميع المال وإذا كان الملك يزول عندهما يزول بالقول عند أبي يوسف وهو قول الشافعي بمنزلة الإعتاق لأنه إسقاط الملك وعند محمد رحمه الله لا بد من ا لتسليم إلى المتولي لأنه حق الله تعالى وإنما يثبت فيه في ضمن التسليم إلى العبد لأن التمليك من الله تعالى وهو مالك الأشياء لا يتحقق مقصودا وقد يكون تبعا لغيره فيأخذ حكمه فينزل منزلة الزكاة والصدقة قال وإذا صح الوقف على اختلافهم وفي بعض النسخ وإذا استحق مكان قوله وإذا صح خرج من ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه لأنه لو دخل في ملك الموقوف عليه لا يتوقف عليه بل ينفذ بيعه كسائر أملاكه ولأنه لو ملكه لما انتقل عنه بشرط المالك الأول كسائر أملاكه قال رضي الله عنه قوله خرج عن ملك الواقف يجب أن يكون قولهما على الوجه الذي سبق تقريره

Section V03/P013–V03/P014

قال ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف لأن القسمة من تمام القبض والقبض عنده ليس بشرط فكذا تتمته وقال محمد رحمه الله لا يجوز لأن أصل القبض عنده شرط فكذا ما يتم به وهذا فيما يحتمل القسمة وأما فيما لا يحتمل القسمة فيجوز مع الشيوع عند محمد رحمه الله أيضا لأنه يعتبر بالهبه والصدقة المنفذة إلا في المسجد والمقبرة فإنه لا يتم مع الشيوع فيما لا يحتمل القسمة أيضا عند أبي يوسف لأن بقاء الشركة يمنع الخلوص لله تعالى ولأن المهايأة فيهما في غاية القبح بأن يقبر فيه الموتى سنة ويزرع سنة ويصلى فيه في وقت ويتخذ أصطبلا في وقت بخلاف الوقف لإمكان الاستغلال وقسمة الغلة ولو وقف الكل ثم استحق جزء منه بطل في الباقي عند محمد رحمه الله لأن الشيوع مقارن كما في الهبة بخلاف ما إذا رجع الواهب في البعض أو رجع الوارث في الثلثين بعد موت المريض وقد وهبه أو أوقفه في مرضه وفي المال ضيق لأن الشيوع في ذلك طارىء ولو استحق جزء مميز بعينه لم يبطل في الباقي لعدم الشيوع ولهذا جاز في الابتداء وعلى هذا الهبة والصدقة المملوكة قال ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى يجعل آخره بجهة لا تنقطع أبدا وقال أبو يوسف رحمه الله إذا سمي فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم لهما أن موجب الوقف زوال الملك بدون التمليك وأنه يتأبد كالعتق فإذا كانت الجهة يتوهم انقطاعها لا يتوفر عليه مقتضاه فلهذا كان التوقيت مبطلا له كالتوقيت في البيع ولأبي يوسف رحمه الله أن المقصود هو التقرب إلى الله تعالى وهو موفر عليه لأن التقرب تارة يكون في الصرف إلى جهة تنقطع ومرة بالصرف إلى جهة تتأبد فيصح في الوجهين وقيل إن التأبيد شرط بالإجماع إلا أن عند أبي يوسف رحمه الله لا يشترط ذكرالتأبيد لأن لفظة الوقف والصدقة منبئة عنه لما بينا أنه إزالة الملك بدون التمليك كالعتق ولهذا قال في الكتاب في بيان قوله وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم وهذا هو الصحيح وعند محمد رحمه ذكر التأبيد شرط لأن هذا صدقة بالمنفعة أو بالغلة وذلك قد يكون مؤقتا وقد يكون مؤبدا فمطلقه لا ينصرف إلى التأبيد فلا بد من التنصيص قال ويجوز وقف العقار لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول

Section V03/P014–V03/P016

قال رضي الله عنه وهذا على الإرسال قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جاز وكذا سائر آلات الحراثة لأنه تبع للأرض في تحصيل ما هو المقصود وقد يثبت من الحكم تبعا مالا يثبت مقصودا كالشرب في البيع والبناء في الوقف ومحمد رحمه الله معه فيه لأنه لما جاز إفراد بعض المنقول بالوقف عنده فلأن يجوز الوقف فيه تبعا أولى وقال محمد رحمه الله يجوز حبس الكراع والسلاح ومعناه وقفه في سبيل الله وأبو يوسف معه فيه على ما قالواوهو استحسان والقياس أن لا يجوز لما بيناه من قبل وجه الاستحسان الآثار المشهورة فيه منها قوله عليه الصلاة والسلام وأما خالد فقد حبس أدرعا وأفراسا له في سبيل الله تعالى وطلحة رضي الله عنه حبس دروعه في سبيل الله تعالى ويروى أكراعه والكراع الخيل ويدخل في حكمه الإبل لأن العرب يجاهدون عليها وكذا السلاح يحمل عليها وعن محمد رحمه الله أنه يجوز وقف ما فيه تعامل من المنقولات كالفأس والمر والقدوم والمنشار والجنازة وثيابها والقدور والمراجل والمصاحف وعند أبي يوسف لا يجوز لأن القياس إنما يترك بالنص والنص ورد في الكراع والسلاح فيقتصر عليه ومحمد رحمه الله يقول القياس قد يترك بالتعامل كما في الاستصناع وقد وجد التعامل في هذه الأشياء وعن نصير بن يحيى أنه وقف كتبه إلحاقا لها بالمصاحف وهذا صحيح لأن كل واحد يمسك للدين تعليما وتعلما وقراءة وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد رحمه الله وما لا تعامل فيه لايجوز عندنا وقفه وقال الشافعي رحمه الله كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء أصله ويجوز بيعه يجوز وقفه لأنه يمكن الانتفاع به فأشبه العقار والكراع والسلاح ولنا أن الوقف فيه لا يتأبد ولا بد منه على ما بيناه فصار كالدراهم والدنانير بخلاف العقار ولا معارض من حيث السمع ولا من حيث التعامل فبقي على أصل القياس وهذا لأن العقار يتأبد والجهاد سنام الدين فكان معنى القرية فيهما أقوى فلا يكون غيرهما في معناهما قال وإذا صح الوقف لم يجز بيعه ولا تمليكه إلاأن يكون مشاعا عند أبي يوسف رحمه الله فيطلب الشريك القسمة فيصح مقاسمته أما امتناع التمليك فلما بينا وأما جواز القسمة فلأنها تمييز وإفراز غاية الأمر أن الغالب في غير المكيل والموزون معنى المبادلة إلا أن في القوف جعلنا الغالب معنى الإفراز نظرا للوقف فلم يكن بيعا وتمليكا ثم إن وقف نصيبه من عقار مشترك فهو الذي يقاسم شريكه لأن الولاية للواقف وبعد الموت إلى وصيه وإن وقف نصف عقار خالص له فالذي يقاسمه القاضي أو يبيع نصيبه الباقي من رجل ثم يقاسمه المشتري ثم يشتري ذلك منه لأن الواحد لا يجوز أن يكون مقاسما ومقاسما ولو كان في القسمة فضل دراهم إن أعطى الواقف لا يجوز لامتناع بيع الوقف وإن أعطى الواقف جاز ويكون بقدر الدراهم شراء قال والواجب أن يبتدىء من ارتفاع الوقف بعمارته شرط ذلك الواقف أو لم يشترط لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبدا ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة فيثبت شرط العمارة اقتضاء ولأن الخراج بالضمان وصار كنفقة العبد الموصى بخدمته فإنها على الموصى له بها ثم إن كان الوقف على الفقراء لا يظفر بهم وأقرب أموالهم هذه الغلة فتجب فيها ولو كان الوقف على رجل بعينه وآخره للفقراء فهو في ماله أي مال شاء في حال حياته ولا يؤخذ من الغلة لأنه معين يمكن مطالبته وإنما يستحق العمارة عليه بقدر ما يبقى الموقوف على الصفة التي وقفه وإن خرب يبنى على ذلك الوصف لأنها بصفتها صارت غلتها مصروفة إلى الموقوف عليه فأما الزيادة على ذلك فليست بمستحقة عليه والغلة مستحقة له فلا يجوز صرفها إلى شيء آخر إلا برضاه ولو كان الوقف على الفقراء فكذلك عند البعض وعند الآخرين يجوز ذلك والأول أصح لأن الصرف إلى العمارة ضرورة إبقاء الوقف ولا ضرورة في الزيادة

Section V03/P016–V03/P017

قال فإن وقف دارا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى لأن الخراج بالضمان على ما مر فصار كنفقة العبد الموصى بخدمته فإن امتنع من ذلك أو كان فقيرا آجرها الحاكم وعمرها بأجرتها وإذا عمرها ردها إلى من له السكنى لأن في ذلك رعاية الحقين حق الواقف وحق صاحب السكنى لأنه لو لم يعمرها تفوت السكنى أصلا والأول أولى ولا يجبر الممتنع على العمارة لما فيه من إتلاف ماله فأشبه امتناع صاحب البذر في المزارعة فلا يكون امتناعه رضا منه ببطلان حقه لأنه في حيز التردد ولا تصح إجارة من له السكنى لأنه غير مالك قال وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه وإن استغنى عنه أمسكه حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيهما لأنه لا بد من العمارة ليبقى على التأبيد فيحصل مقصود الواقف فإن مست الحاجة إليه في الحال صرفها فيها وإلا أمسكها حتى لايتعذر عليه ذلك أو أن الحاجة فيبطل المقصود وإن تعذر إعادة عينه إلى موضعه بيع وصرف ثمنه إلى صرفا للبدل إلى مصرف المبدل ولا يجوز أن يقسمه يعني النقض بين مستحقي الوقف لأنه جزء من العين ولا حق للموقوف عليهم فيه وإنما حقهم في المنافع والعين حق الله تعالى فلا يصرف إليهم غير حقهم قال وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف قال رضي الله عنه ذكر فصلين شرط الغلة لنفسه وجعل الولاية إليه أما الأول فهو جائز عند أبي يوسف ولا يجوز على قياس قول محمد رحمه الله وهو قول هلال الرازي وبه قال الشافعي رحمه الله وقيل إن الاختلاف بينهما بناء على الاختلاف في اشتراط القبض والإفراز وقيل هي مسألة مبتدأة والخلاف فيما إذا شرط البعض لنفسه في حياته وبعد موته للفقراء وفيما إذا شرط الكل لنفسه في حياته وبعد موته للفقراء سواء ولو وقف وشرط البعض أو الكل لأمهات أولاده ومدبريه ما داموا أحياء فإذا ماتوا فهو للفقراء والمساكين فقد قيل يجوز بالاتفاق وقد قيل هو على الخلاف أيضا وهو الصحيح لأن اشتراطه لهم في حياته كاشتراطه لنفسه وجه قول محمد رحمه الله أن الوقف تبرع عل وجه التمليك بالطريق الذي قدمناه فاشتراطه البعض أو الكل لنفسه يبطله لأن التمليك من نفسه لا يتحقق فصار كالصدقة المنفذة وشرط بعض بقعة المسجد لنفسه ولأبي يوسف رحمه الله ما روى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل من صدقته والمراد منها صدقته الموقوفة ولا يحل الأكل منها إلا بالشرط فدل على صحته ولأن الوقف إزالة الملك إلى الله تعالى على وجه القربة على ما بيناه فإذا شرط البعض أو الكل لنفسه فقد جعل ما صار مملوكا لله تعالى لنفسه لأنه يجعل ملك نفسه لنفسه وهذا جائز كما إذا بنى خانا أو سقاية أو جعل أرضه مقبرة وشرط أن ينزله أو يشرب منه أو يدفن فيه ولأن مقصوده القربة وفي الصرف إلى نفسه ذلك قال عليه الصلاة والسلام نفقة الرجل على نفسه صدقة ولو شرط الواقف أن يستبدل به أرضا أخرى إذا شاء ذلك فهو جائز عند أبي يوسف وعند محمد رحمه الله الوقف جائز والشرط باطل ولو شرط الخيار لنفسه في الوقف ثلاثة أيام جاز الوقف والشرط عند أبي يوسف وعند محمد رحمه الله الوقف باطل وهذا بناء على ما ذكرنا

Section V03/P017–V03/P019

وأما فصل الولاية فقد نص فيه على قول أبي يوسف وهو قول هلال أيضا وهو ظاهر المذهب وذكر هلال في وقفه وقال أقوام إن شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له ولاية وإن لم يشترط لم تكن له ولاية قال مشايخنا الأشبه أن يكون هذا قول محمد رحمه الله لأن من أصله أن التسليم إلى القيم شرط لصحة الوقف فإذا سلم لم يبق له ولاية فيه ولنا أن المتولي إنما يستفيد الولاية من جهته بشرطه فيستحيل أن لا يكون له الولاية وغيره يستفيد الولاية منه ولأنه أقرب الناس إلى هذا الوقف فيكون أولى بولايته كمن اتخذ مسجدا يكون أولى بعمارته ونصب المؤذن فيه وكمن أعتق عبدا كان الولاء له لأنه أقرب الناس إليه ولو أن الواقف شرط ولايته لنفسه وكان الواقف غير مأمون على الوقف فللقاضي أن ينزعها من يده نظرا للفقراء كما له أن يخرج الوصي نظرا للصغار وكذا إذا شرط أن ليس لسلطان ولا لقاض أن يخرجها من يده ويوليها غيره لأنه شرط مخالف لحكم الشرع فبطل فصل وإذا بنى مسجدا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس بالصلاة فيه فإذا صلى فيه واحد زال عند أبي حنيفة رحمه الله عن ملكه أما الإفراز فلأنه لا يخلص لله تعالى إلا به وأما الصلاة فيه فلأنه لا بد من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ويشترط تسليم نوعه وذلك في المسجد بالصلاة فيه أو لأنه لما تعذر القبض فقام تحقق المقصود مقامه ثم يكتفى بصلاة الواحد فيه في رواية عن أبي حنيفة وكذا عن محمد رحمهما الله لأن فعل الجنس متعذر فيشترط أدناه وعن محمد رحمه الله أنه يشترط الصلاة بالجماعة لأن المسجد بني لذلك في الغالب وقال أبو يوسف يزول ملكه بقوله جعلته مسجدا لأن التسليم عنده ليس بشرط لأنه إسقاط لملك العبد فيصير خالصا لله تعالى بسقوط حق العبد وصار كالإعتاق وقد بيناه من قبل قال ومن جعل مسجدا تحته سرداب أو فوقه بيت وجعل باب المسجد إلى الطريق وعزله عن ملكه فله أن يبيعه وإن مات يورث عنه لأنه لم يخلص لله تعالى لبقاء حق العبد متعلقا به ولو كان السرداب لمصالح المسجد جاز كما في مسجد بيت المقدس وروى الحسن عنه أنه قال إذا جعل السفل مسجدا وعلى ظهره مسكن فهو مسجد لأن المسجد مما يتأبد وذلك يتحقق في السفل دون العلو وعن محمد رحمه الله على عكس هذا لأن المسجد معظم وإذا كان فوقه مسكن أو مستغل يتعذر تعظيمه وعن أبي يوسف رحمه الله أنه جوز في الوجهين حين قدم بغداد ورأى ضيق المنازل فكأنه اعتبر الضرورة وعن محمد رحمه الله أنه حين دخل الري أجاز ذلك كله لما قلنا قال وكذلك إن اتخذ وسط داره مسجدا وأذن للناس بالدخول فيه يعني له أن يبيعه ويورث عنه لأن المسجد مالا يكون لأحد فيه حق المنع وإذا كان ملكه محيطا بجوانبه كان له حق المنع فلم يصر مسجدا ولأنه أبقى الطريق لنفسه فلم يخلص لله تعالى وعن محمد أنه لا يباع ولا يورث ولا يوهب اعتبره مسجدا وهكذا عن أبي يوسف رحمه الله أنه يصير مسجدا لأنه لما رضي بكونه مسجدا ولا يصير مسجدا إلا بالطريق دخل فيه الطريق وصار مستحقا كما يدخل في الإجارة من غير ذكر

Section V03/P019–V03/P020

قال ومن اتخذ أرضه مسجدا لم يكن له أن يرجع فيه ولا يبيعه ولا يورث عنه لأنه تجرد عن حق العباد وصار خالصا لله وهذا لأن الأشياء كلها لله تعالى وإذا أسقط العبد ما ثبت له من الحق رجع إلى أصله فانقطع تصرفه عنه كما في الإعتاق ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عنه يبقى مسجدا عند أبي يوسف لأنه إسقاط منه فلا يعود إلى ملكه وعند محمد رحمه الله يعود إلى ملك الباني أو إلى وارثه بعد موته لأنه عينه لنوع قربة وقد انقطعت فصار كحصير المسجد وحشيشه إذا استغني عنه إلا أن أبا يوسف رحمه الله يقول في الحصير والحشيش إنه ينقل إلى مسجد آخر قال ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانا يسكنه بنو السبيل أو رباطا أو جعل أرضه مقبرة لم يزل ملكه عن ذلك حتى يحكم به الحاكم عند أبي حنيفة رحمه الله لأنه لم ينقطع عن حق العبد ألا ترى أن له أن ينتفع به فيسكن في الخان وينزل في الرباط ويشرب من السقاية ويدفن في المقبرة فيشترط حكم الحاكم أو الإضافة إلى ما بعد الموت كما في الوقف على الفقراء بخلاف المسجد لأنه لم يبق له حق الانتفاع به فخلص لله تعالى من غير حكم الحاكم وعند أبي يوسف يزول ملكه بالقول كما هو أصله إذ التسليم عنده ليس بشرط والوقف لازم وعند محمد رحمه الله إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك لأن التسليم عنده شرط والشرط تسليم نوعه وذلك بما ذكرناه ويكتفى بالواحد لتعذر فعل الجنس كله وعلى هذا البئر الموقوفة والحوض ولو سلم إلى المتولي صح التسليم في هذه الوجوه كلها لأنه نائب عن الموقوف عليه وفعل النائب كفعل المنوب عنه وأما في المسجد فقد قيل لا يكون تسليما لأنه لا تدبير للمتولى فيه وقيل يكون تسليما لأنه يحتاج إلى من يكنسه ويغلق بابه فإذا سلم إليه صح التسليم والمقبرة في هذا بمنزلة المسجد على ما قيل لأنه لا متولى له عرفا وقيل هي بمنزلة السقاية والخان فيصح التسليم إلى المتولي لأنه لو نصب المتولي يصح وإن كان بخلاف العادة ولو جعل دارا له بمكة سكنى لحاج بيت الله والمعتمرين أو جعل داره في غير مكة سكنى للمساكين أو جعلها في ثغر من الثغور سكنى للغزاة والمرابطين أو جعل غلة أرضه للغزاة في سبيل الله تعالى ودفع ذلك إلى وال يقوم عليه فهو جائز ولا رجوع فيه لما بينا إلا أن في الغلة تحل للفقراء دون الأغنياء وفيما سواه من سكنى الخان والإستقاء عن البئر والسقاية وغير ذلك يستوي فيه الغني والفقير والفارق هو العف في الفصلين فإن أهل العرف يريدون بذلك في الغلة الفقراء وفي غيرها التسوية بينهم وبين الإغنياء ولأن الحاجة تشمل الغني والفقير في الشرب والنزول والغني لا يحتاج إلى صرف هذه الغلة لغناه والله أعلم بالصواب 1 كتاب البيوع 1 قال البيع ينعقد بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظي الماضي مثل أن يقول أحدهما بعث والآخر اشتريت لأن البيع إنشاء تصرف والإنشاء يعرف بالشرع والموضوع للإخبار قد استعمل فيه فينعقد به ولا ينعقد بلفظين أحدهما لفظ المستقبل والآخر لفظ الماضي بخلاف النكاح وقد مر الفرق هناك وقوله رضيت بكذا أو أعطيتك بكذا أو خذه بكذا في معنى قوله بعت واشتريت لأنه يؤدي معناه والمعنى هو المعتبر في هذه العقود ولهذا ينعقد بالتعاطي في النفيس والخسيس وهو الصحيح لتحقق المراضاة 1

Section V03/P020–V03/P021

قال وإذا أوجب أحد المتعاقدين البيع فالآخر بالخيار إن شاء قبل في المجلس وإن شاء رد وهذا خيار القبول لأنه لو لم يثبت له الخيار يلزمه حكم البيع من غير رضاه وإذا لم يفد الحكم بدون قبول الآخر فللموجب أن يرجع عنه قبل قبوله لخلوه عن إبطال حق الغير وإنما يمتد إلى آخر المجلس لأن المجلس جامع المتفرقات فاعتبرت ساعاته ساعة واحدة دفعا للعسر وتحقيقا لليسر والكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة وليس له أن يقبل في بعض المبيع ولا أن يقبل المشتري ببعض الثمن لعدم رضى الآخر بتفرق الصفقة إلا إذا بين ثمن كل واحد لأنه صفقات معنى قال وأيهما قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب لأن القيام دليل الإعراض والرجوع وله ذلك على ما ذكرناه وأذا حصل الإيجاب والقبول لزم البيع ولا خيار لواحد منهماإلا من عيب أو عدم رؤية وقال الشافعي يثبت لكل واحد منهما خيار المجلس لقوله عليه الصلاة والسلام المتبايعان بالخيار مالم يتفرقا ولنا أن في الفسخ إبطال حتى الغير فلا يجوز والحديث محمول على خيار القبول وفيه إشارة إليه فإنهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها أو يحتمله فيحمل عليه والتفرق فيه تفرق الأقوال قال والأعراض المشار إليه لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع لأن بالإشارة كفاية في التعريف وجهالة الوصف فيه لا تفضي إلى المنازعة والأثمان المطلقة لا تصح إلا أن تكون معروفة القدر والصفة لأن التسليم والتسلم واجب بالعقد وهذه الجهالة مفضية إلى المنازعة فيمتنع التسليم والتسلم وكل جهالة هذه صفتها تمنع لجواز هذا هو الأصل قال ويجوز البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما لإطلاق قوله تعالى وأحل الله البيع وعنه عليه الصلاة والسلام أنه اشترى من يهودي طعاما إلى أجل معلوم ورهنه درعه ولا بد أن يكون الأجل معلوما لأن الجهالة فيه مانعة من التسليم الواجب بالعقد فهذا يطالبه به في قريب المدة وهذايسلمه في بعيدها قال ومن أطلق الثمن في البيع كان على غالب نقد البلد لأنه المتعارف وفيه التحري للجواز فيصرف إليه فإن كانت النقود مختلفة فالبيع فاسد إلا أن يبين أحدهما وهذا إذا كان الكل في الزواج سواء لأن الجهالة مفضية إلى المنازعة إلا أن ترتفع الجهالة بالبيان أو يكون أحدها أغلب وأروج فحينئذ يصرف إليه تحريا للجواز وهذا إذا كانت مختلفة في المالية فإن كانت سواء فيها كالثنائي والثلاثي والنصرتي اليوم بسمرقند والاختلاف بين العدالى بفرغانة جاز البيع إذا أطلق اسم الدرهم كذا قالوا وينصرف إلى ما قدر به من أي نوع كان لأنه لا منازعة ولا اختلاف في المالية قال ويجوز بيع الطعام والحبوب مكايلة ومجازفة وكذا إذا باعه بخلاف جنسه لقوله عليه الصلاة والسلام إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد بخلاف ما إذا باعه بجنسه مجازفة لما فيه من احتمال الربا ولأن الجهالة غير مانعة من التسليم والتسلم فشابه جهالة القيمة قال ويجوز بإناء بعينه لا يعرف مقداره وبوزن حجر بعينه لا يعرف مقداره لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لما أنه يتعجل فيه التسليم فيندر هلاكه قبله بخلاف السلم لأن التسليم فيه متأخر والهلاك ليس بنادر قبله فتتحقق المنازعة وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز في البيع أيضا والأول أصح وأظهر

Section V03/P021–V03/P023

قال ومن باع صبرة طعام كل قفيز بدرهم جاز البيع في قفيز واحد عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يسمى جملة قفزاتها وقالا يجوز في الوجهين له أنه تعذر الصرف إلى الكل لجهالة المبيع والثمن فيصرف إلى الأقل وهو معلوم إلا أن تزول الجهالة بتسمية جميع القفزان أو بالكيل في المجلس وصار هذا كما لو أقر قال لفلان على كل درهم فعليه درهم واحد بالإجماع ولهما أن الجهالة بيدهما إزالتها ومثلها غير مانع وكما إذا باع عبدا من عبدين على أن المشتري بالخيار ثم إذا جاز في قفيز واحد عند أبي حنيفة رحمه الله فللمشتري الخيار لتفرق الصفقة عليه وكذا إذا كيل في المجلس أو سمى جملة قفزاتها لأنه علم بذلك الآن فله الخيار كما إذا رآه ولم يكن رآه وقت البيع قال ومن باع قطيع غنم كل شاة بدرهم فسد البيع في جميعها عند أبي حنيفة رحمه الله وكذلك من باع ثوبا مذارعة كل ذراع بدرهم ولم يسم جملة الذرعان وكذا كل معدود متفاوت وعندهما يجوز في الكل لما قلنا وعنده ينصرف إلى الواحد لما بينا غير أن بيع شاة من قطيع غنم وذراع من ثوب لا يجوز للتفاوت وبيع قفيز من صبرة يجوز لعدم التفاوت فلا تفضي الجهالة إلى المنازعة فيه وتفضي إليها في الأول فوضح الفرق قال ومن ابتاع صبرة طعام على أنها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقل كان المشترى بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصته من الثمن وإن شاء فسخ البيع لتفرق الصفقة عليه قبل التمام فلم يتم رضاه بالموجود وإن وجدها أكثر فالزيادة للبائع لآن البيع وقع على مقدار معين والقدر ليس بوصف ومن اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم أو أرضا على أنها مائة ذراع بمائة درهم فوجدها أقل فالمشترى بالخيار إن شاء أخذها بجملة الثمن وإن شاء ترك لأن الذرع وصف في الثوب ألا ترى أنه عبارة عن الطول والعرض والوصف لا يقابله شيء من الثمن كأطراف الحيوان فلهذا يأخذه بكل الثمن بخلاف الفصل الأول لأن المقدار يقابله الثمن فلهذا يأخذه بحصته إلا أنه يتخير لفوات الوصف المذكور لتغير المعقود عليه فيختل الرضى قال وإن وجدها أكثر من الذراع الذي سماه فهو للمشتري ولا خيار للبائع لأنه صفة فكان بمنزلة ما إذا باعه معيبا فإذا هو سليم ولو قال بعتكها عل ى أنها مائة ذراع بمائة درهم كل ذراع بدرهم فوجدها ناقصة فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وإن شاء ترك لأن الوصف وإن كان تابعا لكنه صار أصلا بإفراده بذكر الثمن فينزل كل ذراع منزلة ثوب وهذا لأنه لو أخذه بكل الثمن لم يكن آخذا لكل ذراع بدرهم وإن وجدها زائدة فهو بالخيار إن شاء أخذ الجميع كل ذراع بدرهم وإن شاء فسخ البيع لأنه إن حصل له الزيادة في الذرع تلزمه زيادة الثمن فكان نفعا يشوبه ضرر فيتخير وإنما يلزمه الزيادة لما بينا أنه صار أصلا ولو أخذه بالأقل لم يكن آخذا بالمشروط قال ومن اشترى عشرة أذرع من مائة ذراع من دار أو حمام فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وقالا هو جائز وإن اشترى عشرة أسهم من مائة سهم جاز في قولهم جميعا لهما أن عشرة أذرع من مائة ذراع عشر الدار فأشبه عشرة أسهم وله أن الذراع اسم لما يذرع به واستعير لما يحله الذراع وهو المعين دون المشاع وذلك غير معلوم بخلاف السهم ولا فرق عند أبي حنيفة رحمه الله بين ما إذا علم جملة الذرعان أو لم يعلم وهو الصحيح خلافا لما يقول الخصاف لبقاء الجهالة ولو اشترى عدلا على أنه عشرة أثواب فإذا هو تسعة أو أحد عشر فسد البيع لجهالة المبيع أو الثمن

Section V03/P023–V03/P024

ولو بين لكل ثوب ثمنا جاز في فصل النقصان بقدره وله الخيار ولم يجز في الزيادة لجهالة العشرة المبيعة وقيل عند أبي حنيفة لا يجوز في فصل النقصان أيضا وليس بصحيح بخلاف ما إذا اشترى ثوبين على أنهما هرويان فإذا أحدهما مروي حيث لا يجوز فيهما وإن بين ثمن كل واحد منها لأنه جعل القبول في المروي شرطا لجواز العقد في الهروي وهو شرط فاسد ولا قبول يشترط في المعدوم فافترقا ولو اشترى ثوبا واحدا على أنه عشرة أذرع كل ذراع بدرهم فإذا هو عشرة ونصف أو تسعة ونصف قا أبو حنيفة رحمه الله في الوجه الأول يأخذه بعشرة من غير خيار وفي الوجه الثاني يأخذه بتسعة إن شاء وقال أبو يوسف رحمة الله عليه في الوجه الأول يأخذ بأحد عشر إن شاء وفي الثاني يأخذه بعشرة إن شاء وقال محمد رحمه الله يأخذ في الأول بعشرة ونصف إن شاء وفي الثاني بتسعة ونصف ويخبر لأن من ضرورة مقابلة الذراع بالدرهم مقابلة نصفه بنصفه فيجري عليه حكمها ولأبي يوسف رحمه الله أنه لما أفرد كل ذراع ببدل نزل كل ذراع منزلة ثوب على حدة وقد انتقص ولأبي حنيفة رحمه الله عليه أن الذراع وصف في الأصل وإنما أخذ حكم المقدار بالشرط وهو مقيد بالذراع فعند عدمه عاد الحكم إلى الأصل وقيل في الكرباس الذي لا يتفاوت جوانبه لا يطيب المشترى ما زاد على المشروط لأنه بمنزلة الموزون حيث لا يضره الفصل وعلى هذا قالوا يجوز بيع ذراع منه فصل ومن باع دارا دخل بناؤها في البيع وإن لم يسمه لأن اسم الدار يتناول العرصة والبناء في العرف ولأنه متصل بها اتصال قرار فيكون تبعا له ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وإن لم يسمه لأنه متصل بها للقرار فأشبه البناء ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية لأنه متصل بها للفصل فشابه المتاع الذي فيها ومن باع نخلا أو شجرا فيه ثمر فثمره للبائع إلا أن يشترط المبتاع لقوله عليه الصلاة والسلام من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع إلا أن يشترط المبتاع ولأن الاتصال وإن كان خلقة فهو للقطع لا للبقاء فصار كالزرع ويقال للبائع اقطعها وسلم المبيع وكذا إذا كان فيها زرع لأن ملك المشتري مشغول بملك البائع فكان عليه تفريغه وتسليمه كما إذا كان فيه متاع وقال الشافعي رحمه الله يترك حتى يظهر صلاح الثمر ويستحصد الزرع لأن الواجب إنما هو التسليم المعتاد والمعتاد أن لا يقطع كذلك وصار كما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع قلنا هناك التسليم واجب أيضا حتى يترك بأجر وتسليم العوض كتسليم المعوض ولا فرق بين ما إذا كان الثمر بحال له قيمة أو لم يكن في الصحيح ويكون في الحالين للبائع لأن بيعه يجوز في أصح الروايتين على ما نبين فلا يدخل في بيع الشجر من غير ذكر وأما إذا بيعت الأرض وقد بذر فيها صاحبها ولم ينبت بعد لم يدخل فيه لأنه مودع فيها كالمتاع ولو نبت ولم تصر له قيمة فقد قيل لا يدخل فيه وقد قيل يدخل فيه وكان هذا بناء على الاختلاف في جواز بيعه قبل أن تناله المشافر والمناجل ولا يدخل الزرع والثمر بذكر الحقوق والمرافق لأنهما ليسا منهما ولو قال بكل قليل وكثير هو له فيها ومنها من حقوقها أو قال من مرافقها لم يدخلا فيه لما قلنا وإن لم يقل من حقوقها أو من مرافقها دخلا فيه أما الثمر المجذوذ والزرع المحصود فهو بمنزلة المتاع لا يدخل إلا بالتصريح به

Section V03/P024–V03/P026

قال وما باع ثمرة لم يبد صلاحها أو قد بدا جاز البيع لأنه مال متقوم أما لكونه منتفعا به في الحال أو في الثاني وقد قيل لا يجوز قبل أن يبدو صلاحها والأول أصح وعلى المشتري قطعها في الحال تفريغا لملك البائع وهذا إذا اشتراها مطلقا أو بشرط القطع وإن شرط تركها على النخيل فسد البيع لأنه شرط لا يقتضيه العقد وهو شغل ملك الغير أو هو صفقة في صفقة وهو إعارة أو إجازة في بيع وكذا بيع الزرع بشرط الترك لما قلنا وكذا إذا تناهى عظمهاعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لما قلنا واستحسنه محمد رحمه الله للعادة بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها لأنه شرط فيه الجزء المعدوم وهو الذي يزيد لمعنى من الأرض أو الشجر ولو اشتراها مطلقا وتركها بإذن البائع طاب له الفضل وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته لحصوله بجهة محظورة وإن تركها بعد ما تناهى عظمها لم يتصدق بشيء لأن هذا تغير حالة لا تحقق زيادة وإن اشتراها مطلقا وتركها على النخيل وقد استأجر النخيل إلى وقت الإدراك طاب له الفضل لأن الإجارة باطلة لعدم التعارف والحاجة فبقي الإذن معتبرا بخلاف ما إذا اشترى الزرع واستأجر الأرض إلى أن يدرك وتركه حيث لا يطيب له الفضل لأن الإجارة فاسدة للجهالة فأورثت خبثا ولو اشتراها مطلقا فأثمرت ثمرا آخر قبل القبض فسد البيع لأنه لا يمكنه تسليم المبيع لتعذر التمييز ولو أثمرت بعد القبض يشتركان فيه للاختلاط والقول قول المشتري في مقداره لأنه في يده وكذا في الباذنجان والبطيخ والمخلص أن يشتري الأصول لتحصل الزيادة على ملكه قال ولا يجوز أن يبيع ثمرة ويستثني منها أرطالا معلومة خلافا لمالك رحمه الله لأن الباقي بعد الاستثناء مجهول بخلاف ما إذا باع واستثنى نخلا معينا لأن الباقي معلوم بالمشاهدة قال رضي الله عنه قالوا هذه رواية الحسن وهو قال الطحاوي أما على ظاهر الرواية ينبغي أن يجوز لأن الآصل أن ما يجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد وبيع قفيز من صبرة جائز فكذا استثناؤه بخلاف استثناء الحمل وأطراف الحيوان لأنه لا يجوز بيعه فكذا استثناؤه ويجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره وكذا الأرز والسمسم وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز بيع الباقلاء الأخضر وكذا الجوز واللوز والفستق في قشره الأول عنده وله في بيع السنبلة قولان وعندنا يجوز ذلك كله له أن المعقود عليه مستور بما لا منفعة له فيه فأشبه تراب الصاغة إذا بيع بجنسه ولنا ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن بيع النخل حتى يزهى وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ولأنه حب منتفع به فيجوز بيعه في سنبله كالشعير والجامع كونه مالا متقوما بخلاف تراب الصاغة لأنه إنما لا يجوز بيعه بجنسه لاحتمال الربا حتى لو باعه بخلاف جنسه جاز وفي مسألتنا لو باعه بجنسه لا يجوز أيضا لشبهة الربا لأنه لا يدرى قدر ما في السنابل ومن باع دارا دخل في البيع مفاتيح إغلاقها لأنه يدخل فيه الإغلاق لأنها مركبة فيها للبقاء والمفتاح يدخل في بيع الغلق من غير تسمية لأنه بمنزلة بعض منه إذ لا ينتفع به بدونه قال وأجرة الكيال وناقد الثمن على البائع أما الكيل فلا بد منه للتسليم وهو على البائع ومعنى هذا أذا بيع مكايلة وكذا أجرة الوزان والذراع والعداد وأما النقد فالمذكور رواية ابن رستم عن محمد رحمه الله لأن النقد يكون بعد التسليم ألا ترى أنه يكون بعد الوزن والبائع هو المحتاج إليه ليمنز ما تعلق به حقه من غيره أو ليعرف المعيب ليرده وفي رواية ابن سماعة عنه على المشتري لأنه يحتاج إلى تسليم الجيد المقدر والجودة تعرف بالنقد كما يعرف القدر بالوزن فيكون عليه قال وأجرة وزان الثمن على المشتري لما بينا أنه هو المحتاج إلى تسليم الثمن وبالوزن يتحقق التسليم