Merğînânî — el-Hidâye (Hanefî)
ولو قال لها أنت طالق إن شئت فقالت شئت إن شئت فقال الزوج شئت ينوي الطلاق يظل الأمر لأنه علق طلاقها بالمشيئة المرسلة وهي أتت بالمعلقة فلم يوجد الشرط وهو اشتعال مالا يعنيها فخرج الأمر من يدها ولا يقع الطلاق بقوله شئت وإن نوى الطلاق لأنه ليس في كلام المرأة ذكر الطلاق ليصير الزوج شائيا طلاقها والنية لا تعمل في غير المذكور حتى لو قال شئت طلاقك يقع إذا نوى لأنه إيقاع مبتدأ إذ المشيئة تنبئ عن الوجود بخلاف قوله أردت طلاقك لأنه لا ينبئ عن الوجود وكذا إذا قالت شئت إن شاء أبى أو شئت إن كان كذا لأمر لم يجئ بعد لما ذكرنا أن المأتي به مشيئة معلقة فلا يقع الطلاق وبطل الأمر وإن قالت قد شئت إن كان كذا لأمر قد مضى طلقت لأن التعليق بشرط كائن تنجيز ولو قال لها أنت طالق إذا شئت أو إذا ما شئت أو متى شئت أو متى ما شئت فردت الأمر لم يكن ردا ولا يقتصر على المجلس أما كلمة متى ومتى ما فلأنهما للوقت وهي عامة في الأوقات كلها كأنه قال في أي وقت شئت فلا يقتصر على المجلس بالإجماع ولو ردت الأمر لم يكن ردا لأنه ملكها الطلاق في الوقت الذي شاءت فلم يكن تمليكا قبل المشيئة حتى يرتد بالرد ولا تطلق نفسها إلا واحدة لأنها تعم الأزمان دون الأفعال فتملك التطليق في كل زمان ولا تملك تطليقا بعد تطليق وأما كلمة إذا وإذا ما فهما ومتى سواء عندهما وعند أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وإن كان يستعمل للشرط كما يستعمل للوقت لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالشك وقد مر من قبل ولو قال لها أنت طالق كلما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة بعد واحدة حتى تطلق نفسها ثلاثا لأن كلمة كلما توجب تكرار الأفعال إلا أن التعليق ينصرف إلى الملك القائم حتى لو عادت إليه بعد زوج آخر فطلقت نفسها لم يقع شيء لأنه ملك مستحدث وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا بكلمة واحدة لأنها توجب عموم الانفراد لا عموم الاجتماع فلا تملك الإيقاع جملة وجمعا ولو قال لها أنت طالق حيث شئت أو أين شئت لم تطلق حتى تشاء وإن قامت من مجلسها فلا مشيئة لها لأن كلمة حيث وأين من أسماء المكان والطلاق لا تعلق له بالمكان فيلغو ويبقى ذكر مطلق المشيئة فيقتصر على المجلس بخلاف الزمان لأن له تعلقا به حتى تقع في زمان دون زمان فوجب اعتباره عموما وخصوصا وإن قال لها أنت طالق كيف شئت طلقت تطليقة يملك الرجعة ومعناه قبل المشيئة فإن قالت قد شئت واحدة بائنة أو ثلاثا وقال الزوج ذلك نويت فهو كما قال لأن عند ذلك تثبت المطابقة بين مشيئتها وإرادته أما إذا أرادت ثلاثا والزوج واحدة بائنة أو على القلب تقع واحدة رجعية لأنه لغا تصرفها لعدم الموافقة فبقي إيقاع الزوج وإن لم تحضره النية تعتبر مشيئتها فيما قالوا جريا على موجب التخيير
قال رضي الله تعالى عنه وقال في الأصل هذا قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يقع مالم توقع المرأة رجعية أو بائنة أو ثلاثا وعلى هذا الخلاف العتاق لهما أنه فوض التطليق إليها على أي صفة شاءت فلا بد من تعليق أصل الطلاق بمشيئتها لتكون لها المشيئة في جميع الأحوال أعني قبل الدخول وبعده ولأبي حنيفة رحمه الله أن كلمة كيف للاستيصاف يقال كيف اصبحت والتفويض في وصفه يستدعي وجود أصله ووجود الطلاق لوقوعه وإن قال لها أنت طالق كم شئت أو ما شئت طلقت نفسها ما شاءت لأنهما يستعملان للعدد فقد فوض إليها أي عدد شاءت فإن قامت من المجلس بطل وإن ردت الأمر كان ردا لأن هذا أمر واحد وهو خطاب في الحال فيقتضي الجواب في الحال وإن قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين ولا تطلق ثلاثا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا تطلق ثلاثا إن شاءت لأن كلمة ما محكمة في التعميم وكلمة من قد تستعمل للتمييز فيحمل على تمييز الجنس كما إذا قال كل من طعامي ما شئت أو طلق من نسائي من شاءت ولأبي حنيفة رحمه الله أن كلمة من حقيقة للتبعيض وما للتعميم فعمل بهما وفيما استشهدا به ترك التبعيض بدلالة إظهار السماحة أو لعموم الصفة وهي المشيئة حتى لو قال من شئت كان على هذا الخلاف والله تعالى أعلم بالصواب 2 باب الأيمان في الطلاق 2 وإذا أضاف الطلاق إلى النكاح وقع عقيب النكاح مثل أن يقول لامرأة إن تزوجتك فأنت طالق أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق وقال الشافعي رحمه الله لا يقع لقوله عليه الصلاة والسلام لا طلاق قبل النكاح ولنا أن هذا تصرف يمين لوجود الشرط والجزاء فلا يشترط لصحته قيام الملك في الحال لأن الوقوع عند الشرط والملك متيقن به عنده وقبل ذلك أثره المنع وهو قائم بالمنصرف والحديث محمول على نفي التنجيز والحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري وغيرهما وإذا أضافه إلى شرط وقع عقيب الشرط مثل أن يقول لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وهذا بالاتفاق لأن الملك قائم في الحال والظاهر بقاؤه إلى وقت وجود الشرط فيصح يمينا أو إيقاعا ولا تصح إضافة الطلاق إلا أن يكون الحالف مالكا أو يضيفه إلى ملك لأن الجزاء لا بد أن يكون ظاهرا ليكون مخيفا فيتحقق معنى اليمين وهو القوة والظهور بأحد هذين والإضافة إلى سبب الملك بمنزلة الإضافة إليه لأنه ظاهر عند سببه فإن قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق ثم تزوجها فدخلت الدار لم تطلق لأن الحالف ليس بمالك ولا أضافه إلى الملك أو سببه ولا بد من واحد منهما وألفاظ الشرط إن وإذا وإذا ما وكل وكلما ومتى ومتى ما لأن الشرط مشتق من العلامة وهذه الألفاظ مما تليها أفعال فتكون علامات على الحنث ثم كلمة إن حرف للشرط لأنه ليس فيها معنى الوقت وما وراءها ملحق بها وكلمة كل ليست شرطا حقيقة لأن ما يليها اسم والشرط ما يتعلق به الجزاء والأجزية تتعلق بالأفعال إلا أنه ألحق بالشرط لتعلق الفعل بالاسم الذي يليها مثل قولك كل عبد اشتريته فهو حر قال ففي هذه الألفاظ إذا وجد الشرط انحلت وانتهت اليمين لأنها غير مقتضية للعموم والتكرار لغة فبوجود الفعل مرة يتم الشرط ولا بقاء لليمين بدونه إلا في كلمة كلما فإنها تقتضي تعميم الأفعال قال الله تعالى كلما نضجت جلودهم الآية ومن ضرورة التعميم التكرار قال فإن تزوجها بعد ذلك أي بعد زوج آخر وتكرر الشرط لم يقع شيء لأن باستيفاء الطلقات الثلاث المملوكات في هذا النكاح لم يبق الجزاء وبقاء اليمين به وبالشرط وفيه خلاف زفر رحمه الله وسنقرره من بعد إن شاء الله تعالى
ولو دخلت على نفس التزوج بأن قال كلما تزوجت امرأة فهي طالق يحنث بكل مرة وإن كان بعد زوج آخر لأن انعقادها باعتبار ما يملك عليها من الطلاق بالتزوج وذلك غير محصور قال وزوال الملك بعد اليمين لا يبطلها لأنه لم يوجد الشرط فبقي والجزاء باق لبقاء محله فبقي اليمين ثم إن وجد الشرط في ملكه انحلت اليمين ووقع الطلاق لأنه وجد الشرط والمحل قابل للجزاء فينزل الجزاء ولا تبقى اليمين لما قلنا وإن وجد في غير الملك انحلت اليمين لوجود الشرط ولم يقع شيء لانعدام المحلية وإن اختلفا في وجود الشرط فالقول قول الزوج إلا أن تقيم المرأة البينة لأنه متمسك بالأصل وهو عدم الشرط ولأنه ينكر وقوع الطلاق وزوال الملك والمرأة تدعيه فإن كان الشرط لا يعلم إلا من جهتها فالقول قولها في حق نفسها مثل أن يقول إن حضت فأنت طالق وفلانة فقالت قد حضت طلقت هي ولم تطلق فلانة ووقوع الطلاق استحسان والقياس أن لا يقع لأنه شرط فلا تصدق كما في الدخول وجه الاستحسان أنها أمينة في حق نفسها إذ لا يعلم ذلك إلا من جهتها فيقبل قولها كما قبل في حق العدة والغشيان لكنها شاهدة في حق ضرتها بل هي متهمة فلا يقبل قولها في حقها وكذلك لو قال إن كنت تحبين أن يعذبك الله في نار جهنم فأنت طالق وعبدي حر فقالت أحبه أو قال إن كنت تحبيني فأنت طالق وهذه معك فقالت أحبك طلقت هي ولم يعتق العبد ولا تطلق صاحبتها لما بينا ولا يتيقن بكذبها لأنها لشدة بغضها إياه قد تحب التخليص منه بالعذاب وفي حقها إن تعلق الحكم بإخبارها وإن كانت كاذبة ففي حق غيرها بقي الحكم على الأصل وهي المحبة وإذا قال لها إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لم يقع الطلاق حتى يستمر بها ثلاثة أيام لأن ما ينقطع دونها لا يكون حيضا فإذا تمت ثلاثة أيام حكمنا بالطلاق من حين حاضت لأنه بالامتداد عرف أنه من الرحم فكان حيضا من الابتداء ولو قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق لم تطلق حتى تطهر من حيضتها لأن الحيضة بالهاء هي الكاملة منها ولهذا حمل عليه في حديث الاستبراء وكمالها بانتهائها وذلك بالطهر وإذا قال أنت طالق إذا صمت يوما طلقت حين تغيب الشمس في اليوم الذي تصوم لأن اليوم إذا قرن بفعل ممتد يراد به بياض النهار بخلاف ما إذا قال لها إذا صمت لأنه لم يقدره بمعيار وقد وجد ا لصوم بركنه وشرطه ومن قال لامرأته إذا ولدت غلاما فأنت طالق واحدة وإذا ولدت جارية فأنت طالق ثنتين فولدت غلاما وجارية ولا يدري أيهما أول لزمه في القضاء تطليقة وفي التنزه تطليقتان وانقضت العدة بوضع الحمل لأنها لو ولدت الغلام أولا وقعت واحدة وتنقضي عدتها بوضع الجارية ثم لا تقع أخرى به لأنه حال انقضاء العدة ولو ولدت الجارية أولا وقعت تطليقتان وانقضت عدتها بوضع الغلام ثم لا يقع شيء آخر به لما ذكرنا أنه حال انقضاء العدة فإذا في حال تقع واحدة وفي حال تقع ثنتان فلا تقع الثانية بالشك والاحتمال والأولى أن يؤخذ بالثنتين تنزها واحتياطا والعدة منقضية بيقين لما بينا وإن قال لها إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها واحدة فبانت وانقضت عدتها فكلمت أبا عمرو ثم تزوجها فكلمت أبا يوسف فهي طالق ثلاثا مع الواحدة الأولى وقال زفر رحمه الله لا يقع وهذه على وجوه أما إن وجد الشرطان في الملك فيقع الطلاق وهذا ظاهر أو وجدا في غير الملك فلا يقع أو وجد الأول في الملك والثاني في غير الملك فلا يقع أيضا لأن الجزاء لا ينزل في غير الملك فلا يقع أو وجد الأول في غير الملك والثاني في الملك وهي مسئلة الكتاب الخلافية له اعتبار الأول بالثاني إذ هما في حكم الطلاق كشيء واحد
ولنا أن صحة الكلام بأهلية المتكلم إلا أن الملك يشترط حالة التعليق ليصير الجزاء غالب الوجود لاستصحاب الحال فتصح اليمين وعند تمام الشرط لينزل الجزاء لأنه لا ينزل إلا في الملك وفيما بين ذلك الحال حال بقاء اليمين فيستغنى عن قيام الملك إذ بقاؤه بمحله وهو الذمة وإن قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها ثنتين وتزوجت زوجا آخر ودخل بها ثم عادت إلى الأول فدخلت الدار طلقت ثلاثا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله هي طالق ما بقي من الطلقات وهو قول زفر رحمه الله وأصله أن الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث عندهما فتعود إليه بالثلاث وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يهدم ما دون الثلاث فتعود إليه بما بقي وسنبين من بعد إن شاء الله تعالى وإن قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم قال لها أنت طالق ثلاثا فتزوجت غيره ودخل بها ثم رجعت إلى الأول فدخلت الدار لم يقع شيء وقال زفر رحمه الله يقع الثلاث لأن الجزاء ثلاث مطلق لإطلاق اللفظ وقد بقي احتمال وقوعها فتبقى اليمين ولنا أن الجزاء طلقات هذا الملك لأنها هي المانعة لأن الظاهر عدم ما يحدث واليمين تعقد للمنع أو الحمل وإذا كان الجزاء ما ذكرناه وقد فات بتنجيز الثلاث المبطل للمحلية فلا تبقى اليمين بخلاف ما إذا أبانها لأن الجزاء باق لبقاء محله ولو قال لامرأته إذا جامعتك فأنت طالق ثلاثا فجامعها فلما التقى الختانان طلقت ثلاثا وإن لبث ساعة لم يجب عليه المهر وإن أخرجه ثم أدخله وجب عليه المهر وكذا إذا قال لأمته إذا جامعتك فأنت حرة وعن أبي يوسف رحمه الله أنه أوجب المهر في الفصل الأول أيضا لوجود الجماع بالدوام عليه إلا أنه لا يجب عليه الحد للاتحاد وجه الظاهر أن الجماع إدخال الفرج في الفرج ولا دوام للإدخال بخلاف ما إذا أخرج ثم أولج لأنه وجد الإدخال بعد الطلاق إلا أن الحد لا يجب بشبهة الاتحاد بالنظر إلى المجلس والمقصود وإذا لم يجب الحد وجب العقر إذ الوطء لا يخلو عن أحدهما ولو كان الطلاق رجعيا يصير مراجعا باللبث عند أبي يوسف رحمه الله لمحمد رحمه الله لوجود المساس ولو نزع ثم أولج صار مراجعا بالإجماع لوجود الجماع والله تعالى أعلم بالصواب فصل في الاستثناء وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى متصلا لم يقع الطلاق لقوله عليه الصلاة والسلام من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله تعالى متصلا به فلا حنث عليه ولأنه أتى بصورة الشرط فيكون تعليقا من هذا الوجه وأنه إعدام قبل الشرط والشرط لا يعلم ههنا فيكون إعداما من الأصل ولهذا يشترط أن يكون متصلا به بمنزلة سائر الشروط ولو سكت يثبت حكم الكلام الأول فيكون الاستثناء أو ذكر الشرط بعده رجوعا عن الأول
قال وكذا إذا ماتت قبل قوله إن شاء الله تعالى لأن بالاستثناء خرج الكلام من أن يكون إيجابا والموت ينافي الموجب دون المبطل بخلاف ما إذا مات الزوج لأنه لم يتصل به الاستثناء وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة طلقت ثنتين وإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثنتين طلقت واحدة والأصل أن الاستثناء تكلم بالحاصل بعد الثنيا هو الصحيح ومعناه أنه تكلم بالمستثنى منه إذ لا فرق بين قول القائل لفلان علي درهم وبين قوله عشرة إلا تسعة فيصح استثناء البعض من الجملة لأنه يبقى التكلم بالبعض بعده ولا يصح استثناء الكل من الكل لأنه لا يبقى بعده شيء ليصير متكلما به وصارفا للفظ إليه وإنما يصح الاستثناء إذا كان موصولا به كما ذكرنا من قبل وإذا ثبت هذا ففي الفصل الأول المستثنى منه ثنتان فيقعان وفي الثاني واحدة فتقع واحدة ولو قال إلا ثلاثا يقع الثلاث لأنه استثناء الكل من الكل فلم يصح الاستثناء والله أعلم تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب طلاق المريض 2 الهداية من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين حديث شريف بسم الله الرحمن الرحيم 2 باب طلاق المريض 2 وإذ طلق الرجل امرأته في مرض موته طلاقا بائنا فمات وهي في العدة ورثته وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها وقال الشافعي رحمه الله لا ترث في الوجهين لأن الزوجية قد بطلت بهذا العارض وهي السبب ولهذا لا يرثها إذا ماتت ولنا أن الزوجية سبب إرثها في مرض موته والزوج قصد إبطاله فيرد عليه قصده بتأخير عمله إلى زمان انقضاء العدة دفعا للضرر عنها وقد أمكن لأن النكاح في العدة يبقى في حق بعض الآثار فجاز أن يبقى في حق إرثها عنه بخلاف ما بعد الانقضاء لأنه لا إمكان والزوجية في هذه الحالة ليست بسبب لإرثه عنها فتبطل في حقه خصوصا إذا رضي به وإن طلقها ثلاثا بأمرها أو قال لها اختاري فاختارت نفسها أو اختلعت منه ثم مات وهي في العدة لم ترثه لأنها رضيت بإبطال حقها والتأخير لحقها وإن قالت طلقني للرجعة فطلقها ثلاثا ورثته لأن الطلاق الرجعي لا يزيل النكاح فلم تكن بسؤالها راضية ببطلان حقها وإن قال لها في مرض موته كنت طلقتك ثلاثا في صحتي وانقضت عدتك فصدقته ثم أقر لها بدين أو أوصى لها بوصية فلها الأقل من ذلك ومن الميراث عند أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز إقراره ووصيته وإن طلقها ثلاثا في مرضه بأمرها ثم أقر لها بدين أو أوصى بوصية فلها الأقل من ذلك ومن الميراث في قولهم جميعا إلا على قول زفر رحمه الله فإن لها جميع ما أوصى وما أقربه لأن الميراث لما بطل بسؤالها زال المانع من صحة الأقرار والوصية وجه قولهما في المسألة الأولى أنهما لما تصادقا على الطلاق وانقضاء العدة صارت أجنبية عنه حتى جاز له أن يتزوج أختها فانعدمت التهمة الا ترى أنه تقبل شهادته لها ويجوز وضع الزكاة فيها بخلاف المسئلة الثانية لأن العدة باقية وهي سبب التهمة والحكم يدار على دليل التهمة ولهذا يدار على النكاح والقرابة ولاعدة في المسئلة الأولى ولأبي حنيفة رحمه الله في المسئلتين أن التهمة قائمة لأن المرأة قد تختار الطلاق لينفتح باب الاقرار والوصية عليها فيزيد حقها والزوجان قد يتواضعان على الأقرار بالفرقة وانقضاء العدة ليبرها الزوج بماله زيادة على ميراثها وهذه التهمة في الزيادة فرددناها ولا تهمة في قدر الميراث فصححناه ولا مواضعة عادة في حق الزكاة والتزويج والشهادة فلا تهمة في حق هذه الأحكام
قال ومن كان محصورا أو في صف القتال فطلق امرأته ثلاثا لم ترثه وان كان قد بارز رجلا أو قدم ليقتل في قصاص أو رجم ورثت إن مات في ذلك الوجه أو قتل وأصله ما بينا أن امرأة الفار ترث استحسانا وإنما يثبت حكم الفرار بتعلق حقها بماله وإنما يتعلق بمرض يخاف منه الهلاك غالبا كما إذا كان صاحب الفراش وهو أن يكون بحال لا يقوم بحوائجه كما يعتاده الأصحاء وقد يثبت حكم الفرار بما هو في معنى المرض في توجه الهلاك الغالب وما يكون الغالب منه السلامة لا يثبت به حكم الفرار فالمحصور والذي في وصف القتال الغالب منه السلامة لأن الحصن لدفع بأس العدو وكذا المنعة فلا يثبت به حكم الفرار والذي بارز أو قدم ليقتل الغالب منه الهلاك فيتحقق به الفرار ولهذا أخوات تخرج على هذا الحرف وقوله إذا مات في ذلك الوجه أو قتل دليل على أنه لا فرق بين ما إذا مات بذلك السبب أو بسبب آخر كصاحب الفراش بسبب المرض إذا قتل وإذا قال الرجل لامرأته وهو صحيح إذا جاء رأس الشهر أو إذا دخلت الدار أو إذا صلى فلان الظهر أو إذا دخل فلان الدار فأنت طالق فكانت هذه الأشياء والزوج مريض لم ترث وإن كان القول في المرض ورثت إلا في قوله إذا دخلت الدار وهذا على وجوه إما أن يعلق الطلاق بمجيء الوقت أو بفعل الأجنبي أو بفعل نفسه أو بفعل المرأة وكل وجه على وجهين أما إن كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كلاهما في المرض أما الوجهان الأولان وهو ما إن كان التعليق بمجيء الوقت بأن قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو بفعل الأجنبي بأن قال إذ دخل فلان الدار أو صلى فلان الظهر فإن كان التعليق والشرط في المرض فلها الميراث لأن القصد إلى الفرار قد تحقق منه بمباشرة التعليق في حال تعلق حقها بماله وإن كان التعليق بالصحة والشرط في المرض لم ترث وقال زفر رحمه الله ترث لأن المعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط كالمنجز فكان إيقاعا في المرض ولنا أن التعليق السابق يصير تطليقا عند الشرط حكما لا قصدا ولا ظلم إلا عن قصد فلا يرد تصرفه وأما الوجه الثالث وهو ما إذا علقه بفعل نفسه فسواء كان التعليق في الصحة والشرط في المرض أو كانا في المرض والفعل مما له عنه بد أو لا بد له منه يصير فارا لوجود قصد الابطال إما بالتعليق أو بمباشرة الشرط في المرض وإن لم يكن له من فعل الشرط بد فله من التعليق ألف بد فيرد تصرفه دفعا للضرر عنها وأما الوجه الرابع وهو ما إذا علقه بفعلها فإن كان التعليق والشرط في المرض والفعل مما لها منه بد ككلام زيد ونحوه لم ترث لأنها راضية بذلك وإن كان الفعل مما بد لها منه كأكل الطعام وصلاة الظهر وكلام الأبوين ترث لأنها مضطرة في المباشرة لما لها في الامتناع من خوف الهلاك في الدنيا أو في العقبى ولا رضا مع الاضطرار وأما إذا كان التعليق في الصحة والشرط في المرض فإن كان الفعل مما لها منه بد فلا إشكال أنه لا ميراث لها وإن كان مما لا بد لها منه فكذلك الجواب عند محمد رحمه الله وهو قول زفر لأنه لم يوجد من الزوج صنع بعدما تعلق حقها بماله وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ترث لأن الزوج ألجأها إلى المباشرة فينتقل الفعل إليه كأنها آلة له كما في الإكراه
قال وإذا طلقها ثلاثا وهو مريض ثم صح ثم مات لم ترث وقال زفر رحمه الله ترث لأنه قصد الفرار حين أوقع في المرض وقد مات وهي في العدة ولكنا نقول المرض إذا تعقبه برء فهو بمنزلة الصحة لأنه ينعدم به مرض الموت فتبين أنه لا حق لها يتعلق بماله فلا يصير الزوج فارا ولو طلقها فارتدت والعياذ بالله ثم أسلمت ثم مات الزوج من مرضه وهي في العدة لم ترث وإن لم ترتد بل طاوعت ابن زوجها في الجماع ورثت ووجه الفرق أنها بالردة أبطلت أهلية الارث إذا المرتد لا يرث أحدا ولا بقاء له بدون الأهلية وبالمطاوعة ما أبطلت الأهلية لأن المحرمية لا تنافي الإرث وهو الباقي بخلاف ما إذا طاوعت في حال قيام النكاح لأنها تثبت الفرقة فتكون راضية ببطلان السبب وبعد الطلقات الثلاث لا تثبت الحرمة بالمطاوعة لتقدمها عليها فافترقا ومن قذف امرأته وهو صحيح ولا عن في المرض ورثت وقال محمد رحمه الله لا ترث وإن كان القذف في المرض ورثته في قولهم جميعا وهذا ملحق بالتعليق بفعل لا بد لها منه إذ هي ملجأة إلى الخصومة لدفع عار الزنا عن نفسها وقد بينا الوجه فيه وإن آلى من امرأته وهو صحيح ثم بانت بالإيلاء وهو مريض لم ترث وإن كان الإيلاء أيضا في المرض ورثت لأن الإيلاء في معنى تعليق الطلاق بمضي أربعة أشهر خالية عن الوقاع فيكون ملحقا بالتعليق بمجيء الوقف وقد ذكرنا وجهه قال رضي الله تعالى عنه والطلاق الذي يملك فيه الرجعة ترث به في جميع الوجوه لما بينا أنه لا يزيل النكاح حتى يحل الوطء فكان السبب قائما قال وكل ما ذكرنا أنها ترث إنما ترث إذا مات وهي في العدة وقد بيناه والله تعالى أعلم بالصواب 2 باب الرجعة 2 وإذا طلق الرجل امرأته تطليقة رجعية أو تطليقتين فله أن يراجعها في عدتها رضيت بذلك أو لم ترض لقوله تعالى فأمسكوهن بمعروف من غير فصل ولا بد من قيام العدة لأن الرجعة استدامة الملك ألا ترى أنه سمى إمساكا وهو الإبقاء وإنما يتحقق الاستدامة في العدة لأنه لا ملك بعد انقضائها والرجعة أن يقول راجعتك أو راجعت امرأتي وهذا صريح في الرجعة ولا خلاف فيه بين الأئمة قال أو يطأها أو يقبلها أو يلمسها بشهوة أو بنظر إلى فرجها بشهوة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا تصح الرجعة إلا بالقول مع القدرة عليه لأن الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح حتى يحرم وطؤها وعندنا هو استدامة النكاح على ما بيناه وسنقرره إن شاء الله والفعل قد يقع دلالة على الاستدامة كما في إسقاط الخيار والدلالة فعل يختص بالنكاح وهذه الأفاعيل تختص به خصوصا في حق الحرة بخلاف المس والنظر بغير شهوة لأنه قد يحل بدون النكاح كما في القابلة والطبيب وغيرهما والنظر إلى غير الفرج قد يقع بين المساكنين والزوج يساكنها في العدة فلو كان رجعة لطلقها فتطول العدة عليها قال ويستحب أن يشهد على الرجعة شاهدين فإن لم يشهد صحت الرجعة وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه لا تصح وهو قول مالك رحمه الله لقوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم والأمر للايجاب ولنا إطلاق النصوص عن قيد الاشهاد ولأنه استدامة للنكاح والشهادة ليست شرطا فيه في حالة البقاء كما في الفيء في الإيلاء إلا أنها تستحب لزيادة الاحتياط كيلا يجري التناكر فيها وما تلاه محمول عليه ألا ترى أنه قرنها بالمفارقة وهو فيها مستحب ويستحب أن يعلمها كيلا تقع في المعصية وإذا انقضت العدة فقال كنت راجعتها في العدة فصدقته فهي رجعة وإن كذبته فالقول قولها لأنه أخبر عما لا يملك إنشاءه في الحال فكان متهما إلا أن بالتصديق ترتفع التهمة ولا يمين عليها عند أبي حنيفة رحمه الله وهي مسئلة الاستحلاف في الأشياء الستة وقد مر في كتاب النكاح
وإذا قال الزوج قد راجعتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي لم تصح الرجعة عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا تصح الرجعة لأنها صادفت العدة إذ هي باقية ظاهرا إلى أن تخبر وقد سبقته الرجعة ولهذا لو قال لها طلقتك فقالت مجيبة له قد انقضت عدتي يقع الطلاق ولأبي حنيفة رحمه الله أنها صادفت حالة الانقضاء لأنها أمينة في الإخبار عن الانقضاء فإذا أخبرت دل ذلك على سبق الانقضاء وأقرب أحواله حال قول الزوج ومسئلة الطلاق على الخلاف ولو كانت على الاتفاق فالطلاق يقع بإقراره بعد الانقضاء والمراجعة لا تثبت به وإذا قال زوج الأمة بعد انقضاء عدتها قد كنت راجعتها وصدقه المولى وكذبته الأمة فالقول قولها عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا القول قول المولى لأن بضعها مملوك له فقد أقر بما هو خالص حقه للزوج فشابه الإقرار عليها بالنكاح وهو يقول حكم الرجعة يبتني على العدة والقول في العدة قولها فكذا فيما يبتني عليها ولو كان على القلب فعندهما القول قول المولى وكذا عنده في الصحيح لأنها منقضية العدة في الحال وقد ظهر ملك المتعة للمولى فلا يقبل قولها في إبطاله بخلاف الوجه الأول لأن المولى بالتصديق في الرجعة مقر بقيام العدة عندها ولا يظهر ملكه مع العدة وإن قالت قد انقضت عدتي وقال الزوج والمولى لم تنقض عدتك فالقول قولها لأنها أمينة في ذلك إذ هي العالمة به وإذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة لعشرة أيام انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل وإن انقطع لأقل من عشرة أيام لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل لأن الحيض لا مزيد له على العشرة فبمجرد الانقطاع خرجت من الحيض فانقضت العدة وانقطعت الرجعة وفيما دون العشرة يحتمل عود الدم فلا بد أن يعتضد الانقطاع بحقيقة الاغتسال أو بلزوم حكم من أحكام الطاهرات بمضي وقت الصلاة بخلاف ما إذا كانت كتابية لأنه لا يتوقع في حقها أمارة زائدة فاكتفى بالانقطاع وتنقطع إذا تيممت وصلت عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وهذا استحسان وقال محمد رحمه الله إذا تيممت انقطعت وهذا قياس لأن التيمم حال عدم الماء طهارة مطلقة حتى يثبت به من الأحكام ما يثبت بالاغتسال فكان بمنزلته ولهما أنه ملوث غير مطهر وإنما اعتبر طهارة ضرورة أن لا تتضاعف الواجبات وهذه الضرورة تتحقق حال أداء الصلاة لا فيما قبلها من الأوقات والأحكام الثابتة أيضا ضرورية اقتضائية ثم قيل تنقطع بنفس الشروع عندهما وقيل بعد الفراغ ليتقرر حكم جواز الصلاة وإذا اغتسلت ونسيت شيئا من بدنها لم يصبه الماء فإن كان عضوا فما فوقه لم تنقطع الرجعة وإن كان أقل من عضو انقطعت قال رضي الله عنه وهذا استحسان والقياس في العضو الكامل أن لا تبقى الرجعة لأنها غسلت الأكثر والقياس فيما دون العضو أن تبقى لأن حكم الجنابة والحيض لا يتجزأ ووجه الاستحسان وهو الفرق أن ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه فقلنا بأنه تنقطع الرجعة ولا يحل لها التزوج أخذا بالاحتياط فيهما بخلاف العضو الكامل لأنه لا يتسارع إليه الجفاف ولا يغفل عنه عادة فافترقا وعن أبي يوسف رحمه الله أن ترك المضمضة والاستنشاق كترك عضو كامل وعنه وهو قول محمد رحمه الله هو بمنزلة ما دون العضو لأن في فرضيته اختلافا بخلاف غيره من الأعضاء ومن طلق امرأته وهي حامل أو ولدت منه وقال لم أجامعها فله الرجعة لأن الحبل متى ظهر في مدة يتصور أن يكون منه جعل منه لقوله عليه الصلاة والسلام الولد للفراش وذلك دليل الوطء منه وكذا إذا ثبت نسب الولد منه جعل واطئا وإذا ثبت الوطء تأكد الملك والطلاق في ملك متأكد يعقب الرجعة ويبطل زعمه بتكذيب الشرع ألا ترى أنه يثبت بهذا الوطء الإحصان فلأن تثبت به الرجعة أولى وتأويل مسئلة الولادة أن تلد قبل الطلاق لأنها لو ولدت بعده تنقضي العدة بالولادة فلا تتصور الرجعة
قال فإن خلا بها وأغلق بابا أو أرخى سترا وقال لم أجامعها ثم طلقها لم يملك الرجعة لأن تأكد الملك بالوطء وقد أقر بعدمه فيصدق في حق نفسه والرجعة حقه ولم يصر مكذبا شرعا بخلاف المهر لأن تأكد المهر المسمى يبتني على تسليم المبدل لا على القبض بخلاف الفصل الأول فإن راجعها معناه بعد ما خلا بها وقال لم أجامعها ثم جاءت بولد لأقل من سنتين بيوم صحت تلك الرجعة لأنه يثبت النسب منه إذ هي لم تقر بانقضاء العدة والولد يبقى في البطن هذه المدة فأنزل واطئا قبل الطلاق دون ما بعده لأن على اعتبار الثاني يزول الملك بنفس الطلاق لعدم الوطء قبله فيحرم الوطء والمسلم لا يفعل الحرام فإن قال لها إذا ولدت فأنت طالق فولدت ثم أتت بولد آخر فهي رجعة معناه من بطن آخر وهو أن يكون بعد ستة أشهر وإن كان أكثر من سنتين إذا لم تقر بانقضاء العدة لأنه وقع الطلاق عليه بالولد الأول ووجبت العدة فيكون الولد الثاني من علوق حادث منه في العدة لأنها لم تقر بانقضاء العدة فيصير مراجعا وإن قال كلما ولدت ولدا فأنت طالق لولدت ثلاثة أولاد في بطون مختلفة فالولد الأول طلاق والولد الثاني رجعة وكذا الثالث لأنها إذا جاءت بالولد الأول وقع الطلاق وصارت معتدة وبالثاني صار مراجعا لما بينا أنه يجعل العلوق بوطء حادث في العدة ويقع الطلاق الثاني بولادة الولد الثاني لأن اليمين معقودة بكلمة كلما ووجبت العدة وبالولد الثالث صار مراجعا لما ذكرنا وتقع الطلقة الثالثة بولادة الثالث ووجبت العدة بالأقراء لأنها حائل من ذوات الحيض حين وقع الطلاق والمطلقة الرجعية تتشوف وتتزين لأنها حلال للزوج إذ النكاح قائم بينهما ثم الرجعة مستحبة والتزين حامل له عليها فيكون مشروعا ويستحب لزوجها أن لا يدخل عليها حتى يؤذنها أو يسمعها خفق نعليه معناه إذا لم يكن من قصده المراجعة لأنها ربما تكون متجردة فيقع بصره على موضع يصير به مراجعا ثم يطلقها فتطول عليها العدة وليس له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها وقال زفر رحمه الله له ذلك لقيام النكاح ولهذا له أن يغشاها عندنا ولنا قوله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن الآية ولأن تراخي عمل المبطل لحاجته إلى المراجعة فإذا لم يراجعها حتى انقضت العدة ظهر انه لا حاجة له فتبين أن البطل عمل عمله من وقت وجوده ولهذا تحتسب الأقراء من العدة فلم يملك الزوج الإخراج إلا أن يشهد على رجعتها فتبطل العدة ويتقرر ملك الزوج وقوله حتى يشهد على رجعتها معناه الاستحباب على ما قدمناه والطلاق الرجعي لا يحرم الوطء وقال الشافعي رحمه الله يحرمه لأن الزوجية زائلة لوجود القاطع وهو الطلاق ولنا أنها قائمة حتى يملك مراجعتها من غير رضاها لأن حق الرجعة ثبت نظرا للزوج ليمكنه التدارك عند اعتراض الندم وهذا المعنى يوجب استبداده به وذلك يؤذن بكونه استدامة لا إنشاء إذ الدليل ينافيه والقاطع أخر عمله إلى مدة إجماعا أو نظرا له على ما تقدم فصل فيما تحل به المطلقة
وإذا كان الطلاق بائنا دون الثلاث فله أن يتزوجها في العدة وبعد انقضائها لأن حل المحلية باق لأن زواله معلق بالطلقة الثالثة فينعدم قبله ومنع الغير في العدة لاشتباه النسب ولا اشتباه في إطلاقه وإن كان الطلاق ثلاثا في الحرة أو ثنتين في الأمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره نكاحا صحيحا ويدخل بها ثم يطلقها أو يموت عنها والأصل فيه قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فالمراد الطلقة الثالثة والثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة لأن الرق منصف لحل المحلية على ما عرف ثم الغاية نكاح الزوج مطلقا والزوجية المطلقة إنما ثبتت بنكاح صحيح وشرط الدخول ثبت بإشارة النص وهو أن يحمل ا لنكاح على الوطء حملا للكلام على الإفادة دون الإعادة إذ العقد استفيد بإطلاق اسم الزوج أو يزاد على النص بالحديث المشهور وهو قوله عليه الصلاة والسلام لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر روي بروايات ولا خلاف لأحد فيه سوى سعيد بن المسيب رضي الله عنه وقوله غير معتبر حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ والشرط الإيلاج دون الإنزال لأنه كمال ومبالغة فيه والكمال قيد زائد والصبي المراهق في التحليل كالبالغ لوجود الدخول في نكاح صحيح وهو الشرط بالنص ومالك رحمه الله يخالفنا فيه والحجة عليه ما بيناه وفسروه في الجامع الصغير وقال غلام لم يبلغ ومثله يجامع جامع امرأته وجب عليها الغسل وأحلها على الزوج الأول ومعنى هذا الكلام أن تتحرك آلته ويشتهي وإنما وجب الغسل عليها لإلتقاء الختانين وهو سبب لنزول مائها والحاجة إلى الإيجاب في حقها أما لا غسل على الصبي وإن كان يؤمر به تخلقا قال ووطء المولى أمته لا يحلها لأن الغاية نكاح الزوج وإذا تزوجها بشرط التحليل فالنكاح مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله المحلل والمحلل له وهذا هو محمله فإن طلقها بعد ما وطئها حلت للأول لوجود الدخول في نكاح صحيح إذ النكاح لا يبطل بالشرط وعن أبي يوسف رحمه الله أنه يفسد النكاح لأنه في معنى الموقت فيه ولا يحلها على الأول لفساده وعن محمد رحمه الله أنه يصح النكاح لما بينا ولا يحلها على الأول لأنه استعجل ما أخره الشرع فيجازى بمنع مقصوده كما في قتل المورث وإذا طلق الحرة تطليقة أو تطليقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الزوج الأول عادت بثلاث تطليقات ويهدم الزوج الثاني ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله لا يهدم ما دون الثلاث لأنه غاية للحرمة بالنص فيكون منهيا ولا إنهاء للحرمة قبل الثبوت ولهما قوله عليه الصلاة والسلام لعن الله المحلل والمحلل له سماه محللا وهو المثبت للحل وإذا طلقها ثلاثا فقالت قد انقضت عدتي وتزوجت ودخل بي الزوج وطلقني وانقضت عدتي والمدة تحتمل ذلك جاز للزوج أن يصدقها إذا كان في غالب ظنه أنها صادقة لأنه معاملة أو أمر ديني لتعلق الحل به وقول الواحد فيهما مقبول وهو غير مستنكر إذا كانت المدة تحتمله واختلفوا في أدنى هذه المدة وسنبينها في باب العدة 2 باب الإيلاء 2 وإذا قال الرجل لامرأته والله لا أقربك أو قال والله لا أقربك أربعة أشهر فهو مول لقوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر الآية فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة لأن الكفارة موجب الحنث وسقط الإيلاء لأن اليمين ترتفع بالحنث وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة
وقال الشافعي رحمه الله تبين بتفريق القاضي لأنه مانع حقها في الجماع فينوب القاضي منابه في التسريح كما في الجب والعنة ولنا أنه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة وهو المأثور عن عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين وكفى بهم قدوة ولأنه كان طلاقا في الجاهلية فحكم الشرع بتأجيله إلى انقضاء المدة فإن كان حلف على أربعة أشهر فقد سقطت اليمين لأنها كانت مؤقتة به وإن كان حلف على الأبد فاليمين باقية لأنها مطلقة ولم يوجد الحنث لترتفع به إلا أنه لا يتكرر الطلاق قبل التزوج لأنه لم يوجد منع الحق بعد البينونة فإن عاد فتزوجها عاد الإيلاء فإن وطئها وإلا وقعت بمضي اربعة أشهر تطليقة أخرى لأن اليمين باقية لإطلاقها وبالتزوج ثبت حقها فيتحقق الظلم ويعتبر ابتداء هذا الإيلاء من وقت التزوج فإن تزوجها ثالثا عاد الإيلاء ووقعت بمضي أربعة أشهر أخرى إن لم يقربها لما بيناه فإن تزوجها بعد زوج آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاق لتقيده بطلاق هذا الملك وهي فرع مسئلة التنجيز الخلافية وقد مر من قبل واليمين باقية لإطلاقها وعدم الحنث فإن وطئها كفر عن يمينه لوجود الحنث فإن حلف على أقل من أربعة أشهر لم يكن موليا لقول ابن عباس رضي الله عنه لا إيلاء فيما دون أربعة أشهر ولأن الامتناع عن قربانها في أكثر المدة بلا مانع وبمثلة لا يثبت حكم الطلاق فيه ولو قال والله لا أقربك شهرين وشهرين بعد هذين الشهرين فهو مول لأنه جمع بينهما بحرف الجمع فصار كجمعه بلفظ الجمع ولو مكث يوما ثم قال والله لا أقربك شهرين بعد الشهرين الأولين لم يكن موليا لأن الثاني إيجاب مبتدأ وقد صار ممنوعا بعد اليمين الأولى شهرين وبعد الثانية أربعة أشهر إلا يوما مكث فيه فلم تتكامل مدة المنع ولو قال والله لا أقربك سنة إلا يوما لم يكن موليا خلافا لزفر رحمه الله هو يصرف الاستثناء إلى آخرها اعتبارا بالإجارة فتمت مدة المنع ولنا أن المولي من لا يمكنه القربان أربعة أشهر إلا بشيء يلزمه وههنا يمكنه لأن المستثنى يوم منكر بخلاف الإجارة لأن الصرف إلا الآخر لتصحيحها فإنها لا تصح مع التنكير ولا كذلك اليمين ولو قربها في يوم والباقي أربعة أشهر أوأكثر صار موليا لسقوط الاستثناء ولو قال وهو بالبصرة والله لا أدخل الكوفة وامرأته بها لم يكن موليا لأنه يمكنه القربان من غير شيء يلزمه بإخراج من الكوفة قال ولو حلف بحج أو بصوم أو صدقة أو عتق أو طلاق فهو مول لتحقق المنع باليمين وهو ذكر الشرط والجزاء وهذه الأجزية مانعة لما فيها من المشقة وصورة الحلف بالعتق أن يعلق بقربانها عتق عبده وفيه خلاف أبي يوسف رحمه الله فإنه يقول يمكنه البيع ثم القربان فلا يلزمه شيء وهما يقولان البيع موهوم فلا يمنع المانعية فيه والحلف بالطلاق أن يعلق بقربانها طلاقها أو طلاق صاحبتها وكل ذلك مانع وإن آلى من المطلقة الرجعية كان موليا وإن آلى من البائنة لم يكن موليا لأن الزوجية قائمة في الأولى دون الثانية ومحل الإيلاء من تكون من نسائنا بالنص فلو انقضت العدة قبل انقضاء مدة الإيلاء سقط الإيلاء لفوات المحلية ولو قال لأجنبية والله لا أقربك أو أنت علي كظهر أمي ثم تزوجها لم يكن موليا ولا مظاهرا لأن الكلام في مخرجه وقع باطلا لانعدام المحلية فلا ينقلب صحيحا بعد ذلك وإن قربها كفر لتحقق الحنث إذا اليمين منعقدة في حقه ومدة إيلاء الأمة شهران لأن هذه مدة ضربت أجلا للبينونة فتتنصف بالرق كمدة العدة وإن كان المولى مريضا لا يقدر على الجماع أو كانت مريضة أو رتقاء أو صغيرة لا تجامع أو كانت بينهما مسافة لا يقدر أن يصل إليها في مدة الإيلاء ففيؤه أن يقول بلسانه فئت إليها في مدة الإيلاء فإن قال ذلك سقط الإيلاء
وقال الشافعي رحمه الله لا فيء إلا بالجماع وإليه ذهب الطحاوي لأنه لو كان فيئا لكان حنثا ولنا أنه آذاها بذكر المنع فيكون إرضاؤها بالوعد باللسان وإذا ارتفع الظلم لا يجازى بالطلاق ولو قدر على الجماع في المدة بطل ذلك الفيء وصار فيؤه بالجماع لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالحلف وإذا قال لامرأته أنت علي حرام سئل عن نيته فإن قال أردت الكذب فهو كما قال لأنه نوى حقيقة كلامه وقيل لا يصدق في القضاء لأنه يمين ظاهرا وإن قال أردت الطلاق فهي تطليقة بائنة إلا أن ينوي الثلاث وقد ذكرناه في الكنايات وإن قال أردت الظهار فهو ظهار وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله ليس بظهار لانعدام التشبيه بالمحرمة وهو الركن فيه ولهما أنه أطلق الحرمة وفي الظهار نوع حرمة المطلق يحتمل المقيد وإن قال أردت التحريم أو لم أرد به شيئا فهو يمين يصير به موليا لأن الأصل في تحريم الحلال إنما هو يمين عندنا وسنذكره في الأيمان إن شاء الله ومن المشايخ من يصرف لفظة التحريم إلى الطلاق من غير نية بحكم العرف والله أعلم بالصواب 2 باب الخلع 2 وإذا تشاق الزوجان وخافا أن لا يقيما حدود الله فلا بأس بأن تفتدي نفسها منه بمال يخلعها به لقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به فإذا فعلا ذلك وقع بالخلع تطليقة بائنة ولزمها المال لقوله عليه الصلاة والسلام الخلع تطليقة بائنة ولأنه يحتمل الطلاق حتى صار من الكنايات والواقع بالكنايات بائن إلا أن ذكر المال أغنى عن النية هنا ولأنها لا تسلم المال إلا لتسلم لها نفسها وذلك بالبينونة وإن كان النشوز من قبله يكره له أن يأخذ منها عوضا لقوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج إلى أن قال فلا تأخذوا منه شيئا ولأنه أوحشها بالاستبدال فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال وإن كان النشوز منها كرهنا له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها وفي رواية الجامع الصغير طاب الفضل أيضا لإطلاق ما تلونا بدءا ووجه الأخرى قوله عليه الصلاة والسلام في امرأة ثابت بن قيس بن شماس أما الزيادة فلا وقد كان النشوز منها ولو أخذ الزيادة جاز في القضاء وكذلك إذا أخذ والنشوز منه لأن مقتضى ما تلوناه شيآن الجواز حكما والإباحة وقد ترك العمل في حق الإباحة لمعارض فبقي معمولا في الباقي وإن طلقها على مال فقبلت وقع الطلاق ولزمها المال لأن الزوج يستبد بالطلاق تنجيزا وتعليقا وقد علقه بقبولها والمرأة تملك التزام المال لولايتها على نفسها وملك النكاح مما يجوز الاعتياض عنه وإن لم يكن مالا كالقصاص وكان الطلاق بائنا لما بينا ولأنه معاوضة المال بالنفس وقد ملك الزوج أحد البدلين فتملك هي الآخر وهو النفس تحقيقا للمساواة قال وإن بطل العوض في الخلع مثل أن يخالع المسلم على خمر أو خنزير أو ميتة فلا شيء للزوج والفرقة بائنة وإن بطل العوض في الطلاق كان رجعيا فوقوع الطلاق في الوجهين للتعليق بالقبول وافتراقهما في الحكم لأنه لما بطل العوض كان العامل في الأول لفظ الخلع وهو كناية وفي الثاني الصريح وهو يعقب الرجعة وإنما لم يجب للزوج شيء عليها لأنها ما سمت مالا متقوما حتى تصير غارة له ولأنه لا وجه إلى إيجاب المسمى للإسلام ولا إلى إيجاب غيره لعدم الالتزام بخلاف ما إذا خالع على خل بعينه فظهر أنه خمر لأنها سمت مالا فصار مغرورا وبخلاف ما إذا كاتب أو أعتق على خمر حيث تجب قيمة العبد لأن ملك المولى فيه متقوم وما رضي بزواله مجانا أما ملك البضع في حالة الخروج فغير متقوم على ما نذكر وبخلاف النكاح لأن البضع في حالة الدخول متقوم والفقه أنه شريف فلم يشرع تملكه إلا بعوض إظهارا لشرفه فأما الإسقاط فنفسه شرف فلا حاجة إلى إيجاب المال
قال وما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون بدلا في الخلع لأن ما يصلح عوضا للمتقوم أولى أن يصلح عوضا لغير المتقوم فإن قالت له خالعني على ما في يدي فخالعها فلم يكن في يدها شيء فلا شيء له عليها لأنها لم تغره بتسمية المال وإن قالت خالعني على ما في يدي من مال فخالعها فلم يكن في يدها شيء ردت عليه مهرها لأنها لما سمت مالا لم يكن الزوج راضيا بالزوال إلا بعوض ولا وجه إلى إيجاب المسمى وقيمته للجهالة ولا إلى قيمة البضع أعني مهر المثل لأنه غير متقوم حالة الخروج فتعين إيجاب ما قام به على الزوج دفعا للضرر عنه ولو قالت خالعني على ما في يدي من دراهم أو من الدراهم ففعل فلم يكن في يدها شيء فعليها ثلاثة دراهم لأنها سمت الجمع وأقله ثلاثة وكلمة من ههنا للصلة دون التبعيض لأن الكلام يختل بدونه فإن اختلعت على عبد لها آبق على أنها بريئة من ضمانه لم تبرأ وعليها تسليم عينه إن قدرت وتسليم قيمته إن عجزت لأنه عقد المعاوضة فيقتضي سلامة العوض واشتراط البراءة عنه شرط فاسد فيبطل إلا أن الخلع لا يبطل بالشروط الفاسدة وعلى هذا النكاح وإذا قالت طلقني ثلاثا بألف فطلقها واحدة فعليها ثلث الألف لأنها لما طلبت الثلاث بألف فقد طلبت كل واحدة بثلث الألف وهذا لأن حرف الباء يصحب الأعواض والعوض ينقسم على المعوض والطلاق بائن لوجوب المال وإن قالت طلقني ثلاثا على ألف فطلقها واحدة فلا شيء عليها عند أبي حنيفة رحمه الله ويملك الرجعة وقالا هي واحدة بائنة بثلث الألف لأن كلمة على بمنزلة الباء في المعاوضات حتى إن قولهم احمل هذا الطعام بدرهم أو على درهم سواء وله أن كلمة على للشرط قال الله تعالى يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ومن قال لامرأته أنت طالق على أن تدخلي الدار كان شرطا وهذا لأنه للزوم حقيقة واستعير للشرط لأنه يلازم الجزاء وإذا كان للشرط فالمشروط لا يتوزع على أجزاء الشرط بخلاف الباء لأنه للعوض على ما مر وإذا لم يجب المال كان مبتدأ فوقع الطلاق ويملك الرجعة ولو قال الزوج طلقي نفسك ثلاثا بألف أو على ألف فطلقت نفسها واحدة لم يقع شيء لأن الزوج ما رضي بالبينونة إلا لتسلم له الألف كلها بخلاف قولها طلقني ثلاثا بألف لأنها لما رضيت بالبينونة بألف كانت ببعضها أرضى ولو قال أنت طالق على ألف فقبلت طلقت وعليها الألف وهو كقوله أنت طالق بألف ولا بد من القبول في الوجهين لأن معنى قوله بألف بعوض ألف يجب لي عليك ومعنى قوله على ألف على شرط ألف يكون لي عليك والعوض لا يجب بدون قبوله والمعلق بالشرط لا ينزل قبل وجوده والطلاق بائن لما قلنا ولو قال لامرأته أنت طالق وعليك ألف فقبلت أو قال لعبده أنت حر وعليك ألف فقبل عتق العبد وطلقت المرأة ولا شيء عليهما عند أبي حنيفة رحمه الله وكذا إذا لم يقبلا وقالا على كل واحد منهما الألف إذا قبل وإذا لم يقبل لا يقع الطلاق والعتاق لهما أن هذا الكلام يستعمل للمعاوضة فإن قولهم احمل هذا المتاع ولك درهم بمنزلة قولهم بدرهم وله أنه جملة تامة فلا ترتبط بما قبله إلا بدلالة إذ الأصل فيها الاستقلال ولا دلالة لأن الطلاق والعتاق ينفكان عن المال بخلاف البيع والإجارة لأنهما لا يوجدان دونه ولو قال أنت طالق على ألف على أني بالخيار أو على أنك بالخيار ثلاثة ايام فقبلت فالخيار باطل إذا كان للزوج وهو جائز إذا كان للمرأة فإن ردت الخيار في الثلاث بطل وإن لم ترد طلقت ولزمها الألف وهذا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا الخيار باطل في الوجهين والطلاق واقع وعليها ألف درهم لأن الخيار للفسخ بعد الانعقاد لا للمنع من الانعقاد والتصرفان لا يحتملان الفسخ من الجانبين لأنه في جانبه يمين ومن جانبها شرطها
ولأبي حنيفة رحمه الله أن الخلع في جانبها بمنزلة البيع حتى يصح رجوعها ويتوقف على ما وراء المجلس فيصح اشتراط الخيار فيه أما في جانبه يمين حتى لا يصح رجوعه ويتوقف على ما وراء المجلس ولا خيار في الأيمان وجانب العبد في العتاق مثل جانبها في الطلاق ومن قال لامرأته طلقتك أمس على ألف درهم فلم تقبل فقالت قبلت فالقول قول الزوج ومن قال لغيره بعت منك هذا العبد بألف درهم أمس فلم تقبل فقال قبلت فالقول قول المشتري ووجه الفرق أن الطلاق بالمال يمين من جانبه فالإقرار به لا يكون إقرارا بالشرط لصحته بدونه أما البيع فلا يتم إلا بالقبول والإقرار به إقرار بما لا يتم إلا به فإنكاره القبول رجوع منه قال والمبارأة كالخلع كلاهما يسقطان كل حق لكل واحد من الزوجين على الآخر مما يتعلق بالنكاح عند أبي حنيفة رحمه الله وقال محمد رحمه الله لا يسقط فيهما إلا ما سمياه وأبو يوسف رحمه الله معه في الخلع ومع أبي حنيفة رحمه الله في المبارأة لمحمد رحمه الله أن هذه معاوضة وفي المعاوضات يعتبر المشروط لا غيره ولأبي يوسف رحمه الله أن المبارأة مفاعلة من البراءة فتقتضيها من الجانبين وأنه مطلق قيدناه بحقوق النكاح لدلالة الغرض أما الخلع فمقتضاه الانخلاع وقد حصل في نقض النكاح ولا ضرورة إلى انقطاع الأحكام ولأبي حنيفة رحمه الله أن الخلع ينبئ عن الفصل ومنه خلع النعل وخلع العمل وهو مطلق كالمبارأة فيعمل بإطلاقهما في النكاح وأحكامه وحقوقه قال ومن خلع ابنته وهي صغيرة بمالها لم يجز عليها لأنه لا نظر لها فيه إذ البضع في حالة الخروج غير متقوم والبدل متقوم بخلاف النكاح لأن البضع متقوم عند الدخول ولهذا يعتبر خلع المريضة من الثلث ونكاح المريض بمهر المثل من جميع المال وإذا لم يجز لا يسقط المهر ولا يستحق مالها ثم يقع الطلاق في رواية وفي رواية لا يقع والأول أصح لأنه تعليق بشرط قبوله فيعتبر بالتعليق بسائر الشروط وإن خالعها على ألف على أنه ضامن فالخلع واقع والألف على الأب لأن اشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح فعلى الأب أولى ولا يسقط مهرها لأنه لم يدخل تحت ولاية الأب وإن شرط الألف عليها توقف على قبولها إن كانت من أهل القبول فإن قبلت وقع الطلاق لوجود الشرط ولا يجب المال لأنها ليست من أهل الغرامة فإن قبله الأب عنها ففيه روايتان وكذا إن خالعها على مهرها ولم يضمن الأب المهر توقف على قبولها فإن قبلت طلقت ولا يسقط المهر فإن قبل الأب عنها فعلى الروايتين وإن ضمن الأب المهر وهو ألف درهم طلقت لوجود قبوله وهو الشرط ويلزمه خمسمائة استحسانا وفي القياس يلزمه الألف وأصله في الكبيرة إذا اختلعت قبل الدخول على ألف ومهرها ألف ففي القياس عليها خمسمائة زائدة وفي الاستحسان لا شيء عليها لأنه يراد به عادة حاصل ما يلزم لها 2 باب الظهار 2 وإذا قال الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي فقد حرمت عليه لا يحل له وطؤها ولا مسها ولا تقبيلها حتى يكفر عن ظهاره لقوله تعالى والذين يظاهرون من نسائهم إلى أن قال فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا والظهار كان طلاقا في الجاهلية فقرر الشرع أصله ونقل حكمه إلى تحريم موقت بالكفارة غير مزيل للنكاح وهذا لأنه جناية لكونه منكرا من القول وزورا فيناسب المجازاة عليها بالحرمة وارتفاعها بالكفارة ثم الوطء إذا حرم حرم بدواعيه كيلا يقع فيه كما في الإحرام بخلاف الحائض والصائم لأنه يكثر وجودهما فلو حرم الدواعي يفضي إلى الحرج ولا كذلك الظهار والإحرام فإن وطئها قبل أن يكفر استغفر الله تعالى ولا شيء عليه غير الكفارة الأولى ولا يعود حتى يكفر لقوله عليه الصلاة السلام للذي واقع في ظهاره قبل الكفارة استغفر الله ولا تعد حتى تكفر ولو كان شيء آخر واجبا لنبه عليه قال وهذا اللفظ لا يكون إلا ظهارا لأنه صريح فيه ولو نوى به الطلاق لا يصح لأنه منسوخ فلا يتمكن من الإتيان به
وإذا قال أنت علي كبطن أمي أو كفخذها أو كفرجها فهو مظاهر لأن الظهار ليس إلا تشبيه المحللة بالمحرمة وهذا المعنى يتحقق في عضو لا يجوز النظر إليه وكذا إذا شبهها بمن لا يحل له النظر إليها على التأبيد من محارمه مثل أخته أو عمته أو أمه من الرضاعة لأنهن في التحريم المؤبد كالأم وكذلك إذا قال رأسك علي كظهر أمي أو فرجك أو وجهك أو رقبتك أو نصفك أو ثلثك أو بدنك لأنه يعبر بها عن جميع البدن ويثبت الحكم في الشائع ثم يتعدى كما بيناه في الطلاق ولو قال أنت علي مثل أمي أو كأمي يرجع إلى نيته لينكشف حكمه فإن قال أردت الكرامة فهو كما قال لأن التكريم بالتشبيه فاش في الكلام وإن قال أردت الظهار فهو ظهار لأنه تشبيه بجميعها وفيه تشبيه بالعضو لكنه ليس بصريح فيفتقر إلى النية وإن قال أردت الطلاق فهو طلاق بائن لأنه تشبيه بالأم في الحرمة فكأنه قال أنت علي حرام ونوى الطلاق وإن لم تكن له نية فليس بشيء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لاحتمال الحمل على الكرامة وقال محمد رحمه الله يكون ظهارا لأن التشبيه بعضو منها لما كان ظهارا فالتشبيه بجميعها أولى وإن عنى به التحريم لا غير فعند أبي يوسف رحمه الله هو إيلاء ليكون الثابت به أدنى الحرمتين وعند محمد رحمه الله ظهار لأن كاف التشبيه تختص به ولو قال أنت علي حرام كأمي ونوى ظهارا أو طلاقا فهو على ما نوى لأنه يحتمل الوجهين الظهار لمكان التشبيه والطلاق لمكان التحريم والتشبيه تأكيد له وإن لم تكن له نية فعلى قول أبي يوسف رحمه الله إيلاء وعلى قول محمد رحمه الله ظهار والوجهان بيناهما وإن قال أنت علي حرام كظهر أمي ونوى به طلاقا أو إيلاء لم يكن إلا ظهارا عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا هو على ما نوى لأن التحريم يحتمل كل ذلك على ما بينا غير أن عند محمد رحمه الله إذا نوى الطلاق لا يكون ظهارا وعند أبي يوسف رحمه الله يكونان جميعا وقد عرف في موضعه ولأبي حنيفة رحمه الله أنه صريح في الظهار فلا يحتمل غيره ثم هو محكم فيرد التحريم إليه قال ولا يكون الظهار إلا من الزوجة حتى لو ظاهر من أمته لم يكن مظاهرا لقوله تعالى من نسائهم ولأن الحل في الأمة تابع فلا تلحق بالمنكوحة ولأن الظهار منقول عن الطلاق ولا طلاق في المملوكة فإن تزوج امرأة بغير أمرها ثم ظاهر منها ثم أجازت النكاح فالظهار باطل لأنه صادق في التشبيه وقت المتصرف فلم يكن منكرا من القول والظهار ليس بحق من حقوقه حتى يتوقف بخلاف إعتاق المشتري من الغاصب لأنه من حقوق الملك ومن قال لنسائه أنتن علي كظهر أمي كان مظاهرا منهن جميعا لأنه أضاف الظهار إليهن فصار كما إذا أضاف الطلاق وعليه لكل واحدة كفارة لأن الحرمة تثبت في حق كل واحدة والكفارة لإنهاء الحرمة فتتعدد بتعددها بخلاف الإيلاء منهن لأن الكفارة فيه لصيانة حرمة الاسم ولم يتعدد ذكر الاسم فصل في الكفارة قال وكفارة الظهار عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا للنص الوارد فيه فإنه يفيد الكفارة على هذا الترتيب قال وكل ذلك قبل المسيس وهذا في الإعتاق والصوم ظاهر للتنصيص عليه وكذا في الإطعام لأن الكفارة فيه منهية للحرمة فلا بد من تقديمها على الوطء ليكون الوطء حلالا
قال وتجزئ في العتق الرقبة الكافرة والمسلمة والذكر والأنثى والصغير والكبير لأن اسم الرقبة ينطلق على هؤلاء إذ هي عبارة عن الذات المرقوق المملوك من كل وجه والشافعي رحمه الله يخالفنا في الكافرة ويقول الكفارة حق الله تعالى فلا يجوز صرفه إلى عدو الله كالزكاة ونحن نقول المنصوص عليه إعتاق الرقبة وقد تحقق وقصده من الإعتاق التمكن من الطاعة ثم مقارفته المعصية يحال به إلى سوء اختياره ولا تجزئ العمياء ولا المقطوعة اليدين أو الرجلين لأن الفائت جنس المنفعة وهي البصر أو البطش أو المشي وهو المانع أما إذا اختلت المنفعة فهو غير مانع حتى يجوز العوراء ومقطوعة إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف لأنه ما فات جنس المنفعة بل اختلت بخلاف ما إذا كانت مقطوعتين من جانب واحد حيث لا يجوز لفوات جنس منفعة المشي إذ هو عليه متعذر ويجوز الأصم والقياس أن لا يجوز وهو رواية النوادر لأن الفائت جنس المنفعة إلا أنا استحسنا الجواز لأن أصل المنفعة باق فإنه إذا صيح عليه سمع حتى لو كان بحال لا يسمع أصلا بأن ولد أصم وهو الأخرس لا يجزيه ولا يجوز مقطوع إبهامي اليدين لأن قوة البطش بهما فبفواتهما يفوت جنس المنفعة ولا يجوز المجنون الذي لا يعقل لأن الانتفاع بالجوارح لا يكون إلا بالعقل فكان فائت المنافع والذي يجن ويفيق يجزئه لأن الاختلال غير مانع ولا يجزئ عتق المدبر وأم الولد لاستحقاقهما الحرية بجهة فكان الرق فيهما ناقصا وكذا المكاتب الذي أدى بعض المال لأن إعتاقه يكون ببدل وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجزئه لقيام الرق من كل وجه ولهذا تقبل الكتابة الانفساخ بخلاف أمومية الولد والتدبير لأنهما لا يحتملان الانفساخ فإن أعتق مكاتبا لم يؤد شيئا جاز خلافا للشافعي رحمه الله له أنه استحق الحرية بجهة الكتابة فأشبه المدبر ولنا أن الرق قائم من كل وجه على ما بينا ولقوله عليه الصلاة والسلام المكاتب عبد ما بقي عليه درهم والكتابة لا تنافيه فإنه فك الحجر بمنزلة الإذن في التجارة إلا أنه بعوض فيلزم من جانبه ولو كان مانعا ينفسخ بمقتضى الإعتاق إذ هو يحتمله إلا أنه تسلم له الأكساب والأولاد لأن العتق في حق المحل بجهة الكتابة أو لأن الفسخ ضروري لا يظهر في حق الولد والكسب وإن اشترى أباه أو ابنه ينوي بالشراء الكفارة جاز عنها وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز وعلى هذا الخلاف كفارة اليمين والمسئلة تأتيك في كتاب الأيمان إن شاء الله وإن أعتق نصف عبد مشترك وهو موسر وضمن قيمة باقيه لم يجز عند أبي حنيفة رحمه الله ويجوز عندهما لأنه يملك نصيب صاحبه بالضمان فصار معتقا كل العبد عن الكفارة وهو ملكه بخلاف ما إذا كان المعتق معسرا لأنه وجب عليه السعاية في نصيب الشريك فيكون إعتاقا بعوض ولأبي حنيفة رحمه الله أن نصيب صاحبه ينتقص على ملكه ثم يتحول إليه بالضمان ومثله يمنع الكفارة وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم أعتق باقيه عنها جاز لأنه أعتقه بكلامين والنقصان متمكن على ملكه بسبب الإعتاق بجهة الكفارة ومثله غير مانع كمن أضجع شاة للأضحية فاصاب السكين عينها بخلاف ما تقدم لأن النقصان تمكن على ملك الشريك وهذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله أما عندهما فالإعتاق لا يتجزأ فإعتاق النصف إعتاق الكل فلا يكون إعتاقا بكلامين وإن أعتق نصف عبده عن كفارته ثم جامع التي ظاهر منها ثم أعتق باقيه لم يجز عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الإعتاق يتجزأ عنده وشرط الإعتاق أن يكون قبل المسيس بالنص وإعتاق النصف حصل بعده وعندهما إعتاق النصف إعتاق الكل فحصل الكل قبل المسيس
وإذا لم يجد المظاهر ما يعتق فكفارته صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان ولا يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق أما التتابع فلأنه منصوص عليه وشهر رمضان لا يقع عن الظهار لما فيه من إبطال ما أوجبه الله والصوم في هذه الأيام منهي عنه فلا ينوب عن الواجب الكامل فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلا عامدا أو نهارا ناسيا استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رحمه الله لا يستأنف لأنه لا يمنع التتابع إذ لا يفسد به الصوم وهو الشرط وإن كان تقديمه على المسيس شرطا ففيما ذهبنا إليه تقديم البعض وفيما قلتم تأخير الكل عنه ولهما أن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس وأن يكون خاليا عنه ضرورة بالنص وهذا الشرط ينعدم به فيستأنف وإن أفطر منها يوما بعذر أو بغير عذر استأنف لفوات التتابع وهو قادر عليه عادة وإن ظاهر العبد لم يجز في الكفارة إلا الصوم لأنه لا ملك له فلم يكن من أهل التكفير بالمال وإن أعتق المولى أو أطعم عنه لم يجزه لأنه ليس من أهل الملك فلا يصير مالكا بتمليكه وإذا لم يستطع المظاهر الصيام أطعم ستين مسكينا لقوله تعالى فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ويطعم كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من تمر أو شعير أو قيمة ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أوس بن الصامت وسهل بن صخر لكل مسكين نصف صاع من بر ولأن المعتبر دفع حاجة اليوم لكل مسكين فيعتبر بصدقة الفطر وقوله أو قيمة ذلك مذهبنا وقد ذكرناه في الزكاة فإن أعطى منا من بر ومنوين من تمر أو شعير جاز لحصول المقصود لا الجنس متحد وإن أمر غيره أن يطعم عنه من ظهاره ففعل أجزأه لأنه استقراض معنى والفقير قابض له أولا ثم لنفسه فتحقق تملكه ثم تمليكه فإن غداهم وعشاهم جاز قليلا كان ما أكلوا أو كثيرا وقال الشافعي رحمه الله لا يجزئه إلا التمليك اعتبارا بالزكاة وصدقة الفطر وهذا لأن التمليك أدفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة ولنا أن المنصوص عليه هو الإطعام وهو حقيقة في التمكين من الطعم وفي الإباحة ذلك كما في التمليك أما الواجب في الزكاة الإيتاء وفي صدقة الفطر الأداء وهما للتمليك حقيقة ولو كان فيمن عشاهم صبي فطيم لا يجزئه لأنه لا يستوفى كاملا ولا بد من الإدام في خبز الشعير ليمكنه الإستيفاء إلى الشبع وفي خبز الحنطة لا يشترط الإدام وإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه وإن أعطاه في يوم واحد لم يجزه إلا عن يومه لأن المقصود سد خلة المحتاج والحاجة تتجدد في كل يوم فالدفع إليه في اليوم الثاني كالدفع إلى غيره وهذا في الإباحة من غير خلاف وأما التمليك من مسكين واحد في يوم واحد بدفعات فقد قيل لا يجزئه وقد قيل يجزئه لأن الحاجة إلى التمليك تتجدد في يوم واحد بخلاف ما إذا دفع بدفعة واحدة لأن التفريق واجب بالنص وإن قرب التي ظاهر منها في خلال الإطعام لم يستأنف لأنه تعالى ما شرط في الإطعام أن يكون قبل المسيس إلا أنه يمنع من المسيس قبله لأنه ربما يقدر على الإعتاق أو الصوم فيقعان بعد المسيس والمنع لمعنى في غيره لا يعدم المشروعية في نفسه وإذا أطعم عن ظهارين ستين مسكينا كل مسكين صاعا من بر لم يجزه إلا عن واحد منهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد رحمه الله يجزئه عنهما وإن أطعم ذلك عن إفطار وظهار أجزأه عنهما له أن بالمؤدى وفاء بهما والمصروف إليه محل لهما فيقع عنهما كما لو اختلف السبب أو فرق في الدفع ولهما أن النية في الجنس الواحد لغو وفي الجنسين معتبرة وإذا لغت النية والمؤدى يصلح كفارة واحدة لأن نصف الصاع أدنى المقادير فيمنع النقصان دون الزيادة فيقع عنها كما إذا نوى أصل الكفارة بخلاف ما إذا فرق في الدفع لأنه في الدفعة الثانية في حكم مسكين آخر ومن وجبت عليه كفارتا ظهار فأعتق رقبتين لا ينوي عن إحداهما بعينها جاز عنهما وكذا إذا صام أربعة أشهر أو أطعم مائة وعشرين مسكينا جاز لأن الجنس متحد فلا حاجة إلى نية معينة وإن أعتق عنهما رقبة واحدة أو صام شهرين كان له أن يجعل ذلك عن أيهما شاء وإن أعتق عن ظهار وقتل لم يجز عن واحد منهما
وقال زفر رحمه الله لا يجزئه عن أحدهما في الفصلين وقال الشافعي رحمه الله له أن يجعل ذلك عن أحدهما في الفصلين لأن الكفارات كلها باعتبار اتحاد المقصود جنس واحد وجه قول زفر رحمه الله أنه أعتق عن كل ظهار نصف العبد وليس له أن يجعل عن أحدهما بعد ما أعتق عنهما لخروج الأمر من يده ولنا أن نية التعيين في الجنس المتحد غير مفيد فتلغو وفي الجنس المختلف مفيد واختلاف الجنس في الحكم وهو الكفارة ههنا باختلاف السبب نظير الأول إذا صام يوما في قضاء رمضان عن يومين يجزئه عن قضاء يوم واحد ونظير الثاني إذا كان عليه صوم القضاء والنذر فإنه لا بد فيه من التمييز والله أعلم 2 باب اللعان 2 قال إذا قذف الرجل امرأته بالزنا وهما من أهل الشهادة والمرأة ممن يحد قاذفها أو نفي نسب ولدها وطالبته بموجب القذف فعليه اللعان والأصل أن اللعان عندنا شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن قائمة مقام حد القذف في حقه ومقام حد الزنا في حقها لقوله تعالى ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم والاستثناء إنما يكون من الجنس وقال الله تعالى فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله نص على الشهادة واليمين فقلنا الركن هو الشهادة المؤكدة باليمين ثم قرن الركن في جانبه باللعن لو كان كاذبا وهو قائم مقام حد القذف وفي جانبها بالغضب وهو قائم مقام حد الزنا إذا ثبت هذا نقول لا بد أن يكونا من أهل الشهادة لأن الركن فيه الشهادة ولا بد أن تكون هي ممن يحد قاذفها لأنه قائم في حقه مقام حد القذف فلا بد من إحصانها ويجب بنفي الولد لأنه لما نفي ولدها صار قاذفا لها ظاهرا ولا يعتبر احتمال أن يكون الولد من غيره بالوطء من شبهة كما إذا نفى أجنبي نسبه عن أبيه المعروف وهذا لأن الأصل في النسب الفراش الصحيح والفاسد ملحق به فنفيه عن الفراش الصحيح قذف حتى يظهر الملحق به ويشترط طلبها لأنه حقها فلا بد من طلبها كسائر الحقوق فإن امتنع منه حبسه الحاكم حتى يلاعن أو يكذب نفسه لأنه حق مستحق عليه وهو قادر على إيفاته فيحبس به حتى يأتي بما هو عليه أو يكذب نفسه ليرتفع السبب ولو لاعن وجب عليها اللعان لما تلونا من النص إلا انه يبتدأ بالزوج لأنه هو المدعي فإن امتنعت حبسها الحاكم حتى تلاعن أو تصدقه لأنه حق مستحق عليها وهي قادرة على أيفائه فتحبس فيه وإذا كان الزوج عبدا أو كافرا أو محدودا في قذف فقذف امرأته فعليه الحد لأنه تعذر اللعان لمعنى من جهته فيصار إلى الموجب الأصلي وهو الثابت بقوله تعالى والذين يرمون المحصنات الآية واللعان خلف عنه وإن كان من أهل الشهادة وهي أمة أو كافرة أو محدودة في قذف أو كانت ممن لا يحد قاذفها بأن كانت صبية أو مجنونة أو زانية فلا حد عليه ولا لعان لانعدام أهلية الشهادة وعدم الإحصان في جانبها وامتناع اللعان لمعنى من جهتها فيسقط الحد كما إذا صدقته
والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم اليهودية والنصرانية تحت المسلم والمملوكة تحت الحر والحرة تحت المملوك ولو كانا محدودين في قذف فعليه الحد لأن امتناع اللعان من جهته إذ هو ليس من أهله وصفة اللعان أن يبتدئ القاضي بالزوج فيشهد أربع مرات يقول في كل مرة أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا ويقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا يشير إليها في جميع ذلك ثم تشهد المرأة أربع مرات تقول في كل مرة أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا وتقول في الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا والأصل فيه ما تلوناه من النص وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يأتي بلفظة المواجهة يقول فيما رميتك به من الزنا لأنه أقطع للاحتمال وجه ما ذكر في الكتاب أن لفظة المغايبة إذا انضمت إليها الإشارة انقطع الاحتمال قال وإذا التعنا لا تقع الفرقة حتى يفرق القاضي بينهما وقال زفر تقع بتلاعنهما لأنه تثبت الحرمة المؤبدة بالحديث ولنا أن ثبوت الحرمة يفوت الإمساك بالمعروف فيلزمه التسريح بالإحسان فإذا امتنع ناب القاضي منابه دفعا للظلم دل عليه قول ذلك الملاعن عند النبي عليه الصلاة والسلام كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا قاله بعد اللعان وتكون الفرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأن فعل القاضي انتسب إليه كما في العنين وهو خاطب إذا أكذب نفسه عندهما وقال أبو يوسف رحمه الله هو تحريم مؤبد لقوله عليه الصلاة والسلام المتلاعنان لا يجتمعان أبدا نص على التأبيد ولهما أن الإكذاب رجوع والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها ولا يجتمعان ما داما متلاعنين ولم يبق التلاعن ولا حكمه بعد الإكذاب فيجتمعان ولو كان القذف بنفي الولد نفى القاضي نسبه وألحقه بأمه وصورة اللعان أن يأمر الحاكم الرجل فيقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتك به من نفي الولد وكذا في جانب المرأة ولو قذفها بالزنا ونفى الولد ذكر في اللعان الأمرين ثم ينفي القاضي نسب الولد ويلحقه بأمه لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام نفى ولد امرأة هلال بن أمية عن هلال وألحقه بها ولأن المقصود من هذا اللعان نفي الولد فيوفر عليه مقصوده فيتضمنه القضاء بالتفريق وعن أبي يوسف رحمه الله أن القاضي يفرق ويقول قد ألزمته أمه وأخرجته من نسب الأب لأنه ينفك عنه فلا بد من ذكره فإن عاد الزوج وأكذب نفسه حده القاضي لإقراره بوجوب الحد عليه وحل له أن يتزوجها وهذا عندهما لأنه لما حد لم يبق أهلا للعان فارتفع حكمه المنوط به وهو التحريم وكذلك إن قذف غيرها فحد به لما بينا وكذا إذا زنت فحدت لانتفاء أهلية اللعان من جانبها وإذا قذف امرأته وهي صغيرة أو مجنونة فلا لعان بينهما لأنه لا يحد قاذفها لو كان أجنبيا فكذا لا يلاعن الزوج لقيامه مقامه وكذا إذا كان الزوج صغيرا أو مجنونا لعدم أهلية الشهادة وقذف الأخرس لا يتعلق به اللعان لأنه يتعلق بالصريح كحد القذف وفيه خلاف الشافعي رحمه الله وهذا لأنه لا يعرى عن الشبهة والحدود تندرئ بها
وإذا قال الزوج ليس حملك مني فلا لعان بينهما وهذا قول أبي حنيفة زفر رحمهما الله لأنه لا يتيقن بقيام الحمل فلم يصر قاذفا وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله اللعان يجب بنفي الحمل إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر وهو معنى ما ذكر في الأصل لأنا تيقنا بقيام الحمل عنده فيتحقق القذف قلنا إذا لم يكن قذفا في الحال يصير كالمعلق بالشرط فيصير كأنه قال إن كان بك حمل فليس مني والقذف لا يصح تعليقه بالشرط فإن قال لها زنيت وهذا الحمل من الزنا تلاعنا لوجود القذف حيث ذكر الزنا صريحا ولم ينف القاضي الحمل وقال الشافعي رحمه الله ينفيه لأنه عليه الصلاة والسلام نفى الولد عن هلال وقد قذفها حاملا ولنا أن الأحكام لا تترتب عليه إلا بعد الولادة لتمكن الاحتمال قبله والحديث محمول على أنه عرف قيام الحبل بطريق الوحي وإذا نفى الرجل ولد امرأته عقيب الولادة أو في الحالة التي تقبل التهنئة وتبتاع آلة الولادة صح نفيه ولاعن به وإن نفاه بعد ذلك لاعن ويثبت النسب هذا عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يصح نفيه في مدة النفاس لأن النفي يصح في مدة قصيرة ولا يصح في مدة طويلة ففصلنا بينهما بمدة النفاس لأنه أثر الولادة وله أنه لا معنى للتقدير لأن الزمان للتأمل وأحوال الناس فيه مختلفة فاعتبرنا ما يدل عليه وهو قبوله التهنئة أو سكوته عند التهنئة أو ابتياعه متاع الولادة أو مضي ذلك الوقت فهو ممتنع عن النفي ولو كان غائبا ولم يعلم بالولادة ثم قدم تعتبر المدة التي ذكرناها على الأصلين قال وإذا ولدت ولدين في بطن واحد فنفى الأول واعترف بالثاني يثبت نسبهما لأنهما توأمان خلقا من ماء واحد وحد الزوج لأنه أكذب نفسه بدعوى الثاني وإن اعترف بالأول ونفى الثاني يثبت نسبهما لما ذكرنا ولاعن لأنه قاذف بنفي الثاني ولم يرجع عنه والإقرار بالعفة سابق على القذف فصار كما إذا قال إنها عفيفة ثم قال هي زانية وفي ذلك التلاعن كذا هذا 2 باب العنين وغيره 2 وإذا كان الزوج عنينا أجله الحاكم سنة فإن وصل إليها فبها وإلا فرق بينهما إذا طلبت المرأة ذلك هكذا روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ولأن الحق ثابت لها في الوطء ويحتمل أن يكون الامتناع لعلة معترضة ويحتمل لآفة أصلية فلا بد من مدة معرفة لذلك وقدرناها بالسنة لاشتمالها على الفصول الأربعة فإذا مضت المدة ولم يصل إليها تبين أن العجز بآفة أصلية ففات الإمساك بالمعروف ووجب عليه التسريح بالإحسان فإذا امتنع ناب القاضي منابه ففرق بينهما ولا بد من طلبها لأن التفريق حقها وتلك الفرقة تطليقة بائنة لأن فعل القاضي أضيف إلى فعل الزوج فكأنه طلقها بنفسه وقال الشافعي رحمه الله هو فسخ لكن النكاح لا يقبل الفسخ عندنا وإنما تقع بائنة لأن المقصود وهو دفع الظلم عنها لا يحصل إلا بها لو لم تكن بائنة تعود معلقة بالمراجعة ولها كمال مهرها إن كان خلا بها فإن خلوة العنين صحيحة ويجب العدة لما بينا من قبل هذا إذا اقر الزوج أنه لم يصل إليها ولو اختلف الزوج والمرأة في الوصول إليها فإن كانت ثيبا فالقول قوله مع يمينه لأنه ينكر استحقاق حق الفرقة والأصل هو السلامة في الجبلة ثم إن حلف بطل حقها وإن نكل يؤجل سنة وإن كانت بكرا نظر إليها النساء فإن قلن هي بكر أجل سنة لظهور كذبه وإن قلن هي ثيب يحلف الزوج فإن حلف لا حق لها وإن نكل يؤجل سنة وإن كان مجبوبا فرق بينهما في الحال إن طلبت لأنه لا فائدة في التأجيل والخصي يؤجل كما يؤجل العنين لأن وطأه مرجو وإذا أجل العنين سنة وقال قد جامعتها وأنكرت نظر إليها النساء فإن قلن هي بكر خيرت لأن شهادتهن تأيدت بمؤيد وهي البكارة وإن قلن هي ثيب حلف الزوج فإن نكل خيرت لتأيدها بالنكول