İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
كذا لأبي ذر وساق غيره الآية ثم اتفقوا إلى قوله تعالى آتوني زبر الحديد وفي إيراد المصنف ترجمة ذي القرنين قبل إبراهيم إشارة إلى توهين قول من زعم أنه الإسكندر اليوناني لأن الإسكندر كان قريبا من زمن عيسى عليه السلام وبين زمن إبراهيم وعيسى أكثر من ألفي سنة والذي يظهر أن الإسكندر المتأخر لقب بذي القرنين تشبيها بالمتقدم لسعة ملكه وغلبته على البلاد الكثيرة أو لأنه لما غلب على الفرس وقتل ملكهم انتظم له ملك المملكتين الواسعتين الروم والفرس فلقب ذا القرنين لذلك والحق أن الذي قص الله نبأه في القرآن هو المتقدم والفرق بينهما من أوجه أحدها ما ذكرته والذي يدل على تقدم ذي القرنين ما روى الفاكهي من طريق عبيد بن عمير أحد كبار التابعين أن ذا القرنين حج ماشيا فسمع به إبراهيم فتلقاه ومن طريق عطاء عن بن عباس أن ذا القرنين دخل المسجد الحرام فسلم على إبراهيم وصافحه ويقال أنه أول من صافح ومن طريق عثمان بن ساج أن ذا القرنين سأل إبراهيم أن يدعو له فقال وكيف وقد أفسدتم بئري فقال لم يكن ذلك عن أمري يعني أن بعض الجند فعل ذلك بغير علمه وذكر بن هشام في التيجان أن إبراهيم تحاكم إلى ذي القرنين في شيء فحكم له وروى بن أبي حاتم من طريق على بن أحمد أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك فقالا نحن عبدان مأموران فقال من يشهد لكما فقامت خمسة أكبش فشهدت فقال قد صدقتم قال وأظن الأكبش المذكورة حجارة ويحتمل أن تكون غنما فهذه الآثار يشد بعضها بعضا ويدل على قدم عهد ذي القرنين ثاني الأوجه قال الفخر الرازي في تفسيره كان ذو القرنين نبيا وكان الإسكندر كافرا وكان معلمه ارسطا طاليس وكان يأتمر 4 بأمره وهو من الكفار بلا شك وسأذكر ما جاء في أنه كان نبيا أم لا ثالثها كان ذو القرنين من العرب كما سنذكر بعد وأما الإسكندر فهو من اليونان والعرب كلها من ولد سام بن نوح بالاتفاق وأن وقع الاختلاف هل هم كلهم من بني إسماعيل أو لا واليونان من ولد يافث بن نوح على الراجح فافترقا وشبهة من قال أن ذا القرنين هو الإسكندر ما أخرجه الطبري ومحمد بن ربيع الجيزي في كتاب الصحابة الذين نزلوا مصر بإسناد فيه بن لهيعة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فقال كان من الروم فأعطى ملكا فصار إلى مصر وبنى الإسكندرية فلما فرغ أتاه ملك فعرج به فقال انظر ما تحتك قال أرى مدينة واحدة قال تلك الأرض كلها وإنما أراد الله أن يريك وقد جعل لك في الأرض سلطانا فسر فيها وعلم الجاهل وثبت العالم وهذا لو صح لرفع النزاع ولكنه ضعيف والله أعلم وقد اختلف في ذي القرنين فقيل كان نبيا كما تقدم وهذا مروي أيضا عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعليه ظاهر القرآن وأخرج الحاكم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أدري ذو القرنين كان نبيا أو لا وذكر وهب في المبتدأ أنه كان عبدا صالحا وأن الله بعثه إلى أربعة أمم أمتين بينهما طول الأرض وأمتين بينهما عرض الأرض وهي ناسك ومنسك وتاويل وهاويل فذكر قصة طويلة حكاها الثعلبي في تفسيره وقال الزبير في أوائل كتاب النسب حدثنا إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمعت بن الكوا يقول لعلي بن أبي طالب أخبرني ما كان ذو القرنين قال كان رجلا أحب الله فأحبه بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات منها ثم بعثه الله فسمى ذو القرنين وعبد العزيز ضعيف ولكن توبع على أبي الطفيل أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه عن بن أبي حسين عن أبي الطفيل نحوه وزاد وناصح الله فناصحه وفيه لم يكن نبيا ولا ملكا وسنده صحيح سمعناه في الأحاديث المختارة للحافظ الضياء وفيه اشكال لأن قوله ولم يكن نبيا مغاير لقوله بعثه الله إلى قومه الا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة وقيل كان ملكا من الملائكة حكاه الثعلبي وهذا مروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول ياذا القرنين فقال تسمية بأسماء الملائكة وحكى الجاحظ في الحيوان أن أمه كانت من بنات آدم وأن أباه كان من الملائكة قال واسم أبيه فيرى واسم أمه غيرى وقيل كان من الملوك وعليه الأكثر وقد تقدم من حديث على ما يومئ إلى ذلك وسيأتي في ترجمة موسى في الكلام على أخبار الخضر واختلف في سبب تسميته ذا القرنين فتقدم قول علي وقيل لأنه بلغ المشرق والمغرب أخرجه الزبير بن بكار من طريق سليمان بن أسيد عن بن شهاب قال إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها وقيل لأنه ملكهما وقيل رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس وقيل كان له قرنان حقيقة وهذا أنكره علي في رواية القاسم بن أبي بزة وقيل لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه وقيل لأنه كانت له غديرتان طويلتان من شعره حتى كان يطأ عليهما وتسمية الضفيرة من الشعر قرنا معروف ومنه قول أم عطية وضفرنا شعرها ثلاثة قرون ومنه قول جميل فلثمت فاها آخذا بقرونها وقيل كانت صفحتا رأسه من نحاس وقيل لتاجه قرنان وقيل كان في رأسه شبة القرنين وقيل لأنه دخل النور والظلمة وقيل لأنه عمر حتى فني في زمنه قرنان من الناس وقيل لأن قرني الشيطان عند مطلع الشمس وقد بلغه وقيل لأنه كان كريم الطرفين أمه وأبوه من بيت شرف وقيل لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا وقيل لأنه أعطي علم الظاهر والباطن وقيل لأنه ملك فارس والروم وقد اختلف في اسمه فروى بن مردويه من حديث بن عباس وأخرجه الزبير في كتاب النسب عن إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان وإسناده ضعيف جدا لضعف عبد العزيز وشيخه وهو مباين لما تقدم أنه كان في زمن إبراهيم فكيف يكون من ذريته لا سيما على قول من قال كان بين عدنان وإبراهيم أربعون أبا أو أكثر وقيل اسمه الصعب وبه جزم كعب الأحبار وذكره بن هشام في التيجان عن بن عباس أيضا وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب المحبر هو المنذر بن أبي القيس أحد ملوك الحيرة وأمه ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم قال وقيل اسمه الصعب بن قرن بن همال من ملوك حمير وقال الطبري هو اسكندروس بن فيلبوس وقيل فيلبس وبالثاني جزم المسعودي وقيل اسمه الهميسع ذكره الهمداني في كتب النسب قال وكنيته أبو الصعب وهو بن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ وقيل بن عبد الله بن قرين بن منصور بن عبد الله بن الأزد وقيل بإسقاط عبد الله الأول وأما قول بن إسحاق الذي حكاه بن هشام عنه أن اسم ذي القرنين مرزبان بن مردية بدال مهملة وقيل بزاي فقد صرح بأنه الإسكندر ولذلك اشتهر على الألسنة لشهرة السيرة لابن إسحاق قال السهيلي والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ويقال أن إبراهيم تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لإبراهيم والآخر كان قريبا من عهد عيسى قلت لكن الأشبه أن المذكور في القرآن هو الأول بدليل ما ذكر في ترجمة الخضر حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين وقد ثبتت قصة الخضر مع موسى وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا وتأتي بقية أخبار الخضر هناك إن شاء الله تعالى فهذا على طريقة من يقول أنه الإسكندر وحكى السهيلي أنه قيل أنه رجل من ولد يونان بن يافث اسمه هرمس ويقال هرديس وحكى القرطبي المفسر تبعا للسهيلي أنه قيل أنه أفريدون وهو الملك القديم للفرس الذي قتل الضحاك الجبار الذي يقول فيه الشاعر فكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون وللضحاك قصص طويلة ذكرها الطبري وغيره والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم قال أعشى بن ثعلبة والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا بالحنو في جدث هناك مقيم والحنو بكسر المهملة وسكون النون في ناحية المشرق وقال الربيع بن ضبيع والصعب ذو القرنين عمر ملكه ألفين أمسى بعد ذاك رميما وقال قس بن ساعدة والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا باللحد بين ملاعب الأرياح وقال تبع الحميري قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد من بعده بلقيس كانت عمتي ملكتهم حتى أتاها الهدهد وقال بعض الحارثيين يفتخر بكون ذي القرنين من اليمن يخاطب قوما من مضر سموا لنا واحدا منكم فنعرفه في الجاهلية لاسم الملك محتملا كالتبعين وذي القرنين يقبله أهل الحجى وأحق القول ما قبلا وقال النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي بن الصحابي ومن ذا يعادينا من الناس معشر كرام وذو القرنين منا وحاتم انتهى ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصعب ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر وطرفة بن العبد وغيرهم وأخرج الزبير بن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثوري قال بلغني أنه ملك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين ونمرود وبختنصر ورواه وكيع في تفسيره عن العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهدا يقول ملك الأرض أربعة فسماهم قوله سببا طريقا هو قول أبي عبيدة في المجاز وروى بن أبي شيبة من حديث علي مرفوعا أنه قيل له كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب قال سخر له السحاب وبسط له النور وبدت له الأسباب قوله زبر الحديد وأحدها زبرة وهي القطع هو قول أبي عبيدة أيضا قال زبر الحديد أي قطع الحديد وأحدها زبرة قوله حتى إذا ساوى بين الصدفين يقال عن بن عباس الجبلين وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله بين الصدفين قال بين الجبلين وقال أبو عبيدة قوله بين الصدفين أي ما بين الناحيتين من الجبلين قوله والسدين الجبلين روى بن أبي حاتم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا في قصة ذي القرنين وأنه سار حتى بلغ مطلع الشمس ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء فبنى السدين وفي إسناده ضعف والسدين بالفتح والضم بمعنى قاله الكسائي وقال أبو عمرو بن العلاء ما كان من صنع الله فبالضم وما كان من صنع الآدمي فبالفتح وقيل بالفتح ما رأيته وبالضم ما توارى عنك قوله خرجا أجرا روى بن أبي حاتم من طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال خرجا قال أجرا عظيما قوله أتوني أفرغ عليه قطرا أصب عليه رصاصا ويقال الحديد ويقال الصفر وقال بن عباس النحاس أما القول الأول والثاني فحكاهما أبو عبيدة قال في قوله أفرغ عليه قطرا أي أصب عليه حديدا ذائبا وجعله قوم الرصاص انتهى والرصاص بفتح الراء وبكسرها أيضا وأما الثالث فرواه بن أبي حاتم من طريق الضحاك قال أفرغ عليه قطرا قال صفرا وأما قول بن عباس فوصله بن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى عكرمة عن بن عباس قال أفرغ عليه قطرا قال النحاس ومن طريق السدي قال القطر النحاس المذاب وبناه لهم بالحديد والنحاس ومن طريق وهب بن منبه قال شرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل له عرقا من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد قوله فما اسطاعوا أن يظهروه يعلوه هو قول أبي عبيدة قال فما اسطاعوا أن يظهروه أي أن يعلوه تقول ظهرت فوق الجبل أي علوته قوله اسطاع استفعل من طعت له فلذلك فتح أسطاع يسطيع وقال بعضهم استطاع يستطيع يعني بفتح الهمزة من أسطاع وضم الياء من يسطيع قوله جعله دكاء ألزقه بالأرض ويقال ناقة دكاء لا سنام لها والدكداك من الأرض مثله حتى صلب وتلبد قال أبو عبيدة جعله دكاء أي تركه مدكوكا أي ألزقه بالأرض ويقال ناقة دكاء أي لا سنام لها مستوية الظهر والعرب تصف الفاعل والمفعول بمصدرهما فمن ذلك جعله دكا أي مدكوكا قوله وقال قتادة حدب أكمة قال عبد الرزاق في التفسير عن معمر عن قتادة في قوله حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون قال من كل أكمة ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح روى بن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف رجل لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح لا يمرون على شيء إذا خرجوا الا أكلوه ويأكلون من مات منهم وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أن آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله وهو قول منكر جدا لا أصل له الا عن بعض أهل الكتاب وذكر بن هشام في التيجان أن أمة منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك قوله وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد مثل البرد المحبر قال رأيته وصله بن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال كيف رأيته قال مثل البرد المحبر طريقة حمراء وطريقة سوداء قال قد رأيته ورواه الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال فذكر نحوه وزاد فيه زيادة منكرة وهي والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة أسري بي لبنة من ذهب ولبنة من فضة وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السد فساقه مطولا ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث موصولة أحدها حديث زينب بنت جحش في ذكر ردم يأجوج ومأجوج وسيأتي شرحه مستوفى في آخر كتاب الفتن ثانيها حديث أبي هريرة نحوه باختصار ويأتي هناك أيضا ثالثها حديث أبي سعيد في بعث النار وسيأتي شرحه في أواخر الرقاق والغرض منه هنا ذكر يأجوج وماجوج والإشارة إلى كثرتهم وأن هذه الأمة بالنسبة إليهم نحو عشر عشر العشر وأنهم من ذرية آدم ردا على من قال خلاف ذلك
1 ( قوله باب قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا ) وقوله أن إبراهيم كان أمة قانتا لله وقوله ان إبراهيم لأواه حليم وكأنه أشار بهذه الآيات إلى ثناء الله تعالى على إبراهيم عليه السلام وإبراهيم بالسريانية معناه أب راحم والخليل فعيل بمعنى فاعل وهو من الخلة بالضم وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله تعالى وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة وقيل الخلة أصلها الاستصفاء وسمي بذلك لأنه يوالى ويعادي في الله تعالى وخلة الله له نصره وجعله إماما وقيل هو مشتق من الخلة بفتح المعجمة وهي الحاجة سمي بذلك لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه وسيأتي تفسير الآية في تفسير النحل إن شاء الله تعالى وإبراهيم هو بن آزر واسمه تارح بمثناة وراء مفتوحة وآخره حاء مهملة بن ناحور بنون ومهملة مضمومة بن شاروخ بمعجمة وراء مضمومة وآخره خاء معجمة بن راغوء بغين معجمة بن فالخ بفاء ولام مفتوحة بعدها معجمة بن عبير ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة بن شالخ بمعجمتين بن أرفخشذ بن سام بن نوح لا يختلف جمهور أهل النسب ولا أهل الكتاب في ذلك الا في النطق ببعض هذه الأسماء نعم ساق بن حبان في أول تاريخه خلاف ذلك وهو شاذ قوله وقال أبو ميسرة الرحيم بلسان الحبشة يعني الأواه وهذا الأثر وصله وكيع في تفسيره من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال الاواه الرحيم بلسان الحبشة وروى بن أبي حاتم من طريق بن مسعود بإسناد حسن قال الأواه الرحيم ولم يقل بلسان الحبشة ومن طريق عبد الله بن شداد أحد كبار التابعين قال قال رجل يا رسول الله الأواه قال الخاشع المتضرع في الدعاء ومن طريق بن عباس قال الأواه الموقن ومن طريق مجاهد قال الأواه الحفيظ الرجل يذنب الذنب سرا ثم يتوب منه سرا ومن وجه آخر عن مجاهد قال الأواه المنيب الفقيه الموفق ومن طريق الشعبي قال الأواه المسبح ومن طريق كعب الأحبار في قوله أواه قال كان إذا ذكر النار قال أواه من عذاب الله ومن طريق أبي ذر قال كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه أوه أوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لأواه رجاله ثقات الا أن فيه رجلا مبهما وذكر أبو عبيدة أنه فعال من التأوه ومعناه متضرع شفقا ولزوما لطاعة ربه ثم ذكر المصنف في الباب عشرين حديثا أحدها حديث بن عباس في صفة الحشر والمقصود منه
3171 قوله وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام وروى البيهقي في الأسماء من وجه آخر عن بن عباس مرفوعا أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ويؤتى بي فأكسى حلة لا يقوم لها البشر ويقال أن الحكمة في خصوصية إبراهيم بذلك لكونه ألقي في النار عريانا وقيل لأنه أول من لبس السراويل ولا يلزم من خصوصيته عليه السلام بذلك تفضيله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ويمكن أن يقال لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك على القول بأن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه وسيأتي مزيد لهذا في أواخر الرقاق وقد ثبت لإبراهيم عليه السلام أوليات أخرى كثيرة منها أول من ضاف الضيف وقص الشارب واختتن ورأى الشيب وغير ذلك وقد أتيت على ذلك بأدلة في كتابي إقامة الدلائل على معرفة الأوائل وسيأتي شرح حديث الباب مستوفى في أواخر الرقاق إن شاء الله تعالى ثانيها حديث أبي هريرة يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وسيأتي شرحه في تفسير الشعراء إن شاء الله تعالى ثالثا حديث بن عباس في رؤية الصور في البيت أخرجه من وجهين وقد مضى أيضا في الحج ويأتي شرحه فيما يتعلق بالأزلام في تفسير سورة المائدة إن شاء الله تعالى رابعها حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله من أكرم الناس وسيأتي شرحه في قصة يعقوب 3175 قوله وقال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة يعني أنهما خالفا يحيى القطان في الإسناد فلم يقولا فيه عن سعيد عن أبيه ورواية أبي أسامة وصلها المصنف في قصة يوسف ورواية معتمر وصلها المؤلف في قصة يعقوب خامسها حديث سمرة في المنام الطويل الذي تقدم مع بعض شرحه في آخر الجنائز ذكر منه هنا طرفا وهو 3176 قوله فأتينا على رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولا وأنه إبراهيم عليه السلام وسيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب التعبير سادسها حديث بن عباس وقد سبق في الحج ويأتي شرحه في ذكر الدجال وغيره والغرض منه 3177 قوله أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأشار بذلك إلى نفسه فإنه كان أشبه الناس بإبراهيم عليه السلام سابعها حديث أبي هريرة اختتن إبراهيم وهو بن ثمانين سنة بالقدوم رويناه بالتشديد عن الأصيلي والقابسي ووقع في رواية غيرهما بالتخفيف قال النووي لم يختلف الرواة عند مسلم في التخفيف وأنكر يعقوب بن شيبة التشديد أصلا واختلف في المراد به فقيل هو اسم مكان وقيل اسم آله النجار فعلى الثاني هو بالتخفيف لا غير وعلى الأول ففيه اللغتان هذا قول الأكثر وعكسه الداودي وقد أنكر بن السكيت التشديد في الآلة ثم اختلف فقيل هي قرية بالشام وقيل ثنية بالسراة والراجح أن المراد في الحديث الآلة فقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال أمر إبراهيم بالختان فاختتن بقدوم فاشتد عليه فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته فقال يا رب كرهت أن أؤخر أمرك
3178 قوله حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد وقال بالقدوم مخففة يعني أنه روى الحديث المذكور بالإسناد المذكور أولا وصرح بتخفيف الدال وهذا يؤيد رواية الأصيلي والقابسي تنبيه وقع في بعض النسخ تقديم رواية أبي اليمان بعد رواية قتيبة والذي هنا هو المعتمد قوله تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أما متابعة عبد الرحمن بن إسحاق فوصلها مسدد في مسنده عن بشر بن المفضل عنه ولفظه اختتن إبراهيم بعد ما مرت به ثمانون واختتن بالقدوم وأما متابعة عجلان فوصلها أحمد عن يحيى القطان عن بن عجلان مثل رواية قتيبة وأما رواية محمد بن عمرو فوصلها أبو يعلى في مسنده من هذا الوجه ولفظه اختتن إبراهيم على رأس ثمانين سنة واختتن بالقدوم فاتفقت هذه الروايات على أنه كان بن ثمانين سنة عند اختتانه ووقع في الموطأ موقوفا عن أبي هريرة وعند بن حبان مرفوعا أن إبراهيم اختتن وهو بن مائة وعشرين سنة والظاهر أنه سقط من المتن شيء فإن هذا القدر هو مقدار عمره ووقع في آخر كتاب العقيقة لأبي الشيخ من طريق الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب موصولا مرفوعا مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثمانين سنة فعلى هذا يكون عاش مائتي سنة والله أعلم وجمع بعضهم بأن الأول حسب من مبدأ نبوته والثاني من مبدأ مولده الحديث الثامن
3179 قوله حدثنا سعيد بن تليد بفتح المثناة وكسر اللام وبعد التحتانية الساكنة مهملة الرعيني بمهملتين ونون مصغر مصري مشهور وأيوب هو السختياني ومحمد هو بن سيرين وقد أورده المصنف من وجهين عن أيوب وساقه على لفظ حماد بن زيد عن أيوب ولم يقع التصريح برفعه في روايته وقد رواه في النكاح عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد فصرح برفعه لكن لم يسق لفظه ولم يقع رفعه هنا في رواية النسفي ولا كريمة وهو المعتمد في رواية حماد بن زيد وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر غير مرفوع والحديث في الأصل مرفوع كما في رواية جرير بن حازم وكما في رواية هشام بن حسان عن بن سيرين عند النسائي والبزار وبن حبان وكذا تقدم في البيوع من رواية الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ولكن بن سيرين كان غالبا لا يصرح برفع كثير من حديثه قوله لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام الا ثلاث كذبات قال أبو البقاء الجيد أن يقال بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة بسكون الذال وهو اسم لا صفة لأنك تقول كذب كذبة كما تقول ركع ركعة ولو كان صفة لكن في الجمع وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال في آخره وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب هذا ربي وقوله لآلهتهم بل فعله كبيرهم هذا وقوله اني سقيم انتهى قال القرطبي ذكر الكوكب يقتضي أنها أربع وقد جاء في رواية بن سيرين بصيغة الحصر فيحتاج في ذكر الكوكب إلى تأويل قلت الذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة فإنه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة والذي اتفقت عليه الطرق ذكر سارة دون الكوكب وكأنه لم يعد مع أنه أدخل من ذكر سارة لما نقل أنه قاله في حال الطفولية فلم يعدها لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف وهذه طريقة بن إسحاق وقيل إنما قال ذلك بعد البلوغ لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ وقيل قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيها على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية وهذا قول الأكثر أنه قال توبيخا لقومه أو تهكما بهم وهو المعتمد ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا لكنه إذا حقق لم يكن كذبا لأنه من باب المعاريض المحتملة للامرين فليس بكذب محض فقوله اني سقيم يحتمل أن يكون أراد إني سقيم أي سأسقم واسم الفاعل يستعمل بمعنى المستقبل كثيرا ويحتمل أنه أراد إني سقيم بما قدر علي من الموت أو سقيم الحجة على الخروج معكم وحكى النووي عن بعضهم أنه كان تأخذه الحمى في ذلك الوقت وهو بعيد لأنه لو كان كذلك لم يكن كذبا لا تصريحا ولا تعريضا وقوله بل فعله كبيرهم قال القرطبي هذا قاله تمهيدا للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة وقطعا لقومه في قولهم أنها تضر وتنفع وهذا الاستدلال يتجوز فيه في الشرط المتصل ولهذا أردف قوله بل فعله كبيرهم بقوله فاسألوهم أن كانوا ينطقون قال بن قتيبة معناه أن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا فالحاصل أنه مشترط بقوله ان كانوا ينطقون أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب وعن الكسائي أنه كان يقف عند قوله بل فعله أي فعله من فعله كائنا من كان ثم يبتدئ كبيرهم هذا وهذا خبر مستقل ثم يقول فاسألوهم إلى آخره ولا يخفى تكلفه وقوله هذه أختي يعتذر عنه بأن مراده أنها أخته في الإسلام كما سيأتي واضحا قال بن عقيل دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه فكيف مع وجود الكذب منه وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام يعني إطلاق الكذب على ذلك الا في حال شدة الخوف لعلو مقامه وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تذم فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها قوله ثنتين منهن في ذات الله خصهما بذلك لأن قصة سارة وإن كانت أيضا في ذات الله لكن تضمنت حظا لنفسه ونفعا له بخلاف الثنتين الأخيرتين فإنهما في ذات الله محضا وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة أن إبراهيم لم يكذب قط الا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله وفي حديث بن عباس عند أحمد والله إن جادل بهن الا عن دين الله قوله بينا هو ذات يوم وسارة في رواية مسلم وواحدة في شأن سارة فأنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس واسم الجبار المذكور عمرو بن امرئ القيس بن سبأ وأنه كان على مصر ذكره السهيلي وهو قول بن هشام في التيجان وقيل اسمه صادوق وحكاه بن قتيبة وكان على الأردن وقيل سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح حكاه الطبري ويقال أنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم قوله فقيل له أن هذا رجل في رواية المستملي إن ها هنا رجلا وفي كتاب التيجان أن قائل ذلك رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح فنم عليه عند الملك وذكر أن من جملة ما قاله للملك أني رأيتها تطحن وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الأمر وقال أن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها قوله من أحسن الناس في صحيح مسلم في حديث الإسراء الطويل من رواية ثابت عن أنس في ذكر يوسف أعطى شطر الحسن زاد أبو يعلى من هذا الوجه أعطى يوسف وأمه شطر الحسن يعني سارة وفي رواية الأعرج الماضية في أواخر البيوع هاجر إبراهيم بسارة فدخل بها قرية فيها ملك أو جبار فقيل دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النساء واختلف في والد سارة مع القول بان اسمه هاران فقيل هو ملك حران وأن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حران وقيل هي ابنه أخيه وكان ذلك جائزا في تلك الشريعة حكاه بن قتيبة والنقاش واستبعد وقيل بل هي بنت عمه وتوافق الاسمان وقد قيل في اسم أبيها توبل قوله فأرسل إليه فسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الأرض الخ هذا ظاهر في أنه سأله عنها أولا ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده وفي رواية هشام بن حسان أنه قال لها أن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي وأنك أختي في الإسلام فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون الا لك فأرسل إليها الحديث فيمكن أن يجمع بينهما بأن إبراهيم أحس بأن الملك سيطلبها منه فأوصاها بما أوصاها فلما وقع ما حسبه أعاد عليها الوصية واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم على هذه الوصية مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختا كانت أو زوجة فقيل كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض الا لذوات الأزواج كذا قيل ويحتاج إلى تتمة وهو أن إبراهيم أراد دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما وذلك أن اغتصاب الملك إياها واقع لا محالة لكن إن علم أن لها زوجا في الحياة حملته الغيرة على قتله واعدامه أو حبسه واضراره بخلاف ما إذا علم أن لها أخا فإن الغيرة حينئذ تكون من قبل الأخ خاصة لا من قبل الملك فلا يبالي به وقيل أراد إن علم أنك امرأتي ألزمني بالطلاق والتقرير الذي قررته جاء صريحا عن وهب بن منبه فيما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره من طريقه وقيل كان من دين الملك أن الأخ أحق بأن تكون أخته زوجته من غيره فلذلك قال هي أختي اعتمادا على ما يعتقده الجبار فلا ينازعه فيها وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال هي أختي وأنا زوجها فلم اقتصر على قوله هي أختي وأيضا فالجواب إنما يفيد لو كان الجبار يريد أن يتزوجها لا أن يغتصبها نفسها وذكر المنذري في حاشية السنن عن بعض أهل الكتاب أنه كان من رأى الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها فلذلك قال إبراهيم هي أختي لأنه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها وإن كان ظالما خلص من القتل وليس هذا ببعيد مما قررته أولا وهذا أخذ من كلام بن الجوزي في مشكل الصحيحين فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب أنه سأله عن ذلك فأجاب به قوله ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك يشكل عليه كون لوط كان معه كما قال تعالى فآمن له لوط ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض الأرض التي وقع له فيها ما وقع ولم يكن معه لوط إذ ذاك قوله فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ كذا في أكثر الروايات وفي بعضها ذهب يناولها يده وفي رواية مسلم فقام إبراهيم إلى الصلاة فلما دخلت عليه أي على الملك لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة وفي رواية أبي الزناد عن الأعرج من الزيادة فقام إليها فقامت توضأ وتصلي وقوله في هذه الرواية فغط هو بضم المعجمة في أوله وقوله حتى ركض برجله يعني أنه اختنق حتى صار كأنه مصروع قيل الغط صوت النائم من شدة النفخ وحكى بن التين أنه ضبط في بعض الأصول فغط بفتح الغين والصواب ضمها ويمكن الجمع بأنه عوقب تارة بقبض يده وتارة بانصراعه وقوله فدعت من الدعاء في رواية الأعرج المذكورة ولفظه فقالت اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي الا على زوجي فلا تسلط علي الكافر ويجاب عن قولها أن كنت مع كونها قاطعة بأنه سبحانه وتعالى يعلم ذلك بأنها ذكرته على سبيل الفرض هضما لنفسها قوله فقال ادعى الله لي ولا أضرك في رواية مسلم فقال لها ادعى الله أن يطلق يدي ففعلت في رواية أبي الزناد المذكورة قال أبو سلمة قال أبو هريرة قالت اللهم أن يمت يقولوا هي التي قتلته قال فأرسل قوله ثم تناولها الثانية في رواية الأعرج ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلي قوله فأخذ مثلها أو أشد في رواية مسلم فقبضت أشد من القبضة الأولى قوله فدعا بعض حجبته بفتح المهملة والجيم والموحدة جمع حاجب في رواية مسلم ودعا الذي جاء بها ولم أقف على اسمه قوله انك لم تأتني بإنسان إنما أتيتني بشيطان في رواية الأعرج ما أرسلتم إلي الا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم وهذا يناسب ما وقع له من الصرع والمراد بالشيطان المتمرد من الجن وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جدا ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم قوله فأخدمها هاجر أي وهبها لها لتخدمها لأنه أعظمها أن تخدم نفسها وفي رواية مسلم فأخرجها من أرضي وأعطها آجر ذكرها بهمزة بدل الهاء وهي كذلك في رواية الأعرج والجيم مفتوحة على كل حال وهي اسم سرياني ويقال أن أباها كان من ملوك القبط وإنها من حفن بفتح المهملة وسكون الفاء قرية بمصر قال اليعقوبي كانت مدينة انتهى وهي الآن كفر من عمل أنصنا بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الاشمونين وفيها آثار عظيمة باقية قوله فأتته في رواية الأعرج فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم قوله مهيم في رواية المستملي مهيا وفي رواية بن السكن مهين بنون وهي بدل الميم وكأن المستملي لما سمعها بنون ظنها نون تنوين ويقال أن الخليل أول من قال هذه الكلمة ومعناها ما الخبر قوله رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره هذا مثل تقوله العرب لمن أراد أمرا باطلا فلم يصل إليه ووقع في رواية الأعرج أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة أي جارية للخدمة وكبت بفتح الكاف والموحدة ثم مثناة أي رده خاسئا ويقال أصله كبد أي بلغ الهم كبده ثم أبدلت الدال مثناة ويحتمل أن يكون وأخدم معطوفا على كبت ويحتمل أن يكون فاعل أخدم هو الكافر فيكون استئنافا قوله قال أبو هريرة تلك أمكم يا بني ماء السماء كأنه خاطب بذلك العرب لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر لأجل رعى دوابهم ففيه تمسك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل وقيل أراد بماء السماء زمزم لأن الله أنبعها لهاجر فعاش ولدها بها فصاروا كأنهم أولادها قال بن حبان في صحيحه كل من كان من ولد إسماعيل يقال له ماء السماء لأن إسماعيل ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم وهي من ماء السماء وقيل سموا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه فأشبه ماء السماء وعلى هذا فلا متمسك فيه وقيل المراد بماء السماء عامر ولد عمرو بن عامر بن بقيا بن حارثة بن الغطريف وهو جد الأوس والخزرج قالوا إنما سمي بذلك لأنه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقام المطر وهذا أيضا على القول بأن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي زيادة في هذه المسألة في أوائل المناقب إن شاء الله تعالى وفي الحديث مشروعية أخوة الإسلام وإباحة المعاريض والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب وقبول صلة الملك الظالم وقبول هدية المشرك وإجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح وسيأتي نظيره في قصة أصحاب الغار وفيه ابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم ويقال إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة وأنه لم يصل منها إلى شيء ذكر ذلك في التيجان ولفظه فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر وقام إلى سارة فجعل الله القصر لإبراهيم كالقارورة الصافية فصار يراهما ويسمع كلامهما وفيه أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة وفيه أن الوضوء كان مشروعا للأمم قبلنا وليس مختصا بهذه الأمة ولا بالأنبياء لثبوت ذلك عن سارة والجمهور على أنها ليست بنبية الحديث التاسع
3180 قوله حدثنا عبيد الله بن موسى أو بن سلام عنه كأن البخاري شك في سماعه له من عبيد الله بن موسى وهو من أكبر مشايخه وتحقق أنه سمعه من محمد بن سلام عنه فأورده هكذا وقد وقع له نظير هذا في أماكن عديدة قوله عن عبد الحميد بن جبير هو بن شيبة بن عثمان الحجبي والإسناد كله حجازيون من بن جريج فصاعدا وفي رواية الإسماعيلي من طريق يحيى القطان وأبي عاصم عن بن جريج أخبرني عبد الحميد قوله أم شريك في رواية أبي عاصم إحدى نساء بني عامر بن لؤي ولفظ المتن أنها استأمرت النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الوزغات فأمر بقتلهن ولم يذكر الزيادة والوزغات بالفتح جمع وزغة وهي بالفتح أيضا وذكر بعض الحكماء أن الوزغ أصم وأنه لا يدخل في مكان فيه زعفران وأنه يلقح بفيه وأنه يبيض ويقال لكبارها سام أبرص وهو بتشديد الميم الحديث العاشر حديث بن مسعود لما نزل الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم الحديث مضى شرحه في كتاب الإيمان قال الإسماعيلي كذا أورد هذا الحديث في ترجمة إبراهيم ولا أعلم فيه شيئا من قصة إبراهيم كذا قال وخفي عليه أنه حكاية عن قول إبراهيم عليه السلام لأنه سبحانه لما فرغ من حكاية قول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس ذكر محاجة قومه له ثم حكى أنه قال لهم وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن فهذا كله عن إبراهيم وقوله ان كنتم تعلمون خطاب لقومه ثم قال 3181 الذين آمنوا الخ يعني أن الذين هم أحق بالأمن هم الذين آمنوا وقال بعد ذلك وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فظهر تعلق ذلك بترجمة إبراهيم وروى الحاكم في المستدرك من حديث علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه واقتصر الكرماني على قوله مناسبة هذا الحديث لقصة إبراهيم اتصال هذه الآية بقوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه الحديث الحادي عشر حديث أبي هريرة في الشفاعة ذكر طرفا منه والغرض منه قول أهل الموقف لإبراهيم أنت نبي الله وخليله من الأرض ووقع عند إسحاق بن راهويه ومن طريقه الحاكم في المستدرك من وجه آخر عن أبي زرعة عن أبي هريرة في هذا الحديث فيقولون يا إبراهيم أنت خليل الرحمن قد سمع بخلتك أهل السماوات والأرض وقد تقدم القول في معنى الخلة ويأتي شرح حديث الشفاعة في الرقاق قوله أمر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام ووقع في حديث عائشة عند بن ماجة وأحمد أن إبراهيم لما ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة الا أطفأت عنه الا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها
3182 قوله تابع أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وصله المؤلف في التوحيد وفي غيره وسيأتي تنبيه وقع في رواية الحموي والكشميهني قبل حديث أبي هريرة هذا ما صورته يزفون النسلان في المشي وفي رواية المستملي والباقين باب بغير ترجمة وسقط ذلك من رواية النسفي ووهم من وقع عنده باب يزفون النسلان فإنه كلام لا معنى له والذي يظهر ترجيح ما وقع عند المستملي وقوله باب بغير ترجمة يقع عندهم كالفصل من الباب وتعلقه بما قبله واضح فإن الكل من ترجمة إبراهيم وأما تفسير هذه الكلمة من القرآن فإنها من جملة قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه حين كسر أصنامهم قال الله تعالى فأقبلوا إليه يزفون قال مجاهد الوزيف النسلان أخرجه الطبري وبن أبي حاتم من طريق السدي قال رجع إبراهيم عليه السلام إلى آلهتهم فإذا هي في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض فإذا هم قد جعلوا طعاما بين يدي الأصنام وقالوا إذا رجعنا وجدنا الآلهة بركت في طعامنا فأكلنا فلما نظر إليهم إبراهيم قال ألا تأكلون مالكم لا تنطقون فأخذ حديدة فبقر كل صنم في حافتيه ثم علق الفأس في الصنم الأكبر ثم خرج فلما رجعوا جمعوا لإبراهيم الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطبا فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب وأرادوا احراقه قالت السماء والأرض والجبال والملائكة ربنا خليلك إبراهيم يحرق قال أنا أعلم به وإن دعاكم فأغيثوه فقال إبراهيم اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس أحد في الأرض يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل انتهى وأظن البخاري إن كانت الترجمة محفوظة أشار إلى هذا القدر فإنه يناسب قولهم في حديث الشفاعة أنت خليل الله من الأرض الحديث الثاني عشر حديث بن عباس في قصة إسماعيل وزمزم ساقه من ثلاثة طرق الأولى
3183 قوله عن عبد الله بن سعيد بن جبير وقع في رواية بن السكن والإسماعيلي من طريق حجاج بن الشاعر عن وهب بن جرير زيادة أبي بن كعب ورواه النسائي عن أحمد بن سعيد شيخ البخاري بإسقاط عبد الله بن سعيد بن جبير وزيادة أبي بن كعب قال النسائي قال أحمد بن سعيد قال وهب وحدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه ولم يذكر أبي بن كعب فوضح أن وهب بن جرير كان إذا رواه عن أبيه لم يذكر عبد الله بن سعيد وذكر أبي بن كعب وإذا رواه عن حماد بن زيد ذكر عبد الله بن سعيد ولم يذكر أبي بن كعب وفي رواية النسائي أيضا قال وهب بن جرير أتيت سلام بن أبي مطيع فحدثته بهذا عن حماد بن زيد فأنكره إنكارا شديدا ثم قال لي فأبوك ما يقول قلت يقول عن أيوب عن سعيد بن جبير فقال قد غلط إنما هو أيوب عن عكرمة بن خالد انتهى وليس ببعيد أن يكون لأيوب فيه عدة طرق فإن إسماعيل بن علية من كبار الحفاظ وقد قال فيه عن أيوب نبئت عن سعيد بن جبير عن بن عباس ولم يذكر أبيا وهو مما يؤيد رواية البخاري أخرجه الإسماعيلي من وجهين عن إسماعيل أحدهما هكذا والآخر قال فيه عن أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير وقد رواه معمر عن أيوب عن سعيد بن جبير بلا واسطة كما أخرجه البخاري كما ترى وقد عاب الإسماعيلي على البخاري إخراجه رواية أيوب لاضطرابها والذي يظهر أن اعتماد البخاري في سياق الحديث إنما هو على رواية معمر عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير وإن كان أخرجه مقرونا بأيوب فرواية أيوب إما عن سعيد بن جبير بلا واسطة أو بواسطة ولده عبد الله ولا يستلزم ذلك قدحا لثقة الجميع فظهر أنه اختلاف لا يضر لأنه يدور على ثقات حفاظ إن كان بإثبات عبد الله بن سعيد بن جبير وأبي بن كعب فلا كلام وإن كان بإسقا طهما فأيوب قد سمع من سعيد بن جبير وأما بن عباس فإن كان لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فهو من مرسل الصحابة ولم يعتمد البخاري على هذا الإسناد الخالص كما ترى وقد سبق إلى الاعتذار عن البخاري ورد كلام الإسماعيلي بنحو هذا الحافظ أبو علي الجياني في تقييد المهمل الطريق الثانية قوله وقال الأنصاري حدثنا بن جريج قال أما كثير بن كثير فحدثني قال إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير فقال ما هكذا حدثني بن عباس ولكنه قال أقبل إبراهيم بإسماعيل وأمه عليهم السلام وهي ترضعه معها شنة لم يرفعه انتهى هكذا ساقه مختصرا معلقا وقد وصله أبو نعيم في المستخرج عن فاروق الخطابي عن عبد العزيز بن معاوية عن الأنصاري وهو محمد بن عبد الله لكنه أورده مختصرا أيضا وكذلك أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن محمد بن عبد الله الأنصاري وزاد في روايته أبي وعثمان وعمر بن أبي سليمان وعثمان بن حبشي جلوس مع سعيد بن جبير فكأنه كان عند الأنصاري كذلك وقد رواه الأزرقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي والفاكهي من طريق محمد بن جعشم كلاهما عن بن جريج فبين فيه سبب قول سعيد بن جبير ما هكذا حدثني بن عباس ولفظه عن بن جريج عن كثير بن كثير قال كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في أناس مع سعيد بن جبير بأعلى المسجد ليلا فقال سعيد بن جبير سلوني قبل أن لا تروني فسأله القوم فأكثروا فكان مما سئل عنه أن قال رجل أحق ما سمعنا في المقام مقام إبراهيم أن إبراهيم حين جاء من الشام حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع فقربت إليه امرأة إسماعيل المقام فوضع رجله عليه لا ينزل فقال سعيد بن جبير ليس هكذا حدثنا بن عباس ولكن فساق الحديث بطوله وأخرجه الفاكهي عن بن أبي عمر عن عبد الرزاق بلفظ فقال يا معشر الشباب سلوني فإني قد أوشكت أن أذهب من بين أظهركم فأكثر الناس مسألته فقال له رجل أصلحك الله أرأيت هذا المقام هو كما كنا نتحدث قال وما كنت تتحدث قال كنا نقول إن إبراهيم حين جاء عرضت عليه امرأة إسماعيل النزول فأبى أن ينزل فجاءته بذا الحجر فوضعته له فقال ليس كذلك وهكذا أخرجه الإسماعيلي من طرق عن معمر
3184 قوله أول ما اتخذ النساء المنطق بكسر الميم وسكون النون وفتح الطاء هو ما يشد به الوسط ووقع في رواية بن جريج النطق بضم النون والطاء وهو جمع منطق وكان السبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعن منها ثلاثة أعضاء فاتخذت هاجر منطقا فشدت به وسطها وهربت وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة ويقال إن إبراهيم شفع فيها وقال لسارة حللي يمينك بأن تثقبي أذنيها وتخفضيها وكانت أول من فعل ذلك ووقع في رواية بن علية عند الإسماعيلي أول ما أحدث العرب جر الذيول عن أم إسماعيل وذكر الحديث ويقال إن سارة اشتدت بها الغيرة فخرج إبراهيم بإسماعيل وأمه إلى مكة لذلك وروى بن إسحاق عن بن أبي نجيح عن مجاهد وغيره أن الله لما بوأ لإبراهيم مكان البيت خرج بإسماعيل وهو طفل صغير وأمه قال وحملوا فيما حدثت على البراق قوله حتى وضعهما في رواية الكشميهني فوضعهما قوله عند دوحة بفتح المهملة وسكون الواو ثم مهملة الشجرة الكبيرة قوله فوق الزمزم في رواية الكشميهني فوق زمزم وهو المعروف وسيأتي شرح أمرها في أوائل السيرة النبوية قوله في أعلى المسجد أي مكان المسجد لأنه لم يكن حينئذ بني قوله وسقاء فيه ماء السقاء بكسر أوله قربة صغيرة وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير التي بعد هذه الرواية ومعها شنة بفتح المعجمة وتشديد النون وهي القربة العتيقة قوله ثم قفي إبراهيم أي ولي راجعا إلى الشام وفي رواية بن إسحاق فانصرف إبراهيم إلى أهله بالشام وترك إسماعيل وأمه عند البيت قوله فتبعته أم إسماعيل في رواية بن جريج فأدركته بكداء وفي رواية عمر بن شبة من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير أنها نادته ثلاثا فأجابها في الثالثة فقالت له من أمرك بهذا قال الله قوله إذن لا يضيعنا في رواية عطاء بن السائب فقالت لن يضيعنا وفي رواية بن جريج فقالت حسبي وفي رواية إبراهيم بن نافع عن كثير المذكورة بعد هذا الحديث في الباب فقالت رضيت بالله قوله حتى إذا كان عند الثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتانية وقوله من طريق كداء بفتح الكاف ممدود هو الموضع الذي دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منه وهو معروف وقد مضى الكلام عليه في الحج ووقع في رواية الأصيلي البنية بالموحدة بدل المثلثة وهو تصحيف وضبط بن الجوزي كدي بالضم والقصر وقال هي التي بأسفل مكة عند قعيقعان قال لأنه وقع في الحديث أنهم نزلوا بأسفل مكة قلت وذلك ليس بمانع أن يرجع من أعلى مكة فالصواب ما وقع في الأصول بفتح الكاف والمد قوله ربنا إني أسكنت من ذريتي في رواية الكشميهني رب أني أسكنت والأول هو الموافق للتلاوة قوله حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت زاد الفاكهي من حديث أبي جهم فانقطع لبنها وفي رواية وكان إسماعيل حينئذ بن سنتين قوله فجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط في رواية الكشميهني يتلمظ وهي رواية معمر أيضا ومعنى يتلبط وهو بموحدة ومهملة يتمرغ ويضرب بنفسه الأرض ويقرب منها رواية عطاء بن السائب فلما ظمئ إسماعيل جعل يضرب الأرض بعقبيه وفي رواية إبراهيم بن نافع كأنه ينشغ للموت وهو بفتح الياء وسكون النون وفتح المعجمة بعدها غين معجمة أي يشهق ويعلو صوته وينخفض كالذي ينازع قوله ثم استقبلت الوادي في رواية عطاء بن السائب والوادي يومئذ عميق وفي حديث أبي جهم تستغيث ربها وتدعوه قوله ثم سعت سعي الإنسان المجهود أي الذي أصابه الجهد وهو الأمر المشق قوله سبع مرات في حديث أبي جهم وكان ذلك أول ما سعى بين الصفا والمروة وفي رواية إبراهيم بن نافع أنها كانت في كل مرة تتفقد إسماعيل وتنظر ما حدث له بعدها وقال في روايته فلم تقرها نفسها وهو بضم أوله وكسر القاف ونفسها بالرفع الفاعل أي لم تتركها نفسها مستقرة فتشاهده في حال الموت فرجعت وهذا في المرة الأخيرة قوله فقالت صه بفتح المهملة وسكون الهاء وبكسرها منونة كأنها خاطبت نفسها فقالت لها اسكتي وفي رواية إبراهيم بن نافع وبن جريج فقالت أغثني إن كان عندك خير قوله إن كان عندك غواث بفتح أوله للأكثر وتخفيف الواو وآخره مثلثة قيل وليس في الأصوات فعال بفتح أوله غيره وحكى بن الأثير ضم أوله والمراد به على هذا المستغيث وحكى بن قر قول كسره أيضا والضم رواية أبي ذر وجزاء الشرط محذوف تقديره فأغثني قوله فإذا هي بالملك في رواية إبراهيم بن نافع وبن جريج فإذا جبريل وفي حديث علي عند الطبري بإسناد حسن فناداها جبريل فقال من أنت قالت أنا هاجر أم ولد إبراهيم قال فإلى من وكلكما قالت إلى الله قال وكلكما إلى كاف قوله فبحث بعقبه أو قال بجناحه شك من الراوي وفي رواية إبراهيم بن نافع فقال بعقبه هكذا وغمز عقبة على الأرض وهي تعين أن ذلك كان بعقبه وفي رواية بن جريج فركض جبريل برجله وفي حديث علي ففحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وقال بن إسحاق في روايته فزعم العلماء أنهم لم يزالوا يسمعون أنها همزة جبريل قوله حتى ظهر الماء في رواية بن جريج ففاض الماء وفي رواية بن نافع فانبثق الماء وهي بنون وموحدة ومثلثة وقاف أي تفجر قوله فجعلت تحوضه بحاء مهملة وضاد معجمة وتشديد أي تجعله مثل الحوض وفي رواية بن نافع فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر وفي رواية الكشميهني من رواية بن نافع تحفن بنون بدل الراء والأول أصوب ففي رواية عطاء بن السائب فجعلت تفحص الأرض بيديها قوله وتقول بيدها هكذا هو حكاية فعلها وهذا من إطلاق القول على الفعل وفي حديث علي فجعلت تحبس الماء فقال دعيه فإنها رواء قوله لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من زمزم شك من الراوي وفي رواية بن نافع لو تركته وهذا القدر صرح بن عباس برفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه اشعار بأن جميع الحديث مرفوع قوله عينا معينا أي ظاهرا جاريا على وجه الأرض وفي رواية بن نافع كان الماء ظاهرا فعلى هذا فقوله معينا صفة الماء فلذلك ذكره ومعين بفتح أوله أن كان من عانه فهو بوزن مفعل وأصله معيون فحذفت الواو وأن كان من المعن وهو المبالغة في الطلب فهو بوزن فعيل قال بن الجوزي كان ظهور زمزم نعمة من الله محضة بغير عمل عامل فلما خالطها تحويط هاجر داخلها كسب البشر فقصرت على ذلك فأغنى ذلك عن توجيه تذكير معين مع أن الموصوف وهو المعين مؤنث قوله لاتخافوا الضيعة بفتح المعجمة وسكون التحتانية أي الهلاك وفي حديث أبي جهم لا تخافي أن ينفد الماء وفي رواية علي بن الوازع عن أيوب عند الفاكهي لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله زاد في حديث أبي جهم فقالت بشرك الله بخير قوله فإن هذا بيت الله في رواية الكشميهني فإن ها هنا بيت الله قوله يبني هذا الغلام كذا فيه بحذف المفعول وفي رواية الإسماعيلي يبنيه زاد بن إسحاق في روايته وأشار لها إلى البيت وهو يومئذ مدرة حمراء فقال هذا بيت الله العتيق واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل يرفعانه قوله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية بالموحدة ثم المثناة وروى بن أبي حاتم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال لما كان زمن الطوفان رفع البيت وكان الأنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم وأعلمه مكانه وروى البيهقي في الدلائل من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو مرفوعا بعث الله جبريل إلى آدم فأمره ببناء البيت فبناه آدم ثم أمره بالطواف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت وضع للناس وروى عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء أن آدم أول من بني البيت وقيل بنته الملائكة قبله وعن وهب بن منبه أول من بناه شيث بن آدم والأول أثبت وسيأتي مزيد لذلك آخر شرح هذا الحديث قوله فكانت أي هاجر كذلك أي على الحال الموصوفة وفيه اشعار بأنها كانت تغتذي بماء زمزم فيكفيها عن الطعام والشراب قوله حتى مرت بهم رفقة بضم الراء وسكون الفاء ثم قاف وهم الجماعة المختلطون سواء كانوا في سفر أم لا قوله من جرهم هو بن قحطان بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وقيل بن يقطن قال بن إسحاق وكان جرهم وأخوه قطورا أول من تكلم بالعربية عند تبلبل الألسن وكان رئيس جرهم مضاض بن عمرو ورئيس قطورا السميدع ويطلق على الجميع جرهم وفي رواية عطاء بن السائب وكانت جرهم يومئذ بواد قريب من مكة وقيل أن أصلهم من العمالقة قوله مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة وقع في جميع الروايات بفتح الكاف والمد واستشكله بعضهم بأن كداء بالفتح والمد في أعلى مكة وأما الذي في أسفل مكة فبالضم والقصر يعني فيكون الصواب هنا بالضم والقصر وفيه نظر لأنه لا مانع أن يدخلوها من الجهة العلياء وينزلوا من الجهة السفلى قوله فرأوا طائرا عائفا بالمهملة والفاء هو الذي يحوم على الماء ويتردد ولا يمضي عنه قوله فأرسلوا جريا بفتح الجيم وكسر الراء وتشديد التحتانية أي رسولا وقد يطلق على الوكيل وعلى الأجير قيل سمي بذلك لأنه يجري مجرى مرسله أو موكله أو لأنه يجري مسرعا في حوائجه وقوله جريا أو جريين شك من الراوي هل أرسلوا واحدا أو اثنين وفي رواية إبراهيم بن نافع فأرسلوا رسولا ويحتمل الزيادة على الواحد ويكون الأفراد باعتبار الجنس لقوله فإذا هم بالماء بصيغة الجمع ويحتمل أن يكون الإفراد باعتبار المقصود بالإرسال والجمع باعتبار من يتبعه من خادم ونحوه قوله فألفى ذلك بالفاء أي وجد أم إسماعيل بالنصب على المفعولية وهي تحب الأنس بضم الهمزة ضد الوحشة ويجوز الكسر أي تحب جنسها قوله وشب الغلام أي إسماعيل وفي حديث أبي جهم ونشأ إسماعيل بين ولدانهم قوله وتعلم العربية منهم فيه اشعار بأن لسان أمه وأبيه لم يكن عربيا وفيه تضعيف لقول من روى أنه أول من تكلم بالعربية وقد وقع ذلك من حديث بن عباس عند الحاكم في المستدرك بلفظ أول من نطق بالعربية إسماعيل وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن قال أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وبهذا القيد يجمع بين الخبرين فتكون أوليته في ذلك بحسب الزيادة في البيان لا الأولية المطلقة فيكون بعد تعلمه أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها ويشهد لهذا ما حكاه بن هشام عن الشرقي بن قطامي أن عربية إسماعيل كانت أفصح من عربية يعرب بن قحطان وبقايا حمير وجرهم ويحتمل أن تكون الأولية في الحديث مقيدة بإسماعيل بالنسبة إلى بقية إخوته من ولد إبراهيم فاسماعيل أول من نطق بالعربية من ولد إبراهيم وقال بن دريد في كتاب الوشاح أول من نطق بالعربية يعرب بن قحطان ثم إسماعيل قلت وهذا لا يوافق من قال إن العرب كلها من ولد إسماعيل وسيأتي الكلام فيه في أوائل السيرة النبوية قوله وأنفسهم بفتح الفاء بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة أي كثرت رغبتهم فيه ووقع عند الإسماعيلي وأنسهم بغير فاء من الأنس وقال الكرماني أنفسهم أي رغبتهم في مصاهرته لنفاسته عندهم وقال بن الأثير أنفسهم عطفا على قوله تعلم العربية أي رغبهم فيه إذ صار نفيسا عندهم قوله زوجوه امرأة منهم حكى الأزرقي عن بن إسحاق أن اسمها عمارة بنت سعد بن أسامة وفي حديث أبي جهم أنها بنت صدى ولم يسمها وحكى السهيلي أن اسمها جدي بنت سعد وعند عمر بن شبة أن اسمها حبى بنت أسعد بن عملق وعند الفاكهي عن بن إسحاق أنه خطبها إلى أبيها فزوجها منه قوله وماتت هاجر أي في خلال ذلك قوله فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل في رواية عطاء بن السائب فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر قوله يطالع تركته بكسر الراء أي يتفقد حال ما تركه هناك وضبطها بعضهم بالسكون وقال التركة بالكسر بيض النعام ويقال لها التريكة قيل لها ذلك لأنها حين تبيض تترك بيضها وتذهب ثم تعود تطلبه فتحضن ما وجدت سواء كان هو أم غيره وفيها ضرب الشاعر المثل بقوله كتاركة بيضها بالعراء وحاضنة بيض أخرى صباحا قال بن التين هذا يشعر بأن الذبيح إسحاق لأن المأمور بذبحه كان عندما بلغ السعي وقد قال في هذا الحديث إن إبراهيم ترك إسماعيل رضيعا وعاد إليه وهو متزوج فلو كان هو المأمور بذبحه لذكر في الحديث أنه عاد إليه في خلال ذلك بين زمان الرضاع والتزويج وتعقب بأنه ليس في الحديث نفي هذا المجيء فيحتمل أن يكون جاء وأمر بالذبح ولم يذكر في الحديث قلت وقد جاء ذكر مجيئه بين الزمانين في خبر آخر ففي حديث أبي جهم كان إبراهيم يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق فعلى هذا فقوله فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل أي بعد مجيئه قبل ذلك مرارا والله أعلم قوله فقالت خرج يبتغي لنا أي يطلب لنا الرزق وفي رواية بن جريج وكان عيش إسماعيل الصيد يخرج فيتصيد وفي حديث أبي جهم وكان إسماعيل يرعى ماشيته ويخرج متنكبا قوسه فيرمى الصيد وفي حديث بن إسحاق وكانت مسارحه التي يرعى فيها السدرة إلى السر من نواحي مكة قوله ثم سألها عن عيشهم زاد في رواية عطاء بن السائب وقال هل عندك ضيافة قوله فقالت نحن بشر نحن في ضيق وشدة فشكت إليه في حديث أبي جهم فقال لها هل من منزل قالت لا ها الله إذن قال فكيف عيشكم قال فذكرت جهدا فقالت أما الطعام فلا طعام وأما الشاء فلا تحلب الا المصر أي الشخب وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ انتهى والشخب بفتح المعجمة وسكون الخاء المعجمة ثم موحدة السيلان قوله جاءنا شيخ كذا وكذا في رواية عطاء بن السائب كالمستخفة بشأنه قوله عتبة بابك بفتح المهملة والمثناة والموحدة كناية عن المرأة وسماها بذلك لما فيها من الصفات الموافقة لها وهو حفظ الباب وصون ما هو داخله وكونها محل الوطء ويستفاد منه أن تغيير عتبة الباب يصح أن يكون من كنايات الطلاق كأن يقول مثلا غيرت عتبة بأبي أو عتبة بابي مغيرة وينوي بذلك الطلاق فيقع أخبرت بذلك عن شيخنا الإمام البلقيني وتمامه التفريع على شرع من قبلنا إذا حكاه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره قوله وتزوج منهم امرأة أخرى ذكر الواقدي وتبعه المسعودي ثم السهيلي أن اسمها سامة بنت مهلهل بن سعد وقيل اسمها عاتكة ورأيت في نسخة قديمة من كتاب مكة لعمر بن شبة أنها بشامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف وهي مضبوطة بشامة بموحدة ثم معجمة خفيفة قال وقيل اسمها جدة بنت الحارث بن مضاض وحكى بن سعد عن بن إسحاق أن اسمها رعلة بنت مضاض بن عمرو الجرهمية وعن بن الكلبي أنها رعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوذان بن جرهم وذكر الدارقطني في المختلف أن اسمها السيدة بنت مضاض وحكاه السهيلي أيضا وفي حديث أبي جهم ونظر إسماعيل إلى بنت مضاض بن عمرو فأعجبته فخطبها إلى أبيها فتزوجها وحكى محمد بن سعد الجواني أن اسمها هالة بنت الحارث وقيل الحنفاء وقيل سلمى فحصلنا من اسمها على ثمانية أقوال ومن اسم أبيها على أربعة قوله نحن بخير وسعة في حديث أبي جهم نحن في خير عيش بحمد الله ونحن في لبن كثير ولحم كثير وماء طيب قوله ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء في حديث أبي جهم ذكر اللبن مع اللحم والماء قوله اللهم بارك لهم في اللحم والماء في رواية إبراهيم بن نافع اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم قال قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم بركة بدعوة إبراهيم وفيه حذف تقديره في طعام أهل مكة وشرابهم بركة قوله فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة الا لم يوافقاه في رواية الكشميهني لا يخلوان بالتثنية قال بن القوطية خلوت بالشيء واختليت إذا لم أخلط به غيره ويقال أخلى الرجل اللبن إذا لم يشرب غيره وفي حديث أبي جهم ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة الا اشتكى بطنه وزاد في حديثه وكذا في حديث عطاء بن السائب نحوه فقالت انزل رحمك الله فاطعم واشرب قال إني لا أستطيع النزول قالت فإني أراك أشعث أفلا أغسل رأسك وأدهنه قال بلى أن شئت فجاءته بالمقام وهو يومئذ أبيض مثل المهاة وكان في بيت إسماعيل ملقى فوضع قدمه اليمني وقدم إليها شق رأسه وهو على دابته فغسلت شق رأسه الأيمن فلما فرغ حولت له المقام حتى وضع قدمه اليسرى وقدم إليها برأسه فغسلت شق رأسه الأيسر فالاثر الذي في المقام من ذلك ظاهر فيه موضع العقب والاصبع وعند الفاكهي من وجه آخر عن بن جريج عن رجل عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن سارة داخلتها غيرة فقال لها إبراهيم لا أنزل حتى أرجع إليك ونحوه في رواية عطاء بن السائب عند عمر بن شبة قوله هل أتاكم من أحد في رواية عطاء بن السائب فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا قوله يثبت عتبة بابه زاد في حديث أبي جهم فإنها صلاح المنزل قوله أن أمسكك زاد في حديث أبي جهم ولقد كنت على كريمة وقد ازددت على كرامة فولدت لإسماعيل عشرة ذكور زاد معمر في روايته فسمعت رجلا يقول كان إبراهيم يأتي على البراق يعني في كل مرة وفي رواية عمر بن شبة وأعجب إبراهيم بجدة بنت الحارث فدعا لها بالبركة قوله يبري بفتح أوله وسكون الموحدة والنبل بفتح النون وسكون الموحدة السهم قبل أن يركب فيه نصله وريشه وهو السهم العربي ووقع عند الحاكم من رواية إبراهيم بن نافع في هذا الحديث يصلح بيتا له وكأنه تصحيف والذي في البخاري هو الموافق لغيرها من الروايات قوله دوحة هي التي نزل إسماعيل وأمه تحتها أول قدومهما كما تقدم ووقع في رواية إبراهيم بن نافع من وراء زمزم قوله فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد يعني من الاعتناق والمصافحة وتقبيل اليد ونحو ذلك وفي رواية معمر قال سمعت رجلا يقول بكيا حتى أجابهما الطير وهذا إن ثبت يدل على أنه تباعد لقاؤهما قوله أن الله أمرني بأمر في رواية إبراهيم بن نافع أن ربك أمرني أن أبني له بيتا ووقع في حديث أبي جهم عند الفاكهي أن عمر إبراهيم كان يومئذ مائة سنة وعمر إسماعيل ثلاثين سنة قوله وتعينني قال وأعينك في رواية الكشميهني فاعينك بالفاء وفي رواية إبراهيم بن نافع أن الله قد أمرني أن تعينني عليه قال أن أفعل بنصب اللام قال بن التين يحتمل أن يقال أمره الله أن يبني أو لا وحده ثم أمره أن يعينه إسماعيل قال فيكون الحديث الثاني متأخرا بعد الأول قلت ولا يخفى تكلفه بل الجمع بينهما ممكن بأن يكون أمره أن يبني وأن إسماعيل يعينه فقال إبراهيم لإسماعيل أن الله أمرني أن أبني البيت وتعينني وتخلل بين قوله ابني البيت وبين قوله وتعينني قول إسماعيل فاصنع ما أمرك ربك قوله وأشار إلى أكمة بفتح الهمزة والكاف وقد تقدم بيان ذلك في أوائل الكلام على هذا الحديث وللفاكهي من حديث عثمان فبناه إبراهيم وإسماعيل وليس معهما يومئذ غيرهما يعني في مشاركتهما في البناء وإلا فقد تقدم أنه كان قد نزل الجرهميون مع إسماعيل قوله رفعا القواعد من البيت في رواية أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن سعيد عن بن عباس القواعد التي رفعها إبراهيم كانت قواعد البيت قبل ذلك وفي رواية مجاهد عند بن أبي حاتم أن القواعد كانت في الأرض السابعة ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس رفع القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك ومن طريق عطاء قال قال آدم يا رب إني لا أسمع أصوات الملائكة قال بن لي بيتا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء وفي حديث عثمان وأبي جهم فبلغ إبراهيم من الاساس أساس آدم وجعل طوله في السماء تسعة أذرع وعرضه في الأرض يعني دوره ثلاثين ذراعا وكان ذلك بذراعهم زاد أبو جهم وأدخل الحجر في البيت وكان قبل ذلك زربا لغنم إسماعيل وإنما بناه بحجارة بعضها على بعض ولم يجعل له سقفا وجعل له بابا وحفر له بئرا عند بابه خزانة للبيت يلقى فيها ما يهدى للبيت وفي حديثه أيضا أن الله أوحى إلى إبراهيم أن أتبع السكينة فحلقت على موضع البيت كأنها سحابة فحفرا يريدان أساس آدم الأول وفي حديث علي عند الطبري والحاكم رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس فكلمه فقال يا إبراهيم بن علي ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص وذلك حين يقول الله وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت الآية قوله جاء بهذا الحجر يعني المقام وفي رواية إبراهيم بن نافع حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام زاد في حديث عثمان ونزل عليه الركن والمقام فكان إبراهيم يقوم على المقام يبني عليه ويرفعه له إسماعيل فلما بلغ الموضع الذي فيه الركن وضعه يومئذ موضعه وأخذ المقام فجعله لاصقا بالبيت فلما فرغ إبراهيم من بناء الكعبة جاء جبريل فأراه المناسك كلها ثم قام إبراهيم على المقام فقال يا أيها الناس أجيبوا ربكم فوقف إبراهيم وإسماعيل تلك المواقف وحجه إسحاق وسارة من بيت المقدس ثم رجع إبراهيم إلى الشام فمات بالشام وروى الفاكهي بإسناد صحيح من طريق مجاهد عن بن عباس قال قام إبراهيم على الحجر فقال يا أيها الناس كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من آمن ومن كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك وفي حديث أبي جهم ذهب إسماعيل إلى الوادي يطلب حجرا فنزل جبريل بالحجر الأسود وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض فلما جاء إسماعيل فرأى الحجر الأسود قال من أين هذا من جاءك به قال إبراهيم من لم يكلني إليك ولا إلى حجرك ورواه بن أبي حاتم من طريق السدي نحوه وأنه كان بالهند وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة وهي بالمثلثة والمعجمة طير أبيض كبير وروى الفاكهي من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال والله ما بنياه بقصة ولا مدر ولا كان لهما من السعة والأعوان ما يسقفانه ومن حديث علي كان إبراهيم يبني كل يوم سافا ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده وعند بن أبي حاتم أنه كان بناه من خمسة أجبل من حراء وثبير ولبنان وجبل الطور وجبل الخمر قال بن أبي حاتم جبل الخمر يعني بفتح الخاء المعجمة هو جبل بيت المقدس وقال عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء أن آدم بناه من خمسة أجبل حراء وطور زيتا وطور سيناء والجودى ولبنان وكان ربضه من حراء ومن طريق محمد بن طلحة التيمي قال سمعت أنه أسس البيت من ستة أجبل من أبي قبيس ومن الطور ومن قدس ومن ورقان ومن رضوى ومن أحد الطريق الثالثة
3185 قوله حدثنا أبو عامر هو العقدي وإبراهيم بن نافع هو المخزومي المكي قوله لما كان بين إبراهيم وبين أهله يعني سارة ما كان يعني من غيرة سارة لما ولدت هاجر إسماعيل وقد مضت بقية شرح الحديث ضمن الذي قبله الحديث الثالث عشر قوله
3186 عبد الواحد هو بن زياد وإبراهيم التيمي هو بن يزيد بن شريك وفي رواية لمسلم وبن خزيمة من طريق أخرى عن الأعمش عن إبراهيم التيمي كنت أنا وأبي نجلس في الطريق فيعرض علي القرآن وأعرض عليه فقرأ القرآن فسجد فقلت تسجد في الطريق قال نعم سمعت أبا ذر فذكره قوله أي مسجد وضع في الأرض أول بضم اللام قال أبو البقاء وهي ضمة بناء لقطعه عن الإضافة مثل قبل وبعد والتقدير أول كل شيء ويجوز الفتح مصروفا وغير مصروف قوله ثم أي بالتنوين وتركه كما تقدم في حديث بن مسعود أي الأعمال أفضل وهذا الحديث يفسر المراد بقوله تعالى ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت وقد ورد ذلك صريحا عن علي أخرجه إسحاق بن راهويه وبن أبي حاتم وغيرهما بإسناد صحيح عنه قبله قال كانت البيوت قبله ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله قوله المسجد الأقصى يعني مسجد بيت المقدس قيل له الأقصى لبعد المسافة بينه وبين الكعبة وقيل لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة وقيل لبعده عن الاقذار والخبائث والمقدس المطهر عن ذلك قوله أربعون سنة قال بن الجوزي فيه اشكال لأن إبراهيم بني الكعبة وسليمان بنى بيت المقدس وبينهما أكثر من ألف سنة انتهى ومستنده في أن سليمان عليه السلام هو الذي بني المسجد الأقصى ما رواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالا ثلاثا الحديث وفي الطبراني من حديث رافع بن عميرة أن داود عليه السلام ابتدأ ببناء بيت المقدس ثم أوحى الله إليه إني لأقضي بناءه على يد سليمان وفي الحديث قصة قال وجوابه أن الإشارة إلى أول البناء ووضع أساس المسجد وليس إبراهيم أول من بني الكعبة ولا سليمان أول من بني بيت المقدس فقد روينا أن أول من بني الكعبة آدم ثم انتشر ولده في الأرض فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس ثم بني إبراهيم الكعبة بنص القرآن وكذا قال القرطبي أن الحديث لا يدل على أن إبراهيم وسليمان لما بنيا المسجدين ابتدا وضعهما لهما بل ذلك تجديد لما كان اسسه غيرهما قلت وقد مشى بن حبان في صحيحه على ظاهر هذا الحديث فقال في هذا الخبر رد على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة ولو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة وهذا عين المحال لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم عليه السلام البيت وبين موسى عليه السلام ثم إن في نص القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به بن الجوزي وقال الخطابي يشبه أن يكون المسجد الأقصى أول ما وضع بناءه بعض أولياء الله قبل داود وسليمان ثم داود وسليمان فزادا فيه ووسعاه فأضيف إليهما بناؤه قال وقد ينسب هذا المسجد إلى إيلياء فيحتمل أن يكون هو بانيه أو غيره ولست أحقق لم أضيف إليه قلت الاحتمال الذي ذكره أولا موجه وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم عليه السلام وقيل الملائكة وقيل سام بن نوح عليه السلام وقيل يعقوب عليه السلام فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدا كما وقع في الكعبة وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلا وتأسيسا ومن داود تجديدا لذلك وابتداء بناء فلم يكمل على يده حتى أكمله سليمان عليه السلام لكن الاحتمال الذي ذكره بن الجوزي أوجه وقد وجدت ما يشهد له ويؤيد قول من قال أن آدم هو الذي أسس كلا من المسجدين فذكر بن هشام في كتاب التيجان أن آدم لما بني الكعبة أمره الله بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه فبناه ونسك فيه وبناء آدم للبيت مشهور وقد تقدم قريبا حديث عبد الله بن عمرو أن البيت رفع زمن الطوفان حتى بوأه الله لإبراهيم وروى بن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة قال وضع الله البيت مع آدم لما هبط ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فقال الله له يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي فانطلق إليه فخرج آدم إلى مكة وكان قد هبط بالهند ومد له في خطوه فأتى البيت فطاف به وقيل إنه لما صلى إلى الكعبة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس فاتخذ فيه مسجدا وصلى فيه ليكون قبلة لبعض ذريته وأما ظن الخطابي أن إيليا اسم رجل ففيه نظر بل هو اسم البلد فأضيف إليه المسجد كما يقال مسجد المدينة ومسجد مكة وقال أبو عبيد البكري في معجم البلدان إيليا مدينة بيت المقدس فيه ثلاث لغات مد آخره وقصره وحذف الياء الأولى قال الفرزدق لوى بن أبي الرقراق عينيه بعد ما دنا من أعالي إيلياء وغورا وعلى ما قاله الخطابي يمكن الجمع بأن يقال إنها سميت باسم بانيها كغيرها والله أعلم قوله فصله بهاء ساكنة وهي هاء السكت وللكشميهني بحذفها قوله فإن الفضل فيه أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها زاد من وجه آخر عن الأعمش في آخره والأرض لك مسجد أي للصلاة فيه وفي جامع سفيان بن عيينة عن الأعمش فإن الأرض كلها مسجد أي صالحة للصلاة فيها ويخص هذا العموم بما ورد فيه النهي والله أعلم الحديث الرابع عشر والخامس عشر حديث أنس موصولا وعبد الله بن زيد معلقا في حرم المدينة وذكر أحد والغرض منهما ذكر إبراهيم وأنه حرم مكة وقد تقدم الكلام عليهما في أواخر الحج وتقدم حديث عبد الله بن زيد موصولا هناك الحديث السادس عشر حديث عائشة في قصة بناء الكعبة تقدم شرحه في أثناء الحج أيضا
3188 قوله وقال إسماعيل عبد الله بن أبي بكر يعني إن إسماعيل بن أبي أويس روى الحديث المذكور عن مالك كما رواه عبد الله بن يوسف فقال بدل قول عبد الله بن يوسف أن أبي بكر أخبر أن عبد الله بن أبي بكر أخبر وأبو بكر جد عبد الله المذكور هو الصديق وقد ساق المصنف حديث إسماعيل في التفسير ولفظه عبد الله بن محمد بن أبي بكر وهو الواقع وكأنه عند التعليق نسبه لجده وأغفل المزي ذكر هذا التعليق في أحاديث الأنبياء الحديث السابع عشر حديث أبي حميد الساعدي في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي شرحه في الدعوات والغرض منه 3189 قوله فيه كما صليت على إبراهيم الحديث الثامن عشر حديث كعب بن عجرة في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي شرحه في الدعوات أيضا وقد أورده في أواخر تفسير الأحزاب وتأتي الإشارة إليه هناك إن شاء الله تعالى ووهم المزي في الأطراف فعزا رواية كعب بن عجرة هذه إلى الصلاة فقال روى البخاري في الصلاة عن قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل كلاهما عن عبد الواحد بن زياد إلى آخر كلامه واغتر بذلك شيخنا بن الملقن فإنه لما وصل إلى شرح هذا الحديث هنا أحال بشرحه على الصلاة وقال تقدم في الصلاة وكأنه تبع شيخه مغلطاي في ذلك فإنه كذلك صنع ولم يتقدم هذا الحديث عند البخاري في كتاب الصلاة أصلا والله الهادي إلى الصواب الحديث التاسع عشر حديث بن عباس في التعويذ بكلمات الله التامة 3191 قوله حدثنا جرير لعثمان بن أبي شيبة فيه شيخ آخر أخرجه الإسماعيلي عن عمران بن موسى وإبراهيم بن موسى قالا حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير وأبو حفص الأبار فرقهما عن منصور قوله عن منصور هو بن المعتمر عن المنهال هو بن عمرو والإسناد إلى سعيد بن جبير كوفيون وقد رواه النسائي من طريق جرير عن الأعمش عن المنهال فقال عن عبد الله بن الحارث بدل سعيد ولم يذكر فيه عن بن عباس ورواه الإسماعيلي من طريق أبي حفص الأبار عن الأعمش ومنصور فحمل رواية الأعمش على رواية منصور والصواب التفصيل ولذلك لم يخرج رواية الأبار قوله أن أباكما يريد إبراهيم عليه السلام وسماه أبا لكونه جدا على قوله بكلمات الله قيل المراد بها كلامه على الإطلاق وقيل أقضيته وقيل ما وعد به كما قال تعالى وتمت كلمة ربك الحسني على بني إسرائيل والمراد بها قوله تعالى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض المراد بالتامة الكاملة وقيل النافعة وقيل الشافية وقيل المباركة وقيل القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب قال الخطابي كان أحمد يستدل بهذا الحديث على أن كلام الله غير مخلوق ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق قوله من كل شيطان يدخل تحته شياطين الإنس والجن قوله وهامة بالتشديد واحدة الهوام ذوات السموم وقيل كل ما له سم يقتل فأما ما لا يقتل سمه فيقال له السوام وقيل المراد كل نسمة تهم بسوء قوله ومن كل عين لامة قال الخطابي المراد به كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل وقال أبو عبيد أصله من ألممت الماما وإنما قال لامة لأنه أراد أنها ذات لمم وقال بن الأنباري يعني أنها تأتي في وقت بعد وقت وقال لامة ليؤاخي لفظ هامة لكونه أخف على اللسان 1 ( قوله باب قوله ونبئهم عن ضيف إبراهيم الآية )
لا توجل لا تخف كذا اقتصر في هذا الباب على تفسير هذه الكلمة وبذلك جزم الإسماعيلي وقال ساق الآيتين بلا حديث انتهى والتفسير المذكور مروي عن عكرمة عند بن أبي حاتم ولعله كان عقب هذا في الأصل بياض فحذف وقصة أضياف إبراهيم أوردها بن أبي حاتم من طريق السدي مبينة وفيها أنه لما قرب إليهم العجل قالوا إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن قال إبراهيم إن له ثمنا قالوا وما ثمنه قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره قال فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال حق لهذا أن يتخذه ربه خليلا فلما رأى أنهم لا يأكلون فزع منهم ومن طريق عثمان بن محصن قال كانوا أربعة جبريل وميكائيل وإسرافيل ورفاييل ومن طريق نوح بن أبي شداد أن جبريل مسح بجناحيه العجل فقام يدرج حتى لحق بأمه في الدار قوله وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى كذا وقع هذا الكلام لأبي ذر متصلا بالباب ووقع في رواية كريمة بدل قوله ولكن ليطمئن قلبي وحكى الإسماعيلي أنه وقع عنده باب قوله وإذ قال إبراهيم الخ وسقط كل ذلك للنسفي فصار حديث أبي هريرة تكملة الباب الذي قبله فكملت به الأحاديث عشرين حديثا وهو متجه قوله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب في رواية الطبري من طريق عمرو بن الحارث عن يونس عن الزهري أخبرني أبو سلمة وسعيد كذا قال يونس بن يزيد عن الزهري ورواه مالك عن الزهري فقال إن سعيد بن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة وسيأتي ذلك للمصنف قريبا وتابع مالكا أبو أويس عن الزهري أخرجه أبو عوانة من طريقه ورجح ذلك عند النسائي فاقتصر عليه وكأن البخاري جنح إلى تصحيح الطريقين فأخرجهما معا وهو نظر صحيح لأن الزهري صاحب حديث وهو معروف بالرواية عن هؤلاء فلعله سمعه منهم جميعا ثم هو من الأحاديث التي حدث بها مالك خارج الموطأ واشتهر أن جويرية تفرد به عنه ولكن تابعه سعيد بن داود عن مالك أخرجه الدارقطني في غرائب من طريقه قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم سقط لفظ الشك من بعض الروايات واختلف السلف في المراد بالشك هنا فحمله بعضهم على ظاهره وقال كان ذلك قبل النبوة وحمله أيضا الطبري على ظاهره وجعل سببه حصول وسوسة الشيطان لكنها لم تستقر ولا زلزلت الإيمان الثابت واستند في ذلك إلى ما أخرجه هو وعبد بن حميد وبن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد العزيز الماجشون عن محمد بن المنكدر عن بن عباس قال أرجى آية في القرآن هذه الآية وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى الآية قال بن عباس هذا لما يعرض في الصدور ويوسوس به الشيطان فرضي الله من إبراهيم عليه السلام بأن قال بلى ومن طريق معمر عن قتادة عن بن عباس نحوه ومن طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن بن عباس نحوه وهذه طرق يشد بعضها بعضا وإلى ذلك جنح عطاء فروى بن أبي حاتم من طريق بن جريج سألت عطاء عن هذه الآية قال دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فقال ذلك وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن إبراهيم أتى على دابة توزعتها الدواب والسباع ومن طريق حجاج عن بن جريج قال بلغني أن إبراهيم أتى على جيفة حمار عليه السباع والطير فعجب وقال رب لقد علمت لتجمعنها ولكن رب أرني كيف تحيي الموتى وذهب آخرون إلى تأويل ذلك فروى الطبري وبن أبي حاتم من طريق السدي قال لما أتخذ الله إبراهيم خليلا استأذنه ملك الموت أن يبشره فأذن له فذكر قصة معه في كيفية قبض روح الكافر والمؤمن قال فقام إبراهيم يدعو ربه رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أن خليلك وروى بن أبي حاتم من طريق أبي العوام عن أبي سعيد قال ليطمئن قلبي بالخلة ومن طريق قيس بن مسلم عن سعيد بن جبير قال ليطمئن قلبي أني خليلك ومن طريق الضحاك عن بن عباس لا علم إنك أجبت دعائي ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه لأعلم إنك تجيبني إذا دعوتك وإلى هذا الأخير جنح القاضي أبو بكر الباقلاني وحكى بن التين عن الداودي الشارح أنه قال طلب إبراهيم ذلك لتذهب عنه شدة الخوف قال بن التين وليس ذلك بالبين وقيل كان سبب ذلك أن نمرود لما قال له ما ربك قال ربي الذي يحيى ويميت فذكر ما قص الله مما جرى بينهما فسأل إبراهيم بعد ذلك ربه أن يريه كيفية أحياء الموتى من غير شك منه في القدرة ولكن أحب ذلك واشتاق إليه فأراد أن يطمئن قلبه بحصول ما أراده أخرجه الطبري عن بن إسحاق وأخرج بن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال المراد ليطمئن قلبي أنهم يعلمون إنك تحيي الموتى وقيل معناه أقدرني على أحياء الموتى فتأدب في السؤال وقال بن الحصار إنما سأل أن يحيى الله الموتى على يديه فلهذا قيل له في الجواب فصرهن إليك وحكى بن التين عن بعض من لا تحصيل عنده أنه أراد بقوله قلبي رجلا صالحا كان يصحبه سأله عن ذلك وأبعد منه ما حكاه القرطبي المفسر عن بعض الصوفية أنه سأل من ربه أن يريه كيف يحيى القلوب وقيل أراد طمأنينة النفس بكثرة الأدلة وقيل محبة المراجعة في السؤال ثم اختلفوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك فقال بعضهم معناه نحن أشد اشتياقا إلى رؤية ذلك من إبراهيم وقيل معناه إذا لم نشك نحن فإبراهيم أولى أن لا يشك أي لو كان الشك متطرقا إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به منهم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أنه لم يشك وإنما قال ذلك تواضعا منه أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم وهو كقوله في حديث أنس عند مسلم أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية قال ذاك إبراهيم وقيل إن سبب هذا الحديث أن الآية لما نزلت قال بعض الناس شك إبراهيم ولم يشك نبينا فبلغه ذلك فقال نحن أحق بالشك من إبراهيم وأراد ما جرت به العادة في المخاطبة لمن أراد أن يدفع عن آخر شيئا قال مهما أردت أن تقوله لفلان فقله لي ومقصوده لا تقل ذلك وقيل أراد بقوله نحن أمته الذين يجوز عليهم الشك وإخراجه هو منه بدلالة العصمة وقيل معناه هذا الذي ترون أنه شك أنا أولى به لأنه ليس بشك إنما هو طلب لمزيد البيان وحكى بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين نحو قوله تعالى أهم خير أم قوم تبع أي لا خير في الفريقين ونحو قول القائل الشيطان خير من فلان أي لا خير فيهما فعلى هذا فمعنى قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم لا شك عندنا جميعا وقال بن عطية ترجم الطبري في تفسيره فقال وقال آخرون شك إبراهيم في القدرة وذكر أثر بن عباس وعطاء قال بن عطية ومحمل قول بن عباس عندي أنها أرجى آية لما فيها من الإدلال على الله وسؤال الأحياء في الدنيا أو لأن الإيمان يكفي فيه الإجمال ولا يحتاج إلى تنقير وبحث قال ومحمل قول عطاء دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس أي من طلب المعاينة قال وأما الحديث فمبني على نفي الشك والمراد بالشك فيه الخواطر التي لا تثبت وأما الشك المصطلح وهو التوقف بين الأمرين من غير مزية لأحدهما على الآخر فهو منفي عن الخليل قطعا لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه فكيف بمن بلغ رتبة النبوة قال وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على حال شيء موجود مقرر عند السائل والمسئول كما تقول كيف علم فلان فكيف في الآية سؤال عن هيئة الأحياء لا عن نفس الأحياء فإنه ثابت مقرر وقال بن الجوزي إنما صار أحق من إبراهيم لما عانى من تكذيب قومه وردهم عليه وتعجبهم من أمر البعث فقال أنا أحق أن أسأل ما سأل إبراهيم لعظيم ما جرى لي مع قومي المنكرين لاحياء الموتى ولمعرفتي بتفضيل الله لي ولكن لا أسأل في ذلك قوله قال أو لم تؤمن الاستفهام للتقرير ووجهه أنه طلب الكيفية وهو مشعر بالتصديق بالاحياء قوله بلى ولكن ليطمئن قلبي أي ليزيد سكونا بالمشاهدة المنضمة إلى اعتقاد القلب لأن تظاهر الأدلة أسكن للقلوب وكأنه قال أنا مصدق ولكن للعيان لطيف معنى وقال عياض لم يشك إبراهيم بان الله يحيى الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الأحياء فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته ويحتمل أنه سأل زيادة اليقين وأن لم يكن في الأول شك لأن العلوم قد تتفاوت في قوتها فأراد الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين والله أعلم قوله ويرحم الله لوطا الخ يأتي الكلام عليه قريبا في ترجمة لوط قوله ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي أي لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج وإنما قاله صلى الله عليه وسلم تواضعا والتواضع لا يحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالا وقيل هو من جنس قوله لا تفضلوني على يونس وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع وسيأتي تكملة لهذا الحديث في قصة يوسف
1 ( قوله باب قول الله تعالى واذكر في الكتاب إسماعيل أنه كان صادق الوعد ) تقدم في أواخر الشهادات سبب تسميته صادق الوعد ثم ذكر المصنف حديث سلمة بن الأكوع ارموا بني إسماعيل وقد تقدم شرحه في باب التحريض على الرمي من كتاب الجهاد واحتج به المصنف على أن اليمن من بني إسماعيل كما سيأتي في أوائل المناقب مع الكلام عليه 3193 قوله وأنا مع بن فلان وقع في رواية الكشميهني وأنا مع بني فلان وكذا هو في الجهاد قيل والصواب الأول لقوله في حديث أبي هريرة وأنا مع بن الأدرع وقد تقدم تسمية بن الأدرع في الجهاد وقد تقدم كثير من أخبار إسماعيل فيما مضى قريبا 1 ( قوله قصة إسحاق بن إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم ) ذكر بن إسحاق أن هاجر لما حملت بإسماعيل غارت سارة فحملت بإسحاق فوضعتا معا فشب الغلامان ونقل عن بعض أهل الكتاب خلاف ذلك وأن بين مولدهما ثلاث عشرة سنة والأول أولى قوله فيه بن عمر وأبو هريرة كأنه يشير بحديث بن عمر إلى ما سيأتي في قصة يوسف وبحديث أبي هريرة إلى الحديث المذكور في الباب الذي يليه وأغرب بن التين فقال لم يقف البخاري على سنده فأرسله وهو كلام من لم يفهم مقاصد البخاري لأنه يستلزم أن يكون البخاري أثبت في كتابه حديثا لا يعرف له سندا ومع ذلك ذكره مرسلا ولم تجر للبخاري بذلك عادة حتى يحمل هذا الموضع عليها ونحوه قول الكرماني قوله فيه أي الباب حديث من رواية بن عمر في قصة إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام فأشار البخاري إليه إجمالا ولم يذكره بعينه لأنه لم يكن بشرطه اه وليس الأمر كذلك لما بينته والله المستعان قوله باب أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه الآية أورد فيه حديث أبي هريرة أكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله الحديث ومناسبته لهذه الترجمة من جهة موافقة الحديث الآية في سياق نسب يوسف عليه السلام فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضا لهم على الثبات على الإسلام وقال له أولاده إنهم يعبدون الهه واله آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ومن جملة أولاد يعقوب يوسف عليهم السلام فنص الحديث على نسب يوسف وأنه بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وزاد أن الأربعة أنبياء في نسق 3194 قوله حدثنا إسحاق بن إبراهيم هو بن راهويه الإمام المشهور قوله سمع المعتمر أي أنه سمع المعتمر وهم يحذفون أنه خطا كما يحذفون قال خطا ولا بد من ثبوتهما لفظا وعبيد الله هو بن عمر العمري قوله أكرمهم أتقاهم هو موافق لقوله تعالى ان أكرمكم عند الله أتقاكم قوله قالوا يا نبي الله ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف الجواب الأول من جهة الشرف بالأعمال الصالحة والثاني من جهة الشرف بالنسب الصالح قوله أفعن معادن العرب أي أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها وإنما جعلت معادن لما فيها من الاستعداد المتفاوت أو شبههم بالمعادن لكونهم أوعية الشرف كما أن المعادن أوعية للجواهر قوله فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا يحتمل أن يريد بقوله خياركم جمع خير ويحتمل أن يريد أفعل التفضيل تقول في الواحد خير وأخير ثم القسمة رباعية فإن الأفضل من جمع بين الشرف في الجاهلية والشرف في الإسلام وكان شرفهم في الجاهلية بالخصال المحمودة من جهة ملائمة الطبع ومنافرته خصوصا بالانتساب إلى الآباء المتصفين بذلك ثم الشرف في الإسلام بالخصال المحمودة شرعا ثم أرفعهم مرتبة من أضاف إلى ذلك التفقه في الدين ومقابل ذلك من كان مشروفا في الجاهلية واستمر مشروفا في الإسلام فهذا أدنى المراتب والقسم الثالث من شرف في الإسلام وفقه ولم يكن شريفا في الجاهلية ودونه من كان كذلك لكن لم يتفقه والقسم الرابع من كان شريفا في الجاهلية ثم صار مشروفا في الإسلام فهذا دون الذي قبله فإن تفقه فهو أعلى رتبة من الشريف الجاهل
1 ( قوله باب ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة إلى قوله فساء مطر المنذرين ) يقال إنه لوط بن هاران بن تارخ وهو بن أخي إبراهيم عليه السلام وقد قص الله تعالى قصته مع قومه في الأعراف وهود والشعراء والنمل والصافات وغيرها وحاصلها أنهم ابتدعوا وطء الذكور فدعاهم لوط إلى التوحيد وإلى الاقلاع عن الفاحشة فأصروا على الامتناع ولم يتفق أن يساعده منهم أحد وكانت مدائنهم تسمى سدوم وهي بغور زغر من البلاد الشامية فلما أراد الله اهلاكهم بعث جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى إبراهيم فاستضافوه فكأن ما قص الله في سورة هود ثم توجهوا إلى لوط فاستضافوه فخاف عليهم من قومه وأراد أن يخفى عليهم خبرهم فنمت عليهم امرأته فجاؤوا إليه وعاتبوه على كتمانه أمرهم وظنوا أنهم ظفروا بهم فأهلكهم الله على يد جبريل فقلب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته الا امرأته فإنها تأخرت مع قومها أو خرجت مع لوط فادركها العذاب فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه فصار عاليها سافلها وصار مكانها بحيرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بشيء مما حولها 3195 قوله يغفر الله للوط أن كان ليأوي إلى ركن شديد أي إلى الله سبحانه وتعالى يشير صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ويقال أن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفاني ولهذا جاء في بعض طرق هذا الحديث كما أخرجه أحمدمن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لوط لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قال فإنه كان يأوي إلى ركن شديد ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله نبيا الا في ذروة من قومه زاد بن مردويه من هذا الوجه ألم تر إلى قول قوم شعيب ولولا رهطك لرجمناك وقيل معنى قوله لقد كان يأوي إلى ركن شديد أي إلى عشيرته لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى الله انتهى والأول أظهر لما بيناه وقال النووي يجوز أنه لما اندهش بحال الأضياف قال ذلك أو أنه التجأ إلى الله في باطنه واظهر هذا القول للاضياف اعتذارا وسمي العشيرة ركنا لأن الركن يستند إليه ويمتنع به فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم وسيأتي في الباب الذي بعده تفسير الركن بلفظ آخر 1 ( قوله باب فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون )
أي أنكرهم لوط قوله بركنه بمن معه لأنهم قوته هو تفسير الفراء وقال أبو عبيدة فتولى بركنه وبجانبه سواء إنما يعني ناحيته وقال في قوله أو آوي إلى ركن شديد أي عشيرة عزيزة منيعة كذا أورد المصنف هذه الجملة في قصة لوط وهو وهم فإنها من قصة موسى والضمير لفرعون والسبب في ذلك أن ذلك وقع تلو قصة لوط حيث قال تعالى في آخر قصة لوط وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم ثم قال عقب ذلك وفي موسى اذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه أو ذكره استطرادا لقوله في قصة لوط أو آوي إلى ركن شديد قوله تركنوا تميلوا قال أبو عبيدة في قوله ولا تركنوا إلى الذين ظلموا لا تعدلوا إليهم ولا تميلوا تقول ركنت إلى قولك أي أحببته وقبلته وهذه الآية لا تتعلق بقصة لوط أصلا ثم ظهر لي أنه ذكر هذه اللفظة من أجل مادة ركن بدليل إيراده الكلمة الأخرى وهي ولا تركنوا قوله فأنكرهم ونكرهم واستنكرهم واحد قال أبو عبيدة نكرهم وأنكرهم واحد وكذلك استنكرهم وهذا الإنكار من إبراهيم غير الإنكار من لوط لأن إبراهيم أنكرهم لما لم يأكلوا من طعامه وأما لوط فأنكرهم لما لم يبالوا بمجيء قومه إليهم ولكن لها تعلق مع كونها لإبراهيم بقصة لوط قوله يهرعون يسرعون قال أبو عبيدة يهرعون إليه أي يستحثون إليه قال الشاعر بمعجلات نحوهم نهارع أي نسارع وقيل معناه يزعجون مع الإسراع قوله دابر آخر قال أبو عبيدة في تفسير قوله ان دابر هؤلاء أي آخرهم قوله صيحة هلكة هو تفسير قوله ان كانت الا صيحة واحدة ولم أعرف وجه دخوله هنا لكن لعله أشار إلى قوله فأخذتهم الصيحة مشرقين فإنها تتعلق بقوم لوط قوله للمتوسمين للناظرين قال الفراء في قوله تعالى ان 1 ( باب قول الله تعالى لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلي ) ن اسم إخوة يوسف روبيل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم وشمعون بالشين المعجمة ولاوى ويهوذا ودانى ونفتالى بفاء ومثناة وكاد وأشير وأيساجر ورايلون وبنيامين وهم الأسباط وقد اختلف فيهم فقيل كانوا أنبياء ويقال لم يكن فيهم نبي وإنما المراد بالاسباط قبائل من بني إسرائيل فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث أحدها حديث أبي هريرة في أكرم الناس أي أصلا ذكره من وجهين عن عبد الله بن عمر ثانيهما قال فيه أخبرنا محمد بن سلام أخبرني عبدة وهو بن سليمان ووقع في المستخرج لأبي نعيم أن البخاري أخرجه عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة فالله أعلم وقد تقدم شرحه قريبا 3204 الحديث الثاني حديث عائشة مروا أبا بكر فليصل بالناس وقد تقدم شرحه في أبواب الإمامة وأورده هنا مختصرا والغرض منه قوله انكن صواحب يوسف وقوله في أول الإسناد حدثنا الربيع بن يحيى في رواية أبي ذر بغير ألف ولام وزاد في رواية كريمة البصري ووقع في نسخة حدثنا النضر حدثنا زائدة وهو غلط فاحش تصحيف من البصري وقد تقدم ذكر مناسبته هناك وقد قص الله تعالى قصة يوسف مطولة في سورة لم يذكر فيها قصة لغيره وقد روى بن حبان من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث الثالث حديث أبي موسى في المعنى وقد تقدم أيضا الرابع حديث أبي هريرة في الدعاء عند الرفع من الركوع اللهم أنج المستضعفين وقد تقدم شرحه في الصلاة أيضا والغرض منه
3206 قوله اجعلها عليهم سنين كسني يوسف المراد بسنى يوسف ما قصه الله من ذكر السنين المجدبة في زمانه ويقال اسم الملك الذي رأى الرؤيا الريان بن الوليد من ذرية لاوذ بن سام بن نوح الخامس حديثه في ذكر لوط ويوسف وقد تقدم في ترجمة إبراهيم السادس حديث أم رومان والدة عائشة في قصة الإفك أورده لقول عائشة فيه فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه وسيأتي في تفسير النور في سياق قصة الإفك عن عائشة بلفظ والتمست اسم يعقوب فلم أجده فقلت ما أجد لي ولكم مثلا الا أبا يوسف ويأتي الكلام على ما قيل في هذا الإسناد من التعليل بالانقطاع والجواب عنه في غزوة بني المصطلق من كتاب المغازي إن شاء الله تعالى السابع حديث عائشة في تفسير قوله تعالى 3209 حتى إذا استيأس الرسل وسيأتي شرحه في آخر تفسير سورة يوسف قوله استيأسوا استفعلوا من يئست منه من يوسف وقع في كثير من الروايات افتعلوا والصواب الأول وفي تفسير بن أبي حاتم من طريق بن إسحاق فلما استيأسوا أي لما حصل لهم اليأس من يوسف قوله ولا تيأسوا من روح الله معناه من الرجاء وروى بن أبي حاتم من طريق سعيد بن بشير عن قتادة لا تيأسوا من روح الله أي من رحمة الله تنبيه مطابقة هذا الحديث للترجمة وقوع الآية في سورة يوسف ودخوله هو في عموم قوله وما أرسلنا قبلك الا رجالا نوحي إليهم وكان مقامه في السجن تلك المدة الطويلة إلى أن جاءه النصر من عند الله تعالى بعد اليأس لأنه أمر الفتى الذي ظن أنه ناج أن يذكر قصته وأنه حبس ظلما فلم يذكرها الا بعد سبع سنين وفي مثل هذا يحصل اليأس في العادة المطردة الحديث الثامن حديث بن عمر الكريم بن الكريم الحديث تقدم شرحه قبل هذا وعبدة شيخ المصنف هو بن عبد الله المروزي وعبد الصمد هو بن عبد الوارث وعبد الرحمن هو بن عبد الله بن دينار 1 ( قوله باب قول الله تعالى وأيوب إذ نادى ربه الآية )
يقال هو أيوب بن ساري بن رغوال بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم وقيل اسم أبيه موص والباقي سواء وقيل موص بن رزاح بن عيص وقيل أيوب بن رزاح بن موص بن عيصو ومنهم من زاد بين موص وعيص ليقرن وزعم بعض المتأخرين أنه من ذرية روم بن عيص ولا يثبت ذلك وحكى بن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وأن أباه كان ممن آمن بإبراهيم وعلى هذا فكان قبل موسى وقال بن إسحاق الصحيح أنه كان من بني إسرائيل ولم يصح في نسبه شيء الا أن اسم أبيه امص والله أعلم وقال الطبري كان بعد شعيب وقال بن أبي خيثمة كان بعد سليمان وكان عيصو تزوج بشمت بنت عمه إسماعيل فرزق منها رغوال وهو بغين معجمة قوله اركض اضرب يركضون يعدون روى بن جرير من طريق شعبة عن قتادة في قوله اركض برجلك قال ضرب برجله الأرض فإذا عينان تنبعان فشرب من إحداهما واغتسل من الأخرى وقال الفراء في قوله تعالى إذا هم منها يركضون أي يهربون وأخرج الطبري من طريق مجاهد في قوله لا تركضوا أي لا تفروا قوله بينا أيوب أصل بينا بين أشبعت الفتحة ويغتسل خبر المبتدأ والجملة في محل الجر بإضافة بين إليه والعامل خر عليه أو هو مقدر وخر مفسر له ووقع عند أحمد وبن حبان من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب قوله عريانا تقدم القول فيه في كتاب الغسل قوله خر عليه أي سقط عليه وقوله رجل جراد أي جماعة جراد والجراد اسم جمع واحدة جرادة كتمر وتمرة وحكى بن سيده أنه يقال للذكر جراد وللأنثى جرادة قوله يحثي بالمثلثة أي يأخذ بيديه جميعا وفي رواية بشير بن نهيك يلتقط قوله في ثوبه في حديث بن عباس عند بن أبي حاتم فجعل أيوب ينشر طرف ثوبه فيأخذ الجراد فيجعله فيه فكلما امتلأت ناحية نشر ناحية قوله فناداه ربه يحتمل أن يكون بواسطة أو بإلهام ويحتمل أن يكون بغير واسطة قوله قال بلى أي اغنيتني قوله ولكن لا غنى لي بالقصر بغير تنوين وخبر لا قوله لي أو قوله عن بركتك وفي رواية بشير بن نهيك فقال ومن يشبع من رحمتك أو قال من فضلك وفي الحديث جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر عليه وفيه تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة وفيه فضل الغني الشاكر وسيأتي بقية مباحث هذه الخصلة الأخيرة في الرقاق إن شاء الله تعالى واستنبط منه الخطابي جواز أخذ النثار في الاملاك وتعقبه بن التين فقال هو شيء خص الله به نبيه أيوب وهو بخلاف النثار فإنه من فعل الآدمي فيكره لما فيه من السرف ورد عليه بأنه أذن فيه من قبل الشارع أن ثبت الخبر ويستأنس فيه بهذه القصة والله أعلم تنبيه لم يثبت عند البخاري في قصة أيوب شيء فاكتفى بهذا الحديث الذي على شرطه وأصح ما ورد في قصته ما أخرجه بن أبي حاتم وبن جريج وصححه بن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس أن أيوب عليه السلام ابتلى فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد الا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما للآخر لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء فذكره الآخر لأيوب يعني فحزن ودعا الله حينئذ فخرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه فأوحى الله إليه أن اركض برجلك فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحا فجاءت امرأته فلم تعرفه فسألته عن أيوب فقال إني أنا هو وكان له اندران أحدهما للقمح والآخر للشعير فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض وروى بن أبي حاتم نحوه من حديث بن عباس وفيه فكساه الله حلة من حلل الجنة فجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هل أبصرت المبتلى الذي كان هنا فلعل الذئاب ذهبت به فقال ويحك أنا هو وروى بن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عبيد بن عمير نحو حديث أنس وفي آخره قال فسجد وقال وعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني فكشف عنه وعن الضحاك عن بن عباس رد الله على امرأته شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا وذكر وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في المبتدأ قصة مطولة جدا وحاصلها أنه كان بحوران وكان له البثنية سهلها وجبلها وله أهل ومال كثير وولد فسلب ذلك كله شيئا فشيئا وهو يصبر ويحتسب ثم ابتلى في جسده بأنواع من البلاء حتى ألقى خارجا من البلد فرفضه الناس الا امرأته فبلغ من أمرها أنها كانت تخدم بالأجرة وتطعمه إلى أن تجنبها الناس خشية العدوي فباعت إحدى ضفيرتيها من بعض بنات الأشراف وكانت طويلة حسنة فاشترت له به طعاما طيبا فلما أحضرته له حلف أن لا يأكله حتى تخبره من أين لها ذلك فكشفت عن رأسها فاشتد حزنه وقال حينئذ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فعافاه الله تعالى وروى بن أبي حاتم عن مجاهد أن أيوب أول من أصابه الجدري ومن طريق الحسن أن إبليس أتى امرأته فقال لها إن أكل أيوب ولم يسم عوفي فعرضت ذلك على أيوب فحلف ليضربنها مائة فلما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجونا فيه مائة شمراخ فضربها ضربة واحدة وقيل بل قعد إبليس على الطريق في صورة طبيب فقال لها إذا داويته فقال أنت شفيتني قنعت بذلك فعرضت ذلك عليه فغضب وكان ما كان وذكر الطبري أن اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت يوسف بن يعقوب وقيل بنت افرائيم أو ميشا بن يوسف وأفاد بن خالويه أنه يقال لها أم زيد واختلف في مدة بلائه فقيل ثلاث عشرة سنة كما تقدم وقيل ثلاث سنين وهذا قول وهب وقيل سبع سنين وهو عن الحسن وقتادة وقيل أن امرأته قالت له ألا تدعو الله ليعافيك فقال قد عشت صحيحا سبعين سنة أفلا أصبر سبع سنين والصحيح ما تقدم أنه لبث في بلائه ثلاث عشرة سنة وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين والله أعلم
1 ( قوله باب واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا إلى قوله نجيا ) في رواية أبي ذر قول الله واذكر الخ وليس فيه باب وساق في رواية كريمة إلى قوله أخاه هارون نبيا قوله يقال للواحد والإثنين زاد الكشميهني والجمع نجى ويقال خلصوا اعتزلوا نجيا والجمع أنجية يتناجون قال أبو عبيدة في قوله تعالى خلصوا نجيا أي اعتزلوا نجيا يتناجون والنجى يقع لفظه على الواحد والجمع أيضا وقد يجمع فيقال نجى وأنجية قال لبيد وشهدت أنجية الافاقة عاليا كعبي وأرداف الملوك شهود وموسى هو بن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوى بن يعقوب عليه السلام لا اختلاف في نسبه ذكر السدي في تفسيره بأسانيده أن بدء أمر موسى أن فرعون رأى كأن نارا أقبلت من بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط الا دور بني إسرائيل فلما استيقظ جمع الكهنة والسحرة فقالوا هذا غلام يولد من هؤلاء يكون خراب مصر على يده فأمر بقتل الغلمان فلما ولد موسى أوحى الله إلى أمه أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم قالوا فكانت ترضعه فإذا خافت عليه جعلته في تابوت وألقته في البحر وجعلت الحبل عندها فنسيت الحبل يوما فجرى به النيل حتى وقف على باب فرعون فالتقطه الجواري فاحضروه عند امرأته ففتحت التابوت فرأته فأعجبها فاستوهبته من فرعون فوهبه لها فربته حتى كان من أمره ما كان قوله تلقف تلقم هو تفسير أبي عبيدة قاله في سورة الأعراف ثم أورد المصنف طرفا من حديث بدء الوحي وقد تقدم شرحه بتمامه في أول الكتاب والغرض منه 3212 قوله الناموس الذي أنزل على موسى قوله الناموس صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره هو قول المصنف وقد تقدم قول من خصه بسر الخير 1 ( قوله باب قول الله عز وجل وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا إلى قوله بالوادي المقدس طوى )
سقط لفظ باب عند أبي ذر وكريمة قوله آنست أبصرت قال أبو عبيدة في قوله آنس من جانب الطور نارا أي أبصر قوله قال بن عباس المقدس المبارك طوى اسم الوادي هكذا وقع هذا التفسير وما بعده في رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة ولم يذكره جميع رواة البخاري هنا وإنما ذكروا بعضه في تفسير سورة طه وها أنا أشرحه هنا وأبين إذا أعيد في تفسير طه إن شاء الله تعالى ما سبق منه هنا وقول بن عباس هذا وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس به وروى هو والطبري من وجه آخر عن بن عباس أنه سمي طوى لأن موسى طواه ليلا قال الطبري فعلى هذا فالمعنى انك بالوادي المقدس طويته وهو مصدر أخرج من غير لفظه كأنه قال طويت الوادي المقدس طوى وعن سعيد بن جبير قال قيل له طوى أي طأ الأرض حافيا وروى الطبري عن مجاهد مثله وعن عكرمة أي طأ بالوادي ومن وجه آخر عن بن عباس كذلك وروى بن أبي حاتم من طريق مبشر بن عبيد والطبري من طريق الحسن قال قيل له طوى لأنه قدس مرتين وقال الطبري قال آخرون معنى قوله طوى أي ثنى أي ناداه ربه مرتين انك بالوادي المقدس وأنشد لذلك شاهدا قول عدي بن زيد أعاذل أن اللوم في غير حينه علي طوى من غيك المتردد وقال أبو عبيدة طوى بكسر أوله قوم كقول الشاعر وأن كان حيانا عدي آخر الدهر قال ومن جعل طوى اسم أرض لم ينونه ومن جعله اسم الوادي صرفه ومن جعله مصدرا بمعنى نودي مرتين صرفه تقول ناديته ثنى وطوى أي مرة بعد مرة وأنشد البيت المذكور قوله سيرتها حالتها وصله بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى سنعيدها سيرتها الأولى يقول حالتها الأولى ورواه بن جرير كذلك ومن طريق مجاهد وقتادة سيرتها هيئتها قوله والنهي التقي وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى يمشون في مساكنهم أن في ذلك لآيات لأولي النهى قال لأولى التقي ومن طريق سعيد عن قتادة لأولى النهى لأولي الورع قال الطبري خص أولى النهى لأنهم أهل التفكر والاعتبار قوله بملكنا بأمرنا وصله بن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ما أخلفنا موعدك بملكنا يقول بأمرنا ومن طريق سعيد عن قتادة بملكنا أي بطاقتنا وكذا قال السدي ومن طريق بن زيد بهوانا واختلف أهل القراءة في ميم ملكنا فقرؤوا بالضم وبالفتح وبالكسر ويمكن تخريج هذه التأويلات على هذه القراءات قوله هوى شقى وصله بن أبي حاتم من الطريق المذكورة في قوله تعالى ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى قال يعني شقى وكذا أخرجه الطبري قوله فارغا الا من ذكر موسى وصله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في تفسير بن عيينة من طريق عكرمة عن بن عباس في قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا قال من كل الا من ذكر موسى وأخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس نحوه ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس فارغا لا تذكر الا موسى ومن طريق مجاهد وقتادة نحوه ومن طريق الحسن البصري أصبح فارغا من العهد الذي عهد إليها أنه سيرد عليها وقال أبو عبيدة في قوله فارغا أي من الحزن لعلمها أنه لم يغرق ورد ذلك الطبري وقال إنه مخالف لجميع أقوال أهل التأويل وأم موسى اسمها بادونا وقيل أباذخت ويقال يوحاند قوله ردءا كي يصدقني وصله بن أبي حاتم من الطريق المذكورة قبل وروى الطبري من طريق السدي قال كيما يصدقني ومن طريق مجاهد وقتادة ردءا أي عونا قوله ويقال مغيثا أو معينا يعني بالمعجمة والمثلثة وبالمهملة والنون قال أبو عبيدة في قوله ردءا يصدقني أي معينا يقال فيه أردأت فلانا على عدوه أي أكنفته وأعنته أي صرت له كنفا قوله يبطش ويبطش يعني بكسر الطاء وبضمها قال أبو عبيدة في تفسير قوله تعالى فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما بالطاء مكسورة ومضمومة لغتان قلت الكسر القراءة المشهورة هنا وفي قوله تعالى يوم يبطش البطشة الكبرى والضم قراءة بن جعفر ورويت عن الحسن أيضا قوله يأتمرون يتشاورون قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك أي يهمون بك ويتآمرون ويتشاورون انتهى وهي بمعنى يتآمرون ومنه قول الشاعر أرى الناس قد أحدثوا شيمة وفي كل حادثة يؤتمر وقال بن قتيبة معناه يأمر بعضهم بعضا كقوله وائتمروا بينكم بمعروف قوله والجذوة قطعة غليظة من الخشب ليس لها لهب قال أبو عبيدة في قوله تعالى أو جذوة من النار أي قطعة غليظة من الحطب ليس فيها لهب قال الشاعر باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر والجذوة مثلثة الجيم قوله سنشد سنعينك كلما عززت شيئا فقد جعلت له عضدا وقال أبو عبيدة في قوله تعالى سنشد عضدك بأخيك أي سنقويك به ونعينك تقول شد فلان عضد فلان إذا أعانه وهو من عاضدته على أمره أي عاونته قوله وقال غيره كلما لم ينطق بحرف أو فيه تمتمة أو فأفأة فهي عقدة هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى واحلل عقدة من لساني العقدة في اللسان ما لم ينطق بحرف أو كانت فيه مسكة من تمتمة أو فأفأة وروى الطبري من طريق السدي قال لما تحرك موسى أخذته آسية امرأة فرعون ترقصه ثم ناولته لفرعون فأخذ موسى بلحيته فنتفها فاستدعى فرعون الذباحين فقالت آسية إنه صبي لا يعقل فوضعت له جمرا وياقوتا وقالت أن أخذ الياقوت فاذبحه وأن أخذ الجمرة فاعرف أنه لا يعقل فجاء جبريل فطرح في يده جمرة فطرحها في فيه فاحترق لسانه فصارت في لسانه عقدة من يومئذ ومن طريق مجاهد وسعيد بن جبير نحو ذلك والتمتمة هي التردد في النطق بالمثناة الفوقانية والفأفأة بالهمزة التردد في النطق بالفاء قوله أزرى ظهري قال أبو عبيدة في قوله تعالى اشدد به أزري أي ظهري ويقال قد أزرني أي كان لي ظهرا ومعينا وأورد بإسناد لين عن بن عباس في قوله اشدد به أزري قال ظهري قوله فيسحتكم فيهلككم وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس وهو قول أبي عبيدة قال وتقول سحته وأسحته بمعنى قال الطبري سحت أكثر من أسحت وروى من طريق قتادة في قوله فيسحتكم أي يستأصلكم والخطاب للسحرة ويقال أن اسم رؤسائهم غادون وسانور وخطخط والمصفا قوله المثلى تأنيث الأمثل يقول بدينكم يقال خذ المثلى خذ الامثل قال أبو عبيدة في قوله بطريقتكم أي بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه والمثلى تأنيث الأمثل تقول خذ المثلى منهما للانثيين وخذ الأمثل منهما إذا كان ذكرا والمراد بالمثلى الفضلي قوله ثم ائتوا صفا يقال هل أتيت الصف اليوم يعني المصلي الذي يصلي فيه قال أبو عبيدة في قوله ثم ائتوا صفا أي صفوفا وله معنى آخر من قولهم هل أتيت الصف اليوم أي المصلي الذي يصلي فيه قوله فأوجس أضمر خوفا فذهبت الواو من خيفة لكسرة الخاء قال أبو عبيدة في قوله تعالى فأوجس منهم خيفة أي فأضمر منهم خيفة أي خوفا فذهبت الواو فصارت ياء من أجل كسرة الخاء قال الكرماني مثل هذا الكلام لا يليق بجلالة هذا الكتاب أن يذكر فيه انتهى وكأنه رأى فيه ما يخالف اصطلاح المتأخرين من أهل علم التصريف فقال ذلك حيث قالوا في مثل هذا أصل خيفة خوفة فقلبت الواو ياء لكونها بعد كسرة وما عرف أنه كلام أحد الرءوس العلماء باللسان العربي وهو أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري قوله في جذوع النخل على جذوع هو قول أبي عبيدة واستشهد بقول الشاعر هم صلبوا العبدي في جذع نخلة وقال إنما جاء على موضع في إشارة لبيان شدة التمكن في الظرفية قوله خطبك بالك قال أبو عبيدة في قوله قال فما خطبك أي ما بالك وشأنك قال الشاعر يا عجبا ما خطبه وخطبي وروى الطبري من طريق السدي في قول الله قال فما خطبك قال مالك يا سامري واسم السامري المذكور يأتي قوله مساس مصدر ماسه مساسا قال الفراء قوله لا مساس أي لا أمس ولا أمس والمراد أن موسى أمرهم أن لا يؤاكلوه ولا يخالطوه وقرئ لا مساس بفتح الميم وهي لغة فاشية واسم السامري موسى بن طفر وكان من قوم يعبدون البقر وقال أبو عبيدة في قوله تعالى لا مساس إذا كسرت الميم جاز النصب والرفع والجر بالتنوين وجاءت هنا منفية ففتحت بغير تنوين قال النابغة فأصبح من ذاك كالسامري إذ قال موسى له لا مساسا قال والمماسة والمخالطة واحد قال ومنهم من جعلها اسما فكسر آخرها بغير تنوين قال الشاعر تميم كرهط السامري وقوله ألا لا مريد السامري مساس أجراها مجرى قطام وحزام قوله لننسفنه لنذرينه وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله لننسفنه في اليم نسفا يقول لنذرينه في البحر قوله الضحاء الحر قال أبو عبيدة في قوله تعالى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أي لا تعطش ولا تضحى للشمس فتجد الحر وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس لا يصيبك فيها عطش ولا حر قلت وهذا الموضع وقع استطرادا وإلا فلا تعلق له بقصة موسى عليه السلام قوله قصيه اتبعي أثره وقد يكون أن يقص الكلام نحن نقص عليك أما الأول فهو قول مجاهد والسدي وغيرهما أخرجه بن جرير وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وقالت لأخته قصيه أي اتبعي أثره تقول قصصت آثار القوم وأما الثاني فهو من قبل المصنف وأخت موسى اسمها مريم وافقتها في ذلك مريم بنت عمران والدة عيسى عليه السلام قوله عن جنب عن بعد وعن جنابة وعن اجتناب واحد روى الطبري من طريق مجاهد في قوله عن جنب قال عن بعد وقال أبو عبيدة في قوله تعالى فبصرت به عن جنب أي عن بعد وتجنب ويقال ما تأتينا الا عن جنابة وعن جنب قال الشاعر فلا تحرمني نائلا عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب وفي حديث القنوت الطويل عن بن عباس الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لم يشعر قوله قال مجاهد على قدر موعد وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عنه وروى الطبري من طريق العوفي عن بن عباس في قوله على قدر يا موسى أي على ميقات قوله لا تنيا لا تضعفا وصله الفريابي أيضا عن مجاهد وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله لا تنيا في ذكري قال لا تبطئا قوله مكانا سوى منصف بينهم وصله الفريابي أيضا عن مجاهد وقال أبو عبيدة بضم أوله وبكسره كعدى وعدي والمعنى النصف والوسط قوله يبسا يابسا وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا أي يابسا وقال أبو عبيدة في قوله طريقا في البحر يبسا متحرك الحروف وبعضهم يسكن الباء وتقول شاة يبس بالتحريك أي يابسة ليس لها لبن قوله من زينة القوم الحلي الذي استعاروا من آل فرعون وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولكنا حملنا اوزارا من زينة القوم أي الحلي الذي استعاروا من آل فرعون وهي الأثقال أي الأوزار وروى الطبري من طريق بن زيد قال الاوزار الأثقال وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وليس المراد بها الذنوب ومن طريق قتادة قال كان الله وقت لموسى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر فلما مضت الثلاثون قال السامري لبني إسرائيل إنما أصابكم الذي أصابكم عقوبة بالحلى الذي كان معكم وكانوا قد استعاروا ذلك من آل فرعون فساروا وهي معهم فقذفوها إلى السامري فصورها صورة بقرة وكان قد صر في ثوبه قبضة من أثر حافر فرس جبريل فقذفها مع الحلي في النار فأخرج عجلا يخور قوله فقذفتها ألقيتها ألقى صنع وقع في رواية الكشميهني فقذفناها وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فقبضت قبضة من أثر الرسول فقذفناها قال ألقيناها وفي قوله ألقى السامري أي صنع وفي قوله فنبذتها أي ألقيتها قوله فنسي موسى هم يقولونه أخطأ الرب وصله الفريابي عن مجاهد كذلك وروى الطبري من طريق السدي قال لما خرج العجل فخار قال لهم السامري هذا الهكم واله موسى فنسي أي فنسي موسى وضل ومن طريق قتادة نحوه قال نسي موسى ربه ومن طريق سعيد بن جبير عن بن عباس فنسي أي السامري نسي ما كان عليه من الإسلام قوله أن لا يرجع إليهم قولا في العجل وصله الفريابي عن مجاهد كذلك وقال أبو عبيدة تقدير القراءة بالضم أنه لا يرجع ومن لم يضم العين نصب بأن تنبيه لمح المصنف بهذه التفاسير لما جرى لموسى في خروجه إلى مدين ثم في رجوعه إلى مصر ثم في أخباره مع فرعون ثم في غرق فرعون ثم في ذهابه إلى الطور ثم في عبادة بني إسرائيل العجل وكأنه لم يثبت عنده في ذلك من المرفوعات ما هو على شرطه وأصح ما ورد في جميع ذلك ما أخرجه النسائي وأبو يعلى بإسناد حسن عن بن عباس في حديث القنوت الطويل في قدر ثلاث ورقات وهو في تفسير طه عنده وعند بن أبي حاتم وبن جرير وبن مردويه وغيرهم ممن خرج التفسير المسند ثم ذكر المصنف في هذا الباب طرفا من حديث الإسراء من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة وسيأتي بتمامه في السيرة النبوية واقتصر منه هنا على