Qur'an&Sunnah

İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)

Section V10/P084–V10/P085

5294 قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عاصم الأحول قال الكرماني ذكر الكلاباذي أن أبا نعيم سمع من سفيان الثوري ومن سفيان بن عيينة وأن كلا منهما روى عن عاصم الأحول فيحتمل أن يكون أحدهما قلت ليس الاحتمالان فيهما هنا على السواء فإن أبا نعيم مشهور بالرواية عن الثوري معروف بملازمته وروايته عن بن عيينة قليلة وإذا أطلق اسم شيخه حمل على من هو أشهر بصحبته وروايته عنه أكثر ولهذا جزم المزي في الأطراف أن سفيان هذا هو الثوري وهذه قاعدة مطردة عند المحدثين في مثل هذا وللخطيب فيه تصنيف سماه المكمل لبيان المهمل وقد روى هذا الحديث بعينه سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول أخرجه أحمد عنه وكذا هو عند مسلم رواية بن عيينة وأخرجه أحمد أيضا من وجه آخر عن سفيان الثوري عن عاصم الأحول لكن خصوص رواية أبي نعيم فيه إنما هي عن الثوري كما تقدم قوله شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائما من زمزم في رواية بن ماجة من وجه آخر عن عاصم في هذا الحديث قال أي عاصم فذكرت ذلك لعكرمة فحلف أنه ما كان حينئذ إلا راكبا وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الحج وعند أبي داود من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره ثم أناخه بعد طوافه فصلى ركعتين فلعله حينئذ شرب من زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا بل هذا هو الذي يتعين المصير إليه لأن عمدة عكرمة في إنكار كونه شرب قائما إنما هو ما ثبت عنده أنه صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره وخرج إلى الصفا على بعيره وسعى كذلك لكن لا بد من تخلل ركعتي الطواف بين ذلك وقد ثبت أنه صلاهما على الأرض فما المانع من كونه شرب حينئذ من سقاية زمزم قائما كما حفظه الشعبي عن بن عباس 1 ( قوله باب من شرب وهو واقف على بعيره ) قال بن العربي لا حجة في هذا على الشرب قائما لأن الراكب على البعير قاعد غير قائم كذا قال والذي يظهر لي أن البخاري أراد حكم هذه الحالة وهل تدخل تحت النهي أو لا وإيراده الحديث من فعله صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز فلا يدخل في الصورة المنهي عنها وكأنه لمح بما قال عكرمة أن مراد بن عباس بقوله في الرواية التي جاءت عن الشعبي في الذي قبله أنه شرب قائما إنما أراد وهو راكب والراكب يشبه القائم من حيث كونه سائرا ويشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة 5295 قوله حدثنا مالك بن إسماعيل هو أبو غسان النهدي الكوفي من كبار شيوخ البخاري وقوله بعد ذلك زاد مالك الخ هو بن أنس والمراد أن مالكا تابع عبد العزيز بن أبي سلمة على روايته هذا الحديث عن أبي النضر وقال في روايته شرب وهو واقف على بعيره وقد تقدمت هذه الرواية تامة في كتاب الصيام مع بقية شرح الحديث 1 ( قوله باب الأيمن فالأيمن في الشرب )

Section V10/P085

ذكر فيه حديث أنس الماضي قريبا في باب شرب اللبن وتقدمت مباحثه هناك وإسماعيل هو بن أبي أويس وكذا في حديث الباب الذي بعده وقوله الأيمن فالأيمن أي يقدم من على يمين الشارب في الشرب ثم الذي عن يمين الثاني وهلم جرا وهذا مستحب عند الجمهور وقال بن حزم يجب وقوله في الترجمة في الشرب يعم الماء وغيره من المشروبات ونقل عن مالك وحده أنه خصه بالماء قال بن عبد البر لا يصح عن مالك وقال عياض يشبه أن يكون مراده أن السنة ثبتت نصا في الماء خاصة وتقديم الأيمن في غير شرب الماء يكون بالقياس وقال بن العربي كأن اختصاص الماء بذلك لكونه قد قيل أنه لا يملك بخلاف سائر المشروبات ومن ثم اختلف هل يجري الربا فيه وهل يقطع في سرقته وظاهر قوله في الشرب أن ذلك لا يجري في الأكل لكن وقع في حديث أنس خلافه كما سيأتي قوله باب هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب ليعطي الأكبر كأنه لم يجزم بالحكم لكونها واقعة عين فيتطرق إليها احتمال الاختصاص فلا يطرد الحكم فيها لكل جليسين وذكر فيه لكل جليسين وذكر فيه حديث سهل بن سعد في ذلك وقد تقدم في أوائل الشرب وفيه تسمية الغلام وبعض الأشياخ وقوله

Section V10/P085–V10/P087

5297 أتأذن لي لم يقع في حديث أنس أنه استأذن الأعرابي الذي عن يمينه فأجاب النووي وغيره بأن السبب فيه أن الغلام كان بن عمه فكان له عليه إدلال وكان من على اليسار أقارب الغلام أيضا وطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم وأن السنة تقديم الأيمن ولو كان مفضولا بالنسبة إلى من على اليسار وقد وقع في حديث بن عباس في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم تلطف به حيث قال له الشربة لك وأن شئت آثرت بها خالدا كذا في السنن وفي لفظ لأحمد وإن شئت آثرت به عمك وإنما أطلق عليه عمه لكونه أسن منه ولعل سنه كان قريبا من سن العباس وأن كان من جهة أخرى من أقرانه لكونه بن خالته وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه في قومه قد تأخر إسلامه فلذلك استأذن له بخلاف أبي بكر فإن رسوخ قدمه في الإسلام وسبقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يتأثر لشيء من ذلك ولهذا لم يستأذن الأعرابي له ولعله خشي من استئذانه أن يتوهم إرادة صرفه إلى بقية الحاضرين بعد أبي بكر دونه فربما سبق إلى قلبه من أجل قرب عهده بالإسلام شيء فجرى صلى الله عليه وسلم على عادته في تأليف من هذا سبيله وليس ببعيد أنه كان من كبراء قومه ولهذا جلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك وفي الحديث أن سنة الشرب العامة تقديم الأيمن في كل موطن وأن تقديم الذي على اليمين ليس لمعنى فيه بل لمعنى في جهة اليمين وهو فضلها على جهة اليسار فيؤخذ منه أن ذلك ليس ترجيحا لمن هو على اليمين بل هو ترجيح لجهته وقد تقدم كلام الخطابي في ذلك قبل ثلاثة أبواب وقد يعارض حديث سهل هذا وحديث أنس الذي في الباب قبله وحديث سهل بن أبي خيثمة الآتي في القسامة كبر كبر وتقدم في الطهارة حديث بن عمر في الأمر بمناولة السواك الأكبر وأخص من ذلك حديث بن عباس الذي أخرجه أبو يعلى بسند قوي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال ابدءوا بالكبير ويجمع بأنه محمول على الحالة التي يجلسون فيها متساوين إما بين يدي الكبير أو عن يساره كلهم أو خلفه أو حيث لا يكون فيهم فتخص هذه الصورة من عموم تقديم الأيمن أو يخص من عموم هذا الأمر بالبداءة بالكبير ما إذا جلس بعض عن يمين الرئيس وبعض عن يساره ففي هذه الصورة يقدم الصغير على الكبير والمفضول على الفاضل ويظهر من هذا أن الأيمن ما امتاز بمجرد الجلوس في الجهة اليمني بل بخصوص كونها يمين الرئيس فالفضل إنما فاض عليه من الأفضل وقال بن المنير تفضيل اليمين شرعي وتفضيل اليسار طبعي وإن كان ورد به الشرع لكن الأول أدخل في التعبد ويؤخذ من الحديث أنه إذا تعارضت فضيلة الفاعل وفضيلة الوظيفة اعتبرت فضيلة الوظيفة كما لو قدمت جنازتان لرجل وامرأة وولي المرأة أفضل من ولي الرجل قدم ولي الرجل ولو كان مفضولا لأن الجنازة هي الوظيفة فتعتبر أفضليتها لا أفضلية المصلى عليها قال ولعل السر فيه أن الرجولية والميمنة أمر يقطع به كل أحد بخلاف أفضلية الفاعل فإن الأصل فيه الظن ولو كان مقطوعا به في نفس الأمر لكنه مما يخفي مثله عن بعض كأبي بكر بالنسبة إلى علم الأعرابي والله أعلم قوله أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ظاهر في أنه لو أذن له لأعطاهم ويؤخذ منه جواز الايثار بمثل ذلك وهو مشكل على ما اشتهر من أنه لا إيثار بالقرب وعبارة إمام الحرمين في هذا لا يجوز التبرع في العبادات ويجوز في غيرها وقد يقال إن القرب أعم من العبادة وقد أورد على هذه القاعدة تجويز جذب واحد من الصف الأول ليصلي معه ليخرج الجاذب عن أن يكون مصليا خلف الصف وحده لثبوت الزجر عن ذلك ففي مساعدة المجذوب للجاذب إيثار بقربة كانت له وهي تحصيل فضيلة الصف الأول ليحصل فضيلة تحصل للجاذب وهي الخروج من الخلاف في بطلان صلاته ويمكن الجواب بأنه لا إيثار إذ حقيقة الإيثار إعطاء ما استحقه لغيره وهذا لم يعط الجاذب شيئا وإنما رجح مصلحته على مصلحته لأن مساعدة الجاذب على تحصيل مقصود ليس فيه إعطاؤه ما كان يحصل للمجذوب لو لم يوافقه والله أعلم وقوله في هذه الرواية فتله بفتح المثناة وتشديد اللام أي وضعه وقال الخطابي وضعه بعنف وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي المرتفع ثم استعمل في كل شيء يرمي به وفي كل إلقاء وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنق ومنه وتله للجبين أي صرعه فألقى عنقه وجعل جنبه إلى الأرض والتفسير الأول أليق بمعنى حديث الباب وقد أنكر بعضهم تقييد الخطابي الوضع بالعنق

Section V10/P087–V10/P089

1 ( قوله باب الكرع في الحوض ) ذكر فيه حديث جابر وقد تقدم شرحه قبل خمسة أبواب مستوفي وإنما قيد في الترجمة بالحوض لما بينته هناك أن جابرا أعاد 5298 قوله وهو يحول الماء في أثناء مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم الرجل مرتين وأن الظاهر أنه كان ينقله من أسفل البئر إلى أعلاه فكأنه كان هناك حوض يجمعه فيه ثم يحوله من جانب إلى جانب 1 ( قوله باب خدمة الصغار الكبار ) ذكر فيه حديث أنس كنت قائما على الحي أسقيهم وأنا أصغرهم وهو ظاهر فيما ترجم به وقد تقدم شرح الحديث مستوفي في أوائل الأشربة 1 ( قوله باب تغطية الإناء ) ذكر فيه حديث جابر في الأمر بغلق الأبواب وغير ذلك من الآداب وفيه وخمروا آنيتكم وفي الرواية الثانية وخمروا الطعام والشراب ومعنى التخمير التغطية وقد تقدم شيء من شرح الحديث في بدء الخلق ويأتي شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان وتقدم في باب شرب اللبن شرح 5300 قوله ولو أن تعرض عليه عودا 1 ( قوله باب اختناث الأسقية ) افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة وهو الانطواء والتكسر والانثناء والأسقية جمع السقاء والمراد به المتخذ من الأدم صغيرا كان أو كبيرا وقيل القرية قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة والسقاء لا يكون إلا صغيرا 5302 قوله عن عبيد الله بالتصغير بن عبد الله بالتكبير بن عتبة بضم المهملة وسكون المثناة بعدها موحدة أي بن مسعود وصرح في الرواية التي تليها بتحديث عبيد الله للزهري قوله عن أبي سعيد صرح بالسماع في التي تليها أيضا قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التي بعدها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى قوله يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها المراد بكسرها ثنيها لا كسرها حقيقة ولا إبانتها والقائل يعني لم يصرح به في هذه الطريق ووقع عند أحمد عن أبي النضر عن بن أبي ذئب بحذف لفظ يعني فصار التفسير مدرجا في الخبر ووقع في الرواية الثانية قال عبد الله هو بن المبارك قال معمر هو بن راشد أو غيره هو الشرب من أفواهها وعبد الله بن المبارك روى المرفوع عن يونس عن الزهري وروى التفسير عن معمر مع التردد وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق بن وهب عن يونس وبن أبي ذئب معا مدرجا ولفظه ينهي عن اختناث الأسقية أو الشرب أن يشرب من أفواهها كذا فيه بحرف التردد وهو عند مسلم من طريق بن وهب عن يونس وحده بلفظ عن اختناث الأسقية أن يشرب من أفواهها وهذا أشبه وهو أنه تفسير الاختناث لا أنه شك من الراوي في أي اللفظين وقع في الحديث لكن ظاهره أن التفسير في نفس الخبر وأخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ولم يسق لفظه لكن قال مثله قال غير أنه قال واختناثها أن يقلب رأسها ثم يشرب وهو مدرج أيضا وقد جزم الخطابي أن تفسير الاختناث من كلام الزهري ويحمل التفسير المطلق وهو الشرب من أفواهها على المقيد بكسر فمها أو قلب رأسها ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن بن أبي ذئب في أول هذا الحديث شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه جنان فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة فرقهما عن يزيد به قوله أفواهها جمع فم وهو على سبيل الرد إلى الأصل في الفم أنه فوه نقصت منه الهاء لاستثقال هاءين عند الضمير لو قال فوهه فلما لم يحتمل حذف الواو بعد حذف الهاء الأعراب لسكونها عوضت ميما فقيل فم وهذا إذا أفرد ويجوز أن يقتصر على الفاء إذا أضيف لكن تزاد حركة مشبعة يختلف إعرابها بالحروف فإن أضيف إلى مضمر كفت الحركات ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة شعر كقول الشاعر يصبح عطشان وفي البحر فمه فإذا أرادوا الجمع أو التصغير ردوه إلى الأصل فقالوا فويه وأفواه ولم يقولوا فميم ولا أفمام

Section V10/P089–V10/P090

1 ( قوله باب الشرب من فم السقاء ) الفم بتخفيف الميم ويجوز تشديدها ووقع في رواية من في السقاء وقد تقدم توجيهها قال بن المنير لم يقنع بالترجمة التي قبلها لئلا يظن أن النهي خاص بصورة الاختناث فبين أن النهي يعم ما يمكن اختناثه وما لا يمكن كالفخار مثلا 5304 قوله حدثنا أيوب قال قال لنا عكرمة في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا أيوب السختياني أخبرنا عكرمة وأخرجه أبو نعيم من طريقه قوله ألا أخبركم بأشياء قصار حدثنا بها أبو هريرة في الكلام حذف تقديره مثلا فقلنا نعم أو فقلنا حدثنا أو نحو ذلك فقال حدثنا أبو هريرة ووقع في رواية بن أبي عمر عن سفيان بهذا الإسناد سمعت أبا هريرة أخرجه الإسماعيلي من طريقه قوله من فم القربة أو السقاء هو شك من الراوي وكأنه من سفيان فقد وقع في رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عند الإسماعيلي من في السقاء وفي رواية بن أبي عمر عنده من فم القربة قوله وأن يمنع جاره الخ تقدم شرحه في أوائل كتاب المظالم قال الكرماني قال ألا أخبركم بأشياء ولم يذكر إلا شيئين فلعله أخبر بأكثر فاختصره بعض الرواة أو أقل الجمع عنده اثنان قلت واختصاره يجوز أن يكون عمدا ويجوز أن يكون نسيانا وقد أخرج أحمد الحديث المذكور من رواية حماد بن زيد عن أيوب فذكر بهذا الإسناد الشيئين المذكورين وزاد النهي عن الشرب قائما وفي مسند الحميدي أيضا ما يدل على أنه ذكر ثلاثة أشياء فإنه ذكر النهي عن الشرب من في السقاء أو القربة وقال هذا آخرها والله أعلم

Section V10/P090–V10/P091

5305 قوله حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل هو المعروف بابن علية قوله ان يشرب من في السقاء زاد أحمد عن إسماعيل بهذا الإسناد والمتن قال أيوب فأنبئت أن رجلا شرب من في السقاء فخرجت حية وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية عباد بن موسى عن إسماعيل ووهم الحاكم فأخرج الحديث في المستدرك بزيادته والزيادة المذكورة ليست على شرط الصحيح لأن راويها لم يسم وليست موصولة لكن أخرجها بن ماجة من رواية سلمة بن وهرام عن عكرمة بنحو المرفوع وفي آخره وأن رجلا قام من الليل بعد النهي إلى سقاء فاختنثه فخرجت عليه منه حية وهذا صريح في أن ذلك وقع بعد النهي بخلاف ما تقدم من رواية بن أبي ذئب في أن ذلك كان سبب النهي ويمكن الجمع بأن يكون ذلك وقع قبل النهي فكان من أسباب النهي ثم وقع أيضا بعد النهي تأكيدا وقال النووي اتفقوا على أن النهي هنا للتنزيه لا للتحريم كذا قال وفي نقل الاتفاق نظر لما سأذكره فقد نقل بن التين وغيره عن مالك أنه أجاز الشرب من أفواه القرب وقال لم يبلغني فيه نهي وبالغ بن بطال في رد هذا القول واعتذر عنه بن المنير باحتمال أنه كان لا يحمل النهي فيه على التحريم كذا قال مع النقل عن مالك أنه لم يبلغه فيه نهي فالاعتذار عنه بهذا القول أولى والحجة قائمة على من بلغه النهي قال النووي ويؤيد كون هذا النهي للتنزيه أحاديث الرخصة في ذلك قلت لم أر في شيء من الأحاديث المرفوعة ما يدل على الجواز إلا من فعله صلى الله عليه وسلم وأحاديث النهي كلها من قوله فهي أرجح إذا نظرنا إلى علة النهي عن ذلك فإن جميع ما ذكره العلماء في ذلك يقتضي أنه مأمون منه صلى الله عليه وسلم أما أولا فلعصمته ولطيب نكهته وأما ثانيا فلرفقه في صب الماء وبيان ذلك بسياق ما ورد في علة النهي فمنها ما تقدم من أنه لا يؤمن دخول شيء من الهوام مع الماء في جوف السقاء فيدخل فم الشارب وهو لا يشعر وهذا يقتضي أنه لو ملأ السقاء وهو يشاهد الماء يدخل فيه ثم ربطه ربطا محكما ثم لما أراد أن يشرب حله فشربه منه لا يتناوله النهي ومنها ما أخرجه الحاكم من حديث عائشة بسند قوي بلفظ نهى أن يشرب من في السقاء لأن ذلك ينتنه وهذا يقتضي أن يكون النهي خاصا بمن يشرب فيتنفس داخل الإناء أو باشر بفمه باطن السقاء أما من صب من القربة داخل فمه من غير مماسة فلا ومنها أن الذي يشرب من فم السقاء قد يغلبه الماء فينصب منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتل ثيابه قال بن العربي وواحدة من الثلاثة تكفي في ثبوت الكراهة وبمجموعها تقوى الكراهة جدا وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة ما ملخصه اختلف في علة النهي فقيل يخشى أن يكون في الوعاء حيوان أو ينصب بقوة فيشرق به أو يقطع العروق الضعيفة التي بإزاء القلب فربما كان سبب الهلاك أو بما يتعلق بفم السقاء من بخار النفس أو بما يخالط الماء من ريق الشارب فيتقذره غيره أو لأن الوعاء يفسد بذلك في العادة فيكون من إضاعة المال قال والذي يقتضيه الفقه أنه لا يبعد أن يكون النهي لمجموع هذه الأمور وفيها ما يقتضي الكراهة وفيها ما يقتضي التحريم والقاعدة في مثل ذلك ترجيح القول بالتحريم وقد جزم بن حزم بالتحريم لثبوت النهي وحمل أحاديث الرخصة على أصل الإباحة وأطلق أبو بكر الأثرم صاحب أحمد أن أحاديث النهي ناسخة للإباحة لأنهم كانوا أولا يفعلون ذلك حتى وقع دخول الحية في بطن الذي شرب من فم السقاء فنسخ الجواز قلت ومن الأحاديث الواردة في الجواز ما أخرجه الترمذي وصححه من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة وفي الباب عن عبد الله بن أنيس عند أبي داود والترمذي وعن أم سلمة في الشمائل وفي مسند أحمد والطبراني والمعاني للطحاوي قال شيخنا في شرح الترمذي لو فرق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلقة ولم يجد المحتاج إلى الشرب إناء متيسرا ولم يتمكن من التناول بكفه فلا كراهة حينئذ وعلى ذلك تحمل الأحاديث المذكورة وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النهي قلت ويؤيده أن أحاديث الجواز كلها فيها أن القربة كانت معلقة والشرب من القربة المعلقة أخص من الشرب من مطلق القربة ولا دلالة في أخبار الجواز على الرخصة مطلقا بل على تلك الصورة وحدها وحملها على حال الضرورة جمعا بين الخبرين أولى من حملها على النسخ والله أعلم وقد سبق بن العربي إلى نحو ما أشار إليه شيخنا فقال يحتمل أن يكون شربه صلى الله عليه وسلم في حال ضرورة إما عند الحرب وإما عند عدم الإناء أو مع وجوده لكن لم يتمكن لشغله من التفريغ من السقاء في الإناء ثم قال ويحتمل أن يكون شرب من إداوة والنهي محمول على ما إذا كانت القربة كبيرة لأنها مظنة وجود الهوام كذا قال والقربة الصغيرة لا يمتنع وجود شيء من الهوام فيها والضرر يحصل به ولو كان حقيرا والله أعلم

Section V10/P091–V10/P092

1 ( قوله باب النهي عن التنفس في الإناء ) ذكر فيه حديث أبي قتادة وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة 5307 قوله فلا يتنفس في الإناء زاد بن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه النهي عن النفخ في الإناء وله شاهد من حديث بن عباس عند أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتنفس في الإناء وأن ينفخ فيه وجاء في النهي عن النفخ في الإناء عدة أحاديث وكذا النهي عن التنفس في الإناء لأنه ربما حصل له تغير من النفس إما لكون المتنفس كان متغير الفم بمأكول مثلا أو لبعد عهده بالسواك والمضمضة أو لأن النفس يصعد ببخار المعدة والنفخ في هذه الأحوال كلها أشد من التنفس 1 ( قوله باب الشرب بنفسين أو ثلاثة ) كذا ترجم مع أن لفظ الحديث الذي أورده في الباب كان يتنفس فكأنه أراد أن يجمع بين حديث الباب والذي قبله لأن ظاهرهما التعارض إذ الأول صريح في النهي عن التنفس في الإناء والثاني يثبت التنفس فحملهما على حالتين فحالة النهي على التنفس داخل الإناء وحالة الفعل على من تنفس خارجة فالأول على ظاهره من النهي والثاني تقديره كان يتنفس في حالة الشرب من الإناء قال بن المنير أورد بن بطال سؤال التعارض بين الحديثين وأجاب بالجمع بينهما فأطنب ولقد أغنى البخاري عن ذلك بمجرد لفظ الترجمة فجعل الإناء في الأول ظرفا للتنفس والنهي عنه لاستقذاره وقال في الثاني الشرب بنفسين فجعل النفس الشرب أي لا يقتصر على نفس واحد بل يفصل بين الشربين بنفسين أو ثلاثة خارج الإناء فعرف بذلك انتفاء التعارض وقال الإسماعيلي المعنى أنه كان يتنفس أي على الشراب لا فيه داخل الإناء قال وإن لم يحمل على هذا صار الحديثان مختلفين وكان أحدهما منسوخا لا محالة والأصل عدم النسخ والجمع مهما أمكن أولى ثم أشار إلى حديث أبي سعيد وهو ما أخرجه الترمذي وصححه والحاكم من طريقه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الإناء قال أهرقها قال فإني لا أروى من نفس واحد قال فابن القدح إذا عن فيك ولابن ماجة من حديث أبي هريرة رفعه إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء ثم ليعد إن كان يريد قال الأثرم اختلاف الرواية في هذا دال على الجواز وعلى اختيار الثلاث والمراد بالنهي عن التنفس في الإناء أن لا يجعل نفسه داخل الإناء وليس المراد أن يتنفس خارجة طلب الراحة واستدل به لمالك على جواز الشرب بنفس واحد وأخرج بن أبي شيبة الجواز عن سعيد بن المسيب وطائفة وقال عمر بن عبد العزيز إنما نهى عن التنفس داخل الإناء فأما من لم يتنفس فإن شاء فليشرب بنفس واحد قلت وهو تفصيل حسن وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعا أخرجه الحاكم وهو محمول على التفصيل المذكور

Section V10/P092–V10/P093

5308 قوله حدثنا عزرة بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها راء بن ثابت هو تابعي صغير أنصاري أصله من المدينة نزل البصرة وقد سمع من جده لأمه عبد الله بن يزيد الخطمي وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهما فهذا الإسناد له حكم الثلاثيات وإن كان شيخ تابعيه فيه تابعيا آخر قوله كان يتنفس في الإناء مرتين أو ثلاثا يحتمل أن تكون أو للتنويع وأنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على المرة بل إن روى من نفسين أكتفى بهما وإلا فثلاث ويحتمل أن تكون أو للشك فقد أخرج إسحاق بن راهويه الحديث المذكور عن عبد الرحمن بن مهدي عن عزرة بلفظ كان يتنفس ثلاثا ولم يقل أو وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن بن عباس رفعه لا تشربوا واحدة كما يشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث فإن كان محفوظا فهو يقوي ما تقدم من التنويع وأخرج أيضا بسند ضعيف عن بن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شرب تنفس مرتين وهذا ليس نصا في الاقتصار على المرتين بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب فيكون قد شرب ثلاث مرات وسكت عن التنفس الأخير لكونه من ضرورة الواقع وأخرج مسلم وأصحاب السنن من طريق أبي عاصم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الإناء ثلاثا ويقول هو أروى وأمرأ وأبرأ لفظ مسلم وفي رواية أبي داود أهنأ بدل قوله أروى وقوله أروى هو من الري بكسر الراء غير مهموز أي أكثر ريا ويجوز أن يقرأ مهموزا للمشاكلة وأمرأ بالهمز من المراءة يقال مرأ الطعام بفتح الراء يمرأ بفتحها ويجوز كسرها صار مريا وأبرأ بالهمز من البراءة أو من البرء أي يبرىء من الأذى والعطش وأهنأ بالهمز من الهنء والمعنى أنه يصير هنيئا مريا بريا أي سالما أو مبريا من مرض أو عطش أو أذى ويؤخذ من ذلك أنه أقمع للعطش وأقوى على الهضم وأقل أثرا في ضعف الأعضاء وبرد المعدة واستعمال أفعل التفضيل في هذا يدل على أن للمرتين في ذلك مدخلا في الفضل المذكور ويؤخذ منه أن النهي عن الشرب في نفس واحد للتنزيه قال المهلب النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق فيعافه الشارب ويتقذره إذ كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس ومحل هذا إذا أكل وشرب مع غيره وأما لو أكل وحده أو مع أهله أو من يعلم أنه لا يتقذر شيئا مما يتناوله فلا بأس قلت والأولى تعميم المنع لأنه لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل التقذر من الإناء أو نحو ذلك وقال بن العربي قال علماؤنا هو من مكارم الأخلاق ولكن يحرم على الرجل أن يناول أخاه ما يتقذره فإن فعله في خاصة نفسه ثم جاء غيره فناوله إياه فليعلمه فإن لم يعلمه فهو غش والغش حرام وقال القرطبي معنى النهي عن التنفس في الإناء لئلا يتقذر به من بزاق أو رائحة كريهة تتعلق بالماء وعلى هذا إذا لم يتنفس يجوز الشرب بنفس واحد وقيل يمنع مطلقا لأنه شرب الشيطان قال وقول أنس كان يتنفس في الشرب ثلاثا قد جعله بعضهم معارضا للنهي وحمل على بيان الجواز ومنهم من أومأ إلى أنه من خصائصه لأنه كان لا يتقذر منه شيء تكملة أخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشرب في ثلاثة أنفاس إذا أدنى الإناء إلى فيه يسمى الله فإذا أخره حمد الله يفعل ذلك ثلاثا وأصله في بن ماجة وله شاهد من حديث بن مسعود عند البزار والطبراني وأخرج الترمذي من حديث بن عباس المشار إليه قبل وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم وهذا يحتمل أن يكون شاهدا لحديث أبي هريرة المذكور ويحتمل أن يكون المراد به في الابتداء والانتهاء فقط والله أعلم 1 ( قوله باب الشرب في آنية الذهب )

Section V10/P093–V10/P095

كذا أطلق الترجمة وكأنه استغنى عن ذكر الحكم بما صرح به بعد في كتاب الأحكام أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم حتى يقوم دليل الإباحة وقد وقع التصريح في حديث الباب بالنهي والإشارة إلى الوعيد على ذلك ونقل بن المنذر الإجماع على تحريم الشرب في آنية الذهب والفضة إلا عن معاوية بن قرة أحد التابعين فكأنه لم يبلغه النهي وعن الشافعي في القديم ونقل عن نصه في حرملة أن النهي فيه للتنزيه لأن علته ما فيه من التشبه بالأعاجم ونص في الجديد على التحريم ومن أصحابه من قطع به عنه وهذا اللائق به لثبوت الوعيد عليه بالنار كما سيأتي في الذي يليه وإذا ثبت ما نقل عنه فلعله كان قبل أن يبلغه الحديث المذكور ويؤيدوهم النقل أيضا عن نصه في حرملة أن صاحب التقريب نقل في كتاب الزكاة عن نصه في حرملة تحريم اتخاذ الإناء من الذهب أو الفضة وإذا حرم الاتخاذ فتحريم الاستعمال أولى والعلة المشار إليها ليست متفقا عليها بل ذكروا للنهي عدة علل منها ما فيه من كسر قلوب الفقراء أو من الخيلاء والسرف ومن تضييق النقدين 5309 قوله عن بن أبي ليلى هو عبد الرحمن وفي رواية غندر عن شعبة عن الحكم سمعت بن أبي ليلى أخرجه مسلم والترمذي قوله كان حذيفة بالمدائن عند أحمد من طريق يزيد عن بن أبي ليلى كنت مع حذيفة بالمدائن والمدائن اسم بلفظ جمع مدينة وهو بلد عظيم على دجلة بينها وبين بغداد سبعة فراسخ كانت مسكن ملوك الفرس وبها إيوان كسرى المشهور وكان فتحها على يد سعد بن أبي وقاص في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل قبل ذلك وكان حذيفة عاملا عليها في خلافة عمر ثم عثمان إلى أن مات بعد قتل عثمان قوله فاستسقى فأتاه دهقان بكسر الدال المهملة ويجوز ضمها بعدها هاء ساكنة ثم قاف هو كبير القرية بالفارسية ووقع في رواية أحمد عن وكيع عن شعبة استسقى حذيفة من دهقان أو علج وتقدم في الأطعمة من طريق سيف عن مجاهد عن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسي ولم أقف على اسمه بعد البحث قوله بقدح فضة في رواية أبي داود عن حفص شيخ البخاري فيه بإناء من فضة ولمسلم من طريق عبد الله بن عكيم كنا عند حذيفة فجاءه دهقان بشراب في إناء من فضة ويأتي في اللباس عن سليمان بن حرب عن شعبة بلفظ بماء في إناء قوله فرماه به في رواية وكيع فحذفه به ويأتي في الذي يليه بلفظ فرمى به في وجهه ولأحمد من رواية يزيد عن بن أبي ليلى ما يألو أن يصيب به وجهه زاد في رواية الإسماعيلي وأصله عند مسلم فرماه به فكسره قوله فقال أني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته في رواية الإسماعيلي المذكورة لم أكسره إلا أني نهيته فلم يقبل وفي رواية وكيع ثم أقبل على القوم فاعتذر وفي رواية يزيد لولا أني تقدمت إليه مرة أو مرتين لم أفعل به هذا وفي رواية عبد الله بن عكيم أني أمرته أن لا يسقيني فيه ويأتي في الذي بعده مزيد فيه قوله وإن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن الحرير والديباج سيأتي في اللباس التصريح ببيان النهي عن لبسهما وفيه بيان الديباج ما هو قوله والشرب في آنية الذهب والفضة وقع في الذي يليه بلفظ لا تشربوا ولا تلبسوا وكذا عند أحمد من وجه آخر عن الحكم كذا وقع في معظم الروايات عن حذيفة الاقتصار على الشرب ووقع عند أحمد من طريق مجاهد عن بن أبي ليلى بلفظ نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة وأن يؤكل فيها ويأتي نحوه في حديث أم سلمة في الباب الذي يليه قوله وقال هن لهم في الدنيا وهن لكم في الآخرة كذا فيه بلفظ هن بضم الهاء وتشديد النون في الموضعين وفي رواية أبي داود عن حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ هي بكسر الهاء ثم التحتانية وكذا في رواية غندر عن شعبة ووقع عند الإسماعيلي وأصله في مسلم هو أي جميع ما ذكر قال الإسماعيلي ليس المراد بقوله في الدنيا إباحة استعمالهم إياه وإنما المعنى بقوله لهم أي هم الذين يستعملونه مخالفة لزي المسلمين وكذا قوله ولكم في الآخرة أي تستعملونه مكافأة لكم على تركه في الدنيا ويمنعه أولئك جزاء لهم على معصيتهم باستعماله قلت ويحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الذي يتعاطى ذلك في الدنيا لا يتعاطاه في الآخرة كما تقدم في شرب الخمر ويأتي مثله في لباس الحرير بل وقع في هذا بخصوصه ما سأبينه في الذي قبله

Section V10/P095–V10/P096

1 ( قوله باب آنية الفضة ) ذكر فيه ثلاثة أحاديث الأول حديث حذيفة 5310 قوله خرجنا مع حذيفة وذكر النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكره مختصرا وقد أخرجه أحمد عن بن أبي عدي الذي أخرجه البخاري من طريقه وأخرجه الإسماعيلي وأصله في مسلم من طريق معاذ بن معاذ وكلاهما عن عبد الله بن عون بلفظ خرجت مع حذيفة إلى بعض هذا السواد فاستسقى فأتاه الدهقان بإناء من فضة فرمى به في وجهه قال فقلنا اسكتوا فأنا إن سألناه لم يحدثنا قال فسكتنا فلما كان بعد ذلك قال أتدرون لم رميت بهذا في وجهه قلنا لا قال ذلك أني كنت نهيته قال فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تشربوا في آنية الذهب والفضة قال أحمد وفي رواية معاذ ولا في الفضة الحديث الثاني 5311 قوله إسماعيل هو بن أبي أويس قوله عن زيد بن عبد الله بن عمر هو تابعي ثقة تقدمت روايته عن أبيه في إسلام عمر وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وهذا الإسناد كله مدنيون وقد تابع مالكا عن نافع عليه موسى بن عقبة وأيوب وغيرهما وذلك عند مسلم وخالفهم إسماعيل بن أمية عن نافع فلم يذكر زيدا في إسناده جعله عن نافع عن عبد الله بن عبد الرحمن أخرجه النسائي والحكم لمن زاد من الثقات ولا سيما وهم حفاظ وقد اجتمعوا وانفرد إسماعيل وقال محمد بن إسحاق عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة ووافقه سعد بن إبراهيم عن نافع في صفية لكن خالفه فقال عن عائشة بدل أم سلمة وقول محمد بن إسحاق أقرب فإن كان محفوظا فلعل لنافع فيه إسنادين وشذ عبد العزيز بن أبي رواد فقال عن نافع عن أبي هريرة وسلك برد بن سنان وهشام بن الغاز الجادة فقالا عن نافع عن بن عمر أخرج الجميع النسائي وقال الصواب من ذلك كله رواية أيوب ومن تابعه قوله عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق هو بن أخت أم سلمة التي روى عنها هذا الحديث أمه قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية وهو ثقة ما له في البخاري غير هذا الحديث قوله الذي يشرب في آنية الفضة في رواية مسلم من طريق عثمان بن مرة عن عبد الله بن عبد الرحمن من شرب من إناء ذهب أو فضة وله من رواية على بن مسهر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع أن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة وأشار مسلم إلى تفرد علي بن مسهر بهذه اللفظة أعني الأكل قوله انما يجرجر بضم التحتانية وفتح الجيم وسكون الراء ثم جيم مكسورة ثم راء من الجرجرة وهو صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج نحو صوت اللجام في فك الفرس قال النووي اتفقوا على كسر الجيم الثانية من يجرجر وتعقب بأن الموفق بن حمزة في كلامه على المذهب حكى فتحها وحكى بن الفركاح عن والده أنه قال روى يجرجر على البناء للفاعل والمفعول وكذا جوزه بن مالك في شواهد التوضيح نعم رد ذلك بن أبي الفتح تلميذه فقال في جزء جمعه في الكلام على هذا المتن لقد كثر بحثي على أن أرى أحدا رواه مبنيا للمفعول فلم أجده عند أحد من حفاظ الحديث وإنما سمعناه من الفقهاء الذين ليست لهم عناية بالرواية وسألت أبا الحسين اليونيني فقال ما قرأته على والدي ولا على شيخنا المنذري إلا مبنيا للفاعل قال ويبعد اتفاق الحفاظ قديما وحديثا على ترك رواية ثابتة قال وأيضا فإسناده إلى الفاعل هو الأصل وإسناده إلى المفعول فرع فلا يصار إليه بغير حاجة وأيضا فإن علماء العربية قالوا يحذف الفاعل إما للعلم به أو للجهل به أو إذا تخوف منه أو عليه أو لشرفه أو لحقارته أو لإقامة وزن وليس هنا شيء من ذلك قوله في بطنه نار جهنم وقع للأكثر بنصب نار على أن الجرجرة بمعني الصب أو التجرع فيكون نار نصب على المفعولية والفاعل الشارب أي يصب أو يتجرع وجاء الرفع على أن الجرجرة هي التي تصوت في البطن قال النووي النصب أشهر ويؤيده رواية عثمان بن مرة عند مسلم بلفظ فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم وأجاز الأزهري النصب على أن الفعل عدى إليه وبن السيد الرفع على أنه خبر إن وما موصولة قال ومن نصب جعل ما زائدة كافة لأن عن العمل وهو نحو إنما صنعوا كيد ساحر فقرئ بنصب كيد ورفعه ويدفعه أنه لم يقع في شيء من النسخ بفصل ما من أن وقوله إن النار تصوت في بطنه كما يصوت البعير بالجرجرة مجاز تشبيه لأن النار لا صوت لها كذا قيل وفي النفي نظر لا يخفي الحديث الثالث حديث البراء أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع

Section V10/P096–V10/P098

5312 قوله وعن الشرب في الفضة أو قال في آنية الفضة شك من الراوي زاد مسلم من طريق أخرى عن البراء فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة ومثله في حديث أبي هريرة رفعه من شرب في آنية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة وآنية أهل الجنة الذهب والفضة أخرجه النسائي بسند قوي وسيأتي شرح حديث البراء مستوفي في كتاب الأدب ويأتي ما يتعلق باللباس منه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى وفي هذه الأحاديث تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة على كل مكلف رجلا كان أو امرأة ولا يلتحق ذلك بالحلي للنساء لأنه ليس من التزين الذي أبيح لها في شيء قال القرطبي وغيره في الحديث تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب ويلحق بهما ما في معناهما مثل التطيب والتكحل وسائر وجوه الاستعمالات وبهذا قال الجمهور وأغربت طائفة شذت فأباحت ذلك مطلقا ومنهم من قصر التحريم على الأكل والشرب ومنهم من قصره على الشرب لأنه لم يقف على الزيادة في الأكل قال واختلف في علة المنع فقيل إن ذلك يرجع إلى عينهما ويؤيده قوله هي لهم وإنها لهم وقيل لكونهما الأثمان وقيم المتلفات فلو أبيح استعمالهما لجاز اتخاذ الآلات منهما فيفضي إلى قلتهما بأيدي الناس فيجحف بهم ومثله الغزالي بالحكام الذين وظيفتهم التصرف لإظهار العدل بين الناس فلو منعوا التصرف لأخل ذلك بالعدل فكذا في اتخاذ الأواني من النقدين حبس لهما عن التصرف الذي ينتفع به الناس ويرد على هذا جواز الحلي للنساء من النقدين ويمكن الانفصال عنه وهذه العلة هي الراجحة عند الشافعية وبه صرح أبو علي السنجي وأبو محمد الجويني وقيل علة التحريم السرف والخيلاء أو كسر قلوب الفقراء ويرد عليه جواز استعمال الأواني من الجواهر النفيسة وغالبها أنفس وأكثر قيمة من الذهب والفضة ولم يمنعها إلا من شذ وقد نقل بن الصباغ في الشامل الإجماع على الجواز وتبعه الرافعي ومن بعده لكن في زوائد العمراني عن صاحب الفروع نقل وجهين وقيل العلة في المنع التشبه بالأعاجم وفي ذلك نظر لثبوت الوعيد لفاعله ومجرد التشبه لا يصل إلى ذلك واختلف في اتخاذ الأواني دون استعمالها كما تقدم والاشهر المنع وهو قول الجمهور ورخصت فيه طائفة وهو مبني على العلة في منع الاستعمال ويتفرع على ذلك غرامة أرش ما أفسد منها وجواز الاستئجار عليها 1 ( قوله باب الشرب في الأقداح ) أي هل يباح أو يمنع لكونه من شعار الفسقة ولعله أشار إلى أن الشرب فيها وأن كان من شعار الفسقة لكن ذلك بالنظر إلى المشروب وإلى الهيئة الخاصة بهم فيكره التشبه بهم ولا يلزم من ذلك كراهة الشرب في القدح إذا سلم من ذلك 5313 قوله حدثنا عمرو بن عباس بمهملتين وموحدة وشيخه عبد الرحمن هو بن مهدي وقد تقدم التنبيه على حديث أم الفضل المذكور قريبا وتقدم أنه مر مشروحا في كتاب الصيام 1 ( قوله باب الشرب من قدح النبي صلى الله عليه وسلم )

Section V10/P098–V10/P099

أي تبركا به قال بن المنير كأنه أراد بهذه الترجمة دفع توهم من يقع في خياله أن الشرب في قدح النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته تصرف في ملك الغير بغير إذن فبين أن السلف كانوا يفعلون ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث وما تركه فهو صدقة ولا يقال إن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل للغني لأن الجواب أن الممتنع على الأغنياء من الصدقة هو المفروض منها وهذا ليس من الصدقة المفروضة قلت وهذا الجواب غير مقنع والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الأوقاف المطلقة ينتفع بها من يحتاج إليها وتقر تحت يد من يؤتمن عليها ولهذا كان عند سهل قدح وعند عبد الله بن سلام آخر والجبة عند أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك قوله وقال أبو بردة هو بن أبي موسى الأشعري قوله قال لي عبد الله بن سلام هو الصحابي المشهور ولام سلام مخففة قوله ألا بتخفيف اللام للعرض وهذا طرف من حديث سيأتي موصولا في كتاب الاعتصام من طريق بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده عن عبد الله بن سلام وتقدم في مناقب عبد الله بن سلام من وجه آخر عن أبي بردة ثم ذكر حديث سهل بن سعد في قصة الجونية بفتح الجيم وسكون الواو ثم نون في قصة استعاذتها لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها وقد تقدم شرح قصتها في أول كتاب الطلاق وقوله في هذه الطريق فنزلت في أجم بضم الهمزة والجيم هو بناء يشبه القصر وهو من حصون المدينة والجمع آجام مثل أطم وآطام قال الخطابي الأطم والأجم بمعنى وأغرب الداودي فقال الآجام الأشجار والحوائط ومثله قول الكرماني الأجم بفتحتين جمع أجمة وهي الغيضة 5314 قوله قالت أنا كنت أشقى من ذلك ليس أفعل التفضيل فيه على ظاهره بل مرادها اثبات الشقاء لها لما فاتها من التزوج برسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو المكان الذي وقعت فيه البيعة لأبي بكر الصديق بالخلافة قوله ثم قال اسقنا يا سهل في رواية مسلم من هذا الوجه اسقنا لسهل أي قال لسهل اسقنا ووقع عند أبي نعيم فقال اسقنا يا أبا سعد والذي أعرفه في كنية سهل بن سعد أبو العباس فلعل له كنيتين أو كان الأصل يا بن سعد فتحرفت قوله فأخرجت لهم هذا القدح في رواية المستملي فخرجت لهم بهذا القدح قوله فأخرج لنا سهل قائل ذلك هو أبو حازم الراوي عنه وصرح بذلك مسلم في روايته قوله ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له كان عمر بن عبد العزيز حينئذ قد ولي إمرة المدينة وليست الهبة هنا حقيقية بل من جهة الاختصاص وفي الحديث التبسط على الصاحب واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب وتعظيمه بدعائه بكنيته والتبرك بآثار الصالحين واستيهاب الصديق ما لا يشق عليه هبته ولعل سهلا سمح بذلك لبدل كان عنده من ذلك الجنس أو لأنه كان محتاجا فعوضه المستوهب ما يسد به حاجته والله أعلم ومناسبته للترجمة ظاهرة من جهة رغبة الذين سألوا سهلا أن يخرج لهم القدح المذكور ليشربوا فيه تبركا به الحديث الثالث

Section V10/P099–V10/P101

5315 قوله حدثنا الحسن بن مدرك حدثنا يحيى بن حماد كذا أخرج هنا وفي غير موضع عن يحيى بن حماد بواسطة وأخرج عنه في هجرة الحبشة بغير واسطة والحسن بن مدرك كان صهر يحيى بن حماد فكان عنده عنه ما ليس عند غيره ولهذا لم يخرجه الإسماعيلي من طريق أبي عوانة ولا وجد له أبو نعيم إسنادا غير إسناد البخاري فأخرجه في المستخرج من طريق الفربري عن البخاري ثم قال رواه البخاري عن الحسن بن مدرك ويقال إنه حديثه يعني أنه تفرد به قوله رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك تقدم في فرض الخمس من طريق أبي حمزة السكري عن عاصم قال رأيت القدح وشربت منه وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة ثم قال قال علي بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه وذكر القرطبي في مختصر البخاري أنه رأى في بعض النسخ القديمة من صحيح البخاري قال أبو عبد الله البخاري رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه وكان اشترى من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف قوله وكان قد انصدع أي انشق قوله فسلسله بفضة أي وصل بعضه ببعض وظاهره أن الذي وصله هو أنس ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر رواية أبي حمزة المذكورة بلفظ أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة لكن رواية البيهقي من هذا الوجه بلفظ انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضة قال يعني أنسا هو الذي فعل ذلك قال البيهقي كذا في سياق الحديث فما أدري من قاله من رواته هل هو موسى بن هارون أو غيره قلت لم يتعين من هذه الرواية من قال هذا وهو جعلت بضم التاء على أنه ضمير القائل وهو أنس بل يجوز أن يكون جعلت بضم أوله على البناء للمجهول فتساوى الرواية التي في الصحيح ووقع لأحمد من طريق شريك عن عاصم رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة وهذا أيضا يحتمل والشعب بفتح المعجمة وسكون العين المهملة هو الصدع وكأنه سد الشقوق بخيوط من فضة فصارت مثل السلسلة قوله وهو قدح جيد عريض من نضار القائل هو عاصم راويه والعريض الذي ليس بمتطاول بل يكون طوله أقصر من عمقه والنضار بضم النون وتخفيف الضاد المعجمة الخالص من العود ومن كل شيء ويقال أصله من شجر النبع وقيل من الأثل ولونه يميل إلى الصفرة وقال أبو حنيفة الدينوري هو أجود الخشب للآنية وقال في المحكم النضار التبر والخشب قوله قال أي عاصم قال أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا وقع عند مسلم من طريق ثابت عن أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدحي هذا الشراب كله العسل والنبيذ والماء واللبن وقد تقدمت صفة النبيذ الذي كان يشربه وأنه نقيع التمر أو الزبيب قوله قال أي عاصم وقال بن سيرين هو محمد وقد فصل أبو عوانة في روايته هذه ما حمله عاصم عن أنس مما حمله عن بن سيرين ولم يقع ذلك في رواية أبي حمزة الماضية قوله انه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة هو شك من الراوي ويحتمل أن يكون التردد من أنس عند إرادة ذلك أو استشارته أبا طلحة فيه قوله فقال له أبو طلحة هو الأنصاري زوج أم سليم والدة أنس قوله لا تغيرن كذا للأكثر بالتوكيد وللكشميهني لا تغير بصيغة النهي بغير تأكيد وكلام أبي طلحة هذا إن كان بن سيرين سمعه من أنس وإلا فيكون أرسله عن أبي طلحة لأنه لم يلقه وفي الحديث جواز اتخاذ ضبة الفضة وكذلك السلسلة والحلقة وهو أيضا مما اختلف فيه قال الخطابي منعه مطلقا جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول مالك والليث وعن مالك يجوز من الفضة إن كان يسيرا وكرهه الشافعي قال لئلا يكون شاربا على فضة فأخذ بعضهم منه أن الكراهة تختص بما إذا كانت الفضة في موضع الشرب وبذلك صرح الحنفية وقال به أحمد وإسحاق وأبو ثور وقال بن المنذر تبعا لأبي عبيد المفضض ليس هو إناء فضة والذي تقرر عند الشافعية أن الضبة إن كانت من الفضة وهي كبيرة للزينة تحرم أو للحاجة فتجوز مطلقا وتحرم ضبة الذهب مطلقا ومنهم من سوى بين ضبتي الفضة والذهب وأما الحديث الذي أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه عن بن عمر بنحو حديث أم سلمة وزاد فيه أو في إناء فيه شيء من ذلك فإنه معلول بجهالة حال إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وولده قال البيهقي الصواب ما رواه عبيد الله العمري عن نافع عن بن عمر موقوفا أنه كان لا يشرب في قدح فيه ضبة فضة وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أم عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب وتفضيض الاقداح ثم رخص في تفضيض الاقداح وهذا لو ثبت لكان حجة في الجواز لكن في سنده من لا يعرف واستدل بقوله أو إناء فيه شيء من ذلك على تحريم الإناء من النحاس أو الحديد المطلي بالذهب أو الفضة والصحيح عند الشافعية إن كان يحصل منه بالعرض على النار حرم وإلا فوجهان أصحهما لا وفي العكس وجهان كذلك ولو غلف إناء الذهب أو الفضة بالنحاس مثلا ظاهرا وباطنا فكذلك وجزم إمام الحرمين أنه لا يحرم كحشو الجبة التي من القطن مثلا بالحرير واستدل بجواز اتخاذ السلسلة والحلقة أنه يجوز أن يتخذ للإناء رأس منفصل عنه وهذا ما نقله المتولي والبغوي والخوارزمي وقال الرافعي فيه نظر وقال النووي في شرح المهذب ينبغي أن يجعل كالتضبيب ويجري فيه الخلاف والتفصيل واختلفوا في ضابط الصغر في ذلك فقيل العرف وهو الأصح وقيل ما يلمع على بعد كبير وما لا فصغير وقيل ما استوعب جزءا من الإناء كأسفله أو عروته أو شفته كبير وما لا فلا ومتى شك فالأصل الإباحة والله أعلم

Section V10/P101–V10/P102

1 ( قوله باب شرب البركة والماء المبارك ) قال المهلب سمي الماء بركة لأن الشيء إذا كان مباركا فيه يسمى بركة 5316 قوله عن جابر بن عبد الله في رواية حصين عن سالم بن أبي الجعد سمعت جابرا وقد تقدمت في المغازي قوله قد رأيتني بضم التاء وفيه نوع تجريد قوله وحضرت العصر أي وقت صلاتها والجملة حالية قوله ثم قال حي على أهل الوضوء كذا وقع للأكثر وفي رواية النسفي حي على الوضوء بإسقاط لفظ أهل وهي أصوب وقد وجهت على تقدير ثبوتها بأن يكون أهل بالنصب على النداء بحذف حرف النداء كأنه قال حي على الوضوء المبارك يا أهل الوضوء كذا قال عياض وتعقب بأن المجرور بعلي غير مذكور وقال غيره الصواب حي هلا على الوضوء المبارك فتحرف لفظ هلا فصارت أهل وحولت عن مكانها وحي اسم فعل للأمر بالإسراع وتفتح لسكون ما قبلها مثل ليت وهلا بتخفيف اللام والتنوين كلمة استعجال قوله فجعلت لا آلو بالمد وتخفيف اللام المضمومة أي لا أقصر والمراد أنه جعل يستكثر من شربه من ذلك الماء لأجل البركة قال بن بطال يؤخذ منه أنه لا سرف ولا شره في الطعام أو الشراب الذي تظهر فيه البركة بالمعجزة بل يستحب الاستكثار منه وقال بن المنير في ترجمة البخاري إشارة إلى أنه يغتفر في الشرب منه الإكثار دون المعتاد الذي ورد باستحباب جعل الثلث له ولئلا يظن أن الشرب من غير عطش ممنوع فإن فعل جابر ما ذكر دال على أن الحاجة إلى البركة أكثر من الحاجة إلى الري والظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولو كان ممنوعا لنهاه قوله فقلت لجابر القائل هو سالم بن أبي الجعد راويه عنه قوله كم كنتم يومئذ قال ألف وأربعمائة كذا لهم بالرفع والتقدير نحن يومئذ ألف وأربعمائة ويجوز النصب على خبر كان وقد تقدم بيان الاختلاف على جابر في عددهم يوم الحديبية في باب غزوة الحديبية من المغازي وبينت هناك أن هذه القصة كانت هناك وتقدم شيء من شرح المتن في علامات النبوة قوله تابعه عمرو بن دينار عن جابر وصله المؤلف في تفسير سورة الفتح مختصرا كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة وهذا القدر هو مقصوده بالمتابعة المذكورة لا جميع سياق الحديث قوله وقال حصين وعمرو بن مرة عن سالم هو بن أبي الجعد خمس عشرة مائة أما رواية حصين فوصلها المؤلف في المغازي وأما رواية عمرو بن مرة فوصلها مسلم وأحمد بلفظ ألف وخمسمائة والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة فمن اقتصر عليها ألغى الكسر ومن قال ألف وخمسمائة جبره وقد تقدم بسط ذلك في كتاب المغازي وبيان توجيه من قال ألف وثلاثمائة مائة ولله الحمد خاتمة اشتمل كتاب الأشربة من الأحاديث المرفوعة على أحد وتسعين حديثا المعلق منها تسعة عشر طريقا والباقي موصول المكرر منها فيه وفيما مضى سبعون طريقا والباقي خالص وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي مالك وأبي عامر في المعازف وحديث بن أبي أوفى في الجر الأخضر وحديث أنس في الأقداح ليلة الإسراء وهو معلق وحديث جابر في الكرع وحديث علي في الشرب قائما وحديث أبي هريرة في النهي عن الشرب من فم السقاء وحديث أبي طلحة في قدح النبي صلى الله عليه وسلم وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة عشر أثرا والله أعلم قوله بسم الله الرحمن الرحيم 1 ( كتاب المرضى ) 1 ( باب ما جاء في كفارة المرض )

Section V10/P102

كذا لهم إلا أن البسملة سقطت لأبي ذر وخالفهم النسفي فلم يفرد كتاب المرضى من كتاب الطب بل صدر بكتاب الطب ثم بسمل ثم ذكر باب ما جاء واستمر على ذلك إلى آخر كتاب الطب ولكل وجه وفي بعض النسخ كتاب والمرضى جمع مريض والمراد بالمرض هنا مرض البدن وقد يطلق المرض على مرض القلب إما للشبهة كقوله تعالى في قلوبهم مرض وإما للشهوة كقوله تعالى فيطمع الذي في قلبه مرض ووقع ذكر مرض البدن في القرآن في الوضوء والصوم والحج وسيأتي ذكر مناسبة ذلك في أول الطب والكفارة صيغة مبالغة من التكفير وأصله التغطية والستر والمعنى هنا أن ذنوب المؤمن تتغطى بما يقع له من ألم المرض قال الكرماني والإضافة بيانية لأن المرض ليست له كفارة بل هو الكفارة نفسها فهو كقولهم شجر الأراك أو الإضافة بمعنى في أو هو من إضافة الصفة إلى الموصوف وقال غيره هو من الإضافة إلى الفاعل وأسند التكفير للمرض لكونه سببه قوله وقول الله عز وجل من يعمل سوءا يجز به قال الكرماني مناسبة الآية للباب أن الآية أعم إذ المعنى أن كل من يعمل سيئة فإنه يجازى بها وقال بن المنير الحاصل أن المرض كما جاز أن يكون مكفرا للخطايا فكذلك يكون جزاء لها وقال بن بطال ذهب أكثر أهل التأويل إلى أن معنى الآية أن المسلم يجازى على خطاياه في الدنيا بالمصائب التي تقع له فيها فتكون كفارة لها وعن الحسن وعبد الرحمن بن زيد أن الآية المذكورة نزلت في الكفارة خاصة والأحاديث في هذا الباب تشهد للأول انتهى وما نقله عنهما أورده الطبري وتعقبه ونقل بن التين عن بن عباس نحوه والأول المعتمد والأحاديث الواردة في سبب نزول الآية لما لم تكن على شرط البخاري ذكرها ثم أورد من الأحاديث على شرطه ما يوافق ما ذهب إليه الأكثر من تأويلها ومنه ما أخرجه أحمد وصححه بن حبان من طريق عبيد بن عمير عن عائشة أن رجلا تلا هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقال إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال نعم يجزى به في الدنيا من مصيبة في جسده مما يؤذيه وأخرجه أحمد وصححه بن حبان أيضا من حديث أبي بكر الصديق أنه قال يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تحزن قال قلت بلى قال هو ما تجزون به ولمسلم من طريق محمد بن قيس بن مخرمة عن أبي هريرة لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ثم ذكر المصنف في الباب ستة أحاديث الحديث الأول حديث عائشة

Section V10/P102–V10/P105

5317 قوله ما من مصيبة أصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة وقال الراغب أصاب يستعمل في الخير والشر قال الله تعالى ان تصبك حسنة تسؤهم وأن تصبك مصيبة الآية قال وقيل الإصابة في الخير مأخوذة من الصوب وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم وقال الكرماني المصيبة في اللغة ما ينزل بالإنسان مطلقا وفي العرف ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا قوله تصيب المسلم في رواية مسلم من طريق مالك ويونس جميعا عن الزهري ما من مصيبة يصاب بها المسلم ولأحمد من طريق عبد الرزاق عن معمر بهذا السند ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن ولابن حبان من طريق بن أبي السري عن عبد الرزاق ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها ونحوه لمسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه قوله حتى الشوكة جوزوا فيه الحركات الثلاث فالجر بمعنى الغاية أي حتى ينتهي إلى الشوكة أو عطفا على لفظ مصيبة والنصب بتقدير عامل أي حتى وجد أنه الشوكة والرفع عطفا على الضمير في تصيب وقال القرطبي قيده المحققون بالرفع والنصب فالرفع على الابتداء ولا يجوز على المحل كذا قال ووجهه غيره بأنه يسوغ على تقدير أن من زائدة قوله يشاكها بضم أوله أي يشوكه غيره بها وفيه وصل الفعل لأن الأصل يشاك بها وقال بن التين حقيقة هذا اللفظ يعني قوله يشاكها أن يدخلها غيره قلت ولا يلزم من كونه الحقيقة أن لا يراد ما هو أعم من ذلك حتى يدخل ما إذا دخلت هي بغير إدخال أحد وقد وقع في رواية هشام بن عروة عند مسلم لا يصيب المؤمن شوكة فاضافة الفعل إليها هو الحقيقة ويحتمل إرادة المعنى الأعم وهي أن تدخل بغير فعل أحد أو بفعل أحد فمن لا يمنع الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز باللفظ الواحد يجوز مثل هذا ويشاكها ضبط بضم أوله ووقع في نسخة الصغاني بفتحه ونسبها بعض شراح المصابيح لصحاح الجوهري لكن الجوهري إنما ضبطها لمعنى آخر فقدم لفظ يشاك بضم أوله ثم قال والشوكة حدة الناس وحدة السلاح وقد شاك الرجل يشاك شوكا إذا ظهرت فيه شوكته وقويت قوله إلا كفر الله بها عنه في رواية أحمد إلا كان كفارة لذنبه أي يكون ذلك عقوبة بسبب ما كان صدر منه من المعصية ويكون ذلك سببا لمغفرة ذنبه ووقع في رواية بن حبان المذكورة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ومثله لمسلم من طريق الأسود عن عائشة وهذا يقتضي حصول الأمرين معا حصول الثواب ورفع العقاب وشاهده ما أخرجه الطبراني في الأوسط من وجه آخر عن عائشة بلفظ ما ضرب على مؤمن عرق قط إلا حط الله به عنه خطيئة وكتب له حسنة ورفع له درجة وسنده جيد وأما ما أخرجه مسلم أيضا من طريق عمرة عنها إلا كتب الله له بها حسنة أو حط عنه بها خطيئة كذا وقع فيه بلفظ أو فيحتمل أن يكون شكا من الراوي ويحتمل التنويع وهذا أوجه ويكون المعنى إلا كتب الله له بها حسنة إن لم يكن عليه خطايا أو حط عنه خطايا إن كان له خطايا وعلى هذا فمقتضى الأول أن من ليست عليه خطيئة يزاد في رفع درجته بقدر ذلك والفضل واسع تنبيه وقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه أبو عوانة والحاكم من طريق عبد الرحمن بن شيبة العبدري أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي فقالت له عائشة لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه فقال إن الصالحين يشدد عليهم وأنه لا يصيب المؤمن نكبة شوكة الحديث وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب والمصائب ليست منها بل الأجر على الصبر والرضا ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة قال القرافي المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل كذا قال والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك لأن الشارع قد جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل وهو إساءة أدب على الشارع كذا قال وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك الحديث الثاني والثالث حديث أبي سعيد وأبي هريرة معا

Section V10/P105–V10/P106

5318 قوله عبد الملك بن عمرو هو أبو عامر العقدي مشهور بكنيته أكثر من اسمه وزهير بن محمد هو أبو المنذر التميمي وقد تكلموا في حفظه لكن قال البخاري في التاريخ الصغير ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح قلت وقال أحمد بن حنبل كان زهير بن محمد الذي يروي عنه الشاميون آخر لكثرة المناكير انتهى ومع ذلك فما أخرج له البخاري إلا هذا الحديث وحديثا آخر في كتاب الاستئذان من رواية أبي عامر العقدي أيضا عنه وأبو عامر بصري وقد تابعه على هذا الحديث الوليد بن كثير في حديث الباب عن شيخه فيه محمد بن عمرو بن حلحلة عند مسلم وحلحلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة وبعد الثانية لام مفتوحة ثم هاء قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الوليد بن كثير أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله من نصب بفتح النون والمهملة ثم موحدة هو التعب وزنه ومعناه قوله ولا وصب بفتح الواو والمهملة ثم الموحدة أي مرض وزنه ومعناه وقيل هو المرض اللازم قوله ولا هم ولا حزن هما من أمراض الباطن ولذلك ساغ عطفهما على الوصب قوله ولا أذى هو أعم مما تقدم وقيل هو خاص بما يلحق الشخص من تعدي غيره عليه قوله ولا غم بالغين المعجمة هو أيضا من أمراض الباطن وهو ما يضيق على القلب وقيل في هذه الأشياء الثلاثة وهي الهم والغم والحزن أن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده وقيل الهم والغم بمعنى واحد وقال الكرماني الغم يشمل جميع أنواع المكروهات لأنه إما بسبب ما يعرض للبدن أو النفس والأول إما بحيث يخرج عن المجرى الطبيعي أو لا والثاني إما أن يلاحظ فيه الغير أو لا وإما أن يظهر فيه الانقباض أو لا وإما بالنظر إلى الماضي أو لا الحديث الرابع حديث كعب قوله حدثنا يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري وسعد هو بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وعبد الله بن كعب أي بن مالك الأنصاري قوله كالخامة بالخاء المعجمة وتخفيف الميم هي الطاقة الطرية اللينة أو الغضة أو القضبة قال الخليل الخامة الزرع أول ما ينبت على ساق واحد والألف منها منقلبة عن واو ونقل بن التين عن القزاز أنه ذكرها بالمهملة والفاء وفسرها بالطاقة من الزرع ووقع عند أحمد في حديث جابر مثل المؤمن مثل السنبلة تستقيم مرة وتخر أخرى وله في حديث لأبي بن كعب مثل المؤمن مثل الخامة تحمر مرة وتصفر أخرى قوله تفيئها بفاء وتحتانية مهموز أي تميلها وزنه ومعناه قال الزركشي هنا لم يذكر الفاعل وهو الريح وبه يتم الكلام وقد ذكره في باب كفارة المرض وهذا من أعجب ما وقع له فان هذا الباب الذي ذكر فيه ذلك هو باب كفارة المرض ولفظ الريح ثابت فيه عند معظم الرواة ونقل بن التين عن أبي عبد الملك أن معنى تفيئها ترقدها وتعقبه بأنه ليس في اللغة فاء إذا رقد قلت لعله تفسير معنى لأن الرقود رجوع عن القيام وفاء يجيء بمعنى رجع قوله وتعدلها بفتح أوله وسكون المهملة وكسر الدال وبضم أوله أيضا وفتح ثانيه والتشديد ووقع عند مسلم تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها أخرى وكأن ذلك باختلاف حال الريح فإن كانت شديدة حركتها فمالت يمينا وشمالا حتى تقارب السقوط وإن كانت ساكنة أو إلى السكون أقرب أقامتها ووقع في رواية زكريا عند مسلم حتى تهيج أي تستوي ويكمل نضجها ولأحمد من حديث جابر مثله قوله

Section V10/P106

5319 ومثل المنافق في حديث أبي هريرة المذكور بعده الفاجر وفي رواية زكريا عند مسلم الكفار قوله كالأرزة بفتح الهمزة وقيل بكسرها وسكون الراء بعدها زاي كذا للأكثر وقال أبو عبيدة هو بوزن فاعلة وهي الثابتة في الأرض ورده أبو عبيد بأن الرواة اتفقوا على عدم المد وإنما اختلفوا في سكون الراء وتحريكها والأكثر على السكون وقال أبو حنيفة الدينوري الراء ساكنة وليس هو من نبات أرض العرب ولا ينبت في السباخ بل يطول طولا شديدا ويغلظ قال وأخبرني الخبير أنه ذكر الصنوبر وأنه لا يحمل شيئا وإنما يستخرج من أعجازه وعروقه الزفت وقال بن سيده الأرز العرعر وقيل شجر بالشام يقال لثمره الصنوبر وقال الخطابي الأرزة مفتوحة الراء واحدة الأرز وهو شجر الصنوبر فيما يقال وقال القزاز قاله قوم بالتحريك وقالوا هو شجر معتدل صلب لا يحركه هبوب الريح ويقال له الأرزن قوله انجعافها بجيم ومهملة ثم فاء أي انقلاعها تقول جعفته فانجعف مثل قلعته فانقلع ونقل بن التين عن الداودي أن معناه انكسارها من وسطها أو أسفلها قال المهلب معنى الحديث أن المؤمن حيث جاءه أمر الله أن طاع له فإن وقع له خير فرح به وشكر وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والأجر فإذا اندفع عنه اعتدل شاكرا والكافر لا يتفقده الله باختياره بل يحصل له التيسير في الدنيا ليتعسر عليه الحال في المعاد حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه فيكون موته أشد عذابا عليه وأكثر ألما في خروج نفسه وقال غيره المعنى أن المؤمن يتلقى الأعراض الواقعة عليه لضعف حظه من الدنيا فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه والكافر بخلاف ذلك وهذا في الغالب من حال الإثنين قوله وقال زكريا هو بن أبي زائدة وهذا التعليق عنه وصله مسلم من طريق عبد الله بن نمير ومحمد بن بشر كلاهما عنه قوله حدثني سعد هو بن إبراهيم المذكور من قبل قوله حدثني بن كعب يريد أنه مغاير لرواية سفيان عن سعد في شيئين أحدهما إبهامه اسم بن كعب والثاني تصريحه بالتحديث فيستفاد من رواية سفيان تسميته ومن رواية زكريا التصريح باتصاله وقد وقع في رواية لمسلم عند سفيان تسميته عبد الرحمن بن كعب ولعل هذا هو السر في إبهامه في رواية زكريا ويستفاد من صنيع مسلم في تخريج الروايتين عن سفيان أن الاختلاف إذا دار على ثقة لا يضر الحديث الخامس حديث أبي هريرة

Section V10/P106–V10/P107

5320 قوله حدثني أبي هو فليح بن سليمان قوله عن هلال بن علي من بني عامر بن لؤي كذا فيه وليس هو من أنفسهم وإنما هو من مواليهم واسم جده أسامة وقد ينسب إلى جده ويقال له أيضا هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال وهو مدني تابعي صغير موثق وفي الرواة هلال بن أبي هلال سلمة الفهري تابعي مدني أيضا يروي عن بن عمر روى عنه أسامة بن زيد الليثي وحده ووهم من خلطه بهلال بن علي وفيهم أيضا هلال بن أبي هلال مذحجي تابعي أيضا يروي عن أبي هريرة وهلال بن أبي هلال أبو ظلال بصري تابعي أيضا يأتي ذكره قريبا في باب فضل من ذهب بصره وهلال بن أبي هلال شيخ يروي عن أنس أفرده الخطيب في المتفق عن أبي ظلال وقال أنه مجهول ولست أستبعد أن يكون واحدا قوله من حيث أتتها الريح كفأتها بفتح الكاف والفاء والهمز أي أمالتها ونقل بن التين أن منهم من رواه بغير همز ثم قال كأنه سهل الهمز وهو كما ظن والمعنى أمالتها قوله فإذا اعتدلت تكفأ بالبلاء قال عياض كذا فيه وصوابه فإذا انقلبت ثم يكون قوله تكفأ رجوعا إلى وصف المسلم وكذا ذكره في التوحيد وقال الكرماني كان المناسب أن يقول فإذا اعتدلت تكفأ بالريح كما يتكفأ المؤمن بالبلاء لكن الريح أيضا بلاء بالنسبة إلى الخامة أو لأنه لما شبة المؤمن بالخامة أثبت للمشبه به ما هو من خواص المشبه قلت ويحتمل أن يكون جواب إذا محذوفا والتقدير استقامت أي فإذا اعتدلت الريح استقامت الخامة ويكون قوله بعد ذلك تكفأ بالبلاء رجوعا إلى وصف المسلم كما قال عياض وسياق المصنف في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد يؤيد ما قلت فإنه أخرجه فيه عن محمد بن سنان عن فليح عاليا بإسناده الذي هنا وقال فيه فإذا سكنت اعتدلت وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء تنبيه ذكر المزي في الأطراف في ترجمة هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة حديث مثل المؤمن مثل خامة الزرع خ في الطب عن محمد بن سنان عن فليح وعن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح عن أبيه عنه به قال أبو القاسم يعني بن عساكر لم أجد حديث محمد بن سنان ولا ذكره أبو مسعود فأشار إلى أن خلفا تفرد بذكره قلت ورواية إبراهيم بن المنذر في كتاب المرضى كما ترى لا في الطب لكن الأمر فيه سهل وأما رواية محمد بن سنان فقد بينت أين ذكرها البخاري أيضا فيتعجب من خفاء ذلك على هذين الحافظين الكبيرين بن عساكر والمزي ولله الحمد على ما أنعم قوله والفاجر في رواية محمد بن سنان والكافر وبهذا يظهر أن المراد بالمنافق في حديث كعب بن مالك نفاق الكفر قوله صماء أي صلبة شديدة بلا تجويف قوله يقصمها بفتح أوله وبالقاف أي يكسرها وكأنه مستند الداودي فيما فسر به الانجعاف لكن لا يلزم من التعبير بما يدل على الكسر أن يكون هو الانقلاع لأن الغرض القدر المشترك بينهما وهو الإزالة والمراد خروج الروح من الجسد الحديث السادس حديث أبي هريرة أيضا

Section V10/P107–V10/P109

5321 قوله عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة هكذا جرد مالك نسبه ومنهم من ينسبه إلى جده ومنهم من ينسب عبد الله إلى جده ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق بن القاسم عن مالك حدثني محمد بن عبد الله فذكره قوله أبا الحباب بضم المهملة وموحدتين مخففا قوله من يرد الله به خيرا يصب منه كذا للأكثر بكسر الصاد والفاعل الله قال أبو عبيد الهروي معناه يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها وقال غيره معناه يوجه إليه البلاء فيصيبه وقال بن الجوزي أكثر المحدثين يرويه بكسر الصاد وسمعت بن الخشاب يفتح الصاد وهو أحسن وأليق كذا قال ولو عكس لكان أولى والله أعلم ووجه الطيبي الفتح بأنه أليق بالأدب لقوله تعالى وإذا مرضت فهو يشفين قلت ويشهد للكسر ما أخرجه أحمد من حديث محمود بن لبيد رفعه إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع ورواته ثقات إلا أن محمود بن لبيد اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم وقد رآه وهو صغير وله شاهد من حديث أنس عند الترمذي وحسنه وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن لأن الآدمي لا ينفك غالبا من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر وأن الأمراض والأوجاع والآلام بدنية كانت أو قلبية تكفر ذنوب من تقع له وسيأتي في الباب الذي بعده من حديث بن مسعود ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن الجمهور خصوا ذلك بالصغائر للحديث الذي تقدم التنبيه عليه في أوائل الصلاة الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فحملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد ويحتمل أن يكون معنى الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ثم المراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المرتب عليه من استحقاق العقوبة وقد استدل به على أن مجرد حصول المرض أو غيره مما ذكر يترتب عليه التكفير المذكور سواء انضم إلى ذلك صبر المصاب أم لا وأبي ذلك قوم كالقرطبي في المفهم فقال محل ذلك إذا صبر المصاب واحتسب وقال ما أمر الله به في قوله تعالى الذين إذا أصابتهم مصيبة الآية فحينئذ يصل إلى ما وعد الله ورسوله به من ذلك وتعقب بأنه لم يأت على دعواه بدليل وأن في تعبيره بقوله بما أمر الله نظرا إذ لم يقع هنا صيغة أمر وأجيب عن هذا بأنه وإن لم يقع التصريح بالأمر فسياقه يقتضي الحث عليه والطلب له ففيه معنى الأمر وعن الأول بأنه حمل الأحاديث الواردة بالتقييد بالصبر على المطلقة وهو حمل صحيح لكن كان يتم له ذلك لو ثبت شيء منها بل هي إما ضعيفة لا يحتج بها وإما قوية لكنها مقيدة بثواب مخصوص فاعتبار الصبر فيها إنما هو لحصول ذلك الثواب المخصوص مثل ما سيأتي فيمن وقع الطاعون ببلد هو فيها فصبر واحتسب فله أجر شهيد ومثل حديث محمد بن خالد عن أبيه عن جده وكانت له صحبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل ابتلاه الله في جسده أو ولده أو ماله ثم صبر على ذلك حتى يبلغ تلك المنزلة رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات إلا أن خالدا لم يرو عنه غير ابنه محمد وأبوه اختلف في اسمه لكن إبهام الصحابي لا يضر وحديث سخبرة بمهملة ثم معجمة ثم موحدة وزن مسلمة رفعه من أعطى فشكر وابتلى فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون أخرجه الطبراني بسند حسن والحديث الآتي قريبا من ذهب بصره يدخل في هذا أيضا هكذا زعم بعض من لقيناه أنه استقرأ الأحاديث الواردة في الصبر فوجدها لا تعدو أحد الأمرين وليس كما قال بل صح التقييد بالصبر مع إطلاق ما يترتب عليه من الثواب وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد للمؤمن إن أصابته سراء فشكر الله فله أجر وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر فكل قضاء الله للمسلم خير وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص بلفظ عجبت من قضاء الله للمؤمن إن أصابه خير حمد وشكر وإن أصابته مصيبة حمد وصبر فالمؤمن يؤجر في كل أمره الحديث أخرجه أحمد والنسائي وممن جاء عنه التصريح بأن الأجر لا يحصل بمجرد حصول المصيبة بل إنما يحصل بها التكفير فقط من السلف الأول أبو عبيدة بن الجراح فروى أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأصله في النسائي بسند جيد وصححه الحاكم من طريق عياض بن غطيف قال دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته فقلنا كيف بات أبو عبيدة فقالت امرأته نحيفة لقد بات بأجر فقال أبو عبيدة ما بت بأجر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة وكأن أبا عبيدة لم يسمع الحديث الذي صرح فيه بالأجر لمن أصابته المصيبة أو سمعه وحمله على التقييد بالصبر والذي نفاه مطلق حصول الأجر العاري عن الصبر وذكر بن بطال أن بعضهم استدل على حصول الأجر بالمرض بحديث أبي موسى الماضي في الجهاد بلفظ إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما قال فقد زاد على التكفير وأجاب بما حاصله أن الزيادة لهذا إنما هي باعتبار نيته أنه لو كان صحيحا لدام على ذلك العمل الصالح فتفضل الله عليه بهذه النية بأن يكتب له ثواب ذلك العمل ولا يلزم من ذلك أن يساويه من لم يكن يعمل في صحته شيئا وممن جاء عنه أن المريض يكتب له الأجر بمرضه أبو هريرة فعند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عنه أنه قال ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني وإن الله يعطي كل عضو قسطه من الأجر ومثل هذا لا يقوله أبو هريرة برأيه وأخرج الطبراني من طريق محمد بن معاذ عن أبيه عن جده أبي بن كعب أنه قال يا رسول الله ما جزاء الحمى قال تجري الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قدم أو ضرب عليه عرق الحديث والأولى حمل الإثبات والنفي على حالين فمن كانت له ذنوب مثلا أفاد المرض تمحيصها ومن لم تكن له ذنوب كتب له بمقدار ذلك ولما كان الأغلب من بني آدم وجود الخطايا فيهم أطلق من أطلق أن المرض كفارة فقط وعلى ذلك تحمل الأحاديث المطلقة ومن أثبت الأجر به فهو محمول على تحصيل ثواب يعادل الخطيئة فإذا لم تكن خطيئة توفر لصاحب المرض الثواب والله أعلم بالصواب وقد استبعد بن عبد السلام في القواعد حصول الأجر على نفس المصيبة وحصر حصول الأجر بسببها في الصبر وتعقب بما رواه أحمد بسند جيد عن جابر قال استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بها إلى أهل قباء فشكوا إليه ذلك فقال ما شئتم إن شئتم دعوت الله لكم فكشفها عنكم وإن شئتم أن تكون لكم طهورا قالوا فدعها ووجه الدلالة منه أنه لم يؤاخذهم بشكواهم ووعدهم بأنها طهور لهم قلت والذي يظهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات على ما تقدم تفصيله وإن لم يحصل الصبر نظر إن لم يحصل من الجزع ما يذم من قول أو فعل فالفضل واسع ولكن المنزلة منحطة عن منزلة الصابر السابقة وإن حصل فيكون ذلك سببا لنقص الأجر الموعود به أو التكفير فقد يستويان وقد يزيد أحدهما على الآخر فبقدر ذلك يقضى لأحدهما على الآخر ويشير إلى التفصيل المذكور حديث محمود بن لبيد الذي ذكرته قريبا والله أعلم

Questions