İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب الحب في الله ) ذكر فيه حديث أنس لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإيمان وبيان أن هذه الترجمة أول حديث أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي أمامة ولفظه الحب في الله والبغض في الله من الإيمان وان له طرقا أخرى وقوله 5694 أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق أبيه وأمه وولده وزوجه وجميع الناس لأن الهدى من الضلال والخلاص من النار إنما كان بالله على لسان رسوله ومن علامات محبته نصر دينه بالقول والفعل والذب عن شريعته والتخلق بأخلاقه والله أعلم 1 ( قوله باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم الآية ) كذا لأبي ذر والنسفي وسقطت الآية لغيرهما وزاد عسى أن يكونوا خيرا منهم إلى قوله فأولئك هم الظالمون وذكر فيه حديثين أحدهما حديث عبد الله بن زمعة نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس وقد تقدم في تفسير والشمس وضحاها من وجه آخر عن هشام بن عروة راوية هنا بلفظ ثم وعظهم في الضرطة فقال لم يضحك أحدهم مما يخرج منه قوله لا يسخر نهى عن السخرية وهي فعل الساخر وهو الذي يهزأ منه والسخرية تسخير خاص والسخرية سياقه الشيء إلى الغرض المختص به قهرا فورد النهي عن استهزاء المرء بالآخر تنقيصا له مع احتمال أن يكون في نفس الأمر خيرا منه وقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رفعه في اثناء حديث بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم 5695 قوله وقال الثوري ووهيب بن خالد وأبو معاوية عن هشام جلد العبد يريد أن هؤلاء الثلاثة رووه عن هشام بن عروة بهذا الإسناد في قصة النهي عن ضرب المرأة وأن هؤلاء جزموا بقولهم جلد العبد موضع شك بن عيينة هل قال جلد الفحل أو جلد العبد والتعاليق الثلاثة تقدم بيان كونها موصولة أما رواية الثوري فوصلها المؤلف في النكاح وساقها كذلك وأما رواية وهيب فوصلها المؤلف في التفسير كذلك وأما رواية أبي معاوية فوصلها أحمد وإسحاق كذلك وتقدم التنبيه عليها في التفسير أيضا الحديث الثاني حديث بن عمر في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى والغرض منه بيان تحريم العرض وهو موضع المدح والذم من الشخص أعم من أن يكون في نفسه أو نسبه أو حسبه وقال بن قتيبة عرض الرجل بدنه ونفسه لا غير ومنه استبرأ لدينه وعرضه قلت ولا حجة فيه لما ادعاه من الحصر ويدل للأول قول حسان فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء يخاطب بذلك من كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر ما يقع تهاجيهم في مدح الآباء وذمهم وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الحج وعند مسلم من حديث أبي هريرة كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله 1 ( قوله باب ما ينهى من السباب واللعن ف ) ي رواية غير أبي ذر والنسفي عن بدل من وهي أولى وفي الأول حذف تقديره ما ينهى عنه والسباب بكسر المهملة وتخفيف الموحدة تقدم بيانه مع شرح الحديث الأول في كتاب الإيمان وهو محتمل لأن يكون على ظاهر لفظه من التفاعل ويحتمل أن يكون بمعنى السب وهو الشتم وهو نسبة الإنسان إلى عيب ما وعلى الأول فحكم من بدأ منهما أن الوزر عليه حتى يعتدى الثاني كما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة وصحح بن حبان من حديث العرباض بن سارية قال المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان وقوله 5697 في آخر الحديث الأول تابعه محمد بن جعفر عن شعبة وصله أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر وهو غندر بهذا الإسناد لكن قال فيه عن شعبة عن زبيد ومنصور وزاد فيه زبيدا وهو بالزاي والموحدة مصغر ومعنى اللعن الدعاء بالابعاد من رحمة الله تعالى الحديث الثاني
5698 قوله عن الحسين هو بن ذكوان المعلم والإسناد إلى أبي ذر بصريون وقد دخلها هو أيضا وفي رواية مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبي حدثنا الحسين المعلم قوله عن أبي ذر في رواية الإسماعيلي من وجهين عن أبي معمر شيخ البخاري فيه بالسند إلى أبي الأسود أن أبا ذر حدثه قوله لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كما قال وفي رواية للإسماعيلي إلا حار عليه وفي أخرى الا ارتدت عليه يعني رجعت عليه وحار بمهملتين أي رجع وهذا يقتضي أن من قال لآخر أنت فاسق أو قال له أنت كافر فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور وأنه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقا ولا كافرا أن لا يكون آثما في صورة قوله له أنت فاسق بل في هذه الصورة تفصيل إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز وأن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لم يجز لأنه مأمور بالستر عليه وتعليمه وعظته بالحسنى فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف لأنه قد يكون سببا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل كما في طبع كثير من الناس من الآنفة لا سيما إن كان الآمر دون المأمور في المنزلة ووقع في رواية مسلم بلفظ ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه ذكره في أثناء حديث في ذم من ادعى إلى غير أبيه وقد تقدم صدره في مناقب قريش بالإسناد المذكور هنا فهو حديث واحد فرقه البخاري حديثين وسيأتي هذا المتن في باب من أكفر أخاه بغير تأويل من حديث أبي هريرة ومن حديث بن عمر بلفظ فقد باء بها أحدهما وهو بمعنى رجع أيضا قال النووي اختلف في تأويل هذا الرجوع فقيل رجع عليه الكفر إن كان مستحلا وهذا بعيد من سياق الخبر وقيل محمول على الخوارج لأنهم يكفرون المؤمنين هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم قلت ولما قاله مالك وجه وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة ممن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وبالايمان فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل كما سيأتي إيضاحه في باب من أكفر أخاه بغير تأويل والتحقيق أن الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم وقيل معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره وهذا لا بأس به وقيل يخشى عليه أن يؤل به ذلك إلى الكفر كما قيل المعاصي بريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك كما سيأتي تقريره فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام ويؤيده أن في بعض طرقه وجب الكفر على أحدهما وقال القرطبي حيث جاء الكفر في لسان الشرع فهو جحد المعلوم من دين الإسلام بالضرورة الشرعية وقد ورد الكفر في الشرع بمعنى جحد النعم وترك شكر المنعم والقيام بحقه كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان في باب كفر دون كفر وفي حديث أبي سعيد يكفرن الإحسان ويكفرن العشير قال وقوله باء بها أحدهما أي رجع بإثمها ولازم ذلك واصل البوء اللزوم ومنه أبوء بنعمتك أي ألزمها نفسي وأقر بها قال والهاء في قوله بها راجع إلى التكفيرة الواحدة التي هي أقل ما يدل عليها لفظ كافر ويحتمل أن يعود إلى الكلمة والحاصل أن المقول له ان كان كافرا كفرا شرعيا فقد صدق القائل وذهب بها المقول له وإن لم يكن رجعت للقائل معرة ذلك القول واثمه كذا اقتصر على هذا التأويل في رجع وهو من أعدل الأجوبة وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء بسند جيد رفعه أن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتأخذ يمنة ويسرة فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها وله شاهد عند أحمد من حديث بن مسعود بسند حسن وآخر عند أبي داود والترمذي عن بن عباس ورواته ثقات ولكنه أعل بالإرسال الحديث الثالث حديث أنس تقدم شرحه في باب حسن الخلق الحديث الرابع حديث ثابت بن الضحاك وقد اشتمل على خمسة أحكام وسيأتي في باب من أكفر أخاه بغير تأويل بتمامه إلا خصلة واحدة منها ويأتي كذلك في الأيمان والنذور ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى ويؤخذ حكم ما يتعلق بتكفير من كفر المسلم من الذي قبله وقوله لعن المسلم كقتله أي لأنه إذا لعنه فكأنه دعا عليه بالهلاك الحديث الخامس حديث سليمان بن صرد بضم الصاد وفتح الراء بعدها دال مهملات وهو بن الجون بن أبي الجون الخزاعي صحابي شهير يقال كان اسمه يسار بتحتانية ومهملة فغيره النبي صلى الله عليه وسلم ويكنى أبا المطرف وقتل في سنة خمس وستين وله ثلاث وتسعون سنة
5701 قوله استب رجلان لم أعرف أسماءهما ووقع في صفة إبليس من وجه آخر عن الأعمش بهذا السند كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان قوله حتى انتفخ وجهه في الرواية المذكورة فاحمر وجهه وانتفخت أوداجه وفي رواية مسلم تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه وقد تقدم تفسير الودج في صفة إبليس وفي حديث معاذ بن جبل عند أحمد وأصحاب السنن حتى أنه ليخيل إلي أن أنفه ليتمزع من الغضب قوله إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد في الرواية المذكورة لو قال أعوذ بالله من الشيطان وفي رواية مسلم الرجيم ومثله في حديث معاذ ولفظه أني لأعلم كلمة لو يقولها هذا الغضبان لذهب عنه الغضب اللهم أني أعوذ بك من الشيطان الرجيم قوله فانطلق إليه الرجل في رواية مسلم فقام إلى الرجل رجل ممن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وفي الرواية المتقدمة فقالوا له فدلت هذه الرواية على أن الذي خاطبه منهم واحد وهو معاذ بن جبل كما بينته رواية أبي داود ولفظه قال فجعل معاذ يأمره فأبى وضحك وجعل يزداد غضبا قوله وقال تعوذ بالله في الرواية المذكورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله وهو بالمعنى فإنه صلى الله عليه وسلم أرشده إلى ذلك وليس في الخبر أنه أمرهم أن يأمروه بذلك لكن استفادوا ذلك من طريق عموم الأمر بالنصيحة للمسلمين قوله أترى بي بأس بضم التاء أي أتظن ووقع بأس هنا بالرفع للأكثر وفي بعضها بأسا بالنصب وهو أوجه قوله أمجنون أنا في الرواية المذكورة وهل بي من جنون قوله اذهب هو خطاب من الرجل للرجل الذي أمره بالتعوذ أي أمض في شغلك وأخلق بهذا المأمور أن يكون كافرا أو منافقا أو كان غلب عليه الغضب حتى أخرجه عن الاعتدال بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب بهذا الجواب السيء وقيل أنه كان من جفاة الأعراب وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون ولم يعلم أن الغضب نوع من شر الشيطان ولهذا يخرج به عن صورته ويزين إفساد ما له كتقطيع ثوبه وكسر آنيته أو الأقدام على من أغضبه ونحو ذلك مما يتعاطاه من يخرج عن الاعتدال وقد أخرج أبو داود من حديث عطية السعدي رفعه إن الغضب من الشيطان الحديث الحديث السادس عن عبادة بن الصامت في ذكر ليلة القدر وقد تقدم في أواخر الصيام مشروحا وأورده هنا لقوله فيه فتلاحى أي تنازع والتلاحي بالمهملة أي التجادل والتنازع وهو يفضي في الغالب إلى المساببة وتقدم أن الرجلين هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد الحديث السابع حديث أبي ذر ساببت رجلا وقد تقدم شرحه في كتاب الإيمان وأن الرجل المذكور هو بلال المؤذن وكان اسم أمه حمامة بفتح المهملة وتخفيف الميم وقوله 5703 إنك امرؤ فيك جاهلية التنوين للتقليل والجاهلية ما كان قبل الإسلام ويحتمل أن يراد بها هنا الجهل أي إن فيك جهلا وقوله قلت على ساعتي هذه من كبر السن أي هل في جاهلية أو جهل وأنا شيخ كبير وقوله هم إخوانكم أي العبيد أو الخدم حتى يدخل من ليس في الرق منهم وقرينة قوله تحت أيديكم ترشد إليه ويؤخذ منة المبالغة في ذم السب واللعن لما فيه من احتقار المسلم وقد جاء الشرع بالتسوية بين المسلمين في معظم الأحكام وأن التفاضل الحقيقي بينهم إنما هو بالتقوى فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى وينتفع الوضيع النسب بالتقوى كما قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم 1 ( قوله باب ما يجوز من ذكر الناس )
أي بأوصافهم نحو قولهم الطويل والقصير وقال النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول ذو اليدين وما لا يراد به شين الرجل هذه الترجمة معقودة لبيان حكم الألقاب وما لا يعجب الرجل أن يوصف به مما هو فيه وحاصله أن اللقب إن كان مما يعجب الملقب ولا إطراء فيه مما يدخل في نهي الشرع فهو جائز أو مستحب وإن كان مما لا يعجبه فهو حرام أو مكروه إلا إن تعين طريقا إلى التعريف به حيث يشتهر به ولا يتميز عن غيره إلا بذكره ومن ثم أكثر الرواة من ذكر الأعمش والأعرج ونحوهما وعارم وغندر وغيرهم والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لما سلم في ركعتين من صلاة الظهر فقال أكما يقول ذو اليدين وقد أورده المصنف في الباب ولم يذكر هذه الزيادة وقال في سياق الرواية التي أوردها وفي القوم رجل كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه ذا اليدين وأما الرواية التي علقها في الباب فوصلها في باب تشبيك الأصابع في أوائل كتاب الصلاة من طريق بن عون عن بن سيرين عن أبي هريرة ولكن لفظه أكما يقول ذو اليدين وقد أخرجه مسلم من طريق أيوب عن بن سيرين بلفظ ما يقول ذو اليدين وهو المطابق للتعليق المذكور وإلى ما ذهب إليه البخاري من التفصيل في ذلك ذهب الجمهور وشذ قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول أخاف أن يكون قولنا حميدا الطويل غيبة وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين وفيها وفي القوم رجل في يديه طول قال بن المنير أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز وإن كان للتنقيص لم يجز قال وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها فأشارت بيدها أنها قصيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغتبتيها وذلك أنها لم تفعل هذا بيانا وإنما قصدت الأخبار عن صفتها فكان كالاغتياب انتهى والحديث المذكور أخرجه بن أبي الدنيا في كتاب الغيبة وبن مردوية في التفسير وفي من طريق حبان بن مخارق عن عائشة وهو 1 ( قوله باب الغيبة وقول الله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا الآية )
هكذا اكتفى بذكر الآية المصرحة بالنهي عن الغيبة ولم يذكر حكمها كما ذكر حكم النميمة بعد بابين حيث جزم بأن النميمة من الكبائر وقد اختلف في حد الغيبة وفي حكمها فأما حدها فقال الراغب هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك وقال الغزالي حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه وقال بن الأثير في النهاية الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وان كان فيه وقال النووي في الأذكار تبعا للغزالي ذكر المرء بما يكرهه سواء كان ذلك في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو ثوبه أو حركته أو وطلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته باللفظ أو بالإشارة والرمز قال النووي وممن يستعمل التعريض في ذلك كثير من الفقهاء في التصانيف وغيرها كقولهم قال بعض من يدعى العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به ومنه قولهم عند ذكره الله يعافينا الله يتوب علينا نسأل الله السلامة ونحو ذلك فكل ذلك من الغيبة وتمسك من قال أنها لا يشترط فيها غيبة الشخص بالحديث المشهور الذي أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة رفعه أتدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكرهه قال أفرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته وله شاهد مرسل عن المطلب بن عبد الله عند مالك فلم يقيد ذلك بغيبة الشخص فدل على أن لا فرق بين أن يقول ذلك في غيبته أو في حضوره والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاة لاشتقاقها وبذلك جزم أهل اللغة قال بن التين الغيبة ذكر المرء بما يكرهه بظهر الغيب وكذا قيده الزمخشري وأبو نصر القشيري في التفسير وبن خميس في جزء له مفرد في الغيبة والمنذري وغير واحد من العلماء من آخرهم الكرماني قال الغيبة أن تتكلم خلف الإنسان بما يكرهه لو سمعه وكان صدقا قال وحكم الكناية والإشارة مع النية كذلك وكلام من أطلق منهم محمول على المقيد في ذلك وقد وقع في حديث سليم بن جابر والحديث سيق لبيان صفتها واكتفى باسمها على ذكر محلها نعم المواجهة بما ذكر حرام لأنه داخل في السب والشتم وأما حكمها فقال النووي في الأذكار الغيبة والنميمة محرمتان بإجماع المسلمين وقد تظاهرت الأدلة على ذلك وذكر في الروضة تبعا للرافعي أنها من الصغائر وتعقبه جماعة ونقل أبو عبد الله القرطبي في تفسيره الإجماع على أنها من الكبائر لأن حد الكبيرة صادق عليها لأنها مما ثبت الوعيد الشديد فيه وقال الأذرعي لم أر من صرح بأنها من الصغائر إلا صاحب العدة والغزالي وصرح بعضهم بأنها من الكبائر وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقل من التفصيل فمن اغتاب وليا لله أو عالما ليس كمن اغتاب مجهول الحالة مثلا وقد قالوا ضابطها ذكر الشخص بما يكره وهذا يختلف باختلاف ما يقال فيه وقد يشتد تأذيه بذلك وأذى المسلم محرم وذكر النووي من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس رفعه لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم أخرجه أبو داود وله شاهد عن بن عباس عند أحمد وحديث سعيد بن زيد رفعه ان من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق أخرجه أبو داود وله شاهد عند البزار وبن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة وعند أبي يعلى من حديث عائشة ومن حديث أبي هريرة رفعه من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له يوم القيامة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله ويكلح ويصيح سنده حسن وفي الأدب المفرد عن بن مسعود قال ما التقم أحد لقمة شرا من اغتياب مؤمن الحديث وفيه أيضا وصححه بن حبان من حديث أبي هريرة في قصة ماعز ورجمه في الزنا وان رجلا قال لصاحبه انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم كلا من جيفة هذا الحمار لحمار ميت فما نلتما من عرض هذا الرجل أشد من أكل هذه الجيفة وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن عن جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فهاجت ريح منتنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين وهذا الوعيد في هذه الأحاديث يدل على أن الغيبة من الكبائر لكن تقييده في بعضها بغير حق قد يخرج الغيبة بحق لما تقرر أنها ذكر المرء بما فيه ثم ذكر المصنف حديث بن عباس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين يعذبان الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة وليس فيه ذكر الغيبة بل فيه يمشي بالنميمة قال بن التين إنما ترجم بالغيبة وذكر النميمة لأن الجامع بينهما ذكر ما يكرهه المقول فيه بظهر الغيب وقال الكرماني الغيبة نوع من النميمة لأنه لو سمع المنقول عنه ما نقل عنه لغمه قلت الغيبة قد توجد في بعض صور النميمة وهو أن يذكره في غيبته بما فيه مما يسوؤه قاصدا بذلك الافساد فيحتمل أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كانت كذلك ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الغيبة صريحا وهو ما أخرجه هو في الأدب المفرد من حديث جابر قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى على قبرين فذكر فيه نحو حديث الباب وقال فيه أما أحدهما فكان يغتاب الناس الحديث وأخرج أحمد والطبراني بإسناد صحيح عن أبي بكرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير وبكى وفيه وما يعذبان إلا في الغيبة والبول ولأحمد والطبراني أيضا من حديث يعلى بن شبابة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبر يعذب صاحبه فقال إن هذا كان يأكل لحوم الناس ثم دعا بجريدة رطبة الحديث ورواته موثقون ولأبي داود الطيالسي عن بن عباس بسند جيد مثله وأخرجه الطبراني وله شاهد عن أبي أمامة عند أبي جعفر الطبري في التفسير وأكل لحوم الناس يصدق على النميمة والغيبة والظاهر اتحاد القصة ويحتمل التعدد وتقدم بيان ذلك واضحا في كتاب الطهارة
1 ( قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم خير دور الأنصار ) ذكر فيه أول حديث أبي أسيد الساعدي وقد تقدم في المناقب بتمامه وفي إيراد هذه الترجمة هنا إشكال لأن هذا ليس من الغيبة أصلا إلا إن أخذ من أن المفضل عليهم يكرهون ذلك فيستثني ذلك من عموم قوله ذكرك أخاك بما يكره ويكون محل الزجر إذا لم يترتب عليه حكم شرعي فأما ما يترتب عليه حكم شرعي فلا يدخل في الغيبة ولو كرهه المحدث عنه ويدخل في ذلك ما يذكر لقصد النصيحة من بيان غلط من يخشى أن يقلد أو يغتر به في أمر ما فلا يدخل ذكره بما يكره من ذلك في الغيبة المحرمة كما سيأتي واليه يشير ما ترجم به المصنف عقب هذا وقال بن التين في حديث أبي أسيد دليل على جواز المفاضلة بين الناس لمن يكون عالما بأحوالهم لينبه على فضل الفاضل ومن لا يلحق بدرجته في الفضل فيمتثل أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيل الناس منازلهم وليس ذلك بغيبة قوله باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد ذكر فيه حديث عائشة في 5707 قوله بئس أخو العشيرة وقد تقدم شرحه قريبا في باب لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا وقد نوزع في كون ما وقع من ذلك غيبة وإنما هو نصيحة ليحذر السامع وإنما لم يواجه المقول فيه بذلك لحسن خلقه صلى الله عليه وسلم ولو واجه المقول فيه بذلك لكان حسنا ولكن حصل القصد بدون مواجهة والجواب أن المراد أن صورة الغيبة موجودة فيه وأن لم يتناول الغيبة المذمومة شرعا وغايته أن تعريف الغيبة المذكور أولا هو اللغوي وإذا استثنى منه ما ذكر كان ذلك تعريفها الشرعي وقوله في الحديث أن شر الناس استئناف كلام كالتعليل لتركه مواجهته بما ذكره في غيبته ويستنبط منه أن المجاهر بالفسق والشر لا يكون ما يذكر عنه من ذلك من ورائه من الغيبة المذمومة قال العلماء تباح الغيبة في كل غرض صحيح شرعا حيث يتعين طريقا إلى الوصول إليه بها كالتظلم والاستعانة على تغيير المنكر والاستفتاء والمحاكمة والتحذير من الشر ويدخل فيه تجريح الرواة والشهود وإعلام من له ولاية عامة بسيرة من هو تحت يده وجواب الاستشارة في نكاح أو عقد من العقود وكذا من رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق ويخاف عليه الاقتداء به وممن تجوز غيبتهم من يتجاهر بالفسق أو الظلم أو البدعة ومما يدخل في ضابط الغيبة وليس بغيبة ما تقدم تفصيله في باب ما يجوز من ذكر الناس فيستثنى أيضا والله أعلم 1 ( قوله باب النميمة من الكبائر )
سقط لفظ باب من رواية أبي ذر وحده ذكر فيه حديث بن عباس في قصة القبرين وهو ظاهر فيما ترجم به لقوله في سياقه وأنه لكبير وقد تقدم القول فيه في كتاب الطهارة وقد صحح بن حبان من حديث أبي هريرة بلفظ وكان الآخر يؤذي الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة لطيفة أبدى بعضهم للجمع بين هاتين الخصلتين مناسبة وهي أن البرزخ مقدمة الآخرة وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد الدماء ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة بنشر الفتن التي يسفك بسببها الدماء قوله باب ما يكره من النميمة كأنه أشار بهذه الترجمة إلى بعض القول المنقول على جهة الافساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرا مثلا كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرهم قوله وقوله تعالى هماز مشاء بنميم قال الراغب همز الإنسان اغتيابه والنم إظهار الحديث بالوشاية وأصل النميمة الهمس والحركة قوله ويل لكل همزة لمزة يهمز ويلمز ويعيب واحد كذا للأكثر بكسر العين المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة ووقع في رواية الكشميهني ويغتاب بغين معجمة ساكنة ثم مثناة وأظنه تصحيفا والهمزة الذي يكثر منه الهمز وكذا اللمزة واللمز تتبع المعايب ونقل بن التين أن اللمز العيب في الوجه والهمز في القفا وقيل بالعكس وقيل الهمز الكسر واللمز الطعن فعلى هذا هما بمعنى واحد لأن المراد بالكسر الكسر من الأعراض وبالطعن الطعن فيها وحكى في ميم يهمز ويلمز الضم والكسر وأسند البيهقي عن بن جريج قال الهمز بالعين والشدق واليد واللمز باللسان 5709 قوله سفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر وإبراهيم هو النخعي وهمام هو بن الحارث والسند كله كوفيون قوله ان رجلا يرفع الحديث لم أقف على اسمه وعثمان هو بن عفان أمير المؤمنين قوله فقال حذيفة في رواية المستملي فقال له حذيفة ولمسلم من رواية الأعمش عن إبراهيم فقال حذيفة وأراده أن يسمعه قوله لا يدخل الجنة أي في أول وهلة كما في نظائره قوله قتات بقاف ومثناة ثقيلة وبعد الألف مثناة أخرى هو النمام ووقع بلفظ نمام في رواية أبي وائل عن حذيفة عند مسلم وقيل الفرق بين القتات والنمام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه قال الغزالي ما ملخصه ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من نم له ولا يظن بمن نم عنه ما نقل عنه ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له وأن ينهاه ويقبح له فعله وأن يبغضه ان لم ينزجر وان لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فينم هو على النمام فيصير نماما قال النووي وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية وإلا فهي مستحبة أو واجبة كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصا ظلما فحذره منه وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبة مثلا فلا منع من ذلك وقال الغزالي ما ملخصه النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه ولا اختصاص لها بذلك بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما وسواء كان المنقول قولا أم فعلا وسواء كان عيبا أم لا حتى لو رأى شخصا يخفى ما له فأفشى كان نميمة واختلف في الغيبة والنميمة هل هما متغايرتان أو متحدتان والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه سواء كان بعلمه أم بغير علمه والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه فامتازت النميمة بقصد الافساد ولا يشترط ذلك في الغيبة وامتازت الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركتا فيما عدا ذلك ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا والله أعلم 1 ( قوله باب قول الله تعالى واجتنبوا قول الزور )
قال الراغب الزور الكذب قيل له ذلك لكونه مائلا عن الحق والزور بفتح الزاي الميل وكان موقع هذه الترجمة للإشارة إلى أن القول المنقول بالنميمة لما كان أعم من أن يكون صدقا أو كذبا فالكذب فيه أقبح 5710 قوله حدثنا أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس نسب إلى جده وقد تقدم حديث الباب في أوائل الصيام أخرجه عن آدم بن أبي إياس عن بن أبي ذئب بالسند والمتن وتقدم شرحه هناك وقوله هنا في آخره قال أحمد أفهمني رجل إسناده أحمد هو بن يونس المذكور والمعنى أنه لما سمع الحديث من بن أبي ذئب لم يتيقن إسناده من لفظ شيخه فأفهمه إياه رجل كان معه في المجلس وقد خالف أبو داود رواية البخاري فأخرج الحديث المذكور عن أحمد بن يونس هذا لكن قال في آخره قال أحمد فهمت إسناده من بن أبي ذئب وافهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه بن أخيه وهكذا أخرجه الإسماعيلي عن إبراهيم بن شريك عن أحمد بن يونس وهذا عكس ما ذكره البخاري فإن مقتضى روايته أن المتن فهمه أحمد من شيخه ولم يفهم الإسناد منه بخلاف ما قال أبو داود وإبراهيم بن شريك فيحمل على أن أحمد بن يونس حدث به على الوجهين وخبط الكرماني هنا فقال قال أفهمني أي كنت نسيت هذا الإسناد فذكرني رجل إسناده ووجه الخبط نسبته إلى أحمد بن يونس نسيان الإسناد وإن التذكير وقع له من الرجل بعد ذلك وليس كذلك بل أراد أنه لما سمعه من بن أبي ذئب خفي عنه بعض لفظه أما على رواية البخاري فمن الإسناد وأما على رواية أبي داود فمن المتن وكان الرجل بجنبه فكأنه استفهمه عما خفي عليه منه فأفهمه فلما كان بعد ذلك وتصدى للتحديث به أخبر بالواقع ولم يستجز أن يسنده عن بن أبي ذئب بغير بيان وقد وقع مثل ذلك لكثير من المحدثين وعقد الخطيب لذلك بابا في كتاب الكفاية وانظر إلى قوله أفهمني رجل إلى جنبه أي إلى جنب بن أبي ذئب ثم قال الكرماني وأراد رجل عظيم والتنوين يدل عليه والغرض مدح شيخه بن أبي ذئب أو رجل آخر غيره أفهمني اه ولم يتعين أنه تعظيم للرجل الذي أفهمه من مجرد قوله رجل بل الذي فيه أنه إما نسي اسمه فعبر عنه برجل أو كنى عن اسمه عمدا وأما مدح شيخه فليس في السياق ما يقتضيه قلت وبن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة المخزومي وكان له أخوان المغيرة وطالوت ولم أقف على اسم بن أخيه المذكور ولا على تعيين أبيه أيهما هو قال بن التين ظاهر الحديث أن من اغتاب في صومه فهو مفطر واليه ذهب بعض السلف وذهب الجمهور إلى خلافة لكن معنى الحديث أن الغيبة من الكبائر وأن إثمها لا يفي له بأجر صومه فكأنه في حكم المفطر قلت وفي كلامه مناقشة لأن حديث الباب لا ذكر للغيبة فيه وإنما فيه قول الزور والعمل به والجهل ولكن الحكم والتأويل في كل ذلك ما أشار إليه والله أعلم وقوله فيه فليس لله حاجة هو مجاز عن عدم قبول الصوم 1 ( قوله باب ما قيل في ذي الوجهين ) أورد فيه حديث أبي هريرة وفيه تفسيره وهو من جملة صور التمام
5711 قوله تجد من شرار الناس كذا وقع في رواية الكشميهني شرار بصيغة الجمع وأخرجه الترمذي من طريق أبي معاوية عن الأعمش بلفظ أن من شر الناس وقد تقدم في أوائل المناقب من طريق عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عنه عن أبي هريرة بلفظ تجدون شر الناس وأخرجه مسلم من هذا الوجه ومن رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب عنه بلفظ تجدون من شر الناس ذا الوجهين وأخرجه أبو داود من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه بلفظ من شر الناس ذو الوجهين ولمسلم من رواية مالك عن أبي الزناد ان من شر الناس ذا الوجهين وسيأتي في الأحكام من طريق عراك بن مالك عنه بلفظ أن شر الناس ذو الوجهين وهو عند مسلم أيضا وهذه الألفاظ متقاربة والروايات التي فيها شر الناس محمولة على الرواية التي فيها من شر الناس ووصفه بكونه شر الناس أو من شر الناس مبالغة في ذلك ورواية أشر الناس بزيادة الألف لغة في شر يقال خير وأخير وشر وأشر بمعنى ولكن الذي بالألف أقل استعمالا ويحتمل أن يكون المراد بالناس من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة فإن كل طائفة منهما مجانبة للأخرى ظاهرا فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه الفريقين ليطلع على أسرارهم فهو شرهم كلهم والأولى حمل الناس على عمومة فهو أبلغ في الذم وقد وقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي شهاب عن الأعمش بلفظ من شر خلق الله ذو الوجهين قال القرطبي إنما كان ذو الوجهين شر الناس لأن حاله حال المنافق إذ هو متملق بالباطل وبالكذب مدخل للفساد بين الناس وقال النووي هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع وتحيل على الاطلاع على أسرار الطائفتين وهي مداهنة محرمة قال فأما من يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين فهو محمود وقال غيره الفرق بينهما أن المذموم من يزين لكل طائفة عملها ويقبحه عند الأخرى ويذم كل طائفة عند الأخرى والمحمود أن يأتي لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى وينقل إليه ما أمكنه من الجميل ويستر القبيح ويؤيد هذه التفرقة رواية الإسماعيلي من طريق بن نمير عن الأعمش الذي يأتي هؤلاء بحديث هؤلاء وهؤلاء بحديث هؤلاء وقال بن عبد البر حمله على ظاهره جماعة وهو أولى وتأوله قوم على أن المراد به من يرائي بعمله فيرى الناس خشوعا واستكانة ويوهمهم أنه يخشى الله حتى يكرموه وهو في الباطن بخلاف ذلك قال وهذا محتمل لو اقتصر في الحديث على صدره فإنه داخل في مطلق ذي الوجهين لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل وهي قوله يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه قلت وقد اقتصر في رواية الترمذي على صدر الحديث لكن دلت بقية الروايات على أن الراوي اختصره فإنه عند الترمذي من رواية الأعمش وقد ثبت هنا من رواية الأعمش بتمامه ورواية بن نمير التي أشرت إليها هي التي ترد التأويل المذكور صريحا وقد رواه البخاري في الأدب المفرد من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا وأخرج أبو داود من حديث عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار وفي الباب عن أنس أخرجه بن عبد البر بهذا اللفظ وهذا يتناول الذي حكاه بن عبد البر عمن ذكره بخلاف حديث الباب فإنه فسر من يتردد بين طائفتين من الناس والله أعلم 1 ( قوله باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه )
قد تقدمت الإشارة إلى أن المذموم من نقله الاخبار من يقصد الإفساد وأما من يقصد النصيحة ويتحرى الصدق ويجتنب الأذى فلا وقل من يفرق بين البابين فطريق السلامة في ذلك لمن يخشى عدم الوقوف على ما يباح من ذلك مما لا يباح الإمساك عن ذلك وذكر فيه حديث بن مسعود في إخباره النبي صلى الله عليه وسلم بقول القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وسيأتي شرحه مستوفى في باب الصبر على الأذى إن شاء الله تعالى وقوله 5712 في هذه الرواية فتمعر وجهه بالعين المهملة أي تغير من الغضب وللكشميهني فتمغر بالغين المعجمة أي صار لونه لون المغرة وأراد البخاري بالترجمة بيان جواز النقل على وجه النصيحة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على بن مسعود نقله ما نقل بل غضب من قول المنقول عنه ثم حلم عنه وصبر على أذاء ائتساء بموسى عليه السلام وامتثالا لقوله تعالى فبهداهم اقتده 1 ( قوله باب ما يكره من التمادح ) هو تفاعل من المدح أي المبالغ والتمدح التكلف والممادحة أي مدح كل من الشخصين الآخر وكأنه ترجم ببعض ما يدل عليه الخبر لأنه أعم من أن يكون من الجانبين أو من جانب واحد ويحتمل أن لا يريد حمل التفاعل فيه على ظاهره وقد ترجم له في الشهادات ما يكره من الإطناب في المدح أورد فيه حديثين الأول حديث أبي موسى قال فيه حدثنا محمد بن الصباح بفتح المهملة وتشديد الموحدة وآخره حاء مهملة هو البزار ووقع هنا في رواية أبي ذر محمد بن صباح بغير ألف ولام وتقدم الكل في الشهادات بهذا الحديث بعينه وأخرجه مسلم عنه فقال حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وهذا الحديث مما اتفق الشيخان على تخريجه عن شيخ واحد ومما ذكره البخاري بسنده ومتنه في موضعين ولم يتصرف في متنه ولا إسناده وهو قليل في كتابه وقد أخرجه أحمد في مسنده عن محمد بن الصباح وقال عبد الله بن أحمد بعد أن أخرجه عن أبيه عنه قال عبد الله وسمعته أنا من محمد بن الصباح فذكره وإسماعيل بن زكريا شيخه هو الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف وبريدة بموحدة وراء يكنى أبا بردة مثل كنية جده وهو شيخه فيه وقوله 5713 عن بريد في رواية الإسماعيلي حدثنا بريد قوله سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل لم أقف على اسمهما صريحا ولكن أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث محجن بن الأدرع الأسلمي قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فذكر حديثا قال فيه فدخل المسجد فإذا رجل يصلي فقال لي من هذا فأثنيت عليه خيرا فقال اسكت لا تسمعه فتهلكه وفي رواية له فقلت يا رسول الله هذا فلان وهذا وهذا وفي أخرى له هذا فلان وهو من أحسن أهل المدينة صلاة أو من أكثر أهل المدينة الحديث والذي أثنى عليه محجن يشبه أن يكون هو عبد الله ذو النجادين المزني فقد ذكرت في ترجمته في الصحابة ما يقرب ذلك قوله ويطريه بضم أوله وبالطاء المهملة من الأطراء وهو المبالغة في المدح وسأذكر ما ورد في بيان ما وقع من ذلك في الحديث الذي بعده قوله في المدحة بكسر الميم وفي نسخة مضت في الشهادات في المدح بفتح الميم بلا هاء وفي أخرى في مدحه بفتح الميم وزيادة الضمير والأول هو المعتمد قوله لقد أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل كذا فيه بالشك وكذا لمسلم وسيأتي في حديث أبي بكرة الذي بعده بلفظ قطعت عنق صاحبك وهما بمعنى والمراد بكل منهما الهلاك لأن من يقطع عنقه يقتل ومن يقطع ظهره يهلك الحديث الثاني
5714 قوله عن خالد هو الحذاء وصرح به مسلم في روايته من طريق غندر عن شعبة قوله ان رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا وفي رواية غندر فقال يا رسول الله ما من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه في كذا وكذا لعله يعني الصلاة لما سيأتي قوله ويحك هي كلمة رحمة وتوجع وويل كلمة عذاب وقد تأتي موضع ويح كما سأذكره قوله قطعت عنق صاحبك يقوله مرارا في رواية يزيد بن زريع عن خالد الحذاء التي مضت في الشهادات ويحك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك مرارا وبين في رواية وهيب التي سأنبه عليها بعد أنه قال ذلك ثلاثا قوله ان كان أحدكم في رواية يزيد بن زريع وقال ان كان قوله لا محالة أي لا حيلة له في ترك ذلك وهي بمعنى لا بد والميم زائدة ويحتمل أن يكون من الحول أي القوة والحركة قوله فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى بضم أوله أي يظن ووقع في رواية يزيد بن زريع إن كان يعلم ذلك وكذا في رواية وهيب قوله والله حسيبه بفتح أوله وكسر ثانيه وبعد التحتانية الساكنة موحدة أي كافيه ويحتمل أن يكون هنا فعيل من الحساب أي محاسبه على عمله الذي يعلم حقيقته وهي جملة اعتراضية وقال الطيبي هي من تتمة المقول والجملة الشرطية حال من فاعل فليقل والمعنى فليقل أحسب أن فلانا كذا إن كان يحسب ذلك منه والله يعلم سره لأنه هو الذي يجازيه ولا يقل أتيقن ولا أتحقق جازما بذلك قوله ولا يزكى على الله أحد كذا لأبي ذر عن المستملي والسرخسي بفتح الكاف على البناء للمجهول وفي رواية الكشميهني ولا يزكى بكسر الكاف على البناء للفاعل وهو المخاطب أولا المقول له فليقل وكذا في أكثر الروايات وفي رواية غندر ولا أزكى بهمزة بدل التحتانية أي لا أقطع على عاقبة أحد ولا على ما في ضميره لكون ذلك مغيبا عنه وجيء بذلك بلفظ الخبر ومعناه النهي أي لا تزكوا أحدا على الله لأنه أعلم بكم منكم قوله قال وهيب عن خالد يعني بسنده المتقدم ويلك أي وقع في روايته ويلك بدل ويحك وستأتي رواية وهيب موصولة في باب ما جاء في قول الرجل ويلك ويأتي شرح هذه اللفظة هناك قال بن بطال حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك المنزلة فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالا على ما وصف به ولذلك تأول العلماء في الحديث الآخر احثوا في وجوه المداحين التراب أن المراد من يمدح الناس في وجوههم بالباطل وقال عمر المدح هو الذبح قال وأما من مدح بما فيه فلا يدخل في النهي فقد مدح صلى الله عليه وسلم في الشعر والخطب والمخاطبة ولم يحث في وجه مادحه ترابا انتهى ملخصا فأما الحديث المشار إليه فأخرجه مسلم من حديث المقداد وللعلماء فيه خمسة أقوال أحدها هذا وهو حمله على ظاهره واستعمله المقداد راوي الحديث والثاني الخيبة والحرمان كقولهم لمن رجع خائبا رجع وكفه مملوءة ترابا والثالث قولوا له بفيك التراب والعرب تستعمل ذلك لمن تكره قوله والرابع أن ذلك يتعلق بالممدوح كأن يأخذ ترابا فيبذره بين يديه يتذكر بذلك مصيره إليه فلا يطغى بالمدح الذي سمعه والخامس المراد بحثو التراب في وجه المادح إعطاؤه ما طلب لأن كل الذي فوق التراب تراب وبهذا جزم البيضاوي وقال شبه الإعطاء بالحثى على سبيل الترشيح والمبالغة في التقليل والاستهانة قال الطيبي ويحتمل أن يراد دفعه عنه وقطع لسانه عن عرضه بما يرضيه من الرضخ والدافع قد يدفع خصمه بحثي التراب على وجهه استهانة به وأما الأثر عن عمر فورد مرفوعا أخرجه بن ماجة وأحمد من حديث معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره بلفظ إياكم والتمادح فإنه الذبح وإلى لفظ هذه الرواية رمز البخاري في الترجمة وأخرجه البيهقي في الشعب مطولا وفيه وإياكم والمدح فإنه من الذبح وأما ما مدح به النبي صلى الله عليه وسلم فقد أرشد مادحيه إلى ما يجوز من ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم الحديث وقد تقدم بيانه في أحاديث الأنبياء وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب والممنوعة بخلافها ويستثنى من ذلك ما جاء عن المعصوم فإنه لا يحتاج إلى قيد كالالفاظ التي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بها بعض الصحابة مثل قوله لابن عمرو نعم العبد عبد الله وغير ذلك وقال الغزالي في الأحياء آفة المدح في المادح أنه قد يكذب وقد يرائي الممدوح بمدحه ولا سيما أن كان فاسقا أو ظالما فقد جاء في حديث أنس رفعه إذا مدح الفاسق غضب الرب أخرجه أبو يعلى وبن أبي الدنيا في الصمت وفي سنده ضعف وقد يقول ما لا يتحققه مما لا سبيل له إلى الاطلاع عليه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فليقل أحسب وذلك كقوله إنه ورع ومتق وزاهد بخلاف ما لو قال رأيته يصلي أو يحج أو يزكي فإنه يمكنه الاطلاع على ذلك ولكن تبقى الآفة على الممدوح فإنه لا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرا أو إعجابا أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل لأن الذي يستمر في العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصرا فإن سلم المدح من هذه الأمور لم يكن به بأس وربما كان مستحبا قال بن عيينة من عرف نفسه لم يضره المدح وقال بعض السلف إذا مدح الرجل في وجهه فليقل اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون أخرجه البيهقي في الشعب
1 ( قوله باب من أثنى على أخيه بما يعلم أي فهو جائز ) ومستثنى من الذي قبله والضابط أن لا يكون في المدح مجازفة ويؤمن على الممدوح الإعجاب والفتنة كما تقدم قوله وقال سعد هو بن أبي وقاص وقد تقدم الحديث المذكور موصولا في مناقب عبد الله بن سلام من كتاب المناقب ثم ذكر فيه حديث بن عمر موصولا في قصة جر الإزار فقال أبو بكر إن إزاري يسقط من أحد شقيه قال إنك لست منهم وقد تقدم أبسط من هذا في كتاب اللباس وفي لفظ انك لست ممن يفعل ذلك خيلاء وهذا من جملة المدح لكنه لما كان صدقا محضا وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والكبر مدح به ولا يدخل ذلك في المنع ومن جملة ذلك الأحاديث المتقدمة في مناقب الصحابة ووصف كل واحد منهم بما وصف به من الأوصاف الجميلة كقوله صلى الله عليه وسلم لعمر ما لقيك الشيطان سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك وقوله للأنصاري عجب الله من صنعكما وغير ذلك من الأخبار 1 ( قوله باب قول الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية )
كذا لأبي ذر والنسفي وساق الباقون إلى تذكرون وأخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي الضحى قال قال شتير بن شكل لمسروق حدث يا أبا عائشة وأصدقك قال هل سمعت عبد الله بن مسعود يقول ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي قال نعم وسنده صحيح قوله وقوله إنما بغيكم على أنفسكم أي إن إثم البغي وعقوبة البغي على الباغي إما عاجلا وإما آجلا قوله وقوله ثم بغي عليه لينصرنه الله كذا في رواية كريمة والأصيلي على وفق التلاوة وكذا في رواية النسفي وأبي ذر وللباقين ومن بغي عليه وهو سبق قلم إما من المصنف وإما ممن بعده كما أن المطابق للتلاوة إما من المصنف وإما من إصلاح من بعده وإذا لم تتفق الروايات على شيء فمن جزم بأن الوهم من المصنف فقد تحامل عليه قال الراغب البغي مجاوزة القصد في الشيء فمنه ما يحمد ومنه ما يذم فالمحمود مجاوزة العدل الذي هو الإتيان بالمأمور بغير زيادة فيه ولا نقصان منه إلى الإحسان وهو الزيادة عليه ومنه الزيادة على الفرض بالتطوع المأذون فيه والمذموم مجاوزة العدل إلى الجور والحق إلى الباطل والمباح إلى الشبهة ومع ذلك فأكثر ما يطلق البغي على المذموم قال الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق وقال تعالى إنما بغيكم على أنفسكم وقال تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد وإذا أطلق البغي وأريد به المحمود يزاد فيه غالبا التاء كما قال تعالى فابتغوا عند الله الرزق وقال تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها وقال غيره البغي الاستعلاء بغير حق ومنه بغي الجرح إذا فسد قوله وترك إثارة الشر على مسلم أو كافر ثم ذكر فيه حديث عائشة في قصة الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم قال بن بطال وجه الجمع بين الآيات المذكورة وترجمة الباب مع الحديث أن الله لما نهى عن البغي وأعلم أن ضرر البغي إنما هو راجع إلى الباغي وضمن النصر لمن بغى عليه كان حق من بغى عليه أن يشكر الله على إحسانه إليه بأن يعفو عمن بغى عليه وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعاقب الذي كاده بالسحر مع قدرته على ذلك انتهى ملخصا ويحتمل أن يكون مطابقة الترجمة للآيات والحديث أنه صلى الله عليه وسلم ترك استخراج السحر خشية أن يثور على الناس منه شر فسلك مسلك العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السحر من أثر الضرر الناشئ عن السحر شر وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبة الجاني كما سبق وقال بن التين يستفاد من الآية الأولى أن دلالة الاقتران ضعيفة لجمعه تعالى بين العدل والإحسان في أمر واحد والعدل واجب والإحسان مندوب قلت وهو مبني على تفسير العدل والإحسان وقد اختلف السلف في المراد بهما في الآية فقيل العدل لا إله إلا الله والإحسان الفرائض وقيل العدل لا إله إلا الله والإحسان الإخلاص وقيل العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وهو بمعنى الذي قبله وقيل العدل الفرائض والإحسان النافلة وقيل العدل العبادة والإحسان الخشوع فيها وقيل العدل الإنصاف والإحسان التفضل وقيل العدل امتثال المأمورات والإحسان اجتناب المنهيات وقيل العدل بذل الحق والإحسان ترك الظلم وقيل العدل استواء السر والعلانية والإحسان فضل العلانية وقيل العدل البذل والإحسان العفو وقيل العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال وقيل غير ذلك وأقربها لكلامه الخامس والسادس وقال القاضي أبو بكر بن العربي العدل بين العبد وربه بامتثال أوامره واجتناب مناهيه وبين العبد وبين نفسه بمزيد الطاعات وتوقي الشبهات والشهوات وبين العبد وبين غيره بالإنصاف انتهى ملخصا وقال الراغب العدل ضربان مطلق يقتضى العقل حسنه ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخا ولا يوصف بالاعتداء بوجه نحو أن تحسن لمن أحسن إليك وتكف الأذى عمن كف أذاه عنك وعدل يعرف بالشرع ويمكن أن يدخله النسخ ويوصف بالاعتداء مقابلة كالقصاص وأرش الجنايات وأخذ مال المرتد ولذا قال تعالى فمن اعتدى عليكم الآية وهذا النحو هو المعنى بقوله تعالى أن الله يأمر بالعدل والإحسان فإن العدل هو المساواة في المكافأة في خير أو شر والإحسان مقابلة الخير بأكثر منه والشر بالترك أو بأقل منه
5716 قوله سفيان هو بن عيينة قوله مطبوب يعني مسحورا هذا التفسير مدرج في الخبر وقد بينت ذلك عند شرح الحديث في كتاب الطب وكذا قوله فهلا تعني تنشرت ومن قال هو مأخوذ من النشرة أو من نشر الشيء بمعنى إظهاره وكيف يجمع بين قولها فأخرج وبين قولها في الرواية الأخرى هلا استخرجته وأن حاصله أن الإخراج الواقع كان لأصل السحر والاستخراج المنفي كان لأجزاء السحر وقوله في آخره حليف ليهود وقع في رواية الكشميهني هنا لليهود بزيادة لام 1 ( قوله باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر ) كذا للأكثر وعند الكشميهني وحده من بدل عن وقوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد أشار بذكر هذه الآية إلى أن النهي عن التحاسد ليس مقصورا على وقوعه بين اثنين فصاعدا بل الحسد مذموم ومنهي عنه ولو وقع من جانب واحد لأنه إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة فهو مذموم مع الأفراد بطريق الأولى وذكر في الباب حديثين أحدهما
5717 قوله بشر بن محمد هو المروزي وعبد الله هو بن المبارك قوله إياكم والظن قال الخطابي وغيره ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر بالمظنون به وكذا ما يقع في القلب بغير دليل وذلك أن أوائل الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها وما لا يقدر عليه لا يكلف به ويؤيده حديث تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها وقد تقدم شرحه وقال القرطبي المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها ولذلك عطف عليه قوله ولا تجسسوا وذلك أن الشخص يقع له خاطر التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع فنهى عن ذلك وهذا الحديث يوافق قوله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن فإن قال الظان أبحث لأتحقق قيل له ولا تجسسوا فإن قال تحققت من غير تجسس قيل له ولا يغتب بعضكم بعضا وقال عياض استدل بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي وحمله المحققون على ظن مجرد عن الدليل ليس مبنيا على أصل ولا تحقيق نظر وقال النووي ليس المراد في الحديث بالظن ما يتعلق بالاجتهاد الذي يتعلق بالأحكام أصلا بل الاستدلال به لذلك ضعيف أو باطل وتعقب بأن ضعفه ظاهر وأما بطلانه فلا فإن اللفظ صالح لذلك ولا سيما إن حمل على ما ذكره القاضي عياض وقد قربه القرطبي في المفهم وقال الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد الجانبين أو هو بمعنى اليقين ليس مرادا من الحديث ولا من الآية فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي وقال بن عبد البر احتج به بعض الشافعية على من قال بسد الذريعة في البيع فأبطل بيع العينة ووجه الإستدلال النهي عن الظن بالمسلم شرا فإذا باع شيئا حمل على ظاهره الذي وقع العقد به ولم يبطل بمجرد توهم أنه سلك به مسلك الحيلة ولا يخفى ما فيه وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظن أصلا أشد من الأمر الذي يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهي عنه هو الذي لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه فيعتمد عليه ويجعل أصلا ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا فإن صاحبه بزعمه مستند إلى شيء فوصف بكونه أشد الكذب مبالغة في ذمه والتنفير منه وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض قوله فإن الظن أكذب الحديث قد استشكلت تسمية الظن حديثا وأجيب بأن المراد عدم مطابقة الواقع سواء كان قولا أو فعلا ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظن فوصف الظن به مجازا قوله ولا تحسسوا ولا تجسسوا إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة وفي كل منهما حذف إحدى التاءين تخفيفا وكذا في بقية المناهي التي في حديث الباب والأصل تتحسسوا قال الخطابي معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتبعوها قال الله تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه وأصل هذه الكلمة التي بالمهملة من الحاسة إحدى الحواس الخمس وبالجيم من الجس بمعنى اختبار الشيء باليد وهي إحدى الحواس فتكون التي بالحاء أعم وقال إبراهيم الحربي هما بمعنى واحد وقال بن الأنباري ذكر الثاني للتأكيد كقولهم بعدا وسخطا وقيل بالجيم البحث عن عوراتهم وبالحاء استماع حديث القوم وهذا رواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أحد صغار التابعين وقيل بالجيم البحث عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشر وبالحاء البحث عما يدرك بحاسة العين والأذن ورجح هذا القرطبي وقيل بالجيم تتبع الشخص لأجل غيره وبالحاء تتبعه لنفسه وهذا اختيار ثعلب ويستثنى من النهي عن التجسس ما لو تعين طريقا إلى انقاذ نفس من الهلاك مثلا كأن يخبر ثقة بأن فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما أو بامرأة ليزني بها فيشرع في هذه الصورة التجسس والبحث عن ذلك حذرا من فوات استدراكه نقله النووي عن الأحكام السلطانية للماوردي واستجاده وأن كلامه ليس للمحتسب أن يبحث عما لم يظهر من المحرمات ولو غلب على الظن استسرار أهلها بها إلا هذه الصورة قوله ولا تحاسدوا الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها أعم من أن يسعى في ذلك أو لا فإن سعى كان باغيا وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهة التي نهى المسلم عنها في حق المسلم نظر فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو تمكن لفعل فهذا مأزور وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفعه ثلاث لا يسلم منها أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منها يا رسول الله قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وعن الحسن البصري قال ما من آدمي إلا وفيه الحسد فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء قوله ولا تدابروا قال الخطابي لا تتهاجروا فيهجر أحدكم أخاه مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه وقال بن عبد البر قيل للأعراض مدابرة لأن من أبغض اعرض ومن أعرض ولي دبره والمحب بالعكس وقيل معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر وقيل للمستأثر مستدبر لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر وقال المازري معنى التدابر المعاداة يقول دابرته أي عاديته وحكى عياض أن معناه لا تجادلوا ولكن تعاونوا والأول أولى وقد فسره مالك في الموطأ بأخص منه فقال إذ ساق حديث الباب عن الزهري بهذا السند ولا أحسب التدابر إلا الإعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه وكأنه أخذه من بقية الحديث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض وسيأتي مزيد لهذا في باب الهجرة ويؤيده ما أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في زيادات كتاب البر والصلة لابن المبارك بسند صحيح عن أنس قال التدابر التصارم قوله ولا تباغضوا أي لا تتعاطوا أسباب البغض لأن البغض لا يكتسب ابتداء وقيل المراد النهي عن الأهواء المضلة المقتضية للتباغض قلت بل هو لأعم من الأهواء لأن تعاطي الأهواء ضرب من ذلك وحقيقة التباغض أن يقع بين اثنين وقد يطلق إذا كان من أحدهما والمذموم منه ما كان في غير الله تعالى فإنه واجب فيه ويثاب فاعله لتعظيم حق الله ولو كانا أو أحدهما عند الله من أهل السلامة كمن يؤديه اجتهاده إلى اعتقاد ينافي الآخر فيبغضه على ذلك وهو معذور عند الله قوله وكونوا عباد الله إخوانا بلفظ المنادى المضاف زاد مسلم في آخره من رواية أبي صالح عن أبي هريرة كما أمركم الله ومثله عنده من طريق قتادة عن أنس وهذه الجملة تشبه التعليل لما تقدم كأنه قال إذا تركتم هذه المنهيات كنتم إخوانا ومفهومه إذا لم تتركوها تصيروا أعداء ومعنى كونوا إخوانا اكتسبوا ما تصيرون به إخوانا مما سبق ذكره وغير ذلك من الأمور المقتضية لذلك اثباتا ونفيا وقوله عباد الله أي يا عباد الله بحذف حرف النداء وفيه إشارة إلى أنكم عبيد الله فحقكم أن تتواخوا بذلك قال القرطبي المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة ولعل قوله في الرواية الزائدة كما أمركم الله أي بهذه الأوامر المقدم ذكرها فإنها جامعة لمعاني الإخوة ونسبتها إلى الله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله وقد أخرج أحمد بسند حسن عن أبي أمامة مرفوعا لا أقول إلا ما أقول ويحتمل أن يكون المراد بقوله كما أمركم الله الإشارة إلى قوله تعالى إنما المؤمنون إخوة فإنه خبر عن الحالة التي شرعت للمؤمنين فهو بمعنى الأمر قال بن عبد البر تضمن الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعي والحسد له على ما أنعم به عليه وأن يعامله معاملة الأخ النسيب وأن لا ينقب عن معايبه ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب وقد يشترك الميت مع الحي في كثير من ذلك تنبيه وقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام في هذا الحديث من الزيادة ولا تنافسوا وكذا وقعت في حديث أبي هريرة من رواية الأعرج وبين الاختلاف فيها في الباب الذي بعده ووقع عند مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة في آخره كما أمركم الله وقد نبهت عليها ولمسلم أيضا من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة فيه ولا يبع بعضكم على بيع بعض وأفرد هذه الزيادة في البيوع من وجه آخر ومثله من رواية أبي سعيد مولى عامر بن كريز عن أبي هريرة وزاد بعد قوله إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وما له وعرضه التقوى ها هنا ويشير إلى صدره وزاد في رواية أخرى من هذه الطريق أن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وقد افردها أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة وزاد البخاري من رواية جعفر بن ربيعة عن الأعرج فيه زيادة سأذكرها في الباب الذي بعده وهذه الطريق من رواية مولى عامر أجمع ما وقفت عليه من طرق هذا الحديث عن أبي هريرة وكأنه كان يحدث به أحيانا مختصرا وطورا بتمامه وقد فرقه بعض الرواة أحاديث وممن وقع عنده بعضه مفرقا بن ماجة في كتاب الزهد من كتابه وهو حديث عظيم اشتمل على جمل من الفوائد والآداب المحتاج إليها الحديث الثاني حديث أنس قوله لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا هكذا اقتصر الحفاظ من أصحاب الزهري عنه على هذه الثلاثة وزاد عبد الرحمن بن إسحاق عنه فيه ولا تنافسوا ذكر ذلك بن عبد البر في التمهيد والخطيب في المدرج قال وهكذا قال سعيد بن أبي مريم عن مالك عن بن شهاب وقد قال الخطيب وبن عبد البر خالف سعيد جميع الرواة عن مالك في الموطأ وغيره فإنهم لم يذكروا هذه الكلمة في حديث أنس وإنما هي عندهم في حديث مالك عن أبي الزناد أي الحديث الذي يلي هذا فأدرجها بن أبي مريم في إسناد حديث أنس وكذا قال حمزة الكناني لا أعلم أحدا قالها عن مالك في حديث أنس غير سعيد وسيأتي الكلام على حكم التهاجر والتنبيه على زيادة وقعت في آخر حديث أنس هذا بعد ثلاثة أبواب إن شاء الله تعالى
1 ( قوله باب يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ) كذا للجميع إلا أن لفظ باب سقط من رواية أبي ذر وأورد فيه حديث أبي هريرة من رواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عنه فقط وزعم بن بطال وتبعه بن التين أن البخاري أورد فيه حديث أنس أي المذكور في الباب الذي قبله ثم حكى بن بطال عن المهلب أن مطابقته للترجمة من جهة أن البغض والحسد ينشآن عن سوء الظن قال بن التين وذلك أنهما يتأولان أفعال من يبغضانه ويحسدانه على أسوأ التأويل أه والذي وقفت عليه في النسخ التي وقعت لنا كلها أن حديث أنس في الباب الذي قبله ولا اشكال فيه قوله فيه ولا تناجشوا كذا في جميع النسخ التي وقفت عليها من البخاري بالجيم والشين المعجمة من النجش وهو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيها وقد تقدم بيانه وحكمه في كتاب البيوع والذي في جميع الروايات عن مالك بلفظ ولا تنافسوا بالفاء والسين المهملة وكذا أخرجه الدارقطني في الموطآت من طريق بن وهب ومعن وبن القاسم وإسحاق بن عيسى بن الطباع وروح بن عبادة ويحيى بن يحيى التميمي والقعنبي ويحيى بن بكير ومحمد بن الحسن ومحمد بن جعفر الوركاني وأبي مصعب وأبي حذافة كلهم عن مالك وكذا ذكره بن عبد البر من رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن مالك وكذا أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى التميمي وكذلك أخرجه مسلم من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ولكنه أخرج من طريق الأعمش عن أبي صالح بلفظ ولا تناجشوا كما وقع عند البخاري ومن طريق أبي سعيد مولى عامر بن كريز كذلك فاختلف فيها على أبي هريرة ثم على أبي صالح عنه فلا يمتنع أن يختلف فيها على مالك إلا أني ما وجدت ما يعضد رواية عبد الله بن يوسف هذه ويبعد أن يجتمع الجميع على شيء وينفرد واحد بخلافه ويكون محفوظا ولم أر الحديث في نسختي من مستخرج الإسماعيلي أصلا فلا أدري سقط عليه أو سقط من النسخة وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من رواية الوركاني عن مالك ووقع فيه عنده ولا تنافسوا كالجماعة ولكنه قال في آخره أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك ولم ينبه على هذه اللفظة فما أدري هل وقع في نسخته على وفاق الجماعة أو على ما عندنا ولم يعتن ببيان ذلك ولم أر من نبه على هذا الموضع حتى أن الحميدي ساقه من البخاري وحده من رواية جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة وهذه الطريق قد مضت في أوائل النكاح وليس فيها هذه اللفظة المختلف فيها ولكن فيها بعد قوله إخوانا ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك قال وأخرجه البخاري أيضا من حديث مالك فساقه بهذا السند والمتن بتمامه دون اللفظة التي أتكلم عليها وقال هكذا أخرجه البخاري في الأدب وأغفله أبو مسعود ولكنه ذكر أنه أخرجه من رواية شعيب عن أبي الزناد ولم أجد ذلك فيه إلا من رواية شعيب عن الزهري عن أنس قال الحميدي وأخرجه البخاري من رواية همام عن أبي هريرة نحوه ومن رواية طاوس عن أبي هريرة مثل رواية الأعرج سواء قلت ورواية طاوس تأتي في الفرائض قال الحميدي وقد أخرجه مسلم أيضا من رواية مالك عن أبي الزناد فساقه وفيه ولا تنافسوا قال فهو متفق عليه من رواية مالك لا من أفراد البخاري وكأنه استدرك ذلك على نفسه والغرض من ذلك أن الحميدي مع تتبعه واعتنائه لم ينبه على ما وقع في هذه اللفظة من الاختلاف وكذا أغفل بن عبد البر التنبيه عليها وهي على شرطه في التمهيد وكذلك الدارقطني ولو تفطن لها لساقها في غرائب مالك كعادته في أنظارها ولكنه لم يتعرض لها فلعلها من تغيير بعض الرواة بعد البخاري والله أعلم 1 ( قوله باب ما يجوز من الظن )
كذا للنسفي ولأبي ذر عن الكشميهني وكذا في بن بطال وفي رواية القابسي والجرجاني ما يكره وللباقين ما يكون والأول أليق بسياق الحديث 5720 قوله ما أظن فلانا وفلانا لم أقف على تسميتهما وقد ذكر الليث في الرواية الأولى أنهما كانا منافقين قوله يعرفان من ديننا شيئا وفي الرواية الأخرى يعرفان ديننا الذي نحن عليه قال الداودي تأويل الليث بعيد ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف جميع المنافقين كذا قال وقال غيره الحديث لا يطابق الترجمة لأن في الترجمة إثبات الظن وفي الحديث نفي الظن والجواب أن النفي في الحديث لظن النفي لا لنفي الظن فلا تنافي بينه وبين الترجمة وحاصل الترجمة أن مثل هذا الذي وقع في الحديث ليس من الظن المنهي عنه لأنه في مقام التحذير من مثل من كان حاله كحال الرجلين والنهي إنما هو عن الظن السوء بالمسلم السالم في دينه وعرضه وقد قال بن عمر إنا كنا إذا فقدنا الرجل في عشاء الآخرة أسأنا به الظن ومعناه أنه لا يغيب إلا لأمر سيء إما في بدنه وإما في دينه 1 ( قوله باب ستر المؤمن على نفسه ) أي إذا وقع منه ما يعاب فيشرع له ويندب له
5721 قوله عبد العزيز بن عبد الله هو الأويسي قوله عن بن أخي بن شهاب هو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري ووقع في رواية لأبي نعيم في المستخرج من وجه آخر عن عبد العزيز شيخ البخاري فيه حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن عبد الله بن أخي بن شهاب وقد روى إبراهيم بن سعد عن الزهري نفسه الكبير وربما أدخل بينهما واسطة مثل هذا قوله عن بن شهاب في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن بن أخي بن شهاب عن عمه أخرجه مسلم والإسماعيلي قوله كل أمتي معافى بفتح الفاء مقصور اسم مفعول من العافية وهو إما بمعنى عفا الله عنه وإما سلمة الله وسلم منه قوله إلا المجاهرين كذا للأكثر وكذا في رواية مسلم ومستخرجي الإسماعيلي وأبي نعيم بالنصب وفي رواية النسفي إلا المجاهرون بالرفع وعليها شرح بن بطال وبن التين وقال كذا وقع وصوابه عند البصريين بالنصب وأجاز الكوفيون الرفع في الاستثناء المنقطع كذا قال وقال بن مالك الا على هذا بمعنى لكن وعليها خرجوا قراءة بن كثير وأبي عمرو ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك أي لكن امرأتك أنه مصيبها ما أصابهم وكذلك هنا المعنى لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون فالمجاهرون مبتدأ والخبر محذوف وقال الكرماني حق الكلام النصب إلا أن يقال العفو بمعنى الترك وهو نوع من النفي ومحصل الكلام كل واحد من الأمة يعفى عن ذنبه ولا يؤاخذ به إلا الفاسق المعلن أه واختصره من كلام الطيبي فإنه قال كتب في نسخة المصابيح المجاهرون بالرفع وحقه النصب وأجاب بعض شراح المصابيح بأنه مستثنى من قوله معافى وهو في معنى النفي أي كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون وقال الطيبي والأظهر أن يقال المعنى كل أمتي يتركون في الغيبة الا المجاهرون والعفو بمعنى الترك وفيه معنى النفي كقوله ويأبى الله الا أن يتم نوره والمجاهر الذي أظهر معصيته وكشف ما ستر الله عليه فيحدث بها وقد ذكر النووي أن من جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكره بما جاهر به دون ما لم يجاهر به أه والمجاهر في هذا الحديث يحتمل أن يكون من جاهر بكذا بمعنى جهر به والنكتة في التعبير بفاعل إرادة المبالغة ويحتمل أن يكون على ظاهر المفاعلة والمراد الذين يجاهر بعضهم بعضا بالتحدث بالمعاصي وبقية الحديث توكد الاحتمال الأول قوله وإن من المجاهرة كذا لابن السكن والكشميهني وعليه شرح بن بطال وللباقين المجانة بدل المجاهرة ووقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد وأن من الاجهار كذا عند مسلم وفي رواية له الجهار وفي رواية الإسماعيلي الاهجار وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج وان من الهجار فتحصلنا على أربعة أشهرها الجهار ثم تقديم الهاء وبزيادة ألف قبل كل منهما قال الإسماعيلي لا أعلم أني سمعت هذه اللفظة في شيء من الحديث يعني إلا في هذا الحديث وقال عياض وقع للعذرى والسجزي في مسلم الاجهار وللفارسي الاهجار وقال في آخره وقال زهير الجهار هذه الروايات من طريق بن سفيان وبن أبي ماهان عن مسلم وفي أخرى عن بن سفيان في رواية زهير الهجار قال عياض الجهار والاجهار والمجاهرة كله صواب بمعنى الظهور والاظهار يقال جهر وأجهر بقوله وقراءته إذا أظهر وأعلن لأنه راجع لتفسير قوله أولا الا المجاهرون قال وأما المجانة فتصحيف وإن كان معناها لا يبعد هنا لأن الماجن هو الذي يستهتر في أموره وهو الذي لا يبالي بما قال وما قيل له قلت بل الذي يظهر رجحان هذه الرواية لأن الكلام المذكور بعده لا يرتاب أحد أنه من المجاهرة فليس في إعادة ذكره كبير فائدة وأما الرواية بلفظ المجانة فتفيد معنى زائدا وهو أن الذي يجاهر بالمعصية يكون من جملة المجان والمجانة مذمومة شرعا وعرفا فيكون الذي يظهر المعصية قد أرتكب محذورين إظهار المعصية وتلبسه بفعل المجان قال عياض وأم الاهجار فهو الفحش والخناء وكثرة الكلام وهو قريب من معنى المجانة يقال أهجر في كلامه وكأنه أيضا تصحيف من الجهار أو الاجهار وإن كان المعنى لا يبعد أيضا هنا وأما لفظ الهجار فبعيد لفظا ومعنى لأن الهجار الحبل أو الوتر تشد به يد البعير أو الحلقة التي يتعلم فيها الطعن ولا يصح له هنا معنى والله أعلم قلت بل له معنى صحيح أيضا فإنه يقال هجر وأهجر إذا أفحش في كلامه فهو مثل جهر وأجهر فما صح في هذا صح في هذا ولا يلزم من استعمال الهجار بمعنى الحبل أو غيره أن لا يستعمل مصدرا من الهجر بضم الهاء قوله البارحة هي أقرب ليلة مضت من وقت القول تقول لقيته البارحة وأصلها من برح إذا زال وورد في الأمر بالستر حديث ليس على شرط البخاري وهو حديث بن عمر رفعه اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله الحديث أخرجه الحاكم وهو في الموطأ من مرسل زيد بن أسلم قال بن بطال في الجهر بالمعصية استخفاف بحق الله ورسوله وبصالحي المؤمنين وفيه ضرب من العناد لهم وفي الستر بها السلامة من الاستخفاف لأن المعاصي تذل أهلها ومن إقامة الحد عليه إن كان فيه حد ومن التعزير إن لم يوجب حدا وإذا تمحض حق الله فهو أكرم الأكرمين ورحمته سبقت غضبه فلذلك إذا ستره في الدنيا لم يفضحه في الآخرة والذي يجاهر يفوته جميع ذلك وبهذا يعرف موقع إيراد حديث النجوي عقب حديث الباب وقد استشكلت مطابقته للترجمة من جهة أنها معقودة لستر المؤمن على نفسه والذي في الحديث ستر الله على المؤمن والجواب أن الحديث مصرح بذم من جاهر بالمعصية فيستلزم مدح من يستتر وأيضا فإن ستر الله مستلزم لستر المؤمن على نفسه فمن قصد إظهار المعصية والمجاهرة بها أغضب ربه فلم يستره ومن قصد التستر بها حياء من ربه ومن الناس من الله عليه بستره إياه وقيل إن البخاري يشير بذكر هذا الحديث في هذه الترجمة إلى تقوية مذهبه أن أفعال العباد مخلوقة لله
5722 قوله عن صفوان بن محرز في رواية شيبان عن قتادة حدثنا صفوان وتقدم التنبيه عليها في تفسير سورة هود وصفوان مازني بصري وأبوه بضم أوله وسكون المهملة وكسر الراء ثم زاي ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق عنه عن عمران بن حصين وقد ذكرهما في عدة مواضع قوله أن رجلا سأل بن عمر في رواية همام عن قتادة الماضية في المظالم عن صفوان قال بينما أنا أمشي مع بن عمر آخذ بيده وفي رواية سعيد وهشام عن قتادة في تفسير هود بينما بن عمر يطوف إذ عرض له رجل ولم أقف على اسم السائل لكن يمكن أن يكون هو سعيد بن جبير فقد أخرج الطبراني من طريقه قال قلت لابن عمر حدثني فذكر الحديث قوله كيف سمعت في رواية سعيد وهشام فقال يا أبا عبد الرحمن وهي كنية عبد الله بن عمر قوله كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى هي ما تكلم به المرء يسمع نفسه ولا يسمع غيره أو يسمع غيره سرا دون من يليه قال الراغب ناجيته إذا ساررته وأصله أن تخلو في نجوه من الأرض وقيل أصله من النجاة وهي أن تنجو بسرك من أن يطلع عليه والنجوى أصله المصدر وقد يوصف بها فيقال هو نجوى وهم نجوى والمراد بها هنا المناجاة التي تقع من الرب سبحانه وتعالى يوم القيامة مع المؤمنين وقال الكرماني أطلق على ذلك النجوى لمقابلة مخاطبة الكفار على رؤوس الأشهاد هناك قوله يدنو أحدكم من ربه في رواية سعيد بن أبي عروبة يدنو المؤمن من ربه أي يقرب منه قرب كرامة وعلو منزلة قوله حتى يضع كنفه بفتح الكاف والنون بعدها فاء أي جانبه والكنف أيضا الستر وهو المراد هنا والأول مجاز في حق الله تعالى كما يقال فلان في كنف فلان أي في حمايته وكلاءته وذكر عياض أن بعضهم صحفه تصحيفا شنيعا فقال بالمثناة بدل النون ويؤيد الرواية الصحيحة أنه وقع في رواية سعيد بن جبير بلفظ يجعله في حجابه زاد في رواية همام وستره قوله فيقول عملت كذا وكذا في رواية همام فيقول أتعرف ذنب كذا وكذا زاد في رواية سعيد وهشام فيقرره بذنوبه وفي رواية سعيد بن جبير فيقول له اقرأ صحيفتك فيقرأ ويقرره بذنب ذنب ويقول أتعرف أتعرف قوله فيقول نعم زاد في رواية همام أي رب وفي رواية سعيد وهشام فيقول أعرف قوله ثم يقول اني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم في رواية سعيد بن جبير فيلتفت يمنة ويسرة فيقول لا بأس عليك إنك في سترى لا يطلع على ذنوبك غيري زاد همام وسعيد وهشام في روايتهم فيعطى كتاب حسناته ووقع في بعض روايات سعيد وهشام فيطوى وهو خطأ وفي رواية سعيد بن جبير أذهب فقد غفرتها لك ووقع عند الثلاثة وأما الكافر والمنافق ولبعضهم الكفار والمنافقون وفي رواية سعيد وهشام وأما الكافر فينادي على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين وقد تقدم في تفسير هود أن الأشهاد جمع شاهد مثل أصحاب وصاحب وهو أيضا جمع شهيد كشريف وأشراف قال المهلب في الحديث تفضل الله على عباده بستره لذنوبهم يوم القيامة وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يضع عليه كنفه وستره أحدا الا الكفار والمنافقين فإنهم الذين ينادى عليهم على رؤوس الأشهاد باللعنة قلت قد استشعر البخاري هذا فأورد في كتاب المظالم هذا الحديث ومعه حديث أبي سعيد إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة الحديث فدل هذا الحديث على أن المراد بالذنوب في حديث بن عمر ما يكون بين المرء وربه سبحانه وتعالى دون مظالم العباد فمقتضى الحديث أنها تحتاج إلى المقاصصة ودل حديث الشفاعة أن بعض المؤمنين من العصاة يعذب بالنار ثم يخرج منها بالشفاعة كما تقدم تقريره في كتاب الإيمان فدل مجموع هذه الأحاديث على أن العصاة من المؤمنين في القيامة على قسمين أحدهما من معصيته بينه وبين ربه فدل حديث بن عمر على أن هذا القسم على قسمين قسم تكون معصيته مستورة في الدنيا فهذا الذي يسترها الله عليه في القيامة وهو بالمنطوق وقسم تكون معصيته مجاهرة فدل مفهومه على أنه بخلاف ذلك والقسم الثاني من تكون معصيته بينه وبين العباد فهم على قسمين أيضا قسم ترجح سيئاتهم على حسناتهم فهؤلاء يقعون في النار ثم يخرجون بالشفاعة وقسم تتساوى سيئاتهم وحسناتهم فهؤلاء لا يدخلون الجنة حتى يقع بينهم التقاص كما دل عليه حديث أبي سعيد وهذا كله بناء على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن يفعله باختياره وإلا فلا يجب على الله شيء وهو يفعل في عباده ما يشاء
1 ( قوله باب الكبر ) بكسر الكاف وسكون الموحدة ثم راء قال الراغب الكبر والتكبر والاستكبار متقارب فالكبر الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحق والاذعان له بالتوحيد والطاعة والتكبر يأتي على وجهين أحدهما أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير ومن ثم وصف سبحانه وتعالى بالمتكبر والثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا بما ليس فيه وهو وصف عامة الناس نحو قوله كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار والمستكبر مثله وقال الغزالي الكبر على قسمين فإن ظهر على الجوارح يقال تكبر وإلا قيل في نفسه كبر والأصل هو الذي في النفس وهو الاسترواح إلى رؤية النفس والكبر يستدعي متكبرا عليه يرى نفسه فوقه ومتكبرا به وبه ينفصل الكبر عن العجب فمن لم يخلق إلا وحده يتصور أن يكون معجبا لا متكبرا قوله وقال مجاهد ثاني عطفه مستكبرا في نفسه عطفه رقبته وصله الفريابي عن ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال في قوله تعالى ثاني عطفه قال رقبته وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله ثاني عطفه قال مستكبرا في نفسه ومن طريق قتادة قال لاوي عنقه ومن طريق السدي ثاني عطفه أي معرض من العظمة ومن طريق أبي صخر المدني قال كان محمد بن كعب يقول هو الرجل يقول هذا شيء ثنيت عليه رجلي فالعطف هو الرجل قال أبو صخر والعرب تقول العطف العنق وأخرج بن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد أنها نزلت في النضر بن الحارث حديث حارثة بن وهب وقد تقدم شرحه في تفسير سورة ن والغرض منه وصف المستكبر بأنه من أهل النار وقوله 5723 ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف هو برفع كل لأن التقدير هم كل ضعيف الخ ولا يجوز أن يكون بدلا من أهل حديث أنس