İbn Hacer — Fethu'l-Bârî (Buhârî şerhi)
1 ( قوله باب أمر النبي صلى الله عليه وسلم اليهود ببيع أرضيهم ) كذا في رواية أبي ذر بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة جمع أرض وهو جمع شاذ لأنه جمع جمع السلامة ولم يبق مفرده سالما لأن الراء في المفرد ساكنة وفي الجمع محركه قوله حين أجلاهم أي من المدينة قوله فيه المقبري عن أبي هريرة يشير إلى ما أخرجه في الجهاد في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة قال بينا نحن في المسجد إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى اليهود وفيه فقال أني أريد أن أجليكم فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه وهذه القصة وقعت لبني النضير كما سيأتي بيان ذلك في موضعه وكأن المصنف أخذ بيع الأرض من عموم بيع المال وقد تقدم في أبواب الخيار في قصة عثمان وبن عمر إطلاق المال على الأرض وغفل الكرماني عن الإشارة إلى هذا الحديث فقال إنما ذكر البخاري هذا الحديث بهذه الصيغة مقتضبا لكونه لم يثبت الحديث المذكور على شرطه والصواب أنه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتحاد مخرجه عنده ففر من تكرار الحديث على صورته بغير فائدة زائدة كما هو الغالب من عادته 1 ( قوله باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة ) التقدير بيع العبد بالعبد نسيئة والحيوان بالحيوان نسيئة وهو من عطف العام على الخاص وكأنه أراد بالعبد جنس من يستعبد فيدخل فيه الذكر والأنثى ولذلك ذكر قصة صفية أو أشار إلى إلحاق حكم الذكر بحكم الأنثى في ذلك لعدم الفرق قال بن بطال اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى الجواز لكن شرط مالك أن يختلف الجنس ومنع الكوفيون وأحمد مطلقا لحديث سمرة المخرج في السنن ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في سماع الحسن من سمرة وفي الباب عن بن عباس عند البزار والطحاوي ورجاله ثقات أيضا إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغير واحد إرساله وعن جابر عند الترمذي وغيره وإسناده لين وعن جابر بن سمرة عند عبد الله في زيادات المسند وعن بن عمر عند الطحاوي والطبراني واحتج للجمهور بحديث عبد الله بن عمرو إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا وفيه فابتاع البعير بالبعيرين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الدارقطني وغيره وإسناده قوي واحتج البخاري هنا بقصة صفية واستشهد بآثار الصحابة قوله واشترى بن عمر راحلة بأربعة أبعرة الحديث وصله مالك والشافعي عنه عن نافع عن بن عمر بهذا ورواه بن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن نافع أن بن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعرة بالربذة فقال لصاحب الناقة أذهب فأنظر فإن رضيت فقد وجب البيع وقوله راحلة أي ما أمكن ركوبه من الإبل ذكرا أو أنثى وقوله مضمونة صفة راحلة أي تكون في ضمان البائع حتى يوفيها أي يسلمها للمشتري والربذة بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة قوله وقال بن عباس قد يكون البعير خيرا من البعيرين وصله الشافعي من طريق طاوس أن بن عباس سئل عن بعير ببعيرين فقاله قوله واشتري رافع بن خديج بعيرا ببعيرين فأعطاه أحدهما وقال آتيك بالآخر غدا رهوا إن شاء الله وصله عبد الرزاق من طريق مطرف بن عبد الله عنه وقوله رهوا بفتح الراء وسكون الهاء أي سهلا والرهو السير السهل والمراد به هنا أن يأتيه به سريعا من غير مطل قوله وقال بن المسيب لا ربا في الحيوان البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل أما قول سعيد فوصله مالك عن بن شهاب عنه لا ربا في الحيوان ووصله بن أبي شيبة من طريق أخرى عن الزهري عنه لا بأس بالبعير بالبعيرين نسيئة قوله وقال بن سيرين لا بأس ببعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة كذا في معظم الروايات ووقع في بعضها ودرهم بدرهمين نسيئة وهو خطأ والصواب درهم بدرهم وقد وصله عبد الرزاق من طريق أيوب عنه بلفظ لا بأس بعير ببعيرين ودرهم بدرهم نسيئة فإن كان أحد البعيرين نسيئة فهو مكروه وروى سعيد بن منصور من طريق يونس عنه أنه كان لا يرى بأسا بالحيوان بالحيوان يدا بيد أو الدراهم نسيئة ويكره أن تكون الدراهم نقدا والحيوان نسيئة
2115 قوله كان في السبي صفية فصارت إلى دحية ثم صارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا أورده مختصرا وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه مما يناسب ترجمته أنه صلى الله عليه وسلم عوض دحية عنها بسبعة أرؤس وهو عند مسلم من طريق حماد بن ثابت وللمصنف من وجه آخر كما سيأتي فقال لدحية خذ جارية من السبي غيرها قال بن بطال ينزل تبديلها بجارية غير معينة يختارها منزلة بيع جارية بجارية نسيئة وسيأتي الكلام على قصة صفية هذه مستوفي في غزوة خيبر إن شاء الله تعالى 1 ( قوله باب بيع الرقيق ) أورد فيه حديث أبي سعيد أنه قال يا رسول الله إنا نصيب سبايا فنحب الأثمان الحديث ودلالته على الترجمة واضحة وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى وقوله 2116 في هذا السياق أنه بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نصيب سبيا يوهم أنه السائل وليس كذلك بل وقع في السياق حذف ظهر بيانه مما ساقه النسائي عن عمرو بن منصور عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه بلفظ بينما هو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل من الأنصار فقال فذكره وسيأتي البحث في ذلك 1 ( قوله باب بيع المدبر ) أي الذي علق مالكه عتقه بموت مالكه سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وأخرته أما دنياه فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبدة وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق وهو راجع إلى الأول لأن تدبير الأمر مأخوذ من النظر في العاقبة فيرجع إلى دبر الأمر وهو آخره وقد أعاد المصنف هذه الترجمة في كتاب العتق وضرب عليها في نسخة الصغاني وصارت أحاديثها داخلة في بيع الرقيق وتوجيهها واضح وكذا هو في رواية النسفي وأورد المصنف فيه حديثين كل منهما من طريقين الأول حديث جابر في بيع المدبر
2117 قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي خالد وعطاء هو بن أبي رباح وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق إسماعيل وسلمة وعطاء فإسماعيل وسلمة قرينان من صغار التابعين وعطاء من أوساطهم قوله باع النبي صلى الله عليه وسلم المدبر هكذا أورده مختصرا وأخرجه بن ماجة من طريق وكيع كذلك وأخرجه أحمد عن وكيع كذلك لكن زاد عن سفيان وإسماعيل جميعا عن سلمة وأخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر بن خلاد عن وكيع ولفظه في رجل أعتق غلاما له عن دبر وعليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم وقد أخرجه المصنف في الأحكام عن بن نمير شيخه فيه هنا لكن قال عن محمد بن بشر بدل وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد ولفظه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فباعه بثمانمائة درهم ثم أرسل بثمنه إليه وترجم عليه بيع الإمام على الناس أموالهم وقال في الترجمة وقد باع النبي صلى الله عليه وسلم مدبرا من نعيم بن النحام وأشار بذلك إلى ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا من الأنصار يقال له أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه فاشتراه نعيم بن عبد الله النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه الحديث وقد تقدم في باب بيع المزايدة من وجه آخر عن عطاء بلفظ أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله فأفاد في هذه الرواية سبب بيعه وهو الاحتياج إلى ثمنه وفي رواية بن خلاد زيادة في تفسير الحاجة وهو الدين فقد ترجم له في الاستقراض من باع مال المفلس فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه وكأنه أشار بالأول إلى ما تقدم من رواية وكيع عند الإسماعيلي في قوله وعليه دين وإلى ما أخرجه النسائي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل بلفظ أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر وكان محتاجا وكان عليه دين فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم فأعطاه وقال اقض دينك وبالثاني إلى ما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الليث عن أبي الزبير عن جابر قال أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألك مال غيره فقال لا الحديث وفيه فدفعها إليه ثم قال ابدأ بنفسك فتصدق عليها الحديث وفي رواية أيوب المذكورة نحوه ولفظه إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فضل فعلى عياله الحديث فاتفقت هذه الروايات على أن بيع المدبر كان في حياة الذي دبره إلا ما رواه شريك عن سلمة بن كهيل بهذا الإسناد أن رجلا مات وترك مدبرا ودينا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فباعه في دينه بثمانمائة درهم أخرجه الدارقطني ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري أن شريكا أخطأ فيه والصحيح ما رواه الأعمش وغيره عن سلمة وفيه ودفع ثمنه إليه وفي رواية النسائي من وجه آخر عن إسماعيل بن أبي خالد ودفع ثمنه إلى مولاه قلت وقد رواه أحمد عن أسود بن عامر عن شريك بلفظ أن رجلا دبر عبدا له وعليه دين فباعه النبي صلى الله عليه وسلم في دين مولاه وهذا شبيه برواية الأعمش وليس فيه للموت ذكر وشريك كان تغير حفظه لما ولي القضاء وسماع من حمله عنه قبل ذلك أصح ومنهم أسود المذكور تنبيهات الأول اتفقت الطرق على أن ثمنه ثمانمائة درهم إلا ما أخرجه أبو داود من طريق هشيم عن إسماعيل قال سبعمائة أو تسعمائة الثاني وجدت لوكيع في حديث الباب إسنادا آخر أخرجه بن ماجة من طريق أبي عبد الرحمن الأدرمي عنه عن أبي عمرو بن العلاء عن عطاء مثل لفظ حديث الباب مختصرا الثالث وقع في رواية الأوزاعي عن عطاء عند أبي داود زيادة في آخر الحديث وهو أنت أحق بثمنه والله أغنى عنه الطريق الثاني قوله عن عمرو هو بن دينار وفي رواية الحميدي في مسنده حدثنا عمرو بن دينار قوله باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا أخرجه أيضا مختصرا ولم يذكر من يعود الضمير عليه وقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن سفيان فزاد في آخره يعني المدبر وأخرجه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة جميعا عن سفيان بلفظ دبر رجل من الأنصار غلاما له لم يكن له مال غيره فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه بن النحام عبدا قبطيا مات عام أول في إمارة بن الزبير وهكذا أخرجه أحمد عن سفيان بتمامه نحوه وقد أخرجه المصنف في كفارات الأيمان من طريق حماد بن زيد عن عمرو نحوه ولم يقل في إمارة بن الزبير ولا عين الثمن قال القرطبي وغيره اتفقوا على مشروعية التدبير واتفقوا على أنه من الثلث غير الليث وزفر فإنهما قالا من رأس المال واختلفوا هل هو عقد جائز أو لازم فمن قال لازم منع التصرف فيه إلا بالعتق ومن قال جائز أجاز وبالأول قال مالك والأوزاعي والكوفيون وبالثاني قال الشافعي وأهل الحديث وحجتهم حديث الباب ولأنه تعليق للعتق بصفة انفرد السيد بها فيتمكن من بيعه كمن علق عتقه بدخول الدار مثلا ولأن من أوصى بعتق شخص جاز له بيعه باتفاق فيلحق به جواز بيع المدبر لأنه في معنى الوصية وقيد الليث الجواز بالحاجة وإلا فيكره وأجاب الأول بأنها قضية عين لا عموم لها فيحمل على بعض الصور وهو اختصاص الجواز بما إذا كان عليه دين وهو مشهور مذهب أحمد والخلاف في مذهب مالك أيضا وأجاب بعض المالكية عن الحديث بأنه صلى الله عليه وسلم رد تصرف هذا الرجل لكونه لم يكن له مال غيره فيستدل به على رد تصرف من تصدق بجميع ماله وادعى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم إنما باع خدمة المدبر لا رقبته واحتج بما رواه بن فضيل عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال لا بأس ببيع خدمة المدبر أخرجه الدارقطني ورجال إسناده ثقات إلا أنه اختلف في وصله وإرساله ولو صح لم يكن فيه حجة إذ لا دليل فيه على أن البيع الذي وقع في قصة المدبر الذي اشتراه نعيم بن النحام كان في منفعته دون رقبته الحديث الثاني حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأمة إذا زنت وقد تقدمت الإشارة إليه في باب بيع العبد الزاني وأورده هنا من وجه آخر عن أبي هريرة ووجه دخوله في هذا الباب عموم الأمر ببيع الأمة إذا زنت فيشمل ما إذا كانت مدبرة أو غير مدبرة فيؤخذ منه جواز بيع المدبر في الجملة وأما ما وقع في رواية النسفي وفي نسخة الصغاني فلا يحتاج إلى اعتذار
1 ( قوله باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها ) هكذا قيد بالسفر وكأن ذلك لكونه مظنة الملامسة والمباشرة غالبا قوله ولم ير الحسن بأسا أن يقبلها أو يباشرها وصله بن أبي شيبة من طريق يونس بن عبيد عنه قال وكان بن سيرين يكره ذلك وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن الحسن قال يصيب ما دون الفرج قال الداودي قول الحسن أن كان في المسبية صواب وتعقبه بن التين بأنه لا فرق في الاستبراء بين المسبية وغيرها قوله وقال بن عمر إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فليستبرأ رحمها بحيضة ولا تستبرأ العذراء أما قوله الأول فوصله بن أبي شيبة من طريق عبد الله عن نافع عنه وأما قوله ولا تستبرأ العذراء فوصله عبد الرزاق من طريق أيوب عن نافع عنه وكأنه يرى أن البكارة تمنع الحمل أو تدل على عدمه أو عدم الوطء وفيه نظر وعلى تقديره ففي الاستبراء شائبة تعبد ولهذا تستبرأ التي أيست من الحيض قوله وقال عطاء لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج قال الله تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم قال بن التين إن أراد عطاء بالحامل من حملت من سيدها فهو فاسد لأنه لا يرتاب في حله وإن أراد من غيره ففيه خلاف قلت والثاني أشبه بمراده ولذلك قيده بما دون الفرج ووجه استدلاله بالآية أنها دلت على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه فخرج الوطء بدليل فبقي الباقي على الأصل ثم ذكر المصنف في الباب حديث أنس في قصة صفية وسيأتي مبسوطا في المغازي والغرض منه هنا 2120 قوله حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها فإن المراد بقوله حلت أي طهرت من حيضها وقد روى البيهقي بإسناد لين أنه صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحيضة وأما ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم ترك صفية عند أم سليم حتى انقضت عدتها فقد شك حماد راوية عن ثابت في رفعه وفي ظاهره نظر لأنه صلى الله عليه وسلم دخل بها منصرفه من خيبر بعد قتل زوجها بيسير فلم يمض زمن يسع انقضاء العدة ولا نقلوا أنها كانت حاملا فتحمل العدة على طهرها من المحيض وهو المطلوب والصريح في هذا الباب حديث أبي سعيد مرفوعا لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة قاله في سبايا أوطاس أخرجه أبو داود وغيره وليس على شرط الصحيح 1 ( قوله باب بيع الميتة والأصنام ) أي تحريم ذلك والميتة بفتح الميم ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية والميتة بالكسر الهيئة وليست مرادا هنا ونقل بن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الميتة ويستثنى من ذلك السمك والجراد والأصنام جمع صنم قال الجوهري هو الوثن وقال غيره الوثن ماله جثة والصنم ما كان مصورا فبينهما عموم وخصوص وجهي فإن كان مصورا فهو وثن وصنم
2121 قوله عن عطاء بين في الرواية المعلقة تلو هذه الرواية المتصلة أن يزيد بن أبي حبيب لم يسمعه من عطاء وإنما كتب به إليه وليزيد فيه إسناد آخر ذكره أبو حاتم في العلل من طريق حاتم بن إسماعيل عن عبد الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال بن أبي حاتم سألت أبي عنه فقال قد رواه محمد بن إسحاق عن يزيد عن عطاء ويزيد لم يسمع من عطاء ولا أعلم أحدا من المصريين رواه عن يزيد متابعا لعبد الحميد بن جعفر فإن كان حفظه فهو صحيح لأن محله الصدق قلت قد اختلف فيه على عبد الحميد ورواية أبي عاصم عنه الموافقة لرواية غيره عن يزيد أرجح فتكون رواية حاتم بن إسماعيل شاذة قوله عن جابر في رواية أحمد عن حجاج بن محمد عن الليث بسنده سمعت جابر بن عبد الله بمكة قوله وهو بمكة عام الفتح فيه بيان تاريخ ذلك وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة ويحتمل أن يكون التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده صلى الله عليه وسلم ليسمعه من لم يكن سمعه قوله إن الله ورسوله حرم هكذا وقع في الصحيحين بإسناد الفعل إلى ضمير الواحد وكان الأصل حرما فقال القرطبي إنه صلى الله عليه وسلم تأدب فلم يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الإثنين لأنه من نوع ما رد به على الخطيب الذي قال ومن يعصهما كذا قال ولم تتفق الرواة في هذا الحديث على ذلك فإن في بعض طرقه في الصحيح إن الله حرم ليس فيه ورسوله وفي رواية لابن مردويه من وجه آخر عن الليث أن الله ورسوله حرما وقد صح حديث أنس في النهي عن أكل الحمر الأهلية إن الله ورسوله ينهيانكم ووقع في رواية النسائي في هذا الحديث ينهاكم والتحقيق جواز الأفراد في مثل هذا ووجهه الإشارة إلى أن أمر النبي ناشيء عن أمر الله وهو نحو قوله والله ورسوله أحق أن يرضوه والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها والتقدير عند سيبويه والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه وهو كقول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقيل أحق أن يرضوه خبر عن الاسمين لأن الرسول تابع لأمر الله قوله فقيل يا رسول الله لم أقف على تسمية القائل وفي رواية عبد الحميد الآتية فقال رجل قوله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس أي فهل يحل بيعها لما ذكر من المنافع فانها مقتضية لصحة البيع قوله فقال لا هو حرام أي البيع هكذا فسره بعض العلماء كالشافعي ومن اتبعه ومنهم من حمل قوله وهو حرام على الانتفاع فقال يحرم الانتفاع بها وهو قول أكثر العلماء فلا ينتفع من الميتة أصلا عندهم إلا ما خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ واختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على الجواز وقال أحمد وبن الماجشون لا ينتفع بشيء من ذلك واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة ولا فرق قوله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك قاتل الله اليهود الخ وسياقه مشعر بقوة ما أوله الأكثر أن المراد بقوله هو حرام البيع لا الانتفاع وروى أحمد والطبراني من حديث بن عمر مرفوعا الويل لبني إسرائيل إنه لما حرمت عليهم الشحوم باعوها فأكلوا ثمنها وكذلك ثمن الخمر عليكم حرام وقد مضى في باب تحريم تجارة الخمر حديث تميم الداري في ذلك قوله وقال أبو عاصم حدثنا عبد الحميد هو بن جعفر وهذه الطريق وصلها أحمد عن أبي عاصم وأخرجها مسلم عن أبي موسى عن أبي عاصم ولم يسق لفظه بل قال مثل حديث الليث والظاهر أنه أراد أصل الحديث وإلا ففي سياقه بعض مخالفة قال أحمد حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر أخبرني يزيد بن أبي حبيب ولفظه يقول عام الفتح إن الله حرم بيع الخنازير وبيع الميتة وبيع الخمر وبيع الأصنام قال رجل يا رسول الله فما ترى في بيع شحوم الميتة فانها تدهن بها السفن والجلود ويستصبح بها فقال قاتل الله يهود الحديث فظهر بهذه الرواية أن السؤال وقع عن بيع الشحوم وهو يؤيد ما قررناه ويؤيده أيضا ما أخرجه أبو داود من وجه آخر عن بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال وهو عند الركن قاتل الله اليهود ان الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وان الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه قال جمهور العلماء العلة في منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة ولكن المشهور عند مالك طهارة الخنزير والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة فعلى هذا إن كانت بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية وغيرهم والأكثر على المنع حملا للنهي على ظاهره والظاهر أن النهي عن بيعها للمبالغة في التنفير عنها ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم نحت جميع ذلك وصنعته وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير إلا ما تقدمت الإشارة إليه في باب تحريم الخمر ولذلك رخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير للخرز حكاه بن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية فعلى هذا فيجوز بيعه ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة كالشعر والصوف والوبر فإنه طاهر فيجوز بيعه وهو قول أكثر المالكية والحنفية وزاد بعضهم العظم والسن والقرن والظلف وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث والأوزاعي ولكنها تطهر عندهم بالغسل وكأنها متنجسة عندهم بما يتعلق بها من رطوبات الميتة لا نجسة العين ونحوه قول بن القاسم في عظم الفيل إنه يطهر إذا سلق بالماء وقد تقدم كثير من مباحث هذا الحديث في باب لا يذاب شحم الميتة
1 ( قوله باب ثمن الكلب )
أورد فيه حديثين أحدهما عن أبي مسعود أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ثانيهما حديث أبي جحيفة نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة الحديث وقد تقدم في باب موكل الربا في أوائل البيع واشتمل هذان الحديثان على أربعة أحكام أو خمسة ان غايرنا بين كسب الأمة ومهر البغي الأول ثمن الكلب وظاهر النهي تحريم بيعه وهو عام في كل كلب معلما كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه وبذلك قال الجمهور وقال مالك لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه وعنه كالجمهور وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة وقال عطاء والنخعي يجوز بيع كلب الصيد دون غيره وروى أبو داود من حديث بن عباس مرفوعا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وقال ان جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا وإسناده صحيح وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه ويدل عليه حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته وقد وقع في حديث بن عمر عند بن أبي حاتم بلفظ نهى عن ثمن الكلب وان كان ضاريا يعني مما يصيد وسنده ضعيف قال أبو حاتم هو منكر وفي رواية لأحمد نهى عن ثمن الكلب وقال طعمة جاهلية ونحوه للطبراني من حديث ميمونة بنت سعد وقال القرطبي مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ ان وقع وكأنه لما لم يكن عنده نجسا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها لأنه ليس من مكارم الأخلاق قال وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم إذ كل واحد منهما منهي عنه ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر فانا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهي والايجاب على النفي الحكم الثاني مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهرا مجازا والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغي بغايا والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا مهر لها وفي وجه للشافعية يجب للسيد الحكم الثالث كسب الأمة وسيأتي في الاجارة باب كسب البغي والاماء وفيه حديث أبي هريرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الاماء زاد أبو داود من حديث رافع بن خديج نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو فعرف بذلك النهي والمراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح وقد روى أبو داود أيضا من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها وقال هكذا بيده نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي نتف الصوف وقيل المراد بكسب الأمة جميع كسبها وهو من باب سد الذرائع لأنها لا تؤمن إذا ألزمت بالكسب أن تكسب بفرجها فالمعنى أن لا يجعل عليها خراج معلوم تؤديه كل يوم الحكم الرابع حلوان الكاهن وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث أنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال حلوته إذا أطعمته الحلو والحلوان أيضا الرشوة والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه وسيأتي الكلام على الكهانة وأصلها وحكمها في أواخر كتاب الطب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى الحكم الخامس ثمن الدم واختلف في المراد به فقيل أجرة الحجامة وقيل هو على ظاهره والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير وهو حرام إجماعا أعني بيع الدم وأخذ ثمنه وسيأتي الكلام على حكم أجرة الحجام في الاجارة إن شاء الله تعالى خاتمة اشتمل كتاب البيوع من المرفوع على مائتي حديث وسبعة وأربعين حديثا المعلق منها ستة وأربعون وما عداها موصول المكرر منه فيه وفيما مضى مائة وتسعة وثلاثون حديثا والخالص مائة وثمانية أحاديث وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وعشرين حديثا وهي حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة تزويجه وحديث أبي هريرة في التمرة الساقطة وحديث عائشة في التسمية على الذبيحة وحديث أبي هريرة يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال وحديث أبي بكر قد علم قومي أن حرفتي وحديث المقدام أطيب ما أكل من كسبه وحديث أبي هريرة ان داود كان يأكل من كسبه وحديث جابر رحم الله عبدا سمحا وحديث العداء في العهدة وحديث أبي جحيفة في الحجام وحديث بن عباس آخر آية أنزلت وحديث بن أبي أوفى ان رجلا أقام سلعة وحديث بن عمر كان على جمل صعب وحديثه في الإبل الهيم وحديث اكتالوا حتى تستوفوا وحديث إذا بعت فكل وحديث جابر في دين أبيه وحديث المقدام كيلوا طعامكم وحديث عائشة في شأن الهجرة وحديث المكر والخديعة في النار وحديث أنس في الملامسة والمنابذة وحديث إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه وحديث بن عمر لا يبيع حاضر لباد وحديث بن عباس في المزابنة وحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار وحديث سلمان في مكاتبته وحديث عبد الرحمن بن عوف مع صهيب وحديث أبي هريرة ثلاثة أنا خصمهم وحديثه في إجلاء اليهود وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنان وخمسون أثرا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب بسم الله الرحمن الرحيم
1 ( قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب السلم ) 1 ( باب السلم في كيل معلوم ) كذا في رواية المستملي والبسملة متقدمة عنده ومتوسطة في رواية الكشميهني بين كتاب وباب وحذف النسفي كتاب السلم وأثبت الباب وأخر البسملة عنه والسلم بفتحتين السلف وزنا ومعنى وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز وقيل السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس فالسلف أعم والسلم شرعا بيع موصوف في الذمة ومن قيده بلفظ السلم زاده في الحد ومن زاد فيه ببدل يعطى عاجلا فيه نظر لأنه ليس داخلا في حقيقته واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكى عن بن المسيب واختلفوا في بعض شروطه واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا وقول المصنف باب السلم في كيل معلوم أي فيما يكال واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق ثم أورد حديث بن عباس مرفوعا من أسلف في شيء الحديث من طريق بن علية وفي الباب الذي بعده من طريق بن عيينة كلاهما عن بن أبي نجيح وذكره بعد من طرق أخرى عنه ومداره على عبد الله بن كثير وقد اختلف فيه فجزم القابسي وعبد الغني والمزي بأنه المكي القارىء المشهور وجزم الكلاباذي وبن طاهر والدمياطي بأنه بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي وكلاهما ثقة والأول أرجح فإنه مقتضى صنيع المصنف في تاريخه وأبو المنهال شيخه هو عبد الرحمن بن مطعم الذي تقدمت روايته قريبا عن البراء وزيد بن أرقم 2124 قوله عامين أو ثلاثة شك إسماعيل يعني بن علية ولم يشك سفيان فقال وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث وقوله عامين وقوله السنتين منصوب إما على نزع الخافض أو على المصدر قوله من سلف في تمر كذا لابن علية بالتشديد وفي رواية بن عيينة من أسلف في شيء وهي أشمل وقوله ووزن معلوم الواو بمعنى أو والمراد اعتبار الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن قوله حدثنا محمد أخبرنا إسماعيل هو بن علية واختلف في محمد فقال الجياني لم أره منسوبا وعندي أنه بن سلام وبه جزم الكلاباذي زاد السفيانان إلى أجل معلوم وسيأتي البحث فيه في بابه 1 ( قوله باب السلم في وزن معلوم ) أي فيما يوزن وكأنه يذهب إلى أن ما يوزن لا يسلم فيه مكيلا وبالعكس وهو أحد الوجهين والأصح عند الشافعية الجواز وحمله إمام الحرمين على ما يعد الكيل في مثله ضابطا واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل كصاع الحجاز وقفيز العراق وأردب مصر بل مكاييل هذه البلاد في نفسها مختلفة فإذا أطلق صرف إلى الأغلب وأورد فيه حديثين أحدهما حديث بن عباس الماضي في الباب قبله ذكره عن ثلاثة من مشايخه حدثوه به عن بن عيينة قال في الأولى من أسلف في شيء ففي كيل معلوم الحديث وقال في الثانية من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم ولم يذكر الوزن وذكره في الثالثة وصرح في الطريق الأولى بالأخبار بين بن عيينة وبن أبي نجيح وقوله في شيء اخذ منه جواز السلم في الحيوان إلحاقا للعدد بالكيل والمخالف فيه الحنفية وسيأتي القول بصحته عن الحسن بعد ثلاثة أبواب ثانيهما حديث بن أبي أوفي
2127 قوله عن بن أبي المجالد كذا أبهمه أبو الوليد عن شعبة وسماه غيره عنه محمد بن أبي المجالد ومنهم من أورده على الشك محمدا وعبد الله وذكر البخاري الروايات الثلاث وأورده النسائي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة عن عبد الله وقال مرة محمد وقد أخرجه البخاري في الباب الذي يليه من رواية عبد الواحد بن زياد وجماعة عن أبي إسحاق الشيباني فقال عن محمد بن أبي المجالد ولم يشك في اسمه وكذلك ذكره البخاري في تاريخه في المحمدين وجزم أبو داود بأن اسمه عبد الله وكذا قال بن حبان ووصفه بأنه كان صهر مجاهد وبأنه كوفي ثقة وكان مولى عبد الله بن أبي أوفي ووثقه أيضا يحيى بن معين وغيره وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد قوله اختلف عبد الله بن شداد أي بن الهاد الليثي وهو من صغار الصحابة وأبو بردة أي بن أبي موسى الأشعري قوله في السلف أي هل يجوز السلم إلى من ليس عنده المسلم فيه في تلك الحالة أم لا وقد ترجم له كذلك في الباب الذي يليه قوله وسألت بن أبزى هو عبد الرحمن الخزاعي أحد صغار الصحابة ولأبيه أبزى صحبة على الراجح وهو بالموحدة والزاي وزن أعلى ووجه إيراد هذا الحديث في باب السلم في وزن معلوم الإشارة إلى ما في بعض طرقه وهو في الباب الذي يليه بلفظ فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت لأن الزيت من جنس ما يوزن قال بن بطال أجمعوا على أنه إن كان في السلم ما يكال أو يوزن فلا بد فيه من ذكر الكيل المعلوم والوزن المعلوم فإن كان فيما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم قلت أو ذرع معلوم والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن للجامع بينهما وهو عدم الجهالة بالمقدار ويجري في الذرع ما تقدم شرطه في الكيل والوزن من تعيين الذراع لأجل اختلافه في الأماكن وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره وكأنه لم يذكر في الحديث لأنهم كانوا يعملون به وإنما تعرض لذكر ما كانوا يهملونه 1 ( قوله باب السلم إلى من ليس عنده أصل ) أي مما أسلم فيه وقيل المراد بالأصل أصل الشيء الذي يسلم فيه فأصل الحب مثلا الزرع وأصل الثمر مثلا الشجر والغرض من الترجمة أن ذلك لا يشترط وأورد المصنف حديث بن أبي أوفي من طريق الشيباني فأورده أولا من طريق عبد الواحد وهو بن زياد عنه فذكر الحنطة والشعير والزيت ومن طريق خالد عن الشيباني ولم يذكر الزيت ومن طريق جرير عن الشيباني فقال الزبيب بدل الزيت ومن طريق سفيان عن الشيباني فقال وذكره بعد ثلاثة أبواب من وجه آخر عن سفيان كذلك 2128 قوله نبيط أهل الشام في رواية سفيان أنباط من أنباط الشام وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام ويقال لهم النبط بفتحتين والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية والانباط قيل سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة قوله قلت إلى من كان أصله عنده أي المسلم فيه وسيأتي من طريق سفيان بلفظ قلت أكان لهم زرع أو لم يكن لهم قوله ما كنا نسألهم عن ذلك كأنه استفاد الحكم من عدم الاستفصال وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك
2129 قوله وقال عبد الله بن الوليد هو العدني وسفيان هو الثوري وطريقه موصولة في جامع سفيان من طريق علي بن الحسن الهلالي عن عبد الله بن الوليد المذكور واستدل بهذا الحديث على صحة السلم إذا لم يذكر مكان القبض وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وبه قال مالك وزاد ويقبضه في مكان السلم فإن اختلفا فالقول قول البائع وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي لا يجوز السلم فيما له حمل ومؤنة إلا أن يشترط في تسليمه مكانا معلوما واستدل به على جواز السلم فيما ليس موجودا في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول السلم وهو قول الجمهور ولا يضر انقطاعه قبل المحل وبعده عندهم وقال أبو حنيفة لا يصح فيما ينقطع قبله ولو أسلم فيما يعم فانقطع في محله لم ينفسخ البيع عند الجمهور وفي وجه للشافعية ينفسخ واستدل به على جواز التفرق في السلم قبل القبض لكونه لم يذكر في الحديث وهو قول مالك إن كان بغير شرط وقال الشافعي والكوفيون يفسد بالافتراق قبل القبض لأنه يصير من باب بيع الدين بالدين وفي حديث بن أبي أوفي جواز مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم ورجوع المختلفين عند التنازع إلى السنة والاحتجاج بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم كان أصلا برأسه لا يضره مخالفة أصل آخر ثم أورد المصنف في الباب حديث بن عباس الآتي في الباب الذي يليه وزعم بن بطال أنه غلط من الناسخ وأنه لا مدخل له في هذا الباب إذ لا ذكر للسلم فيه وغفل عما وقع في السياق من قول الراوي إنه سأل بن عباس عن السلم في النخل وأجاب بن المنير أن الحكم مأخوذ بطريق المفهوم وذلك أن بن عباس لما سئل عن السلم مع من له نخل في ذلك النخل رأى أن ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو الصلاح فإذا كان السلم في النخل المعين لا يجوز تعين جوازه في غير المعين للأمن فيه من غائلة الاعتماد على ذلك النخل بعينه لئلا يدخل في باب بيع الثمار قبل بدو الصلاح ويحتمل أن يريد بالسلم معناه اللغوي أي السلف لما كانت الثمرة قبل بدو صلاحها فكأنها موصوفة في الذمة 2130 قوله أخبرنا عمرو في رواية مسلم عمرو بن مرة وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طرق عن شعبة قوله فقال رجل ما يوزن لم أقف على اسمه وزعم الكرماني أنه أبو البختري نفسه لقوله في بعض طرقه فقال له الرجل بالتعريف قوله فقال له رجل إلى جانبه لم أقف على اسمه وقوله حتى يحرز بتقديم الراء على الزاي أي يحفظ ويصان وفي رواية الكشميهني بتقديم الزاي على الراء أي يوزن أو يخرص وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيه المالك وصوب عياض الأول ولكن الثاني أليق بذكر الوزن ورأيته في رواية النسفي حتى يحرر براءين الأولى ثقيلة ولكنه رواه بالشك قوله وقال معاذ حدثنا شعبة وصله الإسماعيلي عن يحيى بن محمد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به 1 ( قوله باب السلم في النخل ) أي في ثمر النخل
2131 قوله فقال أي بن عمر نهى عن بيع النخل حتى يصلح أي نهى عن بيع ثمر النخل واتفقت الروايات في هذا الموضع على أنه نهى على البناء للمجهول واختلف في الرواية الثانية وهي رواية غندر فعند أبي ذر وأبي الوقت فقال نهى عمر عن بيع الثمر الحديث وفي رواية غيرهما نهى النبي صلى الله عليه وسلم واقتصر مسلم على حديث بن عباس قوله وعن بيع الورق أي بالذهب كما في الرواية الثانية قوله نساء بفتح النون والمهملة والمد أي تأخيرا تقول نسأت الدين أي أخرته نساء أي تأخيرا وسيأتي البحث في اشتراط الأجل في السلم في الباب الذي يليه وحديث بن عمر إن صح فمحمول على السلم الحال عند من يقول به أو ما قرب أجله واستدل به على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين لكن بعد بدو صلاحه وهو قول المالكية وقد روى أبو داود وبن ماجة من طريق النجراني عن بن عمر قال لا يسلم في نخل قبل أن يطلع فإن رجلا أسلم في حديقة نخل قبل أن تطلع فلم تطلع ذلك العام شيئا فقال المشتري هو لي حتى تطلع وقال البائع إنما بعتك هذه السنة فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اردد عليه ما أخذت منه ولا تسلموا في نخل حتى يبدو صلاحه وهذا الحديث فيه ضعف ونقل بن المنذر اتفاق الأكثر على منع السلم في بستان معين لأنه غرر وقد حمل الأكثر الحديث المذكور على السلم الحال وقد روى بن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة بعدها نون أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك أن تبيعني تمرا معلوما إلى أجل معلوم من حائط بني فلان قال لا أبيعك من حائط مسمى بل أبيعك أو سقا مسماة إلى أجل مسمى 1 ( قوله باب الكفيل في السلم ) أورد فيه حديث عائشة اشترى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما من يهودي نسيئة ورهنه درعا من حديد ثم ترجم له باب الرهن في السلم وهو ظاهر فيه وأما الكفيل فقال الإسماعيلي ليس في هذا الحديث ما ترجم به ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فيجوز أخذ الكفيل فيه قلت هذا الاستنباط بعينه سبق إليه إبراهيم النخعي راوي الحديث وإلى ذلك أشار البخاري في الترجمة فسيأتي في الرهن عن مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش قال تذاكرنا عند إبراهيم الرهن والكفيل في السلف فذكر إبراهيم هذا الحديث فوضح أنه هو المستنبط لذلك وأن البخاري أشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث على عادته وفي الحديث الرد على من قال إن الرهن في السلم لا يجوز وقد أخرج الإسماعيلي من طريق بن نمير عن الأعمش أن رجلا قال لإبراهيم النخعي أن سعيد بن جبير يقول إن الرهن في السلم هو الربا المضمون فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في كتاب الرهن إن شاء الله تعالى قال الموفق رويت كراهة ذلك عن بن عمر والحسن والأوزاعي وإحدى الروايتين عن أحمد ورخص فيه الباقون والحجة فيه قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلى أن قال فرهن مقبوضة واللفظ عام فيدخل السلم في عمومه لأنه أحد نوعي البيع واستدل لأحمد بما رواه أبو داود من حديث أبي سعيد من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره وجه الدلالة منه أنه لا يأمن هلاك الرهن في يده بعدوان فيصير مستوفيا لحقه من غير المسلم فيه وروى الدارقطني من حديث بن عمر رفعه من أسلف في شيء فلا يشترط على صاحبه غير قضائه وإسناده ضعيف ولو صح فهو محمول على شرط ينافي مقتضى العقد والله أعلم 1 ( قوله باب السلم إلى أجل معلوم )
يشير إلى الرد على من أجاز السلم الحال وهو قول الشافعية وذهب الأكثر إلى المنع وحمل من أجاز الأمر في قوله إلى أجل معلوم على العلم بالأجل فقط فالتقدير عندهم من أسلم إلى أجل فليسلم إلى أجل معلوم لا مجهول وأما السلم لا إلى أجل فجوازه بطريق الأولى لأنه إذا جاز مع الأجل وفيه الغرر فمع الحال أولى لكونه أبعد عن الغرر وتعقب بالكتابة وأجيب بالفرق لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالبا قوله وبه قال بن عباس أي باختصاص السلم بالاجل وقوله وأبو سعيد هو الخدري والحسن أي البصري والأسود أي بن يزيد النخعي فأما قول بن عباس فوصله الشافعي من طريق أبي حسان الأعرج عن بن عباس قال أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه ثم قرأ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصححه وروى بن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس قال لا يسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلا ومن طريق سالم بن أبي الجعد عن بن عباس بلفظ آخر سيأتي وأما قول أبي سعيد فوصله عبد الرزاق من طريق نبيح بنون وموحدة ومهملة مصغر وهو العنزي بفتح المهملة والنون ثم الزاي الكوفي عن أبي سعيد الخدري قال السلم بما يقوم به السعر ربا ولكن أسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم وأما قول الحسن فوصله سعيد بن منصور من طريق يونس بن عبيد عنه أنه كان لا يرى بأسا بالسلف في الحيوان إذا كان شيئا معلوما إلى أجل معلوم وأما قول الأسود فوصله بن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق عنه قال سألته عن السلم في الطعام فقال لا بأس به كيل معلوم إلى أجل معلوم ومن طريق سالم بن أبي الجعد عن بن عباس قال إذا سميت في السلم قفيزا وأجلا فلا بأس وعن شريك عن أبي إسحاق عن الأسود مثله واستدل بقول بن عباس الماضي لا تسلف إلى العطاء لاشتراط تعيين وقت الأجل بشيء لا يختلف فإن زمن الحصاد يختلف ولو بيوم وكذلك خروج العطاء ومثله قدوم الحاج وأجاز ذلك مالك ووافقه أبو ثور واختار بن خزيمة من الشافعية تأقيته إلى الميسرة واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي ابعث لي ثوبين إلى الميسرة وأخرجه النسائي وطعن بن المنذر في صحته بما وهم فيه والحق أنه لا دلالة فيه على المطلوب لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشروطه ولذلك لم يصف الثوبين قوله وقال بن عمر لا بأس في الطعام الموصوف بسعر معلوم إلى أجل معلوم ما لم يكن ذلك في زرع لم يبد صلاحه وصله مالك في الموطأ عن نافع عنه قال لا بأس أن يسلف الرجل في الطعام الموصوف فذكر مثله وزاد أو ثمرة لم يبد صلاحها وأخرجه بن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع نحوه وقد مضى حديث بن عمر في ذلك مرفوعا في الباب الذي قبله ثم أورد المصنف حديث بن عباس المذكور في أول أبواب السلم 2135 قوله وقال عبد الله بن الوليد حدثنا سفيان حدثنا بن أبي نجيح هو موصول في جامع سفيان من طريق عبد الله بن الوليد المذكور وهو العدني عنه وأراد المصنف بهذا التعليق بيان التحديث لأن الذي قبله مذكور بالعنعنة ثم أورد حديث بن أبي أوفى وبن أبزي وقد تقدم الكلام عليه مستوفي عن قريب 1 ( قوله باب السلم إلى أن تنتج الناقة )
أورد فيه حديث بن عمر في النهي عن بيع حبل الحبلة وقد تقدمت مباحثه في كتاب البيوع ويؤخذ منه ترك جواز السلم إلى أجل غير معلوم ولو أسند إلى شيء يعرف بالعادة خلافا لمالك ورواية عن أحمد خاتمة اشتمل كتاب السلم على أحد وثلاثين حديثا المعلق منها أربعة والبقية موصولة الخالص منها خمسة أحاديث والبقية مكررة وافقه مسلم على تخريج حديثي بن عباس خاصة وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين ستة آثار 1 ( قوله كتاب الشفعة بسم الله الرحمن الرحيم السلم في الشفعة ) كذا للمستملي وسقط ما سوى البسملة للباقين وثبت للجميع باب الشفعة فيما لم يقسم والشفعة بضم المعجمة وسكون الفاء وغلط من حركها وهي مأخوذة لغة من الشفع وهو الزوج وقيل من الزيادة وقيل من الإعانة وفي الشرع انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها 2138 قوله حدثنا عبد الواحد هو بن زياد وقد تقدمت الإشارة إلى روايته في باب بيع الأرض من كتاب البيوع والاختلاف في قوله كل ما لم يقسم أو كل مال لم يقسم واللفظ الأول يشعر باختصاص الشفعة بما يكون قابلا للقسمة بخلاف الثاني قوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة أي بينت مصارف الطرق وشوارعها كأنه من التصرف أو من التصريف وقال بن مالك معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصرف بكسر المهملة الخالص من كل شيء وهذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر بلفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإذا باع ولم يؤد له فهو أحق به وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع وصدره يشعر بثبوتها في المنقولات وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وبما فيه العقار وقد أخذ بعمومها في كل شيء مالك في رواية وهو قول عطاء وعن أحمد تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات وروى البيهقي من حديث بن عباس مرفوعا الشفعة في كل شيء ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته قال عياض لو اقتصر في الحديث على القطعة الأولى لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة الجوار ولكن أضاف إليها صرف الطرق والمترتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما واستدل به على عدم دخول الشفعة فيما لا يقبل القسمة وعلى ثبوتها لكل شريك وعن أحمد لا شفعة لذمي وعن الشعبي لا شفعة لمن لم يسكن المصر تنبيهان الأول اختلف على الزهري في هذا الإسناد فقال مالك عنه عن أبي سلمة وبن المسيب مرسلا كذا رواه الشافعي وغيره ورواه أبو عاصم والماجشون عنه فوصله بذكر أبي هريرة أخرجه البيهقي ورواه بن جريج عن الزهري كذلك لكن قال عنهما أو عن أحدهما أخرجه أبو داود والمحفوظ روايته عن أبي سلمة عن جابر موصولا وعن بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وما سوى ذلك شذوذ ممن رواه ويقوى طريقه عن أبي سلمة عن جابر متابعة يحيى بن أبي كثير له عن أبي سلمة عن جابر ثم ساقه كذلك الثاني حكى بن أبي حاتم عن أبيه أن قوله فإذا وقعت الحدود الخ مدرج من كلام جابر وفيه نظر لأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها 1 ( قوله باب عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع )
أي هل تبطل بذلك شفعته أم لا وسيأتي في كتاب ترك الحيل مزيد بيان لذلك قوله وقال الحكم إذا أذن له قبل البيع فلا شفعة له وقال الشعبي من بيعت شفعته وهو شاهد لا يغيرها فلا شفعة له أما قول الحكم فوصله بن أبي شيبة بلفظ إذا أذن المشتري في الشراء فلا شفعة له وأما قول الشعبي فوصله بن أبي شيبة أيضا بنحوه 2139 قوله عن عمرو بن الشريد في رواية سفيان الآتية في ترك الحيل عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشريد والشريد بفتح المعجمة وزن طويل صحابي شهير وولده من أوساط التابعين ووهم من ذكره في الصحابة وما له في البخاري سوى هذا الحديث وقد أخرج الترمذي معلقا والنسائي وبن ماجة هذا الحديث من وجه آخر عنه عن أبيه ولم يذكر القصة فيحتمل أن يكون سمعه من أبيه ومن أبي رافع قال الترمذي سمعت محمدا يعني البخاري يقول كلا الحديثين عندي صحيح قوله وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي في رواية سفيان المذكورة مخالفة لهذا يأتي بيانها إن شاء الله تعالى قوله ابتع مني بيتي في دارك أي الكائنين في دارك قوله فقال المسور والله لتبتاعنهما بين سفيان في روايته أن أبا رافع سأل المسور أن يساعده على ذلك قوله أربعة آلاف في رواية سفيان أربعمائة وفي رواية الثوري في ترك الحيل أربعمائة مثقال وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك كان بعشرة دراهم قوله منجمة أو مقطعة شك من الراوي والمراد مؤجلة على أقساط معلومة قوله الجار أحق بسقبه بفتح المهملة والقاف بعدها موحدة والسقب بالسين المهملة وبالصاد أيضا ويجوز فتح القاف واسكانها القرب والملاصقة ووقع في حديث جابر عند الترمذي الجار أحق بسقبه ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا قال بن بطال استدل به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشفعة للجار وأوله غيرهم على أن المراد به الشريك بناء على أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين ولذلك دعاه إلى الشراء منه قال وأما قولهم إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارا فمردود فإن كل شيء قارب شيئا قيل له جار وقد قالوا لا مرأة الرجل جارة لما بينهما من المخالطة انتهى وتعقبه بن المنير بأن ظاهر الحديث أن أبا رافع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصا شائعا من منزل سعد وذكر عمر بن شبة أن سعدا كان أتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه ثم ساق حديث الباب فاقتضى كلامه أن سعدا كان جارا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكا وقال بعض الحنفية يلزم الشافعية القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولوا بشفعة الجار لأن الجار حقيقة في المجاور مجاز في الشريك وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا ثم المشارك في الطريق ثم الجار على من ليس بمجاور فعلى هذا فيتعين تأويل قوله أحق بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك واحتج من لم يقل بشفعة الجوار أيضا بأن الشفعة ثبتت على خلاف الأصل لمعنى معدوم في الجار وهو أن الشريك ربما دخل عليه شريكه فتأذى به فدعت الحاجة إلى مقاسمته فيدخل عليه الضرر بنقص قيمة ملكه وهذا لا يوجد في المقسوم والله أعلم 1 ( قوله باب أي الجوار أقرب )
كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن لفظ الجار في الحديث الذي قبله ليس على مرتبة واحدة قوله حدثنا حجاج هو بن منهال وقد روى البخاري لحجاج بن محمد بواسطة واشتركا في الرواية عن شعبة لكنه سمع من بن منهال دون بن محمد قوله وحدثنا علي كذا للأكثر غير منسوب وفي رواية بن السكن وكريمة علي بن عبد الله ولا بن شبويه على بن المديني ورجح أبو علي الحياني أنه علي بن سلمة اللبقي بفتح اللام والموحدة بعدها قاف وبه جزم الكلاباذي وبن طاهر وهو الذي ثبت في رواية المستملي وهذا يشعر بأن البخاري لم ينسبه وإنما نسبه من نسبه من الرواة بحسب ما ظهر له فإن كان كذلك فالأرجح أنه بن المديني لأن العادة أن الإطلاق إنما ينصرف لمن يكون أشهر وبن المديني أشهر من اللبقي ومن عادة البخاري إذا أطلق الرواية عن علي إنما يقصد به علي بن المديني تنبيه ساق المتن هنا على لفظ على المذكور وقد أخرجه المصنف في كتاب الأدب عن حجاج بن منهال وحده وساقه هناك على لفظه 2140 قوله حدثنا أبو عمران هو الجوني قوله سمعت طلحة بن عبد الله جزم المزي بأنه بن عثمان بن عبيد الله بن معمر التيمي وقال بعضهم هو طلحة بن عبد الله الخزاعي لأن عبد الرحمن بن مهدي روى عن الثوري عن سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله عن عائشة حديثا غير هذا ويترجح ما قال المزي بأن المصنف أخرج حديث الباب في الهبة من طريق غندر عن شعبة فقال طلحة بن عبد الله رجل من بني تيم بن مرة وليس لطلحة بن عبد الله في البخاري سوى هذا الحديث وسيأتي الكلام عليه مستوفى في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى والجوار بضم الجيم وبكسرها وقوله قال إلى أقربهما يروي قال أقربهما بحذف حرف الجر وهو بالرفع ويجوز الجر على إبقاء عمل حرف الجر بعد حذفه أي أقرب الجارين قال بن بطال لا حجة في هذا الحديث لمن أوجب الشفعة بالجوار لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها بالهدية فأخبرها بأن الأقرب أولى وأجيب بأن وجه دخوله في الشفعه أن حديث أبي رافع يثبت شفعة الجوار فاستنبط من حديث عائشة تقديم الأقرب على الأبعد للعلة في مشروعية الشفعة لما يحصل من الضرر بمشاركة الغير الأجنبي بخلاف الشريك في نفس الدار واللصيق للدار خاتمة جميع ما في الشفعة ثلاثة أحاديث موصولة الأول منها مكرر والآخران انفرد بهما المصنف عن مسلم وفيه من الآثار اثنان غير قصة المسور وأبي رافع مع سعد وهي موصولة والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم 1 ( قوله كتاب الإجارة بسم الله الرحمن الرحيم في الإجارات ) كذا في رواية المستملي وسقط للنسفي قوله في الاجارات وسقط للباقين كتاب الإجارة والإجارة بكسر أوله على المشهور وحكى ضمها وهي لغة الإثابة يقال آجرته بالمد وغير المد إذا أثبته واصطلاحا تمليك منفعة رقبة بعوض 1 ( قوله باب استئجار الرجل الصالح وقول الله تعالى إن خير من استأجرت القوي الآمين ف )
ي رواية أبي ذر وقال الله وأشار بذلك إلى قصة موسى عليه السلام مع ابنة شعيب وقد روى بن جرير من طريق شعيب الجبئي بفتح الجيم والموحدة بعدها همزة مقصورا أنه قال اسم المرأة التي تزوجها موسى صفورة واسم أختها ليا وكذا روى من طريق بن إسحاق إلا أنه قال اسم أختها شرقا وقيل ليا وقال غيره إن إسمهما صفورا وعبرا وأنهما كانتا توأما وذكر بن جرير اختلافا في أن أباهما هل هو شعيب النبي أو بن أخيه أو آخر اسمه يثرون أو يثري أقوال لم يرجح منها شيئا وروى من طريق على بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله إن خير من استأجرت القوي الأمين قال قوي فيما ولي أمين فيما أستودع وروى من طريق بن عباس ومجاهد في آخرين أن أباها سألها عما رأت من قوته وأمانته فذكرت قوته في حال السقي وأمانته في غض طرفه عنها وقوله لها امشي خلفي ودليني على الطريق وهذا أخرجه البيهقي بإسناد صحيح عن عمر بن الخطاب وزاد فيه فزوجه وأقام موسى معه يكفيه ويعمل له في رعاية غنمه 2141 قوله والخازن الأمين ومن لم يستعمل من أراده ثم أورد في الباب من طريق أبي موسى الأشعري حديث الخازن الأمين أحد المتصدقين وحديثه الآخر في قصة الرجلين اللذين جاءا يطلبان من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعملهما والأول قد مضى الكلام عليه في الزكاة والثاني سيأتي شرحه مستوفى في كتاب الأحكام قال الإسماعيلي ليس في الحديثين جميعا معنى الإجارة وقال الداودي ليس حديث الخازن الأمين من هذا الباب لأنه لا ذكر للإجارة فيه وقال بن التين وإنما أراد البخاري أن الخازن لا شيء له في المال وإنما هو أجير وقال بن بطال إنما أدخله في هذا الباب لأن من أستؤجر على شيء فهو أمين فيه وليس عليه في شيء منه ضمان أن فسد أو تلف إلا إن كان ذلك بتضييعه ا ه وقال الكرماني دخول هذا الحديث في باب الإجارة للإشارة إلى أن خازن مال الغير كالأجير لصاحب المال وأما دخول الحديث الثاني في الإجارة فظاهر من جهة أن الذي يطلب العمل إنما يطلبه غالبا لتحصيل الأجرة التي شرعت للعامل والعمل المطلوب يشمل العمل على الصدقة في جمعها وتفرقتها في وجهها وله سهم منها كما قال الله تعالى والعاملين عليها فدخوله في الترجمة من جهة طلب الرجلين أن يستعملهما النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة أو غيرها ويكون لهما على ذلك أجرة معلومة قوله في الحديث الثاني ومعي رجلان من الأشعريين قال فقلت ما علمت أنهما يطلبان العمل كذا وقع مختصرا وسيأتي في استتابة المرتدين بهذا الإسناد بعينه تاما وفيه ومعي رجلان من الأشعريين وكلاهما سأل أي للعمل فقلت والذي بعثك ما اطلعت على ما في أنفسهما ولا علمت أنهما يطلبان العمل الحديث قوله قال لن أولا نستعمل على عملنا من أراده هكذا ثبت في جميع الروايات التي وقفت عليها وهو شك من الراوي هل قال لن أو قال لا وحكى بن التين أنه ضبط في بعض النسخ أولى بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد اللام مع كسرها فعل مستقبل من الولاية قال القطب الحلبي فعلى هذه الرواية يكون لفظ نستعمل زائدا ويكون تقدير الكلام لن أولى على عملنا وقد وقع هذا الحديث في الأحكام من طريق بريد بن عبد الله عن أبي بردة بلفظ أنا لا نولي على عملنا وهو يعضد هذا التقرير والله أعلم قال المهلب لما كان طلب العمالة دليلا على الحرص ابتغى أن يحترس من الحريص فلذلك قال صلى الله عليه وسلم لا نستعمل على عملنا من أراده وظاهر الحديث منع تولية من يحرص على الولاية إما على سبيل التحريم أو الكراهة وإلى التحريم جنح القرطبي ولكن يستثنى من ذلك من تعين عليه 1 ( قوله باب رعي الغنم على قراريط ) على بمعنى الباء وهي للسببية أو المعاوضة وقيل أنها هنا للظرفية كما سنبين
2143 قوله عمرو بن يحيى عن جده وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي قوله الا رعى الغنم في رواية الكشميهني الا راعي الغنم قوله على قراريط لأهل مكة في رواية بن ماجة عن سويد بن سعيد عن عمرو بن يحيى كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط وكذا رواه الإسماعيلي عن المنيعي عن محمد بن حسان عن عمرو بن يحيى قال سويد أحد رواته يعني كل شاة بقيراط يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم قال إبراهيم الحربي قراريط اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة وصوبه بن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره لكن رجح الأول لأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط وأما ما رواه النسائي من حديث نصر بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون قال افتخر أهل الإبل وأهل الغنم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بجياد فزعم بعضهم أن فيه ردا لتأويل سويد بن سعيد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله فيتعين أنه أراد المكان فعبر تارة بجياد وتارة بقراريط وليس الرد بجيد إذ لا مانع من الجمع بين أن يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة أوالمراد بقوله أهلي أهل مكة فيتحد الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة وفي الآخر بين المكان فلا ينافي ذلك والله أعلم وقال بعضهم لم تكن العرب تعرف القيراط الذي هو من النقد ولذلك جاء في الصحيح يستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط وليس الاستدلال لما ذكر من نفي المعرفة بواضح قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعى الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء 1 ( قوله باب استئجار المشركين عندالضرورة )
أو إذا لم يوجد أهل الإسلام وعامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع إستئجار المشرك حربيا كان أو ذميا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك وقد روى عبد الرزاق عن بن جريج عن بن شهاب قال لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم عمال يعملون بها نخل خيبر وزرعها فدعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر فدفعها إليهم الحديث وفي استشهاده بقصة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يزرعوها وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر لأنه ليس فيهما تصريح بالمقصود من منع استئجارهم وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضموما إلى قوله صلى الله عليه وسلم إنا لا نستعين بمشرك أخرجه مسلم وأصحاب السنن فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به قال بن بطال عامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من المذلة لهم وإنما الممتنع أن يؤجرا المسلم نفسه من المشرك نفسه من المشرك لما فيه من اذلال المسلم اه وحديث معاملة أهل خيبر يأتي في أواخر كتاب الإجارة موصولا وأشار في الترجمة بقوله إذا لم يوجد أهل الإسلام إلى ما أخرجه أبو داود من طريق حماد بن سلمة عن عبيد الله بن عمر أحسبه عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر فذكر الحديث وقال فيه وأراد أن يجليهم فقالوا يا محمد دعنا نعمل في هذه الأرض ولنا الشطر ولكم الشطر الحديث وإنما أجابهم إلى ذلك لمعرفتهم بما يصلح أرضهم دون غيرهم فنزل المصنف من لا يعرف منزلة من لم يوجد وحديث الدليل يأتي الكلام عليه مستوفى في أول الهجرة إن شاء الله تعالى وقوله 2144 في أول الحديث استأجر وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت واستأجر بزيادة واو وهي ثابتة في الأصل في نفس الحديث الطويل لأن القصة معطوفة على قصة قبلها وقد ساقه المصنف في الترجمة بعدها بسنده الآتي مطولا ووقع هنا فاستأجر بالفاء ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث قوله هاديا زاد الكشميهني في روايته خريتا وهو بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة وقوله الماهر بالهداية كذا وقع في نفس الحديث وهو مدرج من قول الزهري كما سنبينه هناك ونحكي الخلاف في تسمية الهادي المذكور وفي الحديث استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه واستئجار الإثنين واحدا على عمل واحد 1 ( قوله باب إذا استأجر أجيرا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة ) جاز وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل أورد فيه طرفا من حديث عائشة المذكور وفيه أنهما واعدا الدليل براحلتيهما بعد ثلاث وتعقبه الإسماعيلي بأنه ليس في الخبر على أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث بل الذي في الخبر أنهما استأجراه وابتدأ في العمل من وقته بتسليمه راحلتيهما منهما يرعاهما ويحفظهما إلي أن يتهيأ لهما الخروج قلت ليس في ترجمة البخاري ما ألزمه به والذي ترجم به هو ظاهر القصة ومن قال ببطلان الإجارة إذا لم يشرع في العمل من حين الإجارة هو المحتاج إلى دليل والله أعلم وقد قال بن المنير متعقبا على من اعترض على البخاري بذلك أن الخدمة المقصودة بالإجارة المذكورة كانت على الدلالة على الطريق من غير زيادة على ذلك ولا شك أنها تأخرت قلت ويؤيده أن الذي كان يرعى رواحلهما عامر بن فهيرة لا الدليل وقال بن المنير ليس في هذا الحديث تصريح بهذا الحكم لا إثباتا ولا نفيا وقد يحتمل في المدة القصيرة لندور الغرر فيها ما لا يحتمل في المدة الطويلة وهذا مذهب مالك حيث حد الجواز في البيع بما لا تتغير السلعة في مثله واستنبط من هذه القصة جواز إجارة الدار مدة معلومة قبل مجيء أول المدة وهو مبني على صحة الأصل فيلحق به الفرع والله أعلم
1 ( قوله باب الأجير في الغزو ) قال بن بطال استئجار الأجير للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء اه ويحتمل أن يكون أشار إلى أن الجهاد وأن كان القصد به تحصيل الأجر فلا ينافي ذلك الاستعانة بمن يخدم المجاهد ويكفيه كثيرا من الأمور التي لا يتعاطاها بنفسه 2146 قوله عن صفوان بن يعلى في رواية همام الماضية في الحج حدثني صفوان بن يعلى قوله العسرة بضم العين وسكون السين المهملتين هي غزوة تبوك وسيأتي الكلام على الحديث في الديات ورواية همام المذكورة مختصرة قوله فأنذر أي أسقط قوله فأهدر أي لم يجعل له دية ولا قصاصا قوله تقضمها بفتح الضاد المعجمة وماضيه بكسرها والاسم القضم بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة وهو الأكل بأطراف الأسنان والفحل الذكر من الإبل ونحوه قوله قال بن جريج الخ هو بالإسناد المذكور إليه وهذه الزيادة التي عن أبي بكر الصديق وقعت هنا فقط قوله عن جده كذا للجميع وكذلك أخرجه أبو داود من طريق يحيى بن سعيد عن بن جريج وقال أبو عاصم عن بن جريج عن أبيه عن جده عن أبي بكر زاد فيه عن أبيه أخرجه الحاكم أبو أحمد في الكنى وبن شاهين في الصحابة وعبد الله بن أبي مليكة منسوب إلى جده وقيل إلى جد أبيه فإنه عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة واسمه زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي وله صحبة ومنهم من زاد في نسبه عبد الله بين عبيد الله بن زهير وقال إن الذي يكنى أبا مليكة هو عبد الله بن زهير فعلى الأول فالحديث من رواية زهير بن عبد الله عن أبي بكر وعلى الثاني هو من رواية عبد الله بن زهير ويتردد عود الضمير في قوله عن جده على من يعود على الخلاف المذكور وزعم مغلطاي أن الطريق التي أخرجها البخاري منقطعة في موضعين وليس كما زعم والله أعلم 1 ( قوله باب إذا استأجر أجيرا ) في رواية غير أبي ذر من استأجر قوله فبين له الأجل في رواية الأصيلي الأجر بسكون الجيم وبالراء والأولى أوجه قوله ولم يبين العمل أي هل يصح ذلك أم لا وقد مال البخاري إلى الجواز لأنه احتج لذلك فقال لقوله تعالى أني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين الآية ولم يفصح مع ذلك بالجواز لأجل الاحتمال ووجه الدلالة منه أنه لم يقع في سياق القصة المذكورة بيان العمل وإنما فيه أن موسى أجر نفسه من والد المرأتين ثم إنما تتم الدلالة بذلك إذا قلنا أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد شرعنا بتقريره وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة فقال ذكر الله سبحانه وتعالى أن نبيا من أنبيائه أجر نفسه حججا مسماة ملك بها بضع امرأة وقيل استأجره على أن يرعى له قال المهلب ليس في الآية دليل على جهالة العمل في الإجارة لأن ذلك كان معلوما بينهم وإنما حذف ذكره للعلم به وتعقبه بن المنير بأن البخاري لم يرد جواز أن يكون العمل مجهولا وإنما أراد أن التنصيص على العمل باللفظ ليس مشروطا وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ ويحتمل أن يكون المصنف أشار إلى حديث عتبة بن الندر بضم النون وتشديد المهملة قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن موسى أجر نفسه ثمان سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه أخرجه بن ماجة وفي إسناده ضعف فإنه ليس فيه بيان العمل من قبل موسى وقد أبعد من جوز أن يكون المهر شيئا آخر غير الرعي وإنما أراد شعيب أن يكون يرعى غنمه هذه المدة ويزوجه ابنته فذكر له الأمرين وعلق التزويج على الرعية على وجه المعاهدة لا على وجه المعاقدة فاستأجره لرعي غنمه بشيء معلوم بينهما ثم أنكحه ابنته بمهر معلوم بينهما قوله يأجر بضم الجيم فلانا أي يعطيه أجرا هذا ذكره المصنف تفسيرا لقوله تعالى على أن تأجرني وبذلك جزم أبو عبيدة في المجاز وتعقبه الإسماعيلي بأن معنى الآية في قوله على أن تأجرني أي تكون لي أجيرا والتقدير على أن تأجرني نفسك قوله ومنه في التعزية آجرك الله هو من قول أبي عبيدة أيضا وزاد يأجرك أي يثيبك وكأنه نظر إلى أصل المادة وإن كان المعنى في الأجر والأجرة مختلفا
1 ( قوله باب إذا استأجر أجيرا على أن يقيم حائطا يريد أن ينقض جاز ) أورد فيه طرفا من حديث أبي بن كعب في قصة موسى والخضر وقد أورده مستوفي في التفسير بهذا الإسناد ويأتي الكلام عليه مبينا هناك إن شاء الله تعالى وإنما يتم الاستدلال بهذه القصة إذا قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا لقول موسى 2147 لو شئت لاتخذت عليه أجرا أي لو تشارطت على عمله بأجرة معينة لنفعنا ذلك قال بن المنير وقصد البخاري أن الإجارة تضبط بتعين العمل كما تضبط بتعين الأجل 1 ( قوله باب الإجارة إلى نصف النهار ) أي من أول النهار وترجم في الذي بعده الإجارة إلى صلاة العصر والتقدير أيضا أن الابتداء من أول النهار ثم ترجم بعد ذلك باب الإجارة من العصر إلى الليل أي إلى أول دخول الليل قيل أراد البخاري إثبات صحة الإجارة بأجر معلوم إلى أجل معلوم من جهة أن الشارع ضرب المثل بذلك ولولا الجواز ما أقره ويحتمل أن يكون الغرض من كل ذلك إثبات جواز الإستئجار لقطعة من النهار إذا كانت معينة دفعا لتوهم من يتوهم أن أقل المعلوم أن يكون يوما كاملا 2148 قوله مثلكم ومثل أهل الكتابين كذا في رواية أيوب والمراد بأهل الكتابين اليهود والنصارى قوله كمثل رجل في السياق حذف تقديره مثلكم مع نبيكم ومثل أهل الكتابين مع أنبيائهم كمثل رجل استأجر فالمثل مضروب للأمة مع نبيهم والممثل به الأجراء مع من استأجرهم قوله على قيراط زاد في رواية عبد الله بن دينار على قيراط قيراط وهو المراد قوله فعملت اليهود زاد بن دينار على قيراط قيراط وزاد الزهري عن سالم عن أبيه كما تقدم في الصلاة حتى إذا انتصف النهار عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا وكذا وقع في بقية الأمم والمراد بالقيراط النصيب وهو في الأصل نصف دانق والدانق سدس درهم قوله إلى صلاة العصر يحتمل أن يريد به أول وقت دخولها ويحتمل أن يريد أول حين الشروع فيها والثاني يرفع الإشكال السابق في المواقيت على تقدير تسليم أن الوقتين متساويان أي ما بين الظهر والعصر وما بين العصر والمغرب فكيف يصح قول النصارى إنهم أكثر عملا من هذه الأمة وقد قدمت هناك عدة أجوبة عن ذلك فلتراجع من ثم ومن الأجوبة التي لم تتقدم أن قائل مالنا أكثر عملا اليهود خاصة ويؤيده ما وقع في التوحيد بلفظ فقال أهل التوراة ويحتمل أن يكون كل من الفريقين قال ذلك أما اليهود فلأنهم أطول زمانا فيستلزم أن يكونوا أكثر عملا وأما النصارى فلأنهم وازنوا كثرة أتباعهم بكثرة زمن اليهود لأن النصارى آمنوا بموسى وعيسى جميعا أشار إلى ذلك الإسماعيلي ويحتمل أن تكون أكثرية النصارى باعتبار أنهم عملوا إلى آخر صلاة العصر وذلك بعد دخول وقتها أشار إلى ذلك بن القصار وبن العربي وقد قدمنا أنه لا يحتاج إليه لأن المدة التي بين الظهر والعصر أكثر من المدة التي بين العصر والمغرب ويحتمل أن تكون نسبة ذلك إليهم على سبيل التوزيع فالقائل نحن أكثر عملا اليهود والقائل نحن أقل أجرا النصارى وفيه بعد وحكى بن التين أن معناه أن عمل الفريقين جميعا أكثر وزمانهم أطول وهو خلاف ظاهر السياق قوله فغضبت اليهود والنصارى أي الكفار منهم قوله ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء بنصب أكثر وأقل على الحال كقوله تعالى فما لهم عن التذكرة معرضين وقد تقدمت مباحث هذه الجملة في كتاب المواقيت قوله من حقكم أطلق لفظ الحق لقصد المماثلة وإلا فالكل من فضل الله تعالى قوله فذلك فضلى أوتيه من أشاء فيه حجة لأهل السنة على أن الثواب من الله على سبيل الإحسان منه جل جلالة 1 ( قوله باب الإجارة إلى صلاة العصر ) ذكر فيه حديث بن عمر من طريق مالك عن عبد الله بن دينار وليس في سياقه التصريح بالعمل إلى صلاة العصر وإنما يؤخذ ذلك من