Sülemî — Tabakātü's-Sûfiyye
قال وسئل الحسين لم طمع موسى عليه السلام في الرؤية وسألها فقال لأنه انفرد للحق وانفرد الحق به في جميع معانيه وصار الحق مواجهه في كل منظور إليه ومقابله دون كل محصور لديه على الكشف الظاهر إليه لا على التغيب فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية لا غير سمعت أبا الحسين الفارسي قال أنشدني ابن فاتك للحسين بن منصور (أنت بين الشغاف والقلب تجري ... مثل جري الدموع من أجفاني) (وتحل الضمير جوف فؤادي ... كحلول الأرواح في الأبدان) (ليس من ساكن تحرك إلا ... أنت حركته خفي المكان) (يا هلالا بدا لأربع عشر ... لثمان وأربع واثنتان) سمعت عبد الواحد السياري يقول سمعت فارسا البغدادي يقول سألت الحسين بن منصور عن المريد فقال هو الرامي بقصده إلى الله عز وجل فلا يعرج حتى يصل وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول المريد الخارج عن أسباب الدارين أثرة بذلك على أهلها سمعت محمد بن محمد بن غالب يقول قال الحسين بن منصور إن الأنبياء عليهم السلام سلطوا على الأحوال فملكوها فهم يصرفونها لا الأحوال تصرفهم وغيرهم سلطت عليهم الأحوال فالأحوال تصرفهم لا هم يصرفون الأحوال وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول الحق هو المقصود إليه بالعبادات والمصمود إليه بالطاعات لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه بروائح مراعاته تقوم الصفات وبالجمع إليه تدرك الراحات وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول لا يجوز لمن يرى أحدا أو يذكر أحدا أن يقول إني عرفت الأحد الذي ظهرت منه الآحاد وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول ألسنة مستنطقات تحت نطقها مستهلكات وأنفس مستعملات تحت استعمالها مستهلكات وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول حياء الرب أزال عن قلوب أوليائه سرور المنة بل حياء الطاعة أزال عن قلوب أوليائه شهود سرور الطاعة وبه قال أنشدت للحسين بن منصور (مواجيد حق أوجد الحق كلها ... وإن عجزت عنها فهوم الأكابر) (وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة ... تثير لهيبا بين تلك السرائر) (إذا سكن الحق السريرة ضوعفت ... ثلاثة أحوال لأهل البصائر) (فحال يبيد السر عن كنه وجده ... ويحضره للوجد في حال حائر) (وحال به زمت ذرى السر فانثنت ... إلى منظر أفناه عن كل ناظر) وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول من أسكرته أنوار التوحيد حجبته عن عبارة التجريد بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول من التمس الحق بنور الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول لرجل من أصحاب الجبائي لما كان الله تعالى أوجد الأجسام بلا علة كذلك أوجد فيها صفاتها بلا علة وكما لا يملك العبد أصل فعله كذلك لا يملك فعله وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول ما انفصلت البشرية عنه ولا اتصلت به 54 - ومنهم أبو الحسن بن الصائغ الدينوري واسمه علي بن محمد ابن سهل كان من كبار المشايخ أقام بمصر ومات بها سمعت أبا عثمان المغربي يقول لم أر فيمن رأيت من المشايخ أنور من أبي يعقوب النهرجوري ولا أكبر همة من أبي الحسن بن الصائغ الدينوري سألت الشيخ أبا عثمان هل كان أبو الحسن من السالكين فقال كان من المعاملين المخلصين في المعاملة توفي بمصر سنة ثلاثين وثلاثمائة وأسند الحديث أخبرني عمر بن محمد بن عراك المصري إجازة أن علي بن سهل الزاهد الدينوري حدثهم قال حدثني عبد الله بن محمد بن بشار قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن عقبة عن صهبان عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} الواقعة 39 40 قال (هما في هذه الأمة) أخبرني عمر بن محمد بن عراك قال سئل أبو الحسن عن صفة المريد
فقال صفته ما قال الله عز وجل {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} التوبه 118 وبهذا الإسناد قال أبو الحسن من توالت عليه هموم الدنيا فليذكر هما لا يزول ليستريح منها وبهذا الإسناد قال أبو الحسن وسئل ما الذي يجب على الإخوان إذا اجتمعوا فقال التواصي بالحق والتواصي بالصبر قال الله تعالى {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (العصر 3) سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت الدقي يقول قال أبو الحسن بن الصائغ ينبغي للمريد أن يترك الدنيا مرتين يتركها مرة بنضارتها ونعيمها وألوان مطاعمها ومشاربها وجميع ما فيها ثم إذا عرف بترك الدنيا ويبجل ويكرم بها فينبغي أن يستر إذ ذاك حاله بالإقبال على أهلها لئلا يكون ذكره في تركه الدنيا ذنبا هو أعظم من الإقبال على الدنيا وطلبها أو فتنة أعظم منها وبهذا الإسناد قال أبو الحسن من فساد الطبع التمني والأمل وبهذا الإسناد قال كان بعض مشايخنا يقول من تعرض لمحبته جاءته المحن والبلايا بالأوقار وبهذا الإسناد قال أبو الحسن أهل المحبة في لهيب شوقهم إلى محبوبهم يتنعمون في ذلك اللهيب أحسن مما يتنعم أهل الجنة فيما أهلوا له من النعيم وبهذا الإسناد قال أبو الحسن محبتك لنفسك هي التي تهلكها وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن ما المعرفة فقال رؤية المنة في كل الأحوال والعجز عن أداء شكر النعم من كل الوجوه والتبري من الحول والقوة في كل شيء وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن بماذا يتسلى المحب في المحبة وبماذا يروح فؤاده عن هيجانه فأنشأ يقول (لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت) وبهذا الإسناد قال أبو الحسن الأحوال كالبروق فإذا ثبتت فهو حديث النفس وملائمة الطبع وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن عن الاستدلال بالشاهد على الغائب فقال كيف يستدل بصفات من يشاهد ويعاين وهو ذو مثل على صفة من لا يشاهد في الدنيا ولا يعاين ولا مثل له ولا نظير 55 - ومنهم ممشاذ الدينوري وهو من كبار مشايخهم صحب يحيى الجلاء ومن فوقه من المشايخ عظيم المرمى في هذه العلوم أحد فتيان الجبال كبير الحال ظاهر الفتوة ذكر أبو زرعة أنه مات سنة تسع وتسعين ومائتين إن كان حفظه سمعت ابا بكر الرازي يقول سمعت ممشاذ يقول طريق الحق بعيد والصبر مع الحق شديد وبهذا الإسناد قال ممشاذ جماع المعرفة صدق الافتقار إلى الله تعالى وبهذا الإسناد قال ممشاذ لو جمعت حكمة الأولين والآخرين وادعيت أحوال السادة من الأولياء فلن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله تعالى وتثق به فيما ضمن لك سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت فارس الدينوري يقول خرج ممشاذ من باب الدار فنبح عليه كلب فقال ممشاذ لا إله إلا الله فمات الكلب مكانه وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك وبهذا الإسناد قال ممشاذ فراغ القلب في التخلي مما تمسك به أهل الدنيا من فضول دنياهم سمعت ابا بكر الرازي يقول سمعت ممشاذ يقول للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما كتب صحيح إلى صحيح وما لقي صحيح صحيحا وما افترقا في الحقيقة وبهذا الإسناد قال ممشاذ من يكن الله تعالى همته لم تستقطعه الأقدار ولم تملكه الأخطار وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما دخلت قط على أحد من شيوخي إلا وأنا خال من جميع ما لي انظر بركات ما يرد علي من رؤيته أو كلامه فإن من دخل على شيخ بحظه انقطع بحظه عن بركات رؤيته ومجالسته وأدبه وكلامه وبهذا الإسناد قال ممشاذ رأيت في بعض أسفاري شيخا توسمت فيه الخير فقلت يا سيدي كلمة تزودني بها فقال همتك فاحفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء ومن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال
وبهذا الإسناد قال ممشاذ أدب المريد في أربعة اشياء التزام حرمات المشايخ وخدمة الإخوان والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه وبهذا الإسناد قال ممشاذ الأسباب علائق وفي التعريج موانع والاستثناء إلى مسبوق القضاء فراغة وأحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق ورعى سره في الخلوات واعتمد على الله تعالى في جميع أموره وبهذا الإسناد قال ممشاد صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد وبهذا الإسناد قال سئل ممشاذ عن التوكل فقال التوكل حسم الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك وبهذا الإسناد قال ممشاذ أرواح الأنبياء في حال الكشف والمشاهدة وأرواح الصديقين في القربة والاطلاع 56 - ومنهم إبراهيم القصار وهو إبراهيم بن داود الرقي أبو إسحاق من جلة مشايخ الشام من أقران الجنيد وابن الجلاء إلا أنه عمر وصحبه أكثر مشايخ الشام وكان لازما للفقر مجردا فيه محبا لأهله توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة سمعت أبا عبد الله الحسين بن أحمد يقول سمعت إبراهيم القصار الرقي يقول قيمة كل إنسان بقدر همته فإن كانت همته الدنيا فلا قيمة له وإن كانت همته رضاء الله تعالى فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها سمعت أبا الفضل نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب العطار قال سمعت إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول سأل رجل إبراهيم القصار الرقي فقال هل يبدي المحب حبه أو هل ينطق به أو يطيق كتمانه فأنشأ يقول متمثلا (ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف) (حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف) سمعت أبا بكر بن شاذان يقول سمعت إبراهيم القصار يقول التوكل السكون إلى مضمون الحق وبهذا الإسناد قال إبراهيم الراضي لا يسأل وليس من شرط الرضا المبالغة في الدعاء وبهذا الإسناد قال إبراهيم المعرفة إثبات الرب أو قال الحق عز وجل خارجا عن كل موهوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله وبهذا الإسناد قال إبراهيم حسبك من الدنيا صحبة فقير وخدمة ولي وبهذا الإسناد قال إبراهيم القدرة ظاهرة والأعين مفتوحة ولكن أنوار البصائر قد ضعفت وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأبصار قوية والبصائر ضعيفة وبهذا الإسناد قال إبراهيم من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى وبهذا الإسناد قال إبراهيم الكفايات تصل إليك بلا تعب والاشتغال والتعب كلها في الفضول وبهذا الإسناد قال إبراهيم كفايات الفقراء هي التوكل وكفايات الأغنياء هي الاستناد إلى الأملاك وبهذا الإسناد قال إبراهيم أضعف الخلق من ضعف عن رد شهواته وأقوى الخلق من قوي على ردها وبهذا الإسناد قال إبراهيم ما دام لأغراض الكون في قلبك خطر فاعلم أنه لا خطر لك عند الله وبهذا الإسناد قال إبراهيم من تعزز بشيء غير الله فقد ذل في عزه وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأولياء مرتبطون بالكرامات والدرجات والأنبياء مكشوف لهم عن حقائق الحق فالكرامات والدرجات عندهم وحشة وبهذا الإسناد قال إبراهيم علامة محبة الله تعالى إيثار طاعته ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأنبياء منبسطون على بساط الأنس والأولياء على درجات الكرامة 57 - ومنهم خير النساج وكنيته أبو الحسن كان أصله من سامرا وأقام ببغداد صحب أبا حمزة البغدادي وسأل السري السقطي عن مسائل وكان إبراهيم الخواص تاب في مجلسه وكذلك الشبلي تاب في مجلسه عمر طويلا وكان من أقران النوري وطبقته وكان اسمه محمد بن إسماعيل السامري وإنما سمي خيرا النساج لأنه خرج إلى الحج فأخذه رجل على باب الكوفة فقال أنت عبدي واسمك خير وكان أسود فلم يخالفه فأخذه الرجل واستعمله في نسخ الخز سنين وكان يقول له يا خير فيقول لبيك ثم قال له الرجل بعد سنين أنا غلطت لا أنت عبدي ولا اسمك خير فلذلك سمي خير النساج وكان يقول لا أغير اسما سماني به رجل مسلم عاش مائة وعشرين سنة
سمعت أبا الحسن القزويني يقول سمعت أبا الحسين المالكي يقول سألت من حضر موت خير النساج عن أمره فقال لما حضرته صلاة المغرب غشي عليه ثم فتح عينيه وأومأ إلى ناحية باب البيت وقال قف عافاك الله إنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني فدعني أمضي فيما أمرت به ثم امض لما أمرت به فدعا بماء فتوضأ وصلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات وأخبرني بعض أصحابنا أنه رآه في النوم فقال له ما فعل الله بك قال لا تسالني عن هذا ولكني استرحت من دنياكم الوضرة سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت خيرا النساج يقول من عرف من الدنيا قدرها وجد من الآخرة حقها ومن جهل من الآخرة حقها قتله من الدنيا نزرها قال وقال خير النساج الصبر من أخلاق الرجال والرضا من أخلاق الكرام قال وقال خير شرح صدور المتقين وكشف بصائر المهتدين بنور حقائق الإيمان قال وقال خير من لاحظ شكره استصغر نعمه قال وقال خير من سبق بخطوة لا يدرك إذا كان صادقا مجتهدا قال وقال خير الإخلاص هو الذي لا يقبل عمل عامل إلا به قال وقال خير العمل الذي يبلغ الغايات هو رؤية التقصير والعجز والضعف قال وقال خير لا نسب اشرف من نسب من خلقه الله تعالى بيده فلم يعصمه ولا علم أشرف من علم من علمه الله الأسماء كلها فلم ينفعه في وقت جريان القدر والقضاء عليه ولا عبادة أتم ولا أكثر من عبادة إبليس لم ينجه ذلك من المسبوق عليه قال وقال خير توحيد كل مخلوق ناقص لقيامه بغيره وحاجته إلى غيره قال الله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي المحتاجون إليه في كل نفس {والله هو الغني} عنكم وعن توحيدكم وأفعالكم {الحميد} سورة فاطر الأيه 10 الذي يقبل منك مالا يحتاج إليه ويثيبك عليه ما تحتاج إليه قال وقال خير ميراث أفعالك ما يليق بأفعالك فاطلب ميراث فضله فإنه أتم وأحسن قال الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} يونس 58 قال وقال خير الخوف سوط الله في الأرض يقوم به أنفسا قد تعودت سوء الأدب ومتى ما أساءت الجوارح الأدب فهو من غفلة القلب وظلمة السر 58 - ومنهم أبو حمزة الخراساني وكان أصله من نيسابور من محلة ملقاباذ صحب مشايخ بغداد وهو من أقران الجنيد سافر مع أبي تراب النخشبي وأبي سعيد الخراز وهو من أفتى المشايخ وأورعهم سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول قال أبو حمزة الخراساني من نصح نفسه كرمت عليه ومن تشاغل عن نصيحتها هانت عليه وبهذا الإسناد قال سئل أبو حمزة الخراساني عن الأنس فقال ضيق الصدر عن معاشرة الخلق وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني الغريب المستوحش من الإلف وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني من استشعر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني العارف يخاف زوال ما أعطى والخائف يخاف نزول ما وعد والعارف يدافع عيشه يوما ليوم ويأخذ عيشه يوما ليوم وبهذا الإسناد سئل أبو حمزة الخراساني عن الصوفي فقال من صفى من كل درن فلم يبق فيه وسخ المخالفات بحال سمعت أبا العباس يقول سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول قال أبو حمزة من استوحش من نفسه أنس قلبه بموافقة مولاه وبهذا الإسناد سمعت أبا حمزة وقد سأله رجل فقال أوصني فقال أبو حمزة هيئ زادك للسفر الذي بين يديك فكأني بك وأنت في جملة الراحلين عن منزلك وهيئ لنفسك منزلا تنزل فيه إذا نزل أهل الصفوة منازلهم لئلا تبقى متحسرا
وبهذا الإسناد قال أبو حمزة لبعض أصحابه خف سطوة العدل وارج رأفة الفضل ولا تأمن من مكره وإن أنزلك الجنان ففي الجنة وقع لأبيك آدم ما وقع وقد يقطع بقوم فيها فيقال لهم {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} الحاقه 24 فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني من خصه الله تعالى بنظرة شفقة فإن تلك النظرة تنزله منازل أهل السعادة وتزينه بالصدق ظاهرا وباطنا وبهذا الإسناد سئل أبو حمزة الخراساني هل يتفرغ المحب إلى شيء سوى محبوبه فقال لا لأنه بلاء دائم وسرور متقطع وأوجاع متصلة لا يعرفها إلا من باشرها وأنشد (يقاسي المقاسي شجوه دون غيره ... وكل بلاء عند لاقيه أوجع) وبهذا الإسناد قال سمع أبو حمزة بعض أصحابه وهو يلوم بعض إخوانه على إظهار وجده وغلبة الحال عليه وإظهار سره في مجلس فيه بعض الأضداد فقال أبو حمزة أقصر يا أخي فالوجد الغالب يسقط التمييز ويجعل الأماكن كلها مكانا واحدا والأعيان عينا واحدة ولا لوم لمن غلب عليه وجده فاضطره إلى أن يبديه وما أحسن ما قال ابن الرومي (فدع المحب من الملامة إنها ... بئس الدواء لموجع مقلاق) (لا تطفئن جوى بلوم إنه ... كالريح يغري النار بالإحراق) 59 - ومنهم الصبيحي وهو الحسين بن عبد الله بن بكر وكنيته أبو عبد الله كان من أهل البصرة وقيل إنه لم يخرج من سرب في داره ثلاثين سنة يجتهد فيه ويتعبد أخرجه أهل البصرة منها فخرج إلى السوس فمات بها وبها قبره وكان عالما بعلوم القوم وبالاصول صنف كتبا للقوم وكان صاحب لسان وورع سمعت أبا الفتح القواس يقول قال أبو عبد الله الصبيحي السماع بالتصريح جفاء والسماع بالإشارة تكلف وألطفت السماع ما يشكل إلا على مستمعه وبهذا الإسناد سمعت الصبيحي وسئل عن اصول الدين فقال إثبات صدق الافتقار إلى الله تعالى وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وفروعه أربعة أشياء الوفاء بالعهود وحفظ الحدود والرضا بالموجود والصبر على المفقود وبهذا الإسناد قال أبو عبد الله الصبيحي الربوبية سبقت العبودية وبالربوبية ظهرت العبودية وتمام وفاء العبودية مشاهدة الربوبية سمعت أبا الفتح القواس يقول سمعت أبا عبد الله الصبيحي وسئل عن التسلي والانقطاع فقال لا يقطعك عن الشيء ما هو مثله أو دونه وإنما يقطعك عنه ما هو أتم وأعلى والنظر في عواقب الأمور من أحوال العاجزين والتقحم على الموارد من أحوال الرجال والخمود بالرضاء تحت موارد القضاء من أحوال العارفين وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول يجب أن يكون الواجد إذا كان وجده صحيحا أن يكون في حال وجده محفوظا لا يجري عليه لسان الذم بحال وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول المبقي في أوصافه يحوم حول الشرك لفرحه ببقائه فإنه أبدا يشاهد شاهده وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول الغريب هو البعيد عن وطنه وهو مقيم فيه وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول الغريب الذي لا جنس له وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي مرة أخرى يقول الغريب من صحب الأجناس وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول أتم الخوف ما كان على صفة الوجد لا على فقد ما يرجو أو يتمنى وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوي العريضة في المغيب فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا وانقمعوا وصاروا لا شيء ولو صدقوا في دعاواهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا صلى الله عليه وسلم وتقدم الخلائق بقدم الصدق حين طلب إليه الشفاعة فقال أنا لها لم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدق وما أشبه هذه الدعاوي الباطلة إلا بقول بعضهم حيث يقول (ينوي العتاب له من قبل رؤيته ... فإن رآه فدمع العين مسكوب) (لا يستطيع كلاما حين يبصره ... كل اللسان وفي الأحشاء تلهيب)
وليس تخرس الألسنة في المشاهدة إلا لبعدها من الصدق فمن صدق في المحبة تكلم عنه الضمير إذا سكت عن النطق اللسان 60 - ومنهم أبو جعفر بن سنان وهو أحمد بن حمدان بن علي بن سنان من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان ولقي أبا حفص وهو أحد الخائفين الورعين وبيته بيت الزهد والورع إلى أن انتهى الأمر وختم بحفيده ابن بنته أبي بشر محمد بن أحمد الحلاوي المقيم بمكة المجاور بها في آخر سفره عشرين سنة متوالية نعى إلينا أبو بشر في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان مات في سنة ست بمكة وهو كان أوحد مشايخ الحرم في وقته ومات أبو جعفر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة كتب الحديث الكثير ورواه أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان حدثنا أبي حدثنا أبو الأزهر حدثنا أسباط عن الشيباني قال سألت ابن أبي أوفى أرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قلت بعد ما نزلت سورة النور أم قبلها قال لا أدري سمعت محمد بن أحمد بن حمدان أبا عمرو يقول سمعت أبي يقول من لزم العزلة والخلوة يكون أقل لفضيحته في الدنيا إلى أن يبلغ إلى فضيحة الآخرة وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان سئل بعض الحكماء من أين معاشك فقرأ {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} الإسراء 3 وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان لو أمرك بمعرفته ولم يتعرف إليك كنت أجهل به ممن أنكره وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان تكبر المطيعين على العصاة بطاعتهم شر من معاصيهم وأضر عليهم وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان غفلتك عن توبة من ذنب ارتكبته شر من ارتكابه وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان جمال الرجل في حسن مقاله وكماله في صدق فعاله وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان علامة من انقطع إلى الله على الحقيقة ألا يزد عليه ما يشغله عنه سمعت أبا عمرو يقول قال أبي أنت تبغض العاصي بذنب واحد تظنه ولا تبغض نفسك مع ما تتيقنه من ذنوبك وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان ذمك لأخيك بعيوبه يوقعك فيما تذمه وشر منه ولو وفقت لدعوت له ورحمته وخفت على نفسك من مثله وشكرت الله تعالى حيث لم يبلك بما بلاه به وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان من علم من نفسه ما يعلم ثم يحبها بعد ذلك فقد أحب ما أبغض الله تعالى وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان كبير الإساءة مع التوبة والندامة أصغر من صغيرها مع الإصرار لأن الله تعالى يقول {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} آل عمران 135 وقليل الإحسان مع الإخلاص أكثر من كثير الإحسان مع الرياء والعجب والآفات وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان لا يعظم حرمات الله إلا من عظم الله ولا يعظ الله إلا من عرفه ومن عرفه خضع له وانقاد في خضوعه وخضوعه يتولد من تعظيمه لربه فاذا عظمه صغر كل ما سواه عنده فيتولد له من ذلك تعظيم حرمات المؤمنين وذلك لعظيم حرمة الله في قلبه أن يعظم كل من يطيع ربه أو يعرفه الطبقة الرابعة من أئمة الصوفية 61 - ومنهم أبو بكر الشبلي واسمه دلف يقال ابن جحدر ويقال ابن جعفر ويقال اسمه جعفر بن يونس سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يذكر ذلك وكذلك رأيته ببغداد مكتوبا على قبره وهو خراساني الأصل بغدادي المنشأ والمولد وأصله من أسروشنة ومولده كما قيل سامرا تاب في مجلس خير النساج وصحب الجنيد ومن في عصره من المشايخ وصار أوحد وقته حالا وعلما وكان عالما فقيها على مذهب مالك عاش سبعا وثمانين سنة ومات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن في مقبرة الخيزران وقبره اليوم ظاهر كتب الحديث الكثير ورواه
حدثنا عبد الواحد بن العباس حدثنا علي بن الجمال قال سمعت أبا بكر الشبلي يقول حدثنا محمد بن مهدي المصري حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة بن عبد الله عن طلحة بن زيد عن أبي فروة الرهاوي عن عطاء عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال (الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا) قال يا رسول الله كيف لي بذلك قال (ما سئلت فلا تمنع وما رزقت فلا تخبأ) قال يا رسول الله كيف لي بذاك قال (هو ذاك وإلا فالنار) سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول سمعت الشبلي وقيل له إن أبا تراب ذكر أنه جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاما فقال عبد رفق ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت عمر المزوق يقول سمعت الشبلي وسئل عن الوفاء فقال هو الإخلاص بالنطق واستغراق السرائر بالصدق سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت الشبلي يقول ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة وسمعته يقول كان الشبلي إذا نظر إلى أصحابه يسافرون ويرى تقطعهم في أسفارهم يقول ويلكم أبد مما ليس منه بد بل بد ممن ليس منه بد وسمعته يقول سمعت الشبلي يقول الأرواح تلطفت فتعلقت عند لذعات الحقيقة فلم تر غير الحق معبودا يستحق العبادة فأيقنت أن المحدث لا يدرك القديم بصفات معلولة فإذ صفاه الحق أوصله إليه فيكون الحق أوصله إليه ولا وصل هو سمعت أبا القاسم النصراباذي يقول سمعت الشبلي يقول التصوف ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت الشبلي يقول التصوف التآلف والتعاطف وسمعته يقول سمعت محمد بن الفضل يقول سمعت الشبلي وسئل متى يكون الرجل مريدا فقال إذا استوت حاله في السفر والحضر والمشهد والمغيب سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول أنتم منكم مخفوضة وأنا مني منصوبة سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي فجعل يبكي ولا يتكلم فقال رجل يا أبا بكر ما هذا البكاء كله فأنشأ يقول (إذا عاتبته أو عاتبوه ... شكا فعلي عدد سيئاتي) (أيا من دهره غضب وسخط ... أما أحسنت يوما في حياتي) سمعت أبا سعيد الرازي يقول سمعت الشبلي وسئل عن الزهد فقال تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء قال وسمعت الشبلي يقول من عرف الله خضع له كل شيء لأنه عاين أثر ملكه فيه وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي وسئل ما الدنيا فقال قدر تغلي وكنيف يملأ وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي وسئل بم يقمع الهوى فقال برياضات الطباع وكشف القناع وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول ليس يخطر الكون ببالي وكيف يخطر الكون ببال من عرف المكون سمعت أبا العباس محمد بن الحسن بن الخشاب يقول سمعت بعض أصحاب الشبلي يقول رأيت الشبلي في المنام فقلت له يا أبا بكر من أسعد أصحابك بصحبتك فقال أعظمهم لحرمات الله وألهجهم بذكر الله واقومهم بحق الله وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله وأعرفهم بنقصانه وأكثرهم تعظيما لما عظم الله من حرمة عباده وسمعت أبا سعيد الرازي يقول قال رجل للشبلي ادع الله لي فأنشأ يقول (مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع) وسمعته يقول قيل للشبلي نراك جسيما بدينا والمحبة تضني فأنشأ يقول (أحب قلبي وما درى بدني ... ولو درى ما أقام في السمن) سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت عمر بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول لو قبلني العالم بمن فيه لكانت مصيبة علي إذ لو لم يكن شربهم شربي وذوقهم ذوقي لم يقبلوني
وسمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت الحصري يقول سمعت الشبلي يقول أعمى الله بصرا يراني ولا يرى في آثار القدرة فأنا أحد آثار القدرة وأحد شواهد العزة لقد ذللت حتى عز في ذلي كل ذل وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي أو بمن تعززت به وما افترقنا وكيف نفترق ولم يجر علينا حال الجمع أبدا سمعت أبا العباس النسوي يقول سمعت السيرواني يقول سمعت الشبلي يقول ليكن همك معك لا يتقدم ولا يتأخر وسمعته يقول سمعت أبا علي الجعفري يقول سمعت بعض المشايخ يقول سمعت إبراهيم بن ظريف يقول قال الجنيد للشبلي لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت فقال الشبلي يا أبا القاسم لو رد الله أمرك إليك لاسترحت فقال الجنيد سيوف الشبلي تقطر دما سمعت عبد الله بن علي البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول سهو طرفة عين عن الله لأهل المعرفة شرك بالله وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي الفرح بالله أولى من الحزن بين يدي الله وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول قلوب أهل الحق طائرة إليه بأجنحة المعرفة ومستبشرة إليه بموالاة المحبة وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول الحرية هي حرية القلب لا غير وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته سمعت الحسين بن عبد الله يقول سمعت أحمد الخلقاني يقول كثيرا ما كان الشبلي يقول (ولي فيك يا حسرتي حسرة ... تقضي حياتي وما تنقضي) سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سلمان يقول سمعت الشبلي يقول أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول من كان بالحق تلفه كان الحلق خلقه سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي قال كنا يوما في بيت الشبلي فأخر العصر ونظر إلى الشمس وقد تدلت للغروب فقال الصلاة يا سادتي وقام فصلى ثم أنشأ يقول ملاعبة وهو يضحك ما أحسن قول من قال (نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا أدري غداتي من عشائي) (فذكرك سيدي أكلي وشربي ... ووجهك إن رأيت شفاء دائي) وبهذا الإسناد قال رؤى الشبلي في يوم عيد خارجا من المسجد وهو يقول (إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد) (جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود) سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت الشبلي يقول ما أحوج الناس إلى سكرة فقلت يا سيدي أي سكرة فقال سكرة تغنيهم عن ملاحظة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم وأنشأ يقول (وتحسبني حيا وإني لميت ... وبعضي من الهجران يبكي على بعض) وأنشدنا أبو بكر الرازي قال أنشدنا أبو بكر الشبلي (إني وإياه لفي الحب صادق ... نموت بما نهوى جميعا ولا ندى) وبهذا الإسناد قال الشبلي (ومن أين لي أين وإني كما ترى ... أعيش بلا قلب وأسعى بلا قصد) سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت أبا الطيب العكي يقول جاء رجل إلى الشبلي فقال كم تهلك نفسك بهذه الدعاوي ولا تدعها فأنشأ يقول متمثلا (إني وإن كنت قد أسأت بي اليوم ... لراج العطف منك غدا) (أستدفع الوقت بالرجاء وإن ... لم أر منك ما أرتجي أبدا) (أعز نفسي بكم وأخدعها ... نفس ترى الغي فيكم رشدا) سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول كنت واقفا على حلقة الشبلي في جامع المدينة فوقف سائل على حلقته وجعل يقول يا الله يا جواد فتأوه الشبلي وصاح فقال كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله (تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله) (تراك إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله) (ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله) (هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله)
ثم بكى وقال بلى يا جواد فأنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم ثم مننت بعد ذلك على أقوام بعز الاستغناء عنهم وعما في أيديهم بك فإنك الجواد كل الجواد لأنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة فيا جواد يعلو كل جواد وبه جاد كل من جاد قال وسمعته يقول رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فلو أجرى على الأولياء ذرة مما كشف للأنبياء لبطلوا وتقطعوا قال أبو القاسم وكنت يوما في حلقته فسمعته يقول الحق يفنى بما به يبقى ويبقى بما به يفنى يفنى بما فيه بقاء ويبقى بما فيه فناء فإذا أفنى عبدا عن إياه أوصله به وأشرفه على أسراره وبكى وأنشد على أثره (لها في طرفها لحظات سحر ... تميت بها وتحيي من يريد) (وتسبي العالمين بمقلتيها ... كأن العالمين لها عبيد) (ألاحظها فتعلم ما بقلبي ... وألحظها فتعلم ما أريد) قال وسأله سائل هل يتحقق العارف بما يبدو له فقال كيف يتحقق بما لا يثبت وكيف يطمئن إلى ما لا يظهر وكيف يأنس بما يخفى فهو الظاهر الباطن الباطن الظاهر ثم أنشأ يقول (فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلي لها غير ذائق) (وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمحة بارق) قال وقال الشلبي كيف يصح لك التوحيد وكلما أبصرت شيئا اسرك قال وقال رجل للشبلي هل شاهده أحد بحقيقته فقال الحقيقة بعيدة ولكن ظنون وأماني وحسبان وأنشد (وكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني منك ما ليس تسمع) (ولم أسكن الأرض التي تسكنونها ... لكيلا يقولوا إنني بك مولع) (فلا كبدي تهدا ولا لك رحمة ... ولا عنك إقصاء ولا فيك مطمع) فإذا تراءى له تحقيق حال شوشه بالتلبيس والإشكال سمعت ابا القاسم عبد الله بن علي البصري يقول قال رجل للشبلي إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين قال إلى سرور من اشتاقوا إليه وموافقته وأنشد (أسر بمهلكي فيه لأني ... أسر بما يسر الألف جدا) (ولو سئلت عظامي عن بلاها ... لأنكرت البلى وسمعت جحدا) (ولو أخرجت من سقمي لنادي ... لهيب الشوق بي يسأله ردا) وسمعت عبد الله يقول سئل الشبلي وأنا حاضر إلى ماذا تحن قلوب أهل المعارف فقال إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة بغيبتهم عنها وأنشأ يقول (سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا) 62 - ومنهم المرتعش وهو أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري من محلة الحيرة صحب أبا حفص الحداد وأبا عثمان الحداد ولقي الجنيد وصحبه وأقام ببغداد حتى صار أحد مشايخ العراق وأئمتهم حتى قال أبو عبد الله الرازي كان مشايخ العراق يقولون عجائب بغداد في التصوف ثلاث إشارات الشبلي ونكت المرتعش وحكايات جعفر الخلدي وكان يقيم في مسجد الشونيزية مات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله في الدنيا قال وقال المرتعش ذهبت حقائق الأشياء وبقيت أسماؤها فالأسماء موجودة والحقائق مفقودة والدعاوي في السرائر مكنونة والألسنة بها فصيحة والأمور عن حقوقها مصروفة وعن قريب تفقد هذه الألسنة وهذه الدعاوي فلا يوجد لسان ناطق ولا مدع مطنب سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت المرتعش يقول ما توجهت إلى الله تعالى بسر خاصي إلا في ظاهر عامي سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول كنت عند المرتعش قاعدا فقال رجل قد طال الليل وطاب الهواء فنظر إليه المرتعش وسكت ساعة ثم قال لا أدري ما تقول غير أني أقول ما سمعت بعض القوالين في بعض هذه الليالي يغني ويقول (لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتلقى) (لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعى النجوم كنت مخلى) (إن للعاشقين عن قصر الليل ... وعن طوله من الوجد شغلا)
قال فبكى من حضره واستدلوا بذلك على عمارة أوقاته وبهذا الإسناد قال المرتعش الوسوسة تؤدي إلى الحيرة والإلهام يؤدي إلى زيادة فهم وبيان وبهذا الإسناد قال المرتعش أصول التوحيد ثلاثة اشياء معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار له بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة وبهذا الإسناد قال المرتعش أفضل الأعمال تصحيح العبودية على المشاهدة وملازمة الخدمة على السنة وبهذا الإسناد قال سئل المرتعش بماذا ينال العبد حب الله تعالى فقال ببغض ما أبغض الله وهي الدنيا والنفس وبهذا الإسناد قال سئل المرتعش مرة أخرى بماذا ينال العبد المحبة قال بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ثم نظر إلى بعض جلسائه فقال أنشدني الأبيات التي كنت أنشدتنيها أمس فأنشأ الرجل يقول (أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم) (وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم) وبهذا الإسناد قال المرتعش تصحيح المعاملات كلها بشيئين وهما الصبر والإخلاص الصبر عليها والإخلاص فيها وبهذا الإسناد قال المرتعش الإرادة حبس النفس عن مراداتها والإقبال على أوامر الله والرضا بموارد القضاء عليه وبهذا الإسناد قال رجل للمرتعش إن فلانا يمشي على الماء فقال عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء وبهذا الإسناد قال المرتعش المسلم محبوب إلى الخلق والمؤمن غني عن الخلق سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سئل المرتعش عن التصوف فقال الإشكال والتلبيس والكتمان ثم أنشأ يقول (سري وسرك لم يعلم به أحد ... إلا الجليل ولم ينطق به نطق) سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان الفقيه يقول قال رجل للمرتعش أوصني فقال اذهب إلى من هو خير لك مني ودعني إلى من هو خير لي منك وبهذا الإسناد قال جاء رجل إلى المرتعش فقال أي الأعمال أفضل فقال رؤية فضل الله وأنشأ يقول (إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم) سمعت ابا الفرج بن الصائغ يقول رؤى المرتعش في العشر الأواخر خارجا من المسجد الجامع فقيل له ما الذي أخرجك من المسجد فقال مشاهدة القراء وتعظيم طاعاتهم عندهم وبهذا الإسناد قال المرتعش من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه ولفعله خطرا ومن اعتمد على فضل الله بلغه الله إلى اقصى منازل الرضوان قال الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} يونس 58 وبهذا الإسناد قال المرتعش اعتمد على ضمان الله لك في رزقك واجتهد في أداء ما افترضه عليك تكن من خواصه وبهذا الإسناد قال المرتعش السكون إلى الأسباب يقطع القلوب عن الاعتماد على المسبب 63 - ومنهم أبو علي الروذباري واسمه أحمد بن محمد بن القاسم ابن منصور بن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسرى كذا ذكره لي عبد الله بن علي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري يقول ذلك وهو من أهل بغداد سكن مصر وصار شيخها ومات بها صحب أبا القاسم الجنيد وأبا الحسين النوري وأبا حمزة وحسنا المسوحي ومن في طبقتهم من مشايخ بغداد وصحب بالشام ابن الجلاء وكان عالما فقيها عارفا بعلم الطريقة حافظا للحديث توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة كذلك ذكره لي الحسين بن أحمد الرازي وأسند الحديث أخبرنا أبو الفضل نصر بن محمد بن يعقوب الطوسي قال حدثنا قسيم بن أحمد غلام الرقاق حدثنا أبو علي الروذباري الصوفي حدثنا يوسف حدثنا الحسين بن نصر عن ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى {يخافون ربهم من فوقهم} النحل 50 ذاك مخافة الإجلال
أخبرنا أبو الفضل قال حدثنا قسيم قال حدثنا أبو علي الروذباري حدثنا مسعود بن محمد بن مسعود الرملي حدثنا عمران بن هارون الصوفي حدثنا سليم بن حيان عن داود عن أبي هند عن الشعبي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليعمر بالقوم الديار ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا قيل يا رسول الله وكيف ذلك قال بصلتهم أرحامهم سمعت عبد الله بن محمد الدمشقي يقول سمعت أبا علي الروذباري وسئل عن الإشارة فقال الإشارة الإبانة عما يتضمنه الوجد من المشار إليه لا غير وفي الحقيقة إن الإشارة تصحبها العلل والعلل بعيدة من عين الحقائق سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الروذباري وسئل عن المريد والمراد فقال المريد الذي لا يريد لنفسه إلا ما اراد الله له والمراد لا يريد من الكونين شيئا غيره سمعت ابا القاسم الدمشقي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول الصول على من دونك ضعف وعلى من فوقك قحة وسمعته يقول سئل أبو علي عمن يسمع الملاهي ويقول هي لي حلال لأني قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال فقال نعم قد وصل لعمري ولكن إلى سقر سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الروذباري وسئل عن التصوف يقول هذا مذهب كله جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول فضل المقال على الفعال منقصة وفضل الفعال على المقال مكرمة سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت أبا سعيد الكازروني يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول لا رضى لمن لا لا يصبر ولا كمال لمن لا يشكر وبالله وصل العارفون إلى محبته وشكروه على نعمته سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت أبا عبد الله الروذباري يقول قال لي خالي أبو علي لو تكلم أهل التوحيد بلسان التجريد لما بقي محق إلا مات سمعت أبا العباس النسوي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول حدثنا محمد الزقاق قال سألت أبا علي الروذباري عن التوبة فقال الاعتراف والندم والإقلاع أنشدني أحمد بن علي بن جعفر قال أنشدني إبراهيم بن فاتك لأبي علي الروذباري (روحي إليك بكلها قد أجمعت ... لو أن فيك هلاكها ما أقلعت) (تبكي إليك بكلها عن كلها ... حتى يقال من البكاء تقطعت) (فانظر إليها نظرة بتعطف ... فلطالما متعتها فتمتعت) سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الروذباري يقول والاهم قبل أفعالهم وعاداهم قبل أفعالهم ثم جازاهم بأفعالهم وبهذا الإسناد قال أبو علي الروذباري المشاهدات للقلوب والمكاشفات للأسرار والمعاينات للبصائر والمراعات للأبصار وبهذا الإسناد قال أبو علي من نظر إلى نفسه مرة عمي عن النظر بالاعتبار إلى شيء من الأكوان وبهذا الإسناد قال أبو علي الروذباري ما ادعى أحد قط إلا لخلوه عن الحقائق ولو تحقق في شيء لنطقت عنه الحقيقة وأغناه عن الدعاوي سمعت علي بن سعيد يقول سمعت عبد السلام المخرمي يقول أنشدني أبو علي الروذباري لنفسه بك كتمان وجده بك عنه ... لك منه وعنه ما لك منه) (من إذا لاح لائح لمشوق ... هام وجدا إن لم تكنه) (وإذا أفل الأفول ببين ... بان عنه فبان إن لم تبنه) (يا فتى الحب بل يا فتى الحق سري ... عنك مستودع لديك فصنه) سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت ابا علي الروذباري يقول أنفع اليقين ما عظم الحق في عينيك وصغر ما دونه عندك وأثبت الخوف والرجاء في قلبك قال وسمعت أبا علي يقول ما أظهر من نعمه دليل على ما أبطن من كرمه سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي يقول من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك الإنابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات وترى أن ذلك في بسط الحق لك وبهذا الإسناد قال أبو علي كيف تشهده الاشياء وبه فنيت بذواتها عن ذواتها أم كيف غابت الأشياء عنه وبه ظهرت وبصفاته فسبحان من لا يشهده شيء ولا يغيب عنه شيء
وبهذا الإسناد قال أبو علي تشوقت القلوب إلى مشاهدة ذات الحق فألقيت إليها الأسامي فركنت إليها والذات مستترة إلى أوان التجلي وذلك قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} أي وقفوا معها عن إدراك الحقائق وبهذا الإسناد قال أبو علي أظهر الحق الاسامي وأبداها للخلق ليسكن بها شوق المحبين إليه وتأنس بها قلوب العارفين له وبهذا الإسناد قال أبو علي أستاذي في التصوف الجنيد وأستاذي في الفقه أبو العباس بن سريج وأستاذي في الأدب ثعلب وأستاذي في الحديث إبراهيم الحربي 64 - ومنهم أبو علي الثقفي واسمه محمد بن عبد الوهاب لقي أبا حفص وحمدونا القصار وكان إماما في أكثر علوم الشرع مقدما في كل فن منه عطل أكثر علومه واشتغل بعلم الصوفية وتكلم فيه أحسن كلام وكان أبو عثمان الحيري يقول إنه لينفعني في نفسي إذا نظرت إلى خشوع هذا الفتى يعني أبا علي الثقفي وكان أبو علي أحسن المشايخ كلاما في عيوب النفس وآفات الأعمال سمعت أبي رحمه الله يقول مات أبو علي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وأسند الحديث اخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا أبو الأحوص محمد بن الهيثم حدثنا ابن عفير قال حدثنا الفضل بن المختار البصري عن هشام بن حسان عن الحسن عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسن الكارزي قال حدثنا أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا عبد الله بن سلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الثقفي يقول كمال العبودية هو العجز والقصور عن تدارك معرفة علل الأشياء بالكلية وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي لكل شيء حد وكمال فمن صحب الاشياء على حدودها فقد أفلح وأنجح ومن قصر عن حدودها فقد ضيع حقها ومن تجاوز حدها فقد اشرف على هلاك نفسه وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي لبعض أصحابه ينبغي ألا تفارق هذه الخلال الأربعة صدق القول وصدق العمل وصدق المودة وصدق الأمانة وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صوابا ومن صوابها إلا ما كان خالصا ومن خالصها إلا ما وافق السنة وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي من صحب الأكابر على غير طريق الحرمة حرم فوائدهم وبركات نظرهم ولا يظهر عليه من أنوارهم شيء وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي تمام العلم انقطاع الرجاء عن بلوغ كنهه وبهذا الإسناد قال أبو علي أف من اشغال الدنيا إذا أقبلت وأف من حسراتها إذا أدبرت والعاقل من لا يركن إلى شيء إذا أقبل كان شغلا وإذا أدبر كان حسرة وبهذا الإسناد قال أبو علي لا تلبس تقويم ما لا يستقيم ولا تأديب من لا يتأدب وبهذا الإسناد قال أبو علي العلم حياة القلب من الجهل ونور العين من الظلمة وبهذا الإسناد قال أبو علي يا من باع كل شيء بلا شيء واشترى لا شيء بكل شيء وبهذا الإسناد قال أبو علي الفروع الصحيحة لا تتفرع إلا من أصل صحيح فمن أراد أن تصح له أفعاله على السنة فليصحح الإخلاص من قلبه فإن تصحيح ظواهر الأعمال بصحة بواطن الإخلاص سمعت أبا بكر الرازي يقول حضرت مجلس أبي علي الثقفي فتكلم في المحبة وأحوال المحبين وأنشد في خلال تلك الأحوال هذه الأبيات (إلى كم يكون الصد في كل ساعة ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا) (رويدك إن الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فارتقبي الدهر) وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله
وبهذا الإسناد قال أبو علي الغفلة وسعت على الخلق الطرق في معايشهم وأفعالهم والورع واليقظة ضيقت عليهم ذلك وبهذا الإسناد قال ابو علي المعروف كنز لا يبعد من بر ولا فاجر وبهذا الإسناد قال أبو علي الثقفي أربعة اشياء لا بد للعاقل من حفظهن الأمانة والصدق والأخ الصالح والسريرة سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت ابا علي الثقفي يقول لو أن رجلا جمع العلوم كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب أو ناصح ومن لم يأخذ أدبه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات وبهذا الإسناد قال أبو علي ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك وبهذا الإسناد قال أبو علي يأتى على هذه الأمة زمان لا تطيب المعيشة فيه لمؤمن إلا بعد استناده إلى منافق 65 - ومنهم عبد الله بن منازل وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن منازل من أجل مشايخ نيسابور له طريقة يتفرد بها صحب أبا صالح حمدون ابن أحمد القصار وأخذ عنه طريقته وكان عالما بعلوم الظاهر كتب الحديث الكثير ورواه وكان أبو علي الثقفي يحترمه ويبجله ويرفع من مقداره ومحله مات بنيسابور سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وأسند الحديث حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن منازل قال حدثنا جعفر بن محمد بن سوار قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا عبد الواحد عن إسماعيل بن سميع قال حدثنا أبو رزين قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من اتخذ كلبا ليس بكلب صيد ولا غنم نقص من عمله كل يوم قيراط) سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت عبد الله بن محمد بن منازل يقول لا خير فيمن لم يذق ذل المكاسب وذل السؤال وذل الرد قال وسمعته يقول من رفع ظل نفسه عن نفسه عاش الناس في ظله سمعت عبد الله بن محمد بن فضلويه يقول سمعت عبد الله بن محمد بن منازل يقول عبر بلسانك عن حالك ولا تكن بكلامك حاكيا أحوال غيرك قال وسمعته يقول من ألزم نفسه شيئا لا يحتاج إليه ضيع من أحوال مثله مما يحتاج إليه ولا بد له منه قال وسمعته يقول وسأله إنسان عن مسألة فأجاب فقال له أعد علي فقال أنا في ندامة ما جرى قال وسمعته يقول من عظم قدره عند الناس يجب أن يحتقر نفسه عنده ألا ترى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما اتخذه الله خليلا قال {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} إبراهيم 35 قال وسمعته يقول من دخل في هذا الأمر بضعف قوي فيه ومن دخله بقوة ضعف وافتضح قال وسمعته وسئل عن العبودية يقول هي اضطرار لا اختيار فيه قال وسمعته يقول لا يجتمع التسليم والدعوى بحال قال وسمعته يقول اترك التكلف والتدبير وانظر إلى الحال والتحويل قال وسمعته يقول لو صح لعبد في عمره نفس من غير رياء ولا شرك لأثرت بركات ذلك عليه إلى آخر الدهر قال وسمعته يقول الإنسان عاشق على شقاوة قال وسمعته يقول يموت الإنسان ولا يخلف بعده شيئا أكثر من التدبير قال وسمعته يقول ذكر الله تعالى أنواع العبادات فقال {الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار} آل عمران 17 فختم المقامات كلها بمقام الاستغفار ليرى العبد تقصيره في جميع أفعاله وأحواله فيستغفر منها قال وسمعته يقول كيف ينظر الإنسان إلى أمامه وورائه وهو غائب عن مقامه ووقته وسمعت عبد الله بن محمد بن فضلويه يقول سمعت عبد الله يقول لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ولم يبتل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع قال وسمعت عبد الله يقول التفويض مع الكسب خير من خلوه عنه
قال وسمعته يقول كان الواجب على أبي علي الثقفي أن يتكلم لنفسه لا للخلق لذلك لا يصل إليه بركات كلامه قال وسمعت عبد الله يقول أحكام الغيب لا تشاهد في الدنيا ولكن تشاهد فضائح الدعوى قال وسمعت عبد الله يقول لبعض أصحابه قد عشقت نفسك وعشقت من يعشقك قال وسمعته يقول العبودية الرجوع في كل شيء إلى الله تعالى على حد الاضطرار قال وسمعته يقول لا ينبغي أن يتفرغ العبد إلى السنن إلا بعد فراغه من أداء الفرائض قال وسمعته يقول أنت تظهر دعوى العبودية وتضمر أوصاف الربوبية قال وسمعته يقول كل فقر لا يكون عن ضرورة لا يكون فيه فضيلة قال وسمعته يقول من احتجب إلى شيء من علومه فلا تنظر إلى عيوبه فإن نظرك يحرمك بركة الانتفاع بعلمه 66 - ومنهم أبو الخير الأقطع وأصله من المغرب سكن التينات وله آيات وكرامات يطول ذكرها صحب أبا عبد الله بن الجلاء وغيره من المشايخ وكان أوحد في طريقته في التوكل كان يأنس إليه السباع والهوام وكان حاد الفراسة مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة سمعت منصور بن عبد الله الإصفهاني يقول سمعت أبا الخير الأقطع يقول دخلت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بفاقة فأقمت خمسة ايام ما ذقت ذواقا فتقدمت إلى القبر وسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقلت أنا ضيفك الليلة يا رسول الله وتنحيت ونمت خلف المنبر فرأيت في المنام النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله وعلي بن أبي طالب بين يديه رضي الله عنهم فحركني علي وقال قم قد جاء رسول الله قال فقمت إليه وقبلت بين عينيه فدفع إلي رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت فإذا في يدي نصف رغيف سمعت أبا بكر الرازي يقول أنشدني أبو الخير الأقطع (أنحل الحب قلبه والحنين ... ومحاه الهوى فما يستبين) (ما تراه الظنون إلا ظنونا ... وهو أخفى من أن تراه الظنون) وبهذا الإسناد قال أبو الخير الأقطع القلوب ظروف فقلب مملوء إيمانا فعلامته الشفقة على جميع المسلمين والاهتمام بما يهمهم ومعاونتهم بما يعود صلاحه إليهم وقلب مملوء نفاقا فعلامته الحقد والغل والغش والحسد سمعت أبا الحسن محمد بن زيد يقول سمعت أبا الخير الأقطع يقول لن يصفو قلبك إلا بتصحيح النية لله تعالى ولن يصفو بدنك إلا بخدمة أولياء الله تعالى وبهذا الإسناد قال أبو الخير ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وحرمة الفقراء الصادقين وبهذا الإسناد قال أبو الخير الأقطع حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسيح في روح الغيب سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا الخير الأقطع يقول إن الذاكر لله تعالى لا يقوم له في ذكره عوض فإذا قام له العوض خرج من ذكره قال وقال أبو الخير الأقطع من لم لم يكن له مع الله صحبة دائمة بمعرفة إطلاعه عليه ومراعاته لتصريف الموارد به ومشاهدة منه قاطعة اعترضت عليه الأحزان من ظهور المحن وتغيير الزمان قال وقال أبو الخير الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها فيلقيها إلى اللسان فتنطق بها ألسنة الحمقى ولا يعرف الأعمى ما يبصره البصير من محاسنه وقبائحه 67 - ومنهم الكتاني وهو محمد بن علي بن جعفر الكتاني وكنيته أبو بكر ويقال أبو عبد الله وأبو بكر اصح أصله من بغداد صحب الجنيد وأبا سعيد الخراز وأبا الحسين النوري وأقام بمكة مجاورا بها إلى أن مات وكان أحد الأئمة حكى عن أبي محمد المرتعش أنه كان يقول الكتاني سراج الحرم مات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة كذلك ذكره لي أبو عبد الله الحسين ابن محمد بن جعفر الرازي سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت محمد بن علي الكتاني يقول إن لله ريحا تسمى الصبيحة مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار تحمل الأنين والاستغفار إلى الملك الجبار قال وسمعته يقول إذا سألت الله تعالى التوفيق فابدأ بالعمل
قال وسأله بعض المريدين فقال له أوصني فقال كن كما ترى الناس وإلا فأر الناس ما تكون قال وقال الكتاني كن في الدنيا ببدنك وفي الآخرة بقلبك قال وسمعته يقول الشكر في موضع الاستغفار ذنب والاستغفار في موضع الشكر ذنب قال وسمعت الكتاني يقول روعة روعة عند انتباه عن غفلة وانقطاع عن حظ النفسانية وارتعاد من خوف قطيعة أفضل من عبادة الثقلين قال وسمعته يقول وجود العطاء من الحق شهود الحق بالحق لأن الحق دليل على كل شيء ولا يكون شيء دونه دليلا عليه سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت الكتاني يقول الشهوة زمام الشيطان فمن أخذ بزمامه كان عبده قال وسئل الكتاني عن حقيقة الزهد فقال فقد الشيء والسرور من القلب بفقده وملازمة الجهد إلى الموت واحتمال الذل صبرا والرضا به حتى تموت قال وقيل للكتاني من العارف فقال من يوافق معروفه في أوامره ولا يخالفه في شيء من أحواله ويتحبب إليه بمحبة أوليائه ولا يفتر عن ذكره طرفة عين قال وسمعت الكتاني يقول الصوفية عبيد الظواهر أحرار البواطن قال وسمعته يقول سماع العوام على متابعة الطبع وسماع المريدين رغبة ورهبة وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعم وسماع العارفين على المشاهدة وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام قال وسمعت الكتاني يقول الموارد ترد فتصادف شكلا أو موافقة فأي وارد صادف شكلا مازجه وأي وارد صادف موافقا ساكنه قال وسمعت الكتاني يقول المستمع يجب أن يكون في سماعه غير مستروح إليه يهيج منه السماع وجدا أو شوقا أو غلبة وارد عليه يفنيه عن كل مسكون ومألوف وأنشد على أثره (فالوجد والشوق في مكاني ... قد منعاني من القرار) (هما معي لا يفارقاني ... فذا شعاري وذا دثاري) قال وقال أبو بكر الكتاني إن الله نظر إلى عبيد من عبيده فلم يرهم أهلا لمعرفته فشغلهم بخدمته سمعت أبا بكر الرازي يقول نظر محمد بن علي الكتاني إلى شيخ كبير أبيض الرأس واللحية يسأل فقال هذا رجل أضاع أمر الله في صغره فضيعه الله في كبره سمعت أبا الحسن القزويني يقول سمعت أبا بكر الكتاني يقول إذا صح الافتقار إلى الله صح الغنى به لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بصاحبه سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت الكتاني يقول الغافلون يعيشون في حلم الله والذاكرون يعيشون في رحمة الله والعارفون يعيشون في لطف الله والصادقون يعيشون في قرب الله وسمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سئل الكتاني عن السنة التي لم يتنازع فيها أحد من أهل العلم فقال الزهد الزهد في الدنيا وسخاوة النفس ونصيحة الخلق قالك وسمعت أبا بكر الكتاني يقول من كان الله همه لا يستقطعه من الكون شيء ولا يأسره من زينتها قليل ولا كثير قال وسئل الكتاني عن المتقي فقال من اتقى ما لهج به العوام من متابعة الشهوات وركوب المخالفات ولزم باب الموافقة وأنس براحة اليقين واستند إلى ركن التوكل وأتته الفوائد من الله عز وجل في كل حال فلم يغفل عنها قال وسئل أبو بكر الكتاني عن الصوفي فقال من عزفت نفسه عن الدنيا تظرفا وعلت همته عن الآخرة وسخت نفسه بالكل طلبا وشوقا إلى من له الكل قال وقال محمد بن علي على الكتاني حقائق الحق إذا تجلت لسر أزالت عنه الظنون والأماني لأن الحق إذا استولى على سر قهره ولا يبقى للغير معه أثر قال وقال الكتاني العلم بالله أتم من العبادة له 68 - ومنهم النهرجوري وهو أبو يعقوب إسحاق بن محمد من علماء مشايخهم صحب الجنيد وعمرو بن عثمان المكي وأبا يعقوب السوسي وغيرهم من المشايخ أقام بالحرم سنين كثيرة مجاورا وبه مات وكان أبو عثمان المغربي يقول ما رأيت في مشايخنا أنور من النهر جوري مات سنة ثلاثين وثلاثمائة سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول في الفناء والبقاء هو فناء رؤية قيام العبد لله وبقاء رؤية قيام الله في الأحكام
قال وسمعت النهرجوري يقول الصدق موافقة الحق في السر والعلانية وحقيقة الصدق القول بالحق في مواطن التهلكة قال وسمعت النهرجوري يقول العابد يعبد الله تحذيرا والعارف يعرفه تشويقا وسمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت النهرجوري يقول في قول القائل احترسوا من الناس بسوء الظن فقال بسوء الظن بأنفسكم لا بالناس سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت النهرجوري يقول مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب قال وسمعته يقول من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعا ومن كان غناه بالمال لم يزل مفتقرا ومن قصد بحاجته الخلق لم يزل محروما ومن استعان في أمره بغير الله لم يزل مخذولا وسمعت أبا الحسين يقول سمعت أحمد بن علي يقول سمعت ابا يعقوب يقول الذي حصل أهل الحقائق في حقائقهم أن الله تعالى غير مفقود فيطلب ولا ذو غاية فيدرك ومن أراد موجودا فهو بالموجود مغرور وإنما الموجود عندنا معرفة حال وكشف علم بلا حال وسمعت أبا الحسين يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت النهرجوري يقول الدنيا بحر والآخرة ساحل والمركب التقوى والناس سفر وبإسناده قال سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت وبإسناده قال سمعت النهرجوري يقول في قوله تعالى {وشروه بثمن بخس} يونس 20 قال لو جعلوا ثمنه الكونين لكان بخسا في مشاهدته وما خص به وبإسناده قال سمعت النهرجوري يقول مشاهدة الأرواح تحقيق ومشاهدة القلوب تعريف وبإسناده قال سمعت النهرجوري يقول إذا اقتضاني ربي بعض حقه الذي له قبلي فذاك أوان حزني وإذا أذن في اقتضاء بره فذاك أوان سروري ونعمتي إذا كان بالجود والفضل والوفاء موصوفا والعبد بالعجز والضعف موصوفا وبهذا الإسناد قال سمعت النهرجوري يقول أعرف الناس بالله أشدهم تحيرا فيه وسمعت أبا الحسين يقول سمعت إبراهيم بن فاتك يقول سمعت النهرجوري يقول اليقين مشاهدة الإيمان بالغيب قال وسمعت النهرجوري يقول من عرف الله لم يغتر بالله قال وسمعت النهرجوري يقول الجمع عين الحق الذي قامت به به الأشياء والتفرقة صفوة الحق من الباطن وسمعت النهرجوري ينشد ويقول (العلم بي منك وطأ العذر عندك لي ... حتى اكتفيت فلم تعذل ولم تلم) (أقام علمك لي فاحتج عندك لي ... مقام شاهد عدل غير متهم) قال وسمعت النهرجوري يقول لا يصل العارف إلى ربه إلا بقطع القلب عن ثلاثة أشياء العلم والعمل والخلق قال وسمعت النهرجوري يقول لرجل يا دنيء الهمة فقال لم تقول هذا أيها الشيخ قال لأن الله تعالى يقول {قل متاع الدنيا قليل} النساء 77 فانظر كم نصيبك من ذلك القليل وكم في يدك منها وأنت تبخل بها وتريد أن يكرمك الناس بسببها لو بذلتها كنت قد بذلت قليلا ولو منعتها كنت قد منعت قليلا فلا أنت بالمنع ملوم ولا أنت بالبذل محمود 69 - ومنهم المزين وهو أبو الحسن علي بن محمد من أهل بغداد صحب الجنيد وسهل بن عبد الله ومن في طبقتهما من البغداديين واقام بمكة مجاورا ومات بها وكان من أورع المشايخ وأحسنهم حالا توفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة كذلك سمعت أبا عبد الله الرازي يذكر ذلك سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا الحسن المزين يقول الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة قال وسئل المزين عن المعرفة فقال أن تعرف الله تعالى بكمال الربوبية وتعرف نفسك بالعبودية وتعلم أن الله تعالى أول كل شيء وبه يقوم كل شيء وإليه مصير كل شيء وعليه رزق كل شيء سمعت عبد الواحد بن بكر الورثاني يقول سمعت محمد بن أحمد النجار يقول سمعت أبا الحسن المزين يقول الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم وأنا مفتقر إلى طريق إليه فلا أجده قال وسمعت المزين يقول من طلب الطريق إليه بنفسه تاه في أول قدم ومن أريد به الخير دل على الطريق وأعين على بلوغ المقصد فطوبى لمن كان قصده إلى ربه دون عرض من أعراض الأكوان قال وسمعت أبا الحسن المزين يقول من استغنى بالله أحوج الله الخلق إليه
سمعت أبا بكر بن شاذان يقول سمعت أبا الحسن المزين يوما وهو بالتنعيم يريد أن يحرم بعمرة يبكي طول طريقه وينشد (أنافعي دمعي فأبكيك ... هيهات ما لي طمع فيك) فلم يزل كذلك حتى بلغ باب مكة وسمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت المزين يقول متى ظهرت الآخرة فنيت فيها الدنيا ومتى ظهر ذكر الله فنيت فيه الدنيا والآخرة فإذا تحققت الأذكار فني العبد وذكره وبقي المذكور بصفاته قال وسمعت المزين يقول للقلوب خواطر يشوبها شيء من الهوى لكن العقول المقرونة بالتوفيق تزجر عنها وتنهى قال وسئل أبو الحسن المزين عن التوحيد فقال أن توحد الله بالمعرفة وتوحده بالعبادة وتوحده بالرجوع إليه في كل ما لك وعليك وتعلم أن ما خطر بقلبك أو أمكنك الإشارة إليه فالله تعالى بخلاف ذلك وتعلم أن أوصافه مباينة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كما باينوه بصفاتهم حدثا سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت محمد بن أحمد النجار يقول سمعت أبا الحسن المزين يقول من افتقر إلى الله تعالى وصحح فقره إليه بملازمة آدابه أغناه الله به عن كل ما سواه قال وسمعت المزين يقول ملاك القلب في التبري من الحول والقوة قال وسمعت المزين يقول من أعرض عن مشاهدة ربه شغله الله بطاعته وخدمته ولو بدا له نجم الاحتراق لغيبه عن وساوس الافتراق قال ورؤى أبو الحسن يوما متفكرا ثم اغرورقت عيناه فقيل له ما لك أيها الشيخ قال ذكرت أيام تقطعي في إرادتي وقطعي المنازل يوما فيوما وخدمتي لأولئك السادة من اصحابي وتذكرت ما أنا فيه من الفترة عن شريف الأحوال وأنشأ يقول (منازل كنت تهواها وتألفها ... أيام أنت على الأيام منصور) قال وسمعت أبا الحسن المزين يقول المعجب بعمله مستدرج والمستحسن لشيء من أحواله ممكور به والذي يظن أنه موصول فهو مغرور وأحسن العبيد حالا من كان محمولا في أفعاله وأحواله لا يشاهد غير واحد ولا يأنس إلا به ولا يشتاق إلا إليه قال وسئل المزين عن الفقير الصادق فقال الذي يسكن إلى مضمون الله له ويزعجه دخول الأرفاق عليه من أي وجه كان 70 - ومنهم أبو علي بن الكاتب واسمه الحسن بن أحمد من كبار مشايخ المصريين صحب أبا بكر المصري وأبا علي الروذباري وغيرهما من المشايخ وهو أوحد مشايخ وقته وكان أبو عثمان المغربي يقول كان أبو علي ابن الكاتب من السالكين وكان يعظمه ويعظم شأنه مات سنة نيف وأربعين وثلاثمائة سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سمعت ابا علي بن الكاتب يقول إذا انقطع العبد إلى الله بكليته فأول ما يفيده الله الاستغناء به عن سواه سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت معاذ بن محمد التنيسي يقول سمعت أبا علي بن الكاتب يقول المعتزلة نزهوا الله تعالى من حيث العقول فأخطأوا والصوفية نزهوه تعالى من حيث العلم فاصابوا قال وسمعت أبا علي بن الكاتب يقول يقول الله تعالى وصل إلينا من صبر علينا قال وسمعت أبا علي بن الكاتب يقول إذا سمع الرجل الحكمة فلم يقبلها فهو مذنب وإذا سمعها ولم يعمل بها فهو منافق قال وسمعت أبا علي يقول صحبة الفساق داء ودواؤها مفارقتهم وبهذا الإسناد قال أبو علي إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه سمعت أبا القاسم البصري يقول قيل لأبي علي بن الكاتب إلى أي الجنبتين أنت أميل إلى الفقر أو إلى الغنى فقال إلى أعلاهما رتبة وأسناهما قدرا ثم أنشأ يقول (ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر) (وإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر) وبهذا الإسناد قال أبو علي إن الله تعالى يرزق العبد حلاوة ذكره فإن فرح به وشكره آنسه بقربه وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسلبه حلاوته وبهذا الإسناد قال أبو علي بن الكاتب روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها وتدل عليهم وإن ستروها وأنشد على أثره
(إذا ما أسرت أنفس الناس ذكرها ... تبينه فيهم ولم يتكلموا) (تطيب به أنفاسهم فيذيعها ... وهل سر مسك أودع الريح يكتم) وبهذا الإسناد قال أبو علي بن الكاتب الهمة مقدمة الأشياء فمن صحح همته بالصدق أتت عليه توابعه على الصحة والصدق فإن الفروع تتبع الاصول ومن أهمل همته أتت عليه توابعه مهملة والمهمل من الأحوال والأفعال لا يصلح لبساط الحق 71 - ومنهم أبو الحسين بن بنان وهو من جلة مشايخ مصر صحب أبا سعيد الخراز وإليه ينتمي مات في التيه سمعت أبا عثمان المغربي يقول كان أبو الحسين يتواجد وأبو سعيد الخراز يصفق له وحكى أبو عثمان أيضا قال كان أبو الحسين يقول الناس يعطشون في البراري وأنا عطشان وأنا على شط النيل سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول سمعت أبا بكر الزقاق يقول سمعت أبا الحسين بن بنان يقول كل صوفي يكون هم الرزق قائما في قلبه فلزوم العمل أقرب له إلى الله وعلامة ركون القلب والسكون إلى الله أن يكون قويا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه وفقده إياها ويكون بما في يد الله أقوى وأوثق منه بما في يده قال وقال أبو الحسين اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبون الحرام قال وقال أبو الحسين الحرية أن يكون السر حرا إلا من عبودية سيده يصح له بذلك العبودية للحق والحرية عن الخلق قال وقال أبو الحسين ذكر الله باللسان يورث الدرجات وذكره بالقلب يورث القربات قال وقال أبو الحسين والوحدة جليس الصديقين قال وسمعت أبا الحسين يقول آثار المحبة إذا بدت ورياحها إذا هاجت أماتت قوما وأحيت قوما وأفنت اسرارا وأبقت أسرارا تؤثر آثارا مختلفة وتبدي سرائر مكنونة وتكشف عن أحوال مستترة وأنشد على أثره (وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا) قال وسمعت أبا الحسين يقول لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله تعالى 72 - ومنهم أبو بكر طاهر الأبهري اسمه عبد الله بن طاهر بن حاتم الطائي كان من أجل المشايخ بالجبل وهو من أقران الشبلي كان عالما ورعا صحب يوسف بن الحسين ورافق مظفرا القرميسيني وغيرهما من المشايخ سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت مهلب بن أحمد المصري يقول ما نفعني صحبة شيخ من المشايخ الذين لقيتهم كما نفعني صحبة أبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري مات قرب الثلاثين وثلاثمائة وأسند الحديث أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن عامر الأبهري المقرئ المعروف بالشافعي قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن طاهر الأبهري الصوفي قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا آدم بن أبي إياس قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن المطعم بن المقدام وعنبسة بن سعيد الكلاعي عن نصيح العنسي عن ركب المصري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن تواضع في غير منقصة وذل في نفسه في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة ورجم أهل الذل والمسكنة طوبى لمن ذل نفسه وطاب كسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته وعزل عن الناس شره طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله) سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا بكر بن طاهر يقول الجمع جمع المتفرقات والتفرقة تفرقة المجموعات فإذا جمعت قلت الله ولا سواه وإذا فرقت نظرت إلى الكون قال وسمعته يقول جمعهم في آدم وفرقهم في ذريته سمعت عبد الواحد بن محمد يقول سمعت بندار بن الحسين يقول استحسنت لأبي بكر بن طاهر قوله في الإغانة إن الله أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فيه فكان إذا ذكر ذلك وجد إغانة في قلبه منه فاستغفر لأمته صلى الله عليه وسلم سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت أبا بكر بن طاهر يقول احتياج الاشرار إلى الأخيار صلاح الطائفتين واحتياج الأخيار إلى الأشرار فتنة الطائفتين
قال وسمعته وسئل ما بال الإنسان يحتمل من معلمه ما لا يحتمل من أبويه فقال لأن أبويه سبب حياته الفانية ومعلمه سبب حياته الباقية وتصديق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (اغد عالما أو متعلما ولا تكن فيما بين ذلك فتهلك) سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا بكر بن طاهر يقول من حكم الفقير ألا يكون له رغبة فإن كان ولا بد فلا تجاوز رغبته كفايته وسمعته يقول سمعت أبا بكر يقول إذا أحببت أخا في الله فأقل مخالطته في الدنيا سمعت علي بن سعيد الثغري يقول سمعت أحمد بن علي الواسطي يقول سمعت أبا بكر بن طاهر ينشد (كل العذاب الذي في الناس مسترق ... مما بقلبي من شوق وتذكار) سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا بكر بن طاهر يقول في المحن ثلاثة أشياء تطهير وتكفير وتذكير فالتطهير من الكبائر والتكفير من الصغائر والتذكير لأهل الصفاء سمعت الحسين بن أحمد يقول سألت أبا بكر بن طاهر عن الحقيقة فقال الحقيقة كلها علم فسألته عن العلم فقال العلم كله حقيقة قال وقال أبو بكر رأيت رجلا يودع الكعبة ويبكي وينشد (ألا رب من يدنو ويزعم أنه ... يحبك والنائي أود وأقرب) قال وقال أبو بكر من خاف على نفسه شق عليه ركوب الأهوال ومن شق عليه ركوب الأهوال لا يرتقي إلى سمو المعالي في الأحوال قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حية) قال وقال أبو بكر التوكل ألا تعجز عن حكم وقتك والمعرفة ألا تضيع وقتك سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت بعض أصحابنا يقول حضرت مع أبي بكر بن طاهر جنازة فرأى إخوان الميت يكثرون البكاء فنظر إلى أصحابه وأنشد (ويبكي على الموتى ويترك نفسه ... ويزعم أن قد قل عنهم عزاؤه) (ولو كان ذا عقل ورأي وفطنة ... لكان عليه لا عليهم بكاؤه) 73 - ومنهم مظفر القرميسيني وهو من كبار مشايخ الجبل وجلتهم ومن الفقراء الصادقين صحب عبد الله الخراز ومن فوقه من المشايخ وكان أوحد المشايخ في طريقته قال مظفر القرميسيني الصوم ثلاثة صوم الروح بقصر الأمل وصوم العقل بخلاف الهوى وصوم النفس بالإمساك عن الطعام والمحارم وقال التواضع قبول الحق ممن كان وقال إذا صحت لك مودة أخيك فلا تبال متى يكون الالتقاء وسئل عن التصوف فقال الأخلاق المرضية وقال مظفر من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصيحة أداه ذلك إلى البلاء فكيف بمن صحبهم على غير شروط السلامة وقال مظفر أخس الأرفاق أرفاق النسوان على أي وجه كان وقال مظفر من عامل الله بالصدق استوحش من صحبة المخلوقين وقال مظفر العارف قلبه لمولاه وجسده لخلقه وقال مظفر من أفقره الله إليه أغناه به ليعرفه بالفقر عبوديته وبالغنى ربوبيته وقال مظفر من قتله الحب أحياه القرب وقال مظفر الجوع إذا ساعدته القناعة مزرعة الفكرة وينبوع الحكمة وحياة الفطنة ومصباح القلب وقال مظفر يحاسب الله المؤمنين يوم القيامة بالمنة والفضل ويحاسب الكفار بالحجة والعدل وقال مظفر أفضل ما يلقى به العبد ربه نصيحة من قلبه وتوبة من ربه وقال مظفر ليكن نظرك إلى الدنيا اعتبارا وسعيك فيها اضطرارا ورفضك لها اختيارا وقال مظفر خير الأرفاق ما فتح الله لك به من وجه حلال من غير طلب ولا سعي وقال مظفر في قوله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} (الكهف 110) قال عملا يصلح أن يلقى به ربه وقال مظفر من آواه الله إلى قربه أرضاه بمجاري المقدور عليه فإنه ليس على بساط القربة تسخط وقال مظفر بصحة الإيمان وكمال التقوى يفتح الله تعالى على العبد خير الدنيا والآخرة قال الله عز وجل {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} الأعراف: 96 وسئل مظفر ما خير ما أعطي العبد قال فراغ القلب عما لا يعنيه ليتفرغ إلى ما يعنيه وقال مظفر ليس لك من عمرك إلا نفس واحدة فإن لم تفنها فيما لك فلا تفنها فيما عليك
وقال مظفر أفضل أعمال العبيد حفظ أوقاتهم وهو ألا يقصروا في أمر ولا يتجاوزوا عن حد وقال مظفر من تأدب بآداب الشرع تأدب به متبعوه ومن تهاون بالآداب هلك وأهلك وقال مظفر من لم يأخذ الأدب عن حكيم لا يتأدب به مريد 74 - ومنهم أبو الحسين بن هند وهو علي بن هند الفارسي القرشي من كبار مشايخ الفرس وعلمائهم صحب جعفرا الحذاء ومن فوقه من المشايخ بفارس وصحب أيضا الجنيد وعمرا المكي ومن في طبقتهم وكان له الأحوال العالية والمقامات الزكية سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الحسين علي بن هند القرشي يقول ليس حكم ما وصفنا حكم ما نازلنا وقال سمعت أبا الحسين بن هند يقول المتمسك بكتاب الله هو الملاحظ للحق على دوام الأوقات والمتمسك بكتاب الله لا يخفى عليه شيء من أمور دينه ودنياه بل يجري في أوقاته على المشاهدة لا على الغفلة يأخذ الأشياء من معدنها ويضعها في معدنها سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا الحسين بن هند يقول استرح مع الله ولا تسترح عن الله فإن من استراح مع الله نجا ومن استراح عن الله هلك والاستراحة مع الله تروح القلب بذكره والاستراحة عن الله مداومة الغفلة قال وسمعته يقول أصلو الخيرات أربعة السخاء والتواضع والنسك وحسن الخلق قال وسمعته يقول أصل كل خير ملازمة الأدب في جميع الأحوال والأفعال قال وسمعته يقول عمارة القلب في أربعة أشياء في العلم والتقوى والطاعة وذكر الله وخرابه من أربعة أشياء من الجهل والمعصية والاغترار وطول الغفلة قال وسمعته يقول دم على الصفاء إن كنت تطمع في الوفاء قال وسمعته يقول في قوله تعالى {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا} الكهف 110 قال عملا يصلح أن يلقى به ربه عز وجل قال وسمعته يقول من آواه الله إلى قربه أرضاه بمجارة المقدور عليه فإنه ليس على بساط القربة تسخط قال وسمعته يقول الاستقامة تقوم العبيد في أحوالهم لا الأحوال تقومهم قال وسمعته يقول من أكرمه الله تعالى بمعرفة الحرمة والاحترام للأكابر أوقع حرمته في قلوب الخلق ومن حرم ذلك نزع الله حرمته من قلوبهم فلا تراه إلا ممقوتا وإن حسنت أخلاقه وصلحت أحواله لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من تعظيم جلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) قال وسمعت أبا الحسين بن هند يقول من عظم قدر الخلق كلهم عنده فذاك لعلمه بتخصيص خلقهم من بين الحيوانات وذلك من تعظيم الله في أن يعظم ما خصصه الله عز وجل قال وسمعته يقول حسن الخلق على معان ثلاثة مع الله بترك الشكوى ومع أوامره بالقيام إليها بنشاط وطيب نفس ومع الخلق بالبر والحلم قال وسمعت أبا الحسين بن هند يقول القلوب أوعية وظروف وكل وعاء وظرف يصلح لنوع من المحمولات فقلوب الأولياء أوعية المعرفة وقلوب العارفين أوعية المحبة وقلوب المحبين أوعية الشوق وقلوب المشتاقين أوعية الأنس ولكل من هذه الأحوال آداب من لم يستعملها في أوقاتها هلك من حيث يرجو النجاة قال وسمعته يقول اجتهد ألا تفارق باب سيدك بحال فإنه ملجأ الكل فمن فارق تلك السدة لا يرى بعدها لقدميه قرارا ولا مقاما قال وسمعت أبا الحسين بن هند يقول منشدا (كنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين المفر) 75 - ومنهم إبراهيم بن شيبان وهو أبو إسحاق القرميسيني شيخ الجبل في وقته له مقامات في الورع والتقوى يعجز عنها الخلق إلا مثله صحب أبا عبد الله المغربي وإبراهيم الخواص وكان شديدا على المدعين متمسكا بالكتاب والسنة لازما لطريقة المشايخ والأئمة سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول سئل عبد الله بن محمد بن منازل عن إبراهيم بن شيبان فقال إبراهيم حجة الله تعالى على الفقراء وأهل الآداب والمعاملات وأسند الحديث