Qur'an&Sunnah

Ebû Nuaym el-İsfahânî — Hilyetü'l-Evliyâ ve Tabakātü'l-Asfiyâ

Section V10/P054–V10/P056

أخبرني محمد بن أحمد البغدادي أبو بكر في كتابه وحدثني عنه عثمان ابن محمد العثماني ثنا عبدالله بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول أيها المريدون طريق الآخرة والصدق والطالبون أسباب العبادة والزهد اعلموا أنه من لم يحسن عقله لم يحسن تعبد ربه ومن لم يعرف آفة العمل لم يحسن يحتزر منه ومن لم تصح عنايته في طلب الشيء لم ينتفع به إذا وجده واعلموا أنكم خلقتم لأمر عظيم وخطر جسيم وأن العلم لم يرد ليعلم إنما أريد ليعلم ويعمل به لأن الثواب على العمل بالعلم يقع لا على العلم ألا ترى أن العلم إذا لم يعمل به عاد وبالا وحجة وانظروا ألا تكونوا معشر المريدين ممن قد تركوا لذة الدنيا ونعيمها ثم لا يصدق طلبكم بالآخرة فلا دنيا ولا آخرة وفكروا فيما تطلبون فأن من لم يعرف خطر ما يطلب لم يسهل عليه الجهل في جنب طلبه واعلموا أنه من لم يهن عليه الخلق لم يعظم عليه الرب ومن لم يكن طلبه في طريق الرغبة والرهبة والشوق والمحبة كان متحيرا في طلبه مخلطا في عمله لا يجد لذة العبادة ولا يقطع طريق الزهادة فاتقوا الله الذي إليه معادكم وانظروا ألا تكونوا ممن يعرفهم جيرانهم وإخوانهم بالخير والأرادة والزهادة والعبادة وحالكم عند الله على خلاف ذلك فأن الله إنما يجزيكم على ما يعرف منكم لا على ما يعرفه الناس ولا تكونوا ممن يولع بصلاح الظاهر الذي إنما هو للخلق ولا ثواب له بل عليه العقاب ويدع الباطن الذي هو لله وله الثواب ولا عقاب عليه حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن قارن الرازي قال سمعت ابن معاذ يقول من الدنيا لا ندرك آمالنا وللآخرة لا نقدم أعمالنا وفي القيامة غدا لا ندري ما حالنا حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ثنا عباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن الحسن بن العلاء البلخي قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول الناس ثلاثة فرجل شغله معاده عن معاشه فتلك درجة الصالحين ورجل شغله معاشه لمعاده فتلك درجة الفائزين ورجل شغله معاشه عن معاده فتلك درجة الهالكين سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا العباس بن حكوية الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تسكن إلى نفسك وإن دعتك إلى الرغائب سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الدنيا بحر التلف والنجاة منها الزهد فيها سمعت أبا الحسن يقول سمعت أبا العباس يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول يا جهول يا غفول لو سمعت صرير القلم حين يجري في اللوح المحفوظ بذكرك لمت طربا قال وسمعت يحيى يقول استشعرت الفقر فاتهمته ووثقت بعبد مثلك فقير فائتمنته ثم صرخ وقال واسوأتاه منك إذا شاهدتني وهمتي تسبق إلى سواك أم كيف لا أضنى في طلب رضاك قال وسمعت يحيى يقول قلب المحب يهيم بالطيران وتكلمه لدغات الشوق والخفقان قال وسمعته يقول إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فأنها قد صغرت في جنب عفوك إلهي لا أقول لا أعود لما أعرف من خلقي وضعفي إلهي إنك إن أحببتني غفرت سيئاتي وإن مقتني لم تقبل حسناتي ثم قال أواه قبل استحقاق قول أواه قال وسمعت يحيى يقول لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقا

Section V10/P056–V10/P057

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه عثمان ثنا عبدالله بن سهل الرازي قال سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تجعل الزهد حرفتك لتكتسب بها الدنيا ولكن اجعلها عبادتك لتنال بها الآخرة وإذا شكرك أبناء الدنيا ومدحوك فاصرف أمرهم على الخرافات وقال ترى الخلق متعلقين بالأسباب والعارف متعلق بولى الأسباب إنما حديثه عن عظمة الله وقدرته وكرمه ورحمته يحترف بهذا دهره ويدخل به قبره وسمعته يقول من كانت الحياة قيده كان طلاقه منها موته وسمعته يقول الدنيا لا قدر لها عند ربها وهي له فما ينبغي أن يكون قدرها عندك وليست لك قال وسئل يحيى عن الوسوسة فقال إن كانت الدنيا سجنك كان جسدك لها سجنا وإن كانت الدنيا روضتك كان جسدك لها بستانا وقيل ليحيى كيف يتعبد الرجل من غير بضاعة تعينه على العبادة قال أولئك بضاعتهم مولاهم وزادهم تقواهم وشغلهم ذكراهم ومن اهتم بعشائه لم يتهن بغذائه ومن أراد تسكين قلبه بشيء دون مولاه لم يزد استكثاره من ذلك إلا اضطرابا حدثنا أبو الحسن محمد بن عمرو ثنا الحسن بن علوية سمعت يحيى بن معاذ يقول لو لم يكن للعارفين إلا هاتان النعمتان لكفاهم منه متى رجعوا إليه وجدوه ومتى ما شاءوا ذكروه حدثنا أبو الحسن ثنا الحسن قال سمعت يحيى يقول من صفة العارف شيئان ما مضى وما كان وفيما هو وما أعلم وكيف أعمل وبعده ما يكون فكيف تكون هذه الثلاثة الأيام أمس واليوم وغدا قد زل عن قلبه عجب عمله ولازمه خوف ذنبه قال وسمعت يحيى يقول من صفة العارف جسم ناعم وقلب هائم وشوق دائم وذكر لازم قال وسمعت يحيى يقول عبادة العارف في ثلاثة أشياء معاشرة الخلق بالجميل وإدامة الذكر للجليل وصحة جسم بين جنبيه قلب عليل وسمعته يقول سبحان من طيب الدنيا للعارفين بمعرفته وسبحان من طيب لهم الآخرة بمعذرته فتلذذوا أيام الحياة بالذكر في مجالس معرفته وغدا يتلذذون في رياض القدس بشراب مغفرته فلهم في الدنيا زرع ذكر ولهم في الآخرة ربيع بر ساروا على المطايا من شكره حتى وصلوا إلى العطايا من ذخره فأنه ملك كريم سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت محمد بن محمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول العارف قد يشتغل بربه عن مفاخرة الأشكال ومجالس العطايا وعن منازعة الأضداد في مجالس البلايا قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول أوثق الرجاء رجاء العبد ربه وأصدق الظنون حسن الظن بالله سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت أحمد بن محمد بن مسعود يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول طوبى لعبد أصبحت العبادة حرفته والفقر منيته والعزلة شهوته والآخرة همته وطلب العيش بلغته وجعل الموت فكرته وشغل بالزهد نيته وأمات بالذل عزته وجعل إلى الرب حاجته يذكر في الخلوات خطيئته وأرسل على الوجنة عبرته وشكى إلى الله غربته وسأله بالتوبة رحمته طوبى لمن كان ذلك صفته وعلى الذنوب ندامته جأر الليل والنهار وبكاء إلى الله بالأسحار يناجي الرحمن ويطلب الجنان ويخاف النيران سمعت محمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن مسعود البدشي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الكيس من فيه ثلاثة خصال من بادر بعمله وتسوف بامله واستعد لأجله قال وسمعت يحيى يقول المغبون يوم القيامة من فيه ثلاثة خصال من قرض أيامه بالبطالات وبسط جوارحه على الحسرات ومات قبل إفاقته من السكرات قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول سبحان الله فلعل لا إله إلا الله تستوهبه من أهل لا إله إلا الله فليس ما أتى به من الذنب عصيانا أكثر مما أتى به من التوحيد إيمانا

Section V10/P057–V10/P059

سمعت محمد بن محمد بن عبيدالله يقول سمعت محمد بن أحمد سنة خمس وثلاثمائة يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول إن العبد على قدر حبه لمولاه يحببه إلى خلقه وعلى قدر توقيره لأمره يوقره خلقه وعلى قدر التشاغل منه بأمره يشغل به خلقه وعلى قدر سكون قلبه على وعده يطيب له عيشه وعلى قدر إدامته لطاعته يحليها في صدر وعلى قدره لهجته بذكره يديم ألطاف بره وعلى قدر استيحاشه من خلقه يؤنسه بعطائه فلو لم يكن لابن آدم الثواب على عمله إلا ما عجل له في دنياه لكان كثيرا سوى ما يريد أن يصير إليه من جزيل جزائه وعظيم إعطائه مالا يحيط به إحصاء ولا تبلغه مني إذ كان يعطي على قدر ما هو أهله إنه ملك كريم أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد ثنا عبدالله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول من سعادة المرء أن يكون خصمه فهما وخصمي لا فهم له قيل له من خصمك قال خصمي نفسي لا فهم لها تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم والخلود فيها بشهوة ساعة في دار الدنيا قال وسمعت يحيى يقول لا تعرفه حتى تعمى عن الخلق قال وسمعته يقول يا ابن آدم إنك لا تشتاق إلى ربك إلا بالاستيحاش من خلقه قال وسمعت يحيى يقول للتائب فخر لا يعادله فخر في جميع أفخاره فرح الله بتوبته قال وسمعت يحيى يقول من ادعى حبه فهو طالب فإذا أحبه سكت قال وسمعت يحيى يقول إذا اصطفاهم لنفسه وأمكنهم من أنسه حجبهم عن خلقه بالمعروف من رفقه قيل له وكيف يحجبهم قال يحجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا وهذا مشهور قال وسمعت يحيى يقول مجد إلهك يحيى إنه ملك مهيمن صمد للذنب غفار اشكر له حكما أتاكها مننا تترى توافقها في الدين آثار قال وسمعت يحيى يقول لو لم يسكنهم ببلواه لطارت بهم نعماه ولم يصل إليه من لم يرض بقسمه ولم يعرفه من لم يتمتع بنعمه ولم يحب من لم يته في كرمه وسمعته يقول حين خاطروا بالنفوس اقتربوا وهذا طعم الخبر فكيف طعم النظر سمعت أبا الحسن محمد بن عمرو الجرجاني يقول سمعت أبا محمد الحسن ابن محمد الرازي المذكر يقول سمعت أبي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أفواه الرجال حوانيتها وشفتاها مغاليقها وأسنانها مخاليبها فإذا فتح الرجل باب حانوته تبين لك العطار من البيطار قال وسمعت يحيى يقول قد دعاك إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه أمن الدنيا أم من قبرك إنك أن أجبته من دنياك دحلتها وإن أجبته من قبرك منعتها قال وسمعت يحيى يقول إن الدرهم عقرب فان لم تحسن رقيته فلا تأخذه بيدك فإنه إن لدغك قتلك قال وسمعته يقول الدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها حسب ما يؤخذ السم في الأدوية لعلكم تسلمون أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى في كتابه قال سمعت منصور بن عبدالله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أولياؤه أسراء نعمه وأصفياؤه رهائن كرمه وأحباؤه عبيد مننه فهم عبيد محبة لا يعتقون ورهائن كرم لا يفكون وأسراء نعم لا يطلقون أخبرنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن علي النهاوندي يقول سمعت موسى بن محمد يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول أهل المعرفة وحش الله في الأرض لا يأنسون إلى أحد والزاهدون غرباء في الدنيا والعارفون غرباء في الآخرة قال وسمعت يحيى يقول ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الغوث ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت أخبرنا عبدالواحد بن بكر حدثني أحمد بن محمد بن علي البردعي ثنا طاهر ابن إسماعيل الرازي قال قيل ليحيى بن معاذ أخبرني عن الله ما هو قال إله واحد قال كيف هو قال ملك قادر قال أين هو قال بالمرصاد قال ليس عن هذا أسألك قال يحيى فذاك صفة المخلوق فاما صفة الخالق فقد أخبرتك

Section V10/P059–V10/P061

حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبدالله بن سهل الرازي يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول عجبت لمن يصبر عن ذكر الله وأعجب منه من صبر عليه كيف لا ينقطع ثم قال ندافع عيشنا بالجهد جهدا مدافعة إلى جهد المنايا قال وسمعت يحيى يقول من صفة العارف خصلتان الآ يذيع حاله لأحد ولا يفتش أحد عن حاله ومن علامة المريد الرضاء بالقضاء والثقة بالوعد والعمل بالإخلاص والشكر على البلاء والتوبة من كل ذنب وامتحان الإرادات قال وسمعت يحيى يقول سبحان من جعل الأرواح روحانية نورانية والأنفاس جولانية هوائية فالأرواح تحن إلى عليين معدانها والأنفاس تحن إلى سجين محبسها حدثنا عثمان بن محمد قال قرىء علي أبي حسن أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت إسماعيل بن معاذ يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول قوم على فرش من الذكر في مجلس من الشوق وبساتين من المناجاة بين رياض الأطراب وقصور الهيبة وفناء مجال الأنس معانقي عرائس الحكمة بصدور الافهام مناعي زفرات الوجد وجوه الآخرة بفنون الأفراح تعاطون بينهم كؤس حبه سقاهم فيها وغوتهم على شربها فرقان الشجي تجري في الأكباد تديم عليهم ذكر الحبيب ويبلبلهم معها هيمان الوجود قال وأنشدني إسماعيل بن معاذ لأخيه يحيى بن معاذ طرب الحب على الحب مع الحب يدوم عجبا لمن رأيناه على الحب يلوم حول حب الله ما عشت مع الشوق أحوم وبه أقعد ما عشت حياتي وأقوم وقال أيضا رحمه الله نفس المحب إلى الحبيب تطلع وفؤاده من حبه يتقطع عز الحبيب إذا خلا في ليله بحبيبه يشكو إليه ويضرع ويقوم في المحراب يشكو بثه والقلب منه إلى المحبة ينزع سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبدالواحد بن بكر يقول سمعت أحمد بن أبي طلحة يقول سمعت محمد بن أحمد الجرجاني يقول سمعت ابن كمال الجرجاني يقول سئل يحيى بن معاذ عن الرقص فأنشأ يقول دققنا الأرض بالرقص على غيب معانيك ولا عيب على الرقص لعبد هائم فيك وهذا دقنا الأرض إذا طفنا بواديك سمعت محمد بن محمد بن عبدالله يقول سمعت الحسن بن علوية يقول نظر يحيى بن معاذ إلى طاقات ريحان وضعها بعض الصبيان في حجرته وقد ذبلت فأتى بالماء يسقيها فقال له ما تصنع قال رأيت هذا الريحان ذابلا قد جففوه بترك سقيه فاعتصر به قلبي فسقيته لأنه هاجت لي فيه عبرة وكأني رأيته يستسقيني بذبوله خاضعا وكان أبوه وأخوه يدعو أنه إلى طلب الدنيا فأنشأ أخوه يقول

Section V10/P061–V10/P063

أترحم أغصنا ذبلت ولانت ولا ترحم أخاك إذا دعاك فقال يحيى مجيبا له رأيت أخي يريد هلاك نفسي ونفسي لا تريد له هلاكا قال وسمعت يحيى بن معاذ يقول وأنشدنا أموت بدائي لا أصيب دوائيا ولا فرجا مما أرى من بلائيا إذا كان داء العبد حب مليكه فمن دونه يرجو طبيبا مداويا قال وأنشدنا يحيى رحمه الله رضيت بسيدي عوضا وأنسا من الأشياء لا أبغي سواه فيا شوقا إلى ملك يراني على ما كنت فيه ولا أراه خلا يستمطر النجم العطايا فيعطى منه أكثر ما رجاه وأنشدنا أيضا أنا إن تبت مناني وإن أذنبت رجاني وإن أدبرت ناداني وإن أقبلت أدناني وإن أحببت والاني وإن أخلصت ناجاني وإن قصرت عافاني وإن أحسنت جازاني حبيبي أنت رحماني أصرف عني أحزاني إليك الشوق من قلبي على سري وإعلاني فيا أكرم من يرجى ويا قديم إحساني ما كنت على هذا إله الناس تنساني لدى الدنيا وفي العقبى على ما كان من شاني قال وأنشدني يحيى تبارك ذو الجلال وذو المحال عزيز الشان محمود الفعال سروري بالسؤال لكي أراه فكيف أسر منه بالنوال فيا ذا العز يا ذا الجود جدلي وغير ما ترى من سوء حالي قال وأنشدني يحيى أشكو إليك ذنوبا لست أنكرها وقد رجوتك يا ذا المن تغفرها من قبل سؤلك لي في الحشر يا أملي يوم الجزاء على الأهوال تذكرها أرجوك تغفرها في الحشر يا أملي إذ كنت سؤلي كما في الأرض تسترها قال وأنشدنا يحيى سلم على الخلق وارحل نحو مولاك واهجر على الصدق والإخلاص دنياك عساك في الحشر تعطى ما تؤمله ويكرم الله ذو الآلاء مثواك سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت محمد بن عبدالله يقول سمعت الحسن ابن علوية يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه ويوم حشره ميزانه أخبرني محمد بن أحمد البغدادي في كتابه وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا عبدالله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول القلوب كالقدور في الصدور تغلي بما فيها ومغارفها ألسنتها فانتظر الرجل حتى يتكلم فأن لسانه يغترف لك ما في قلبه من بين حلو وحامض وعذب وأجاج يخبرك عن طعم قلبه اغتراف لسانه قال وسمعت يحيى يقول إنما صار الفقراء أسعد على الذكر من الأغنياء لأنهم في حبس الله ولو أطلقوا من حصار الفقر لوجدت من ثبت منهم على الذكر قليلا قال وسمعت يحيى يقول من يستفتح أبواب المعاش بغير مفاتيح الأقدار وكل إلى المخلوقين قال وسمعت يحيى يقول الق حسن الظن على الخلق وسوء الظن على نفسك لتكون من الأول في سلامة ومن الآخر على الزيادة قال وسمعت يقول قال ابن السماك حسبي من ثوابك النجاة من عقابك قال وسمعت يحيى يقول أبناء الدنيا يجدون لذة الكلام وأبناء الآخرة يجدون لذة المعاني حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا الحسن بن أبي الحسن البصري ثنا علي ابن جعفر بن أحمد الكاتب قال سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول الدرجات التي يسعى إليها أبناء الآخرة سبع التوبة ثم الزهد ثم الرضا ثم الخوف ثم الشوق ثم المحبة ثم المعرفة فبالتوبة تطهروا من الذنوب وبالزهد خرجوا من الدنيا وبالرضا ألبسوا قراطن العبودية وبالخوف جازوا قناطر النار وبالشوق إلى الجنة استوجبوها وبالمحبة عقلوا النعيم وبالمعرفة وصلوا إلى الله وهو في البحر السابع ولا يزالون فيه أبد الآبدين في الدنيا والآخرة حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرأت في كتاب أبي الحسن الزهري البصري قال قال يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خزانة الله فما الذي يبغض منها وكل شيء من حجر أو مدر أو شجر يسبح الله فيها قال الله تعالى وإن من شيء إلا يسبح بحمده وقال الله تعالى ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فالمجيب له بالطاعة لا يستحق أن يكون بغيضا في قلوب المؤمنين ليعلم أن الذنب والذم زائلان عنها إلى بنى آدم لو كانوا يعلمون

Section V10/P063–V10/P065

أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عثمان بن محمد ثنا عبدالله بن سهل الرازي ثنا يحيى بن معاذ قال اعلموا أنه لا يصح الزهد والعبادة ولا شيء من أمورالطاعة لرجل أبدا وفيه للطمع بقية فأن أردتم الوصول إلى محض الزهد والعبادة فأخرجوا من قلبكم هذه الخصلة الواحدة وكونوا رحمكم الله من أبناء الآخرة وتعاونوا واصبروا وأبشروا تظفروا إن شاء الله واعلموا أن ترك الدنيا هو الربح نفسه الذي ليس بعده أمر أشد منه فأن ذبحتم بتركها نفوسكم أحييتموها وإن أحييتم أنفسكم بأخذها قتلتموها فارفضوها من قلوبكم تصيروا إلى الروح لراحة في الدنيا والآخرة وتصيبوا شرف الدنيا والآخرة وعيش الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون عذبوا أنفسكم في طاعة الله بترك شهواتها قبل أن تلقى الشهوة منها أجسامكم في دبار عاقبتها واعلموا أن القرآن قد ندبكم إلى وليمة الجنة ودعاكم إليها فأسرع الناس إليها أتركهم لدنياه وأوجدهم لذة لطعم تلك الوليمة أشدهم تجويعا لنفسه ومخالفة لها فانه ليس أمر من أمور الطاعة إلا وأنتم تحتاجون أن تخرجوه من بين ضدين مختلفين بجهد شديد وسأظهر لكم هذا الأمر فأني وجدت أمر الإنسان أمرا عجيبا قد كلف الطاعة على خلاف ما كلف سائر الخلق من أهل الأرض والسماء فأحسن النظر فيه وليكن العمل منك فيه على حسب الحاجة منك إليه واستعن بالله فنعم المعين واعلم أنك لم تسكن الدنيا لتتنعم فيها جاهلا وعن الآخرة غافلا ولكنك أسكنتها لتتعبد فيها عاقلا وتمتطي الأيام إلى ربك عاملا فإنك بين دنيا وآخرة ولكل واحدة منهما نعيم وفي وجود احداهما بطول الأخرى فانظر أن تحسن طلب النعيم فقد حكى عن إبراهيم بن أدهم أنه قال غلط الملوك طلبوا النعيم فلم يحسنوا وعلى حسب إقتراب قلبك من الدنيا يكون بعدك من الله وعلى حسب بعد قلبك من الدنيا يكون قربك من الله وكما كان معدوما وجود نفسك في مكانين فكذلك معدوم وجود قلبك في دارين فإن كنت ذا قلبين فدونك اجعل أحدهما للدنيا وأحدهما للآخرة وإن كنت ذا قلب واحد فإجعله لأولى الدارين بالنعيم والمقام والبقاء والانعام واعلم أن النفس والهوى لا تقهران بشيء أفضل من الصوم الدائم وهو بساط العبادة ومفتاح الزهد وطلع ثمرات الخير وأجساد العمال من شجراته دائم الجذاذ دائم الاطعام وهو الطريق إلى مرتبة الصديقين وما دونه فمزرعة الأعمال فثمر غرسها وربيع بذرها في تركها وفقدها في أخذها وليس معنى الترك الخروج من المال والأهل والولد ولكن معنى الترك العمل بطاعة الله وإيثار ما عند الله عليها مأخوذة ومتروكة فهذا معنى الترك لا ما تدعيه المتصوفة الجاهلون أنت من الدنيا بين منزلتين فإن زويت عنك كفيت المؤنة وإن صرفت إليك ألزمتها طاعة مولاك وإن كانت طاعتك لله في شأنها تصلحها ومعصيتك لله في أمرها يفسدها فدع عنك لوم الدنيا واحفظ من نفسك وعملك ما فيه صلاحها فإن المطيع فيها محمود عند الله إنما تلزمه التهمة وعيب الأخذ لها إذا خان الله فيها لأن الدنيا مال الله والخلق عباد الله وهم في هذا المال صنفان خونة وأمناء فإذا وقع المال في أيدي الخائنين فهو سبب دمارهم ولا عتب على المال إنما العتب على فعلهم بالمال وإذا وقع في أيدي الأمناء كان سبب شرفهم وخلاصهم ولا معنى للمال إنما كسب لهم الشرف عند الله فعلهم بالمال أدوا أمانة الله في أموالهم فلحق بهم نفع المال لا ذنب للمال الذنب لك الذنوب إنما تكتسب بالجوارح وليس للضيعة والحانوت جوارح إنما الجوارح لك وبها تكتسب الذنوب فعلك بما لك أسقطك من عين ربك لا مالك وفعلك بمالك يصحبك إلى قبرك لا مالك وفعلك بمالك يوزن يوم القيامة لا مالك

Section V10/P065–V10/P066

حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد المقرىء ثنا الحسن بن علوية الدامغاني قال سمعت يحيى بن معاذ يقول يامن أقام لي غرس ذكري وأجرى إلى أنهار نجوى وجعل لي أيام عيد في اجتماع الورى وأقام لي فيهم أسواق تقوى أقبلت إليك معتمدا عليك ممتلىء القلب من رجائك ورطب اللسان من دعائك في قلبي من الذنوب زفرات ومعي عليها ندامات إن أعطيتني قبلت وإن منعتني رضيت وإن تركتني دعوت وإن دعوتني أجبت فأعطني إلهي ما أريد فأن لم تعطني ما أريد فصبرني على ما تريد قال وسمعت يحيى يقول من أكثر ذكر الموت لم يمت قبل أجله ويدخل عليه ثلاث خصال من الخير أولها المبادرة إلى التوبة والثاني القناعة برزق يسير والثالث النشاط في العبادة ومن حرض على الدنيا فانه لا يأكل فوق ما كتب الله له ويدخل عليه من العيوب ثلاث خصال أولها أن تراه أبدا غير شاكر لعطية الله له والثاني لا يواسى بشيء مما قد أعطي من الدنيا والثالث يشتغل ويتعب في طلب مالم يرزقه الله حتى يفوته عمل الدين حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا بكر البغدادي يقول سمعت عبدالله بن سهل يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول الصبر على ا لناس أشد من ا لصبر على النار قال وسمعت يحيى يقول تأبى القلوب للأسخياء إلا حبا وإن كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغضا وإن كانوا أبرارا وقال يحيى ليس على وجه الأرض أحد إلا وفيه فقر وحرص ولكن من أخلاق المؤمنين أن يكونوا حرصاء على طلب الجنة فقراء إلى ربهم والمنافق حريص على الدنيا فقير إلى الخلق قال وسمعت يحيى يقول قال بعض الحكماء من أصبح لم يكن معه هذه الخصال الثلاث لم يصب طريق العزم أولها كما أن الله لم يعط رزقك اليوم غيرك فلا تعمل لغيره وكما أن الله لم يشارك فيما أعطاك أحدا فلا تشارك في العمل الذي تعمل له يعني الرياء وكما أن الله لم يكلفك اليوم عمل غد فلا تسأله رزق غد على جور حتى إذا لم يعطك شكوته قال وسمعت يحيى يقول إذا لاحظت الأشياء منه كان لها طعم آخر قال وسمعت يحيى يقول ليس بصادق من ادعى حبه ولم يحفظ حده قال وسمعت يحيى يقول سقوط رجل من درجة ادعاؤها قال وسمعت يحيى يقول إذا عملوا على الصدق انطلقت ألسنتهم على الخلق بالشدة وإذا عملوا في التفويض انكسرت ألسنتهم عن الخلق مبهوتين الأول من صفة الزاهدين والثاني من صفة العارفين قال وسمعت يحيى يقول إنما تلقى الزاهد في الدنيا أحيانا ليرفق بعباد الله إذا ذلوا قال وسمعت يحيى يقول من أقام قلبه عند الله سكن ومن أرسله في الناس اضطرب حدثنا عثمان بن محمد قال قرأ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى ثنا إسماعيل بن معاذ عن أخيه يحيى بن معاذ قال قسم الدنيا على البلوى والجنة على التقوى وجوع التوابين تجربة وجوع الزاهدين سياسة وجوع الصديقين تكرمة والجوع طعام يشبع الله منه أبدان الصديقين وإذا امتلأت المعدة خرست الحكمة وأشرف الجوع حالة ينظر إليك فيها العدو فيرحمك وأمقت الشبع حالة ينظر إليك معها الصديق فيستثقلك فالحزن يمنع ا لطعام والخوف يمنع الذنوب والرجاء يقوي على أداء الفرائض وذكر الموت يزهد في الشيء وفي لقاء الأخوان مدافعة ما فضل من النهار وصلاح الأمر في ذلك كله أن يكون على نية

Section V10/P066–V10/P068

حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى بن معاذ يقول تولد الخوف في القلب من ثلاث خصال إدامة الفكر معتبرا والشوق إلى الجنة مشفقا وذكر النار متخوفا والورع من ثلاث خصال من عز النفس وصحة اليقين وتوقع الموت وتمام المعرفة من ثلاث خصال حسن القبول وتقليد العلم وبذل النصح وقال عدم التواضع من فاتته ثلاث خصال علمه بما خلق منه وما يعود إليه والمتواضع من ظن أنه من أذنب أهل الأرض ومن آثر صحبة المساكين وقال لا تتخذوا من القرناء إلا ما فيه ثلاث خصال من حذرك غوائل الذنوب وعرفك مدانس العيوب وسايرك إلى غلام الغيوب وقال شرف المعاد من ثلاث إحتمال الشدائد وإذلال النفس وكراهة المعرفة ومعنى كراهة المعرفة يكره أن يعرف في الناس لا يبتغي معرفة الناس إنما استئناسه بذكر الله في الخلوة ومع الناس وقال غنيمة الآخرة في ثلاثة أشياء الطاعة والبر والعصيان طاعة الرب وبر الوالدين وعصيان الشيطان وقال الفارس في الدين من كان فيه ثلاث خصال حفظ لسانه وإمساك عنانه وصدق بيانه حفظ لسانه لا يتكلم إلا بماله وإمساك عنانه هو في حلبة الأعمال فيمسك عنان إرادته إذا كان لغير الله ويرسله إذا كان لله وصدق بيانه إذا علم شيئا عمل به وثلاثة من السعادة مقلة دامعة وعنق خاضعة وأذن سامعة ولا يجد حلاوة العبادة إلا من فيه ثلاث خصال أن يستأثر الرجلة ويستلذ العزلة ويترقب النقلة الرجلة الإقلال والعزلة الوحدة والنقلة الرحلة إلى القبر وأغبط الناس من سلك طريق آخرته وأصلح شأن عاقبته واجتهد في فكاك رقبته وقال لم أجد السرور إلا في ثلاث خصال التنعم بذكر الله واليأس من عباد الله والطمأنينة إلى موعود الله يعني في الرزق وقال المصيب من عمل ثلاثة أشياء يلقاه من ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى ربه قبل أن وقال عجبت لثلاث وفرحت لثلاث واغتممت لثلاث فالتي عجبت منها فتنة العالم وسرور الانسان بما أصاب من الدنيا وهو تراث من تقدمه وتراث من يخلفه يسلبه ثم يؤخذ بحسابه ومن رتع في أفواه أمانيه في مراتع الموت وفرحت لثلاث إظهار الله آدم على إبليس وهذا ملك وهذا بشر وإخراجه إيانا في هذه الأمة والخصلة الثالثة وهي أشرف الثلاث معرفة الله تعالى واغتممت لثلاث لذنوب أسلفتها وأيام ضيعتها والخصلة الثالثة وفيه الخطر العظيم وقوفي بين يدي الله عز وجل لا أدري ما يبدو لي منه وذلك المقام الشديد يتوقع فيها المحاسب بماذا يختم له أيام ضيعها يعني في الغفلة وترك الإستعداد حدثنا محمد بن عبيد الله ثنا الحسن بن علوية قال سمعت يحيى بن معاذ يقول من لم يكن ظاهره مع العوام فضة ومع المريدين ذهبا ومع العارفين المقربين درا وياقوتا فليس من حكماء الله المريدين قال وسمعت يحيى يقول أحسن شيء كلام صحيح من لسان فصيح في وجه صبيح كلام دقيق مستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق وقال يحيى ثلاثة من الأموال الدراهم والدنانير والدر والياقوت فكلامي في العظات الدراهم وفي الصفات الدنانير وفي المعرفة وكرم الله الدر والياقوت قال الشيخ أبو نعيم رحمه الله كلام يحيى بن معاذ يكثر ويطول اقتصرنا منه على ما أملينا ومن مسانيد حديثه ما حدثنا أبو الحسين محمد بن عبدالله بن عمرو ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن يحيى بن آدم ثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمرو عن عبدالله بن هبيرة قال سمعت أبا تميم يقول سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنكم توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا حدثنا أحمد بن يوسف ثنا الحارث بن أبي أسامة ثنا أبو عبدالرحمن المقرىء ثنا حيوة بن شريح مثله

Section V10/P068–V10/P069

حدثنا محمد بن محمد بن زيد ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن إسماعيل بن نفيع عن أبي داود عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من غني ولا فقير إلا يود يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتا حدثناه أبو بكر الطلحي ثنا عبيد بن عثمان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبدالله بن نمير عن إسماعيل ابن نفيع بن الحارث عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد الجرجاني ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى ابن معاذ ثنا علي بن محمد عن محمد بن فضيل ووكيع عن سفيان عن ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير قال التوكل على الله جماع الإيمان حدثناه أبو بكر ابن مالك ثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا محمد بن فضيل ثنا ضرار عن سعيد مثله وليس فيه ذكر سفيان وهو الصواب حدثنا أبو الحسين ثنا الحسن بن علوية ثنا يحيى بن معاذ ثنا علي بن محمد الطنافسي عن أبي معاوية عن حجاج عن مكحول قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يخلص العبادة لله أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه سعيد بن العباس الرازي ومنهم الواثق بالوصول الناطق بالأصول التارك للفضول له البيان الشافي والكلام الكافي نبذ الآراء وعدد الآلاء عمل على تصفية الباطن فركن إلى لطف الضامن أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي

Section V10/P069–V10/P072

حدثنا أبي ثنا إسحاق بن محمد الزجاج ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي قال أحذرك يا أخي شياطين الإنس والجن كما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر واعلم أن قائدهم إبليس واعرف بقلبك من يدعوك إلى الهلكة ومن يدعوك إلى النجاة واستعن بالله فأن جميع الشر حب الدنيا هل رأيت رجلا عصى الله في التهاون والزهد في الدنيا والرضى بالقليل واحذر الدنيا وأهلها ومن يدعوك إليها فإن المحب للدنيا زعم بلسانه أنه يعبد ربه وهو يعبد هواه ودنياه بقلبه ونيته وغدوه ورواحه وطواعيته وغضبه ورضاه واعلم أن العلماء هم أمناء الرسول عليه الصلاة والسلام وورثة الأنبياء عليهم السلام أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه دعا إلى الزهد في فضول الدنيا والتهاون بها ومن معه من العلماء كانوا يحذرون حلال الدنيا ويشفقون منها أشد من حذر الجهال من حرامها لأنه لا يسلم من الدنيا من ينالها ولا يسلم من شرها من أحبها وأمن مكرها هي حتف أهلها دون الحتف واعلم أن العالم بالله الخائف من الله يهدم بحق الله باطل أهل الرغبة في الدنيا وأن العالم المغتر يطفئ نور الحق بظلمة الباطل واعلم أن الله إذا أراد أن يغني فقيرا أو يفقر غنيا أو يرفع وضيعا أو يضع رفيعا فعل ما أراد من ذلك فلا تغالب الله على أمره ولا تلتمس شيئا من ذلك بغير طاعة الله فإن الذين التمسوا الأمور بغير طاعة الله خسروا خسرانا مبينا فيما أصابوا بما طالبوا وفيما أخطأهم مما أرادوا فانظر إذا كنت إماما أي إمام تكون فربما نجت الأمة بالإمام الواحد وربما هلكت بالإمام الواحد وإنما هما إمامان إمام هدى قال الله عز وجل وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا يعني على الدنيا وإنما صاروا أئمة حين صبروا عن الدنيا ولا يكون إمام هدى حجة لأهل الباطل فإنه قال يهدون بأمرنا لا بأمر أنفسهم ولا بأمور الناس فقال وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين فهذا إمام هدى فهو ومن أجابه شريكان وإمام آخر قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ولا تجد أحدا يدعو إلى النار ولكن الدعاة إلى معصية الله فهذان إمامان هما مثل من الذين خلوامن قبلكم وموعظة للمتقين واعلم أن باب الآخرة مفتوح فادخله تصل إلى رحمة الله ولتكن في كنف الله وحفظه وولايته وستره وأجره ورزقه وكفايته فإن الله لا يخلف الميعاد واعلم أنه ليس بين الله وبين العباد وسيلة إلا طاعته فإنها وسيلة العباد إليه فلا تتوسلوا إلى الله بغير الوسيلة التي جعلها الله سبيلا وسببا إليه فإن ديان الدين إنما يدين العباد غذا بأعمالهم ولا يدينهم بمنازلهم في الدنيا واعلم أنك قد كفيت مؤنة من بعدك فلا تتكلف مؤنة من قد كفيت بإفساد نفسك واعلم أن الناس قبلك قد جمعوا لأولادهم فلم يبق ما جمعوا لهم ولا من جمعوا له واعلم أن لك في الدنيا ولباسها ونعيمها وشهوتها رغبة وإنك والله لئن طلبت النعيم بالتنعم في الدنيا والرغبة فيها ما أحسنت طلبه فأزهد فيها تجد لليقين نورا وترى للترك فضلا وسرورا انظر إليها بالتصغير إذ كان قصيرا فانيا التمس استصغار الدنيا بالتقلل منها واستجلب حلاوة الترك بقصر الأمل فيها قد استدبرت أمورا لك فيها معتبر ومنظر ومتعظ ومزدجر وانظر ما صدر قوم عن معصية الله إلى غير عذاب الله عاجلا أو آجلا إلا من عصمه الله بالتوبة كن عالما عاملا فقد علم أقوام ولم يعملوا ولم يكن علمهم إلا عليهم والعلم والعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه اختر القلة وارتع في رياض المقلين تدرك ثمرة قلبك أما علمت أن النار حفت بالشهوات والجنة حفت بالمكاره اختر ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم وادع إلى ما دعا إليه تكن لله وليا والمرسول أمينا وللمتقين إماما واعلم أن العبد المؤمن ليس بالذي يشكر في السراء فإذا أصابه شيء مما يكره ترك دينه ومن لا خير له فيما يكره فليس له خير فيما يحب فقد جعل الله في الكره خيرا لمن صبر على البلاء واحتسب المصيبة وأحسن الظن بالله وصدق التوكل عليه وآمن بما وعد الله الصابرين كن داعيا إلى الله بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمس الرفعة بالتواضع والتمس الشرف بالدين وليكن ذلك في ترك دنياك لآخرتك تدرك شرف الدنيا والآخرة فإن أكمل إيمان العبد إذا آثر الآخرة على الدنيا واطلب حقيقة الإيمان بردك نفسك عن الدنيا وأجهد نفسك على طلب الآخرة فإن الكيس من دان نفسه وعمل لآخرته والعاجز من تمنى على الله الأماني قال الشيخ أبو نعيم لأبي عثمان الكلام المبسوط في مصنفاته وله من كثرة الأحاديث مسانيد وتفسير ما يقارب الأئمة في الكثرة حدث عن الأعلام عن أبي نعيم وحسين المروزي والقعنبي وأحمد بن شبيب والحميدي وسلمة بن شبيب ومكي وقتيبة وعلي الطنافسي وأبي مسعود والحماني وسهل بن عثمان وابن كاسب وإبراهيم بن موسى

Section V10/P072–V10/P073

سمعت عبدالرحمن بن محمد بن أحمد الواعظ قال سمعت أحمد بن عيسى ابن ماهان قال سمعت سعيد بن العباس الرازي الصوفي بمنى يقول سمعت حاتما الأصم يقول مؤمن عذر جور باشد ومنافق عيب جور باشد ومن مسانيد حديثه ما حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر ثنا خالي عبدالله بن محمود بن الفرج ثنا أبي محمود ثنا أبو عثمان سعيد بن ا لعباس الرازي ثنا أحمد بن عبدالله بن نافع بن ثابت حدثني أبي عن عبدالله بن محمد بن عروة عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي الزبير مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم فجذب عمامتي فالتفت إليه فقال لي يا زبير إن باب الرزق مفتوح من لدن العرش إلى قرار بطن الأرض يرزق الله كل عبد على قدر همته ونهمته حدثنا أبي إسحاق بن محمود بن الفرج ثنا سعيد بن العباس ثنا الحسن ابن محمد الطنافسي ثنا ابن فضيل ثنا أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجاء بالدنيا مصورة يوم القيامة فتقول يا رب اجعلني الرجل من أدنى أهل الجنة منزلة فيقول الله أنت أنتن من ذلك بل أنت وأهلك في النار حدثنا أبي ثنا إسحاق ثنا محمود بن الفرج ثنا أبو عثمان سعيد بن العباس ثنا ابن كاسب ثنا عبدالله بن عبدالله عن الزبير بن الحارث عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يؤكل طعام المتباهين الحارث بن أسد المحاسبي ومنهم المشاهد المراقبي والمساعد المصاحبي أبو عبدالله الحارث بن أسد المحاسبي كان لألوان الحق مشاهدا ومراقبا ولآثار الرسول عليه السلام مساعدا ومصاحبا تصانيفه مدونة مسطورة وأقواله مبوبة مشهورة وأحواله مصححة مذكورة كان في علم الأصول راسخا وراجحا وعن الخوض في الفضول جافيا وجانحا وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحا وقيل إن فعل ذوي العقول الأخذ بالأصول والترك للمفضول واختيار ما اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرني جعفر بن محمد الخواص في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا فيقول اخرج معي نصحن فأقول له تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات فيقول أخرج معي ولا خوف عليك فأخرج معه فكان الطريق فارغا من كل شيء لا نرى شيئا نكرهه فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه قال لي سلني فأقول له ما عندي سؤال أسألك فيقول لي سلني عما يقع في نفسك فتنثال على السؤالات فأسأله عنها فيجيبني عليها للوقت ثم يمضي إلى منزله فيعملها كتبا أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد يقول كنت كثيرا أقول للحارث عزلتي أنسي وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات فيقول لي كم تقول لي أنسي في عزلتي لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسا ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم

Section V10/P073–V10/P075

أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول كان الحارث كثير الضر فاجتاز بي يوما وأنا جالس على بابنا فرأيت في وجهه زيادة الضر من الجوع فقلت له يا عم لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا فقال أو تفعل قلت نعم وتسرني بذلك وتبرني فدخلت بين يديه ودخل معي وعمدت إلى بيت عمي وكان أوسع من بيتنا لا يخلو من أطعمة فاخرة لا يكون مثلها في بيتنا سريعا فجئت بأنواع كثيرة من الطعام فوضعته بين يديه فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها ولا يزددها فخرج وما كلمني فلما كان العد لقيته فقلت يا عم سررتني ثم نغصت علي فقال يا بني أما الفاقة فكانت شديدة وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي قدمته إلي ولكن بيني وبين الله علامة إذا لم يكن الطعام عند الله مرضيا ارتفع إلى أنفى زمنه فورة فلم تقبله نفسي فقد رميت بتلك اللقمة في دهليزكم وخرجت أخبرني جعفر وحدثني عنه أبو الحسن قال سمعت الجنيد يقول مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة وخلف أبوه مالا كثيرا وما أخذ منه حبة واحدة وقال أهل ملتين لا يتوارثان وكان أبوه واقفيا سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا علي بن خيران الفقيه يقول رأيت أبا عبدالله الحارث بن أسد بباب الطاق في وسط الطريق متعلقا بأبيه والناس قد اجتمعوا عليه يقول طلق امرأتك فإنك على دين وهي على غيره سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول حدثني محمد بن إسحاق بن الإمام حدثني أبي قال سألت الحارث بن أسد المحاسبي ما تفسير خير الرزق ما يكفي قال هو قوت يوم بيوم ولا تهتم لرزق غد أخبرني جعفر بن محمد الخواص في كتابه وحدثني عنه أبو علي الحسين بن يحيى بن زكريا الفقيه قال سمعت أبا العباس بن مسروق والجنيد بن محمد يقولان سمعنا الحارث المحاسبي يقول فقدنا ثلاثة أشياء لا نكاد نجدها إلى الممات حسن الصيانة وحسن القول مع الديانة وحسن الإخاء مع الأمانة أخبرني جعفر في كتابه وحدثني عنه أبو طاهر محمد بن إبراهيم بن أحمد قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول بلغني عن الحارث المحاسبي أنه قال العلم يورث المخافة والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة قال وقال الحارث من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة لقوله والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا أخبرني أبو جعفر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث لا ينبغي للعبد أن يطلب الورع بتضييع الواجب وقال قال الحارث إذا أنت لم تسمع نداء الله فكيف تجيب دعى الله ومن استغنى بشيء دون الله فقد جهل قدر الله وقال الظالم نادم وإن مدحه الناس والمظلوم سالم وإن ذمه الناس والقانع غني وإن جاع والحريص فقير وإن ملك أخبرني جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول قال الحارث بن أسد أصل الطاعة الورع وأصل الورع التقوى وأصل التقوى محاسبة النفس وأصل محاسبة النفس الخوف والرجاء وأصل الخوف والرجاء معرفة الوعد والوعيد ومعرفة أصل معرفة الوعد والوعيد عظم الجزاء وأصل ذلك الفكرة والعبرة وأصدق بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت حيث يقول ما حملت من ناقة فوق رحلها أعف وأوفى ذمة من محمد

Section V10/P075–V10/P079

أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني بهذا عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول إن أول المحبة الطاعة وهي منتزعة من حب السيد عز وجل إذ كان هو المبتدئ بها وذلك أنه عرفهم نفسه ودلهم على طاعته وتحبب إليهم على غناه عنهم فجعل المحبة له ودائع في قلوب محبيه ثم ألبسهم النور الساطع في ألفاظهم من شدة نور محبته في قلوبهم فلما فعل ذلك بهم عرضهم سرورا بهم على ملائكته حتى أحبهم الذين ارتضاهم لسكنى أطباق سمواته نشر لهم الذكر الرفيع عن خليقته قبل أن يخلقهم مدحهم وقبل أن يحمدوه شكرهم لعلمه السابق فيهم أنه يبلغهم ما كتب لهم وأخبر به عنهم ثم أخرجهم إلى خليقته وقد استأثر بقلوبهم عليهم ثم رد أبدان العلماء إلى الخليقة وقد أودع قلوبهم خزائن الغيوب فهي معلقة بمواصلة المحبوب فلما أراد أن يحييهم ويحيي الخليقة بهم أسلم لهم هممهم ثم أجلسهم على كرسي أهل المعرفة فاستخرجوا من المعرفة المعرفة بالأدواء ونظروا بنور معرفته إلى منابت الدواء ثم عرفهم من أين يهيج الداء وبما تستعينون على علاج قلوبهم ثم أمرهم بإصلاح الأوجاع وأوعز إليهم في الرفق عند المطالبات وضمن لهم إجاب دعائهم عند طلب الحاجات نادى بخطرات التلبية من عقولهم في أسماع قلوبهم إنه تبارك وتعالى يقول يا معشر الأدلاء من أتاكم عليلا من فقدي فداووه وفارا من خدمتي فردوه وناسيا لأيادي ونعمائي فذكروه لكم خاطبت لأني حليم والحليم لا يستخدم إلا الحلماء ولا يبيح المحبة للبطالين ضنا بما استأثر منها إذ كانت منه وبه تكون فالحب لله هو الحب المحكم الرصين وهو دوام الذكر بالقلب واللسان لله وشدة الأنس بالله وقطع كل شاغل شغل عن الله وتذكار النعم والأيادي وذلك أن من عرف الله بالجود والكرم والأحسان اعتقد الحب له إذ عرفه بذلك أنه عرفه بنفسه وهداه لدينه ولم يخلق في الأرض شيئا إلا وهو مسخر له وهو أكرم عليه منه فإذا عظمت المعرفة واستقرت هاج الخوف من الله وثبت الرجاء قلت خوفا لماذا ورجاء لماذا قال خوفا لما ضيعوا في سالف الأيام لازما لقلوبهم ثم خوفا ثابتا لا يفارق قلوب المحبين خوفا أن يسلبوا النعم إذا ضيعوا الشكر على ما أفادهم فإذا تمكن الخوف من قلوبهم وأشرفت نفوسهم على حمل القنوط عنهم هاج الرجاء بذكر سعة الرحمة من الله فرجاء المحبين تحقيق وقربانهم الوسائل فهم لا يسأمون من خدمته ولا ينزلون في جميع أمورهم إلا عند أمره لمعرفتهم به أنه قد تكفل لهم بحسن النظر ألم تسمع إلى قول الله الله لطيف بعباده فدخلت النعم كلها في اللطف واللطف ظاهر على محبته خاصة دون الخليقة وذلك أن الحب إذا ثبت في قلب عبد لم يكن فيه فضل لذكر أنس ولا جان ولا جنة ولا نار ولا شيء إلا ذكر الحبيب وذكر أياديه وكرمه وذكر ما دفع عن المحبين له من شر المقادير كما دفع عن إبراهيم الخليل عليه السلام وقد أججت النار وتوعده المعاند بلهب الحريق فأراه جل وعز آثار القدرة في مقامه ونصرته لمن قصده ولا يريد به بدلا وذكر ما وعد أولياؤه من زيارتهم إياه وكشف الحجب لهم وأنهم لا يحزنهم الفزع الأكبر في يوم فزعهم إلى معونته على شدائد الأخطار والوقوف بين الجنة والنار قال الحارث وقيل إن الحب لله هو شدة الشوق وذلك أن الشوق في نفسه تذكار القلوب بمشاهدة المعشوق وقد اختلف العلماء في صفة الشوق فقالت فرقة منهم الشوق انتظار القلب دولة الاجتماع وسألت رجلا لقيته في مجلس الوليد بن شجاع يوما عن الشوق متى يصح لمن ادعاه فقال إذا كان لحالته صائنا مشفقا عليها من آفات الأيام وسوء دواعي النفس وقد صدق العالم في قوله وذلك أن المشتاقين لولا أنهم ألزموا أنفسهم التهم والمذلة لسلبوا عذوبات الفوائد التي ترد من الله على قلوب محبيه قلت فما الشوق عندك قال الشوق عندي سراج نور من نور المحبة غير أنه زائد على نور المحبة الأصلية قلت وما المحبة الأصلية قال حب الإيمان وذلك أن الله تعالى قد شهد للمؤمنين بالحب له فقال والذين آمنوا أشد حبا لله فنور الشوق من نور الحب وزيادته من حب الوداد وإنما يهيج الشوق في القلب من نور الوداد فإذا أسرج الله ذلك السراج في قلب عبد من عباده لم يتوهج في فجاج القلب إلا استضاء به وليس يطفئ ذلك السراج إلا النظر إلى الأعمال بعين الأمان فإذا أن على العمل من عدوه لم يجد لأظهاره وحشة السلب فيحل العجب وتشرد النفس مع الدعوى وتحل العقوبات من المولى وحقيق على من أودعه الله وديعة من حبه فدفع عنان نفسه إلى سلطان الأمان يسرع به السلب إلى الافتقاد وقالت امرأة من العوابد والله لو وهب الله لأهل الشوق إلى لقائه حالة لو فقدوها لسلبوا النعيم قيل لها وما تلك الحالة قالت استقلال الكثير من أنفسهم ويعجبون منها كيف صارت مأوى لتلك الفوائد وهي وقيل لبعض العباد أخبرنا عن شوقك إلى ربك ما وزنه في قلبك فقال العابد للسائل لمثلي يقال هذا لا يمكن أن يوزن في القلب شيء إلا بحضرة النفس وإن النفس إذا حضرت أمرا في القلب من ميراث القربة قذفت فيه أسباب الكدورات وقيل لمضر القارئ الخوف أولى بالمحب أم الشوق فقال هذه مسألة لا أجيب فيها ما اطلعت النفس على شيء قط إلا أفسدته وأنشدني عبدالعزيز بن عبدالله في ذلك يقول الخوف أولى بالمسيء إذا ناله والحزن والحب يحسن بالمطيع وبالنقى من الدرن والشوق للنجباء والأبدال عن ذوي الفطن فلذلك قيل الحب هوالشوق لأنك لا تشتاق إلا إلى حبيب فلا فرق بين الحب والشوق إذا كان الشوق فرعا من فروع الحب الأصلي وقيل ان الحب يعرف بشواهده على أبدان المحبين وفي ألفاظهم وكثرة الفوائد عندهم الدوام الاتصال بحبيبهم فإذا واصلهم الله أفادهم فإذا ظهرت الفوائد عرفوا بالحب لله ليس للحب شبح مائل ولا صورة فيعرف بجبلته وصورته وإنما يعرف المحب بأخلاقه وكثرة الفوائد التي يجريها الله على لسانه بحسن الدلالة عليه وما يوحى إلى قلبه فكلما ثبتت أصول الفوائد في قلبه نطق اللسان بفروعها فالفوائد من الله واصلة إلى قلوب محبيه فأبين شواهد المحبة لله شدة النحول بدوام الفكر وطول السهر بسخاء الأنفس على الأنفس بالطاعة وشدة المبادرة خوف المعالجة والنطق بالمحبة على قدر نور الفائدة فلذلك قيل إن علامة الحب لله حلول الفوائد من الله بقلوب من اختصه الله بمحتبه وأنشد بعض العلماء له خصائص يكلفون بحبه اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقهم بودائع وفوائد وبيان فالحب لله في نفسه استنارة القلب بالفرح لقربه من حبيبه فإذا استنار القلب بالفرح استلذ الخلوة بذكر حبيبه فالحب هائج غالب والخوف لقلبه لازم لا هائج إلا أنه قد ماتت منه شهوة كل معصية وهدى لأركان شدة الخوف وحل الأنس بقلبه لله فعلامة الأنس استثقال كل أحد سوى الله فإذا ألف الخلوة بمناجاته حبيبه استغرقت حلاوة المناجاة العقل كله حتى لا يقدر أن يعقل الدنيا وما فيها ومن ذلك قول ضيغم العابد عجبا للخليقة كيف استنارت قلوبهم بذكر غيرك وحدثني أبو محمد قال أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود إن محبتي في خلقي أن يكونوا روحانيين وللروحانية علم هو أن لا يغتموا وأنا مصباح قلوبهم يا داود لا تمزج الغم قلبك فينقص ميراث حلاوة الروحانيين يا داود هممت للخبز أن تأكله وأنت تريدني وتزعم أنك منقطع إلي تدعي محبتي وأنك قد احبتنى وأنت تسيء الظن بي أما كان لك علم فيما بيني وبينك أن كشفت لك الغطاء عن سبع أرضين حتى أريتك دودة في فيها برة تحت سبع أرضين حتى تهتم بالرزق يا داود أقر لي بالعبودية أبحك ثواب العبودية وهو محبتي يا داود تواضع لمن تعلمه ولا تطاول على المريدين فلو يعلم أهل محبتي ما قدر المريدين عندي لكانوا للمريدين أرضا يمشون عليها وللحسوا أقدامهم يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن لي خادما واصبر على المؤونة تأتك المعونة يا داود لأن يخرج على يديك عبد ممن أسكره حب الدنيا حتى تستنقذه من سكرة ما هو فيه سميتك عندي جهبذا ومن كان جهبذا لم تكن به فاقة ولا وحشة إلى أحد من خلقي يا داود من لقيني وهو يحبني أدخلته جنتي

Section V10/P079–V10/P084

أخبرني أبو بكر محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني حدثني أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد المحاسبي يقول علامة أهل الصدق من المحبين غاية أملهم في الدنيا أن تصبر أبدانهم على الدون وأن تخلص لهم النيات من فسادها ومنهم من يريد في الدنيا شواهد ا لكرامات عند سرعة الإجابة وغاية أملهم في بالآخرة أن ينعمهم بنظره إليهم فنعيمها الأسفار وكشف الحجاب حتى لا يمارون في رؤيته والله ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه وحدثني بعض العلماء قال أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي فكيف إذا صاروا إلى جواري واستزرتهم للمقعد عندي أسفرت لهم عن وجهي فهنالك فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب أترانى أنسى لهم عملا كيف وأنا ذو الفضل العظيم أجود على المولين عني فكيف بالمقبلين علي وما غضب على شيء كغضبي على من أخطأ خطيئة ثم استعظمها في جنب عفوي ولو عاجلت أحدا بالعقوبة لعاجلت القانطين من رحمتي ولو يراني عبادي كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم لما اتهموا فضلي وكرمي ولو لم أشكر عبادى إلا على خوفهم من المقام بين يدي لشكرتهم على ذلك ولو يراني عباي كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيقال لمن هذه فأقول لمن عصاني ولم يقطع رجاء مني فأنا الديان الذي لا تحل معصيتي ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي وحدثني بعض إخواني ممن يوثق به قال عاتب الحسن إخوانه في ترك مجالستهم فقال الحسن مجالسة الله أشهى من مجالستكم وذكر الله أشفى من ذكركم أما بلغكم ما أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام يا إبراهيم إنك خليلي فانظر لا أطلع عليك فأجدك شغلت قلبك بغيري فإني إنما أختار لخلتي من لو ألقي في النار وهو في ذكري لم يجد المس النار ألما ومن إذا تراءت له الجنة وقد زخرفت وزينت بحورها وما فيها من النعيم لم يرها بعينه ولا شغل بها عن ذكري فإذا كان كذلك تواترت عليه ألطافي وقربته مني ووهبت له محبتي ومن وهب له محبتي فقد استمسك بحبلي فأي نعمة تعدل ذلك وأي شرف أشرف منه فوعزتي لأرينه وجهي ولأشفين صدره من النظر إلي وقال إبراهيم بن أدهم لو علم الناس لذة حب الله لقلت مطاعمهم ومشاربهم وحرصهم وذلك أن الملائكة أحبوا الله فاستغنوا بذكره عن غيره وسمعت محمد بن الحسين يقول قال عتبة الغلام من عرف الله أحبه ومن أحب الله أطاعه ومن أطاع الله أكرمه ومن أكرمه أسكنه في جواره ومن أسكنه في جواره فطوباه وطوباه والمحب الصادق إذا استنار قلبه بنور حب الوداد نحل جسمه لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول فإذا وردت خطرات الشوق عليه علم أنه من الله تعالى على خلال أربع إما أن يتقبل طاعته فيفوز بثوابها وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام فتقل خطاياه وإما أن يتداركه بنظره فيلحقه بدرجة المحبين تفضلا وإن لم يستحق ذلك فإن فاتته الثلاث لم يفته الرابع إن شاء الله ثواب النصب لله وذلك أن قليل القربة عند الكريم يعتق بها الرقاب من النار فمن نجا من النار فماله منزلة غير الجنة ألم تسمع إلى قوله تعالى فريق في الجنة وفريق في السعير فهل ترى لأحد منزلة بينهما ومن أراد الدخول في عز المحبة فعليه بمفارقة الأحباب والخلوة برب الأرباب فإن قيل فمن أين قلت ذلك فقد حدثني بعض العلماء قال قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله إن كنت تحب أن تكون لله وليا وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة ولا ترغبن فيهما وفرغ نفسك منهما وأقبل بوجهك على الله يقبل الله بوجهه عليك ويلطف بك فإنه بلغني أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام يا يحيى إني قضيت على نفسي أن لا يحبني عبد من عبادي أعلم ذلك منه إلا كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي يتكلم به وقلبه الذي يفهم به فإذا كان ذلك كذلك بغضت إليه الإشتغال بغيري وأدمت فكرته وأسهرت ليله وأظمأت نهاره يا يحيى أنا جليس قلبه وغاية أمنيته وأمله أهب له كل يوم وساعة فيتقرب مني وأتقرب منه أسمع كلامه وأجيب تضرعه فوعزتي وجلالي لأبعثنه مبعثا يغبطه به النبيون والمرسلون ثم آمر مناديا ينادي هذا فلان بن فلان ولي الله وصفيه وخيرته من خلقه دعاه إلى زيارته ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم فإذا جاءني رفعت الحجاب فيما بيني وبينه فنظر إلي كيف شاء وأقول ابشر فوعزتي وجلالي لأشفين صدرك من النظر إلي ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة فإذا توجهت الوفود إليه أقبل عليهم فقال أيها المتوجهون إلى ما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظا وما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلما قال وحدثني الحسين بن أحمد الشامي قال سمعت ذا النون المصري يقول قرأت في التوراة أن الأبرار الذين يؤمنون والذين في سبيل خالقهم يمشون وعلى طاعته يقبضون أولئك إلى وجه الجبار ينظرون فغاية أمل الآمل المحب الصادق النظر إلى وجه الله الكريم فلا ينعمهم في مجلسهم بشيء أكبر عندهم من النظر إلى وجهه وبلغني أنه ينعمهم بعد النظر بأصوات الروحانيين وبتلاوة داود عليه السلام الزبور فلو رأيت داود وقد أتي بمنبر رفيع من منابر الجنة ثم أذن له أن يرقى وأن يسمع حمده وثناءه وقد أنصت له جميع أهل الجنة من الأنبياء والأولياء والروحانيين والمقربين ثم ابتدأ داود بتلاوة الزبور على سكون القلب عند حسن حفظه وترجيعه وتسكنيه الصوت وحسن تقطيعه وقد وكل بها زمعها وفاح منها طربها وقد بدت النواجذ من الضاحكين بحبرة السرور وأجاب داود هواء الملكوت وفتحت مقاصير القصور ثم رفع داود عليه السلام من صوته ليتم سرورهم فلما أسمعهم الرفيع من صوته برز أهل عليين من غرف الجنة وأجابته الحور من وراء سترات الخدور بمفتنات النغم وأطت رحال المنبر واصطفقت الرياح فزعزعت الأشجار فتراسلت الأصوات وتجاوبت النغم وزادهم المليك الفهم ليتم ما بهم من النعم فلولا أن الله كتب لهم فيها البقاء لماتوا فرحا قلت فهل قالت العلماء في صفة يوم الزيارة شيئا تصفهم به قال نعم اجتمع جماعة من العباد فأتوا عابدا في بيته فقالوا له قل خيرا وأوصنا بوصية فقال اقطعوا الدهر إخوتي بمناجاة ربكم واجعلوا الهم هما واحدا فهو أهنأ لعيشكم قيل له فما ميراث ذلك إذا نحن فعلناه فقال ترثوا العز والمنى وتفوزوا بحظكم فلعمري إن الملوك لفى دون ملككم قيل له فمتى نكون ملوكا في الدنيا أو في الآخرة فقال إنما تجعلون ملوكا في الأخرى بزهدكم حين يسنكم العزيز على قدر شكركم فتكونوا في القرب منه على قدر حبكم قالوا فما الذي يقطع بنا عنه عز وجل فقال لأنكم تتمادون في المنى وتناسون فعلكم وأنتم مع ذلك تتمنوا أماني ليس تصلح بمثلكم وذلك أنكم شغلتم عن الإله بإصلاح عيشكم قالوا فبم نستعين على الطاعة قال بذكر حبيب العابدين إنكم لو سقيتم من حبه مثل ما ذاق غيركم لنفى عنكم الرقاد على طيب فرشكم وارتياحا يقل عند المناجاة صبركم ثم أرم ساعة يعنى سكت ثم أقبل عليهم فقال إخوتي لو وردتم في غد عند بعثكم فوق نوق من النجائب معكم نبيكم لترزوروا ماجداواحدا لا يملكم قالوا له فما حال الزوار عنده إذا قصدوه تبارك اسمه معهم نبيهم قال إنهم حين قاربوه تجلى لقربهم فإذا عاينوا المليك تقضت همومهم سمعوا كلامه وسمع كلامهم قالوا فما علامة من سقاه الله بكأس محبته فقال علامته أن يكون عليل الفؤاد بذكر المعاد بطيء الفتور في جميع الأمور كثير الصيام شديد السقام عفيفا كفيفا قلبه في العرش جوال والله مراده في كل الأحوال قلت رحمك الله ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله قال حدثني محمد بن الحسين قال سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه قال أن يطلع على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ففي هذا دليل على أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله كل عمل عمله بالإخلاص لله والإشفاق عليه من عدوه وإن قل ذلك فهو المقبول إذا كان على حقيقة التقوى معمولا كما قال علي بن أبي طالب عمل صالح دائم مع التقوى وإن قل وكيف يقل ما يتقبل وذلك أن المحب لله هو على الركن الأعظم من الإيمان الذي يمكن أن يستكمله العبد ولا يحسن به ادعاؤه وهو ركن المعرفة بالنعم وإظهار الشكر للمنعم وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه يا عبدي أما زهدك في الدنيا فطلبت به الراحة لنفسك وأما انقطاعك إلي فتعززت بي فهل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا فيخبرك أنه جعل الحب والبغض فيه أعظم عنده ثوابا من الزهد في الدنيا والانقطاع إليه قلت له صف لي زهد المحبين وزهد الخائفين وزهد الورعين وزهد المتوكلين فقال إن العباد زهدوا في حلال الدنيا خوفا من شدة الحساب إذ سئلوا عن الشكر فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم وفرقة من الخائفين زهدوا في الحرام خوفا من حلول النقمة فزهد الخائفين ترك الحرام البين وزهد الورعين ترك كل شبهة وزهد المتوكلين ترك الإضطراب فيما قد تكفل به من المعاش لتصديقهم بوفاء الضامن وزهد المحبين قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال فقالت فرقة زهد المحب في الدنيا كلها في حلالها وحرامها لقلتها في نفسه وقالت فرقة أخرى زهد المحب في الجنة دون الدنيا حذرا من أن يقول له حبيبه يا محب أي شيء تركت لي فيقول تركت لك الدنيا فيقول وما قدر الدنيا فيقول يا رب قدرها جناح بعوضة فيلحقه من الحياء من الله أن يقول له تركت لك ما قدره جناح بعوضة ولكن تعلم يا رب أني لم أعبدك إلا بثواب الجنة فقط لا أريد منك غير ذلك وما الجنة مع ذكرك فزهد المحب الصادق في الدنيا هو الزهد في الإخوان الذين يشغلون عن الله فقد زهد فيهم لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم فزهده فهيم على علم بهم

Section V10/P084–V10/P085

أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان بن محمد قبل أن لقيته ثنا أبو العباس بن مسروق قال سمعت الحارث بن أسد يقول من عدم الفهم عن الله فيما وعظ لم يحسن أن يستجلب وعظ حكيم ومن خرج من سلطان الخوف إلى عزة الأمن اتسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة فكشفت عنه ستر العدالة وفضحته شواهد العزة فلا يرى جميلا يرغب فيه ولا قبيحا يأنف عنه فتبسط نفسه إلى ري الشهوات ولا تميل إلى لذيذ الراحات فيستولي عليه الهوى فينقص قدره عند سيده ويشين إيمانه ويضعف يقينه أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أبو العباس بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن الزهد في الدنيا قال هو عندي العزوف عن الدنيا ولذاذتها وشهواتها فتنصرف النفس ويتعزز الهم وانصراف النفس ميلها إلى ما دعا الله إليها بنسيان ما وقع به من طباعها واعتزاز الهم الانقطاع إلى خدمة المولى يضن بنفسه عن خدمة الدنيا مستحيا من الله أن يراه خادما لغيره فانقطع إلى خدمة سيده وتعزز بملك ربه فترحل الدنيا عن قلبه ويعلم أن في خدمة الله شغلا عن خدمة غيره فيلبسه الله رداء عمله ويعتقه من عبوديتها واعتز أن يكون خادما للدنيا لعزة العزيز الذي أعزه بالإعتزاز عنها فصار غنيا من غير مال وعزيزا من غير عشيرة ودرت ينابيع الحكمة من قلبه ونفدت بصيرته وسمت همته ووصل بالوهم إلى منتهى أمنيته فترقى وارتفع ووصل إلى روح الفرج من هموم الأطماع وعذاب الحرص وقيل له كيف تفاوت الناس في الزهد قال على قدر صحة العقول وطهارة القلوب فأفضلهم أعقلهم وأعقلهم أفهمهم عن الله وأفهمهم عن الله أحسنهم قبولا عن الله وأحسنهم قبولا عن الله أسرعهم إلى ما دعا الله عز وجل وأسرعهم إلى ما دعا الله عز وجل أزهدهم في الدنيا وأزهدهم في الدنيا أرغبهم في الآخرة فبهذا تفاوتوا في العقول فكل زاهد زهده على قدر معرفته ومعرفته على قدر عقله وعقله على قدر قوة إيمانه فمن استولى على قلبه وهمه علم كشف الآخرة ونبهه التصديق على القدوم عليها وتبين بقلبه عوار الدنيا ودله بصائر الهدى على سوء عواقبها ومحبة اختيار الله في تركها والموافقة لله في العزوف عنها ترحلت الدنيا عن قلب هذا الموفق وسئل عن علامة الصادق فقال أن يكون بصواب القول ناطقا لسانه محزون ونطقه بالحق موزون طاهر القلب من كل دنس ومصافي مولاه في كل نفس

Section V10/P085–V10/P087

أخبرنا محمد في كتابه قال أنبأنا أحمد بن عبدالله بن ميمون قال قال الحارث بن أسد المنقطع إلى الله عز وجل عن خلقه ظاهره ظاهر أهل الدنيا وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم لأنه صرف قلبه إلى ربه فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه فطاب في الدنيا عيشه وتطهر من آثامه وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم عبيدا إذ لا يملكون له ضرا ولا نفعا فآثر رضاء الله على رضاهم فسخت نفسه بطلب رضى الله وإن سخط جميع خلق الله يرضى الله بسخط كل أحد ولا يسخط الله برضى أحد من خلقه فملاك أمره في جميع ذلك ترك الاشتغال والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه فلا يعجل فيسخطه عليه وقال أسرع الأشياء عظة للقلب وانكسارا له ذكر إطلاع الله بالتعظيم له وأسرع الأشياء إماتة للشهوات لزوم القلب الأحزان وأكثر الأشياء صرفا إزالة الإشتغال بالدنيا من القلوب عند المعاينة والمباشرة لها الاعتبار بها والنظر إلى ما غاب من الآخرة وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم لله من القلب تدبر الآيات والدلائل في التدبير المحكم والصنعة المحكمة المتقنة من السماء والأرض وما بث بينهما من خلقه دلائل ناطقة وشواهد واضحة أن الذي دبرها عظيم قدره نافذ مشيئته عزيز في سلطانه وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا الكمد من بعد الحزن وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات الشوق إلى لقاء العزيز الكبير وأشد الأشياء إزالة للمكابدات في علو الدرجات في منازل العبادات لزوم القلب محبة الرحمن وأنعم الأشياء لقلوب العابدين وأدومها لها سرورا الشوق إلى قرب الله واستماع كلامه والنظر إلى وجهه وأظهرها لقلوب المريدين التوبة النصوح منهم للعرض على رب العاملين فتلك طهارة المتقين ومن بعدها طهارة المحبين وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى الله خلا من ذكر كل قاطع عن الله وزال عنه كل حاجب يحجب عنه فتم بالله سروره وصفا ذكره في قلبه واستنار له سبيل الإعتبار فكانت الدنيا وأهلها عينا ينظر بها إلى ما سترته الحجب من الملكوت فحينئذ دام بالله شغله وطال إليه حنينه وقرت بالله عينه فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله فؤاده فشوقه إلى طلب القرب والحزن أن يحال بينه وبينه أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثي عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن عبدالله بن ميمون قال قلت للحارث بن أسد ما المزهود من أجله قال الذي تجانب الدنيا من أجله خمسة أشياء أحدها أنها مفتنة مشغلة للقلوب عنه والثانية أنها تنقص غدا من درجات من ركن إليها فلا يكون له من الدرجات كمن زهد فيها والثالثة أن تركها قربة وعلو عنده في درجات الجنة والرابعة الحبس في القيامة وطول الوقوف والسؤال عن شكر النعيم بها وفي واحدة من هذه الخصال ما يبعث المريد اللبيب على رفضها ليشتري بها خيرا منها والخامسة أعظم ما رفضوا من أجله موافقة الرب في محبته أن يصغروا ما صغر الله ويقللوا ما قلل الله ويبغضوا ما أبغض الله ويرفضوا ما أحب الله رفضه لو لم ينقصهم من ذلك ولم يشغلهم في دنياهم عن طاعته ولم يغفلوا عن شكره وكان ثواب الرافض لها في الآخرة والراكن إليها واحدا كان الله عز وجل أهلا أن يبغض ما أبغض ويتهاون بما أهان عليه وذلك زهد المحبين له المعظمين المجلين وقد دل الله عز وجل على هذه الخمس خصال بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما نطق به أهل الخاصة من عباده الحكماء العلماء

Section V10/P087–V10/P088

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصر في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا عثمان البلدي يقول بلغني عن الحارث بن أسد أنه قال العلم يورث المخافة والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة وخيار هذه الأمة الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم ولا دنياهم عن آخرتهم ومن صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة ومن اجتهد في باطنه ورثه الله حسن معاملة ظاهره ومن حسن معاملته في ظاهره مع جهد باطنه ورثه الله الهداية إليه لقوله تعالى والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا الآية أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه قبل أن لقيته وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال قال الحارث بن أسد وسئل بم تحاسب النفس قال بقيام العقل على حراسة جناية النفس فيتفقد زيادتها من نقصانها فقيل له ومم تتولد المحاسبة قال من مخاوف النقص وشين البخس والرغبة في زيادة الأرباح والمحاسبة تورث الزيادة في البصيرة والكيس في الفطنة والسرعة إلى إثبات الحجة واتساع المعرفة وكل ذلك على قدر لزوم القلب للتفتيش فقيل له من أين تخلف العقول والقلوب عن محاسبة النفوس قال من طريق غلبة الهوى والشهوة لأن الهوى والشهوة يغلبان العقل والعلم والبيان وسئل مم يتولد الصدق قال من المعرفة بأن الله يسمع ويرى وخوف السؤال عن مثاقيل الذر من إرسال اللفظ وخلف الوعد وتأخير الضمان فالمعرفة أصل للصدق والصدق أصل لسائر أعمال البر فعلى قدر قوة الصدق يزداد العبد في سائر أعمال البر وسئل عن الشكر ما هو قال علم المرء بأن النعمة من الله وحده وأن لا نعمة على خلق من أهل السموات والأرض إلا وبدائعها من الله فشكر الله عن نفسه وعن غيره فهذا غاية الشكر وسئل عن الصبر قال هو المقام على ما يرضي الله تبارك وتعالى بترك الجزع وحبس النفس في مواضع العبودية مع نفي الجزع فقيل له فما التصبر قال حمل النفس على المكاره وتجرع المرارات وتحمل المؤن واحتمال المكابدات لتمحيص الجنايات وقبول التوبة لأن مطلب المتصبر تمحيص الجنايات رجاء الثواب ومطلب الصابر بلوغ ذرى الغايات والمتصبر يجد كثيرا من الآلام والصابر سقط عنه عظيم المكابدات لأن مطلبه العمل على الطيبة والسماحة لعلمه بأن الله ناظر إليه في صبره وأنه يعينه وأن صبره لمولاه لما يرضي مولاه عنه فاحتمل المؤن وفيه يقول الحكيم رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي من الأمر ما فيه رضى من له الأمر وأشجيت أيامي بصبر حلون لي عواقبه والصبر مثل اسمه صبر قيل فكيف السبيل إلى مقام الرضا قال علم القلب بأن المولى عدل في قضائه غير متهم وأن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه فحينئذ أبصرت العقول وأيقنت القلوب وعلمت النفوس وشهدت لها العلوم أن الله أجرى بمشيئته ما علم أنه خير لعبده في اختياره ومحبته وعلمت القلوب أن العدل من واحد ليس كمثله شيء فخرست الجوارح من الإعتراض على من قد علمت أنه عدل في قضائه غير متهم في حكمه فسر القلب من قضائه

Section V10/P088–V10/P090

أخبرنا جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت الجنيد بن محمد يقول سمعت الحارث بن أسد يقول أعلم بأنك لست بشيء إلا بالله وليس لك شيء إلا ما نلت من رضوان الله وأنك إن اتقيته في حقه وقاك شر من دونه ولا يصلح عبد إلا أصلح الله بصلاحه سواه ولا يفسد عبد إلا أفسد الله بفساده غيره فأعداؤك من نفسك طبائعك السيئة وأولياؤك من نفسك طبائعك الحسنة فقاتل ما فيك من ذلك ببغض وقاتل أعداءك بأوليائك وغضبك بحلمك وغفلتك بتفكرك وسهوك يتنبهك فإنك قد منيت وابتليت من معاني طبائعك ومكابدة هواك وعليك بالتواضع فإلزمه وأعلم أن لك من العون عليه أن تذكر الذي أنت فيه والذي تعود إليه والتواضع له وجوه شيء فأشرفها وأفضلها أن لا ترى لك على أحد فضلا وكل من رأيت كن له بالضمير والقلب مفضلا ومن رأيت من أهل الخير رجوت بركته والتمست دعوته وظننت أنه إنما يدفع عنك به فهذا التواضع الأكبر والتواضع الذي يليه أن يكون العبد متواضعا بقلبه متحببا إلى من عرفه غير محتقر لمن خالفه ولا مستطيلا على من هو بحضرته وليس بقريب منه وأما التواضع الثالث فهو اللازم للعباد الواجب عليهم الذي لو تركوه كفروا فالسجود لله وبذلك جاء الحديث إنه من وضع جبهته لله فقد برئ من الكبر وقد من الله تعالى به علينا وعليكم أبلغنا الله وإياكم التواضع الأكبر أخبرنا محمد بن أحمد في كتابه وحدثني عنه أولا عثمان بن محمد ثنا أبو عبدالله أحمد بن عبدالله بن ميمون قال سمعت الحارث بن أسد يقول افهم ما أقول لك وفرغ للفكرة فيه عقلك وأدم له توهمك وتوهمه بذهنك وأحضر لبك واشتغل بذكره وبقطع كل مذكور سواه ومتوهم غيره فإنا خلقنا للبلوى والإختبار وأعد لنا الجنة أو النار فعظم ذلك الخطر وطال به الحزن لمن عقل واذكر حتى تعلم أين يكون المصير والمستقر ذلك بأنه قد عصى الرب وخالف المولى وأصبح وأمسى بين الغضب والرضا لا يدري أيهما قد حل به ووقع فعظم لذلك غمه واشتد به كربه وطال له حزنه حتى يعلم كيف عند الله حاله فإليه فارغب في التوفيق وإياه فسل العفو عن الذنوب واستعن بالله في كل الأمور فالعجب كيف تقر عينك أو يزول الوجل عن قلبك وقد عصيت ربك والموت نازل بك لا محالة بكربه وغصصه ونزعه وسكراته فكأنه قد نزل بك وشيكا فتوهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك فتوهم ذلك بقلب فارغ وهمة هائجة من قلبك بالرحمة لبدنك الضعيف وارجع عما يكره مولاك وترضا عسى أن يرضى عنك واعتبه واستقله عثراتك وابك من خشيته عسى أن يرحم عبراتك فإن الخطب عظيم والموت منك قريب ولامولاك مطلع على سرك وعلانيتك واحدر نظره إليك بالمقت والغضب وأنت لا تشعر فأجل مقامه ولا تستخف بنظره ولا تتهاون بإطلاعه واحذره ولا تتعرض لمقته فإنه لا طاقة لك بغضبه ولا قوة لك بعذابه

Section V10/P090–V10/P092

أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال سئل الحارث بن أسد عن مقام ذكر الموت ما هو عندك مقام عارف أو مستأنف فقال ذكر الموت أولا مقام المستأنف وآخر مقام العارف قيل له بين من أين قلت ذلك قال نعم أما المستأنف فهو المبتدئ الذي يغلب على قلبه الذكر فيترك الزلل مخافة العقاب فكلما هاج ذكر الموت من قلبه ماتت الشهوات عنده وأما العارف فذكره للموت محبة له اختيارا على الحياة وتبرما بالدنيا التي قد سلا قلبه عنها شوقا إلى الله ولقائه رجاء أمل النظر إلى وجهه والنزول في جواره لما غلب على قلبه من حسن الظن بربه كما قيل طال شوق الأبرار إلى الله والله إلى لقائهم أشوق قيل له فكيف نعت ذكر الموت في قلب المستأنف وقلب العارف قال المستأنف إذا حل بقلبه ذكر الموت كرهه وتخير البقاء ليصلح الزاد ويرو الشعث ويهيء الجهاز للعرض والقدوم على الله ويكره أن يفاجئه الموت ولم يقض نهمته في التوبة والإجتهاد والتمحيص فهو يحب أن يلقى الله على غاية الطهارة وأما نعته في قلب العارف فإنه إذا خطر ذكر ورود الموت بقلبه صادقت منه موافق مراده وكره التخلف في دار العاصين وتخير سرعة انقضاء الأجل وقصر الأمل فقيرة إليه نفسه مشتاق إليه قلبه كما روي عن حذيفة بن اليمان حين حضره الموت قال حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم اللهم إن كنت تعلم أن الموت أحب إلي من الحياة فسهل علي الموت حتى ألقاك قال وسئل الحارث عن قول أبي سليمان الداراني ما رجع من وصل لو وصلوا ما رجعوا فقال قول أبي سليمان يحتمل أجوبة كثيرة قيل اشرح منها شيئا قال يمكن أن يكون هذا من أبي سليمان على طريق التحريض للمريدين لئلا يميلوا إلى الفتور ويحترزوا من الإنقطاع ويجدوا في طلب الإتصال والقربة إلى الله عز وجل ويحتمل أن يكون أراد عاليا ما رجع إلى الزلل من وصل إلى صافي العمل ويحتمل ما رجع إلى وحشة الفتور من تقحم في المقامات السنية من الأمور ويحتمل ما رجع إلى ذل عبودية المخلوقين من وصل إلى طيب روح اليقين واستند إلى كفاية الواثقين واعتمد على الثقة بما وعد رب العالمين فعلى هذه المعاني يحتمل الجواب في هذه المسألة على سائر المقامات فبات السائل تلك الليلة عند الحارث فلما أصبح قال الحارث رأيت فيما يرى النائم كأن راكبا وقف وأنا أتكلم في هذه المسألة فقال وهو يشير بيده ما رجع إلى الإنتقاص من وصل إلى الإخلاص قال وسئل الحارث فقيل له رحمك الله البلاء من الله للمؤمنين كيف سببه قال البلاء على ثلاث حجات على المخلطين نقم وعقوبات وعلى المستأنفين تمحيص الجنايات وعلى العارفين من طريق الإختبارات فقيل له صف تفاوتهم فيما تعبدوا به قال أما المخلطون فذهب الجزع بقلوبهم وأسرتهم الغفلة فوقعوا في السخط وأما المستأنفون فأقاموا لله بالصبر في مواطن البلاء حتى تخلصوا ونجوا منه بعد مكابدة ومؤنة وأما العارفون فتلقوا البلاء بالرضا عن الله عز وجل فيما قضى وعلموا أن الله عدل في القضاء فسروا بحلول المكروه لمعرفة عواقب اختيار الله لهم قيل له فما معنى هذه الآية ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم أو لم يعلم قال بلى قد علم ما يكون قبل أن يكون ولكن معنى قوله حتى نعلم حتى نرى المجاهدين في جهادهم والصابرين في صبرهم وقد روي أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إني لحفي بالمريدين لي وإن بعيني ما تحمل المتحملون من أجلي وما يكابد المكابدون في طلب رضائي أتراني أضيع لهم عملا أو أنسى لهم أثرا كيف وأنا ذو الجود أجود بفضلي على المولين عني فكيف بالمقبلين إلي قيل رحمك الله ما الذي أفاد قلوب العارفين وأهل العقل عنه في مخاطبة الآية قال تلقوا المخاطبة من الله بقوة الفهم عن الله حتى كأنهم يسمعون منه وأنه أقرب إليهم في وقت البلاء من أنفسهم إلى أبدانهم فعلموا أنهم بعينه فقووا على إقامة الصبر والرضا في حالة المحن إذ كانوا بعين الله والله تعال يراهم فحين أسقطوا عن قلوبهم الإختيار والتملك بإحتيال قوة ولجوا إليه وطرحوا الكنف بين يديه واستبسلت جوارحهم في رق عبوديته بين يدي مليك مقتدر فشال عند ذلك صرعتهم وأقال عثرتهم وأحاطهم من دواعي الفتور ومن عارض خيانة الجزع وأدخلهم في سرادق حسن الإحاطة من ملمات العدو ونزغاته وتسويله وغروره فأسعفهم بمواد الصبر منه ومنحهم حسن المعرفة والتفويض ففوضوا أمورهم إليه وألجؤا إليه همومهم واستندوا بوثيق حصن النجاة رجاء روح نسيم الكفاية وطيب عيش الطمأنينة وهدو سكون الثقة ومنتهى سرور تواتر معونات المحنة وعظيم جسيم قدر الفائدة وزيادات قدر البصيرة وعلموا أنه قد علم منهم مكنون سرهم وخفى مرادهم ويكون ما حصل في القلوب من يقينهم وما شارت إليه في بواطن أوهامها وسر غيبها فعظم منهم حرص الطلب وغاب منهم مكامن فتور الجد لمعرفة المعذرة فيهم فهؤلاء في مقامات حسن المعرفة وحالات اتساع الهداية وحسن بهاء البصيرة فاعتزوا بعزة الإعتماد على الله فقال له السائل حسبي رحمك الله فقد عرفتني مالم أكن أعرف وبصرتني مالم أكن أبصر وكشفت عن قلبي ظلمة الجهل بنور العلم وفائدة الفهم وزيادات اليقين وثبتني في مقامي وزدتني في قدر رغبتي وروحتني من ضيق خاطري فأرشدك الله إلى سبيل النجاة ووفقك للصواب بمنه ورأفته إنه ولي حميد

Section V10/P092–V10/P094

أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتاب وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال سمعت الجنيد يقول سمعت أبا عبدالله الحارث بن أسد يقول وسئل عن المراقبة لله وعن المراقب لربه فقال إن المراقبة تكون على ثلاث خلال على قدر عقل العاقلين ومعرفتهم بربهم يفترقون في ذلك فإحدى الثلاث الخوف من الله والخلة الثانية الحياء من الله والخلة الثالثة الحب لله فأما الخائف فمراقب بشدة حذر من الله تعالى وغلبة فزع وأما المستحيي من الله فمراقب بشدة انكسار وغلبة إخبات وأما المحب فمراقب بشدة سرور وغلبة نشاط وسخاء نفس مع إشفاق لا يفارقه ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر إطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم أن يراهم غافلين عن مراقبته والمراقبة ثلاث خلال في ثلاثة أحوال أولها التثبت بالحذر قبل العمل بما أوجب الله والترك لما نهى الله عنه مخافة الخطا فإذا تبين له الصواب بالمبادرة إلى العمل بما أوجب الله والترك لما نهى الله مخافة التفريط فإذا دخل في العمل فالتكميل للعمل مخافة التقصير فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطا فغير مراقب لمن يعمل له إذا كان لا يأمن من أن يعمل على غير ما أحب وأمر به ومن لم يبادر ويسارع إلى عمل ما يحب الله بعد ما تبين له الصواب فما راقب إذا بطأ عن العمل لمحبة من يراقبه إذ يراه متثبطا عن القيام بما أمر به ومن لم يجتهد في تكميل عمله فضعيف مقصر في مراقبة من يراقبه إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل وقد علم أن الله جل ثناؤه يحب تكميله وإحكامه وقال سبع خلال يكمل لها عمل المريد وحكمته حضور العقل ونفاد الفطنة وسعة العمل بغير غلط وقهر العقل للهوى وعظم الهم كيف يرضي الرب تعالى والتثبت قبل القول والعمل وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات وأقل المريدين غفلة أدومهم مراقبة مع تعظيم الرقيب والدليل على صدق المراقبة بإجلال الرقيب شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعي الهوى والتثبت بالنظر بنور العلم والتمييز بين الطاعة وما شابهها من الآفات وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة في عين المليك المطلع وشدة الفزع مما يكره خوف المقت والدليل على قوة الخوف شدة الإشفاق مما مضى من السيئات أن لا تغفر وما تقدم من الإحسان أن لا يقبل ودوام الحذر فيما يستقبل أن لا يسلم وعظم الهم من عظيم الرغبة وعظيم الرغبة من كبر المعرفة بعظيم قدر المرغوب فيه وإليه وسمو الهمة يخفف التعب والنصب ويهون الشدائد في طلب الرضوان ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه الهم والنشاط بالدوب دائم والسرور بالمناجاة هائج والصبر زمام النفس عن المهالك وإمساك لها على النجاة فاليقين راحة للقلوب من هموم الدنيا وكاسب لمنافع الدين كلها وحسن الأدب زين للعالم وستر للجاهل من قصر أمله حذر الموت ومن حذر الموت خاف الفوت ومن خاف الفوت قطع الشوق ومن قطع الشوق بادر قبل زوال إمكان الظفر فاجعل التيقظ واعظك والتثبت وكيلك والحذر منبهك والمعرفة دليلك والعلم قائدك والصبر زمامك والفزع إلى الله عز وجل عونك ومن لم توسعه الدنيا غنى ولا رفعة أهلها شرفا ولا الفقر فيها صفة فقد ارتفعت همته وعزفت عن الدنيا نفسه من كانت نعمته السلامة من الآثام ورغب إلى الله في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه وينفعه في آخرته وذكر اطلاع الله إليه ومثل عظيم هول المطلع وأشفق مما يأتي به الخير فقد صدق الله في معاملته وحقق استعمال ما عرفه ربه ومن قدم العزم لله على العمل بمحبته ووفاء لله بعزمه وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن فقد حقق ما علم وراقب الله في أحواله كهف المريد وحرزه التقوى والإستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض وسور النوازل والحذر يورثه النجاة والسلامة والصبر يورثه الرغبة والرهبة وذكر كثرة سوالف الذنوب يورثه شدة الغم وطول الحزن وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض في الطاعات تورثه شدة الإشفاق من رد الإحسان