Qur'an&Sunnah

Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi)

Section V01/P025

المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى الفصل الأول في بيان معنى الاسم والمسمى والتسمية قد كثر الخائضون في الاسم والمسمى وتشعبت بهم الطرق وزاغ عن الحق أكثر الفرق فمن قائل إن الاسم هو المسمى ولكنه غير التسمية ومن قائل إن الاسم غير المسمى ولكنه هو التسمية ومن ثالث معروف بالحذق في صناعة الجدل والكلام يزعم أن الاسم قد يكون هو المسمى كقولنا لله تعالى إنه ذات وموجود وقد يكون غير المسمى كقولنا إنه خالق ورازق فإنهما يدلان على الخلق والرزق وهما غيره وقد يكون بحيث لا يقال إنه المسمى ولا هو غيره كقولنا إنه عالم وقادر فإنهما يدلان على العلم والقدرة وصفات الله لا يقال إنها هي الله تعالى ولا إنها غيره والخلاف يرجع إلى أمرين أحدهما أن الاسم هل هو التسمية أم لا والثاني أن الاسم هل هو المسمى أم لا والحق أن الاسم غير التسمية وغير المسمى وأن هذه ثلاثة أسماء متباينة غير مترادفة ولا سبيل إلى كشف الحق فيه إلا ببيان معنى كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة مفردا ثم بيان معنى قولنا هو هو ومعنى قولنا هو غيره فهذا منهاج الكشف للحقائق ومن عدل عن هذا المنهج لم ينجح أصلا فإن كل علم تصديقي أعني علم ما يتطرق إليه التصديق أو التكذيب فإنه لا محالة لفظه قضية تشتمل على موصوف وصفة ونسبة لتلك الصفة إلى الموصوف فلا بد أن تتقدم عليه المعرفة بالموصوف وحده على سبيل التصور لحده وحقيقته ثم المعرفة بالصفة وحدها على سبيل التصور لحدها وحقيقتها ثم النظر في نسبة تلك الصفة إلى الموصوف أنها موجودة له أو منفية عنه فمن أراد مثلا أن يعلم أن الملك قديم أو حادث فلا بد أن يعرف أولا معنى لفظ الملك ثم معنى القديم والحادث ثم ينظر في إثبات أحد الوصفين للملك أو نفيه عنه فلذلك لا بد من معرفة معنى الاسم ومعنى المسمى ومعنى التسمية ومعرفة معنى الهوية والغيرية حتى يتصور أن يعرف بعد ذلك أنه هو أو غيره فنقول في بيان حد الاسم وحقيقته إن للأشياء وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في اللسان أما الوجود في الأعيان فهو الوجود الأصلي الحقيقي والوجود في الأذهان هو الوجود العلمي الصوري والوجود في اللسان هو الوجود اللفظي الدليلي فإن السماء مثلا لها وجود في عينها ونفسها ثم لها وجود في أذهاننا ونفوسنا لأن صورة السماء تنطبع في أبصارنا ثم في خيالنا حتى لو عدمت السماء مثلا وبقينا لكانت صورة السماء حاضرة في خيالنا وهذه الصورة هي التي يعبر عنها بالعلم وهو مثال المعلوم فإنه محاك للمعلوم ومواز له وهي كالصورة المنطبعة في المرآة فإنها محاكية للصورة الخارجة المقابلة لها وأما الوجود في اللسان فهو اللفظ المركب من أصوات قطعت أربع تقطيعات يعبر عن القطعة الأولى بالسين وعن الثانية بالميم وعن الثالثة بالألف وعن الرابعة بالهمزة وهو قولنا سماء فالقول دليل على ما هو في الذهن وما في الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له ولو لم يكن وجود في الأعيان لم ينطبع صورة في الأذهان ولو لم ينطبع في صورة الأذهان لم يشعر بها إنسان ولو لم يشعر بها الإنسان لم يعبر عنها باللسان فإذا اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنها متطابقة متوازية وربما تلتبس على البليد فلا يميز البعض منها عن البعض وكيف لا تكون هذه الوجودات متمايزة ويلحق كل واحد منها خواص لا يلحق الأخرى فإن ذالإنسان مثلا من حيث أنه موجود في الأعيان يلحقه أنه نائم ويقظان وحي وميت وقائم وماش وقاعد وغير ذلك ومن حيث أنه موجود في الأذهان يلحقه أنه مبتدأ وخبر وعام وخاص وجزئي وكلي وقضية وغير ذلك ومن حيث أنه موجود في اللسان يلحقه أنه عربي وعجمي وتركي وزنجي وكثير الحروف وقليلها وأنه اسم وفعل وحرف وغير ذلك وهذا الوجود يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت في عادة أهل الأمصار فأما الوجود الذي في الأعيان والأذهان فلا يختلف بالأعصار والأمم البتة

Section V01/P025–V01/P028

فإذا عرفت هذا فدع عنك الآن الوجود الذي في الأعيان والأذهان وانظر في الوجود اللفظي فإن غرضنا يتعلق به فنقول الألفاظ عبارة عن الحروف المقطعة الموضوعة بالاختيار الإنساني للدلالة على أعيان الأشياء وهي منقسمة إلى ما هو موضوع أولا وإلى ما هو موضوع ثانيا أما الموضوع أولا فكقولك سماء وشجر وإنسان وغير ذلك وأما الموضوع ثانيا فكقولك اسم وفعل وحرف وأمر ونهي ومضارع وإنما قلنا إنه موضوع وضعا ثانيا لأن الألفاظ الموضوعة للدلالة على الأشياء منقسمة إلى ما يدل على معنى في غيره فيسمى حرفا وإلى ما يدل على معنى في نفسه وما يدل على معنى في نفسه ينقسم إلى ما يدل على زمان وجود ذلك المعنى ويسمى فعلا كقولك ضرب يضرب وإلى ما لا يدل على الزمان ويسمى اسما كقولك سماء وأرض فأولا وضعت الألفاظ دلالات على الأعيان ثم بعد ذلك وضع الاسم والفعل والحرف دلالات على أقسام الألفاظ لأن الألفاظ بعد وضعها أيضا صارت موجودات في الأعيان وارتسمت صورها في الأذهان فاستحقت أيضا أن يدل عليها بحركات اللسان ويتصور الألفاظ أن تكون موضوعة وضعا ثالثا ورابعا حتى إذا قسم الاسم إلى أقسام وعرف كل قسم باسم كان ذلك الاسم في الدرجة الثالثة كما يقال مثلا الاسم ينقسم إلى نكرة وإلى معرفة وغير ذلك والغرض من هذا كله أن تعرف أن الاسم يرجع إلى لفظ موضوع وضعا ثانيا فإذا قيل لنا ما حد الاسم قلنا إنه اللفظ الموضوع للدلالة وربما نضيف إلى ذلك ما يميزه عن الحرف والفعل وليس تحرير الحد من غرضنا الآن إنما الغرض أن المراد بالاسم المعنى الذي هو في الرتبة الثالثة وهو الذي في اللسان دون الذي في الأعيان والأذهان فإذا عرفت أن الاسم إنما يعنى به اللفظ الموضوع للدلالة فاعلم أن كل موضوع للدلالة فله واضع ووضع وموضوع له يقال للموضوع له مسمى وهو المدلول عليه من حيث أنه يدل عليه ويقال للواضع المسمي ويقال للوضع التسمية يقال سمى فلان ولده إذا وضع لفظا يدل عليه ويسمي وضعه تسمية وقد يطلق لفظ التسمية على ذكر الاسم الموضوع كالذي ينادي شخصا ويقول يا زيد فيقال سماه فإن قال يا أبا بكر يقال كناه وكان لفظ التسمية مشتركا بين وضع الاسم وبين ذكر الاسم وإن كان الأشبه أنه أحق بالوضع منه بالذكر ويجري الاسم والتسمية والمسمى مجرى الحركة والتحريك والمحرك والمحرك وهذه أربعة أسام متباينة تدل على معان مختلفة فالحركة تدل على النقلة من مكان إلى مكان والتحريك يدل على إيجاد هذه الحركة والمحرك يدل على فاعل الحركة والمحرك يدل على الشيء الذي فيه الحركة مع كونه صادرا من فاعل لا كالمتحرك الذي لا يدل إلا على المحل الذي فيه الحركة ولا يدل على الفاعل فإذا ظهر الآن مفهومات هذه الألفاظ فلينظر هل يجوز أن يقال فيها إن بعضها هو البعض أو يقال إنه غيره ولا يفهم هذا إلا بمعرفة معنى الغيرية والهوية وقولنا هو هو يطلق على ثلاثة أوجه الوجه الأول يضاهي قول القائل الخمر هي العقار والليث هو الأسد وهذا يجري في كل شيء هو واحد في نفسه وله اسمان مترادفان لا يختلف مفهومهما البتة ولا يتفاوت بزيادة ولا نقصان وإنما تختلف حروفهما فقط وأمثال هذه الأسماء تسمى مترادفة الوجه الثاني يضاهي قول القائل الصارم هو السيف والمهند هو السيف وهذا يفارق الأول فإن هذه الأسامي مختلفة المفهومات وليست مترادفة لأن الصارم يدل على السيف من حيث هو قاطع والمهند يدل على السيف من حيث نسبته إلى الهند والسيف يدل دلالة مطلقة من غير إشارة إلى غير ذلك وإنما المترادفة هي التي تختلف حروفها فقط ولا تتفاوت بزيادة ولا نقصان فلنسم هذا الجنس متداخلا إذ السيف داخل في مفهوم الألفاظ الثلاثة وإن كان بعضها يشير معه إلى زيادة الوجه الثالث أن يقول القائل الثلج أبيض بارد فالأبيض والبارد واحد والأبيض هو البارد فهذا أبعد الوجوه ويرجع ذلك إلى وحدة الموضوع الموصوف بالوصفين معناه أن عينا واحدة موصوفة بالبياض والبرودة

Section V01/P028–V01/P030

وعلى الجملة فقولنا هو هو يدل على كثرة لها وحدة من وجه فإنه إذا لم يكن وحدة لم يمكن أن يقال هو هو واحد وما لم يكن كثرة لم يكن هو هو فإنه إشارة إلى شيئين فلنرجع إلى غرضنا فنقول من ظن أن الاسم هو المسمى على قياس الأسماء المترادفة كما يقال الخمر هي العقار فقد أخطأ جدا لأن مفهوم المسمى غير مفهوم الاسم إذ بينا أن الاسم لفظ دال والمسمى مدلول وقد يكون غير لفظ ولأن الاسم عربي وعجمي وتركي أي موضوع العرب والعجم والترك والمسمى قد لا يكون كذلك والاسم إذا سئل عنه قيل ما هو والمسمى إذا سئل عنه ربما قيل من هو كما إذا حضر شخص فيقال ما اسمه فيقال زيد وإذا سئل عنه قيل من هو وإذا سمي التركي الجميل باسم الهنود قيل اسم قبيح ومسمى حسن وإذا سمي باسم كثير الحروف ثقيل المخارج قيل اسم ثقيل ومسمى خفيف والاسم قد يكون مجازا والمسمى لا يكون مجازا والاسم قد يبدل على سبيل التفاؤل والمسمى لا يتبدل وهذا كله يعرفك أن الاسم غير المسمى ولو تأملت وجدت فروقا كثيرة غير ذلك ولكن البصير يكفيه اليسير والبليد لا يزيده التكثير إلا تحيرا وأما الوجه الثاني وهو أن يقال الاسم هو المسمى على معنى أن المسمى مشتق من الاسم ويدخل فيه كما يدخل السيف في مفهوم الصارم فهذا إن قيل به فيلزم عليه أن يكون التسمية والمسمي والاسم والمسمى كله واحدا لأن الكل مشتق من الاسم ويدل عليه وهذا مجازفة في الكلام وهو كقول القائل الحركة والتحريك والمحرك والمحرك واحد إذ الكل مشتق من الحركة وهو خطأ فإن الحركة تدل على النقلة من غير دلالة على المحل والفاعل والفعل والمحرك يدل على فاعل الحركة والمحرك يدل على محل الحركة مع كونه مفعولا بخلاف المتحرك فإنه يدل على محل الحركة ولا يدل على كونه مفعولا والتحريك يدل على فعل الحركة من غير دلالة على الفاعل والمحل فهذه الحقائق متباينة وإن كانت الحركة غير خارجة عن جميعها ولكن للحركة حقيقة في نفسها تعقل وحدها ثم تعقل نسبتها إلى فاعل وهذه الإضافة غير المضاف إذ الإضافة تعقل بين شيئين والمضاف قد يعقل وحده وتعقل نسبته إلى المحل وهو غير نسبته إلى الفاعل كيف ونسبة الحركة إلى المحل واحتياجها إليه ضروري ونسبتها إلى الفاعل نظري أعني به الحكم بوجود النسبتين دون التصور فكذلك الاسم له دلالة وله مدلول وهو المسمى ووضعه فعل فاعل مختار وهو التسمية ثم ليست هذه المداخلة من قبيل دخول السيف في مفهوم الصارم والمهند لأن الصارم سيف بصفة وكذا المهند فالسيف داخل فيه وليس المسمى اسما بصفة ولا التسمية اسما بصفة فلا يصح فيه هذا التأويل وأما الوجه الثالث الذي يرجع إلى اتحاد المحل مع تعدد الصفة فهو أيضا مع بعده غير جار في الاسم والمسمى ولا في الاسم والتسمية حتى يقال إن شيئا واحدا موضوع لأن يسمى اسما ويسمى تسمية كما كان في مثال الثلج إذ هو معنى واحد موصوف بالبارد والأبيض وإلا هو كقول القائل الصديق رضي الله عنه هو ابن أبي قحافة لأن تأويله أن الشخص الذي وصف بأنه صديق هو الذي نسب بالولادة إلى أبي قحافة فيكون معنى ال هو هو اتحاد الموضوع مع القطع بتباين الصفتين فإن مفهوم الصديق رضي الله عنه غير مفهوم بنوة أبي قحافة فالتأويلات التي تطلق عليها هو هو غير جارية في الاسم والمسمى وفي الاسم والتسمية البتة لا حقيقتها ولا مجازها والحقيقة من جملتها ما يرجع إلى ترادف الأسماء كقولنا الليث هو الأسد بشرط أن لا يكون في اللغة فرق بين مفهوم اللفظين فإن كان بينهما فرق فليطلب له مثال آخر وهذا يرجع إلى اتحاد الحقيقة وكثرة الاسم ولا بد في قولنا هو هو من كثرة من وجه ووحدة من وجه وأحق الوجوه أن تكون الوحدة في المعنى والكثرة في مجرد اللفظ

Section V01/P030–V01/P032

وهذا القدر كاف في الكشف عن هذا الخلاف الطويل الذيل القليل النيل فقد ظهر لك أن الاسم والتسمية والمسمى ألفاظ متباينة المفهوم مختلفة المقصود وإنما يصح على الواحد منها أن يقال هو غير الثاني لا أنه هو لأن الغير في مقابلة الهو هو وأما المذهب الثالث المقسم للاسم إلى ما هو المسمى وإلى ما هو غيره وإلى ما لا هو هو ولا هو غيره فأبعد المذاهب عن السداد وأجمعها لقبول الاضطراب إلا أن يؤول ويقال ما أراد بالاسم الذي قسمه إلى ثلاثة أقسام الاسم نفسه بل أراد به مفهوم الاسم ومدلوله ومفهوم الاسم غير الاسم فإن مفهوم الاسم هو المدلول والمدلول غير الدليل وهذا الانقسام الذي ذكره متطرق إلى مفهوم الاسم فالصواب أن يقال مفهوم الاسم قد يكون ذات المسمى وحقيقته وماهيته وهي أسماء الأنواع التي ليست مشتقة كقولك إنسان وعلم وبياض وما هو مشتق فلا يدل على حقيقة المسمى بل يترك الحقيقة مبهمة ويدل على صفة له كقولك عالم وكاتب ثم المشتق ينقسم وماهيته وهي أسماء الأنواع إلى ما ليست مشتقة كقولك إنسان وعلم وبياض وما هو مشتق إلى ما يدل على وصف حال في المسمى كالعالم والأبيض وإلى ما يدل على إضافة له إلى غير مفارق كالخالق والكاتب وحد القسم الأول كل اسم يقال في جواب ما هو فإنه إذا أشير إلى شخص آدمي وقيل ما هو ليس كقول من هو فجوابه أن يقال إنسان فلو قيل حيوان لم يكن قد ذكر تمام الماهية لأنه ليس تتقوم ماهيته بمجرد الحيوانية لأنه هو هو بأنه حيوان عاقل لا بأنه حيوان فقط ولفظ الإنسان اسم للحيوان العاقل فلو قيل بدل الإنسان أبيض أو طويل أو عالم أو كاتب لم يكن جوابا لأن مفهوم الأبيض شيء مبهم له وصف البياض ما يدري ما ذلك الشيء ومفهوم العالم شيء مبهم له وصف العلم ومفهوم الكاتب شيء مبهم له فعل الكتابة نعم يجوز أن يفهم أن الكاتب إنسان ولكن من أمور خارجة وأدلة زائدة على مفهوم اللفظ وكذلك إذا أشير إلى لون وقيل ما هو فجوابه أنه بياض فلو ذكر اسما مشتقا فقال مشرق أو مفرق لضوء البصر لم يكن جوابا لأن المطلوب بقولنا ما هو حقيقة الذات وماهيتها التي بها هي ما هي والمشرق شيء مبهم له الإشراق والمفرق شيء مبهم له التفريق فهذا التقسيم في مدلول الأسامي ومفهومها صحيح ويجوز أن يعبر عن هذا بأن الاسم قد يدل على الذات وقد يدل على غير الذات ويكون ذلك على سبيل المساهلة في الإطلاق فإن قولنا يدل على غير الذات إن لم يفسر بأنا أردنا به غير الماهية المقولة في جواب ما هو لم يصح فإن العالم يدل على ذات له العلم فقد دل على الذات أيضا ففرق بين أن يقول عالم وبين أن يقول علم لأن العالم يدل على ذات له العلم ولفظ العلم لا يدل إلا على العلم فقوله الاسم قد يكون ذات المسمى فيه خللان ويحتاج فيه إلى إصلاحين أحدهما أن يبدل الاسم بمفهوم الاسم والآخر أن يبدل الذات بماهية الذات فيقال مفهوم الاسم قد يكون حقيقة الذات وماهيتها وقد يكون غير الحقيقة

Section V01/P032–V01/P033

وأما قوله إن الخالق هو غير المسمى إن أراد به لفظ الخالق فاللفظ أبدا هو غير مدلول اللفظ وإن أراد به أن مفهوم اللفظ غير المسمى فهو محال لأن الخالق اسم وكل اسم مفهومه مسماه فإن لم يفهم المسمى منه فليس اسما له والخالق ليس اسما للخلق وإن كان الخلق داخلا فيه والكاتب ليس اسما للكتابة ولا المسمى اسما للتسمية بل الخالق اسم ذات من حيث يصدر عنه الخلق فالمفهوم من الخالق هو الذات أيضا لكن لا حقيقة الذات فقط بل المفهوم هو الذات من حيث له صفة إضافية كما إذا قلنا أب لم يكن المفهوم منه ذات الأب بل المفهوم ذات الأب من حيث إضافته إلى الابن والأوصاف تنقسم إلى إضافية وغير إضافية والموصوف بجميعها الذوات فإن قال قائل الخالق وصف وكل وصف فهو إثبات وليس في مضمون هذا اللفظ إثبات سوى الخلق والخلق غير الخالق وليس للخالق وصف حقيقي من الخلق فلذلك قيل إنه يرجع إلى غير المسمى فنقول قول القائل الاسم يفهم غير المسمى منتاقض كقول القائل الدليل يعرف غير المدلول فإن المسمى عبارة عن مفهوم الاسم فكيف يكون المفهوم غير المسمى والمسمى غير المفهوم وأما قوله إن الخالق لا وصف له من الخلق والكاتب لا وصف له من الكتابة فليس كذلك والدليل على أن له وصفا منه أنه يوصف به مرة وينفى عنه أخرى والإضافة وصف للمضاف ينفي ويثبت كالبياض الذي ليس بمضاف فمن عرف زيدا وبكرا ثم عرف أن زيدا أب لبكر فقد عرف شيئا لا محالة وهذا الشيء إما وصف أو موصوف وليس هو ذات الموصوف بل هو وصف وليس وصفا قائما بنفسه بل هو وصف لزيد فالإضافات من قبيل الأوصاف للمضافات إلا أن مضمونها لا يعقل إلا بالقياس بين شيئين وذلك لا يخرجها عن كونها أوصافا ولو قال القائل ليس الله عز وجل موصوفا بكونه خالقا كفر كما لو قال ليس موصوفا بكونه عالما كفر ولكن إنما وقع هذا القائل في هذا الخبط لأن الإضافة عند المتكلمين غير معدودة في جملة الأعراض مع أنهم إذا قيل لهم ما معنى العرض قالوا إنه الموجود في محل لا يقوم بنفسه وإذا قيل لهم هل الإضافة تقوم بنفسها قالوا لا وإذا قيل لهم هل الإضافة موجودة أم لا قالوا نعم إذ لا يمكنهم أن يقولوا الأبوة معدومة إذ لو كانت الأبوة معدومة لم يكن في العالم أب وإذا قيل لهم الأبوة تقوم بنفسها قالوا لا فيضطرون إلى الاعتراف بأنها موجودة في محل وأنها لا تقوم بنفسها بل تقوم في محل ويعترفون بأن العرض عبارة عن موجود في محل ثم يعودون وينكرون أنه عرض وأما قوله إن من الاسم ما لا يقال إنه المسمى ولا يقال هو غيره فهو أيضا خطأ لأنه سيفسر ذلك بالعالم وهذا إذا اعتذر فيه بأن الشرع لم يأذن في إطلاق ذلك في حق الله عز وجل فربما قيل ليس التصريح بالحق والصدق موقوفا على إذن خاص وربما سومح الآن فيه ورد النظر معه إلى الإنسان إذا وصف بالعلم أفتقول إن العلم ليس غير الإنسان وقد كان الإنسان موجودا ولم يكن العلم وحد العلم غير حد الإنسان لا محالة فإن قال العلم غير الإنسان ولكن إذا قلنا عن شخص واحد إنه عالم وإنه إنسان لم يكن العالم هو الإنسان ولا هو غير الإنسان لأن الإنسان هو الموصوف به قلنا ويلزم هذا من الكاتب والنجار فإن الموصوف به أيضا هو الإنسان

Section V01/P033–V01/P035

على أن الحق فيه التفصيل وهو أن يقال مفهوم لفظ الإنسان غير مفهوم لفظ العالم إذ مفهوم الإنسان حيوان ناطق عاقل ومفهوم العالم شيء مبهم له علم فأحد اللفظين غير اللفظ الآخر ومفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر فهو بهذا الوجه هو غير لا يجوز أن يقال هو هو وبوجه آخر هو هو ولا يجوز أن يقال بذلك الوجه إلا هو غيره وذلك إذا نظرت إلى الذات الواحدة التي توصف بأنها إنسان وأنها عالمة فإن المسمى بالإنسان هو الموصوف بأنه عالم كما أن المسمى بالثلج هو الموصوف بأنه بارد وأبيض فبهذا النوع من النظر والاعتبار هو هو وبالاعتبار الأول هو غيره ومحال في العقل أن يكون الاعتبار واحدا ويكون لا هو هو ولا غيره كما يستحيل أن يكون هو هو وغيره لأن الغير والهو هو متقابلان تقابل النفي والإثبات فليس بينهما واسطة ومن فهم هذا علم أنه إذا أثبت لله عز وجل وصف القدرة والعلم زائدا على الذات فقد أثبت ما هو غير الذات وأثبت للغيرية معنى وإن لم يطلقه لفظا توقفا إلى ورود التوقيف فكيف لا وإذا ذكر حد العلم دخل فيه علم الله عز وجل ولم يدخل فيه قدرته ولا ذاته والخارج عن الحد كيف لا يكون غير الداخل في الحد وكيف لا يجوز لحاد العلم إذا لم يدخل في حده القدرة أن يعتذر ويقول لا يضرني خروج القدرة عن الحد لأني حددت العلم والقدرة غير العلم فلا يلزمني إدخالها في حد العلم فكذلك الذات العالمة غير العلم فلا يلزمني إدخالها في حد العلم فمن استنكر قول القائل الداخل في الحد غير الخارج منه وأحال إطلاق لفظ الغير هاهنا كان من جملة من لم يفهم معنى لفظ الغير وما عندي أنه لا يفهم فإن معنى لفظ الغير ظاهر لكن عساه يقول بلسانه ما ينبو عنه عقله ويكذبه فيه سره وليس الغرض من المحاجة البرهانية اقتناص الألسنة بل اقتناص العقول لتعترف باطنا بما هو الحق أفصح عنه باللسان أو لم يفصح فإن قيل إنما اضطر القائلين بأن الاسم هو المسمى إلى القول به الحذر من أن يقولوا الاسم هو اللفظ الدال بالاصطلاح فيلزمهم القول بأن الله عز وجل لم يكن له اسم في الأزل إذ لم يكن لفظ ولا لافظ فإن اللفظ حادث فنقول هذه ضرورة ضعيفة يهون دفعها إذ يقال معاني الأسماء كانت ثابتة في الأزل ولم تكن الأسماء لأن الأسماء عربية وعجمية وكلها حادثة وهذا في كل اسم يرجع إلى معنى الذات أو صفة الذات مثل القدوس فإنه كان بصفة القدس في الأزل ومثل العالم فإنه كان عالما في الأزل فإنا قد بينا أن الأشياء لها ثلاث مراتب في الوجود أحدها في الأعيان وهذا الوجود موصوف بالقدم فيما يتعلق بذات الله عز وجل وصفاته والثاني في الأذهان وهذا الوجود حادث إذ كانت الأذهان حادثة والثالث في اللسان وهي الأسماء وهذا الوجود أيضا حادث بحدوث اللسان نعم نريد بالثابت في الأذهان المعلوم وهي أيضا إذا أضيفت إلى ذات الله عز وجل كانت قديمة لأن الله عز وجل موجود وعالم في الأزل وكان يعلم أنه موجود وعالم فكان وجوده ثابتا في نفسه وفي علمه أيضا وكانت الأسماء التي سيلهمها عباده ويخلقها في أذهانهم وألسنتهم أيضا معلومة عنده فبهذا التأويل يجوز أن يقال كانت الأسماء في الأزل

Section V01/P035–V01/P037

أما الأسامي التي ترجع إلى الفعل كالخالق والمصور والوهاب فقد قال قوم يوصف بأنه خالق في الأزل وقال آخرون لا يوصف وهذا خلاف لا أصل له فإن الخالق يطلق لمعنيين أحدهما ثابت في الأزل قطعا والآخر منفي قطعا ولا وجه للخلاف فيهما إذ السيف يسمى قاطعا وهو في الغمد ويسمى قاطعا حالة حز الرقبة فهو في الغمد قاطع بالقوة وعند الحز قاطع بالفعل والماء في الكوز مرو ولكن بالقوة وفي المعدة مرو بالفعل ومعنى كون الماء في الكوز مرويا أنه بالصفة التي بها يحصل الإرواء عند مصادفة المعدة وهي صفة المائية والسيف في الغمد قاطع أي هو بالصفة التي بها يحصل القطع إذا لاقى المحل وهي الحدة إذ لا يحتاج إلى أن يستجد وصفا آخر في نفسه فالبارىء سبحانه وتعالى في الأزل خالق بالمعنى الذي به يقال الماء الذي في الكوز مرو وهو أنه بالصفة التي بها يصح الفعل والخلق وهو بالمعنى الثاني غير الخالق أي الخلق غير صادر منه وكذلك هو في الأزل على المعنى الذي به يسمى عالما وقدوسا وغير ذلك ويكون في الأبد كذلك سماه غيره بذلك الاسم أو لم يسم وأكثر أغاليط الجدليين منشؤه عدم التمييز بين معاني الأسامي المشتركة وإذا ميزت ارتفع أكثر اختلافاتهم فإن قيل فقد قال الله تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم 12 يوسف الآية 40 ومعلوم أنهم ما كانوا يعبدون الألفاظ التي هي حروف مقطعة بل كانوا يعبدون المسميات فنقول المستدل بهذا لا يفهم وجه دلالته ما لم يقل إنهم يعبدون المسميات دون الأسماء فيكون في كلامه التصريح بأن الأسماء غير المسميات إذ لو قال القائل العرب كانت تعبد المسميات دون المسميات كان متناقضا ولو قال تعبد المسميات دون الأسماء كان مفهوما غير متناقض فلو كانت الأسماء هي المسميات لكان القول الأخير كالأول ثم يقال معناه أن اسم الآلهة التي أطلقوها على الأصنام كان اسما بلا مسمى لأن المسمى هو المعنى الثابت في الأعيان من حيث دل عليه باللفظ ولم تكن الإلهية ثابتة في الأعيان ولا معلومة في الأذهان بل كانت أساميها موجودة في اللسان فكانت أسامي بلا معان ومن سمي باسم الحكيم ولم يكن حكيما وفرح به قيل فرح بالاسم إذ ليس وراء الاسم معنى وهذا هو الدليل على أن الاسم غير المسمى لأنه أضاف الاسم إلى التسمية وأضاف التسمية إليهم وجعلها فعلا لهم فقال أسماء سميتموها 12 سورة يوسف الآية 40 يعني أسماء حصلت بتسميتهم وفعلهم وأشخاص الأصنام لم تكن هي الحادثة بتسميتهم فإن قيل فقد قال الله تعالى سبح اسم ربك الأعلى 87 سورة الأعلى الآية 1 والذات هي المسبحة دون الاسم قلنا الاسم هاهنا زيادة على سبيل الصفة وعادة العرب بمثله جارية وهو كقوله عز وجل ليس كمثله شيء 42 سورة الشورى الآية 11 ولا يجوز أن يستدل فيقال فيه إثبات المثل إذ قال ليس كمثله شيء 42 سورة الشورى الآية 11 كما يقال ليس كولده أحد إذ فيه إثبات الولد بل الكاف فيه زيادة ولا يبعد أن يكنى عن المسمى بالاسم إجلالا للمسمى كما يكنى عن الشريف بالجناب والحضرة والمجلس فيقال السلام على حضرته المباركة ومجلسه الشريف والمراد به السلام عليه ولكن يكنى عنه بما يتعلق به نوعا من التعلق إجلالا وكذلك الاسم وإن كان غير المسمى فهو متعلق بالمسمى ومطابق له وهذا لا ينبغي أن يلتبس على البصير في أصل الوضع

Section V01/P037–V01/P039

كيف وقد استدل القائلون بأن الاسم غير المسمى بقوله عز وجل ولله الأسماء الحسنى 7 سورة الأعراف الآية 180 وبقوله صلى الله عليه وسلم إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وقالوا لو كان هو المسمى لكان المسمى تسعا وتسعين وهو محال لأن المسمى واحد فاضطر أولئك إلى الاعتراف هاهنا بأن الاسم غير المسمى وقالوا يجوز أن يرد بمعنى التسمية لا بمعنى المسمى كما سلم الآخرون بأن الاسم قد يرد بمعنى المسمى وإن كان هو غير المسمى في الأصل وعليه نزلوا قوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى 87 سورة الأعلى الآية 1 ولم يحسن كل واحد من الفريقين في الاستدلال والجواب جميعا أما قوله سبح اسم ربك الأعلى 87 سورة الأعلى الآية 1 فقد ذكرنا ما فيه وعليه وأما هذا الاستدلال فجوابهم عنه بأن الاسم والمسمى واحد وإنما أريد بالاسم هاهنا التسمية فقط خطأ من وجهين أحدهما أن من يقول الاسم هو المسمى لا يعجز عن أن يقول المسمى هاهنا تسعة وتسعون لأن المراد بالمسمى مفهوم الاسم عند هذا القائل ومفهوم العليم غير مفهوم القدير والقدوس والخالق وغير ذلك بل لكل اسم مفهوم ومعنى على حياله وإن كان الكل يرجع إلى وصف ذات واحدة فكأن هذا القائل يقول الاسم هو المعنى ويمكن أن يقول لله تعالى المعاني الحسنى فإن المسميات هي المعاني وفيها كثرة لا محالة والثاني أن قوله المراد بالاسم هاهنا التسمية خطأ فإنا قد بينا أن التسمية هو ذكر الاسم أو وصفه والتسمية تتعدد وتكثر بكثرة المسمين وإن كان الاسم واحد كما أن الذكر والعلم يكثر بكثرة الذاكرين والعالمين وإن كان المذكور والمعلوم واحدا فكثرة التسمية لا تفتقر إلى كثرة الأسماء لأن ذلك يرجع إلى أفعال المسمين فما أريد بالأسماء هاهنا التسميات بل أريد الأسماء والأسماء هي الألفاظ الموضوعة الدالة على المعاني المختلفة فلا حاجة إلى هذا التعسف في التأويل قيل الاسم هو المسمى أو لم يقل فهذا القدر يكفيك في كشف هذه المسألة وإن كانت المسألة لقلة جدواها لا تستحق هذا الإطناب ولكن قصدنا بالشرح تعليم طريق التعرف لأمثال هذه المباحث لتستعمل في مسائل أهم من هذه المسألة فإن أكثر تطواف النظر في هذه المسألة حول الألفاظ دون المعاني والله أعلم الفصل الثاني في بيان الأسامي المتقاربة في المعنى وأنها هل يجوز أن تكون مترادفة لا تدل إلا على معنى واحد أو لا بد أن تختلف مفهوماتها فأقول الخائضون في شرح هذه الأسامي لم يتعرضوا لهذا الأمر ولم يبعدوا أن يكون اسمان لا يدلان إلا على معنى واحد كالكبير والعظيم والقادر والمقتدر والخالق والبارئ والمصور وهذا مما أستبعده غاية الاستبعاد مهما كان الاسمان من جملة التسعة والتسعين لأن الاسم لا يراد لحروفه بل لمعانيه والأسامي المترادفة لا يختلف إلا حروفها وإنما فضيلة هذه الأسامي لما تحتها من المعاني فإذا خلت عن المعنى لم يبق إلا الألفاظ والمعنى إذا دل عليه بألف اسم لم يكن له فضل على المعنى الذي يدل عليه باسم واحد فيبعد أن يكمل هذا العدد المحصور بتكرير الألفاظ على معنى واحد بل الأشبه أن يكون تحت كل لفظ خصوص معنى فإذا رأينا لفظين متقاربين فلا بد فيه من أحد أمرين أحدهما أن تتبين أن أحدهما خارج عن التسعة والتسعين مثل الأحد والواحد فإن الرواية المشهورة عن أبي هريرة رضي الله عنه ورد فيها الواحد وفي رواية أخرى ورد الأحد بدل الواحد فيكون مكمل العدد معنى التوحيد إما بلفظ الواحد أو بلفظ الأحد فأما أن يقوما في تكميل العدد مقام اسمين والمعنى واحد فهو بعيد عندي جدا

Section V01/P039–V01/P042

الثاني أن نتكلف إظهار مزية لأحد اللفظين على الآخر ببيان اشتماله على دلالة لا يدل عليها الآخر مثاله لو ورد الغافر والغفور والغفار لم يكن بعيدا أن تعد هذه ثلاثة أسام لأن الغافر يدل على أصل المغفرة فقط والغفور يدل على كثرة المغفرة بالإضافة إلى كثرة الذنوب حتى إن من لا يغفر إلا نوعا واحدا من الذنوب قد لا يقال له غفور والغفار يشير إلى كثرة على سبيل التكرار أي يغفر الذنوب مرة بعد أخرى حتى إن من يغفر جميع الذنوب ولكن أول مرة ولا يغفر العائد إلى الذنب مرة بعد أخرى لم يستحق اسم الغفار وكذلك الغني والملك فإن الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء والملك أيضا هو الذي لا يحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء فيكون الملك مفيدا معنى الغنى وزيادة وكذلك العليم والخبير فإن العليم يدل على العلم فقط والخبير يدل على علمه بالأمور الباطنة وهذا القدر من التفاوت يخرج الأسامي عن أن تكون مترادفة وتكون من جنس السيف والمهند والصارم لا من جنس الأسد والليث فإن عجزنا في بعض هذه الأسامي المتقاربة عن هذين المسلكين فينبغي أن نعتقد تفاوتا بين معنى اللفظين وإن عجزنا عن التنصيص على خصوص ما به الافتراق كالعظيم والكبير مثلا فإنه يصعب علينا أن نذكر وجه الفرق بين معنييهما في حق الله تعالى ولكنا لا نشك في أصل الافتراق ولذلك قال عز من قائل الكبرياء ردائي والعظمة إزاري ففرق بينهما فرقا يدل على التفاوت فإن كل واحد من الرداء والإزار زينة للابس ولكن الرداء أشرف من الإزار ولذلك جعل مفتاح الصلاة الله أكبر ولم يقم عند ذوي البصائر النافذة الله أعلم مقامه وكذلك العرب في استعمالها تفرق بين اللفظين إذ تستعمل الكبير حيث لا تستعمل العظيم ولو كانا مترادفين لتواردا في كل مقام تقول العرب فلان أكبر سنا من فلان ولا تقول أعظم سنا وكذلك الجليل غير الكبير والعظيم فإن الجلال يشير إلى صفات الشرف ولذلك لا يقال فلان أجل سنا من فلان ويقال أكبر ويقال العرش أعظم من الإنسان ولا يقال أجل من الإنسان فهذه الأسامي وإن كانت متقاربة المعاني فليست مترادفة وعلى الجملة يبعد الترادف المحض في الأسماء الداخلة في التسعة والتسعين لأن الأسامي لا تراد لحروفها ومخارج أصواتها بل لمفهوماتها ومعانيها فهذا أصل لا بد من اعتقاده الفصل الثالث في الاسم الواحد الذي له معان مختلفة وهو مشترك بالإضافة إليها كالمؤمن مثلا فإنه قد يراد به المصدق وقد يشتق من الأمن ويكون المراد إفادة الأمن والأمان فهل يجوز أن يحمل على كلا المعنيين حمل العموم على مسمياته كما يحمل العليم على العلم بالغيب والشهادة والظاهر والباطن وغير ذلك من المعلومات الكثيرة وهذا إذا نظر إليه من حيث اللغة فبعيد أن يحمل الاسم المشترك على جميع المسميات حمل العموم إذ العرب تطلق اسم الرجل وتريد به كل واحد من الرجال وهذا هو العموم ولا تطلق اسم العين وتريد به عين الشمس والدينار وعين الميزان والعين المنفجرة من الماء والعين الباصرة من الحيوان وهذا هو اللفظ المشترك بل تطلق مثل ذلك لإرادة أحد معانيه وتميز ذلك بالقرينة وقد حكي عن الشافعي رضي الله عنه في الأصول أنه قال الاسم المشترك يحمل على جميع مسمياته إذا ورد مطلقا ما لم تدل قرينة على التخصيص وهذا إن صح منه فهو بعيد بل مطلق لفظ العين مبهم في اللغة لا يتعين به واحد من مسمياته إلا أن تدل قرينة على التعيين

Section V01/P042–V01/P045

فأما التعميم فربما خالف وضع الشرع وضع اللسان نعم فيما تصرف الشرع فيه من الألفاظ لا يبعد أن يكون من وضعه وتصرفه إطلاق اللفظ لإرادة جميع المعاني فيكون اسم المؤمن بالشرع محمولا على المصدق ومفيدا الأمن بوضع شرعي لا بوضع لغوي كما أن اسم الصلاة والصيام قد اختص بتصرف الشرع ببعض أمور لا يقتضي وضع اللغة ذلك فهذا غير بعيد لو كان عليه دليل ولكن لم يدل دليل على أن الشرع قد غير الوضع فيه والأغلب على ظني أنه لم يغير وأن من قال من المصنفين إن الاسم الواحد من أسماء الله عز وجل إذا احتمل معاني ولم يدل العقل على إحالة شيء منها حمل على الجميع بطريق العموم فقد أبعد فيه نعم من المعاني ما يتقارب تقاربا يكاد يرجع الاختلاف فيه إلى الإضافات فيقرب شبهه من العموم فالتعميم فيه أقرب كالسلام فإنه يحتمل أن يكون المراد سلامته من العيب والنقص ويحتمل أن يكون المراد سلامة الخلق به ومنه فهذا وأمثاله أشبه بالعموم فإذا ثبت أن الميل الأظهر إلى منع التعميم فطلب التعيين لبعض المعاني لا يكون إلا بالاجتهاد فيكون الحامل للمجتهد على تعيين بعض المعاني إما أنه أليق كمفيد الأمان فإنه أليق بالمدح في حق الله عز وجل من التصديق فإن التصديق أليق بغيره إذ يجب على الكل الإيمان به والتصديق بكلامه فإن رتبة المصدق فوق رتبة المصدق وإما أن يكون أحد المعنيين لا يؤدي إلى الترادف بين اسمين كحمل المهيمن على غير الرقيب فإنه أولى من الرقيب لأن الرقيب قد ورد والترادف بعيد كما ذكرناه وإما أن يكون أحد المعنيين أظهر في التعارف وأسبق إلى الإفهام لشهرته أو أدل على الكمال والمدح فهذا وما يجري مجراه ينبغي أن يعول عليه في بيان الأسامي ولا نذكر لكل اسم إلا معنى واحدا نراه أقرب ونضرب عما عداه صفحا إلا إذا رأيناه مقاربا في الدرجة لما ذكرناه فأما تكثير الأقاويل المختلفة فيه مع أنا لا نرى تعميم الألفاظ المشتركة فلا نرى فيه فائدة الفصل الرابع في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه اعلم أن من لم يكن له حظ من معاني أسماء الله عز وجل إلا بأن يسمع لفظه ويفهم في اللغة معنى تفسيره ووضعه ويعتقد بالقلب وجود معناه في الله تعالى فهو مبخوس الحظ نازل الدرجة ليس يحسن به أن يتبجح بما ناله فإن سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة حاسة السمع التي بها تدرك الأصوات وهذه رتبة تشارك البهيمة فيها وأما فهم وضعه في اللغة فلا يستدعي إلا معرفة العربية وهذه رتبة يشارك فيها الأديب اللغوي بل الغبي اللغوي البدوي وأما اعتقاد ثبوت معناه لله سبحانه وتعالى من غير كشف فلا يستدعي إلا فهم معاني الألفاظ والتصديق بها وهذه رتبة يشارك فيها العامي بل الصبي فإنه بعد فهم الكلام إذا ألقي إليه هذه المعاني تلقاها وتلقنها واعتقدها بقلبه وصمم عليها وهذه درجات أكثر العلماء فضلا عن غيرهم ولا ينكر فضل هؤلاء بالإضافة إلى من لم يشاركهم في هذه الدرجات الثلاث ولكنه نقص ظاهر بالإضافة إلى ذروة الكمال فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين بل حظوظ المقربين من معاني أسماء الله تعالى ثلاثة الحظ الأول معرفة هذه المعاني على سبيل المكاشفة والمشاهدة حتى يتضح لهم حقائقها بالبرهان الذي لا يجوز فيه الخطأ وينكشف لهم اتصاف الله عز وجل بها انكشافا يجري في الوضوح والبيان مجرى اليقين الحاصل للإنسان بصفاته الباطنة التي يدركها بمشاهدة باطنه لا بإحساس ظاهر وكم بين هذا وبين الإعتقاد المأخوذ من الآباء والمعلمين تقليدا والتصميم عليه وإن كان مقرونا بأدلة جدلية كلامية

Section V01/P045–V01/P047

الحظ الثاني من حظوظهم استعظامهم ما ينكشف لهم من صفات الجلال على وجه ينبعث من الاستعظام يشوقهم إلى الاتصاف بما يمكنهم من تلك الصفات ليقربوا بها من الحق قربا بالصفة لا بالمكان فيأخذوا من الاتصاف بها شبها بالملائكة المقربين عند الله عز وجل ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام صفة واستشرافها إلا ويتبعه شوق إلى تلك الصفة وعشق لذلك الكمال والجلال وحرص على التحلي بذلك الوصف إن كان ذلك ممكنا للمستعظم بكماله فإن لم يكن بكماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة ولا يخلو عن هذا الشوق أحد إلا لأحد أمرين إما لضعف المعرفة واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال وإما لكون القلب ممتلئا بشوق آخر مستغرقا به فالتلميذ إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به إلا إذا كان مملوءا بالجوع مثلا فإن استغراق باطنه بشوق القوت ربما يمنع انبعاث شوق العلم ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله تعالى خاليا بقلبه عن إرادة ما سوى الله عز وجل فإن المعرفة بذر الشوق ولكن مهما صادف قلبا خاليا عن حسيكة الشهوات فإن لم يكن خاليا لم يكن البذر منجحا الحظ الثالث السعي في اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها والتحلي بمحاسنها وبه يصير العبد ربانيا أي قريبا من الرب تعالى وبه يصير رفيقا للملأ الأعلى من الملائكة فإنهم على بساط القرب فمن ضرب إلى شبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقربة لهم إلى الحق تعالى فإن قلت طلب القرب من الله عز وجل بالصفة أمر غامض تكاد تشمئز القلوب عن قبوله والتصديق به فزده شرحا تكسر به سورة إنكار المنكرين فإن هذا كالمنكر عند الأكثرين إن لم تكشف حقيقته فأقول لا يخفى عليك ولا على من ترعرع قليلا من درجة عوام العلماء أن الموجودات منقسمة إلى كاملة وناقصة والكامل أشرف من الناقص ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد حتى لم يكن الكمال المطلق إلا له ولم يكن للموجودات الأخر كمال مطلق بل كانت لها كمالات متفاوتة بالإضافة فأكملها أقرب لا محالة إلى الذي له الكمال المطلق أعني قربا بالرتبة والدرجة لا بالكمال ثم الموجودات منقسمة إلى حية وميتة وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت وأن درجات الأحياء ثلاثة درجة الملائكة ودرجة الإنس ودرجة البهائم ودرجة البهائم أسفل في نفس الحياة التي بها شرفها لأن الحي هو الدراك الفعال وفي إدراك البهيمة نقص وفي فعلها نقص أما إدراكها فنقصانه أنه مقصور على الحواس وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو بقرب منها فالحس معزول عن الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب فإن الذوق واللمس يحتاجان إلى المماسة والسمع والبصر والشم يحتاج إلى القرب وكل موجود لا يتصور فيه المماسة والقرب فالحس معزول عن إدراكه في الحال وأما فعلها فهو أنه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما وليس لها عقل يدعو إلى أفعال مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب وأما الملك فدرجته أعلى الدرجات لأنه عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخس أقسام الموجودات ثم هو مقدس عن الشهوة والغضب فليست أفعاله بمقتضى الشهوة والغضب بل داعيه إلى الأفعال أمر أجل من الشهوة والغضب وهو طلب التقرب إلى الله عز وجل

Section V01/P047–V01/P048

وأما الإنسان فإن درجته متوسطة بين الدرجتين وكأنه مركب من بهيمية وملكية والأغلب عليه في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أولا من الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه بالآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السموات والأرض من غير حاجة إلى حركة بالبدن وطلب قرب أو مماسة مع المدرك به بل مدركه الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان وكذلك المستولي عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة وكذلك إن فطم نفسه عن الجمود على الخيالات والمحسوسات وأنس بإدراك أمور تجل عن أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها أخر من الملائكة فإن خاصية الحياة الإدراك والعقل وإليهما يتطرق النقصان والتوسط والكمال ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصيتين كان أبعد عن البهيمية وأقرب من الملك والملك قريب من الله عز وجل والقريب من القريب قريب فإن قلت فظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين الله تعالى لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيها له ومعلوم شرعا وعقلا أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء فأقول مهما عرفت معنى المماثلة المنفية عن الله عز وجل عرفت أنه لا مثل له ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة افترى أن الضدين يتماثلان وبينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه وهما متشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضا وفي كونه لونا وفي كونه مدركا بالبصر وأمور أخر سواها أفترى أن من قال إن الله عز وجل موجود لا في محل وإنه سميع بصير عالم مريد متكلم حي قادر فاعل والإنسان أيضا كذلك فقد شبه وأثبت المثل هيهات ليس الأمر كذلك ولو كان كذلك لكان الخلق كلهم مشبهة إذ لا أقل من إثبات المشاركة في الوجود وهو موهم للمشابهة بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية والفرس وإن كان بالغا في الكياسة لا يكون مثلا للإنسان لأنه مخالف له بالنوع وإنما يشابهه بالكياسة التي هي عارضة خارجة عن الماهية المقومة لذات الإنسانية والخاصية الإلهية أنه الموجود الواجب الوجود بذاته الذي عنه يوجد كل ما في الإمكان وجوده على أحسن وجوه النظام والكمال وهذه الخاصية لا يتصور فيها مشاركة البتة والمماثلة بها لا تحصل فكون العبد رحيما صبورا شكورا لا يوجب المماثلة ككونه سمعيا بصيرا عالما قادرا حيا فاعلا بل أقول الخاصية الإلهية ليست إلا لله تعالى ولا يعرفها إلا الله ولا يتصور أن يعرفها إلا هو أو من هو مثله وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فإذا الحق ما قاله الجنيد رحمه الله حيث قال لا يعرف الله إلا الله ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا اسما حجبه به فقال سبح اسم ربك الأعلى 87 سورة الأعلى الآية 1 فوالله ما عرف الله غير الله في الدنيا والآخرة وقيل لذي النون وقد أشرف على الموت ماذا تشتهي فقال أن أعرفه قبل أن أموت ولو بلحظة وهذا الآن يشوش قلوب أكثر الضعفاء ويوهم عندهم القول بالنفي والتعطيل وذلك لعجزهم عن فهم هذا الكلام

Section V01/P048–V01/P050

وأنا أقول لو قال القائل لا أعرف الله كان صادقا ولو قال أعرف الله كان صادقا ومعلوم أن النفي والإثبات لا يصدقان معا بل يتقاسمان الصدق والكذب فإن صدق النفي كذب الإثبات وبالعكس ولكن إذا اختلف وجه الكلام تصور الصدق في القسمين وهو كما لو قال القائل لغيره هل تعرف الصديق أبا بكر رضي الله عنه فقال والصديق ممن يجهل ولا يعرف أو يتصور في العالم من لا يعرفه مع ظهوره واشتهاره وانتشار اسمه فهل على المنابر إلا حديثه وهل في المساجد إلا ذكره وهل على الألسنة إلا ثناؤه ووصفه لكان هذا القائل صادقا ولو قيل لآخر هل تعرفه فقال ومن أنا حتى أعرف الصديق هيهات لا يعرف الصديق سوى الصديق أو من هو مثله أو فوقه ومن أين لي أن أدعي معرفته أو أطمع فيها وإنما مثلي يسمع اسمه وصفته فأما أن يدعي معرفته فذلك محال فهذا أيضا صادق وله وجه وهو أقرب إلى التعظيم والاحترام وهكذا ينبغي أن يفهم قول من قال أعرف الله وقول من قال لا أعرف الله بل لو عرضت خطا منظوما على عاقل وقلت هل تعرف كاتبه فقال لا صدق ولو قال نعم كاتبه هو الإنسان الحي القادر السميع البصير السليم اليد العالم بصناعة الكتابة فإذا عرفت كل هذا منه فكيف لا أعرفه فهذا أيضا صدق ولكن الأحق والأصدق قوله لا أعرفه فإنه بالحقيقة ما عرفه وإنما عرف احتياج الخط المنظوم إلى كاتب حي عالم قادر سميع بصير سليم اليد عالم بصناعة الكتابة ولم يعرف الكاتب نفسه فكذلك الخلق كلهم لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع مدبر حي عالم قادر وهذه المعرفة لها طرفان أحدهما يتعلق بالعالم ومعلومه احتياجه إلى مدبر والآخر يتعلق بالله عز وجل ومعلومه أسامي مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات وماهيتها فإنا قد بينا أنه إذا أشار المشير إلى شيء وقال ما هو لم يكن ذكر الأسماء المشتقة جوابا أصلا فلو أشار إلى شخص حيوان فقال ما هو فقيل طويل أو أبيض أو قصير أو أشار إلى ماء فقال ما هو فقيل بأنه بارد أو أشار إلى نار وقال ما هو فقيل حار فكل ذلك ليس بجواب عن الماهية البتة والمعرفة بالشيء هي معرفة حقيقته وماهيته لا معرفة الأسامي المشتقة فإن قولنا حار معناه شيء مبهم له وصف الحرارة وكذلك قولنا قادر وعالم معناه شيء مبهم له وصف العلم والقدرة فإن قلت فقولنا إنه الواجب الوجود الذي عنه وحده يوجد كل ما في الإمكان وجوده عبارة عن حقيقته وحده وقد عرفنا هذا فأقول هيهات فقولنا واجب الوجود عبارة عن استغنائه عن العلة والفاعل وهذا يرجع إلى سلب السبب عنه وقولنا يوجد عنه كل موجود يرجع إلى إضافة الأفعال إليه وإذا قيل لنا ما هذا الشيء وقلنا هو الفاعل لم يكن جوابا وإذا قلنا هو الذي له علة لم يكن جوابا فكيف قولنا هو الذي لا علة له لأن كل ذلك نبأ عن غير ذاته وعن إضافة له إلى ذاته إما بنفي أو إثبات وكل ذلك أسماء وصفات وإضافات فإن قلت فما السبيل إلى معرفته فأقول لو قال لنا صبي أو عنين ما السبيل إلى معرفة لذة الوقاع وإدراك حقيقته قلنا هاهنا سبيلان أحدهما أن نصفه لك حتى تعرفه والآخر أن تصبر حتى تظهر فيك غريزة الشهوة ثم تباشر الوقاع حتى تظهر فيك لذة الوقاع فتعرفه وهذا السبيل الثاني هو السبيل المحقق المفضي إلى حقيقة المعرفة

Section V01/P050–V01/P052

فأما الأول فلا يفضي إلا إلى توهم وتشبيه للشيء بما لا يشبهه إذ غايتنا أن نمثل لذة الوقاع عنده بشيء من اللذات التي يدركها العنين كلذة الطعام والشراب الحلو مثلا فنقول له أما تعرف أن السكر لذيذ فإنك تجد عند تناوله حالة طيبة وتحس في نفسك راحة قال نعم قلنا فالجماع أيضا كذلك أفترى أن هذا يفهمه حقيقة لذة الجماع كما هي حتى ينزل في معرفته منزلة من ذاق تلك اللذة وأدركها هيهات إنما غاية هذا الوصف إيهام وتشبيه خطأ وتفهيم ومشاركة في الاسم أما الإيهام فهو أنه يتوهم أن ذلك أمر طيب على الجملة وأما التشبيه فهو أنه يشبهه بحلاوة السكر وهو خطأ إذ لا مناسبة بين حلاوة السكر ولذة الوقاع وأما المشاركة في الاسم فهو أنه يعلم أنه مستحق أن يسمى لذة ومهما ظهرت الشهوة وذاق علم قطعا أنه لا يشبهه حلاوة السكر وأن ما كان توهمه لم يكن على الوجه الذي توهمه نعم يعلم أن الذي كان قد سمع من اسمه وصفته وأنه لذيذ وطيب كان صادقا بل كان أصدق عليه منه على حلاوة السكر فكذلك لمعرفة الله سبحانه وتعالى سبيلان أحدهما قاصر والآخر مسدود أما القاصر فهو ذكر الأسماء والصفات وطريقة التشبيه بما عرفناه من أنفسنا فإنا لما عرفنا أنفسنا قادرين عالمين أحياء متكلمين ثم سمعنا ذلك في أوصاف الله عز وجل أو عرفناه بالدليل فهمناه فهما قاصرا كفهم العنين لذة الوقاع بما يوصف له من لذة السكر بل حياتنا وقدرتنا وعلمنا أبعد من حياة الله عز وجل وقدرته وعلمه من حلاوة السكر من لذة الوقاع بل لا مناسبة بين البعيدين وفائدة تعريف الله عز وجل بهذه الأوصاف أيضا إيهام وتشبيه ومشاركة في الاسم لكن يقطع التشبيه بأن يقال ليس كمثله شيء فهو حي لا كالأحياء وقادر لا كالقادرين كما تقول الوقاع لذيذ كالسكر ولكن تلك اللذة لا تشبه هذه البتة ولكن تشاركها في الاسم وكأنا إذا عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف إلا أنفسنا ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا إن الله سميع ولا الأكمه يفهم معنى قولنا إنه بصير ولذلك إذا قال القائل كيف يكون الله عز وجل عالما بالأشياء فنقول كما تعلم أنت الأشياء فإذا قال فكيف يكون قادرا فنقول كما تقدر أنت فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه فيعلم أولا ما هو متصف به ثم يعلم غيره بالمقايسة إليه فإن كان لله عز وجل وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه في الاسم ولو مشاركة حلاوة السكر لذة الوقاع لم يتصور فهمه البتة فما عرف أحد إلا نفسه ثم قايس بين صفات الله تعالى وصفات نفسه وتتعالى صفاته عن أن تشبه صفاتنا فتكون هذه معرفة قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه فينبغي أن تقترن بها المعرفة بنفي المشابهة وينفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم وأما السبيل الثاني المسدود فهو أن ينتظر العبد أن تحصل له الصفات الربوبية كلها حتى يصير ربا كما ينتظر الصبي أن يبلغ فيدرك تلك اللذة وهذا السبيل مسدود ممتنع إذ يستحيل أن تحصل تلك الحقيقة لغير الله تعالى وهذا هو سبيل المعرفة المحققة لا غير وهو مسدود قطعا إلا على الله تعالى فإذا يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة غير الله بل أقول يستحيل أن يعرف النبي غير النبي وأما من لا نبوة له فلا يعرف من النبوة إلا اسمها وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا بالتشبيه بصفات نفسه

Section V01/P052–V01/P054

بل أزيد وأقول لا يعرف أحد حقيقة الموت وحقيقة الجنة والنار إلا بعد الموت ودخول الجنة أو النار لأن الجنة عبارة عن أسباب ملذة ولو فرضنا شخصا لم يدرك قط لذة لم يمكننا أصلا أن نفهمه الجنة تفهيما يرغبه في طلبها والنار عبارة عن أسباب مؤلمة ولو فرضنا شخصا لم يقاس قط ألما لم يمكننا قط أن نفهمه النار فإذا قاساه فهمناه إياه بالتشبيه بأشد ما قاساه وهو ألم النار وكذلك إذا أدرك شيئا من اللذات فغايتنا أن نفهمه الجنة بالتشبيه بأعظم ما ناله من اللذات وهي المطعم والمنكح والمنظر فإن كان في الجنة لذة مخالفة لهذه اللذات فلا سبيل إلى تفهيمه أصلا إلا بالتشبيه بهذه اللذات كما ذكرناه في تشبيه لذة الوقاع بحلاوة السكر ولذات الجنة أبعد من كل لذة أدركناها في الدنيا من لذة الوقاع عن لذة السكر بل العبارة الصحيحة عنها أنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فإن مثلناها بالأطعمة قلنا مع ذلك لا كهذه الأطعمة وإن مثلناها بالوقاع قلنا لا كالوقاع المعهود في الدنيا فكيف يتعجب المتعجبون من قولنا لم يحصل أهل الأرض والسماء معرفة من الله تعالى إلا على الصفات والأسماء ونحن نقول لم يحصلوا من الجنة إلا على الصفات والأسماء وكذلك في كل ما سمع الإنسان اسمه وصفته وما ذاقه وما أدركه ولا انتهى إليه ولا اتصف به فإن قلت فماذا نهاية معرفة العارفين بالله تعالى فنقول نهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه وأنه لا يمكنهم البتة معرفته وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا الله عز وجل فإذا انكشف لهم ذلك انكشافا برهانيا كما ذكرناه فقد عرفوه أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته وهو الذي أشار إليه الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه حيث قال العجز عن درك الإدراك إدراك بل هو الذي عناه سيد البشر صلوات الله عليه وسلامه حيث قال لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولم يرد به أنه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه بل معناه إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط بها وحدك فإذا لا يحظى مخلوق في ملاحظة حقيقة ذاته إلا بالحيرة والدهشة وأما اتساع المعرفة فإنها تكون في معرفة أسمائه وصفاته فإن قلت فبماذا تتفاوت درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفته إن كان لا يتصور معرفته فأقول قد عرفت أن للمعرفة سبيلين أحدهما السبيل الحقيقي وذلك مسدود إلا في حق الله تعالى فلا يهتز أحد من الخلق لنيله وإدراكه إلا ردته سبحات الجلال إلى الحيرة ولا يشرئب أحد لملاحظته إلا غضت الدهشة طرفه وأما السبيل الثاني وهو معرفة الصفات والأسماء فذلك مفتوح للخلق وفيه تتفاوت مراتبهم فليس من يعلم أنه عز وجل عالم قادر على الجملة كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السموات والأرض وخلق الأرواح والأجساد واطلع على بدائع المملكة وغرائب الصنعة ممعنا في التفصيل ومستقصيا دقائق الحكمة ومستوفيا لطائف التدبير ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله عز وجل نائلا لتلك الصفات نيل اتصاف بها بل بينهما من البون العظيم ما لا يكاد يحصى وفي تفاصيل ذلك ومقاديره يتفاوت الأنبياء والأولياء

Section V01/P054–V01/P056

ولن يصل إلى فهمك هذا إلا بمثال ولله المثل الأعلى سورة النحل / الآية 60 ولكنك تعلم أن العالم التقي الكامل مثلا مثل الشافعي رضي الله عنه يعرفه بواب داره ويعرفه المزني رحمه الله تلميذه فالبواب يعرفه أنه عالم بالشرع ومصنف فيه ومرشد خلق الله عز وجل إليه على الجملة والمزني يعرفه لا كمعرفة البواب بل معرفة محيطة بتفاصيل صفاته ومعلوماته بل العالم الذي يحسن عشرة أنواع من العلوم لا يعرفه بالحقيقة تلميذه الذي لم يحصل إلا نوعا واحدا فضلا عن خادمه الذي لم يحصل شيئا من علومه بل الذي حصل علما واحدا فإنما عرف على التحقيق عشره إن ساواه في ذلك العلم حتى لم يقصر عنه فإن قصر عنه فليس يعرف بالحقيقة ما قصر عنه إلا بالاسم وإيهام الجملة وهو أنه يعرف أنه يعلم شيئا سوى ما علمه فكذلك فافهم تفاوت الخلق في معرفة الله تعالى بقدر ما انكشف لهم من معلومات الله عز وجل وعجائب مقدوراته وبدائع آياته في الدنيا والآخرة والملك والملكوت تزداد معرفتهم بالله عز وجل وتقرب معرفتهم من معرفة الحقيقة من معرفة الله تعالى فإن قلت فإذا لم يعرفوا حقيقة الذات واستحال معرفتها فهل عرفوا الأسماء والصفات معرفة تامة حقيقية قلنا هيهات ذلك أيضا لا يعرفه بالكمال والحقيقة إلا الله عز وجل لأنا إذا علمنا أن ذاتا عالمة فقد علمنا شيئا مبهما لا ندري حقيقته لكن ندري أن له صفة العلم فإن كانت صفة العلم معلومة لنا حقيقة كان علمنا بأنه عالم علما تاما بحقيقة هذه الصفة وإلا فلا ولا يعرف أحد حقيقة علم الله عز وجل إلا من له مثل علمه وليس ذلك إلا له فلا يعرفه أحد سواه وإنما يعرفه غيره بالتشبيه بعلم نفسه كما أوردنا من مثال التشبيه بالسكر وعلم الله عز وجل لا يشبه علم الخلق البتة فلا يكون معرفة الخلق به معرفة تامة حقيقية بل إيهامية تشبيهية ولا تتعجبن من هذا فإني أقول لا يعرف الساحر إلا الساحر نفسه أو ساحر مثله أو فوقه فأما من لا يعرف السحر وحقيقته وماهيته لا يعرف من الساحر إلا اسمه ويعرف أن له علما وخاصية لا يدري ما ذلك العلم إذ لا يدري معلومه ولا يدري ما تلك الخاصية نعم يدري أن تلك الخاصية وإن كانت مبهمة فهي من جنس العلوم وثمرتها تغيير القلوب وتبديل أوصاف الأعيان والتفريق بين الأزواج وهذا بمعزل عن معرفة حقيقة السحر ومن لم يعرف حقيقة السحر لا يعرف حقيقة الساحر لأن الساحر من له خاصية السحر وحاصل اسم الساحر أنه اسم مشتق من تلك الصفة إن كانت مجهولة فهو مجهول وإن كانت معلومة فهو معلوم والمعلوم من السحر لغير الساحر وصف عام بعيد عن الماهية وهو أنه من جنس العلوم فإن اسم العلم ينطلق عليه فكذلك الحاصل عندنا من قدرة الله عز وجل أنه وصف ثمرته وأثره وجود الأشياء وينطلق عليه اسم القدرة لأنه يناسب قدرتنا مناسبة لذة الوقاع لذة السكر وهذا كله بمعزل عن حقيقة تلك القدرة نعم كلما ازداد العبد إحاطة بتفاصيل المقدورات وعجائب الصنع في ملكوت السموات كان حظه من معرفة صفة القدرة أوفر لأن الثمرة تدل على المثمر كما أنه كلما ازداد التلميذ إحاطة بتفاصيل علوم الأستاذ وتصانيفه كانت معرفته له أكمل واستعظامه له أتم فإلى هذا يرجع تفاوت معرفة العارفين ويتطرق إليه تفاوت لا يتناهى لأن ما لا يقدر الآدمي على معرفته من معلومات الله تعالى لا نهاية له وما يقدر عليه أيضا لا نهاية له وإن كان ما يدخل منه في الوجود متناهيا ولكن مقدور الآدمي من العلوم لا نهاية له نعم الخارج إلى الوجود متفاوت في الكثرة والقلة وبه يظهرالتفاوت وهو كالتفاوت بين الناس في القدرة الحاصلة لهم بالغنى بالمال فمن واحد يملك الدانق والدرهم ومن آخر يملك ألافا فكذلك العلوم بل التفاوت في العلوم أعظم لأن المعلومات لا نهاية لها وأعيان الأموال أجسام والأجسام متناهية لا يتصور أن تنتفي النهاية عنها

Section V01/P056–V01/P060

فإذا قد عرفت كيف يتفاوت الخلق في بحار معرفة الله عز وجل وأن ذلك لا نهاية له وعرفت أن من قال لا يعرف الله غير الله فقد صدق وأن من قال لا أعرف إلا الله فقد صدق أيضا فإنه ليس في الوجود إلا الله عز وجل وأفعاله فإذا نظر إلى أفعاله من حيث هي أفعاله وكان مقصور النظر عليه ولم يره من حيث هو سماء وأرض وشجر بل من حيث أنه صنعه فلم يجاوز معرفته حضرة الربوبية فيمكنه أن يقول ما أعرف إلا الله وما أرى إلا الله عز وجل ولو تصور شخص لا يرى إلا الشمس ونورها المنتشر في الآفاق يصح منه أن يقول ما أرى إلا الشمس فإن النور الفايض منها هو من جملتها ليس خارجا منها وكل ما في الوجود نور من أنوار القدرة الأزلية وأثر من آثارها وكما أن الشمس ينبوع النور الفايض على كل مستنير فكذلك المعنى الذي قصرت العبارة عنه فعبر عنه بالقدرة الأزلية للضرورة وهو ينبوع الوجود الفابض على كل موجود فليس في الوجود إلا الله عز وجل فيجوز أن يقول العارف لا أعرف إلا الله ومن العجائب أن يقول لا أعرف إلا الله ويكون صادقا ويقول لا يعرف الله إلا الله عز وجل ويكون أيضا صادقا ولكن ذلك بوجه وهذا بوجه ولو كذبت المتناقضات إذا اختلفت وجوه الاعتبارات لما صدق قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى سورة الأنفال الآية 17 ولكنه صادق لأن للرمي اعتبارين هو منسوب إلى العبد بأحدهما ومنسوب إلى الرب تعالى بالثاني فلا تناقض فيه ولنقبض هاهنا عنان البيان فقد خضنا لجة بحر لا ساحل له وأمثال هذه الأسرار لا ينبغي أن تبتذل بإيداع الكتب وإذ جاء هذا عرضا غير مقصود فلنكف عنه ولنرجع إلى شرح معاني أسماء الله الحسنى على التفصيل الفن الثاني في المقاصد والغايات وفي فصول ثلاثة الفصل الأول في شرح معاني أسماء الله التسعة والتسعين وهي التي اشتملت عليها رواية أبي هريرة رضي الله عنه إذ قال قال رسول صلى الله عليه وسلم إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما مئة إلا واحدا إنه وتر يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور فأما قوله الله فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي فإن كل موجود سواه غير مستحق الوجود بذاته وإنما استفاد الوجود منه فهو من حيث ذاته هالك ومن الجهة التي تليه موجود فكل موجود هالك إلا وجهه والأشبه أنه جار في الدلالة على هذا المعنى مجرى أسماء الأعلام وكل ما ذكر في اشتقاقه وتعريفه تعسف وتكلف فائدة اعلم أن هذا الإسم أعظم أسماء الله عز وجل التسعة والتسعين لأنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء وسائر الأسماء لا يدل آحادها إلا على آحاد المعاني من علم أو قدرة أو فعل أو غيره ولأنه أخص الأسماء إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الأسماء قد يسمى به غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيره فلهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء دقيقة

Section V01/P060–V01/P063

معاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الإسم كالرحيم والعليم والحليم والصبور والشكور وغيره وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على الله عز وجل وأما معنى هذا الاسم فخاص خصوصا لا يتصور فيه مشاركة لا بالمجاز ولا بالحقيقة ولأجل هذا الخصوص يوصف سائر الأسماء بأنها اسم الله عز وجل ويعرف بالإضافة إليه فيقال الصبور والشكور والملك والجبار من أسماء الله عز وجل ولا يقال الله من أسماء الشكور والصبور لأن ذلك من حيث هو أدل على كنه المعاني الإلهية وأخص بها فكان أشهر وأظهر فاستغني عن التعريف بغيره وعرف غيره بالإضافة إليه تنبيه ينبغي أن يكون حظ العبد من هذا الاسم التأله وأعني به أن يكون مستغرق القلب والهمة بالله عز وجل لا يرى غيره ولا يلتفت إلى سواه ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه وكيف لا يكون كذلك وقد فهم من هذا الإسم أنه الموجود الحقيقي الحق وكل ما سواه فان وهالك وباطل إلا به فيرى أولا نفسه أول هالك وباطل كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال أصدق بيت قالته العرب قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل الرحمن الرحيم اسمان مشتقان من الرحمة والرحمة تستدعي مرحوما ولا مرحوم إلا وهو محتاج والذي ينقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية بالمحتاج لا يسمى رحيما والذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادرا على قضائها لم يسم رحيما إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزا فقد يسمى رحيما باعتبار ما اعتوره من الرقة ولكنه ناقص وإنما الرحمة التامة إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم والرحمة العامة هي التي تتناول المستحق وغير المستحق ورحمة الله عز وجل تامة وعامة أما تمامها فمن حيث أنه أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها وأما عمومها فمن حيث شمولها المستحق وغير المستحق وعم الدنيا والآخرة وتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما فهو الرحيم المطلق حقا دقيقة الرحمة لا تخلو عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم والرب سبحانه وتعالى منزة عنها فلعلك تظن أن ذلك نقصان في معنى الرحمة فاعلم أن ذلك كمال وليس بنقصان في معنى الرحمة أما أنه ليس بنقصان فمن حيث أن كمال الرحمة بكمال ثمرتها ومهما قضيت حاجة المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظ في تألم الراحم وتفجعه وإنما تألم الراحم لضعف نفسه ونقصانها ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئا بعد أن قضيت كمال حاجته وأما أنه كمال في معنى الرحمة فهو أن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يقصد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة بل كمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل المرحوم لا لأجل الاستراحة من ألم الرقة فائدة الرحمن أخص من الرحيم ولذلك لا يسمى به غير الله عز وجل والرحيم قد يطلق على غيره فهو من هذا الوجه قريب من اسم الله تعلى الجاري مجرى العلم وإن كان هذا مشتقا من الرحمة قطعا ولذلك جمع الله عز وجل بينهما فقال قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى 17 سورة الإسراء / الآية 110 فيلزم من هذا الوجه ومن حيث منعنا الترادف في الأسماء المحصاة أن يفرق بين معنى الاسمين فبالحري أن يكون المفهوم من الرحمن نوعا من الرحمة هي أبعد من مقدروات العباد وهي ما يتعلق بالسعادة الأخروية فالرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد أولا وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا وبالإسعاد في الآخرة ثالثا والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا تنبيه

Section V01/P063–V01/P065

حظ العبد من اسم الرحمن أن يرحم عباد الله الغافلين فيصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله عز وجل بالوعظ والنصح بطريق اللطف دون العنف وأن ينظر إلى العصاة بعين الرحمة لا بعين الإزراء وأن يكون كل معصية تجري في العالم كمصيبة له في نفسه فلا يألو جهدا في إزالتها بقدر وسعه رحمة لذلك العاصي أن يتعرض لسخط الله ويستحق البعد من جواره وحظه من اسم الرحيم أن لا يدع فاقة لمحتاج إلا يسدها بقدر طاقته ولا يترك فقيرا في جواره وبلده إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره إما بماله أو جاهه أو السعي في حقه بالشفاعة إلى غيره فإن عجز عن جميع ذلك فيعينه بالدعاء وإظهار الحزن بسبب حاجته رقة عليه وعطفا حتى كأنه مساهم له في ضره وحاجته سؤال وجوابه لعلك تقول ما معنى كونه تعالى رحيما وكونه أرحم الراحمين والرحيم لا يرى مبتلى ومضرورا ومعذبا ومريضا وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى إماطته والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية ودفع كل فقر وغمة وإماطة كل مرض وإزالة كل ضرر والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا وهو قادر على إزالة جميعها وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن فجوابك إن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهرا والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وأن الأم له عدو في صورة صديق فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا والرحيم يريد الخير للمرحوم لا محالة وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير لو رفع ذلك الشر لبطل الخير الذي في ضمنه وحصل ببطلانه شرا أعظم من الشر الذي يتضمنه فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر وفي ضمنه الخير الجزيل وهو سلامة البدن ولو ترك قطع اليد لحصل هلاك البدن ولكان الشر أعظم وقطع اليد لأجل سلامة البدن شر في ضمنه خير ولكن المراد الأول السابق إلى نظر القاطع السلامة التي هي خير محض ثم لما كان السبيل إليه قطع اليد قصد قطع اليد لأجله فكانت السلامة مطلوبة لذاتها أولا والقطع مطلوبا لغيره ثانيا لا لذاته فهما داخلان تحت الإرادة ولكن أحدهما مراد لذاته والآخر مراد لغيره والمراد لذاته قبل المراد لغيره ولأجله قال الله عز وجل سبقت رحمتي غضبي فغضبه إرادته للشر والشر بإرادته ورحمته إرادته للخير والخير بإرادته ولكن إذا أراد الخير للخير نفسه وأراد الشر لا لذاته ولكن لما في ضمنه من الخير فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعرض وكل بقدر وليس في ذلك ما ينافي الرحمة أصلا فالآن إن خطر لك نوع من الشر لا ترى تحته خيرا أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكنا لا في ضمن الشر فاتهم عقلك القاصر في أحد الخاطرين أما في قولك إن هذا الشر لا خير تحته فإن هذا مما تقصر العقول عن معرفته ولعلك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرا محضا أو مثل الغبي الذي يرى القتل قصاصا شرا محضا لأنه ينظر إلى خصوص شخص المقتول لأنه في حقه شر محض ويذهل عن الخير العام الحاصل للناس كافة ولا يدري أن التوصل بالشر الخاص إلى الخير العام خير محض لا ينبغي للغير أن يهمله أو اتهم عقلك في الخاطر الثاني وهو قولك إن تحصيل ذلك لا في ضمن ذلك الشر ممكن فإن هذا أيضا دقيق غامض فليس كل محال وممكن مما يدرك إمكانه واستحالته بالبديهة ولا بالنظر القريب بل ربما عرف ذلك بنظر غامض دقيق يقصر عنه الأكثرون فاتهم عقلك في هذين الطرفين ولا تشكن أصلا في أنه أرحم الراحمين وفي أنه سبقت رحمته غضبه ولا تستريبن في أن مريد الشر للشر لا للخير غير مستحق لاسم الرحمة وتحت هذا الغطاء سر منع الشرع عن إفشائه فاقنع بالإيماء ولا تطمع في الإفشاء ولقد نبهت بالرمز والإيماء إن كنت من أهله فتأمل

Section V01/P065–V01/P067

لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي هذا حكم الأكثرين وأما أنت أيها الأخ المقصود بالشرح فلا أظنك إلا مستبصرا بسر الله عز وجل في القدر مستغنيا عن هذه التحويمات والتنبيهات الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاج إليه كل موجود بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في وجوده ولا في بقائه بل كل شيء فوجوده منه أو مما هو منه فكل شيء سواه هو له مملوك في ذاته وصفاته وهو مستغن عن كل شيء فهذا هو الملك مطلقا تنبيه العبد لا يتصور أن يكون ملكا مطلقا فإنه لا يستغني عن كل شيء فإنه أبدا فقير إلى الله تعالى وإن استغنى عمن سواه ولا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء بل يستغني عنه أكثر الموجودات ولكن لما تصور أن يستغني عن بعض الأشياء ولا يستغني عنه بعض الأشياء كان له شوب من الملك فالملك من العباد هو الذي لا يملكه إلا الله تعالى بل يستغني عن كل شيء سوى الله عز وجل وهو مع ذلك يملك مملكته بحيث يطيعه فيها جنوده ورعاياه وإنما مملكته الخاصة به قلبه وقالبه وجنده شهوته وغضبه وهواه ورعيته لسانه وعيناه ويداه وسائر أعضائه فإذا ملكها ولم تملكه وأطاعته ولم يطعها فقد نال درجة الملك في عالمه فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة فهو الملك في عالم الأرض وتلك رتبة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن الله عز وجل واحتاج إليهم كل أحد ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد واستغنائهم عن الاسترشاد وبهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة في الصفات ويتقرب إلى الله تعالى بها وهذا الملك عطية للعبد من الملك الحق الذي لا مثنوية في ملكه ولقد صدق بعض العارفين لما قال له بعض الأمراء سلني حاجتك حيث قال أوتقول لي هذا ولي عبدان هما سيداك فقال ومن هما قال الحرص والهوى فقد غلبتهما وغلباك وملكتهما وملكاك وقال بعضهم لبعض الشيوخ أوصني فقال له كن ملكا في الدنيا تكن ملكا في الآخرة قال وكيف أفعل ذلك فقال ازهد في الدنيا تكن ملكا في الآخرة معناه اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا فإن الملك في الحرية والاستغناء القدوس هو المنزه عن كل وصف يدركه حس أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أو يختلج به ضمير أو يقضي به تفكير ولست أقول منزه عن العيوب والنقائص فإن ذكر ذلك يكاد يقرب من ترك الأدب فليس من الأدب أن يقول القائل ملك البلد ليس بحائك ولاحجام فإن نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود وفي ذلك الإيهام نقص بل أقول القدوس هو المنزه عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه أكثر الخلق كمالا في حقه لأن الخلق أولا نظروا إلى أنفسهم وعرفوا صفاتهم وأدركوا انقسامها إلى ما هو كمال ولكنه في حقهم مثل علمهم وقدرتهم وسمعهم وبصرهم وكلامهم وإرادتهم واختيارهم ووضعوا هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني وقالوا إن هذه هي أسماء الكمال وإلى ما هو نقص في حقهم مثل جهلهم وعجزهم وعماهم وصممهم وخرسهم فوضعوا بإزاء هذه المعاني هذه الألفاظ ثم كان غايتهم في الثناء على الله تعالى ووصفه أن وصفوه بما هو أوصاف كمالهم من علم وقدرة وسمع وبصر وكلام وأن نفوا عنه ما هو أوصاف نقصهم والله سبحانه وتعالى منزه عن أوصاف كمالهم كما أنه منزه عن أوصاف نقصهم بل كل صفة تتصور للخلق فهو منزه ومقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها ولولا ورود الرخصة والإذن بإطلاقها لم يجز إطلاق أكثرها وقد فهمت معنى هذا في الفصل الرابع من فصول المقدمات فلا حاجة إلى الإعادة تنبيه