İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: ما عمل داود عليه السلام عملا قط كان أنفع له من خطيئته، ما زال منها خائفا هاربا حتى لحق بربه عز وجل. قال: ورأيت أبا سليمان أراد أن يلبي فغشي عليه. فلما أفاق قال: يا أحمد بلغني أن الرجل إذا حج من غير حله فقال: لبيك اللهم لبيك، قال له الرب: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك، فما يؤمنني أن يقال لي هذا؟ ثم لبى. وسمعت أبا سليمان يقول: أقمت عشرين سنة لم أحتلم. فدخلت مكة فأحدثت بها حدثا، فما أصبحت حتى احتلمت. فقلت له: فأي شيء كان ذلك الحدث؟ قال: تركت صلاة العشاء في المسجد الحرام في الجماعة، والاحتلام عقوبة. وسمعته يقول: حيل بيني وبين قيام الليل - قال أحمد: كان الذكر يغلب عليه - وإني لأمرض فأعرف الذنب الذي أمرض به. وسمعته يقول: ما حجوا ولا رابطوا ولا جاهدوا إلا فرارا من البيت، وما يرون ما تقر به أعينهم إلا في البيت. أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: لو اجتمع الخلق جميعا على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا على ذلك. أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان الداراني: من صفي صفي له ومن كدر كدر عليه. أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأ علي بن خلف قال: أنبأ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأ عبد الله بن محمد الرازي قال أنبأ إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي. قال: سمعت أبا سليمان يقول: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك الشهوة ذهب الله بها من قلبه، والله أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له. الجنيد قال: قال أبو سليمان الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: وقد دخلت عليه وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال لي: يا أحمد ولم لا أبكي، وإذا جن الليل ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه، وافترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وقطرت في محاريبهم، أشرف الجليل سبحانه، فنادى جبريل عليه السلام بعيني من تلذذ بكلامي، فلم لا ينادي فيهم ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه؟ أم كيف يجمل بي أن أعذب قوما إذا جنهم الليل تملقوني، فبي حلفت إذا وردوا علي القيام لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم. أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يفت لك، ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد، ولا خير في قلب يتوقع قرع الباب يتوقع إنسانا يجيئه يعطيه شيئا. قال: وقلت لأبي سليمان: سهرت ليلة في ذكر النساء إلى الصباح. قال: فتغير وجهه وغضب علي وقال: ويحك أما استحييت منه؟ يراك ساهرا في ذكر النساء؟ ولكن كيف تستحيي ممن لا تعرف. قال: وسمعت أبا سليمان يقول: إذا لذت لك القراءة فلا تركع ولا تسجد، وإذا لذ لك السجود فلا تركع ولا تقرأ، الزم الأمر الذي يفتح لك فيه. وسمعت أبا سليمان يقول: من كان يومه مثل أمس فهو في نقصان وسمعت أبا سليمان يقول: ما أتي من إبليس وقارون وبلعم إلا أن أصل نياتهم غش فرجعوا إلى الغش الذي في قلوبهم، والله أكرم من أن يمن على عبد بصدق ثم يسلبه إياه. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إذا ذكرت الخطيئة لم أحب الموت وقلت: أبقى لعلي أتوب.
أبو عمران، موسى بن عيسى الجصاص قال: قال أبو سليمان رد سبيل العجب بمعرفة النفس، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الخوف، واستجلب نور القلب بدوام الحزن، والتمس باب الحزن بدوام الفكرة، والتمس وجوه الفكرة في الخلوات، وتحرز من إبليس بمخالفة هواك، وتزين الله بالإخلاص والصدق في الأعمال، وتعرض للعفو بالحياء منه والمراقبة، واستجلب زيادة النعم بالشكر، واستدم النعم بخوف زوالها، ولا عمل كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى، ولا فقر كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كرد الغضب، ولا نور كنور اليقين، ولا يقين كاستصغار الدنيا، ولا معرفة كمعرفة النفس، ولا نعمة كالعافية من الذنوب، ولا عافية كمساعدة التوفيق، ولا زهد كقصر الأمل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات، ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا تقوى كاجتناب المحارم، ولا عدم كعدم العقل، ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة النفس، ولا ذل كالطمع، ومن لم يحسن رعاية نفسه أسرع به هواه إلى الهلكة، ولا ينفع الهالك نجاة المعصوم، ومرارة التقوى اليوم حلاوة في ذلك اليوم، والهالك من هلك في آخر سفره وقد قارب المنزل، والخاسر من أبدى للناس صالح عمله وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: وسأله رجل فقال: يا أبا سليمان ما أقرب ما تقرب به إليه؟ ثم قال: مثلي يسأل عن هذا؟ أقرب ما تقرب به إليه أن يطلع من قلبك على أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو. وسمعت أبا سليمان يقول: ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال ولولا أني أدع الفكر فيها ما جزتها أبدا ولربما جاءت الآية من القرآن تطير العقل فسبحان الذي رده إليهم، قال أحمد: وقلت لأبي سليمان: إن فلانا وفلانا لا يقعان على قلبي. قال: ولا على قلبي، ولكن لعلنا أتينا من قلبي وقلبك فليس فينا خير وليس نحب الصالحين. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: إذا اعتقدت النفوس ترك الآثام جالت في الملكوت وعادت بطرائف الحكمة من غير أن يؤدي إليها عالم علما. قلت سمع أبو سليمان الداراني الحديث الكثير ولقي سفيان الثوري وغيره، ولكنه اشتغل بالتعبد عن الرواية إلا أنني وجدت له ثلاثة أحاديث مسندة: الحديث الأول: أبو سليمان الداراني قال: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول: سمعت إبراهيم ابن أدهم يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى قبل الظهر أربعا غفر له ذنوب يومه ذلك" 1. قال الخطيب: لا أحفظ لأبي سليمان حديثا مسندا غيره. الحديث الثاني: أبو سليمان الداراني قال: أنبأ علي بن الحسن بن أبي الربيع قال حدثنا إبراهيم بن أدهم قال: سمعت محمد بن عجلان يذكر عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تواضع لله عز وجل رفعه الله" 2. الحديث الثالث: أبو سليمان الداراني قال: حدثني شيخ بساحل دمشق يقال له علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة من قومي، فلما دخلنا عليه وكلمنا أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا. فقال: "ما أنتم؟ " قلنا مؤمنون، فتبسم وقال: "إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم؟ " قال سويد: قلنا خمس عشرة خصلة: خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس منها أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلفنا بها في الجاهلية، فنحن عليها إلا أن تكره منها
شيئا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟ " قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت. قال: "وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها؟ " قلنا: أمرتنا رسلك أن نقول: لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: "وما الخمس التي تخلقتم بها أنتم في الجاهلية؟ " قلنا: الشكر عند الرجاء، والصبر عند البلاء، والصدق في مواطن اللقاء، والرضا بمر القضاء، والصبر عند شماتة الأعداء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "علماء حكماء كادوا من صدقهم أن يكونوا أنبياء". ثم قال صلى الله عليه وسلم: "وأنا أزيدكم خمسا فتتم لكم عشرون خصلة: إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه تزولون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون". قال أبو سليمان: وقال لي علقمة بن يزيد: فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها، ولا والله يا أبا سليمان ما بقي من أولئك النفر ولا من أولادهم أحد غيري. قال وما بقي إلا أيام قلائل ثم مات رحمه الله. توفي أبو سليمان الداراني سنة خمس ومائتين وقال أبو عبد الرحمن السلمي سنة خمس عشرة. والأول أصح. 758- عبد العزيز بن عمير أصله من خراسان لكنه سكن دمشق. أحمد بن محمد بن أبي موسى الأنطاكي قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: ترى نور الجلال عليهم وأثر الخدمة بين أعينهم. ثم قال عبد العزيز: إن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك أهل الدنيا فيرى أثره عليه، فكيف بمن ينقطع إلى الله عز وجل كيف لا يرى أثره عليه. قال أحمد بن وديع: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: الصيام سجن المؤمن عن الدنيا. أبو خزيمة قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله عز وجل كانت هي التي تنازعك إلى الخير. 759- مروان بن محمد أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مروان بن محمد يقول: إني أخبرك بشيء يا أحمد ما كلمت به أحدا قط قبلك: ما أنا لشيء أخوف مني من أن يختم لي بكفر. ومن الطبقة السابعة 760- مضاء بن عيسى أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: خف الله يلهمك، واعمل له لا يلجئك إلى دليل. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: إذا وصلوا إليه لم يرجعوا عنه، إنما رجع من رجع من الطريق. قاسم الجوعي قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أحب شيئا آثره على غيره. أسند مضاء عن شعبة. وسمع من غيره رضي الله عنه. 761- أبو كريمة العبدي عيسى بن الهذيل قال: سمعت أبا كريمة، وكان من عباد أهل الشام، يقول: ابن آدم ليس لما بقي من عمرك ثمن. 762- بشير الطبري سكن الشام أبو عمرو الكندي قال: أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري نحوا من أربعمائة جاموس، فركبت معه أنا وابن له فلقينا عبيده الذين كانت معهم الجواميس معهم عصيهم فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضا اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى. فقال له ابنه: يا أبه أفقرتنا. قال: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده. ومن الطبقة الثامنة 763- القاسم بن عثمان الجوعي
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت القاسم الجوعي الكبير يقول: شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع ففقدوا لذاذة الطعام والشهوات ولذات الدنيا لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة، وإنما سميت قاسما الجوعي لأن الله تعالى قواني على الجوع، فلو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال رضت نفسي حتى لو تركت شهرا وما زاد لم تأكل ولم تشرب، لم تبال، أنا عنها راض أسوقها حيث شئت، اللهم أنت فعلت بي ذلك فأتمه علي. أحمد بن عبد الله الحافظ قال: كان القاسم يقول: حب الرياسة أصل كل موبقة، وقليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة، ورأس الأعمال الرضا عن الله عز وجل والورع عماد الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن الحصين ضبط اللسان. سعيد بن عبد العزيز الحلبي قال: سمعت قاسما الجوعي يقول: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر. عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال: دخلت دمشق على كتبة الحديث فمررت بحلقة قاسم الجوعي فرأيت نفرا جلوسا حوله وهو يتكلم عليهم، فهالني منظرهم، فتقدمت إليه فسمعته يقول: اغتنموا من زمانكم خمسا: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفتقدوا، وإن شهدتم لن تشاوروا وإن قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئا لم تعطوا به. أوصيكم بخمس أيضا، إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ندمتم لم تجزعوا، وإن كذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فائدتي في دمشق. أسند قاسم عن سفيان بن عيينة وغيره. 764- أحمد بن أبي الحواري يكنى أبا الحسن. واسم أبي الحواري: ميمون، سكن دمشق وكان له ابن يقال له عبد الله من الزهاد، وأخ يقال له محمد يشبهه في الورع والزهد. وأبوه أبو الحواري من أهل الورع أيضا. فبيتهم بيت الورع والزهد. وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: أظن أهل الشام يسقيهم الله الغيث به. محمود بن خالد، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: ما أظنه بقي على وجه الأرض مثله. العباس بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من أحب أن يعرف بشيء من الخير أو يذكر به فقد أشرك في عبادته، ومن عبد على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه. وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية فيحار عقلي فيها فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما رزقوا. العباس بن حمزة قال: قال أحمد بن أبي الحواري: كلما ارتفعت منزلة القلب كانت العقوبة إليه أسرع. أسند أحمد بن أبي الحواري عن حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع ونظرائهم. وتوفي في سنة ثلاثين ومائتين. 765- محمد بن سمرة السائح يوسف بن أسباط قال: كتب إلي محمد بن سمرة السائح بهذه الرسالة: أي أخي، إياك وتأمير التسويف على نفسك وإمكانه من قلبك فإنه محل الكلال وموئل التلف، وبه تقطع الآمال وفيه تنقطع الآجال، فإنك إن فعلت ذلك أدلته من عزمك فاجتمع وهواك عليك فغلبا واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولي عنك، فعند مراجعته إياك لا تنتفع نفسك من بدنك بنافعة، وبادر يا أخي فإنك مبادر بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، وتذكر ما أسلفت وقصرت، وأفرطت وجنيت وعملت فإنه مثبت محصي، وكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت وندمت على ما فرطت، فعليك بالحياء والمراقبة والاعتزال وقلة الملاقاة. فإن السلامة في ذلك موجودة - وفقنا الله وإياك لأرشد الأمور ولا قوة بنا وبك إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد نبينا وعلى آله الطاهرين. 766- أبو عباد الشامي
إبراهيم بن منصور بن عمار قال: سمعت أبي يقول: قال لي رجل بالشام: يا أبا السري عندنا رجل من العباد من أهل واسط العراق لا يأكل إلا من كد يديه، وقد دبرت من سف الخوص صفحة يديه ولو رأيته لوقذك النظر إليه، فهل لك أن تمضي بنا إليه؟ قلت: نعم فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج إلى الباب فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذذ به من مناجاتك، ثم فتح الباب فدخلنا فإذا رجل ترى به الآخرة، وإذا قبر محفور ووصيته قد كتبها في الحائط، وكساؤه قد أعده لكفنه. فقلت أي موقف لهذا الخلق؟ فقال: بين يدي من؟ قال: ثم صاح وخر لوجهه. ثم أفاق من غشيته فقال له صاحبي: يا أبا عباد هذا أبو السري منصور بن عمار، فقال لي: مرحبا يا أخي ما زلت إليك مشتاقا. أعلمك أن بي داء قد أعيا المتطببين قبلك قديما، فهل لك أن تتأتى له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك لعل الله أن ينفع بك؟. قال: قلت: وكيف يعالج مثلي مثلك وجري أنغل من جرحك؟ قال: وإن كان كذلك فإني مشتاق إلى ذلك. قال: قلت: إن كنت تمسكت باحتفار قبرك في بيتك وبوصية رسمتها بعد وفاتك وبكفن أعددته ليوم موتك، فإن لله عز وجل عبادا اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم. قال: فصاح صيحة ووقع في قبره، وجعل يفحص برجليه، وبال فعرفت ذهاب عقله. فخرجت إلى طحان على بابه فقلت ادخل فأعنا على هذا الشيخ، فاستخرجناه من قبره وهو في غشيته فقال لي الطحان: ويحك ما صنعت؟ فخرجت وتركته صريعا، فلما كان الغد عدت إليه فإذا بسلخ في وجهه، وإذا بشريط قد شد به رأسه لصداع وجده. فلما رآني قال: يا أبا السري المعاودة رحمك الله، فقلت له: أين بلغت أيها المتعبد من أحزانك بالله؟ لكأني أنظر إلى آكل الفطير والصابر على خبز الشعير، يأكل ما اشتهى ويسعى عليه بلحم طير، ويسقى من الرحيق المختوم فشهق شهقة فحركته فإذا هو قد فارق الدنيا. 767- علي بن الفتح الحلبي أبو زرعة الدمشقي قال: خرج علي بن الفتح الحلبي يوم النحر، فرأى الناس يتقربون إلى الله تعالى. فقال: يا رب أرى الناس يتقربون إليك بألوان الذبائح وإني تقربت إليك بحزني، ثم غشي عليه فأفاق، ثم قال: إلهي، إلى متى ترددني في دار الدنيا محزونا؟ فاقبضني إليك. فوقع من ساعته ميتا. 768- علي بن عبد الحميد الغضائري محمد بن الحسن اليقطيني، ومحمد بن إبراهيم، يقولان: سمعنا علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: دققت على السري بن مغلس بابه فسمعته يقول: اللهم من شغلني عنك فاشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشيا على قدمي أربعين عاما. وكان يعد من الأبدال. أسند الغضائري الحديث عن سوار بن عبد الله. 769- جابر الرحبي أبو جعفر الخصاف قال: حدثني جابر الرحبي قال: أكثر علي أهل الرحبة ينكرون علي ما يعطي الله عز وجل أولياءه، فخرجت إلى خارج فركبت السبع ودخلت إلى الرحبة وأنا أقول: أين الذين يكذبون أولياء الله عز وجل؟ فكفوا عني بعد ذلك. وقال أبو جعفر الخصاف: قال لي جابر يوما وأنا أماشيه مر بنا نتسابق، مر أنت هكذا حتى أمر أنا هكذا. قال: فمررت أنا على الجسر. فلما حصلت على الجسر التفت فإذا هو يمشي على الماء. فلما التقينا قلت: من لا يحسن مثل هذا؟ أمشي أنا على الجسر وتمشي أنت على الماء. قال: فقال: وقد رأيتني؟ قلت: نعم. قال: أنت رجل صالح. 770- أبو عبيد البسري وبسرى فوق دمشق، عن محمد، غلام أبي عبيد، قال: ودعت أبا عبيد حين أردت
الحج. فقال لي: معك شيء؟ قلت: لا، ليس معي غير هذه الركوة. فقال: إذا أردت شيئا أو جعت أو عطشت فصل ركعتين واجعلها على يمينك، فإذا سلمت رأيت كل ما تحب، قال: فجئت إلى بعض المنازل وليس فيه ماء، والناس يصيحون: العطش. فقلت في نفسي: قد قال أبو عبيد ما قال وهو صادق. فأخذت الركوة فرميت بها في مصنع وصليت ركعتين، فما سلمت إلا والرياح تذهب بها وتجيء على رأس الماء. فنزلت فأخذت الركوة ثم صحت بالناس فجاءوا واستقوا حتى رووا. أبو بكر بن معمر قال: سمعت ابن أبي عبيد البسري يحدث عن أبيه أنه غزا سنة من السنين، فخرج في السرية. فمات المهر الذي كان تحته وهو في السرية فقال: يا رب أعرنا إياه حتى نرجع إلى بسرى يعني قريته. فإذا المهر قائم. قال: فلما غزا ورجع إلى بسرى، قال: يا بني خذ السرج عن المهر. قال: قلت يا أبه هو عرق. فقال لي: يا بني هو عارية فلما أخذت السرج وقع المهر ميتا. أبو زرعة قال: كان أبو عبيد البسري بعرفة وإلى جانبه ابنه. فقال له: يهنئك الفارس، فقال له: يا أبه وأي فارس؟ فقال له: ولد لك الساعة غلام، فلما صرنا إلى بسرى وجدت زوجتي قد ولدت غلاما يوم عرفة. عبد الله غلام لأبي عبيد قال: كنت معه يوما قاعدا بدمشق أنا وجماعة من إخوانه، إذ مر رجل على دابة وخلفه غلام له يعدو، وقدامه بيده غاشية. فلما حاذى أبا عبيد قال: اللهم أعتقني وأرحني منه. ثم قال: ادع الله عز وجل لي. فقال أبو عبيد: اللهم أعتقه من النار ومن الرق. فعثرت الدابة بمولاه فسقط إلى الأرض. فالتفت إلى الغلام وقال له: أنت حر لوجه الله عز وجل. قال: فرمى بالغاشية إليه وقال: يا مولاي أنت لم تعتقني وإنما أعتقني هؤلاء. فصحب أصحابنا وتوفي بينهم. ابن أبي حسان قال: قال لي أبو عبيد البسري يوما: يا أبا حسان ما غمي ولا أسفي إلا أن يجعلني مما عفا عنه. فقلت: يا أخي، الخلق على العفو تذابحوا. فقال: أجل. ولكن أي شيء اقبح بشيخ مثلي يوقف غدا بين يدي الله عز وجل، فيقال له: شيخ سوء كنت، اذهب فقد عفوت عنك؟ إنما أنا أملي في الله عز وجل أن يهب لي كل من أحبني. 771- أبو بكر الهلالي محمد بن علي الصوري قال: سمعت أبا القاسم الحسن بن عبد الله بن أحمد بن هاشم الشيخ الصالح قال: سمعت أبا بكر الهلالي يقول: من عني بمجاهدة الأسرار اشتغل عن الحكايات والأخبار. وسمعته يقول، رموا بهممهم إلى أعلى الفضائل، وضيعوا الفرائض، فلا إلى هممهم وصلوا، ولا قاموا بقليل ما به وكلوا، ومن قام بقليل ما وكل به اؤتمن على الكثير، ومن لم يقم بقليل ما وكل به لم يؤتمن على قليل ولا كثير. وسمعته يقول: وأشار إلى شجرة في منزله فقال: هذه الشجرة ما نظرت إليها نظرة فرجع طرفي إلا بعقوبة أو توبيخ في سري، يقال لي: تكون بين أيدينا وتنظر إلى سوانا؟. وسمعته يقول: كنت أتمنى على الله أن يريني أبا العباسي الخضر عليه السلام. فلما كان بعد مدة إذا أنا بالباب يدق علي. فقلت: من هذا؟ فقال لي: أنا الذي تتمناني على الله عز وجل أنا لاخضر. فقلت له: الذي طلبناك له قد وجدناه. ارجع إلى حال سبيلك. ذكر المصطفين من عباد بيت المقدس 772- إدريس بن أبي خولة الأنطاكي
عمر بن واصل، عن سهل بن عبد الله قال: مرض رجل من أولياء الله عز وجل مرضا مشكلا. فكان الناس إذا رأوه قالوا: به جنة فأكثر عليه القول فلما عظم كلام من تكلم في أمره قالوا له: نعالجك؟ فقال لهم: يا قوم اعلموا أن لي طبيبا إن سألته داوى كل عليل، لكني أنا لا أسأله أن يداويني، فقيل له: ولم ذاك وأنت تحتاج إلى الدواء؟ فقال: أخشى إن برأت من هذه العلة طغيت. فقيل له: فإن لنا مجنونا فسل طبيبك هذا أن يداويه. فقال: نعم إيتوني به، فأتوه برجل في عنقه غل عظيم ويداه مشدودة إلى عنقه في قيد ثقيل، قد استمكنت منه العلة. فقال لهم: خلوني معه. فعمد جهال القوم إلى يده فحلواها وأدخلوه معه في البيت الذي كان فيه، وأغلقوا عليه الباب وهم يظنون أن سيفضي إليه بمكروه، فلما كان بعد ساعة صاحوا به فأجابهم وخرج إليهم وكلمهم كلام عاقل وهو يبكي بكاء شديدا. فقالوا له: خبرنا بقصتك وما كان، فقال: دخلت على هذا الرجل وأنا على ما قد علمتم من علتي لا أعقل شيئا كما رأيتموني، فقربني منه وأدناني وجعل يده على صدري والأخرى على رأسي، فأحسست بطعم البرء يدب في جسمي حتى زال ما بي. فقالوا له: ادخل معنا إليه فسله يدعو الله عز وجل لنا، فدخل مع القوم إليه فلم يجدوه في البيت وستره الله عز وجل عنهم، فمن عقل منهم عظمت ندامته وكثر أسفه. قال سهل: وهذا الرجل من بيت المقدس يقال له إدريس بن أبي خولة الأنطاكي. 773- عبد العزيز المقدسي أبو بكر بن شاذان قال: سمعت عبد العزيز المقدسي يقول: وكان من الأبدال: لما بلغت الحلم أخذت على نفسي أن أروضها وأمنعها من الآثام واستوفقت الله تعالى فوفقني، واستعنت به فأعانني. ولقد حاسبت نفسي من يوم بلوغي إلى يومي هذا فإذا زلاتي لا تجاوز ستة وثلاثين زلة. ولقد استغفرت الله عز وجل لكل زلة مائة ألف مرة، وصليت لكل زلة ألف ركعة، ختمت في كل رجعة منها ختمة، وإني مع ذلك غير آمن سطوة ربي عز وجل أن يأخذني بها وأنا على خطر قبول التوبة. ذكر المصطفين من العباد المقدسيين المجهولين الأسماء 774- عباد ثلاثة بشر بن بشار المجاشعي، وكان من العابدين، قال: لقيت عبادا ثلاثة ببيت المقدس، فقلت لأحدهم: أوصني قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرغ قلبك ويقل همك، وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط وأنت منه في غفلة لا تشعر به. وقلت للآخر: أوصني، قال: ما أنا بمستوص فأوصيك - قلت: على ذاك عسى الله عز وجل أن ينفع بوصيتك. قال: أما إذ أبيت إلا الوصية فاحفظ عني: التمس رضوانه في ترك مناهيه فهو أوصل لك إلى الزلفى لديه. قال: فقلت للآخرة: أوصني فبكى واستحر سفحا للدموع ثم قال: أي أخي لا تبتغ من أمرك تدبيرا غير تدبيره فتهلك فيمن هلك، وتضل فيمن يضل. 775- عباد سبعة أحمد بن محمد الصوفي قال: قال لي أستاذي أبو عبد الله بن أبي شيبة: كنت ببيت المقدس وكنت أحب أن أبيت في المسجد وما كنت أترك. فلما كان في بعض الأيام بصرت في الرواق بحصر قائمة، فلما أن صليت العتمة وراء الإمام أتيت الحصر فاختبأت وراءها، وانصرف الناس والقوام، ثم خرجت إلى الصحن فلما سمعت غلق الأبواب وقعت عيني على المحراب فنظرت إليه وقد انشق ودخل منه رجل وثاني وثالث إلى أن تم سبعة واصطف القوم وزال عقلي، فلم أزل واقفا في موضعي شاخصا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا. 776- عابد آخر
كلاب بن جري قال: رأيت شابا ببيت المقدس قد عمش من طول البكاء، فقلت له: يا فتى كم تكون العين سليمة على هذا البكاء؟ قال: فبكى ثم قال: كما شاء ربي فلتكن، وإذا شاء سيدي فلتذهب فليست أكرم علي من بدني، إنما أبكي رجاء السرور والفرح في الآخرة، وإن تكن الأخرى فهو والله شقاء الدهر وحزن الأبد والأمر الذي كنت أخافه وأحذره على نفسي، وإني احتسبت على الله عز وجل غفلتي عن نفسي وتقصيري عن حظي، ثم غشي عليه. 777- عابد آخر عباد بن عباد، أبو عتبة الخواص، قال: رأيت شيخا في مسجد بيت المقدس كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت، كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة. فقلت: رحمك الله لو غيرت لباسك هذا، فقد علمت ما في البياض. فبكى ثم قال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة، فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا. قال: فما تم كلامه حتى غشي عليه. 778- عابد آخر أبو مدرك عثمان بن وكيع العبدي قال: جاء رجل إلى بيت المقدس فمد كساءه في ناحية المسجد فكان فيه الليل والنهار، طعيمه خلف ذلك الكساء الذي قد مده. قال: فيبيت ليله أجمع يصلي فإذا طلع الفجر مد بصوت له: عند الصباح يغبط القوم السرى. قال: وكان يقال له: ألا ترفق بنفسك؟ فيقول: إنما هي نفسي أبادرها أن تخرج. 779- عابد آخر ذو النون قال: نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له: ما الذي أثار منك ما أرى؟ قال: ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص وبقيت في كدر الانتقاص، فهل من دليل مرشد أو من حكيم موقظ؟. 780- عابد آخر سمنون قال: كنت ببيت المقدس في برد شديد، وعلي جبة وكساء، وأنا أجد البرد والثلج يسقط، فرأيت شابا عليه خرقتان في الصحن يمشي، فقلت: يا حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنك من البرد. فقال لي: يا أخي سمنون: ويحسن ظني أنني في فنائه وهل أحد في كنه يجد البردا ومن عقلاء المجانين ببيت المقدس 781- شاب بلغنا عن أبي الجوال المغربي قال: كنت ببيت المقدس جالسا مع رجل صالح وإذا قد طلع علينا شاب والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون فدخل المسجد وهو ينادي اللهم أرحني من هذه الدار. فقلت له: هذا كلام حكيم فمن أين لك هذه الحكمة؟ فقال: من أخلص له في الخدمة أورثه طرائف الحكمة وأيده بأسباب العصمة، وليس بي جنون وولق؛ بل قلق وفرق. ثم جعل يقول: هجرت الورى في حب من جاد بالنعم وعفت الكرى شوقا إليه فلم أنم وموهت دهري بالجنون عن الورى لأكتم ما بي من هواه فما انكتم فلما رأيت الشوق والحب بائحا كشفت قناعي ثم قلت: نعم نعم فإن قيل: مجنون فقد جنني الهوى وإن قيل: مسقام فما بي من سقم وحق الهوى والحب والعهد بيننا وحرمة روح الأنس في حندس الظلم لقد لامني الواشون فيك جهالة فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم فعاتبهم طرفي بغير تكلم وأخبرهم أن الهوى يورث السقم فبالحلم يا ذا المن لا تبعدنني وقرب مزاري منك يا بارئ النسم فقلت له: أحسنت لقد غلظ من سماك مجنونا، فنظر إلي وبكى وقال: أولا تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ فقلت: بلى أخبرني؟ فقال: طهروا له الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق، وائتزروا بالصدق، وارتدوا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل الباقي، وركضوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة الحذاق، حتى اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق وغيبهم عن الخلائق، لا تؤويهم دار ولا يقرهم قرار، فالنظر إليهم اعتبار، ومحبتهم افتخار، وهم صفوة الأبرار، ورهبان أخيار، مدحهم الجبار ووصفهم النبي المختار، إن حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن ماتوا لم يشهدوا. ثم أنشأ يقول: كن من جميع الخلق مستوحشا من الورى تسري إلى الحق واصبر فبالصبر تنال المنى وارض بما يجري من الرزق واحذر من النطق وآفاته فآفة المؤمن في النطق
وجد في السير ممرا كما شمر أهل السبق للسبق أولئك الصفوة ممن سما وخيرة الله من الخلق قال: فأنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هاربا فأنا متأسف عليه. ذكر المصطفيات من عابدات بيت المقدس 782- طافية عن عطاء الخراساني قال: كانت امرأة عابدة يقال لها طافية تأتي بيت المقدس تتعبد فيه، وكان وهب بن منبه يقول: يا طافية ما أشد العمل عليك؟ فتقول: ما أجدني أجد شيئا أشد علي من طول الفكر. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إني إذا تفكرت في عظمة الله عز وجل وأمر الآخرة طاش عقلي وأظلم علي بصري، واسترخت لذلك مفاصلي. فقال لها وهب بن منبه: إذا أنت وجدت ذاك فافزعي إلى قراءة القرآن في المصحف. 783- لبابة محمد بن روح قال: قالت لبابة المتعبدة في بيت المقدس: إني لأستحي منه أن يراني مشتغلة بغيره. محمد بن رواح قال: قالت لبابة المتعبدة: ما زلت مجتهدة في العبادة حتى صرت أستروح بها، وإذا تعبت من لقاء الخلق آنسني بذكره، وإذا أعياني الخلق روحني التفرغ لعبادة الله عز وجل والقيام إلى خدمته. وقال لها رجل: هو ذا أريد الحج فماذا أدعو بالموسم؟ فقالت: سل الله تعالى شيئين: أن يرضى عنك ويبلغك منزل الراضين عنه، وأن يجعل ذكرك فيما بين أوليائه. ذكر المصطفيات من المجهولات الأسماء 784- عابدة عن أبي جعفر السائح قال: رأيت عجوزا في بيت المقدس تقول: حججت ماشية اثنتي عشرة حجة ما ركبت فيها، أشتري كل سنة بأربعة دراهم سقطا فيكون زادي في ذهابي ومنصرفي. قال: فقلت لها: في بيت المقدس مثلك من المتعبدات؟ قال فذكرت نسوة يفعلن مثل ما تفعل. قالت: فإذا رجعنا حملنا مغازلنا إلى المسجد فلا نخرج منه إلا لحدث أو لحاجة. قلت: وكم بقي اليوم من هذه الصفة؟ قالت: نحو من عشرة. قلت: فمن أعبدكن؟ قالت: امرأة من قريش ما نراها تكلم أحد إنما هي في الصلاة قائمة وراكعة وساجدة يأتيها أهلها بما يصلحها. 785- عابدة أخرى عن أبي سليمان الداراني قال: حدثني سعيد الإفريقي قال: كنت ببيت المقدس مع أصحاب لي فيالمسجد فإذا أنا بجارية عليها درع شعر وخمار من صوف، فإذا هي تقول: إلهي وسيدي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وأوحش خلوة من لم تكن أنيسه. فقلت: يا جارية ما قطع الخلق عن الله عز وجل؟ قالت: حب الدنيا إلا أن لله عز وجل عبادا أسقاهم م نحبه شربة فولهت قلوبهم فلم يحبوا مع الله عز وجل غيره. ثم قالت تنشد: تزود قرينا من فعالك إنما قرين الفتى في القبر ما كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله يقيم قليلا عندهم ثم يرحل 786- عابدة أخرى عن أبي جعفر السائح قال: رأيت امرأة في بيت المقدس في متعبد لها عليها مدرعة من شعر وخمار من شعر، وسوار من حديد، وكان لها سلسلة تعلق بها نفسها بالليل. فقلت لها: منذ متى أخذت فيما أنت فيه؟ قالت: منذ ثمان سنين. قال: ورأيت نسوة كثيرة عليهم مدارع صوف وخمر، معتكفات في المسجد لا يتكلمن بالنهار. 787- عابدة أخرى
عثمان الرجاني قال: خرجت من بيت المقدس أريد بعض القرى في حاجة فلقيتني عجوز عليها جبة صوف وخمار صوف. فسلمت عليها فردت علي السلام. ثم قالت: يا فتى من أين أقبلت؟ فقلت: من هذه القرية. قالت: وأين تريد؟ قلت: إلى بعض القرى في حاجة. قالت: كم بينك وبين أهلك ومنزلك؟ قلت: ثمانية عشر ميلا. قالت: ثمانية عشر ميلا في حاجة؟ إن هذه لحاجة مهمة، قلت: أجل. قالت: فما اسمك؟ قلت: عثمان. فقالت: يا عثمان ألا سألت صاحب القرية أن يوجه إليك بحاجتك ولا تتعنى؟ قال: ولم أعلم الذي أرادت، قلت: يا عجوز ليس بيني وبين صاحب القرية معرفة، قالت: يا عثمان وما الذي أوحش بينك وبين معرفته وقطع بينك وبين الاتصال به؟ فعرفت الذي أرادت فبكيت، فقالت: من أي شيء تبكي؟ من شيء كنت فعلته ونسيته أو من شيء أنسته وذكرته؟ قلت: لا بل من شيء كنت أنسيته وذكرته. قالت: يا عثمان أحمد الله عز وجل الذي لم يتركك في حيرتك، أتحب الله عز وجل؟ قلت: نعم. قالت: فاصدقني، قلت: إي والله إني لأحب الله عز وجل. قالت: فما الذي أفادك من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته؟ قالت: فبقيت لا أدري ما أقول؟ فقالت: يأبى الله عز وجل أن يدنس طرائف حكمته وخفي معرفته ومكنون محبته بممارسة قلوب البطالين. قلت: رحمك الله لو دعوت الله عز وجل أن يشغلني من محبته. فنفضت يديها في وجهي. فأعدت القول أقتضي الدعاء. فقالت: يا عبد الله امض لحاجتك، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من أجلك. ثم ولت وقالت: لولا خوف السلب لبحث بالعجب. ثم قالت أوه من شوق لا يبرأ إلا بك، ومن حنين لا يسكن إلا إليك، فأين لوجهي الحياء منك؟ وأين لعقلي الرجوع إليك؟. قال عثمان: فوالله ما ذكرت إلا بكيت وغشي علي. ذكر المصطفين من أهل جبلة 788- مالك بن القاسم الجبلي عبد العزيز الأهوازي قال: قال لي سهل بن عبد الله: مخالطة الولي للناس ذل، وتفرده عز، قلما رأيت وليا لله إلا منفردا، إن عبد الله بن صالح كان رجلا له سابقة جليلة وموهبة جزيلة وكان يفر من الناس من بلد إلى بلد حتى أتى مكة فطال مقامه فيها، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال لي: لم لا أقيم بها ولم أر بلدا ينزل فيه من الرحمة والبركة أكثر من هذا البلد؟ فأحببت أن أكون فيه مقيما والملائكة تغدو فيه وتروح وإني أرى فيه أعاجيب كبيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى لا يقطعون ذلك. ولو قلت: كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين. فقلت له: أسألك إلا خبرتني بشيء من ذلك؟ فقال: ما من ولي لله تعالى صحت ولايته إلا وهو يحضر في هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه، فمقامي ها هنا لأجل من أراه منهم، ولقد رأيت رجلا يقال له: مالك بن القاسم، جبلي، وقد جاء ويده غمرة، فقلت له: إنك قريب العهد بالأكل؟ فقال لي: أستغفر الله فإنني منذ أسبوع لم آكل، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق صلاة الفجر. وبينه وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت مؤمن بذلك؟ فقلت: نعم. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمنا موقنا. 789- إبراهيم الجبلي عبد الواحد بن محمد بن أبان الفارسي قال: لقيت إبراهيم الجبي بمكة بعد رجوعه إلى وطنه وتزويجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافيا. فحدثني أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفا شديدا حتى ما كان يفارقها لحظة. قال: فتفكرت ليلة في كثرة ميلي إليها وشغفي بها فقلت: ما يحسن بي أن أرد القيامة وفي قلبي هذه، فتطهرت وصليت ركعتين وقلت: سيدي رد قلبي إلى ما هو أولى. فلما كان من الغد أخذتها الحمى وتوفيت يوم الثالث ونويت الخروج حافيا من وقتي إلى مكة. ذكر المصطفين من أهل العواصم والثغور 790- أبو عمرو الأوزاعي
واسمه عبد الرحمن بن عمرو، والأوزاع بطن من همدان. كذلك ذكره محمد بن سعد. وقال البخاري في تاريخه: الأوزاع: قرية بدمشق إذا خرجت من باب الفراديس. ولد سنة ثمان وثمانين وسكن بيروت وبها مات. يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة، قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد، فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به والسلام. عباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما فيوما وساعة فساعة، ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا وتقطعت نفسه عليها حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم إلى يوم؟. عن ضمرة عن الأوزاعي قال: الناس عندنا أهل العلم. عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها فهم كانوا أطول منكم أعمارا وأمد أجساما وأعظم آثارا فخددوا الجبال وجابوا الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم، فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا، كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا من عقوبة الله عز وجل فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم من أجل منقوص ودينا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه وذهب رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر، فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعي نذره وانتهى، وعقل سراه فمهد لنفسه. عن موسى بن أعين قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك فأما إذ صرنا يهتدي بنا ما أرى يسعنا التبسم. بشر بن الوليد قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع. عبد الملك بن محمد قال: كان الأوزاعي لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله فإن كلمه أحد أجابه. أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانيا أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب إلى والي بعلبك، فقال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرة ولم نكتب لك. قال: فرد الجرة وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا. عن أبي أيوب الزيادي، عن الأوزاعي. قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها صمت، وجزء منها الهرب من الناس. مروان بن محمد قال: قال الأوزاعي: من أطال قيام الليل هون عليه موقفه يوم القيامة. قال أحمد: قال لي مروان: ما أحسب الأوزاعي أخذه إلا من هذه الآية: {ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} الإنسان: 26 إلى قوله: {يوما ثقيلا} الإنسان: 27. أبو حفص عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه. يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت: بفضلك يا رب. فقلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السنة. المعافي بن عمران، عن الأوزاعي قال: كان يقال يأتي على الناس زمان أقل شيء في ذلك الزمان أخ مؤنس أو درهم من حلال أو عمل في سنة. مسلمة بن علي، عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشيء كأنما على
رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حميما لأحدهم غاب عنه حينا ثم قدم ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكون قريبا من طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون، وأول ما يفيضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يتحلقون إلى الفقه والقرآن. أسند الأوزاعي عن محمد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ومحمد بن المنكدر وأبي الزبير وغيرهم. وتوفي ببيروت سنة سبع وخمسين ومائة في خلافة أبي جعفر وهو ابن سبعين سنة. كذلك قال محمد ابن سعد. وقال علي بن المديني وتوفي الأوزاعي سنة إحدى وخمسين ومائة. عن يزيد بن مذكور قال: رأيت الأوزاعي في منامي فقلت: يا أبا عمرو دلني على أمر أتقرب به إلى الله تعالى. فقال لي: ما رأيت هناك درجة أرفع من درجة العلم. فقلت: ثم من بعدها؟ قال: درجة المحزونين. 791- أبو إسحاق الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث. كان صاحب سنة وعزو. الفضيل بن عياض قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس فيها. فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري. فقلت لأبي أسامة: أيهما كان أفضل؟ فقال: كان فضيل رجل نفسه وكان أبو إسحاق رجل عامة. محمد بن هارون، أبو نشيط، قال: قال أبو صالح، يعني الفراء: لقيت الفضيل ابن أبي عياض فعزاني في أبي إسحاق وقال: لربما اشتقت إلى المصيصة ما بي فضل الرباط إلا أرى أبا إسحاق. أبو صالح قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: إن من الناس من يحسن عليه الثناء، وما يساوي عند الله جناح بعوضة. عباد الغنوي عن أبي إسحاق الفزاري قال: من قال: الحمد لله على كل حال فإن كانت نعمة كان لها كفاء وإن كانت مصيبة كان لها عزاء. أبو يحيى قال: سمعت أبا عبيد يقول لما مات أبو إسحاق الفزاري بكى عطاء ثم قال: ما دخل على الإسلام من موت أحد ما دخل عليه من أبي إسحاق. أسند الفزاري عن عبد الملك بن عمير، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب، والعمش، وهشام بن عروى في خلق كثير من التابعين، وحدث عن الفزاري سفيان الثوري والأوزاعي، وتوفي بالمصيصة سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل خمس وثمانين. 792- عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي من همدان، يكنى أبا عمرو وهو من الكوفة تحول إلى الثغر فنزل الحديث. عن جعفر بن يحيى بن خالد قال: ما رأينا في القراء أحدا مثل عيسى بن يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة فاعتل قبل أن يرجع. فقلت: يا أبا عمرو قد أمر لك بعشرة آلاف فقال: هي، فقلت: هي خمسون ألفا. قال: لا حاجة لي فيها. فقلت: لم؟ أما والله لأهنئنكها هي والله مائة ألف. قال: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلي؟ فأما على الحديث فلا والله ولا شربة ماء ولا هليلجة. أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ورع عيسى بن يونس، قال: قدم فأمر له بمائة ألف، أو قال: بمال، فلم يقبل، وتدري ابن كم كان عيسى؟ أراد أنه كان حدث السن. محمد بن المنكدر قال: حج الرشيد فدخل الكوفة فركب الأمين والمأمون إلى عيسى بن يونس فحدثهما، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم. فأبى أن يقبلها فظن أنه استقلها. فأمر له بعشرين ألفا. فقال عيسى: لا والله ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو ملأت لي هذا المسجد ذهبا إلى السقف. الحداني قال: قال ابن المبارك لرجل: اكتب نفس هذا الشيخ، يعني عيسى بن يونس. رأى عيسى بن يونس جده أبا إسحاق إلا أنه لم يسمع منه شيئا، وسمع من إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش وخلق كثير، وتوفي بالحدث من أرض الثغر في شعبان سنة سبع وثمانين، وقيل ثمان وثمانين ومائة. وقيل: إحدى وتسعين. 793- يوسف بن أسباط من قرية يقال لها شيح
عبد الله بن حبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: عجبت كيف تنام عين مع المخافة، أو يغفل قلب مع اليقين بالمحاسبة؟ من عرف وجوب حق الله عز وجل على عباده لم تستحل عيناه أبدا إلا بإعطاء المجهود من نفسه، خلق الله تعالى القلوب مساكن الذكر فصارت مساكن للشهوات، الشهوات مفسدة للقلوب وتلف للأموال، وإخلاق للوجوه، ولا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. شعيب بن حرب قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا. موسى بن طريف قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: لي أربعون سنة ما حك في صدري شيء إلا تركته. قال ابن حبيق: وقال ابن بشار: قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه فإني تعلمته في اثنتين وعشرين سنة. قال ابن حبيق: وقال يوسف، خرجت من شيح راجلا حتى أتيت المصيصة، وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلم علي، وذا يسلم، فطرحت جرابي ودخلت المسجد أصلي ركعتين فأحدقوا بي، واطلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا؟ فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائي إلى شيح فما رجع إلي قلبي إلى سنتين. عبد الله بن حبيق قال: قال يوسف بن أسباط: إني أخاف أن يعذب الله الناس بذنوب العلماء. وقال: الأشياء ثلاثة، حلال بين، وحرام بين، وشبهات بين ذلك، فالمؤمن إذا لم يجد الحلال تناول من الشبهات ما يقيمه. قال ابن حبيق: وسمعت يوسف بن أسباط يقول: كان يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له. وسمعت يوسف يقول: لي أربعون سنة ما ملكت قميصين. وسمعته يقول: لا يقبل الله عز وجل عملا فيه مثقال حبة من رئاء. وكان يوسف يقول: اللهم عرفني نفسي، ولا تقطع رجاءك من قلبي. قال ابن حبيق: وقال أبو جعفر الحذاء: كتبت إلى يوسف بن أسباط أشاوره في التحويل إلى الحجاز. فكتب إلي: أما ما ذكرت من تحويلك إلى الحجاز فليكن همك خبزك، وما أرى موضعك إلا أضبط للخبز من غيره، وما أحسب أحدا يفر من شر إلا وقع في أشر منه، وإنما يطيب الموضع بأهله، فقد ذهب من يؤنس به ويستراح إليه، وإذا علم الله منك الصدق رجوت أن لا يضيع لك، وإن كان الصدق قد رفع من الأرض. قال حذيفة المرعشي: كتب إلي يوسف بن أسباط: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله عز وجل، والمراقبة حيث لا يراك أحدا إلا الله عز وجل، والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا تنفع الندامة عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غدا فإن الدنيا ميدا المتسابقين، ولا تغتر بمن أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف واعلم يا أخي أنه لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله عز وجل، يسألنا فيه عن الدقيق الخفي وعن الجليل الجافي، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته، واعلم أنه مما وصف به منافقو هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم، وداهن بعضهم بعضا في القول والفعل، فأشر وبطر قولهم، ومر خبيث فعلهم، تركوا باطن العمل بالتصحيح فحرمهم الله تعالى بذلك الثمن الربيح، واعلم يا أخي أنه لا يجزي من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التقوى ولا من التوقي التلاوم، وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرض للمقت وصد عن سواء السبيل. وفقنا الله عز وجل وإياك لما يحب ويرضى. عبد الله بن حبيق قال: سمعت يوسف بن أسباط يقول: يرزق الصادق ثلاث خصال: الحلاوة والملاحة والمهابة. المسيب بن واضح قال: قدم ابن المبارك فاستأذن على يوسف فلم يأذن له، فقلت له: ما لك لم تأذن له؟ قال: إني إن أذنت له أردت أن أقوم بحقه ولا أفي به.
ابن حبيق قال: قال يوسف بن أسباط: إذا رأيت الرجل قد أشر وبطر فلا تغبطه فليس للعظة فيه موضع. افقرقساني قال: أتى يوسف بن أسباط بباكورة ثمرة فقبلها ثم وضعها بين يديه وقال: إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها وإنما خلقت لينظر بها إلى الآخرة. أبو جعفر الحذاء قال: سألت شعيب بن حرب عن يوسف بن أسباط فقال: ما أقدم عليه أحدا من هذه الأمة. البر عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال وسائر البر في جزء واحد، وقد أخذ يوسف التسعة وشرك الناس في العاشر. تميم بن سلم قال: قلت ليوسف بن أسباط: ما غاية الزهد؟ قال: لا تفرح بما أقبل، ولا تأسف على ما أدبر، قلت: فما غاية التواضع؟ قال: أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت أنه خير منك. عبد الله بن حبيق عن أبيه قال: قال لي يوسف بن أسباط: خرجت سحرا لأؤذن، فإذا علي ليل. فقعدت فإذا أسود مقبل وفي يده حجر يريد أن يضربني ووراءه شيء أبيض، بيده حجر يريد أن يصرفه عني فصرفه. فقلت: هذان شيطانان يريدان أن يرياني أني رجل صالح. فقلت: كلاكما شيطانان. فطارا. أدرك يوسف بن أسباط حبيب بن حسان، ومحل بن خليفة، والسري بن إسماعيل، وعابد بن شريح والثوري في آخرين. وقالت زوجته: كان يقول: أشتهي من ربي ثلاث خصال. قلت: وما هن؟ قال: أشتهي أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم، ولا يكون علي دين، ولا على عظمي لحم. قالت: فأعطي ذلك كله. ولقد قال لي في مرضه: أبقي عندك نفقة؟ فقلت: لا. قال: فماذا ترين؟ قلت: أخرج هذه الخابية للبيع. فقال: يعلم الناس بحالنا ويقولون ما باعوها إلا وثم حاجة شديدة. فأخرج إلي شيئا كان أهداه إليه بعض إخوانه فباعه بعشرة دراهم، وقال: اعزلي منها درهما لحنوطي وأنفقي باقيها. فمات وما بقي غير الدرهم. وتوفي يوسف بن أسباط قبل المائتين بسنة. 794- مخلد بن الحسين يكنى أبا محمد. كان من أهل البصرة فتحول فنزل المصيصة. عبدة بن عبد الله قال: قال مخلد بن الحسين: ما تكلمت بكلمة أريد أن أعتذر منها، منذ خمسين سنة. محمد بن بشير الدعاء قال: ذكر عند مخلد بن الحسين أخلاق من أخلاق الصالحين فقال: لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد سنيد بن داود قال: ثنا مخلد بن الحسين قال: ما ندب الله تعالى العباد إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلوا فيه وإما تقصيرا عنه. أسند مخلد عن هشام بن حسان وتوفي بالمصيصة سنة إحدى وتسعين ومائة. والله أعلم. 795- علي بن بكار البصري يكنى أبا الحسن، سكن المصيصة مرابطا وكان فقيها، موسى بن طريف قال: كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار، فيلمسه بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك الليلة، فكان يصلي الغداة بوضوء العتمة. أبو الحسن بن أبي الورد قال: قال رجل: أتينا علي بن بكار فقلنا له: حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام، فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقاه. قلت له في ذلك، فقال: أخاف أن أتصنع له فأتزين لغير الله فأسقط من عين الله عز وجل. يوسف بن مسلم قال: بكى علي بن بكار حتى عمي، وكان قد أثرت الدموع في خديه. فيض بن إسحاق قال: جئت إلى علي بن بكار وأنا أريد الخروج فقلت: أوصني فقال: اتق الله وألزم بيتك، وأمسك لسانك، واترك مخالطة الناس تنزل عليك الحكمة من فوقك. يحيى زكريا قال: كنا عند علي بن بكار فمرت سحابة. فسألته عن شيء؟ فقال اسكت أما تخشى أن تكون فيها حجارة.
أبو عبد الله قال: خرج أبو إسحاق الفزاري وعلي بن بكار يحتطبان. فأبطأ علي بن بكار على أبي إسحاق فدار أبو إسحاق في الجبل خلفه فجاء فنظر إليه وهو متربع وفي حجره رأس سبع وهو نائم يذب عنه، فقال له أبو إسحاق: ما قعودك ههنا؟ فقال: لجأ إلي فرحمته فأنا أنتظره لينتبه فألحقك. وقد بلغنا عن علي بن بكار أنه طعن في بعض مغازيه فخرجت أمعاؤه على قربوس سرجه فردها إلى بطنه وشدها بالعمامة وقاتل حتى قتل ثلاثة عشر علجا. أسند علي بن بكار عن هشام بن حسان وأبي إسحاق الفزاري، وأبي خلدة في آخرين، وصحب إبراهيم بن أدهم. وتوفي بالمصيصة سنة تسع وتسعين ومائة. 796- حذيفة بن قتادة المرعشي عبد الله بن خبيق قال: قال حذيفة: إن لم تخش أن يعذبك الله على أفضل عملك فأنت هالك، وقال حذيفة: لو نزل علي ملك من السماء يخبرني أني لا أرى النار بعيني، وأني أصير إلى الجنة إلا أني أقف بين يدي ربي تعالى يسائلني ثم أصير إلى الجنة، لقلت: لا أريد الجنة ولا أقف ذلك الموقف، ولو جاءني رجل فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما عملك عمل من يؤمن بيوم الحساب لقلت له: يا هذا لا تكفر عن يمينك فإنك لم تحنث، وسمعت حذيفة يقول: إني لأستغفر الله من كلامكم إذا خرجتم من عندي خمسين مرة. قال ابن خبيق: وقال لي حذيفة: إنما هي أربعة، عيناك، ولسانك، وهواك، وقلبك، فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانك لا تقل به شيئا يعلم الله خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا تهوى شيئا، فما لم تكن فيك هذه الأربع الخصال فالرماد على رأسك. موسى بن المعلى قال: قال حذيفة: يا موسى، ثلاث خصال إن كن فيك لم ينزل من السماء خير إلا كان لك فيه نصيب: يكون عملك لله عز وجل وتحب للناس ما تحب لنفسك، وهذه الكسرة تحر فيها ما قدرت. عن عبد الله بن عيسى الرقي قال: قال لي حذيفة: هل لك أن أجمع لك الخير كله في حرفين؟ قتل: ومن لي بذلك؟ قال: مداراة الخبز من حله وإخلاص العمل لله عز وجل حسبك. يوسف بن أسباط قال: سمعت حذيفة بن قتادة المرعشي يقول: لو أصبت من يبغضني على حقيقة في الله لأوجبت على نفسي حبه. يوسف بن أسباط قال: قال لي حذيفة المرعشي: ما أصيب أحد بمصيبة أعظم من قساوة قلبه. قال يوسف: وقال حذيفة: كان يقال: إذا رأيتم الرجل قد جلس وحده فانظروا لأي شيء جلس؟ فإن كان جلس ليجلس إليه فلا تجلسوا إليه. عن بشر بن الحارث قال: سمعت المعافي بن عمران يقول: كان عشرة ممن مضى من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر الشديد لا يدخلون بطونهم إلا ما يعرفون من الحلال، وإلا استفوا التراب، منهم حذيفة المرعشي. الفيض بن إسحاق قال: ذكر عند حذيفة المرعشي الوحدة وما يكره منها. فقال: إنما يكره ذلك للجاهل، فأما عالم يعرف ما يأتي فلا. وقال: ما أعلم من أعمال البر أفضل من لزومك بيتك، ولو كانت لك حيلة لهذه الفرائض لكان ينبغي لك أن تحتال لها. عبد الله بن حبيق قال: قال حذيفة المرعشي إياكم وهدايا الفجار والسفهاء فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم. بشر بن الحارث قال: كتب حذيفة إلى يوسف بن أسباط: يا أخي إني أخاف أن يكون بعض محاسننا أضر علينا في القيامة من مساوئنا. قال: وكتب إليه أيضا: لا حتى تكون في موضع إذا جئت إلى البقال فقلت أعطني مطهرتك قال: هات كساءك. ابن أبي الدرداء قال: قلت لحذيفة: أوصني، قال: انظر خبزك من أين تأكل، ولا تجالس من يرخص لك ويعطيك، ثم قال: إن أطعت الله في السر أصلح قلبك، شئت أو أبيت.
نبهان بن المغلس قال: أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي قال: كنت في المركب فكسر بنا، فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة أيام. فقالت المرأة: أنا عطشى، فسألت الله تعالى أن يسقينا. فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء. فشربت، رفعت رأسي إلى السلسلة فرأيت رجلا جالسا في الهواء متربعا فقلت: من أنت؟ قال: من الأنس. قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قال: آثرت مراد الله عز وجل على هواي فأجلسني كما تراني. لا نحفظ لحذيفة مسندا، وكان مشغولا بالرعاية عن الرواية. وقد صحب الثوري. وتوفي سنة سبع ومائتين. 797- أبو معاوية الأسود واسمه اليمان: نزل طرسوس. أحمد بن وديع قال: قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني. قيل له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟ قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني. أحمد بن فضيل العتكي قال: غزا أبو معاوية الأسود. فحصر المسلمون حصنا فيه علج لا يرمي بحجر ولا نشاب إلا أصاب. فسكوا إلى أبي معاوية فقرأ {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} الأنفال: 17. ثم قال: استروني منه. فلما وقف قال: أين تريدون بإذن الله؟ قالوا: المذاكير قال: يا رب سمعت ما سألوني فأعطني ما سألوني. بسم الله، ثم رمى فمر السهم حتى إذا قرب من الحائط ارتفع حتى أخذ العلج مذاكيره فوقع. فقال: شأنكم به. جعفر بن محمد بن الحسين بن زيد بن مسلم الرامهرمزي قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا معاوية الأسود يقول، وهو على سور طرسوس، من جوف الليل، يبكي ويقول: ألا من كانت الدنيا من أكبر همه طال في القيامة غدا همه. ومن خاف ما بين يديه ضاق في الدنيا ذرعه. ومن خاف الوعيد، لهي من الدنيا عما يريد، يا مسكين إن كنت تريد لنفسك الزيل، فأقلل نومك بالليل إلا القليل، أقبل من اللبيب الناصح، إذا أتاك بأمر واضح، لا تهتمن بأرزاق من تخلف، فلست أرزاقهم تكلف، وطن نفسك للمقال، إذا وقفت بين يدي رب العزة للسؤال، قدم صالح الأعمال، ودع عنك كثرة الأشغال، بادر ثم بادر، قبل نزول ما تحاذر، إذا بلغ روحك التراقي، وانقطع عنك من أحببت أن تلاقي، كأني بها وقد بلغت الحلقوم، وأنت في سكرات الموت مغموم، وقد انقطعت حاجتك إلى أهلك، وأنت تراهم حولك. وبقيت مرتهنا بعملك، الصبر ملاك الأمر، وفيه أعظم الأجر، فاجعل ذكر الله من جل شأنك، واملك فيما سوى ذلك لسانك. ثم بكى أبو معاوية بكاء شديدا. ثم قال: أوه من يوم يتغير فيه لوني، ويتلجلج فيه لساني، ويجف فيه ريقي، ويقل فيه زادي. فقيل له: يا أبا معاوية من قال هذا الكلام؟ فقال لحكيم. أبو حمزة، نصير بن الفرج الأسلمي، وكان خادما لأبي معاوية الأسود قال: كان أبو معاوية قد ذهب بصره، فكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف وفتحه فيرد الله عليه بصره، وإذا أطبق المصحف ذهب بصره. عن أبي الزاهرية قال: قدمت طرسوس، فدخلت على أبي معاوية الأسود وهو مكفوف البصر، وفي منزله مصحف معلق. فقلت: رحمك الله مصحف وأنت لا تبصر؟ قال: تكتم علي يا أخي حتى أموت؟ قال: قلت: نعم. قال: إني إذا أردت أن أقرأ القرآن فتح لي بصري. عبد الرحمن بن عبد الله قال: استطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال له رجل: مه. فقال أبو معاوية: دعه يشتفي. ثم قال: اللهم اغفر الذنب الذي سلطت علي به هذا. أبو موسى المغازلي قال: كنت أسمع أبا معاوية الأسود إذا قام من الليل يستقي الماء، يقول: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا. جبر الله لهم كل مصيبة بالجنة. يحيى بن المعين قال: رأيت معاوية السود وهو يلتقط الخرق من المزابل فيلفقها ويغسلها، فقيل له: يا أبا معاوية إنك تكسي. فقال: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا، جبر الله عز وجل لهم بالجنة كل مصيبة. قال أبو علي فرأيت يحيى يبكي. لا نعرف لأبي معاوية مسندا. 798- سليمان الخواص
مضاء بن عيسى قال: مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد أضافوه وأكرموه فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم تكن تكرمة على دين. أحمد بن وديع قال: قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة. ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. يزيد بن سعيد قال: دخل سعيد بن عبد العزيز على سليمان الخواص فقال له: أراك في ظلمة، قال: ظلمة القبر أشد من هذا، قال: أراك وحدك، قال: إن للصاحب على الصاحب حقا فخفت أن لا أقوم بحق صاحبي، قال: فأخرج سعيد صرة فيها شيء، فقال له: تنفق هذا وأنا أحلف لك بين يدي الله تعالى أنه حلال، قال: لا حاجة لي فيها. فقال له يرحمك الله ما ترى ما الناس فيه دعوى! قال: فصرخ سليمان صرخة ثم قال: ما لك يا سعيد فتنتني بالدنيا وتفتنني بالدين؟ ما لي والدعاء؟ من أنا؟ فخرج سعيد فأخبر بما كان الأوزاعي. فقال الأوزاعي: دعوا سليمان، لو كان سليمان من الصحابة كان مثلا. لا نعلم لسليمان مسندا، كان مشغولا بالعبادة. 799- سلم بن ميمون الخواص من أهل طبرية. وبها مات. إسماعيل بن أبي سلمة قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن مناديا ينادي: ألا ليقم السابقون. فقام سفيان الثوري ثم نادى الثانية: ألا ليقم السابقون فقام سلم الخواص. ثم نادى الثالثة: ألا ليقم السابقون. فقام إبراهيم بن أدهم. أحمد بن ثعلبة قال: سمعت سلما الخواص يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة. فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجاءت حلاوة قليلة، ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من جبريل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فازددت الحلاوة. قال: ثم قلت لها اقرئيه كأنك سمعته منه حين يتكلم به. فجاءت الحلاوة كلها. قاسم الجوعي قال: جئت سلما الخواص فقدم إلي نصف بطيخة ونصف رغيف وقال لي: كل يا قاسم، نزلت على أخ لي فقدم لي نصف خيارة ونصف رغيف وقال لي: كل يا سلم فإن الحلال لا يحتمل السرف، ومن درى من أين يكسب دري كيف ينفق. أسند سلم عن مالك بن أنس وابن عيينة وأقرانهما. 800- أبو عبيدة الخواص واسمه عباد بن عباد وقد اشتهر بأبي عبيدة وإنما هو أبو عتبة، كذلك ذكره البخاري وغيره. أبو موسى الصوري قال: كتب بن عباد الخواص إلى إخوانه يعظهم: إنكم في زمان قد رق فيه الورع وقل فيه الخشوع، وحمل العلم مفسدوه فأحبوا أن يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل به، فنطقوا فيه بالهوى ليزينوا ما دخلوا فيه من الخطر، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به. أحبوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول. أبو عبيد العسقلاني قال: رأيت أبا عبيدة الساحلي لم يضحك أربعين سنة. فقيل له: لم لا تضحك؟ فقال: كيف أضحك أنا وفي أيدي المشركين من المسلمين أحد. عبد الأعلى بن سليمان قال: رأيت أبا عبيدة الخواص على سرته خرقة، وعلى رقبته خرقة وهو يمشي في طريق البصرة. وهو يقول واشوقاه إلى من يراني ولا أراه. أحمد بن الحواري قال: دخل عباد الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين، فقال له: يا شيخ عظني؟ فقال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من عملك. فبكى حتى سالت الدموع من لحيته. عن بشر بن الحارث قال: رأيت على جبال عرفة رجلا قد ولع به الوله وهو يقول: سبحان من سجدنا بالعيون له على شبا الشوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته ولا العشير ولا عشرا من العشر هو الرفيع فلا الأبصار تدركه سبحانه من مليك نافذ القدر سبحان من هو أنسي إذ خلوت به في جوف ليلي، وفي الظلماء والسحر أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري ثم أنشد أيضا:
كم قد زللت فلم أذكرك في زللي وأنت يا سيدي في الغيب تذكرني كم اكشف الستر جلا عند معصيتي وأنت تلطف بي حقا وتسترني لأبكين بدمع العين من أسف لأبكين بكاء الوله الحزن قال: ثم غاص من خلال الناس فلم أره فسألت عنه فقيل: هذا أبو عبيدة الخواص منذ سبعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل. عقبة بن فضالة قال: سمعت أبا عبيدة الخواص بعد ما كبروا هو آخذ بلحيته يبكي ويقول: قد كبرت فأعتقني. أسند عباد عن الأوزاعي، وأبي بكر بن أبي مريم، وغيرهما. 801- أبو يوسف الغسولي جنيد قال: سمعت سريا يذكر أن أبا يوسف الغسولي كان يلزم الثغر ويغزو، وكان إذا غزا مع الناس ودخلوا بلاد الروم أكل أصحابه من ذبائح الروم ومن فواكههم، وكان أبو يوسف لا يأكل فيقال له: يا أبا يوسف تشك أنه حلال؟ فيقول هو حلال. فيقال له: فكل من الحلال. فيقول: إنما الزهد في الحلال. حرمي بن يونس قال: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: أنا أتفقه في مطعمي من ستين سنة. قال المروزي: وسمعت بعض المشيخة يقول: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: إنه ليكفيني في السنة اثنا عشر درهما، في كل شهر درهم، وما يحملني على العمل إلا ألسنة هؤلاء القراء. يقولون: أبو يوسف من أين يأكل؟ قال المروزي: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أبو يوسف الغسولي قد خلف ابن إدريس. يعني في الورع. 802- أحمد بن عاصم الأنطاكي يكنى أبا علي. ويقال أبا عبد الله. من متقدمي مشائخ الثغور وكان يقال له جاسوس القلوب. أحمد بن أبي الحواري قال: أنا أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: إذا صارت المعاملة إلى القلب استراحت الجوارح. قال: وسمعته يقول: هاه غنيمة باردة أصلح فبما بقي يغفر لك ما قد مضى. وسمعته يقول: ما أغبط أحدا إلا من عرف مولاه واشتهى أن لا أموت حتى أعرفه معرفة العارفين الذي يستحبونه لا معرفة التصديق. أحمد بن عبد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت خالي عثمان بن محمد بن يوسف يقول: سمعت أبي يقول: قال أحمد بن عاصم: أنفع اليقين ما عظم في عينيك ما به أيقنت وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فات، وألزمك الفكر في بقية عمرك وخاتمة أمرك، وأنفع الصدق أن تقر لله عز وجل بعيوب نفسك، وأنفع الحياء أن تستحيي أن تسأله ما تحب وتأتي ما يكره، وأنفع الصبر ما قواك على خلاف هواك وأفضل الجهاد مجاهدتك نفسك لتردها إلى قبول الحق، وأوجب الأعداء منك مجاهدة أقربهم منك دنوا وأخفاهم عنك شخصا وأعظم لك عداوة وهو إبليس. قلت: فما ترى في الأنس بالناس؟ قال: إن وجدت عاقلا مأمونا فأنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع. قلت: فما أفضل ما أتقرب به إلى الله عز وجل؟ قال: ترك معاصيه الباطنة - قلت: فما بال الباطنة أولى من الظاهرة؟ قال: لأنك إذا اجتنبت الباطنة بطلت الظاهرة والباطنة، قلت: فما أضر الطاعات لي؟ قال: ما نسيت بها مساوئك، وجعلتها نصب عينيك إدلالا بها وأمنا. قال: وسمعته يقول: استكثر من الله عز وجل لنفسك قليل الرزق تخلصا إلى الشكر، واستقلل من نفسك لله عز وجل كثير الطاعة إزراء على النفس وتعرضا للعفو، واستجلب شدة التيقظ بشدة لاخوف؛ وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس؛ وسد سبيل العجب بمعرفة النفس، وطلب راحة البدن بإجمام القلب، وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخلطاء، وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكر، وبادر بانتهاز البغية عند إمكان الفرصة، وأحذرك سوف. قلت: لأحمد بن عاصم كلام كثير انتخبنا منه ما ذكرنا ولا نعلم له مسندا. 803- أبو عبد الله النباجي واسمه سعيد بن يزيد. قال محمد بن أبي الورد: قال أبو عبد الله النباجي من خطرت الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حجب عن الله.
وقال ابن أبي الورد: صلى أبو عبد الله النباجي يوما بأهل طرسوس فصيح النفير، فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس. قال: ولم؟ قالوا: صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف. قال: ما حسبت أن أحدا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه الله عز وجل. الحسين بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله النباجي قال: قال لي قائل في منامي: أو يحسن بالحر المريد أن يتذلل للعبيد، وهو واجد عند مولاه كل ما يريد؟ أحمد بن أبي الحواري عن أبي عبد الله النباجي قال: إن في خلق الله عز وجل خلقا يستحيون من الصبر لو يعلمون أقداره تلقفوها تلقفا. أحمد بن محمد بن بكر القرشي قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: اطلبوا النظر في الرضا عن الله عز وجل وتساءلوا عنه بينكم إنكم إن ظفرتم منه بشيء علوتم به الأعمال كلها، قال: وسمعته يقول: لا تستكثروا الجنة للمؤمن، فإنه قد وافى بأعظم قدر عنده من الجنة: معرفة الله والإيمان به. وسمعته يقول: الذي جعل الله عز وجل المعرفة عنده يتنعم مع الله عز وجل في كل أحواله. أبو عبيد الله الإمام قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: إذاكان عندك ما أعطى الله عز وجل نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم لا تراه شيئا وإنما تريد ما أعطى الله نمرود وفرعون وهامان فمتى تفلح؟. لا نعرف للنباجي مسندا، وإنما كان مشغولا بالزهد والتعبد، وقد حكى عن الثوري والفضيل وغيرهما. 804- عبد الله بن خبيق بن سابق أبو محمد. أصله من الكوفة. ثم سكن أنطاكية واستفاد من يوسف بن أسباط. محمد بن المسيب الأرغياني قال: أنا عبد الله بن خبيق قال: أنت لا تطيع من يحسن إليك فكيف تحسن إلى من يسيء إليك. عمر بن عبد الله الهجري قال: سمعت عبد الله بن خبيق يقول: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا، ولا تفرح بشيء لا يسرك غدا، وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة في بقية عمرك. أسند ابن خبيق عن يوسف بن أسباط وغيره. 805- أبو الحارث الأولاسي واسمه فيض بن الخضر كان شابا يغني في أول أمره وقال: بينا أنا في غفلتي رأيت عليلا مطروحا على قارعة الطريق، فدنوت منه فقلت: هل تشتهي شيئا؟ قال: نعم رمانا. فجئته برمان فلما وضعته بين يديه رفع بصره وقال: تاب الله عليك. فما أمسيت حتى تغير قلبي عما كنت عليه، وخرجت إلى الحج وأنا أسير بالليل إذا بقوم يشربون، فما رأوني ذهلوا فأجلسوني وعرضوا علي الطعام والشراب. فقلت: أحتاج إلى البول فذهبت فوقعت في غابة فإذا سبع. فقلت: اللهم إنك تعلم ما تركت ومماذا خرجت وفيما ذا خرجت فاصرف عني شر هذا السبع، فولى السبع ودخلت مكة فلقيت بها من انتفعت به، منهم إبراهيم بن سعد العلوي. الحسن بن خلف قال: قال لي أبو الحارث الأولاسي فيض بن الخضر: رأيت إبليس له جمة شعر فأقبلت أتملقه واقول: ويحك ما أنا في هذا الخلق؟ خلني وربي. فقال: هيهات هيهات، كيف أخليك وفيك وفي أبيك هلكت، لا أو تهلكوا معي. قال: فأخذت برأسه فجعلته على حجر وأخذت بحلقه أخنقه ثم قلت: كيف أقدر على قتله وقد أخره الله عز وجل إلى يوم القيامة؟ ولكن أرفق به فجعلت أتملقه وهو يأبى. فقلت له: دلني على ما ينفعني؟ فقال: أدلك على السكر والحملان والجوذابات والدنانير والدراهم أن تكثر منها. فقلت له: يا ملعون أنا أسألك أن تدلني على شيء ينفعني في أمر آخرتي، تدلني على الدنيا وما أصنع أنا بهذا وما حاجتي إليه؟ فقال: من ههنا صار رأسي وحلقي في يدك تقلبه كيف شئت وتلعب به. قلت: أفدتني علما، لا جرم إني لأرجو أن لا أنال منها شيئا إلا ما لا غنى بي عنه فقال: إن تركتك فاصعد العقبة وسأستعين عليك بولد جنسك الذين زينت في أعينهم ما قبح في عينك فأجابوني إليه فبهم أستعين عليك فيأتوك من مأمنك.
توفي أبو الحارث بطرسوس سنة سبع وتسعين ومائتين. 806- أبو الخير التيناتي أصله من المغرب وسكن تينات، وهي قرية من قرى أنطاكية. ويقال له الأقطع، لأنه كان مقطوع اليد. وكان سبب ذلك أنه كان في جبال أنطاكية وحواليها يطلب المباح وينام بين الجبال وأنه عاهد الله تعالى أن لا يأكل من ثمر الجبال إلا ما طرحته الريح. فبقي أياما لم تطرح إليه الريح شيئا. فرأى يوما شجرة كمثرى فاشتهى منها فلم يفعل. فأمالتها الريح إليه فأخذ واحدة. واتفق أن لصوصا قطعوا هنالك الطريق وجلسوا يقتسمون. فوقع عليهم السلطان فأخذهم وأخذ معهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وقطعت يده، فلما هموا بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير: أهلكت نفسك، هذا أبو الخير. فبكى الأمير وسأله أن يجعله في حل. ففعل وقال: أنا أعرف ذنبي. منصور بن عبد الله قال: قال أبو الخير: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب إمساكها، فليلقها إلى اللسان فتنطق بها ألسنة الحمقى. قال: وسمعته يقول: دخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا بفاقة فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذوماأ فتقدمت إلى القبر فسلمت على النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وقلت أنا ضيفك الليلة يا رسول الله وتنحيت فنمت خلق المنبر فرأيت في النوم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي ابن أبي طالب بين يديه. فحركني علي وقال لي: قم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع إلي رغيفا فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف رغيف. إبراهيم بن محمد المراغي قال: سمعت أبا الخير التيناتي يقول: بقيت بمكة سنة فأصابني ضر وفاقة، فكلما أردت أن أخرج إلى المسألة هتف بي هاتف يقول: الوجه الذي يسجد لي تبذله لغيري؟. أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر قال أنبأ أحمد بن الحسن بن خيرون قال: قرأت على أبي الحسين علي بن محمود الصوفي أخبركم علي بن المثنى، وأخبرنا أبو بكر العامري قال: أنبأ علي بن أبي صادق قال: أنا ابن باكويه قال: أخبرني إبراهيم بن أحمد المراغي قالا: سمعنا أبا الخير التيناتي الأقطع يقول: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين. محمد بن الفضل قال: خرجت من أنطاكية ودخلت تينات ودخلت على أبي الخير الأقطع على غفلة منه بغير إذن فإذا هو ينسج زنبيلا بيديه، تعجبت، فنظر إلي وقال: يا عدو نفسه، ما الذي حملك على هذا؟ فقلت: هيجان الوجد لما بي من الشوق إليك. فضحك ثم قال لي: اقعد لا تعد إلى شيء من هذا بعد اليوم. ثم قال: استر علي في حياتي، ففعلت. قال ابن باكويه، وسمعت إبراهيم بن محمد السباك برها يقول: كنا نطلع على أبي الخير التيناتي من الخوخة وهو يسف الخوص بيديه فإذا خرج رأيناه أقطع. أبو الحسن البغراسي قال: قال لي أبو الخير التيناتي: إياك وكثرة السفر فإنه يقسي القلب ويذهب بالدين. أبو بكر المصري قال: سمعت بعض أصحابنا فقيرا يعرف بالأنصاري يقول: دخلت على أبي الخير فناولني تفاحتين فجعلتهما في جيبي وقلت: لا أتناولهما وأتبرك بهما لموضع الشيخ عندي فكانت تجري علي فاقات لا أتناولهما فأجهدتني الفاقة فأخرجت واحدة أكلتها وأدخلت يدي لأخرج الثانية إذا التفاحتان مكانهما، فما زلت آكل منهما حتى دخلت الموصل فجزت على خراب وإذا بعليل ينادي من الخراب: يا ناس أشتهي تفاحة، ولم يكن وقت التفاح، فأخرجت التفاحتين فناولتهما إياه فأكل وخرجت روحه من وقته. فعلمت أن الشيخ أعطاني من أجل ذلك العليل. صحب أبو الخير التيناتي أبا عبد الله بن الجلاء وغيره من المشايخ. ولا نعلمه أسند شيئا من الحديث. وتوفي بعد الأربعين وثلاث مائة. ذكر المصطفين من عباد الثغور المجهولي الأسماء 807- عابد طوسوسي