Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Section V01/P524–V01/P530

هل يعتد بها أم لا قيل : أما الاعتداد بها في الثواب : فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيه منها وخشع فيه لربه قال ابن عباس رضى الله عنهما : ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها وفى المسند مرفوعا : إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ولو اعتد له بها ثوابا لكان من المفلحين وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء : فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعا وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها فأوجبها أبو عبدالله بن حامد من أصحاب أحمد وأبو حامد الغزالي فى إحيائه لا في وسيطه و بسيطه واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ولم يضمن له فيها الفلاح فلم تبرأ ذمته منها ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائى قالوا : ولأن الخشوع والعقل : روح الصلاة ومقصودها ولبها فكيف يعتد بصلاة فقدت روحها ولبها وبقيت صورتها وظاهرها قالوا : ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه وغايته أن يكون بعضا من أبعاضها بمنزلة فوات عضو من أعضاء العبد المعتق في الكفارة فكيف إذا عدمت روحها ولبها ومقصودها وصارت بمنزلة العبد الميت إذا لم يعتد بالعبد المقطوع اليد يعتقه تقربا إلى الله تعالى في كفارة واجبة فكيف يعتد بالعبد الميت وقال بعض السلف : الصلاة كجارية تهدى إلى ملك من الملوك فما الظن بمن يهدي إليه جارية شلاء أو عوراء أو عمياء أو مقطوعة اليد والرجل أو مريضة أو دميمة أو قبيحة حتى يهدى إليه جارية ميتة بلا روح وجارية قبيحة فكيف بالصلاة التي يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى والله طيب لا يقبل إلا طيبا وليس من العمل الطيب : صلاة لا روح فيها كما أنه ليس من العتق الطيب عتق عبد لا روح فيه قالوا : وتعطيل القلب عن عبودية الحضور والخشوع : تعطيل لملك الأعضاء عن عبوديته وعزل له عنها فماذا تغني طاعة الرعية وعبوديتها وقد عزل ملكها وتعطل قالوا : والأعضاء تابعة للقلب تصلح بصلاحه وتفسد بفساده فإذا لم يكن قائما بعبوديته فالأعضاء أولى أن لا يعتد بعبوديتها وإذا فسدت عبوديته بالغفلة والوسواس فأنى تصح عبودية رعيته وجنده ومادتهم منه وعن أمره يصدرون وبه يأتمرون قالوا : وفي الترمذى وغيره مرفوعا إلى النبي : إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل وهذا إما خاص بدعاء العبادة وإما عام له ولدعاء المسألة وإما خاص بدعاء المسألة الذي هو أبعد فهو تنبيه على أنه لا يقبل دعاء العبادة الذي هو خاص حقه من قلب غافل قالوا : ولأن عبودية من غلبت عليه الغفلة والسهو في الغالب لا تكون مصاحبة للإخلاص فإن الإخلاص قصد المعبود وحده بالتعبد والغافل لا قصد له فلا عبودية له قالوا : وقد قال الله تعالى : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون [ الماعون : 45 ] وليس السهو عنها تركها وإلا لم يكونوا مصلين وإنما هو السهو عن واجبها : إما عن الوقت كما قال ابن مسعود وغيره وإما عن الحضور والخشوع والصواب : أنه يعم النوعين فإنه سبحانه أثبت لهم صلاة ووصفهم بالسهو عنها فهو السهو عن وقتها الواجب أو عن إخلاصها وحضورها الواجب ولذلك وصفهم بالرياء ولو كان السهو سهو ترك لما كان هناك رياء قالوا : ولو قدرنا أنه السهو عن واجب فقط فهو تنبيه على التوعد بالويل على سهو الإخلاص والحضور بطريق الأولى لوجوه أحدها : أن الوقت يسقط في حال العذر وينتقل إلى بدله والإخلاص والحضور لا يسقط بحال ولا بدل له الثاني : أن واجب الوقت يسقط لتكميل مصلحة الحضور فيجوز الجمع بين الصلاتين للشغل المانع من فعل إحداهما في وقتها بلا قلب ولا حضور كالمسافر والمريض وذي الشغل الذي يحتاج معه إلى الجمع كما نص عليه أحمد وغيره فبالجملة : مصلحة الإخلاص والحضور وجمعية القلب على الله في الصلاة : أرجح في نظر الشارع من مصلحة سائر واجباتها فكيف يظن به أنه يبطلها بترك تكبيرة واحدة أو اعتدال في ركن أو ترك حرف أو شدة من القرآن أو ترك تسبيحه أو قول : سمع الله لمن حمده أو قول ربنا ولك الحمد أو ذكر رسول الله بالصلاة عليه ثم يصححها مع فوات بها ومقصودها الأعظم وروحها وسرها فهذا ما احتجت به هذه الطائفة وهي حجج كما تراها قوة وظهورا قال أصحاب القول الآخر : قد ثبت عن النبي في الصحيح أنه قال : إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين أقبل فإذا ثوب بالصلاة أدبر فإذا قضى التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وبين نفسه فيذكره ما لم يكن يذكر يقول : اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يضل الرجل لا يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس قالوا : فأمره النبيفي هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها حتى لم يدركم صلى : بأن يسجد سجدتي السهو ولم يأمره بإعادتها ولو كانت باطلة كما زعمتم لأمره بإعادتها قالوا : وهذا هو السر في سجدتي السهو ترغيما للشيطان في وسوسته للعبد وكونه حال بينه وبين الحضور في الصلاة ولهذا سماها النبي المرغمتين وأمر من سها بهما ولم يفصل في سهوه الذي صدر عنه موجب السجود بين القليل والكثير والغالب والمغلوب وقال : لكل سهو سجدتان ولم يستثن من ذلك السهو الغالب مع أنه الغالب قالوا : ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة وأما حقائق الإيمان الباطنة : فتلك عليها شرائع الثواب والعقاب فلله تعالى حكمان : حكم فى الدنيا على الشرائع الظاهرة وأعمال الجوارح وحكم فى الأخرة على الظواهر والبواطن ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانية المنافقين ويكل أسرارهم إلى الله تعالى فيناكحون ويرثون ويورثون ويعتد بصلاتهم في أحكام الدنيا فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة وأحكام الثواب والعقاب ليست إلى البشر بل إلى الله والله يتولاه في الدار الآخرة قالوا : فنحن في حكم شرائع الإسلام نحكم بصحة صلاة المنافق والمرائى مع أنه لا يسقط عنه العقاب ولا يحصل له الثواب في الآخرة فصلاة المسلم الغافل المبتلى بالوسواس وغفلة القلب عن كمال حضوره أولى بالصحة نعم : لا يحصل مقصود هذه الصلاة من ثواب الله عاجلا ولا آجلا فإن للصلاة مزيد ثواب عاجل في القلب من قوة إيمانه واستنارته وانشراحه وانفساحه ووجود حلاوة العبادة والفرح والسرور واللذة التي تحصل لمن اجتمع همه وقلبه على الله وحضر قلبه بين يديه كما يحصل لمن قربه السلطان منه وخصه بمناجاته والإقبال عليه والله أعلى وأجل وكذلك ما يحصل هذا من الدرجات العلى في الآخرة ومرافقة المقربين كل هذا يفوته بفوات الحضور والخضوع وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض وليس كلامنا في هذا كله فإن أردتم وجوب الإعادة : لتحصل هذه الثمرات والفوائد : فذاك إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا وهذا القول الثاني أرجح القولين والله أعلم 2

Section V01/P530–V02/P004

فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخبات قال الله تعالى : وبشر المخبتين ثم كشف عن معناهم فقال الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمين الصلاة ومما رزقناهم ينفقون الحج : 35 ] وقال : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون الخبت في أصل اللغة : المكان المنخفض من الأرض وبه فسر ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة لفظ المخبتين وقالا : هم المتواضعون وقال مجاهد : المخبت المطمئن إلى الله عز وجل قال : والخبت : المكان المطمئن من الأرض وقال الأخفش : الخاشعون وقال إبراهيم النخعي : المصلون المخلصون وقال الكلبي : هم الرقيقة قلوبهم وقال عمرو بن أوس : هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا وهذه الأقوال تدور على معنيين : التواضع والسكون إلى الله عز وجل ولذلك عدي بإلى تضمينا لمعنى الطمأنينة والإنابة والسكون إلى الله تعالى قال صاحب المنازل : هو من أول مقامات الطمأنينة يعني بمقامات الطمأنينة كالسكينة واليقين والثقة بالله ونحوها فالإخبات : مقدمتها ومبدؤها قال : وهو ورود المأمن من الرجوع والتردد لما كان الإخبات أول مقام يتخلص فيه السالك من التردد الذي هو نوع غفلة وإعراض والسالك مسافر إلى ربه سائر إليه على مدى أنفاسه لا ينتهي مسيره إليه ما دام نفسه يصحبه شبه حصول الإخبات له بالماء العذب الذي يرده المسافر على ظمأ وحاجة فى أول مناهله فيرويه مورده ويزيل عنه خواطر تردده في إتمام سفره أو رجوعه إلى وطنه لمشقة السفر فإذا ورد ذلك الماء : زال عنه التردد وخاطر الرجوع كذلك السالك إذا ورد مورد الإخبات تخلص من التردد والرجوع ونزل أول منازل الطمأنينة بسفره وجد في السير قال وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : أن تستغرق العصمة الشهوة وتستدرك الإرادة الغفلة ويستهوي الطلب السلوة المريد السالك : تعرض له غفلة عن مراده تضعف إرادته وشهوة تعارض إرادته فتصده عن مراده ورجوع عن مراده وسلوة عنه فهذه الدرجة من الإخبات تحميه عن هذه الثلاثة فتستغرق عصمته شهوته والعصمة هي الحماية والحفظ و الشهوة الميل إلى مطالب النفس و الاستغراق للشيء الاحتواء عليه والإحاطة به يقول : تغلب عصمته شهوته وتقهرها وتستوفي جميع أجزائها فإذا استوفت العصمة جميع أجزاء الشهوة : فذلك دليل على إخباته ودخوله في مقام الطمأنينة ونزوله أول منازلها وخلاصه في هذا المنزل من تردد الخواطر بين الإقبال والإدبار والرجوع والعزم إلى الاستقامة والعزم الجازم والجد في السير وذلك علامة السكينة وتستدرك إرادته غفلته و الإرادة عند القوم : هي اسم لأول منازل القاصدين إلى الله و المريد هو الذي خرج من وطن طبعه ونفسه وأخذ في السفر إلى الله والدار الآخرة فإذا نزل في منزل الإخبات أحاطت إرادته بغفلته فاستدركها واستدرك بها فارطها وأما استهواء طلبه لسلوته فهو قهر محبته لسلوته وغلبتها له بحيث تهوي السلوة وتسقط كالذي يهوى في بئر وهذا علامة المحبة الصادقة : أن تقهر فيه وارد السلوة وتدفنها في هوة لا تحيا بعدها أبدا فالحاصل : أن عصمته وحمايته : تقهر شهوته وإرادته تقهر غفلته ومحبته تقهر سلوته قال : الدرجة الثانية : أن لا ينقض إرادته سبب ولا يوحش قلبه عارض ولا يقطع عليه الطريق فتنة هذه ثلاثة أمور أخرى تعرض لصادق الإرادة : سبب يعرض له ينقض عزمه وإرادته ووحشة تعرض له في طريق طلبه ولا سيما عند تفرده وفتنة تخرج عليه تقصد قطع الطريق عليه فإذا تمكن من منزل الإخبات اندفعت عنه هذه الآفات لأن إرادته إذا قويت وجد به السير : لم ينقضها سبب من أسباب التخلف و النقض هو الرجوع عن إرادته والعدول عن جهة سفره ولا يوحش أنسه بالله في طريقه عارض من العوارض الشواغل للقلب والجواذب له عمن هو متوجه إليه

Section V02/P004–V02/P006

و العارض هو المخالف كالشيء الذي يعترضك في طريقك فيجيء في عرضها ومن أقوى هذه العوارض : عارض وحشة التفرد فلا يلتفت إليه كما قال بعض الصادقين : انفرادك في طريق طلبك : دليل على صدق الطلب وقال آخر : لا تستوحش فى طريقك من قلة السالكين ولا تغتر بكثرة الهالكين وأما الفتنة التى تقطع عليه الطريق : فهي الواردات التي ترد على القلوب تمنعها من مطالعة الحق وقصده فإذا تمكن من منزل الإخبات وصحة الإرادة والطلب : لم يطمع فيه عارض الفتنة وهذه العزائم لا تصح إلا لمن أشرق على قلبه أنوار آثار الأسماء والصفات وتجلت عليه معانيها وكافح قلبه حقيقة اليقين بها وقد قيل : من أخذ العلم من عين العلم ثبت ومن أخذه من جريانه أخذته أمواج الشبه ومالت به العبارات واختلفت عليه الأقوال قال : الدرجة الثالثة : أن يستوي عنده المدح والذم وتدوم لائمته لنفسه ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته أعلم أنه متى استقرت قدم العبد في منزلة الإخبات وتمكن فيها : ارتفعت همته وعلت نفسه عن خطفات المدح والذم فلا يفرح بمدح الناس ولا يحزن لذمهم وهذا وصف من خرج عن حظ نفسه وتأهل للفناء في عبودية ربه وصار قلبه مطرحا لأشعة أنوار الأسماء والصفات وباشر حلاوة الإيمان واليقين قلبه والوقوف عند مدح الناس وذمهم : علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه وأما قوله : وأن تدوم لأئمته لنفسه فهو أن صاحب هذا المنزل لا يرضى عن نفسه وهو مبغض لها متمن لمفارقتها والمراد بالنفس عند القوم : ما كان معلولا من أوصاف العبد مذموما من أخلاقه وأفعاله سواء كان ذلك كسبياأو خلقيا فهو شديد اللائمة لها وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : ولا أقسم بالنفس اللوامة قال سعيد بن جبير وعكرمة : تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء ولا على الضراء وقال قتادة : اللوامة : هى الفاجرة وقال مجاهد : تندم على ما فات وتقول : لو فعلت ولو لم أفعل وقال الفراء : ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهى تلوم نفسها : إن كانت عملت خيرا قالت : هلا زدت وإن عملت شرا قالت : ليتني لم أفعل وقال الحسن : هى النفس المؤمنة إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه : ما أردت بكلمة كذا ما أردت بأكلة كذا ما أردت بكذا ما أردت بكذا وإن الفاجر يمضي قدما قدما ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها وقال مقاتل : هى النفس الكافرة تلوم نفسها فى الآخرة على ما فرطت فى أمر الله فى الدنيا والقصد : أن من بذل نفسه لله بصدق كره بقاءه معها لأنه يريد أن يتقبلها من بذلت له ولأنه قد قربها له قربانا ومن قرب قربانا فتقبل منه ليس كمن رد عليه قربانه فبقاء نفسه معه دليل على أنه لم يتقبل قربانه وأيضا فإنه من قواعد القوم المجمع عليها بينهم التي اتفقت كلمة أولهم وآخرهم ومحقهم ومبطلهم عليها : أن النفس حجاب بين العبد وبين الله وأنه لا يصل إلى الله حتى يقطع هذا الحجاب كما قال أبو يزيد : رأيت رب العزة فى المنام فقلت : يا رب كيف الطريق إليك فقال : خل نفسك وتعال فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى الله عز وجل وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل فلا بد أن ينتهى إليه ولكن منهم من هو شاق عليه ومنهم من هو سهل عليه وإنه ليسير على من يسره الله عليه

Section V02/P006–V02/P009

وفي ذلك الجبل أودية وشعوب وعقبات ووهود وشوك وعوسج وعليق وشبرق ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين ولا سيما أهل الليل المدلجين فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات وإلا تعلقت بهم تلك الموانع وتشبثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السير فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته والشيطان على قلة ذلك الجبل يحذر الناس من صعوده وارتفاعه ويخوفهم منه فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلته وضعف عزيمة السائر ونيته فيتولد من ذلك : الانقطاع والرجوع والمعصوم من عصمه الله وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع وتحذيره وتخويفه فإذا قطعه وبلغ قلته : انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا وحينئذ يسهل السير وتزول عنه عوارض الطريق ومشقة عقباتها ويرى طريقاواسعاآمنا يفضي به إلى المنازل والمناهل وعليه الأعلام وفيه الإقامات وفيه أعدت لركب الرحمن فبين العبد وبين السعادة والفلاح : قوة عزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس وثبات قلب والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل وقوله : ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته يعني أنه وإن كان أعلى ممن هو دونه من الناقصين عن درجته إلا أنه لاشتغاله بالله وامتلاء قلبه من محبته ومعرفته والإقبال عليه : يشتغل به عن ملاحظة حال غيره وعن شهود النسبة بين حاله وأحوال الناس ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولا عن مقامه وانحطاطا عن درجته ورجوعا على عقبيه فإن هجم عليه ذلك بغير استدعاء واختيار فليداوه بشهود المنة وخوف المكر وعدم علمه بالعاقبة التي يوافي عليها والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الزهد قال الله تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق وقال تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاماوفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وقال تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض وقال تعالى : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماتذروه الرياح إلى قوله وخير أملا وقال تعالى : قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى وقال تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى وقال : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا وقال : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة إلى قوله والآخرة عند ربك للمتقين والقرآن مملوء من التزهيد فى الدنيا والإخبار بخستها وقلتها وانقطاعها وسرعة فنائها والترغيب فى الآخرة والإخبار بشرفها ودوامها فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام فى قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه ونطق عن جاله وشاهده فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم والكلام بلسان العلم : أوسع من الكلام بلسان الذوق وأقرب إلى الحجة والبرهان وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : الزهد ترك مالا ينفع في الآخرة والورع : ترك ما تخاف ضرره في الآخرة وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها وقال سفيان الثورى : الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباء

Section V02/P009–V02/P011

وقال الجنيد : سمعت سريا يقول : إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه وأخرجها من قلوب أهل وداده لأنه لم يرضها لهم وقال : الزهد في قوله تعالى : لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود ولا يأسف منها على مفقود وقال يحيى بن معاذ : الزهد يورث السخاء بالملك والحب يورث السخاء بالروح وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها وقال ابن خفيف : الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك وقال أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ونفض الأيدي من الأملاك وقيل : هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد وقال الإمام أحمد الزهد في الدنيا قصر الأمل وعنه رواية أخرى : أنه عدم فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدا فقال : نعم على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت وقال عبد الله بن المبارك : هو الثقة بالله مع حب الفقر وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط وقال عبدالواحد بن زيد الزهد : الزهد في الدينار والدرهم وقال أبو سليمان الداراني : ترك ما يشغل عن الله وهو قول الشبلي وسأل رويم الجنيد عن الزهد فقال : استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب وقال مرة : هو خلو اليد عن الملك والقلب عن التتبع وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة وقول بلا طمع وعز بلا رياسة وقال أيضا : الزاهد يسعطك الخل والخردل والعارف يشمك المسك والعنبر وقيل : حقيقته هو الزهد في النفس وهذا قول ذي النون المصري وقيل : الزهد الإيثار عند الاستغاء والفتوة الإيثار عند الحاجة قال الله تعالى : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل وألبس رداء الزاهدين وأقعد معهم فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن عليك أن تفتضح وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه الأول : ترك الحرام وهو زهد العوام والثاني : ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص والثالث : ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته وهو من أجمع الكلام وهو يدل على أنه رضي الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد والذي أجمع عليه العارفون : أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد كالزهد لعبد الله ابن المبارك وللإمام أحمد ولوكيع ولهناد بن السري ولغيرهم ومتعلقه ستة أشياء : لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها وهي المال والصور والرياسة والناس والنفس وكل ما دون الله

Section V02/P011–V02/P014

وليس المراد رفضها من الملك فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك والنساء ما لهما وكان نبينامن أزهد البشر على الإطلاق وله تسع نسوة وكان علي بن أبي طالب وعبدالرحمن بن عوف والزبير وعثمان رضي الله عنهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن وأغناهم وكان عبدالله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع مال كثير وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهاد وكان له رأس مال يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء ومن أحسن ما قيل في الزهد كلام الحسن أو غيره : ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها أرغب منك فيها لو لم تصبك فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه وقد روي مرفوعا فصل وقد اختلف الناس فى الزهد هل هو ممكن في هذه الأزمنة أم لا فقال أبو حفص الزهد لا يكون إلا في الحلال ولا حلال في الدنيا فلا زهد وخالفه الناس في هذا وقالوا : بل الحلال موجود فيها وفيها الحرام كثيرا وعلى تقدير : أن لا يكون فيها الحلال فهذا أدعى إلى الزهد فيها وتناول ما يتناوله المضطر منها كتناوله للميتة والدم ولحم الخنزير وقال يوسف بن أسباط : لو بلغني أن رجلا بلغ في الزهد منزلة أبي ذر وأبي الدرداء وسلمان والمقداد وأشباههم من الصحابة رضي الله عنهم ما قلت له زاهد لأن الزهد لايكون إلا في الحلال المحض والحلال المحض لا يوجد في زماننا هذا وأما الحرام : فإن ارتكبته عذبك الله عز وجل ثم اختلف هؤلاء في متعلق الزهد فقالت طائفة : الزهد إنما هو في الحلال لأن ترك الحرام فريضة وقالت فرقة : بل الزهد لايكون إلا في الحرام وأما الحلال : فنعمة من الله تعالى على عبده والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فشكره على نعمه والاستعانة بها على طاعته واتخاذها طريقا إلى جنته : أفضل من الزهد فيها والتخلي عنها ومجانبة أسبابها والتحقيق : أنها إن شغلته عن الله فالزهد فيها أفضل وإن لم تشغله عن الله بل كان شاكرا لله فيها فحاله أفضل والزهد فيها تجريد القلب عن التعلق بها والطمأنينة إليها والله أعلم فصل قال صاحب المنازل : الزهد : هو إسقاط الرغبة عن الشيءبالكلية يريد بالشيء المزهود فيه : ما سوى الله والإسقاط عنه : إزالته عن القلب وإسقاط تعلق الرغبة به وقوله : بالكلية أي بحيث لا يلتفت إليه ولا يتشوق إليه قال : وهو للعامة : قربة وللمريد : ضرورة وللخاصة : خشية يعني أن العامة تتقرب به إلى الله و القربة ما يتقرب به المتقرب إلى محبوبه وهو ضرورة للمريد لأنه لا يحصل له التخلي بما هو بصدده إلا بإسقاط الرغبة فيما سوى مطلوبه فهو مضطر إلى الزهد كضرورته إلى الطعام والشراب إذ التعلق بسوى مطلوبه لا يعدم منه حجابا أو وقفة أو نكسة على حسب بعد ذلك الشيء من مطلوبه وقوة تعلقه به وضعفه وإنما كان خشية للخاصة : لأنهم يخافون على ما حصل لهم من القرب والأنس بالله وقرة عيونهم به : أن يتكدر عليهم صفوه بالتفاتهم إلى ما سوى الله فزهدهم خشية وخوف قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الزهد في الشبهة بعد ترك الحرام بالحذر من المعتبة والأنفة من المنقصة وكراهة مشاركة الفساق

Section V02/P014–V02/P017

أما الزهد في الشبهة : فهو ترك ما يشتبه على العبد : هل هو حلال أو حرام كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي : الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات اتقى الحرام ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب فالشبهات برزخ بين الحلال والحرام وقد جعل الله عز وجل بين كل متباينين برزخا كما جعل الموت وما بعده برزخا بين الدنيا والآخرة وجعل المعاصي برزخا بين الإيمان والكفر وجعل الأعراف برزخا بين الجنة والنار وكذلك جعل بين كل مشعرين من مشاعر المناسك برزخا حاجزا بينهما ليس من هذا ولا هذا فمحسر برزخ بين منى ومزدلفة ليس من واحد منهما فلا يبيت به الحاج ليلة جمع ولا ليالي منى وبطن عرنة برزخ بين عرفة وبين الحرم فليس من الحرم ولا من عرفة وكذلك ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس برزخ بين الليل والنهار ليس من الليل لتصرمه بطلوع الفجر ولا من النهار لأنه من طلوع الشمس وإن دخل في اسم اليوم شرعا وكذلك منازل السير : بين كل منزلتين برزخ يعرفه السائر في تلك المنازل وكثير من الأحوال والواردات تكون برازخ فيظنها صاحبها غاية وهذا لم يتخلص منه إلا فقهاء الطريق والعلماء هم الأدلة فيها وقوله : بعد ترك الحرام أي ترك الشبهة لا يكون إلا بعد ترك الحرام وقوله : بالحذر من المعتبة يعني أن يكون سبب تركه للشبهة : الحذر من توجه عتب الله عليه وقوله : والأنفة من المنقصة أي يأنف لنفسه من نقصه عند ربه وسقوطه من عينه عينيه لاأنفته من نقصه عند الناس وسقوطه من عيونهم وإن كان ذلك ليس مذموما بل هو محمود أيضا ولكن المذموم : أن تكون أنفته كلها من الناس ولا يأنف من الله وقوله وكراهة مشاركة الفساق يعنى أن الفساق يزدحمون على مواضع الرغبة في الدنيا ولتلك المواقف بهم كظيظ من الزحام فالزاهد يأنف من مشاركتهم في تلك المواقف ويرفع نفسه عنها لخسة شركائه فيها كما قيل لبعضهم : ما الذي زهدك في الدنيا قال : قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها إذا لم أترك الماء اتقاء تركت لكثرة الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كان الكلاب يلغن فيه قال : الدرجة الثانية : الزهد في الفضول وهو ما زاد على المسكة والبلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت وحسم الجأش والتحلي بحلية الأنبياء والصديقين الفضول ما يفضل عن قدر الحاجة و المسكة ما يمسك النفس من القوت والشراب واللباس والمسكن والمنكح إذا احتاج إليه و البلاغ هو البلغة من ذلك الذي يتبلغ به المسافر في منازل السفر فيزهد فيما وراء ذلك اغتناما لتفرغه لعمارة وقته ولما كان الزهد لأهل الدرجة الأولى : خوفا من المعتبة وحذرا من المنقصة : كان الزهد لأهل هذه الدرجة أعلى وأرفع وهو اغتنام الفراغ لعمارة أوقاتهم مع الله لأنه إذا اشتغل بفضول الدنيا فاته نصيبه من انتهاز فرصة الوقت فالوقت سيف إن لم تقطعه وإلا قطعك وعمارة الوقت : الاشتغال في جميع آنائه بما يقرب إلى الله أو يعين على ذلك من مأكل أو مشرب أو منكح أو منام أو راحة فإنه متى أخذها بنية القوة على ما يحبه الله وتجنب ما يسخطه كانت من عمارة الوقت وإن كان له فيها أتم لذة فلا تحسب عمارة الوقت بهجر اللذات والطيبات فالمحب الصادق ربما كان سيره القلبي في حال أكله وشربه وجماع أهله وراحته أقوى من سيره البدني في بعض الأحيان وقد حكي عن بعضهم : أنه كان يرد عليه وهو على بطن امرأته حال لا يعهدها في غيرها

Section V02/P017–V02/P019

ولهذا سبب صحيح وهو اجتماع قوى النفس وعدم التفاتها حينئذ إلى شيء مع ما يحصل لها من السرور والفرح والسرور يذكر بالسرور واللذة تذكر باللذة فتنهض الروح من تلك الفرحة واللذة إلى ما لا نسبة بينها وبينها بتلك الجمعية والقوة والنشاط وقطع أسباب الالتفات فيورثه ذلك حالا عجيبة ولا تعجل بالإنكار وانظر إلى قلبك عند هجوم أعظم محبوب له عليه في هذه الحال كيف تراه فهكذا حال غيرك ولا ريب أن النفس إذا نالت حظا صالحا من الدنيا قويت به وسرت واستجمعت قواها وجمعيتها وزال تشتتها اللهم اغفر فقد طغى القلم وزاد الكلم فعياذا بك اللهم من مقتك وأما حسم الجأش فهو قطع اضطراب القلب المتعلق بأسباب الدنيا رغبة ورهبة وحبا وبغضا وسعيا فلا يصح الزهد للعبد حتى يقطع هذا الاضطراب من قلبه بأن لا يلتفت إليها ولا يتعلق بها في حالتي مباشرته لها وتركه فإن الزهد زهد القلب لا زهدالترك من اليد وسائر الأعضاء فهو تخلي القلب عنها لا خلو اليد منها وأما التحلى بحلية الأنبياء والصديقين فإنهم أهل الزهد في الدنيا حقا إذ هم مشمرون إلى علم قد رفع لهم غيرها فهم زاهدون وإن كانوا لها مباشرين فصل قال : الدرجة الثالثة : الزهد في الزهد وهو بثلاثة أشياء : استحقار ما زهدت فيه واستواء الحالات فيه عندك والذهاب عن شهود الاكتساب ناظرا إلى وادي الحقائق وقد فسر الشيخ مراده بالزهد في الزهد بثلاثة أشياء أحدها : احتقاره ما زهد فيه فإن من امتلأ قلبه بمحبة الله وتعظيمه لا يرى أن ما تركه لأجله من الدنيا يستحق أن يجعل قربانا لأن الدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة فالعارف لا يرى زهده فيها كبير أمر يعتد به ويحتفل له فيستحي من صح له الزهد أن يجعل لما تركه لله قدرا يلاحظ زهده فيه بل يفنى عن زهده فيه كما فنى عنه ويستحي من ذكره بلسانه وشهوده بقلبه وأما استواء الحالات فيه عنده : فهو أن يرى ترك ما زهد فيه وأخذه : متساويين عنده إذ ليس له عنده قدر وهذا من دقائق فقه الزهد فيكون زاهدا في حال أخذه كما هو زاهد في حال تركه إذ همته أعلى عن ملاحظته أخذا وتركا لصغره في عينه وأما الذهاب عن شهود الاكتساب فمعناه : أن من استصغر الدنيا بقلبه واستوت الحالات في أخذها وتركها عنده : لم ير أنه اكتسب بتركها عند الله درجة ألبتة لأنها أصغر في عينه من أن يرى أنه اكتسب بتركها الدرجات وفيه معنى آخر : وهو أن يشاهد تفرد الله عز وجل بالعطاء والمنع فلا يرى أنه ترك شيئا ولا أخذ شيئا بل الله وحده هو المعطي المانع فما أخذه فهو مجري لعطاء الله إياه كمجرى الماء في النهر وما تركه لله فالله سبحانه وتعالى هو الذي منعه منه فيذهب بمشاهدة الفعال وحده عن شهود كسبه وتركه فإذا نظر إلى الأشياء بعين الجمع وسلك في وادي الحقيقة غاب عن شهود اكتسابه وهو معنى قوله : ناظرا إلى وادي الحقائق وهذا أليق المعنين بكلامه فهذا زهد الخاصة قال الشاعر إذا زهدتني في الهوى خشية الردى جلت لي عن وجه يزهد في الزهد فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الورع قال الله تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم [ المؤمنون : 51 ] وقال تعالى : وثيابك فطهر [ المدثعر : 4 ] قال قتادة ومجاهد : نفسك فطهر من الذنب فكنى عن النفس بالثوب وهذا قول إبراهيم النخعي والضحاك والشعبي والزهري والمحققين من أهل التفسير قال ابن عباس : لا تلبسها على معصية ولا غدر ثم قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي : وإنى بحمد الله لا ثوب غادر لبست ولا من غدرة أتقنع

Section V02/P019–V02/P022

والعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء : طاهر الثياب وتقول للغادر والفاجر : دنس الثياب وقال أبي بن كعب : لا تلبسها على الغدر والظلم والإثم ولكن البسها وأنت بر طاهر وقال الضحاك : عملك فأصلح قال السدي : يقال للرجل إذا كان صالحا : إنه لطاهر الثياب وإذا كان فاجرا إنه لخبيث الثياب وقال سعيد بن جبير : وقلبك وبيتك فطهر وقال الحسن والقرظي : وخلقك فحسن وقال ابن سيرين وابن زيد : أمر بتطهير الثياب من النجاسات التى لا تجوز الصلاة معها لأن المشركين كانوا لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم وقال طاووس : وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها والقول الأول : أصح الأقوال ولا ريب أن تطهيرها من النجاسات وتقصيرها من جملة التطهير المأمور به إذ به تمام إصلاح الأعمال والأخلاق لأن نجاسة الظاهر تورث نجاسة الباطن ولذلك أمر القائم بين يدي الله عز وجل بإزالتها والبعد عنها والمقصود : أن الورع يطهر دنس القلب ونجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته وبين الثياب والقلوب مناسبة ظاهرة وباطنة ولذلك تدل ثياب المرء في المنام على قلبه وحاله ويؤثر كل منهما في الآخر ولهذا نهى عن لباس الحرير والذهب وجلود السباع لما تؤثر في القلب من الهيئة المنافية للعبودية والخشوع وتأثير القلب والنفس في الثياب أمر خفي يعرفه أهل البصائر من نظافتها ودنسها ورائحتها وبهجتها وكسفتها حتى إن ثوب البر ليعرف من ثوب الفاجر وليسا عليهما وقد جمع النبيالورع كله في كلمة واحدة فقال : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه فهذا يعم الترك لما لا يعني : من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة فهذه الكلمة كافية شافية في الورع قال إبراهيم بن أدهم : الورع ترك كل شبهة وترك ما لا يعنيك هو ترك الفضلات وفى الترمذي مرفوعا إلى النبي : يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس قال الشبلي : الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله وقال إسحاق بن خلف : الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة والزهد في الرياسة : أشد منه في الذهب والفضة لأنهما يبذلان في طلب الرياسة وقال أبو سليمان الداراني : الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضى وقال يحيى بن معاذ : الورع الوقوف على حد العلم من غير تأويل وقال : الورع على وجهين ورع فى الظاهر وورع فى الباطن فورع الظاهر : أن لا يتحرك إلا لله وورع الباطن : هو أن لا يدخل قلبك سواه وقال : من لم ينظر في الدقيق من الورع لم يصل إلى الجليل من العطاء وقيل : الورع الخروج من الشهوات وترك السيئات وقيل : من دق في الدنيا ورعه أو نظره جل في القيامة خطره وقال يونس بن عبيد : الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة عين وقال سفيان الثوري : ما رأيت أسهل من الورع ما حاك في نفسك فاتركه وقال سهل : الحلال هو الذي لا يعصي الله فيه والصافي منه الذي لا ينسى الله فيه وسأل الحسن غلاما فقال له : ما ملاك الدين قال : الورع قال : فما آفتة قال : الطمع فعجب الحسن منه وقال الحسن : مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم والصلاة وقال أبو هريرة : جلساء الله غدا أهل الورع والزهد وقال بعض السلف : لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس وقال بعض الصحابة : كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام فصل قال صاحب المنازل الورع : توق مستقصى على حذر وتحرج على تعظيم

Section V02/P022–V02/P024

يعني أن يتوقى الحرام والشبه وما يخاف أن يضره أقصى ما يمكنه من التوقي لأن التوقي والحذر متقاربان إلا أن التوقي فعل الجوارح و الحذر فعل القلب فقد يتوقى العبد الشيء لا على وجه الحذر والخوف ولكن لأمور أخرى : من إظهار نزاهة وعزة وتصوف أو اعتراض آخر كتوقي الذين لا يؤمنون بمعاد ولا جنة ولا نار ما يتوقونه من الفواحش والدناءة تصونا عنها ورغبة بنفوسهم عن مواقعتها وطلبا للمحمدة ونحو ذلك وقوله : أو تحرج على تعظيم يعني أن الباعث على الورع عن المحارم والشبه إما حذر حلول الوعيد وإما تعظيم الرب جل جلاله وإجلالا له أن يتعرض لما نهى عنه فالورع عن المعصية : إما تخوف أو تعظيم واكتفى بذكر التعظيم عن ذكر الحب الباعث على ترك معصية المحبوب لأنه لا يكون إلا مع تعظيمه وإلا فلو خلا القلب من تعظيمه لم تستلزم محبته ترك مخالفته كمحبة الإنسان ولده وعبده وأمته فإذا قارنه التعظيم أوجب ترك المخالفة قال : وهو آخر مقام الزهد للعامة وأول مقام الزهد للمريد يعني أن هذا التوقي والتحرج بوصف الحذر والتعظيم : هو نهاية لزهد العامة وبداية لزهد المريد وإنما كان كذلك لأن الورع كما تقدم هو أول الزهد وركنه وزهد المريد : فوق زهد العامة ونهاية العامة : هى بداية المريد فنهاية مقام هذا هي بداية مقام هذا فإذا انتهى ورع العامة صار زهدا وهو أول ورع المريد قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تجنب القبائح لصون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان هذه ثلاث فوائد من فوائد تجنب القبائح إحداها : صون النفس وهو حفظها وحمايتها عما يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله عز وجل وملائكته وعباده المؤمنين وسائر خلقه فإن من كرمت عليه نفسه وكبرت عنده : صانها وحماها وزكاها وعلاها ووضعها في أعلى المحال وزاحم بها أهل العزائم والكمالات ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده أنقاها في الرذائل وأطلق شناقها وحل زمامها وأرخاه ودساها ولم يصنها عن قبيح فأقل ما في تجنب القبائح : صون النفس وأما توفير الحسنات فمن وجهين أحدهما : توفير زمانه على اكتساب الحسنات فإذا اشتغل بالقبائح نقصت عليه الحسنات التي كان مستعدا لتحصيلها والثاني : توفير الحسنات المفعولة عن نقصانها بموازنة السيئات وحبوطها كما تقدم في منزلة التوبة : أن السيئات قد تحبط الحسنات وقد تستغرقها بالكلية أو تنقصها فلا بد أن تضعفها قطعا فتجنبها يوفر ديوان الحسنات وذلك بمنزلة من له مال حاصل فإذا استدان عليه فإما أن يستغرقه الدين أو يكثره أو ينقصه فهكذا الحسنات والسيئات سواء وأما صيانة الإيمان فلأن الإيمان عند جميع أهل السنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وقد حكاه الشافعي وغيره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإضعاف المعاصي للإيمان أمر معلوم بالذوق والوجود فإن العبد كما جاء في الحديث إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب واستغفر صقل قلبه وإن عاد فأذنب نكت فيه نكتة أخرى حتى تعلو قلبه وذلك الران الذي قال الله تعالى : كلا بل ران على قلوبهم ما كالوا يكسبون [ المطففين : 14 ] فالقبائح تسود القلب وتطفىء نوره والإيمان هو نور فى القلب والقبائح تذهب به أو تقلله قطعا فالحسنات تزيد نور القلب والسيئات تطفىء نور القلب وقد أخبر الله عز وجل أن كسب القلوب سبب للران الذي يعلوها وأخبر أنه أركس المنافقين بما كسبوا فقال : والله أركسهم بما كسبوا [ النساء : 88 ] وأخبر أن نقض الميثاق الذي أخذه على عباده سبب لتقسية القلب فقال فيما نقضهم ميثقاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به [ المائده : 13 ] فجعل ذنب النقض موجبا لهذه الآثار : من تقسية القلب واللعنة وتحريف الكلم ونسيان العلم فالمعاصي للإيمان كالمرض والحمى للقوة سواء بسواء ولذلك قال السلف : المعاصي بريد الكفر كما أن الحمى بريد الموت فإيمان صاحب القبائح كقوة المريض على حسب قوة مرضه وضعفه

Section V02/P024–V02/P026

وهذه الأمور الثلاثة وهي صون النفس وتوفير الحسنات وصيانة الإيمان هي أرفع من باعث العامة على الورع لأن صاحبها أرفع همة لأنه عامل على تزكية نفسه وصونها وتأهيلها للوصول إلى ربها فهو يصونها عما يشينها عنده ويحجبها عنه ويصون حسناته عما يسقطها ويضعها لأنه يسير بها إلى ربه ويطلب بها رضاه ويصون إيمانه بربه : من حبه له وتوحيده ومعرفته به ومراقبته إياه عما يطفىء نوره ويذهب بهجته ويوهن قوته قال الشيخ وهذه الثلاث الصفات : هي في الدرجة الأولى من ورع المريدين يعني أن للمريدين درجتين أخريين من الورع فوق هذه ثم ذكرهما فقال : الدرجة الثانية : حفظ الحدود عند ما لا بأس به إبقاء على الصيانة والتقوى وصعودا عن الدناءة وتخلصاعن اقتحام الحدود يقول : إن من صعد عن الدرجة الأولى إلى هذه الدرجة من الورع يترك كثيرا مما لا بأس به من المباح إبقاء على صيانته وخوفا عليها أن يتكدر صفوها ويطفأ نورها فإن كثيرا من المباح يكدر صفو الصيانة ويذهب بهجتها ويطفىء نورها ويخلق حسنها وبهجتها وقال لي يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في شيء من المباح : هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطا في النجاة أو نحو هذا من الكلام فالعارف يترك كثيرامن المباح إبقاء على صيانته ولا سيما إذا كان ذلك المباح برزخا بين الحلال والحرام فإن بينهما برزخا كما تقدم فتركه لصاحب هذه الدرجة كالمتعين الذي لا بد منه لمنافاته لدرجته والفرق بين صاحب الدرجة الأولى وصاحب هذه : أن ذلك يسعى في تحصيل الصيانة وهذا يسعى في حفظ صفوها أن يتكدر ونورها أن يطفأ ويذهب وهو معنى قوله : إبقاء على الصيانة وأما الصعود عن الدناءة : فهو الرفع عن طرقاتها وأفعالها وأما التخلص عن اقتحام الحدود فالحدود : هي النهايات وهي مقاطع الحلال والحرام فحيث ينقطع وينتهي فذلك حده فمن اقتحمه وقع في المعصية وقد نهى الله تعالى عن تعدي حدوده وعن قربانها فقال : تلك حدود الله فلا تقربوها [ البقره وقال : تلك حدود الله فلا تعتدوها [ البقره : 229 ] فإن الحدود يراد بها أواخر الحلال وحيث نهى عن القربان فالحدود هناك : أوائل الحرام يقول سبحانه : لا تتعدوا ما أبحت لكم ولا تقربوا ما حرمت عليكم فالورع يخلص العبد من قربان هذه وتعدي هذه وهو اقتحام الحدود قال : الدرجة الثالثة : التورع عن كل داعية تدعو إلى شتات الوقت والتعلق بالتفرق وعارض يعارض حال الجمع الفرق بين شتات الوقت والتعلق بالتفرق : كالفرق بين السبب والمسبب والنفي والإثبات فإنه يتشتت وقته فلا يجد بدا من التعلق بما سوى مطلوبه الحق إذ لا تعطيل في النفس ولا في الإرادة فمن لم يكن الله مراده أراد ما سواه ومن لم يكن هو وحده معبوده عبد ما سواه ومن لم يكن عمله لله فلا بد أن يعمل لغيره وقد تقدم هذا فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده ورجائه وحده والطلب منه والذل منه والافتقار إليه وحده وإنما كان هذا أعلى من الدرجة الثانية : لأن أربابها اشتغلوا بحفظ الصيانة من الكدر وملاحظتها وذلك عند أهل الدرجة الثالثة : تفرق عن الحق واشتغال عن مراقبته بحال نفوسهم فأدب أهل هذه أدب حضور وأدب أولئك أدب غيبة

Section V02/P026–V02/P028

وأما الورع عن كل حال يعارض حال الجمع فمعناه : أن يستغرق العبد شهود فنائه في التوحيد وجمعيته على الله تعالى فيه عن كل حال يعارض هذا الفناء والجمعية وهذا عند الشيخ لما كان هو الغاية التي ليس بعدها مطلب : جعل كل حال يعارضها ويقطع عنها ناقصا بالنسبة إليها فالرغبة عنه غير ورع صاحبها وقد عرفت ما فيه وأن فوق هذا مقام أرفع منه وأعلى وهو الورع عن كل حظ يزاحم مراده منك ولو كان الحظ فناءا وجميعة أو كائنا ما كان وبينا أن الفناء و الجمعية حظ العبد وأن حق الرب وراء ذلك وهو البقاء بمراده فرقا وجمعا به وله وعلى هذا فالورع الخاص : الورع عن كل حال يعارض حال القيام بالأمر والبقاء به فرقا وجمعا والله المستعان فصل الخوف يثمر الورع والاستعانة وقصر الأمل وقوة الإيمان باللقاء تثمر الزهد والمعرفة تثمر المحبة والخوف والرجاء والقناعة تثمر الرضاء والذكر يثمر حياة القلب والإيمان بالقدر يثمر التوكل ودوام تأمل الأسماء والصفات يثمر المعرفة والورع يثمر الزهد أيضا والتوبة تثمر المحبة أيضا ودوام الذكر يثمرها والرضا يثمر الشكر والعزيمة والصبر يثمران جميع الأحوال والمقامات والإخلاص والصدق كل منهما يثمر الآخر ويقتضيه والمعرفة تثمر الخلق والفكر يثمر العزيمة والمراقبة تثمر عمارة الوقت وحفظ الأيام والحياء والخشية والإنابة وإماتة النفس وإذلالها وكسرها : يوجب حياة القلب وعزه وجبره ومعرفة النفس ومقتها يوجب الحياء من الله عز وجل واستكثار ما منه واستقلال ما منك من الطاعات ومحو أثر الدعوى من القلب واللسان وصحة البصيرة تثمر اليقين وحسن التأمل لما ترى تسمع من الآيات المشهودة والمتلوة يثمر صحة البصيرة وملاك ذلك كله : أمران أحدهما : أن تنقل قلبك من وطن الدنيا فتسكنه في وطن الآخرة ثم تقبل به كله على معاني القرآن واستجلائها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته تنزلها على داء قلبك فهذه طريق مختصرة قريبة سهلة موصلة إلى الرفيق الأعلى آمنة لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا جوع ولا عطش ولا فيها آفة من آفات سائر الطريق ألبتة وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم ولا يعرف قدر هذه الطريق إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وآفاتها وقطاعها والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التبتل قال الله تعالى : واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا [ المزمل : 8 ] و التبتل الانقطاع وهو تفعل من البتل وهو القطع وسميت مريم البتول لانقطاعها عن الأزواج وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها ففاقت نساء الزمان شرفا وفضلا وقطعت منهن ومصدر بتل تبتلا كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل مصدر تفعل لسر لطيف فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدريج والتكلف والتعمل والتكثر والمبالغة فأتى بالفعل الدال على أحدهما بالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل : بتل نفسك إلى الله تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من الفعل ومصدره وهذا كثير في القرآن وهو من أحسن الاختصار والإيجاز قال صاحب المنازل : التبتل : الانقطاع إلى الله بالكلية وقوله عز وجل : له دعوة الحق [ الرعد : 14 ] أي التجريد المحض ومراده بالتجريد المحض : التبتل عن ملاحظة الأعواض بحيث لا يكون المتبتل كالأجير الذي لا يخدم إلا لأجل الأجرة فإذا أخذها انصرف عن باب المستأجر بخلاف العبد فإنه يخدم بمقتضى عبوديته لا للأجرة فهو لا ينصرف عن باب سيده إلا إذا كان آبقا والآبق قد خرج من شرف العبودية ولم يحصل له إطلاق الحرية فصار بذلك مركوسا عند سيده وعند عبيده وغاية شرف النفس : دخولها تحت رق العبودية طوعا واختيارا ومحبة لا كرها وقهرا كما قيل : شرف النفوس دخولها في رقهم والعبد يحوي الفخر بالتمليك

Section V02/P028–V02/P031

والذي حسن استشهاده بقوله : له دعوة الحق في هذا الموضع : إرادة هذا المعنى وأنه تعالى صاحب دعوة الحق لذاته وصفاته وإن لم يوجب لداعيه بها ثوابا فإنه يستحقها لذاته فهو أهل أن يعبد وحده ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ويستجار به ويلجأ إليه ويصمد إليه فتكون الدعوة الإلهية الحق له وحده ومن قام بقلبه هذا معرفة وذوقا وحالا صح له مقام التبتل والتجريد المحض وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق ومرادهم : هذا المعنى فقال علي رضى الله عنه دعوة الحق : التوحيد وقال ابن عباس رضي الله عنهما شهادة أن لا إله إلا الله وقيل : الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله وحده ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللحوظ إلى العالم خوفا أو رجاء أو مبالاة بحال قلت التبتل يجمع أمرين : اتصالا وانفصالا لا يصح إلا بهما فالانفصال : انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه وعن التفات قلبه إلى ما سوى الله خوفا منه أو رغبة فيه أو مبالاة به أو فكرا فيه بحيث يشغل قلبه عن الله والاتصال : لا يصح إلا بعد هذا الانفصال وهو اتصال القلب بالله وإقباله عليه وإقامة وجهه له حبا وخوفا ورجاء وإنابة وتوكلا ثم ذكر الشيخ ما يعين على هذا التجريد وبأي شيء يحصل فقال : بحسم الرجاء بالرضى وقطع الخوف بالتسليم ورفض المبالاة بشهود الحقيقة يقول : إن الذى يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك : هو الرضى بحكم الله عز وجل وقسمه لك فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع والذي يحسم مادة الخوف : هو التسليم لله فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له لم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضا فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها وأن ما كتب لها لابد أن يصيبها فلا معنى للخوف من غير الله بوجه وفي التسليم أيضا فائدة لطيفة وهي أنه إذا سلمها الله فقد أودعها عنده وأحرزها في حرزه وجعلها تحت كنفه حيث لا تنالها يد عدو عاد ولا بغي باغ عات والذي يحسم مادة المبالاة بالناس : شهود الحقيقة وهو رؤية الأشياء كلها من الله وبالله وفي قبضته وتحت قهره وسلطانه لا يتحرك منها شيء إلا بحوله وقوته ولا ينفع ولا يضر إلا بإذنه ومشيئته فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشهود قال : الدرجة الثانية : تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى وتنسم روح الأنس وشيم برق الكشف الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن الأولى انقطاع عن الخلق وهذه انقطاع عن النفس وجعله بثلاثة أشياء أولها : مجانبة الهوى ومخالفته ونهي نفسه عنه لأن اتباعه يصد عن التبتل وثانيها : وهو بعد مخالفة الهوى تنسم روح الأنس بالله والروح للروح كالروح للبدن فهو روحها وراحتها وإنما حصل له هذا الروح لما أعرض عن هواه فحينئذ تنسم روح الأنس بالله ووجد رائحته إذ النفس لا بد لها من التعلق فلما انقطع تعلقها من هواها وجدت روح الأنس بالله وهبت عليها نسماته فريحتها وأحيتها وثالثها : شيم برق الكشف وهو مطالعته واستشرافه والنظر إليه ليعلم به مواقع الغيث ومساقط الرحمة وليس مراده بالكشف ههنا : الكشف الجزئي السفلي المشترك بين البر والفاجر والمؤمن والكافر كالكشف عن مخبآت الناس ومستورهموإنما هو الكشف عن ثلاثة أشياء هن منتهى كشف الصادقين أرباب البصائر أحدها : الكشف عن منازل السير والثاني : الكشف عن عيوب النفس وآفات الأعمال ومفسداتها

Section V02/P031–V02/P034

والثالث : الكشف عن معاني الأسماء والصفات وحقائق التوحيد والمعرفة وهذه الأبواب الثلاثة : هي مجامع علوم القوم وعليها يحومون وحولها يدندنون وإليها يشمرون فمنهم من جل كلامه ومعظمه : في السير وصفة المنازل ومنهم من جل كلامه : في الآفات والقواطع ومنهم من جل كلامه : في التوحيد والمعرفة وحقائق الأسماء والصفات والصادق الذكي يأخذ من كل منهم ما عنده من الحق فيستعين به على مطلبه ولايرد ما يجده عنده من الحق لتقصيره في الحق الآخر ويهدره به فالكمال المطلق لله رب العالمين وما من العباد إلا له مقام معلوم قال : الدرجة الثالثة : تجريد الانقطاع إلى السبق بتصحيح الاستقامة والاستغراق في قصد الوصول والنظر إلى أوائل الجمع لما جعل الدرجة الأولى انقطاعا عن الخلق والثانية انقطاعا عن النفس جعل الثالثة طلبا للسبق وجعله بتصحيح الاستقامة وهي الإعراض عما سوى الحق ولزوم الإقبال عليه والاشتغال بمحابه ثم بالاستغراق في قصد الوصول وهو أن يشغله طلب الوصول عن كل شيء بحيث يستغرق همومه وعزائمه وإراداته أوقاته وإنما يكون ذلك بعد بدو برق الكشف المذكور له وأما النظر إلى أوائل الجمع : فالجمع هو قيام الخلق كلهم بالحق وحده وقيامه عليهم بالربوبية والتدبير والنظر إلى أوائل ذلك : هو الالتفات إلى مقدماته وبداياته وهي العقبة التي ينحدر منها على وادي الفناء وقد قيل : إنها وقفة تعترض القاطع لأودية التفرقة قبل وصوله إلى الجمع ومنها يشرف عليه وهذه الوقفة تعترض كل طالب مجد في طلبه فمنها يرجع على عقبه أو يصل إلى مطلبه كما قيل : لابد للعاشق من وقفة ما بين سلوان وبين غرام وعندها ينقل أقدامه إما إلى خلف وإما أمام والذي يظهر لي من كلامه : أن أوائل الجمع : مباديه ولوائحه وبوارقه وبعد هذا درجة رابعة وهي الانقطاع عن مراده من ربه والفناء عنه إلى مراد ربه منه والفناء به فلا يريد منه بل يريد ما يريده منقطعا به عن كل إرادة فينظر في أوائل الجمع في مراده الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه وأكثر أرباب السلوك عندهم إياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع ثم منهم من يرى : أن ترك الجمع زندقة وكفر فهو يعرض عن الجمع إلى الفرق ومنهم من يرى : أن مقام التفرقة ناقص مرغوب عنه ويرى سوء حال أهله وتشتتهم فيرغب عنه عاملا على الجمع يتوجه معه حيث توجهت ركائبه والمستقيمون منهم يقولون : لابد للعبد السالك من جمع وفرق وقيام العبودية بهما فمن لا تفرقة له لا عبودية له ومن لا جمع له لا معرفة له ولا حال ف إياك نعبد فرق و إياك نستعين جمع والحق : أن كلا من مشهدي إياك نعبد وإياك نستعين متضمن للفرق والجمع وكمال العبودية بالقيام بهما في كل مشهد ففرق إياك نعبد تنوع ما يعبد به وكثرة تعلقاته وضروبه وجمعه : توحيد المعبود بذلك كله وإرادة وجهه وحده والفناء عن كل حظ ومراد يزاحم حقه ومراده فتضمن هذا المشهد فرقا في جمع وكثرة في وحدة فصاحبه يتنقل في منازل العبودية من عبادة إلى عبادة ومعبوده واحد لا إله إلا هو وأما فرق إياك نستعين فشهود ما يستعين به عليه ومرتبته ومنزلته ومحله من النفع والضر وبدايته وعاقبته واتصاله بل وانفصاله وما يترتب عليه من هذا الاتصال والانفصال ويشهد مع ذلك فقر المستعين وحاجته ونقصه وضرورته إلى كمالاته التى يستعين ربه في تحصيلها وآفاته التي يستعين ربه في دفعها ويشهد حقيقة الاستعانة وكفاية المستعان به وهذا كله فرق يثمر عبودية هذا المشهد وأما جمعه : فشهود تفرده سبحانه بالأفعال وصدور الكائنات بأسرها عن مشيئته وتصريفها بإرادته وحكمته فغيبته بهذا المشهد عما قبله من الفرق : نقص في العبودية كما أن تفرقه في الذي قبله دون ملاحظته : نقص أيضا والكمال إعطاء الفرق والجمع حقهما في هذا المشهد والمشهد الأول فتبين تضمن إياك نعبد وإياك نستعين للجمع والفرق وبالله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرجاء

Section V02/P034–V02/P036

قال الله تعالى : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجعون رحمته ويخافون عذابه [ الإسراء : 57 ] فابتغاء الوسيلة إليه : طلب القرب منه بالعبودية والمحبة فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التى عليها بناؤه : الحب والخوف والرجاء قال تعالى : من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت [ العنكبوت : 5 ] وقال : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا [ الكهف : 110 ] وقال تعالى : أولئك الذين يرجون رحمة الله والله غفور رحيم [ البقره : 218 ] وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله يقول قبل موته بثلاث : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه وفي الصحيح عنه : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويطيب لها السير وقيل : هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه وقيل : هو الثقه بجود الرب تعالى والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد و الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل فالأول : كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها والثاني : كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها ويرجو طلوع الزرع ولهذا أجمع العارفون على أن الرجاء لا يصح إلا مع العمل قال شاه الكرماني : علامة صحة الرجاء : حسن الطاعة والرجاء ثلاثة أنواع : نوعان محمودان ونوع غرور مذموم فالأولان : رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه ورجل أذنب ذنوباثم تاب منها فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه والثالث : رجل متماد في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب وللسالك نظران : نظر إلى نفسه وعيوبه وآفات عمله يفتح عليه باب الخوف إلى سعة فضل ربه وكرمه وبره ونظر يفتح عليه باب الرجاء ولهذا قيل في حد الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله وقال أبو علي الروذباري الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت وسئل أحمد بن عاصم : ما علامة الرجاء في العبد فقال : أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجيا لتمام النعمة من الله عليه في الدنيا والآخرة وتمام عفوه عنه في الآخرة واختلفوا أي الرجائين أكمل : رجاء المحسن ثواب إحسانه أو رجاء المسىء التائب مفغرة ربه وعفوه فطائفة رجحت رجاء المحسن لقوة أسباب الرجاء معه وطائفة رجحت رجاء المذنب لأن رجاءه مجرد عن علة رؤية العمل مقرون بذلة رؤية الذنب قال يحيى بن معاذ : يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال لأني أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص وكيف أصفيها وأحرزها وأنا بالآفات معروف وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف وقال أيضا : إلهى أحلى العطايا في قلبي رجاؤك وأعذب الكلام على لساني ثناؤك وأحب الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك فصل قال صاحب المنازل : الرجاء : أضعف منازل المريدين لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة وفائدة واحدة نطق بها التنزيل والسنة وتلك الفائدة : هي كونه يبرد حرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى اليأس شيخ الإسلام حبيب إلينا والحق أحب إلينا منه وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك ونحن نحمل كلامه على أحسن محامله ثم نبين ما فيه

Section V02/P036–V02/P039

أما قوله : الرجاء أضعف منازل المريدين فيعني بالنسبة إلى ما فوقه من المنازل كمنزلة المعرفة والمحبة والإخلاص والصدق والتوكل لا أن مراده ضعف حال هذه المنزلة في نفسها وأنها منزلة ناقصة وأما قوله : لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه فلأنه تعلق بمراد العبد من ربه من الإحسان والثواب والإفضال وقد يكون مراده تعالى من عبده : استيفاء حقه ومعاملته بحكم عدله له لما له في ذلك من الحكمة فإذا أراد العبد منه معاملته بحكم الفضل دخل في نوع معارضة وكأن الراجي تعلق قلبه بما يعارض تصرف المالك فى ملكه وذلك ينافي حكم استسلامه وانقياده وانطراحه بين يدى ربه مستسلما لما يحكم به فيه فرجاؤه معارض لحكمه وإرادته ووقوف مع مراده من سيده وذلك يعارض مراد سيده منه والمحب الصادق من فني بمراد محبوبه عن مراده منه ولو كان فيه تعذيبه وأما وجه الاعتراض : فهو أن القلب إذا تعلق بالرجاء ولم يظفر بمرجوه : اعترض حيث لم يحصل له مرجوه ولم يظفر به وإن ظفر به : اعترض حيث فاته غيره ذلك المرجو لأن كل أحد يرجو فضل الله ويحدث نفسه به وفيه وجه آخر من الاعتراض : وهو أن يعترض على ربه تعالى بما يرجو منه لأن الراجي متمن لما يرجو مؤثر له وذلك اعتراض على القدر مناف لكمال الاستسلام والرضى بما سبق به القضاء فإذا تيقن له أنه سبق القضاء بشيء فإنه لابد أن يناله فعلق قلبه برجاء شيء من الفضل فقد اعترض على القضاء ولم يعرف للاستسلام للحكم حقه وذلك وقوع في الرعونة في مذهب السائرين على درب الفناء الناظرين إلى عين الجمع إذ الرعونة هي الوقوف مع حظ النفس والرجاء هو الوقوف مع الحظ لأنه يتعلق بالحظوظ وأصحاب هذه الطريقة أول طريقهم : الخروج عن نفوسهم فضلا عن حظوظها لأنهم عاملون على أن يكونوا بالله لا بنفوسهم فغاية المحب : أن يرضى بأحكام محبوبه عليه ساءته أم سرته حتى يبلغ بأحدهم هذا الحال إلى أن ينشد : أحبك لا أحبك للثواب ولكني أحبك للعقاب وكل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب ولو كان نفس تلذذه بالعذاب مقصوده من العذاب : لكان أيضا واقفا مع حظه ولكن أراد أن رضاه بمراد محبوبه منه ولو كان عذابه لم يدع فيه للرجاء موضعا ولا للخوف بل يقول : أنا أحب ما تريده بي لو أنه عذابي وقد كشف بعض المغرورين عن هذا بقوله : وتعذيبي مع الهجران عندي أحب إلي من طيب الوصال لأني في الوصال عبيد حظي وفي الهجران عبد للموالي فأخبر أن التعذيب بالهجران أحب إليه من طيب الوصال لكون الوصال فيه ما تشتهيه النفس وأما التعذيب : فليس للنفس فيه مقصود ثم أخبر أنه لم يأت في القرآن والسنة إلا لفائدة واحدة وهي تبريده لحرارة الخوف حتى لا يفضي بصاحبه إلى الإياس وهذا وجه كلامه وحمله على أحسن المحامل فيقال : هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ويستغرقها كمال الصدق وصحة المعاملة وقوة الإخلاص وتجريد التوحيد ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس إحداهما : حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ولطف نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها والطائفة الثانية : حجبوا بما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانها فسحبوا عليها ذيل المحاسن وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون والطائفة الثالثة وهم أهل العدل والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد

Section V02/P039–V02/P041

وهذه الشطحات ونحوها هي التي حذر منها سادات القوم وذموا عاقبتها وتبرؤا منها حتى ذكر أبو القاسم القشيرى فى رسالته : أن أبا سليمان الداراني رؤى بعد موته فقيل له : ما فعل الله بك فقال : غفر لي وما كان شيء أضر علي من إشارات القوم وقال أبو القاسم : سمعت أبا سعيد الشحام يقول : رأيت أبا سهل الصعلوكي في المنام فقلت له : أيها الشيخ فقال : دع التشييخ فقلت : وتلك الأحوال فقال : لم تغن عنا شيئا فقلت : ما فعل الله بك قال : غفر لي بمسائل كانت تسأل عنها العجائز وذكر عن الجريري : أنه رأى الجنيد في المنام بعد موته فقال : كيف حالك يا أبا القاسم فقال : طاحت تلك الإشارات وفنيت تلك العبارات وما نفعنا إلا تسبيحات كنا نقولها بالغدوات وقال أبو سليمان الداراني : تعرض علي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل : الكتاب والسنة وقال الجنيد : مذهبنا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدي به في طريقنا هذا إلى غير ذلك من الأقوال التي وردت عنهم رضي الله عنهم فأما قوله : الرجاء أضعف منازل المريدين فليس كذلك بل هو من أجل منازلهم وأعلاها وأشرفها وعليه وعلى الحب والخوف مدار السير إلى الله وقد مدح الله تعالى أهله وأثنى عليهم فقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا [ الأحزاب : 21 ] وفي الحديث الصحيح الإلهي عن النبي فيما يروي عن ربه عز وجل : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة رواه مسلم وقد أخبر تعالى عن خواص عباده الذين كان المشركون يزعمون أنهم يتقربون بهم إلى الله تعالى : أنهم كانوا راجين له خائفين منه فقال تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا [ الإسراء : 5957 ] يقول تعالى : هؤلاء الذين تدعونهم من دوني : هم عبادي يتقربون إلي بطاعتي ويرجون رحمتي ويخافون عذابي فلماذا تدعونهم من دوني فأثنى عليهم بأفضل أحوالهم ومقاماتهم : من الحب والخوف والرجاء قوله : لأنه معارضة من وجه واعتراض من وجه يقال : وهو عبودية وتعلق بالله من حيث اسمه المحسن البر فذلك التعلق والتعبد بهذا الاسم والمعرفة بالله : هو الذي أوجب للعبد الرجاء من حيث يدري ومن حيث لا يدري فقوة الرجاء على حسب قوة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وغلبة رحمته غضبه ولولا روح الرجاء لعطلت عبودية القلب والجوارح وهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا بل لولا روح الرجاء لما تحركت الجوارح بالطاعة ولولا ريحه الطيبة لما جرت سفن الأعمال في بحر الإرادات ولى من أبيات : لولا التعلق بالرجاء تقطعت نفس المحب تحسرا وتمزقا وكذاك لولا برده بحرارة ال كباد ذابت بالحجاب تحرقا أيكون قط حليف حب لا يرى برجائه لحبيبه متعلقا أم كلما قويت محبته له قوي الرجاء فزاد فيه تشوقا لولا الرجا يحدو المطي لما سرت بحمولها لديارهم ترجو اللقا

Section V02/P041–V02/P043

وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء وكل محب راج خائف بالضرورة فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه وكذلك خوفه فإنه يخاف سقوطه من عينه وطرد محبوبه له وإبعاده واحتجابه عنه فخوفه أشد خوف ورجاؤه ذاتي للمحبة فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له لما يحصل له به من حياة روحه ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه وبره وإقباله عليه ونظره إليه بعين الرضى وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه فرجاؤه أعظم رجاء وأجله وأتمه فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة فكل محبة فهي مصحوبة بالخوف والرجاء وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه لكن خوف المحب لا يصحبه وحشه بخلاف خوف المسىء ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير وأين رجاء المحب من رجاء الأجير وبينهما كما بين حاليهما وبالجملة : فالرجاء ضرورى للمريد السالك والعارف لو فارقه لحظة لتلف أو كاد فإنه دائر بين ذنب يرجو غفرانه وعيب يرجو اصلاحه وعمل صالح يرجو قبوله واستقامة يرجو حصولها ودوامها وقرب من الله ومنزلة عنده يرجو وصوله إليها ولا ينفك أحد من السالكين عن هذه الأمور أو بعضها فكيف يكون الرجاء من أضعف منازله وهذا حاله وأما حديث المعارضة والاعتراض فباطل فإن الراجي ليس معارضا ولا معترضا بل راغبا راهبا مؤملا لفضل ربه محسن الظن به متعلق الأمل ببره وجوده عابدا له بأسمائه المحسن البر المعطي الحليم الغفور الجواد الوهاب الرزاق والله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يرجوه ولذلك كان عند رجاء العبد له وظنه به و الرجاء من الأسباب التي ينال بها العبد ما يرجوه من ربه بل هو من أقوى الأسباب ولو تضمن معارضة واعتراضا لكان ذلك في الدعاء والمسألة أولى فكان دعاء العبد ربه وسؤاله أن يهديه ويوفقه ويسدده ويعينه على طاعته ويجنبه معصيته ويغفر ذنوبه ويدخله الجنة وينجيه من النار معارضة واعتراضا لأن الداعي راج وطالب ما يرجوه فهو أولى حينئذ بالمعارضة والاعتراض والذي أوجب للشيخ هذا القدر : الاسترسال في القدر والفناء في شهود الحقيقة الكونية فإنه من الراسخين فيه الذين لا تأخذهم فيه لومة لائم وهو شديد فى إنكار الأسباب وهذا موضع زلت فيه أقدام أئمة أعلام ولولا أن حق الحق أوجب من حق الخلق لكان في الإمساك فسحة ومتسع وليس في الرجاء ولا في الدعاء معارضة لتصرف المالك في ملكه فإنه إنما يرجو تصرفه في ملكه أيضا بما هو أولى وأحب الأمرين إليه فإن الفضل أحب إليه من العدل والعفو أحب إليه من الانتقام والمسامحة أحب إليه من الاستقصاء والترك أحب إليه من الاستيفاء ورحمته غلبت غضبه فالراجي علق رجاءه بتصرفه المحبوب له المرضي له فلم يوجب رجاؤه خروجه عن تصرفه في ملكه بل اقتضى عبوديته وحصول أحب التصرفين إليه وهو سبحانه وتعالى لا ينتفع باستيفاء حقه وعقوبة عبده حتى يكون رجاؤه مبطلا لذلك وإنما العبد استدعى العقوبة وأخذ الحق منه لشركه بالله وكفره به واجتهاده في غضبه ولغضبه موجبات وآثار ومقتضيات والعبد مؤثر لها ساع في تحصيلها عامل عليها بإيثاره إياها وسعيه في أسبابها فهو المهلك لنفسه وربه يحذره ويبصره ويناديه : هلم إلي أحمك وأصنك وأنجك مما تحذر وأؤمنك من كل ما تخاف وهو يأبى إلا شرودا عليه ونفارا عنه ومصالحة لعدوه ومظاهرة له على ربه متطلب لمرضاة خلقه بمساخطه رضى المخلوق آثر عنده من رضى خالقه وحقه آكد عنده من حقه وخوفه ورجاؤه وحبه في قلبه أعظم من خوفه من الله ورجائه وحبه فلم يدع لفضل ربه وكرامته وثوابه إليه طريقا بل سد دونه طرق مجاريها بجهده وأعطى بيده لعدوه فصالحه وسمع له وأطاع وانقاد إلى مرضاته فجاء من الظلم بأقبحه وأشده

Section V02/P043–V02/P046

فهو الذي عارض مراده به منه بمراده وهواه وشهوته واعترض لمحابه ومراضيه بالدفع ولم يأذن لها في الدخول عليه فأضاع حظه وبخس حقه وظلم نفسه وعادى حبيبه ووالى عدوه وأسخط من حياته في رضاه وأرضى من حياته في سخطه وجاد بنفسه لعدوه وبخل بها عن حبيبه ووليه والرب تبارك وتعالى ليس له ثأر عند عبده فيدركه بعقوبته ولا يتشفى بعقابه ولا يزيد ذلك في ملكه مثقال ذرة ولا ينقص مغفرته ولو غفر لأهل الأرض كلهم لما نقص مثقال ذرة من ملكه كيف والرحمة أوسع من العقوبة وأسبق من الغضب وأغلب له وهو قد كتب على نفسه الرحمة فرجاء العبد له لا ينقص شيئا من حكمته ولا ينقص ذرة من ملكه ولا يخرجه عن كمال تصرفه ولا يوجب خلاف كمال ولا تعطيل أوصافه وأسمائه ولولا أن العبد هو الذي سد على نفسه طرق الخيرات وأغلق دونها أبواب الرحمة بسوء اختياره لنفسه : لكان ربه له فوق رجائه وفوق أمله وأما استسلام العبد لربه واستسلامه بانطراحه بين يديه ورضاه بمواقع حكمه فيه : فما ذاك إلا رجاء منه أن يرحمه ويقيله عثرته ويعفو عنه ويقبل حسناته مع عيوب أعماله وآفاتها ويتجاوز عن سيئاته فقوة رجائه أوجبت له هذا الاستسلام والانقياد والانطراح بالباب ولا يتصور هذا بدون الرجاء ألبتة فالرجاء حياة الطلب والإرادة روحها وأما رضاه بمراده منه وإن عذبه : فهذا هو الرعونة كل الرعونة فإن مراده سبحانه نوعان : مراد يحبه ويرضاه ويمدح فاعله ويواليه فموافقته في هذا المراد : هي عين محبته وإرادة خلافه رعونة ومعارضة واعتراض ومراد يبغضه ويكرهه ويمقت فاعله ويعاديه فموافقته في هذا المراد : عين مشاقته ومعاداته ومخالفته والتعرض لمقته وسخطه فهذا الموضع موضع فرقان فالموافقة كل الموافقة معارضة هذا المراد واعتراضه بالدفع والرد بالمراد الآخر فالعبودية الحق : معارضة مراده بمراده ومزاحمة أحكامه بأحكامه فاستسلامه لهذا المراد المكروه المسخوط وما يوجبه ويقتضيه : عين الرعونة والخروج عن العبودية وهو عين الدعوى الكاذبة إذ لو كان مصدر ذلك الاستسلام والموافقة وترك الاعتراض والمعارضة لكان ذلك مخصوصا بمحابه ومراضيه وأوامره التي الاستسلام لها والموافقة فيها وترك معارضتها والاعتراض عليها هو عين المحبة والموالاة وأما الفناء بمراد ربه : فقد تقدم أن المحمود من هو ذلك : الفناء بمراده الديني الأمري لا الكوني القدري فإن الكون كله مراده القدري خيره وشره وأما تعلق الرجاء بمراده دون مراد سيده : فهو إنما علقه بمراده المحبوب له هاربا من مراده المسخوط المكروه له وعلى تقدير أن يكون محبوبا له إذا كان انتقاما فالعفو والفضل أحب إليه منه فهو إنما علق رجاءه بأحب المرادين إليه وأما كون الرجاء اعتراضا على ما سبق به الحكم : فليس كذلك بل تعلقا بما سبق به الحكم فإنه إنما يرجو فضلا وإحسانا ورحمة سبق بها القضاء والقدر وجعل الرجاء أحد أسباب حصولها فليس الرجاء اعتراضا على القدر ولا معارضة للقدر بل طلبا لما سبق به القدر وأما اعتراضه إذا لم يحصل له مرجوه : فهذا نقص في العبودية وجهل بحق الربوبية فإن الراجي والداعي يرجو ويدعو فضلا لا يستحقه ولا يستوجبه بمعاوضة فإن أعطيه فمحض المنة والصدقة عليه وإن منعه فلم يمنع حقا هو له فاعتراضه رعونة وجهالة ولا يلزم من فوات المرجو أو عدم حصول المدعو به في حق العبد الصادق : معارضة ولا اعتراض وقد سأل رسول الله ربه تبارك وتعالى ثلاث خصال لأمته فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة فرضي بما أعطاه ولم يعترض فيما منعه بل رضي وسلم وأما كون الرجاء وقوفا مع الحظ وأصحاب هذه الطريقة قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظهم فيا لله العجب أي رعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه وطمعه في بره وإحسانه وفضله وسؤاله ذلك بقلبه ولسانه فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه فإذا كان العبد دائما مستشرفا بقلبه سائلا بلسانه طالبا لفضل ربه فأي رعونة ههنا وهل الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك

Section V02/P046–V02/P048

ومن العجب : دعواهم خروجهم عن نفوسهم وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد الله الديني الأمري النبوي وبذلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي فانغمس فيهم يمزقون أديمه ويرمونه بالعظائم ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلبون دمه بجهدهم لا تأخذه في جهادهم في الله لومة لائم يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه قد زهد في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه يصيح فيهم بالنصائح جهارا ويعلن لهم بها ويسر لهم إسرارا قد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم وتعلق بمراضي الحي القيوم مقامه ساعة في جهاد أعداء الله ورباطه ليلة على ثغر الإيمان آثر عنده وأحب إليه من فناء ومشاهدات وأحوال هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفر حظها ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها ولعله قد خرج عن مراد ربه من عبوديته إلى عين مراده وهو حظه ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه : أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فإنه لاحظ للنفس في ذلك فوالله ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج وماذا يلعب الشيطان بالنفوس وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة فزن أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين الذين مرجت بهم نفوسهم ثم قايس بينهما وانظر التفاوت فأين هذا من دعاء النبي : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك وقوله لعمه العباس رضي الله عنه : يا عباس يا عم رسول الله سل الله العافية وقوله للصديق الأكبر رضي الله عنه وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم وقوله لصديقة النساء وقد سألته دعاء تدعو به إن وافقت ليلة القدر فقال : قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه : وإن دعا بدعاء أردفه به : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وقد أثنى الله تعالى على خاصته وهم أولو الألباب بأنهم سألوه : أن يقيهم عذاب النار فقالوا : ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [ آل عمران : 191 ] وقال لأم حبيبة لو سألت الله أن يجيرك من عذاب النار لكان خيرا لك وكان يستعيذ كثيرامن عذاب النار ومن عذاب القبر وأمر المسلمين : أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب القبر وعذاب النار وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال حتى قيل : إن هذا الدعاء واجب في الصلاة لا تصح إلا به وهذا أعظم من أن نستقصيه ودخل رسول الله على مريض يعوده فرآه مثل الفرخ فقال : ما كنت تدعو به فقال : كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا فقال : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا سألت الله العفو والعافية وفي المسند عنه قال : ما سئل الله شيئا أحب إليه من سؤال العفو والعافية وقال لبعض أصحابه : ما تقول إذا صليت فقال : أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال رسول الله : إنا حولها ندندن فأين هذا من حال من قال : لا أحبك لثوابك لأنه عين حظي وإنما أحبك لعقابك لأنه لاحظ لي فيه والرجاء عين الحظ ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيهم : إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده