Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Section V02/P094–V02/P097

فالمؤمن : جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه والمغرور : حسن الظن بنفسه مع إساءته الثاني : توفير الجهد باحتمائه من الشهود أي يأتي بجهد الطاقة في تصحيح العمل محتميا عن شهوده منك وبك الثالث : أن تحتمي بنور التوفيق الذي ينور الله به بصيرة العبد فترى في ضوء ذلك النور : أن عملك من عين جوده لا بك ولا منك فقد اشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء : عمل واجتهاد فيه وخجل وحياء من الله عز وجلوصيانة عن شهوده منك ورؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه قال : الدرجة الثالثة : إخلاص العمل بالخلاص من العمل تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم حرا من رق الرسم قد فسر الشيخ مراده بإخلاص العمل من العمل بقوله : تدعه يسير سير العلم وتسير أنت مشاهدا للحكم ومعنى كلامه : أنك تجعل عملك تابعا للعلم موافقا له مؤتما به تسير بسيره وتقف بوقوفه وتتحرك بحركته نازلا منازله مرتويا من موارده ناظرا إلى الحكم الديني الأمري متقيدا به فعلا وتركا وطلبا وهربا ناظرا إلى ترتب الثواب الثواب والعقاب عليه سببا وكسبا ومع ذلك فتسير أنت بقلبك مشاهدا للحكم الكوني القضائي الذي تنطوي فيه الأسباب والمسببات والحركات والسكنات ولا يبقى هناك غير محض المشيئة وتفرد الرب وحده بالأفعال ومصدرها عن إرادته ومشيئته فيكون قائما بالأمر والنهي : فعلا وتركا سائرا بسيره وبالقضاء والقدر : إيمانا وشهودا وحقيقة فهو ناظر إلى الحقيقة قائم بالشريعة وهذان الأمران هما عبودية هاتين الآيتين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 2829 ] وقال تعالى : إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماحكيما [ الإنسان : 2930 ] فترك العمل يسير سير العلم : مشهد لمن شاء منكم أن يستقيم وسير صاحبه مشاهدا للحكم : مشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وأما قوله : حرا من رق الرسم فالحرية التي يشيرون إليها : هي عدم الدخول تحت عبودية الخلق والنفس والدخول تحت رق عبودية الحق وحده ومرادهم بالرسم : ما سوى الله فكله رسوم فإن الرسوم هي الآثار ورسوم المنازل والديار : هي الآثار التي تبقى بعد سكانها والمخلوقات بأسرها في منزل الحقيقة ورسوم وآثار للقدرة أي فتخلص نفسك من عبودية كل ما سوى الله وتكون بقلبك مع القادر الحق وحده لا مع آثار قدرته التي هي رسوم فلا تشتغل بغيره لتشغلها بعبوديته ولا تطلب بعبوديتك له حالا ولا مقاما ولا مكاشفة ولا شيئا سواه فهذه أربعة أمور : بذل الجهد وتحكيم العلم والنظر إلى الحقيقة والتخلص من الالتفات إلى غيره والله الموفق والمعين فصل الإخلاص عدم انقسام المطلوب و الصدق عدم انقسام الطلب فحقيقة الإخلاص : توحيد المطلوب وحقيقة الصدق : توحيد الطلب والإرادة ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة فهذه الأركان الثلاثة : هي أركان السير وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع وإن ظن أنه سائر فسيره إما إلى عكس جهة مقصوده وإما سير المقعد والمقيد وإما سير صاحب الدابة الجموح كلما مشت خطوة إلى قدام رجعت عشرة إلى خلف فإن عدم الإخلاص والمتابعة : انعكس سيره إلى خلف وإن لم يبذل جهده ويوحد طلبه : سار سير المقيد وإن اجتمعت له الثلاثة : فذلك الذي لا يجاري في مضمار سيره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم فصل 2 ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التهذيب والتصفية وهو سبك العبودية في كير الامتحان طلبا لإخراج ما فيها من الخبث والغش قال صاحب المنازل : التهذيب : محنة أرباب البدايات وهو شريعة من شرائع الرياضة يريد : أنه صعب على المبتدي فهو له كالمحنة وطريقة للمرتاض الذي قد مرن نفسه حتى اعتادت قبوله وانقادت إليه

Section V02/P097–V02/P099

قال : وهو على ثلاث درجات الأولى : تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة ولا يشوبها عادة ولا يقف عندها همة أي : تخليص العبودية وتصفيتها من هذه الأنواع الثلاثة وهي : مخالجة الجهالة وشوب العادة ووقوف همة الطالب عندها النوع الأول : مخالطة الجهال فإن الجهالة متى خالطت العبودية أوردها العبد غير موردها ووضعها في غير موضعها وفعلها في غير مستحقها وفعل أفعالا يعتقد أنها صلاح وهي إفساد لخدمته وعبوديته بأن يتحرك في موضع السكون أو يسكن فى موضع التحرك أو يفرق في موضع جمع أو يجمع في موضع فرق أو يطير في موضع سفوف أو يسف في موضع طيران أو يقدم في موضع إحجام أو يحجم في موضع إقدام أو يتقدم في موضع وقوف أو يقف في موضع تقدم ونحو ذلك من الحركات التي هي في حق الخدمة : كحركات الثقيل البغيض في حقوق الناس فالخدمة ما لم يصحبها علم ثان بآدابها وحقوقها غير العلم بها نفسها كانت في مظنة أن تبعد صاحبها وإن كان مراده بها التقرب ولا يلزم حبوط ثوابها وأجرها فهي إن لم تبعده عن الأجر والثواب أبعدته عن المنزلة والقربة ولا تنفصل مسائل هذه الجملة إلا بمعرفة خاصة بالله وأمره ومحبة تامة له ومعرفة بالنفس وما منها النوع الثاني : شوب العادة وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها معينة عليها وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة كمن اعتاد الصوم مثلا وتمرن عليه فألفته النفس وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية وإنما هو تقاضي العادة وعلامة هذا : أنه إذا عرض عليها طاعة دون ذلك وأيسر منه وأتم مصلحة : لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألفته كما حكى عن بعض الصالحين من الصوفية قال : حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي وذلك : أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء فثقل ذلك على نفسي فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان بحظ نفسي وإرادتها إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع النوع الثالث : وقوف همته عند الخدمة وذلك علامة ضعفها وقصورها فإن العبد المحض لا تقف همته عند خدمة بل همته أعلى من ذلك إذ هي طالبة لرضى مخدومه فهو دائما مستصغر خدمته له ليس واقفا عندها والقناعة تحمد من صاحبها إلا في هذا الموضع فإنها عين الحرمان فالمحب لا يقنع بشيء دون محبوبه فوقوف همة العبد مع خدمته وأجرتها : سقوط فيها وحرمان قال : الدرجة الثانية : تهذيب الحال وهو أن لا يجنح الحال إلى علم ولا يخضع لرسم ولا يلتفت إلى حظ أما جنوح الحال إلى العلم فهو نوعان : ممدوح ومذموم فالممدوح : التفاته إليه وإصغاؤه إلى ما يأمر به وتحكيمه عليه فمتى لم يجنح إليه هذا الجنوح كان حالا مذموما ناقصا مبعدا عن الله فإن كل حال لا يصحبه علم : يخاف عليه أن يكون من خدع الشيطان وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم وعلى أهل الثغور ثغورهم وشردهم عن الله كل مشرد وطردهم عنه كل مطرد حيث لم يحكموا عليه العلم وأعرضوا عنه صفحا حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام وهم الذين قال فيهم سيد الطائفة الجنيد بن محمد لما قيل له : أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله فقال الجنيد : إن هذا كلام قوم تكلموا بإسقاط الأعمال عن الجوارح وهو عندي عظيمة الذي يزني ويسرق أحسن حالا من الذي يقول هذا فإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها وقال : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول

Section V02/P099–V02/P101

وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث : لا يقتدي به في طريقنا هذا لأن طريقنا وعلمنا مقيد بالكتاب والسنة وقال : علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله والبلية التي عرضت لهؤلاء : أن أحكام العلم تتعلق بالعلم وتدعو إليه وأحكام الحال تتعلق بالكشف وصاحب الحال ترد عليه أمور ليست في طور العلم فإن أقام عليها ميزان العلم ومعياره تعارض عنده العلم والحال فلم يجد بدا من الحكم على أحدهما بالإبطال فمن حصلت له أحوال الكشف ثم جنح إلى أحكام العلم فقد رجع القهقرى وتأخر في سيره إلى وراء فتأمل هذا الوارد وهذه الشبهة التي هي سم ناقع : تخرج صاحبها من المعرفة والدين كإخراج الشعرة من العجين واعلم أن المعرفة الصحيحة : هي روح العلم والحال الصحيح : هو روح العمل المستقيم فكل حال لا يكون نتيجة العمل المستقيم مطابقا للعلم : فهو بمنزلة الروح الخبيثة الفاجرة ولا ينكر أن يكون لهذه الروح أحوال لكن الشأن في مرتبة تلك الأحوال ومنازلها فمتى عارض الحال حكم من أحكام العلم فذلك الحال إما فاسد وإما ناقص ولا يكون مستقيما أبدا فالعلم الصحيح والعمل المستقيم : هما ميزان المعرفة الصحيحة والحال الصحيح وهما كالبدنين لروحيهما فأحسن ما يحمل عليه قوله : أن لا يجنح الحال إلى العلم أن العلم يدعو إلى التفرقة دائما والحال يدعو إلى الجمعية والقلب بين هذين الداعيين فهو يجيب هذا مرة وهذا مرة فتهذيب الحال وتصفيته : أن يجيب داعي الحال لا داعي العلم ولا يلزم من هذا إعراضه عن العلم وعدم تحكيمه والتسليم له بل هو متعبد بالعلم محكم له مستسلم له غير مجيب لداعيه من التفرقة بل هو مجيب لداعي الحال والجمعية آخذ من العلم ما يصحح له حاله وجمعيته غير مستغرق فيه استغراق من هو مطرح همته وغاية مقصده لا مطلوب له سواه ولا مراد له إلا إياه فالعلم عنده آلة ووسيلة وطريق توصله إلى مقصده ومطلوبه فهو كالدليل بين يديه يدعوه إلى الطريق ويدله عليها فهو يجيب داعيه للدلالة ومعرفة الطريق وما في قلبه من ملاحظة مقصده ومطلبه من سيره وسفره وباعث همته على الخروج من أوطانه ومرباه ومن بين أصحابه وخلطائه الحامل له على الاغتراب والتفرد في طريق الطلب : هو المسير له والمحرك والباعث فلا يجنح عن داعيه إلى اشتغاله بجزئيات أحوال الدليل وما هو خارج عن دلالته على طريقه فهذا مقصد شيخ الإسلام إن شاء الله تعالى لا الوجه الأول والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما قوله : ولا يخضع لرسم أي لا يستولي على قلبه شيء من الكائنات بحيث يخضع له قلبه فإن صاحب الحال : إنما يطلب الحي القيوم فلا ينبغي له أن يقف عند المعاهد والرسوم وأما قوله : ولا يلتفت إلى حظ أي إذا حصل له الحال التام : لم يشتغل بفرحه به وحظه منه واستلذاذه فإن ذلك حظ من حظوظ النفس وبقية من بقاياها فصل قال صاحب المنازل : الدرجة الثالثة : تهذيب القصد وهو تصفيته من ذل الإكراه وتحفظه من مرض الفتور ونصرته على منازعات العلم هذه أيضا ثلاثة أشياء تهذب قصده تصفيه أحدها : تصفيته من ذل الإكراه أي لا يسوق نفسه إلى الله كرها كالأجير المسخر المكلف بل تكون دواعي قلبه وجواذبه منساقة إلى الله طوعا ومحبة وإيثارا كجريان الماء في منحدره وهذه حال المحبين الصادقين فإن عبادتهم طوعا ومحبة ورضى ففيها قرة عيونهم وسرور قلوبهم ولذة أرواحهم كما قال النبي : وجعلت قرة عيني في الصلاة وكان يقول : يا بلال أرحنا بالصلاة فقرة عين المحب ولذته ونعيم روحه : في طاعة محبوبه بخلاف المطيع كرها المتحمل للخدمة ثقلا وفي قوله : ذل الإكراه لطيفة وهي أن المطيع كرها يرى أنه لولا ذل قهره وعقوبة سيده له لما أطاعه فهو يتحمل طاعته كالمكره الذي قد أذله مكرهه وقاهره بخلاف المحب الذي يعد طاعة محبوبه قوتا ونعيما ولذة وسرورا فهذا ليس الحامل له ذل الإكراه

Section V02/P101–V02/P104

والثاني : تحفظه من مرض الفتور أي توقيه من مرض فتور قصده وخمود نار طلبه فإن العزم هو روح القصد ونشاطه كالصحة له وفتوره مرض من أمراضه فتهذيب قصده وتصفيته بحميته من أسباب هذا المرض الذي هو فتوره وإنما يتحفظ منه بالحمية من أسبابه وهو أن يلهو عن الفضول من كل شيء ويحرص على ترك ما لا يعنيه ولا يتكلم إلا فيما يرجو فيه زيادة إيمانه وحاله مع الله ولا يصحب إلا من يعينه على ذلك فإن بلي بمن لا يعينه فليدرأه عنه ما استطاع ويدفعه دفع الصائل الثالث : نصرة قصده على منازعات العلم ومعنى ذلك : نصرة خاطر العبودية المحضة والجمعية فيها والإقبال على الله فيها بكلية القلب على جواذب العلم والفكرة في دقائقه وتفاريع مسائله وفضلاته أو أن العلم يطلب من العبد العمل للرغبة والرهبة والثواب وخوف العقاب فتهذيب القصد : تصفيته من ملاحظة ذلك وتجريده : أن يكون قصده وعبوديته محبة لله بلا علة وأن لا يحب الله لما يعطيه ويحميه منه فتكون محبته لله محبة الوسائل ومحبته بالقصد الأول : لما يناله من الثواب المخلوق فهو المحبوب له بالذات بحيث إذا حصل له محبوبه تسلى به عن محبة من أعطاه إياه فإن من أحبك لأمر والاك عند حصوله وملك عند انقضائه والمحب الصادق يخاف أن تكون محبته لغرض من الأغراض فتنقضي محبته عند انقضاء ذلك الغرض وإنما مراده : أن محبته تدوم لا تنقضي أبدا وأن لا يجعل محبوبه وسيلة له إلى غيره بل يجعل ما سواه وسيلة له إلى محبوبه وهذا القدر هو الذي حام عليه القوم وداروا حوله وتكلموا فيه وشمروا إليه فمنهم من أحسن التعبير عنه ومنهم من أساء العبارة وقصده وصدقه يصلح فساد عبارته ومن الناس : من لم يفهم هذا كما ينبغي فلم يجد له ملجأ غير الإنكار والله يغفر لكل من قصده الحق واتباع مرضاته فإنه واسع المغفرة فصلومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الاستقامة قال الله تعالى : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة : أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون [ فصعلت : 30 ] وقال : إن الذين قالوا : ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون [ الأحقاف : 1314 ] وقال لرسوله : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير [ هود : 112 ] فبين أن الاستقامة ضد الطغيان وهو مجاوزة الحدود فى كل شىء وقال تعالى : قل : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه [ فصعلت : 6 ] وقال تعالى : وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه [ الجن : 16 ] سئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة فقال : أن لا تشرك بالله شيئا يريد الاستقامة على محض التوحيد وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الاستقامة : أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : استقاموا : أخلصوا العمل لله وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما : استقاموا أدوا الفرائض وقال الحسن : استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معصيته وقال مجاهد : استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك قال : قل آمنت بالله ثم استقم

Section V02/P104–V02/P106

وفيه عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي قال : استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن والمطلوب من العبد الاستقامة وهي السداد فإن لم يقدر عليها فالمقاربة فإن نزل عنها : فالتفريط والإضاعة كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال : سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل فجمع في هذا الحديث مقامات الدين كلها فأمر بالاستقامة وهي السداد والإصابة في النيات والأقوال والأعمال وأخبر في حديث ثوبان : أنهم لا يطيقونها فنقلهم إلى المقاربة وهي أن يقربوا من الاستقامة بحسب طاقتهم كالذي يرمي إلى الغرض فإن لم يصبه يقاربه ومع هذا فأخبرهم : أن الاستقامة والمقاربة لا تنجي يوم القيامة فلا يركن أحد إلى عمله ولا يعجب به ولا يرى أن نجاته به بل إنما نجاته برحمة الله وعفوه وفضله فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات فالاستقامة فيها : وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله قال بعض العارفين : كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطالبك بالاستقامة وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول : أعظم الكرامة لزوم الاستقامة فصل قال صاحب المنازل قدس الله روحه في قوله : فاستقيموا إليه واستغفروه [ فصعلت : 6 ] إنه إشارة إلى عين التفريد يريد : أنه أرشدهم إلى شهود تفريده وهو أن لا يروا غير فردانيته وتفريده نوعان : تفريد في العلم والمعرفة والشهود وتفريد في الطلب والإرادة وهما نوعا التوحيد وفي قوله : عين التفريد إشارة إلى حال الجمع وأحديته التي هي عنده فوق علمه ومعرفته لأن التفرقة قد تجامع علم الجمع وأما حاله : فلا تجامعه التفرقة والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : الاستقامة : روح تحيا به الأحوال كما تربو للعامة عليها الأعمال وهي برزخ بين وهاد التفرق وروابي الجمع شبه الاستقامة للحال بمنزلة الروح للبدن فكما أن البدن إذا خلا عن الروح فهو ميت فكذلك الحال إذا خلا عن الاستقامة فهو فاسد وكما أن حياة الأحوال بها فزيادة أعمال الزاهدين أيضا وربوها وزكاؤها بها فلا زكاء للعمل ولا صحة للحال بدونها وأما كونها برزخا بين وهاد التفرق وروابي الجمع ف البرزخ هو الحاجز بين شيئين متغايرين و الوهاد الأمكنة المنخفضة من الأرض واستعارها للتفرق لأنها تحجب من يكون فيها عن مطالعة ما يراه من هو على الروابى كما أن صاحب التفرق محجوب عن مطالعة ما يراه صاحب الجمع ويشاهده وأيضا فإن حاله أنزل من حاله فهو كصاحب الوهاد وحال صاحب الجمع أعلى فهو كصاحب الروابي وشبه حال صاحب الجمع بحال من على الروابي لعلوه ولأن الروابي تكشف لمن عليها القريب والبعيد وصاحب الجمع تكشف له الحقائق المحجوبة عن صاحب التفرقة إذا عرف هذا فمعنى كونها برزخا أن السالك يكون في أول سلوكه في أودية التفرقة سائرا إلى روابي الجمع فيستقيم في طريق سيره غاية الاستقامة ليصل باستقامته إلى روابي الجمع فاستقامته برزخ بين تلك التفرقة التي كان فيها وبين الجمع الذي يؤمه ويقصده وهذا بمنزلة تفرقة المقيم في البلد في أنواع التصرفات فإذا عزم على السفر وخرج وفارق البلد واستمر على السير : كان طريق سفره برزخا بين البلد الذي كان فيه والبلد الذي يقصده ويؤمه فصل قال : وهي على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الاستقامة على

Section V02/P106–V02/P109

الاجتهاد في الاقتصاد لا عاديا رسم العلم ولا متجاوزا حد الإخلاص ولا مخالفا نهج السنة هذه درجة تتضمن ستة أمور : عملا واجتهادا فيه وهو بذل المجهود واقتصادا وهو السلوك بين طرفي الإفراط وهو الجور على النفوس والتفريط بالإضاعة ووقوفا مع ما يرسمه العلم لا وقوفا مع داعي الحال وإفراد المعبود بالإرادة وهو الإخلاص ووقوع الأعمال على الأمر وهو متابعة السنة فبهذه الأمور الستة تتم لأهل هذه الدرجة استقامتهم وبالخروج عن واحد منها يخرجون عن الاستقامة : إما خروجا كليا وإما خروجا جزئيا والسلف يذكرون هذين الأصلين كثيرا وهما الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة فإن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضا عن كمال الانقياد للسنة : أخرجه عن الاعتصام بها وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها : لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له : إن هذا خير وطاعة والزيادة والاجتهاد فيها أكمل فلا تفتر مع أهل الفتور ولا تنم مع أهل النوم فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها فيخرج عن حدها كما أن الأول خارج عن هذا الحد فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر وهذا حال الخوارج الذين يحقر أهل الاستقامة صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم وقراءتهم مع قراءتهم وكلا الأمرين خروج عن السنة إلى البدعة لكن هذا إلى بدعة التفريط والإضاعة والآخر إلى بدعة المجاوزة والإسراف وقال بعض السلف : ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر : زيادة أو نقصان وقال النبي لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : يا عبد الله بن عمرو إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنة أفلح ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل فكل الخير في اجتهاد باقتصاد وإخلاص مقرون بالاتباع كما قال بعض الصحابة : اقتصاد في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة فاحرصوا أن تكون أعمالكم على منهاج الأنبياء عليهم السلام وسنتهم وكذلك الرياء في الأعمال يخرجه عن الاستقامة والفتور والتواني يخرجه عنها أيضا فصل قال : الدرجة الثانية : استقامة الأحوال وهي شهود الحقيقة لا كسبا ورفض الدعوى لا علما والبقاء مع نور اليقظة لا تحفظا يعني أن استقامة الحال بهذه الثلاثة أما شهود الحقيقة فالحقيقة حقيقتان : حقيقة كونية وحقيقة دينية يجمعهما حقيقة ثالثة وهي مصدرهما ومنشؤهما وغايتهما وأكثر أرباب السلوك من المتأخرين : إنما يريدون بالحقيقة الحقيقة الكونية وشهودها هو شهود تفرد الرب بالفعل وأن ما سواه محل جريان أحكامه وأفعاله فهو كالحفير الذي هو محل لجريان الماء حسب وعندهم أن شهود هذه الحقيقة والفناء : فيها غاية السالكين ومنهم : من يشهد حقيقة الأزلية والدوام وفناء الحادثات وطيها في ضمن بساط الأزلية والأبدية وتلاشيها في ذلك فيشهدها معدومة ويشهد تفرد موجدها بالوجود الحق بالحق وأن وجود ما سواه رسوم وظلال فالأول : شهد تفرده بالأفعال وهذا شهد تفرده بالوجود وصاحب الحقيقة الدينية في طور آخر فإنه في مشهد الأمر والنهي والثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه فهو في مقام الفرق الثاني الذي لا يحصل للعبد درجة الإسلام فضلا عن مقام الإحسان إلا به فالمعرض عنه صفحا لا نصيب له في الإسلام ألبتة وهو كالذي كان الجنيد يوصى به أصحابه فيقول : عليكم بالفرق الثاني وإنما سمى ثانيا لأن الفرق الأول : فرق بالطبع والنفس وهذا فرق بالأمر والجمع أيضا جمعان : جمع في فرق وهو جمع أهل الاستقامة والتوحيد وجمع بلا فرق وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد فالناس ثلاثة : صاحب فرق بلا جمع فهو مذموم ناقص مخذول وصاحب جمع بلا فرق وهو جمع أهل الزندقة والإلحاد فصاحبه ملحد زنديق

Section V02/P109–V02/P111

وصاحب فرق وجمع يشهد الفرق في الجمع والكثرة في الوحدة فهو المستقيم الموحد الفارق وهذا صاحب الحقيقة الثالثة الجامعة للحقيقتين الدينية والكونية فشهود هذه الحقيقة الجامعة : هو عين الاستقامة وأما شهود الحقيقة الكونية أو الأزلية والفناء فيها : فأمر مشترك بين المؤمنين والكفار فإن الكافر مقر بقدر الله وقضائه وأزليته وأبديته فإذا استغرق في هذا الشهود وفني به عن سواه : فقد شهد الحقيقة وأما قوله لا كسبا أي يتحقق عند مشاهدة الحقيقة : أن شهودها لم يكن بالكسب لأن الكسب من أعمال النفس فالحقيقة لا تبدو مع بقاء النفس إذ الحقيقة فردانية أحدية نورانية فلابد من زوال ظلمة النفس ورؤية كسبها وإلا لم يشهد الحقيقة وأما رفض الدعوى لا علما ف الدعوى نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنيتك فالاستقامة لا تصح إلا بتركها سواء كانت حقا أو باطلا فإن الدعوى الصادقة تطفىء نور المعرفة فكيف بالكاذبة وأما قوله : لا علما أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرد علمه بفساد الدعوى ومنافاتها للاستقامة فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها فيكون تاركا لها ظاهرا لا حقيقة أو تاركا لها لفظا قائما بها حالا لأنه يرى أنه قد قام بحق العلم في تركها فيتركها تواضعا بل يتركها حالا وحقيقة كما يترك من أحب شيئا تضره محبته حبه حالا وحقيقة وإذا تحقق أنه ليس له من الأمر شيء كما قال الله عز وجل لخير خلقه على الاطلاق : ليس لك من الأمر شيء [ آل عمران : 128 ] ترك الدعوى شهودا وحقيقة وحالا وأما البقاء مع نور اليقظة فهو الدوام في اليقظة وأن لا يطفىء نورها بظلمة الغفلة بل يستديم يقظته ويرى أنه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه حفظا من الله له لا أن ذلك حصل بتحفظه واحترازه فهذه ثلاثة أمور : يقظة واستدامة لها وشهود أن ذلك بالحق سبحانه لا بك فليس سبب بقائه في نور اليقظة بحفظه بل بحفظ الله له وكأن الشيخ يشير إلى أن الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل بكسب وإنما هو مجرد موهبة من الله فإنه قال في الأولى : الاستقامة على الاجتهاد وفي الثانية استقامة الأحوال لا كسبا ولا تحفظا ومنازعته في ذلك متوجهة وأن ذلك مما يمكن تحصيله كسبا بتعاطي الأسباب التي تهجم بصاحبها على هذا المقام نعم الذي ينفي في هذا المقام : شهود الكسب وأن هذا حصل له بكسبه فنفي الكسب شيءونفي شهوده شيء آخر ولعل أن نشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء الله تعالى فصل قال : الدرجة الثالثة : استقامة بترك رؤية الاستقامة وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة وتقويمه الحق هذه الاستقامة معناها : الذهول بمشهوده عن شهوده فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه فإن رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشهود وأما الغيبة عن تطلب الاستقامة فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحق للعبد وتقويمه إياه فإنه إذا شهد أن الله هو المقيم له والمقوم وأن استقامته وقيامه بالله لا بنفسه ولا بطلبه : غاب بهذا الشهود عن استشعار طلبه لها وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه القيوم وهو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه بالذات وليست حاجته إليه معللة بحدوث كما يقول المتكلمون ولا بإمكان كما يقول الفلاسفة المشاءون بل حاجته إليه ذاتية وما بالذات لا يعلل نعم الحدوث والإمكان دليلان على الحاجة فالتعليل بهما من باب التعريف لا من باب العلل المؤثرة والله أعلم فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التوكل

Section V02/P111–V02/P113

قال الله تعالى : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [ المائده : 23 ] وقال : وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ إبراهيم : 11 ] وقال : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : 3 ] وقال عن أوليائه : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير [ الممتحنة : 4 ] وقال لرسوله : قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا [ الملك : 29 ] وقال لرسوله : فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : 79 ] وقال له : وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا [ النساء : 81 ] وقال له : وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده [ الفرقان : 58 ] وقال له : فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين [ آل عمران : 159 ] وقال عن أنبيائه ورسله : وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [ إبراهيم : 12 ] وقال عن أصحاب نبيه الذين قال لهم الناس : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] وقال : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون [ الأنفال : 2 ] والقرآن مملوء من ذلك وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قالوا له : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] وفي الصحيحين : أن رسول الله كان يقول : اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت : أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعا : لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له : هديت ووقيت وكفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر : كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ومنزلته : أوسع المنازل وأجمعها ولا تزال معمورة بالنازلين لسعة متعلق التوكل وكثرة حوائج العالمين وعموم التوكل ووقوعه من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار والطير والوحش والبهائم فأهل السموات والأرض المكلفون وغيرهم في مقام التوكل وإن تباين متعلق توكلهم فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في حصول ما عليه في الإيمان ونصرة دينه وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه وفي محابه وتنفيذ أوامره ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه وحفظ حاله مع الله فارغا عن الناس ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية أو نصر على عدو أو زوجة أو ولد ونحو ذلك ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم بالله وتوكلهم عليه بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم

Section V02/P113–V02/P115

فأفضل التوكل : التوكل في الواجب أعني واجب الحق وواجب الخلق وواجب النفس وأوسعه وأنفعه : التوكل في التأثير في الخارج فى مصلحة دينية أو في دفع مفسدة دينية وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله ودفع فساد المفسدين في الأرض وهذا توكل ورثتهم ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم فمن متوكل على الله في حصول الملك ومن متوكل في حصول رغيف ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه إن لم يستعن به على طاعاته والله أعلم فصل فلنذكر معنى التوكل ودرجاته وما قيل فيه قال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح ولا هو من باب العلوم والإدراكات ومن الناس : من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب بكفاية الرب للعبد ومنهم : من يفسره بالسكون وخمود حركة القلب فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء وهو ترك الاختيار والاسترسال مع مجاري الأقدار قال سهل : التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد ومنهم : من يفسره بالرضى فيقول : هو الرضى بالمقدور قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله رضي بما يفعل الله وسئل يحيى بن معاذ : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله وكيلا ومنهم : من يفسره بالثقة بالله والطمأنينة إليه والسكون إليه قال ابن عطاء : التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع وقوفك عليها قال ذو النون : هو ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة وإنما يقوي العبدعلى التوكل إذا علم أن الحق سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه وقال بعضهم : التوكل التعلق بالله في كل حال وقيل : التوكل أن ترد عليك موارد الفاقات فلا تسمو إلا إلى من إليه الكفايات وقيل : نفي الشكوك والتفويض إلى مالك الملوك وقال ذو النون : خلع الأرباب وقطع الأسباب يريد قطعها من تعلق القلب بها لا من ملابسة الجوارح لها ومنهم : من جعله مركبا من أمرين أو أمور فقال أبو سعيد الخراز : التوكل اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب يريد : حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن وسكون إلى المسبب وركون إليه ولا يضطرب قلبه معه ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه وقال أبو تراب النخشبي : هو طرح البدن في العبودية وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية فإن أعطى شكر وإن منع صبر فجعله مركبا من خمسة أمور : القيام بحركات العبودية وتعلق القلب بتدبير الرب وسكونه إلى قضائه وقدره وطمأنينته وكفايته له وشكره إذا أعطى وصبره إذا منع قال أبو يعقوب النهرجوري : التوكل على الله بكمال الحقيقة كما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام : أما إليك فلا لأنه غائب عن نفسه بالله فلم ير مع الله غير الله وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد قال سهل بن عبدالله : من طعن في الحركة فقد طعن في السنة ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان فالتوكل حال النبي والكسب سنته فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته وهذا معنى قول أبي سعيد : هو اضطراب بلا سكون وسكون بلا اضطراب وقول سهل أبين وأرفع وقيل : التوكل قطع علائق القلب بغير الله وسئل سهل عن التوكل فقال : قلب عاش مع الله بلا علاقة

Section V02/P115–V02/P117

وقيل : التوكل هجرالعلائق ومواصلة الحقائق وقيل : التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال وهذا من موجباته وآثاره لأنه حقيقته وقيل : هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبب حتى يكون الحق هو المتولي لذلك وهذا صحيح من وجه باطل من وجه فترك الأسباب المأمور بها : قادح في التوكل وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة : فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح وإلا فهو مذموم وقيل : هو إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية يريد : استرسالها مع الأمر وبراءتها من حولها وقوتها وشهود ذلك بها بل بالرب وحده ومنهم : من قال : التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه ومنهم من قال : هو التفويض إليه في كل حال ومنهم : من جعل التوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية قال أبو علي الدقاق : التوكل ثلاث درجات : التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضى بحكمه فالتوكل بداية والتسليم واسطة والتفويض نهاية فالتوكل صفة المؤمنين والتسليم صفة الأولياء والتفويض صفة الموحدين التوكل صفة العوام والتسليم صفة الخواص والتفويض صفة خاصة الخاصة التوكل صفة الأنبياء والتسليم صفة إبراهيم الخليل والتفويض صفة نبينا محمد وعليهم أجمعين هذا كله كلام الدقاق ومعنى هذا التوكل : اعتماد على الوكيل وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه وإرادة وشائبة منازعة فإذا سلم إليه زال عنه ذلك ورضي بما يفعله وكيله وحال المفوض فوق هذا فإنه طالب مريد ممن فوض إليه ملتمس منه أن يتولى أموره فهو رضى واختيار وتسليم واعتماد فالتوكل يندرج في التسليم وهو والتسليم يندرجان في التفويض والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وحقيقة الأمر : أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها وكل أشار إلى واحد من هذه الأمور أو اثنين أو أكثر فأول ذلك : معرفة بالرب وصفاته : من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل قال شيخنا رضي الله عنه : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ولا من القدرية النفاة القائلين : بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه ولا هو فاعل باختياره ولا له إرادة ومشيئة ولا يقوم به صفة فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف : كان توكله أصح وأقوى والله سبحانه وتعالى أعلم فصل الدرجة الثانية : إثبات في الأسباب والمسببات فإن من نفاها فتوكله مدخول وهذا عكس ما يظهر في بدوات الرأي : أن إثبات الأسباب يقدح في التوكل وأن نفيها تمام التوكل فاعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل ألبتة لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه فهو كالدعاء الذي جعله الله سببا في حصول المدعو به فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سببا ولا جعل دعاءه سببا لنيل شيء فإن المتوكل فيه المدعو بحصوله : إن كان قد قدر حصل توكل أو لم يتوكل دعا أو لم يدع وإن لم يقدر لم يحصل توكل أيضا أو ترك التوكل وصرح هؤلاء : أن التوكل والدعاء عبودية محضة لا فائدة لهما إلا ذلك ولو ترك العبد التوكل والدعاء ما فاته شيء مما قدر له ومن غلاتهم من يجعل الدعاء بعدم المؤاخذة على الخطإ والنسيان عديم الفائدة إذ هو مضمون الحصول

Section V02/P117–V02/P120

ورأيت بعض متعمقي هؤلاء في كتاب له لا يجوز الدعاء بهذا وإنما يجوزه تلاوة لا دعاء قال لأن الدعاء به يتضمن الشك في وقوعه لأن الداعي بين الخوف والرجاء والشك في وقوع ذلك شك في خبر الله فانظر إلى ما قاد إنكار الأسباب من العظائم وتحريم الدعاء بما أثنى الله على عباده وأوليائه بالدعاء به وبطلبه ولم يزل المسلمون من عهد نبيهم وإلى الآن يدعون به في مقامات الدعاء وهو من أفضل الدعوات وجواب هذا الوهم الباطل أن يقال : بقي قسم ثالث غير ما ذكرتم من القسمين لم تذكروه وهو الواقع وهو أن يكون قضى بحصول الشيء عند حصول سببه من التوكل والدعاء فنصب الدعاء والتوكل سببين لحصول المطلوب وقضى بحصوله إذا فعل العبد سببه فإذا لم يأت بالسبب امتنع المسبب وهذا كما قضى بحصول الولد إذا جامع الرجل من يحبلها فإذا لم يجامع لم يخلق الولد وقضى بحصول الشبع إذا أكل والري إذا شرب فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة وقضى بدخول الجنة إذا أسلم وأتى بالأعمال الصالحة فإذا ترك الإسلام ولم يعمل الصالحات : لم يدخلها أبدا وقضى بإنضاج الطعام بإيقاد النار تحته وقضى بطلوع الحبوب التي تزرع بشق الأرض وإلقاء البذر فيها فما لم يأت بذلك لم يحصل إلا الخيبة فوزان ما قاله منكرو الأسباب : أن يترك كل من هؤلاء السبب الموصل ويقول : إن كان قضى لى وسبق في الأزل حصول الولد والشبع والري والحج ونحوها فلا بد أن يصل إلي تحركت أو سكنت وتزوجت أو تركت سافرت أو قعدت وإن لم يكن قد قضى لي لم يحصل لي أيضا فعلت أو تركت فهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء وهل البهائم إلا أفقه منه فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل : عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها فالأسباب محل حكمة الله وأمره ودينه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره فلا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية والله سبحانه وتعالى أعلم فصل الدرجة الثالثة : رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده بل حقيقة التوكل : توحيد القلب فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول وعلى قدر تجريد التوحيد : تكون صحة التوكل فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب وهذا حق لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب وتعلق الجوارح بها فيكون منقطعا منها متصلا بها والله سبحانه وتعالى أعلم فصل الدرجة الرابعة : اعتماد القلب على الله واستناده إليه وسكونه إليه بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب ولا سكون إليها بل يخلع السكون إليها من قلبه ويلبسه السكون إلى مسببها وعلامة هذا : أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره لأن اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه قد حصنه من خوفها ورجائها فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به فرأى حصنا مفتوحا فأدخله ربه إليه وأغلق عليه باب الحصن فهو يشاهد عدوه خارج الحصن فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له

Section V02/P120–V02/P122

وكذلك من أعطاه ملك درهما فسرق منه فقال له الملك : عندي أضعافه فلا تهتم متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه فإذا علم صحة قول الملك ووثق به واطمأن إليه وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته وقد مثل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره وليس في قلبه التفات إلى غيره كما قال بعض العارفين : المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا يأوي إليه إلا ثدي أمه كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه فصل الدرجة الخامسة : حسن الظن بالله عز وجل فعلى قدر حسن ظنك بربك ورجائك له يكون توكلك عليه ولذلك فسر بعضهم التوكل بحسن الظن بالله والتحقيق : أن حسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه إذ لا يتصور التوكل على من ساء ظنك به ولا التوكل على من لا ترجوه والله أعلم فصل الدرجة السادسة : استسلام القلب له وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعاته وبهذا فسره من قال : أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير وهذا معنى قول بعضهم : التوكل إسقاط التدبير يعني الاستسلام لتدبير الرب لك وهذا في غير باب الأمر والنهي بل فيما يفعله بك لا فيما أمرك بفعله فالاستسلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده وانقياده له وترك منازعات نفسه وإرادتها مع سيده والله سبحانه وتعالى أعلم فصل الدرجة السابعة : التفويض وهو روح التوكل ولبه وحقيقته وهو إلقاء أموره كلها إلى الله وإنزالها به طلبا واختيارا لا كرها واضطرارا بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره : كل أموره إلى أبيه العالم بشفقته عليه ورحمته وتمام كفايته وحسن ولايته له وتدبيره له فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره لنفسه وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه وراحته من حمل كلفها وثقل حملها مع عجزه عنها وجهله بوجوه المصالح فيها وعلمه بكمال علم من فوض إليه وقدرته وشفقته فصل فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة انتقل منها إلى درجة الرضى وهي ثمرة التوكل ومن فسر التوكل : بها فإنما فسره بأجلع ثمراته وأعظم فوائده فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله وكان شيخنا رضي الله عنه يقول : المقدور يكتنفه أمران : التوكل قبله والرضى بعده فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية أو معنى هذا قلت : وهذا معنى قول النبي فى دعاء الاستخارة : اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فهذا توكل وتفويض ثم قال : فإنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحول والقوة وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلا أو آجلا وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرته عاجلا أو آجلا فهذا هو حاجته التي سألها فلم يبق عليه إلا الرضى بما يقضيه له فقال : واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية التي من جملتها : التوكل والتفويض قبل وقوع المقدور والرضى بعده وهو ثمرة التوكل والتفويض علامة صحته فإن لم يرض بما قضى له فتفويضه معلول فاسد فباستكمال هذه الدرجات الثمان يستكمل العبد مقام التوكل وتثبت قدمه فيه وهذا معنى قول بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على الله يكذب على الله لو توكل على الله لرضي بما يفعله الله به وقول يحيى بن معاذ وقد سئل : متى يكون الرجل متوكلا فقال : إذا رضي بالله وكيلا فصل وكثيرا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص

Section V02/P122–V02/P125

فيشتبه التفويض بالإضاعة فيضيع العبد حظه ظنا منه أن ذلك تفويض وتوكل وإنما هو تضييع لا تفويض فالتضييع في حق الله والتفويض في حقك ومنه : اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكل فيظن صاحبه أنه متوكل وإنما هو عامل على عدم الراحة وعلامة ذلك : أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد مستريح من غيرها لتعبه بها والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تندفع به الضرورة وتسقط به عنه مطالبة الشرع فهذا لون وهذا لون ومنه : اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها فخلعها توحيد وتعطيلها إلحاد وزندقة فخلعها عدم اعتماد القلب عليها ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح ومنه : اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز والفرق بينهما : أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كغارس الشجرة وباذر الأرض والمغتر العاجز : قد فرط فيما أمر به وزعم أنه واثق بالله والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود ومنه : اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه بالطمأنينة إلى المعلوم وسكون القلب إليه ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة كما يذكر عن أبي سليمان الداراني : أنه رأى رجلا بمكة لا يتناول شيئاإلا شربة من ماء زمزم فمضى عليه أيام فقال له أبو سليمان يوما : أرأيت لو غارت زمزم أي شيء كنت تشرب فقام وقبل رأسه وقال : جزاك الله خيرا حيث أرشدتني فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام ثم تركه ومضى وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم وهم يظنون أنه إلى الله وعلامة ذلك : أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همه وبثه وخوفه فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله ومنه : اشتباه الرضى عن الله بكل ما يفعل بعبده مما يحبه ويكرهه بالعزم على ذلك وحديث النفس به وذلك شيء والحقيقة شيء آخر كما يحكى عن أبي سليمان أنه قال : أرجو أن أكون أعطيت طرفا من الرضى لو أدخلني النار لكنت بذلك راضيا فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول : هذا عزم منه على الرضى وحديث نفس به ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء وفرق بين العزم على الشىء وبين حقيقته ومنه : اشتباه علم التوكل بحال المتوكل فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله فيظن أنه متوكل وليس من أهل التوكل فحال التوكل : أمر آخر من وراء العلم به وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها وحال المحب العاشق وراء ذلك وكمعرفة علم الخوف وحال الخائف وراء ذلك وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق والعوارض بالمطالب والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فصل التوكل من أعم المقامات تعلقا بالأسماء الحسنى فإن له تعلقا خاصا بعامة أسماء الأفعال وأسماء الصفات فله تعلق باسم الغفار والتواب والعفو والرؤوف والرحيم وتعلق باسم الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحسن وتعلق باسم المعز المذل الحافظ الرافع المانع من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر وتعلق بأسماء القدرة والإرادة وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه المعرفة بالله وإنما أراد أنه بحسب معرفة العبد يصح له مقام التوكل وكلما كان بالله أعرف كان توكله عليه أقوى فصل وكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم ونصرة الدين والتأثير في العالم خبرا فهذا توكل العاجز القاصر الهمة كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف أو نصف درهم ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين والله أعلم فصل قال صاحب المنازل : التوكل : كلة الأمر إلى مالكه والتعويل

Section V02/P125–V02/P127

على وكالته وهو من أصعب منازل العامة عليهم وأوهى السبل عند الخاصة لأن الحق تعالى قد وكل الأمور كلها إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها قوله : كلة الأمر إلى مالكه أي تسليمه إلى من هو بيده والتعويل على وكالته أي الاعتماد على قيامه بالأمر والاستغناء بفعله عن فعلك وبإرادته عن إرادتك و الوكالة يراد بها أمران أحدهما : التوكيل وهو الاستنابة والتفويض والثاني : التوكل وهو التعرف بطريق النيابة عن الموكل وهذا من الجانبين فإن الله تبارك وتعالى يوكل العبد ويقيمه في حفظ ما وكله فيه والعبد يوكل الرب ويعتمد عليه فأما وكالة الرب عبده ففي قوله : تعالى فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين [ الأنعام : ] قال قتادة : وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم يعني قبل هذه الآية وقال أبو رجاء العطاردي : معناه إن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء وهم الملائكة وقال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار أهل المدينة والصواب : أن المراد من قام بها إيمانا ودعوة وجهادا ونصرة فهولاء هم الذين وكلهم الله بها فإن قلت : فهل يصح أن يقال : إن أحدا وكيل الله قلت : لا فإن الوكيل من يتصرف عن موكله بطريق النيابة والله عز وجل لا نائب له ولا يخلفه أحد بل هو الذي يخلف عبده كما قال النبي : اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل على أنه لا يمتنع أن يطلق ذلك باعتبار أنه مأمور بحفظ ما وكله فيه ورعايته والقيام به وأما توكيل العبد ربه : فهو تفويضه إليه وعزل نفسه عن التصرف وإثباته لأهله ووليه ولهذا قيل في التوكل : إنه عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية وهذا معنى كون الرب وكيل عبده أي كافيه والقائم بأموره ومصالحه لأنه نائبه في التصرف فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته وأما توكيل العبد ربه : فتسليم لربوبيته وقيام بعبوديته وقوله وهو : من أصعب منازل العامة عليهم لأن العامة لم يخرجوا عن نفوسهم ومألوفاتهم ولم يشاهدوا الحقيقة التي شهدها الخاصة وهي التي تشهد التوكيل فهم في رق الأسباب فيصعب عليهم الخروج عنها وخلو القلب منها والاشتغال بملاحظة المسبب وحده وأما كونه أو هي السبل عند الخاصة فليس على إطلاقه بل هو من أجل السبل عندهم وأفضلها وأعظمها قدرا وقد تقدم في صدر الباب : أمر الله رسوله بذلك وحضه عليه هو والمؤمنين ومن أسمائه المتوكل وتوكله أعظم توكل وقد قال الله له : فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ النمل : 79 ] وفي ذكر أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق : دلالة على أن الدين بمجموعه في هذين الأمرين : أن يكون العبد على الحق في قوله وعمله واعتقاده ونيته وأن يكون متوكلا على الله واثقا به فالدين كله في هذين المقامين وقال رسل الله وأنبياؤه وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا [ إبراهيم : 12 ] فالعبد آفته : إما من عدم الهداية وإما من عدم التوكل فإذا جمع التوكل إلى الهداية فقد جمع الإيمان كله نعم التوكل على الله في معلوم الرزق المضمون والاشتغال به عن التوكل في نصرة الحق والدين : من أوهى منازل الخاصة أما التوكل عليه في حصول ما يحبه ويرضاه فيه وفي الخلق فهذا توكل الرسل والأنبياء عليهم السلام فكيف يكون من أوهى منازل الخاصة قوله : لأن الحق قد وكل الأمور إلى نفسه وأيأس العالم من ملك شيء منها جوابه : أن الذي تولى ذلك أسند إلى عباده كسبا وفعلا وإقدارا واختيارا وأمرا ونهيا استعبدهم به وامتحن به من يطيعه ممن يعصيه ومن يؤثره ممن يؤثر عليه وأمر بتوكلهم عليه فيما أسنده إليهم وأمرهم به وتعبدهم به وأخبر : أنه يحب المتوكلين عليه كما يحب الشاكرين وكما يحب المحسنين وكما يحب الصابرين وكما يحب التوابين

Section V02/P127–V02/P129

وأخبر : أن كفايته لهم مقرونة بتوكلهم عليه وأنه كاف من توكل عليه وحسبه وجعل لكل عمل من أعمال البر ومقام من مقاماته جزاء معلوما وجعل نفسه جزاء المتوكل عليه وكفايته فقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا [ الطلاق : 4 ] ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين الآية [ النساء : 69 ] ثم قال في التوكل : ومن يتوكل على الله فهو حسبه [ الطلاق : 3 ] فانظر إلى هذا الجزاء الذي حصل للمتوكل ولم يجعله لغيره وهذا يدل على أن التوكل أقوى السبل عنده وأحبها إليه وليس كونه وكل الأمور إلى نفسه بمناف لتوكل العبد عليه بل هذا تحقيق كون الأمور كلها موكولة إلى نفسه لأن العبد إذا علم ذلك وتحققه معرفة : صارت حاله التوكل قطعا على من هذا شأنه لعلمه بأن الأمور كلها موكولة إليه وأن العبد لا يملك شيئا منها فهو لا يجد بدا من اعتماده عليه وتفويضه إليه وثقته به من الوجهين : من جهة فقره وعدم ملكه شيئا ألبتة ومن جهة كون الأمر كله بيده وإليه والتوكل ينشأ من هذين العلمين فإن قيل : فإذا كان الأمر كله لله وليس للعبد من الأمر شيء فكيف يوكل المالك على ملكه وكيف يستنيبه فيما هو ملك له دون هذا الموكل فالخاصة لما تحققوا هذا نزلوا عن مقام التوكل وسلموه إلى العامة وبقي الخطاب بالتوكل لهم دون الخاصة قيل : لما كان الأمر كله لله عز وجل وليس للعبد فيه شيء ألبتة كان توكله على الله تسليم الأمر إلى من هو له وعزل نفسه عن منازعات مالكه واعتماده عليه فيه وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته وكونه به إلى تصرفه بربه وكونه به سبحانه دون نفسه وهذا مقصود التوكل وأما عزل العبد نفسه عن مقام التوكل : فهو عزل لها عن حقيقة العبودية وأما توجه الخطاب به إلى العامة : فسبحان الله هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواص خلقه وأقربهم إليه وأكرمهم عليه وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين والمعلق على الشرط يعدم عند عدمه وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل فمن لا توكل له : لا إيمان له قال الله تعالى : وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين [ المائده : 23 ] وقال تعالى : وعلى الله فليتوكل المؤمنون وقال تعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناوعلى ربهم يتوكلون [ الأنفال : 2 ] وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة وأخبر تعالى عن رسله بأن التوكل ملجأهم ومعاذهم وأمر به رسوله في أربع مواضع من كتابه وقال : وقال موسى : يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مؤمنين فقالوا على الله توكلنا [ يونس : 8485 ] فكيف يكون من أو هي السبل وهذا شأنه والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات كلها تسير مسير العامة الدرجة الأولى : التوكل مع الطلب ومعاطاة السبب على نية شغل النفس بالسبب مخافة ونفع الخلق وترك الدعوى يقول : إن صاحب هذه الدرجة يتوكل على الله ولا يترك الأسباب بل يتعطاها على نية شغل النفس بالسبب مخافة أن تفرغ فتشتغل بالهوى والحظوظ فإن لم يشغل نفسه بما ينفعها شغلته بما يضره لا سيما إذا كان الفراغ مع حدة الشباب وملك الجدة وميل النفس إلى الهوى وتوالي الغفلات كما قيل : إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة ويكون أيضا قيامه بالسبب على نية نفع النفس ونفع الناس بذلك فيحصل له نفع نفسه ونفع غيره وأما تضمن ذلك لترك الدعوى : فإنه إذا اشتغل بالسبب تخلص من إشارة الخلق إليه الموجبة لحسن ظنه بنفسه الموجب لدعواه فالسبب ستر لحاله ومقامه وحجاب مسبل عليه

Section V02/P129–V02/P131

ومن وجه آخر وهو أن يشهد به فقره وذله وامتهانه امتهان العبيد والفعلة فيتخلص من رعونة دعوى النفس فإنه إذا امتهن نفسه بمعاطاة الأسباب : سلم من هذه الأمراض فيقال : إذا كانت الأسباب مأمورا بها ففيها فائدة أجل من هذه الثلاث وهي المقصودة بالقصد الأول وهذه مقصودة قصد الوسائل وهي القيام بالعبودية والأمر الذي خلق له العبد وأرسلت به الرسل وأنزلت لأجله الكتب وبه قامت السموات والأرض وله وجدت الجنة والنار فالقيام بالأسباب المأمور بها : محض العبودية وحق الله على عبده الذي توجهت به نحوه المطالب وترتب عليه الثواب والعقاب والله سبحانه أعلم فصل قال : الدرجة الثانية : التوكل مع إسقاط الطلب وغض العين عن السبب اجتهادا لتصحيح التوكل وقمعا لشرف النفس وتفرغا إلى حفظ الواجبات قوله : مع إسقاط الطلب أي من الخلق لا من الحق فلا يطلب من أحد شيئا وهذا من أحسن الكلام وأنفعه للمريد فإن الطلب من الخلق فى الأصل محظور وغايته : أن يباح للضرورة كإباحة الميتة للمضطر ونص أحمد على أنه لا يجب وكذلك كان شيخنا يشير إلى أنه لا يجب الطلب والسؤال وسمعته يقول في السؤال : هو ظلم في حق الربوبية وظلم في حق الخلق وظلم في حق النفس أما في حق الربوبية : فلما فيه من الذل لغير الله وإراقة ماء الوجه لغير خالقه والتعوض عن سؤاله بسؤال المخلوقين والتعرض لمقته إذا سأل وعنده ما يكفيه يومه وأما في حق الناس : فبمنازعتهم ما في أيديهم بالسؤال واستخراجه منهم وأبغض ما إليهم : من يسألهم ما في أيديهم وأحب ما إليهم : من لا يسألهم فإن أموالهم محبوباتهم ومن سألك محبوبك فقد تعرض لمقتك وبغضك وأما ظلم السائل نفسه : فحيث امتهنها وأقامها في مقام ذل السؤال ورضي لها بذل الطلب ممن هو مثله أو لعل السائل خير منه وأعلى قدرا وترك سؤال من ليس كمثله شىء وهو السميع البصير فقد أقام السائل نفسه مقام الذل وأهانها بذلك ورضي أن يكون شحاذا من شحاذ مثله فإن من تشحذه فهو أيضا شحاذ مثلك والله وحده هو الغني الحميد فسؤال المخلوق للمخلوق سؤال الفقير للفقير والرب تعالى كلما سألته كرمت عليه ورضي عنك وأحبك والمخلوق كلما سألته هنت عليه وأبغضك ومقتك وقلاك كما قيل : الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب وقبيح بالعبد المريد : أن يتعرض لسؤال العبيد وهو يجد عند مولاه كل ما يريد وفي صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثي عهد ببيعة فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك فقال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا قال : ولقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا أن يناوله إياه وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم وفيهما أيضا عنه أن رسول الله قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة : واليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا : هي المنفقة والسفلى : هي السائلة وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي قال : من سأل الناس تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر وفي الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في الأمر الذي لا بد منه قال الترمذي : حديث صحيح

Section V02/P131–V02/P133

وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل وفي السنن و المسند عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئا أتكفل له بالجنة فقلت : أنا فكان لا يسأل أحدا شيئا وفي صحيح مسلم عن قبيصة رضي الله عنه عن النبي : إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية قوله : وغض العين عن التسبب اجتهادا في تصحيح التوكل معناه : أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب لتصحيح التوكل بامتحان النفس لأن المتعاطي للسبب قد يظن أنه حصل التوكل ولم يحصله لثقته بمعلومه فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل وهذا الذي أشار إليه : مذهب قوم من العباد والسالكين وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل ولهم في ذلك حكايات مشهورة وهؤلاء في خفارة صدقهم وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين ومع هذا فلا يمكن بشرا ألبتة ترك الأسباب جملة فهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه ويدخل البادية بغير زاد وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض فقيل له : لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء فقال : مثل هذا لا ينقص من التوكل لأن لله علينا فرائض والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد فربما تخرق ثوبه فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته فتفسد عليه صلاته وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها إذا خفيت عليه من الأسباب فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا نعم قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة ويكون ذلك الوقت بالله لا به فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله ولكن لا تدوم له هذه الحال وليست في مقتضى الطبيعة فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك وفي تلك الحال : إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد وعجزه عن الاشتغال بالسبب فيكون في وارده عون له ويكون حاملا له فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تحكي عن القوم فهي جزئية حصلت لهم أحيانا ليست طريقا مأمورا بسلوكها ولا مقدورة وصارت فتنة لطائفتين

Section V02/P133–V02/P135

وطائفة ظنتها طريقا ومقاما فعملوا عليها فمنهم من انقطع ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها بل انقلب على عقبيه وطائفة قدحوا في أربابها وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل مدعين لأنفسهم حالا أكمل من حال رسول الله وأصحابه إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك ولا أخل بشيء من الأسباب وقد ظاهر بين درعين يوم أحد ولم يحضر الصف قط عريانا كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة واستأجر دليلا مشركا على دين قومه يدله على طريق الهجرة وقد هدى الله به العالمين وعصمه من الناس أجمعين وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد وجميع أصحابه وهم أولوالتوكل حقا وأكمل المتوكلين بعدهم : هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة أو لحق أثرا من غبارهم فحال النبي وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها بها يعلم صحيحها من سقيمها فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب وأن يعبد الله في جميع البلاد وأن يوحده جميع العباد وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينا وإيمانا فكانت همم الصحابة رضى الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعى فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى توكله قوله : وقمعا لشرف النفس يريد : أن المتسبب قد يكون متسببا بالولايات الشريفة في العبادة أو التجارات الرفيعة والأسباب التي له بها جاه وشرف في الناس فإذا تركها يكون تركها قمعا لشرف نفسه وإيثارا للتواضع وقوله : وتفرغا لحفظ الواجبات أي يتفرغ بتركها لحفظ واجباتها التي تزاحمها تلك الأسباب والله أعلم فصل قال : الدرجة الثالثة : التوكل مع معرفة التوكل النازعة إلى الخلاص من علة التوكل وهي أن يعلم أن ملكة الحق تعالى للأشياء هي ملكة عزة لا يشاركه فيها مشارك فيكل شركته إليه فإن من ضرورة العبودية : أن يعلم العبد : أن الحق سبحانه هو مالك الأشياء وحده يريد أن صاحب هذه الدرجة متى قطع الأسباب والطلب وتعدى تينك الدرجتين فتوكله فوق توكل من قبله وهو إنما يكون بعد معرفته بحقيقة التوكل وأنه دون مقامه فتكون معرفته به وبحقيقته نازعة أي باعثة وداعية إلى تخلصه من علة التوكل أي لا يعرف علة التوكل حتى يعرف حقيقته فحينئذ يعرف التوكل المعرفة التي تدعوه إلى التخلص من علته ثم بين المعرفة التي يعلم بها علة التوكل فقال : أن يعلم أن ملكة الحق للأشياء ملكة عزة أي ملكة امتناع وقوة وقهر تمنع أن يشاركه في ملكه لشيء من الأشياء مشارك فهو العزيز في ملكه الذي لا يشاركه غيره في ذرة منه كما هو المنفرد بعزته التي لا يشاركه فيها مشارك فالمتوكل يرى أن له شيئا قد وكل الحق فيه وأنه سبحانه صار وكيله عليه وهذا مخالف لحقيقة الأمر إذ ليس لأحد من الأمر مع الله شيء فلهذا قال : لا يشاركه فيه مشارك فيكل شركته إليه فلسان الحال يقول لمن جعل الرب تعالى وكيله : فيماذا وكلت ربك أفيما هو له وحده أو لك وحدك أو بينكما فالثاني والثالث ممتنع بتفرده بالملك وحده والتوكيل في الأول ممتنع فكيف توكله فيما ليس لك منه شيء ألبتة فيقال ههنا أمران : توكل وتوكيل فالتوكل : محض الاعتماد والثقة والسكون إلى من له الأمر كله وعلم العبد بتفرد الحق تعالى وحده بملك الأشياء كلها وأنه ليس له مشارك في ذرة من ذرات الكون : من أقوى أسباب توكله وأعظم دواعيه

Section V02/P135–V02/P138

فإذا تحقق ذلك علما ومعرفة وباشر قلبه حالا : لم يجد بدا من اعتماد قلبه على الحق وحده وثقته به وسكونه إليه وحده وطمأنينته به وحده لعلمه أن حاجاته وفاقاته وضروراته وجميع مصالحه كلها بيده وحده لا بيد غيره فأين يجد قلبه مناصامن التوكل بعد هذا فعلة التوكل حينئذ : التفات قلبه إلى من ليس له شركة في ملك الحق ولا يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض هذه علة توكله فهو يعمل على تخليص توكله من هذه العلة نعم ومن علة أخرى وهي رؤية توكله فإنه التفات إلى عوالم نفسه وعلة ثالثة : وهي صرفه قوة توكله إلى شيء غيره أحب إلى الله منه فهذه العلل الثلاث : هي علل التوكيل وأما التوكل : فليس المراد منه إلا مجرد التفويض وهو من أخص مقامات العارفين كمان كان النبي يقول : اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون : وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد [ غافر : 4445 ] فكان جزاء هذا التفويض قوله : فوقاه الله سيئات ما مكروا فإن كان التوكل معلولا بما ذكره فالتفويض أيضا كذلك وليس فليس ولولا أن الحق لله ورسوله وأن كل ما عدا الله ورسوله فمأخوذ من قوله ومتروك وهو عرضة الوهم والخطأ : لما اعترضنا على من لا نلحق غبارهم ولا نجري معهم في مضمارهم ونراهم فوقنا في مقامات الإيمان ومنازل السائرين كالنجوم الدراري ومن كان عنده علم فليرشدنا إليه ومن رأى في كلامنا زيغا أو نقصا وخطأ فليهد إلينا الصواب نشكر له سعيه ونقابله بالقبول والإذعان والانقياد والتسليم والله أعلم وهو الموفق فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التفويض قال صاحب المنازل : وهو ألطف إشارة وأوسع معنى من التوكل فإن التوكل بعد وقوع السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده وهو عين الاستسلام والتوكل شعبة منه يعني أن المفوض يتبرأ من الحول والقوة ويفوض الأمر إلى صاحبه من غير أن يقيمه مقام نفسه في مصالحه بخلاف التوكل فإن الوكالة تقتضي أن يقوم الوكيل مقام الموكل فالتفويض : براءة وخروج من الحول والقوة وتسليم الأمر كله إلى مالكه فيقال : وكذلك التوكل أيضا وما قدحتم به فى التوكل يرد عليكم نظيره في التفويض سواء فإنك كيف تفوض شيئا لا تملكه ألبتة إلى مالكه وهل يصح أن يفوض واحد من آحاد الرعية الملك إلى ملك زمانه فالعلة إذن في التفويض أعظم منها في التوكل بل لو قال قائل : التوكل فوق التفويض وأجل منه وأرفع لكان مصيبا ولهذا كان القرآن مملوءا به أمرا وإخبارا عن خاصة الله وأوليائه وصفوة المؤمنين بأن حالهم التوكل وأمر الله به رسوله في أربعة مواضع من كتابه وسماه المتوكل كما في صحيح البخارى عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قرأت في التوراة صفة النبي : محمد رسول الله سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق وأخبر عن رسله بأن حالهم كان التوكل وبه انتصروا على قومهم وأخبر النبي عن السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب : أنهم أهل مقام التوكل ولم يجيء التفويض في القرآن إلا فيما حكاه عن مؤمن آل فرعون من قوله : وأفوض أمري إلى الله [ غافر : 44 ] وقد أمر الله رسوله بأن يتخذه وكيلا فقال : رب المشرق والمغرب لا إلكه إله هو فاتخذه وكيلا [ المزمل : 9 ] وهذا يبطل قول من قال من جهلة القوم : إن توكيل الرب فيه جسارة على البارى لأن التوكل يقتضي إقامة الوكيل مقام الموكل وذلك عين الجسارة قال : ولولا أن الله أباح ذلك وندب إليه : لما جاز للعبد تعاطيه وهذا من أعظم الجهل فإن اتخاذه وكيلا هو محض العبودية وخالص التوحيد إذا قام به صاحبه حقيقة

Section V02/P138–V02/P140

ولله در سيد القوم وشيخ الطائفة سهل بن عبدالله التستري إذ يقول : العلم كله باب من التعبد والتعبد كله باب من الورع والورع كله باب من الزهد والزهد كله باب من التوكل فالذي نذهب إليه : أن التوكل أوسع من التفويض وأعلى وأرفع قوله : فإن التوكل بعد وقوع السبب والتفويض قبل وقوعه وبعده يعني بالسبب : الاكتساب فالمفوض قد فوض أمره إلى الله قبل اكتسابه وبعده والمتوكل قد قام بالسبب وتوكل فيه على الله فصار التفويض أوسع فيقال : والتوكل قد يكون قبل السبب ومعه وبعده فيتوكل على الله أن يقيمه في سبب يوصله إلى مطلوبه فإذا قام به توكل على الله حال مباشرته فإذا أتمه توكل على الله في حصول ثمراته فيتوكل على الله قبله ومعه وبعده فعلى هذا : هو أوسع من التفويض على ما ذكر قوله : وهو عين الاستسلام أي التفويض عين الانقياد بالكلية إلى الحق سبحانه ولا يبالي أكان ما يقضى له الخير أم خلافه والمتوكل يتوكل على الله في مصالحه وهذا القدر هو الذي لحظه القوم في هضم مقام التوكل ورفع مقام التفويض عليه وجوابه من وجهين أحدهما : أن المفوض لا يفوض أمره إلى الله إلا لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيرا فهو راض به لأنه يعلم أنه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه وهكذا حال المتوكل سواء بل هو أرفع من المفوض لأن معه من عمل القلب ما ليس مع المفوض فإن المتوكل مفوض وزيادة فلا يستقيم مقام التوكل إلا بالتفويض فإنه إذا فوض أمره إليه اعتمد بقلبه كله عليه بعد تفويضه ونظير هذا : أن من فوض أمره إلى رجل وجعله إليه فإنه يجد من نفسه بعد تفويضه اعتمادا خاصا وسكونا وطمأنينة إلى المفوض إليه أكثر مما كان قبل التفويض وهذا هو حقيقة التوكل الوجه الثاني : أن أهم مصالح المتوكل : حصول مراضي محبوبه ومحابه فهو يتوكل عليه في تحصيلها له فأي مصلحة أعظم من هذه وأما التفويض : فهو تفويض حاجات العبد المعيشية وأسبابها إلى الله فإنه لا يفوض إليه محابه والمتوكل يتوكل في محابه والوهم إنما دخل من حيث يظن الظان : أن التوكل مقصور على معلوم الرزق وقوة البدن وصحة الجسم ولا ريب أن هذا التوكل ناقص بالنسبة إلى التوكل في إقامة الدين والدعوة إلى الله قال : وهو على ثلاث درجات الأول أن يعلم أن العبد لا يملك قبل عمله استطاعة فلا يأمن من مكر ولا ييأس من معونة ولا يعول على نية أي يتحقق أن استطاعته بيد الله لا بيده فهو مالكها دونه فإنه إن لم يعطه الاستطاعة فهو عاجز فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه فكيف يأمن المكر وهو محرك لا محرك يحركه من حركته بيده فإن شاء ثبطه وأقعده مع القاعدين كما قال فيمن منعه هذا التوفيق : ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [ التوبة : 46 ] فهذا مكر الله بالعبد : أن يقطع عنه مواد توفيقه ويخلي بينه وبين نفسه ولا يبعث دواعيه ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه وليس هذا حقا على الله فيكون ظالما بمنعه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هو مجرد فضله الذي يحمده على بذله لمن بذله وعلى منعه لمن منعه إياه فله الحمد على هذا وهذا ومن فهم هذا فهم بابا عظيما من سر القدر وانجلت له إشكالات كثيرة فهو سبحانه لا يريد من نفسه فعلا يفعله بعبده يقع منه ما يحبه ويرضاه فيمنعه فعل نفسه به وهو توفيقه لأنه يكرهه ويقهره على فعل مساخطه بل يكله إلى نفسه وحوله وقوته ويتخلى عنه فهذا هو المكر قوله : ولا ييأس من معونة يعني إذا كان المحرك له هو الرب جل جلاله وهو أقدر القادرين وهو الذي تفرد بخلقه ورزقه وهو أرحم الراحمين فكيف ييأس من معونته له