İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn
وعمل كل أحد منهم على قدر شاهده فمن شاهد المقصود بالعمل في علمه كان نصحه فيه وإخلاصه وتحسينه وبذل الجهد فيه أتم ممن لم يشاهده ولم يلاحظه ولم يجد من مس التعب والنصب ما يجده الغائب والوجود شاهد بذلك فمن عمل عملا لملك بحضرته وهو يشاهده ليس حاله كحال من عمل في غيبته وبعده عنه وهو غير متيقن وصوله إليه وقوله ويصحح همة القاصد أي ويصحح له صفاء هذا العلم همته ومتى صحت الهمة علت وارتفعت فإن سقوطها ودناءتها من علتها وسقمها وإلا فهي كالنار تطلب الصعود والاتفاع مالم تمنع وأعلى الهمم همة اتصلت بالحق سبحانه طلبا وقصدا وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحا وهذه همة الرسل وأتباعهم وصحتها بتمييزها من انقسام طلبها وانقسام مطلوبها وانقسام طريقها بل توحد مطلوبها بالإخلاص وطلبها بالصدق وطريقها بالسلوك خلف الدليل الذي نصبه الله دليلا لا من نصبه هو دليلا لنفسه ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها فهمة متعلقة بمن فوق العرش وهمة حائمة حول الأنتان والحش والعامة تقول قيمة كل امرىء ما يحسنه والخاصة تقول قيمة المرء ما يطلبه وخاصة الخاصة تقول همة المرء إلى مطلوبه وإذا أردت أن تعرف مراتب الهمم فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه وقد قال له رسول الله سلني فقال أسألك مرافقتك في الجنة وكان غيره يسأله ما يملأ بطنه أو يواري جلده وانظر إلى همة رسول الله حين عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها ومعلوم أنه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه تعالى فأبت له تلك الهمة العالية أن يتعلق منها بشيء مما سوى الله ومحابه وعرض عليه أن يتصرف بالملك فأباه واختار التصرف بلعبودية المحضة فلا إله إلا الله خالق هذه الهمة وخالق نفس تحملها وخالق همم لا تعدو همم أخس الحيوانات فصل قال الدرجة الثانية صفاء حال يشاهد به شواهد التحقيق ويذاق به حلاوة المناجاة وينسى به الكون هذه الدرجة إنما كانت أعلى مما قبلها لأنها همة حال والحال ثمرة العلم ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال وإذا صفا الحال شاهد العبد بصفائه آثار الحقائق وهي الشواهد فيه وفي غيره وعليه وعلى غيره ووجد حلاوة المناجاة وإذا تمكن في هذه الدرجة نسي الكون وما فيه من المكونات وهذه الدرجة تختص بصفاء الحال كما اختصت الأولى بصفاء العلم والحال هو تكيف القلب وانصباغه بحكم الواردات على اختلافها والحال يدعو صاحبه إلى المقام الذي جاء منه الوارد كما تدعوه رائحة البستان الطيبة إلى دخوله والمقام فيه فإذا كان الوارد من حضرة صحيحة وهي حضرة الحقيقة الإلهية لا الحقيقة الخيالية الذهنية شاهد السالك بصفائه شواهد التحقيق وهي علاماته والتحقيق هو حكم الحقيقة وتأثر القلب والروح بها والحقيقة ما تعلق بالحق المبين سبحانه فالله هو الحق والحقيقة ما نسب إليه وتعلق به والتحقيق تأثر القلب بآثار الحقيقة ولكل حق حقيقة ولك حقيقة تحقيق يقوم بمشاهدة الحقيقة قوله ويذاق به حلاوة المناجاة المناجاة مفاعلة من النجوى وهو الخطاب في سر العبد وباطنه والشيخ ذكر في هذه الدرجة ثلاثة أمور أحدها مشاهدة شواهد التحقيق الثاني ذوق حلاوة المناجاة فإنه متى صفا له حاله من الشوائب خلصت له حلاوته من مرارة الأكدار فذاق تلك الحلاوة في حال مناجاته فلو كان الحال مشوبا مكدرا لم يجد حلاوة المناجاة والحال المستندة إلى وارد تذاق به حلاوة المناجاة هو من حضرة الأسماء والصفات بحسب ما يصادف القلب من ظهورها وكشف معانيها فمن ظهر له اسم الودود مثلا وكشف له عن معاني هذا الاسم ولطفه وتعلقه بظاهر العبد وباطنه كان الحال الحاصل له من حضرة هذا الاسم مناسبا له فكان حال اشتغال حب وشوق ولذه مناجاة لا أحلى منها ولا أطيب بحسب استغراقه في شهود معنى هذا الاسم وخطه من أثره
فإن الودود وإن كان بمعنى المودود كما قال البخاري في صحيحه الودود الحبيب واستغرق العبد في مطالعة صفات الكمال التي تدعو العبد إلى حب الموصوف بها أثمر له صفاء علمه بها وصفاء حاله في تعبده بمقتضاها ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الثلاثة وغيرها وكذلك إن كان اسم فاعل بمعنى الواد وهو المحب أثمرت له مطالعة ذلك حالا تناسبه فإنه إذا شاهد بقلبه غنيا كريما جوادا عزيزا قادرا كل أحد محتاج إليه بالذات وهو غني بالذات عن كل ما سواه وهو مع ذلك يود عباده ويحبهم ويتودد إليهم بإحسانه إليهم وتفضله عليهم كان له من هذا الشهود حالة صافية خالصة من الشوائب وكذلك سائر الأسماء والصفات فصفاء الحال بحسب صفاء المعرفة بها وخلوصها من دم التعطيل وفرث التمثيل فتخرج المعرفة من بين ذلك فطرة خالصة سائغة للعارفين كما يخرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين والأمر الثالث قوله وينسى به الكون أي ينسى الكون بما يغلب على قلبه من اشتغاله بهذه الحال المذكورة والمراد بالكون المخلوقات أي يشتغل بالحق عن الخلق فصل قال الدرجة الثالثة صفاء اتصال يدرج حظ العبودية في حق الربوبية ويغرق نهايات الخبر في بدايات العيان ويطوي خسة التكاليف في عين الأزل في هذا اللفظ قلق وسوء تعبير يجبره حسن حال صاحبه وصدقه وتعظيمه لله ورسوله ولكن أبى الله أن يكون الكمال إلا له ولا ريب أن بين ارباب الأحوال وبين أصحاب التمكن تفاوتا عظيما وانظر إلى غلبة الحال على الكليم عليه السلام لما شاهد آثار التجلي الإلهي على الجبل كيف خر صعقا وصاحب التمكن صلوات الله وسلامه عليه لما أسري به ورأى ما رأى لم يصعق ولم يخر بل ثبت فؤاده وبصره ومراد القوم بالاتصال والوصول اتصال العبد بربه ووصوله إليه لا بمعنى اتصال ذات العبد بذات الرب كما تتصل الذاتان إحداهما بالأخرى ولا بمعنى انضمام إحدى الذاتين إلى الأخرى والتصاقها بها وإنما مرادهم بالاتصال والوصول إزالة النفس والخلق من طريق السير إلى الله ولا تتوهم سوى ذلك فإنه عين المحال فإن السالك لا يزال سائرا إلى الله تعالى حتى يموت فلا ينقطع سيره إلا بالموت فليس في هذه الحياة وصول يفرغ معه السير وينتهي وليس ثم اتصال حسي بين ذات العبد وذات الرب فالأول تعطيل وإلحاد والثاني حلول واتحاد وإنما حقيقة الأمر تنحية النفس والخلق عن الطريق فإن الوقوف معهما هو الانقطاع وتنحيتهما هو الاتصال وأما الملاحدة القائلون بوحدة الوجود فإنهم قالوا العبد من أفعال الله وأفعاله من صفاته وصفاته من ذاته فأنتج لهم هذا التركيب أن العبد من ذات الرب تعالى الله وتقدس عما يقولون علوا كبيرا وموضع الغلط أن العبد من مفعولات الرب تعالى لا من أفعاله القائمة بذاته ومفعولاته آثار أفعاله وأفعاله من صفاته القائمة بذاته فذاته سبحانه مستلزمة لصفاته وأفعاله ومفعولاته منفصلة عنه تلك مخلوقة محدثة والرب تعالى هو الخالق بذاته وصفاته وأفعاله فإياك ثم إياك والألفاظ المجملة المشتبهة التي وقع اصطلاح القوم عليها فإنها أصل البلاء وهي مورد الصديق والزنديق فإذا سمع الضعيف المعرفة والعلم بالله تعالى لفظ اتصال وانفصال ومسامرة ومكالمة وأنه لا وجود في الحقيقة إلا وجود الله وأن وجود الكائنات خيال ووهم وهو بمنزلة وجود الظل القائم بغعيره فاسمع منه ما يملأ الآذان من حلول واتحاد وشطحات والعارفون من القوم أطلقوا هذه الألفاظ ونحوها وأرادوا بها معاني صحيحة في أنفسها فغلط الغالطون في فهم ما أرادوه ونسبوهم إلى إلحادهم وكفرهم واتخذوا كلماتهم المتشابهة ترسا له وجنة حتى قال قائلهم ومنك بدا حب بعز تمازجا بنا ووصالا كنت أنت وصلته ظهرت لمن أبقيت بعد فنائه وكان بلا كون لأنك كنته فيسمع الغر التمازج والوصال فيظن أنه سبحانه نفس كون العبد فلا يشك أن هذا هو غاية التحقيق ونهاية الطريق ثم لنرجع إلى شرح كلامه قوله يدرج حظ العبودية في حق الربوبية
المعنى الصحيح الذي يحمل عليه هذا الكلام أن من تمكن في قلبه شهود الأسماء والصفات وصفا له علمه وحاله اندرج عمله جميعه وأضعافه وأضعاف أضعافه في حق ربه تعالى ورآه في جنب حقه أقل من خردلة بالنسبة إلى جبال الدنيا فسقط من قلبه اقتضاء حظه من المجازاة عليه لاحتقاره له وقلته عنده وصغره في عينه قال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد أن الله تعالى أوحى إلى داود يا داود أنذر عبادي الصادقين فلا يعجبن بأنفسهم ولا يتكلن على أعمالهم فإنه ليس أحد من عبادي أنصبه للحساب وأقيم عليه عدلي إلا عذبته من غير أن أظلمه وبشر عبادي الخطائين أنه لا يتعاظمني ذنب أن أغفره وأتجاوز عنه وقال الإمام أحمد وحدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا ثابت البناني قال تعبد رجل سبعين سنة وكان يقول في دعائه رب اجزني بعملي فمات فأدخل الجنة فكان فيها سبعين عاما فلما فرغ وقته قيل له اخرج فقد استوفيت عملك فقلب أمره أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه فلم يجد شيئا أوثق في نفسه من دعاء الله والرغبة إليه فأقبل يقول في دعائه رب سمعتك وأنا في الدنيا وأنت تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي فترك في الجنة وقال أحمد بن حنبل حدثنا هاشم حدثنا صالح عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد قال قال موسى إلهي كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها عندي من نعمتك لا يجازيها عملي كله فأوحى الله تعالى إليه يا موسى الآن شكرتني فهذا المعنى الصحيح من اندراج حظ العبودية في حق الربوبية وله محمل آخر صحيح أيضا وهو أن ذات العبد وصفاته وأفعاله وقواه وحركاته كلها مفعولة للرب مملوكة له ليس يملك العبد منها شيئا بل هو محض ملك الله فهو المالك لها المنعم على عبده بإعطائه إياها فالمال ماله والعبد عبده والخدمة مستحقة عليه بحق الربوبية وهي من فضل الله عليه فالفضل كله لله ومن الله وبالله قوله ويعرف نهايات الخبر في بدايات العيان الخبر متعلق الغيب والعيان متعلق الشهادة وهو إدراك عين البصيرة لصحة الخبر وثبوت مخبره ومراده ببدايات العيان أوائل الكشف الحقيقي الذي يدخل منه إلى مقام الفناء ومقصوده أن يرى الشاهد ما أخبر به الصادق بقلبه عيانا قال الله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق وقال تعالى أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى فقد قال أفمن رأى بعين قلبه أن ما أنزل الله إلى رسوله هو الحق كمن هو أعمى لا يبصر ذلك وقال النبي في مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه / ح / ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين به يقوى القلب حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين فصاحب هذا المقام كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه مطلعا على عباده ناظرا إليهم يسمع كلامهم ويرى ظواهرهم وبواطنهم وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي ويكلم به عبده جبريل ويأمره وينهاه بما يريد ويدبر أمر المملكة وأملاكه صاعدة إليه بالأمر نازلة من عنده به وكأنه يشاهده وهو يرضى ويغضب ويحب ويبغض ويعطي ويمنع ويضحك ويفرح ويثني على أوليائه بين ملائكته ويذم أعداءه وكأنه يشاهده ويشاهد يديه الكريمتين وقد قبضت إحداهما السموات السبع والأخرى الأرضين السبع وقد طوى السموات السبع بيمينه كما يطوى السجل على أسطر الكتاب وكأنه يشاهده وقد جاء لفصل القضاء بين عباده فأشرقت الأرض بنوره ونادى وهو مستو على عرشه بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم وكأنه يسمع ندائه لآدم يا آدم قم فابعث بعث النار بإذنه الآن وكذلك نداؤه لأهل الموقف ماذا أجبتم المرسلين وماذا كنتم تعبدون
وبالجملة فيشاهد بقلبه ربا عرفت به الرسل كما عرفت به الكتب ودينا دعت إليه الرسل وحقائق أخبرت بها الرسل فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما أخبر به أهل التواتر وإن لم يره من البلاد والوقائع فهذا إيمانه يجري مجرى العيان وإيمان غيره فمحض تقليد العميان قوله ويطوى خسة التكاليف ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها فوالله إنها لأقبح من شوكة في العين وشجى في الحلق وحاشا التكاليف أن توصف بخسة أو تلحقها خسة وإنما هي قرة عين وسرور قلب وحياة روح صدر التكليف بها عن حكيم حميد فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه وثوابه عليها أشرف ما أعطاه الله للعبد نعم لو قال يطوى ثقل التكاليف ويخفف أعباءها ونحو ذلك فلعله كان أولى ولولا مقامه في الإيمان والمعرفة والقيام بالأوامر لكنا نسيء به الظن والذي يحتمل أن يصرف كلامه إليه وجهان أحدهما أن الصفاء المذكور في هذه الدرجة لما انطوت في حكمه الوسائط والأسباب واندرج فيه حظ العبودية في حق الربوبية انطوت فيه رؤية كون العبادة تكليفا فإن رؤيتها تكليفا خسة من الرائي لأنه رآها بعين أنفته وقيامه بها ولم يرها بعين الحقيقة فإنه لم يصل إلى مقام فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولو وصل إلى ذلك لرآها بعين الحقيقة ولا خسة فيها هناك البتة فإن نظره قد تعدى من قيامه بها إلى قيامها بالقيوم الذي قام به كل شيء فكان لها وجهان أحدهما هي به خسيسة وهو وجه قيامها بالعبد وصدورها منه والثاني هي به شريفة وهو وجه كونها بالرب تعالى وأوليته أمرا وتكوينا وإعانة فالصفاء يطويها من ذلك الوجه خاصة والمعنى الثاني الذي يحتمله كلامه أن يكون مراده أن الصفاء يشهده عين الأزل وسبق الرب تعالى وأوليته لكل شيء فتنطوي في هذا المشهد أعماله التي عملها ويراها خسيسة جدا بالنسبة إلى عين الأزل فكأنه قال تنطوي أعماله وتصير بالنسبة إلى هذه العين خسيسة جدا لا تذكر بل تكون في عين الأزل هباء منثورا لا حاصل لها فإن الوقت الذي هو ظرف التكليف يتلاشى جدا بالنسبة إلى الأزل وهو وقت خسيس حقير حتى كأنه لا حاصل له ولا نسبة له إلى الأزل والأبد في مقدار الأعمال الواقعة فيه وهي يسيرة بالنسبة إلى مجموع ذلك الوقت الذي هو يسير جدا بالنسبة إلى مجموع الزمان الذي هو يسير جدا بالنسبة إلى عين الأزل فهذا أقرب ما يحمل عليه كلامه مع قلقه وقد اعتراه فيه سوء تعبير وكأنه أطلق عليها الخسة لقلتها وخفتها بالنسبة إلى عظمة المكلف بها سبحانه وما يستحقه والله سبحانه أعلم فصل ومنها السرور قال صاحب المنازل باب السرور قال الله تعالى بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون تصدير الباب بهذه الآية في غاية الحسن فإن الله تعالى أمر عباده بالفرح بفضله ورحمته وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة فإن من فرح بما يصل إليه من جواد كريم محسن بر يكون فرحه بمن أوصل ذلك إليه أولى وأحرى ونذكر ما في هذه الآية من المعنى ثم نشرح كلام المصنف قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم فضل الله الإسلام ورحمته القرآن فجعلوا رحمته أخص من فضله فإن فضله الخاص عام على أهل الإسلام ورحمته بتعليم كتابه لبعضهم دون بعض فجعلهم مسلمين بفضله وأنزل إليهم كتابه برحمته قال تعالى وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله قلت يريد بذلك أن ههنا أمرين أحدهما الفضل في نفسه والثاني استعداد المحل لقبوله كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له والله أعلم
والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب ونيل المشتهى فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم وذكر سبحانه الأمر بالفرح بفضله وبرحمته عقيب قوله يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته التي تتضمن الموعظة وشفاء الصدور من أدوائها بالهدى والرحمة فأخبر سبحانه أن ما آتى عباده من الموعظة التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب وشفاء الصدور المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه وهو أشد ألما لها من أدواء البدن ولكنها لما ألفت هذه الأدواء لم تحس بألمها وإنما يقوى إحساسها بها عند المفارقة للدنيا فهناك يحضرها كل مؤلم محزن وما آتاها من ربها الهدى الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به وسكون النفس إليه وحياة الروح به والرحمة التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها كل شر ومؤلم فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها أي هذا هو الذي ينبغي أن يفرح به ومن فرح به فقد فرح بأجل مفروح به لا ما يجمع أهل الدنيا منها فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات ووشيك الزوال ووخيم العاقبة وهو طيف خيال زار الصب في المنام ثم انقضى المنام وولى الطيف وأعقب مزاره الهجران وقد جاء الفرح في القرآن على نوعين مطلق ومقيد فالمطلق جاء في الذم كقوله تعالى لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله إنه لفرح فخور والمقيد نوعان أيضا مقيد بالدنيا ينسي صاحبه فضل الله ومنته فهو مذموم كقوله حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون والثاني مقيد بفضل الله وبرحمته وهو نوعان أيضا فضل ورحمة بالسبب وفضل بالمسبب فالأول كقوله قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون والثاني كقوله فرحين بما آتاهم الله من فضله فالفرح بالله وبرسوله وبالإيمان وبالسنة وبالعلم وبالقرآن من أعلى مقامات العارفين قال الله تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وقال والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك فالفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه ومحبته له وإيثاره له على غيره فإن فرح العبد بالشيء عند حصوله له على قدر محبته له ورغبته فيه فمن ليس له رغبة في الشيء لا يفرحه حصوله له ولا يحزنه فواته فالفرح تابع للمحبة والرغبة والفرق بينه وبين الاستبشار أن الفرح بالمحبوب بعد حصوله والاستبشار يكون به قبل حصوله إذا كان على ثقة من حصوله ولهذا قال تعالى فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم والفرح صفة كمال ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة بعد فقده لها واليأس من حصولها والمقصود أن الفرح أعلى أنواع نعيم القلب ولذته وبهجته والفرح والسرور نعيمه والهم والحزن عذابه والفرح بالشيء فوق الرضى به فإن الرضى طمأنينة وسكون وانشراح والفرح لذة وبهجة وسرور فكل فرح راض وليس كل راض فرحا ولهذا كان الفرح ضد الحزن والرضى ضد السخط والحزن يؤلم صاحبه والسخط لا يؤلمه إلا إن كان مع العجز عن الانتقام والله أعلم فصل قال صاحب المنازل السرور اسم لاستبشار جامع وهو أصفى من الفرح لأن الأفراح ربما شانه الأحزان ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع وورد السرور في موضعين من القرآن في حال الآخرة السرور والمسرة مصدر سره سرورا ومسرة وكأن معنى سره أثر في أسارير وجهه فإنه تبرق منه أسارير الوجه كما قال شاعر العرب وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل وهذا كما يقال رأسه إذا أصاب رأسه وبطنه وظهره إذا أصاب بطنه وظهره وأمه إذا أصاب أم رأسه
وأما الاستبشار فهو استعفال من البشرى والبشارة هي أول خبر صادق سار والبشرى يراد بها أمران أحدهما بشارة المخبر والثاني سرور المخبر قال الله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة فسرت البشرى بهذا وهذا ففي حديث عبادة بن الصامت وأبي الدرداء رضي الله عنهما عن النبي هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له / ح / وقال ابن عباس بشرى الحياة الدنيا هي عند الموت تأتيهم ملائكة الرحمة بالبشرى من الله وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن إذا خرجت يعرجون بها إلى الله تزف كما تزف العروس تبشر برضوان الله وقال الحسن هي الجنة واختاره الزجاج والفراء وفسرت بشرى الدنيا بالثناء الحسن يجري له على ألسنة الناس وكل ذلك صحيح فالثناء من البشرى والرؤيا الصالحة من البشرى وتبشير الملائكة له عند الموت من البشرى والجنة من أعظم البشرى قال الله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأزنهار وقال تعالى وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون قيل وسميت بذلك لأنها تؤثر في بشرة الوجه ولذلك كانت نوعين بشرى سارة تؤثر فيه نضارة وبهجة وبشرى محزنة تؤثر فيه بسورا وعبوسا ولكن إذا أطلقت كانت للسرور وإذا قيدت كانت بحسب ما تقيد به قوله هو أصفى من الفرح واحتج على ذلك بأن الأفراح ربما شابها أحزان أي ربما مازجها ضدها بخلاف السرور فيقال والمسرات ربما شابها أنكاد وأحزان فلا فرق قوله ولذلك نزل القرآن باسمه في أفراح الدنيا في مواضع يريد أن الله تعالى نسب الفرح إلى أحوال الدنيا في قوله تعالى حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وفي قوله تعالى لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وقوله تعالى إنه لفرح فخور فإن الدنيا لا تتخلص أفراحها من أحزانها وأتراحها البتة بل ما من فرحة إلا ومعها ترحة سابقة أو مقارنة أو لاحقة ولا تتجرد الفرحة بل لا بد من ترحة تقارنها ولكن قد تقوى الفرحة على الحزن فينغمر حكمه وألمه مع وجودها وبالعكس فيقال ولقد نزل القرآن أيضا بالفرح في أمور الآخرة في مواضع كقوله تعالى فرحين بما آتاهم الله من فضله وقوله تعالى فبذلك فليفرحوا فلا فرق بينهما من هذا الوجه الذي ذكره قوله وورد اسم السرور في القرآن في موضعين في حال الآخرة يريد بهما قوله تعالى فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا والموضع الثاني قوله ولقاهم نضرة وسرورا فيقال وورد السرور في أحوال الدنيا في موضع على وجه الذم كقوله تعالى وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا إنه كان في أهله مسرورا فقد رأيت ورود كل واحد من الفرح والسرور في القرآن بالنسبة إلى أحوال الدنيا وأحوال الآخرة فلا يظهر ما ذكره من الترجيح بل قد يقال الترجيح للفرح لأن الرب تبارك وتعالى يوصف به ويطلق عليه اسمه دون السرور فدل على أن معناه أكمل من معنى السرور وأمر الله به في قوله تعالى فبذلك فليفرحوا وأثنى على السعداء به في قوله فرحين بما آتاهم الله من فضله وأما قوله تعالى ولقاهم نضرة وسرورا وقوله وينقلب إلى أهله مسرورا فعدل إلى لفظ السرور لاتفاق رؤوس الآي ولو أنه ترجم الباب بباب الفرح لكان أشد مطابقة للآية التي استشهد بها والأمر في ذلك قريب فالمقصود أمر وراء ذلك قال وهو في هذا الباب على ثلاث درجات الدرجة الأولى سرور ذوق ذهب بثلاثة أحزان حزن أورثه خوف الانقطاع وحزن هاجته ظلمة الجهل وحزن بعثته وحشة التفرق لما كان السرور ضد الحزن والحزن لا يجامعه كان مذهبا له ولما كان سببه ذوق الشيء السار فإنه كلما مان الذوق أتم كان السرور به أكمل وهذا السرور يذهب ثلاثة أحزان
الحزن الأول حزن أورثه خوف انقطاع وهذا حزن المتخلفين عن ركب المحبين ووفد المحبة فأهل الانقطاع هم المتخلفون عن صحبة هذا الركب وهذا الوفد وهم الذين كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين فثبط عزائمهم وهممهم أن تسير إليه وإلى جنته وأمر قلوبهم أمرا كونيا قدريا أن تقعد مع القاعدين المتخلفين عن السعي إلى محغابه فلو عانيت قلوبهم حين أمرت بالقعود عن مرافقة الوفد وقد غمرتها الهموم وعقدت عليها سحائب البلاء فأحضرت كل حزن وغم وأمواج القلق والحسرات تتقاذف بها وقد غابت عنها المسرات ونابت عنها الأحزان لعلمت أن الأبرار في هذه الدار في نعيم وأن المتخلفين عن رفقتهم في جحيم وهذا الحزن يذهب به ذوق طعم الإيمان فيذيق الصديق طعم الوعد الذي وعد به على لسان الرسول فلا يعقله ظن ولا يقطعه أمل ولا تعوقه أمنية كما تقدم فيباشر قلبه حقيقة قوله تعالى أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة المحضرين إوقوله تعالى ياأيها الناس وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور وقوله تعالى وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين وأمثال هذه الآيات قوله وحزن هاجته ظلمة الجهل وهذا الحزن الثاني الذي يذهب سرور الذوق هو حزن ظلمة الجهل والجهل نوعان جهل علم ومعرفة وهو مراد الشيخ ههنا وجهل عمل وغي وكلاهما له ظلمة ووحشة في القلب وكما أن العلم يوجب نورا وأنسا فضده يوجب ظلمة ويوقع وحشة وقد سمى الله سبحانه وتعالى العلم الذي بعث به رسوله نورا وهدى وحياة وسمى ضده ظلمة وموتا وضلالا قال الله تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات وقال تعالى أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها وقال تعالى قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم وقال تعالى يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا وقال تعالى فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون وقال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا فجعله روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح ونورا لما يحصل به من الهدى والرشاد ومثل هذا النور في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ومثل حال من فقد هذا النور بمن هو في ظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور الحزن الثالث حزن بعثته وحشة التفرق وهو تفرق الهم والقلب عن الله عز وجل ولهذا التفرق حزن ممض على فوات جمعية القلب على الله ولذاتها ونعيمها فلو فرضت لذات أهل الدنيا بأجمعها حاصلة لرجل لم يكن لها نسبة إلى لذة جمعية قلبه على الله وفرحه به وأنسه بقربه وشوقه إلى لقائه وهذا أمر لا يصدق به إلا من ذاقه فإنما يصدقك من أشرق فيه ما أشرق فيك ولله در القائل أيا صاحبي أما ترى نارهم فقال تريني مالا أرى سقاك الغرام ولم يسقني فأبصرت مالم أكن مبصرا
فلو لم يكن في التفرق المذكور إلا ألم الوحشة ونكد التشتت وغبار الشعث لكفى به عقوبة فكيف وأقل عقوبته أن يبتلى بصحبة المنقطعين ومعاشرتهم وخدمتهم فتصير أوقاته التي هي مادة حياته ولا قيمة لها مستغرفة في قضاء حوائجهم ونيل أغراضهم وهذه عقوبة قلب ذاق حلاوة الإقبال على الله والجمعية عليه والأنس به ثم آثر على ذلك سواه ورضي بطريقة بني جنسه وما هم عليه ومن له أدنى حياة في قلبه ونور فإنه يستغيث قلبه من وحشة هذا التفرق كما تستغيث الحامل عند ولادتها ففي القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا فالتفرق يوقع وحشة الحجاب وألمه أشد من ألم العذاب قال الله تعالى كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم فاجتمع عليهم عذاب الحجاب وعذاب الجحيم والذوق الذي يذهب وحشة هذا التفرق هو الذوق الذي ذكره الشيخ في قوله ذوق الإرادة طعم الأنس فلا يعلق به شاغل ولا يفسده عارض ولا تكدره تفرقة فصل قال الدرجة الثانية سرور شهود كشف حجاب العلم وفك رق التكليف ونفي صغار الاختيار يريد أن العلم حجاب على المعرفة فشهود كشف ذلك الحجاب حتى يفضي القلب إلى المعرفة يوجب سرورا والعلم عند هذه الطائفة استدلال والمعرفة ضرورية فالعلم له الخبر والمعرفة لها العيان فالعلم عندهم حجاب على المعرفة وإن كان لا يوصل إليها إلا بالعلم والعلم لها كالصوان لما تحته فهو حجاب عليه ولا يوصل إليه إلا منه ومثال هذا أنك إذا رأيت في حومة ثلج ثقبا خاليا استدللت به على أن تحته حيوانا يتنفس فهذا علم فإذا حفرته وشاهدت الحيوان فهذه معرفة قوله وفك رق التكليف عبارة قلقة غير سديدة ورق التكليف لا يفك إلى الممات وكلما تقدم العبد منزلا شاهد من رق تكليفه مالم يكن شاهده من قبل فرق التكليف أمر لازم للمكلف ما بقي في هذا العالم والذي يتوجه عليه كلامه أن السرور بالذوق الذي أشار إليه يعتق العبد من رق التكليف بحيث لا يعده تكليفا بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له وقرة عين في حقه ونعيما لروحه يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية فلا يجد في أوراد العبادة كلفة ولا تصير تكليفا في حقه فإن ما يفعله المحب الصادق ويأتي به في خدمة محبوبه هو أسر شيء إليه وألذه عنده ولا يرى ذلك تكليفا لما في التكليف من إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة عليه والله سبحانه إنما سمى أوامره ونواهيه وصية وعهدا وموعظة ورحمة ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي كقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ووقوع الوسع بعد الاستثناء من التكليف لا يوجب وقوع الاسم عليه مطلقا فهذا أقرب ما يؤول به كلامه على أن للملحد ههنا مجالا وهو أن هذه الحال إنما هي لأقوام انتقلت عباداتهم من ظواهرهم إلى بواطنهم فانتقل حكم أورادهم إلى وارداتهم فاستغنوا بالواردات عن الأوراد وبالحقائق عن الرسوم وبالمعاني عن الصور فخلصوا من رق التكليف المختص بالعلم وقاموا بالحقيقة التي يقتضيها الحكم وهكذا الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل قوله ونفى صغار الاختيار يريد به أن العبد متى كان مربوطا باختياراته محبوسا في سجن إراداته فهو في ذل وصغار فإذا وصل إلى هذه الدرجة انتفى عنه صغار الاختيار وبقي من جملة الأحرار فيا لها من عبودية أوجبت حرية وحرية كملت عبودية
فيصير واقفا مع ما يختار الله له لا مع ما يختاره هو لنفسه بل يصير مع الله بمنزلة من لا اختيار له البتة فمن كان محجوبا بالعلم عن المعرفة نازعته اختياراته ونازعها فهو معها في ذل وصغار ومتى أفضى إلى المعرفة وكشف له عن حجابها شاهد البلاء نعيما والمنع عطاء والذل عزا والفقر غنى فانقاد باطنه لأحكام المعرفة وظاهره لأحكام العلم على أن للملحد ههنا مجالا قد جال فيه هو وطائفته فقال هذا يوجب الانقياد لأحكام المعرفة والتخلص والراحة من أحكام العلم وقد قيل إن العالم يسعطك الخل والخردل والعارف ينشقك المسك والعنبر قال ومعنى هذا أنك مع العالم في تعب ومع العارف في راحة لأن العارف يبسط عذر العوالم والخلائق والعالم يلوم وقد قيل من نظر إلى الناس بعين العلم مقتهم ومن نظر إليهم بعين الحقيقة عذرهم فانظر ما تضمنه هذا الكلام الذي ملمسه ناعم وسمه زعاف قاتل من الانحلال عن الدين ودعوى الراحة من حكم العبودية والتماس الأعذار لليهود والنصارى وعباد الأوثان والظلمة والفجرة وأن أحكام الأمر والنهي الواردين على السن الرسل للقلوب بمنزلة سعط الخل والخردل وأن شهود الحقيقة الكونية الشاملة للخلائق والوقوف معها والانقياد لحكمها بمنزلة تنشيق المسك والعنبر فليهن الكفار والفجار والفساق انتشاق هذا المسك والعنبر إذا شهدوا هذه الحقيقة وانقادوا لحكمها ويا رحمة للأبرار المحكمين لما جاء به الرسول من كثرة سعوطهم بالخل والخردل فإن قوله هذا يجوز وهذا لايجوز وهذا حلال وهذا حرام وهذا يرضي الله وهذا يسخطه خل وخردل عند هؤلاء الملاحدة وإلا فالحقيقة تشهدك الأمر بخلاف ذلك ولذلك إذا نظرت عندهم إلى الخلق بعين الحقيقة عذرت الجميع فتعذر من توعده الله ورسوله أعظم الوعيد وتهدده أعظم التهديد ويا لله العجب إذا كانوا معذورين في الحقيقة فكيف يعذب الله سبحانه المعذور ويذيقه أشد العذاب وهلا كان الغنى الرحيم أولى بعذره من هؤلاء نعم العالم الناصح يلوم بأمر الله والعارف الصادق يرحم بقدر الله ولا يتنافى عنده اللوم والرحمة ومن رحمته عقوبة من أمر الله بعقوبته فذلك رحمة له وللأمة وترك عقوبته زيادة في أذاه وأذى غيره وأنت مع العالم في تعب يعقب كل الراحة ومع عارف هؤلاء الملاحدة في راحة وهمية تعقب كل تعب وخيبة وألم كما ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أن المسيح عليه السلام كان يقول على قدر ما تتعبون ههنا تستريحون هنالك وعلى قدر ما تستريحون ههنا تتبعون هنالك فالعالم يحذرك ويمنعك الوقوف حتى تبلغ المأمن وعارف الملاحدة يوهمك الراحة من كد المسير ومؤنة السفر حتى تؤخذ في الطريق فصل قال الدرجة الثالثة سرور سماع الإجابة وهو سرور يمحو آثار الوحشة ويقرع باب المشاهدة ويضحك الروح قيد الشيخ السماع بكونه سماع إجابة فإنه السماع المنتفع به لا مجرد سماع الإدراك فإنه مشترك بين المجيب والمعرض وبه تقوم الحجة وينقطع العذر ولهذا قال الله عن أصحابه سمعنا وعصينا وقال النبي لليهودي الذي سأله عن أمور من الغيب ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني وأما سماع الإجابة ففي مثل قوله تعالى وفيكم سماعون لهم أي مستجيبون لهم وفي قوله سماعون للكذب أي مستجيبون له وهو المراد وهذا المراد بقول المصلى سمع الله لمن حمده أي أجاب الله حمد من حمده وهو السمع الذي نفاه الله عز وجل عمن لم يرد به خيرا في قوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم أي لجعلهم يسمعون سمع إجابة وانقياد وقيل المعنى لأفهمهم وعلى هذا يكون المعنى لأسمع قلوبهم فإن سماع القلب يتضمن الفهم والتحقيق أن كلا الأمرين مراد فلو علم فيهم خيرا لأفهمهم ولجعلهم يستجيبون لما سمعوه وفهموه والمقصود أن سماع الإجابة هو سماع انقياد القلب والروح والجوارح لما سمعته الأذنان
قوله ويمحو آثار الوحشة يعني يزيل بقايا الوحشة التي سببها ترك الانقياد التام فإنه على قدر فقد ذلك تكون الوحشة وزوالها إنما يكون بالانقياد التام وأيضا فإنه يبقى على أهل الدرجة الثانية آثار وهم أهل كشف حجاب العلم فإنهم إذا انكشف عنهم حجاب العلم وأفضوا إلى المعرفة بقيت عليهم بقايا من آثار ذلك الحجاب فإذا حصلوا في هذه الدرجة زالت عنهم تلك البقايا وقد يوجه كلامه على معنى آخر وهو أنه إذا دعا ربه سبحانه فسمع ربه دعاءه سماع إجابة وأعطاه ما سأله على حسب مراده ومطلبه أو أعطاه خيرا منه حصل له بذلك سرور يمحو من قلبه آثار ما كان يجده من وحشة البعد فإن للعطاء والإجابة سرورا وأنسا وحلاوة وللمنع وحشة ومرارة فإذا تكرر منه الدعاء وتكرر من ربه سماع وإجابة لدعائه محا عنه آثار الوحشة وأبدله بها أنسا وحلاوة قوله ويقرع باب المشاهدة يريد والله أعلم مشاهدة حضرة الجمع التي يشمر إليها السالكون عنده وإلا فمشاهدة الفضل والمنة قد سبقت في الدرجتين الأولتين وانتقل المشاهد لذلك إلى ما هو أعلامنه وهو مشاهدة الحضرة المذكورة قوله ويضحك الروح يعني أن سماع إلإجابة يضحك الروح لسرورها بما حصل لها من ذلك السماع وإنما خص الروح بالضحك ليخرج به سرورا يضحك النفس والعقل والقلب فإن ذلك يكون قبل رفع الحجاب الذي أشار إليه إذ محله النفس فإذا ارتفع ومحا الشهود رسم النفس بالكلية كان الإدراك حينئذ بالروح فيضحكها بالسرور وهذا مبني على قواعد القوم في الفرق بين أحكام النفس والقلب والروح والفتح عندهم نوعان فتح قلبي وفتح روحي فالفتح القلبي يجمعه على الله ويلم شعثه والفتح الروحي يغنيه عنه ويجرده منه وبالله التوفيق فصل ومنها منزلة السر قال صاحب المنازل باب السر قال الله تعالى الله أعلم بما في أنفسهم أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر أما استشهاده بالآية فوجهه أن أتباع الرسل الذين صدقوهم وآثروا الله والدار الآخرة على قومهم وأصحابهم قد أودع الله قلوبهم سرا من أسرار معرفته ومحبته والإيمان به خفي على أعداء الرسل فنظروا إلى ظواهرهم وعموا عن بواطنهم فازدروهم واحتقروهم وقالوا للرسل اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك ونسمع منك وقالوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا فقال نوح عليه السلام لقومه ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين قال الزجاج المعنى إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في بادي الرأي وظاهره فليس على أن أطلع على ما في أنفسهم فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله وهذا معنى حسن والذي يظهر من الآية أن الله يعلم ما في أنفسهم إذ أهلهم لقبول دينه وتوحيده وتصديق رسله والله سبحانه وتعالى عليم حكيم يضع العطاء في مواضعه وتكون هذه الآية مثل قوله تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه أهلهم للهدى والحق وحرمه رؤساء الكفار وأهل العزة والثروة منهم كأنهم استدلوا بعطاء الدنيا على عطاء الآخرة فأخبر الله سبحانه أنه أعلم بمن يؤهله لذلك لسر عنده من معرفة قدر النعمة ورؤيتها من مجرد فضل المنعم ومحبته وشكره عليها وليس كل أحد عنده هذا السر فلا يؤهل كل أحد لهذا العطاء قوله أصحاب السر هم الأخفياء الذين ورد فيهم الخبر قد يريد به حديث سعد بن أبي وقاص حيث قال له ابنه أنت ههنا والناس يتنازعون في الإمارة فقال إني سمعت رسول الله يقول إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي / ح /
وقد يريد به قوله رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره / ح / وقوله في الحديث الآخر وقد مر به رجل فقال ما تقولون في هذا فقالوا هذا حري إن شفع أن يشفع وإن خطب أن ينكح وإن قال أن يسمع لقوله ثم مر به آخر فقال ما تقولون في هذا فقالوا هذا حري إن شفع أن لا يشفع وإن خطب أن لا ينكح وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال النبي هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا فصل قال وهم على ثلاث طبقات الطبقة الأولى طائفة علت هممهم وصفت قصودهم وصح سلوكهم ولم يوقف لهم على رسم ولم ينسبوا إلى اسم ولم يشر إليهم بالأصابع أولئك ذخائر الله حيث كانوا ذكر لهم ثلاث صفات ثبوتية وثلاثا سلبية الأولى علو هممهم وعلو الهمة أن لا تقف دون الله ولا تتعوض عنه بشيء سواه ولا ترضى بغيره بدلا منه ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان فإن الآفات قواطع وجواذب وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه وإنما تجتذب من المكان السافل فعلو همة المرء عنوان فلاحه وسفول همته عنوان حرمانه العلامة الثانية صفاء القصد وهو خلاصه من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده فصفاء القصد تجريده لطلب المقصود له لا لغيره فهاتان آفتان في القصد إحداهما أن لا يتجرد لمطلوبه الثانية أن يطلبه لغيره لا لذاته وصفاء القصد يراد به العزم الجازم على اقتحام بحر الفناء عند الشيخ ومن وافقه على أن الفناء غاية ويراد به خلوص القصد من كل إرادة تزاحم مراد الرب تعالى بل يصير القصد مجردا لمراده الديني الأمري وهذه طريقة من يجعل الغاية هي الفناء عن إرادة السوى وعلامته اندراج حظ العبد في حق الرب تعالى بحيث يصير حظه هو نفس حق ربه عليه ولا يخفى على البصير الصادق علو هذه المنزلة وفضلها على منزلة الفناءوبالله التوفيق العلامة الثالثة صحة السلوك وهو سلامته من الآفات والعوائق والقواط وهو إنما يصح بثلاثة أشياء أحدها أن يكون على الدرب الأعظم الدرب النبوي المحمدي لا على الجواد الوضعية والرسوم الاصطلاحية وإن زخرفوا لها القول ودققوا لها الإشارة وحسنوا لها العبارة فتلك من بقايا النفوس عليهم وهم لا يشعرون الثاني أن لا يجيب على الطريق داعي البطالة والوقوف والدعة الثالث أن يكون في سلوكه ناظرا إلى المقصود وقد تقدم بيان ذلك فبهذه الثلاثة يصح السلوك والعبارة الجامعة لها أن يكون واحدا لواحد في طريق واحد فلاا ينقسم طلبه ولا مطلوبه ولا يتلون مطلوبه وأما الثلاثة السلبية التي ذكرها فأولها قوله ولم يوقف لهم على رسم يريد أنهم قد انمحت رسومهم فلم يبق منها ما يقف عليه واقف وهذا كلام يحتاج إلى شرح فإن الرسم الظاهر المعاين لا يمحي ما دام في هذا العالم ولا يرون محو هذا الرسم وهم مختلفون فيما يعبر بالرسم عنه فطائفة قالت الرسم ما سوى الحق سبحانه ومحوه هو ذهاب الوقوف معه والنظر إليه والرضى به والتعلق به ومنهم من يريد بالرسم الظواهر والعلامات وهذا أقرب إلى وضع اللغة فإن رسم الدار هو الأثر الباقي منها الذي يدل عليها ولهذا يسمون الفقهاءوأهل الأثر ونحوهم علماء الرسوم لأنهم عندهم لم يصلوا إلى الحقائق بل اشتغلوا عن معرفتها بالظواهر والأدلة فهذه الطائفة التي أشار إليها لا رسم لهم يقفون عنده بل قد اشتغلوا بالحقائق والمعاني عن الرسوم والظواهر وللملحد ههنا مجال إذ عنده أن العبادات والأوامر والأوراد كلها رسوم وأن العباد وقفوا على الرسوم ووقفوا هم على الحقائق
ولعمر الله إنها لرسوم إلهية أتت على أيدي رسله ورسم لهم أن لا يتعدوها ولا يقصروا عنها فالرسل قعدوا على هذه الرسوم يدعون الخلق إليها ويمنعونهم من تجاوزها ليصلوا إلى حقائقها ومقاصدها فعطلت الملاحدة تلك الرسوم وقالوا إنما المراد الحقائق ففاتتهم الرسوم والحقائق معا ووصلوا ولكن إلى الحقائق الإلحادية الكفرية وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فأحسن ما حمل عليه قول الشيخ ولم يقفوا مع رسم أنهم لم ينقطعوا بشيء سوى الله عنه فكل ما قطع عن الله لم يقفوا معه وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه وكان وقوفهم معه وقد يريد بقوله لم يوقف لهم على رسم أنهم لعلو هممهم سبقوا الناس في السير فلم يقفوا معهم فهم المفردون السابقون فلسبقهم لم يوقف لهم على أثر في الطريق ولم يعلم المتأخر عنهم أين سلكوا والشمس بعدهم قد يرى آثار نيرانهم على بعد عظيم كما يرى الكوكب ويستخبر ممن رآهم أين رآهم فحاله كما قيل أسائل عنكم كل غاد ورائح وأومي إلى أوطانكم وأسلم العلامة الثانية قوله ولم ينسبوا إلى اسم أي لم يشتهروا باسم يعرفون به عند الناس من الأسماء التي صارت أعلاما لأهل الطريق وأيضا فإنهم لم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه فيعرفون به دون غيره من الأعمال فإن هذا آفة في العبودية وهي عبودية مقيدة وأما العبودية المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم ولا بزي ولا طريق وضعي اصطلاحي بل إن سئل عن شيخه قال الرسول وعن طريقه قال الاتباع وعن خرقته قال لباس التقوى وعن مذهبه قال تحكيم السنة وعن مقصوده ومطلبه قال يريدون وجهه وعن رباطه وعن خانكاه قال في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعن نسبه قال أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تيم وعن مأكله ومشربه قال ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ربها واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل واحسرتاه تقضى العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل والعلامة الثالثة قوله ولم يشر إليهم بالأصابع يريد أنهم لخفائهم عن الناس لم يعرفوا بينهم حتى يشيروا إليهم بالأصابع وفي الحديث المعروف عن النبي لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فإن صاحبها سدد وقارب فارجوا له وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدوه شيئا فسئل راوي الحديث عن معنى أشير إليه بالأصابع فقال هو المستبدع في دينه الفاجر في دنياه وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل فإن الناس إنما يشيرون بالأصابع إلى من يأتيهم بشيء فبعضهم يعرفه وبعضهم لا يعرفه فإذا مر أشار من يعرفه إلى من لا يعرفه هذا فلان وهذا قد يكون ذما له وقد يكون مدحا فمن كان معروفا باجتهاد وعبادة وزهد وانقطاع عن الخلق ثم انحط عن ذلك وعاد إلى حال أهل الدنيا والشهوات فإذا مر بالناس أشاروا إليه وقالوا هذا كان على طريق كذا وكذا ثم فتن وانقلب فهذا الذي قال في الحديث عنه فلا تعدوه شيئا لأنه انقلب على عقبيه ورجع بعد الشرة إلى أسوأ فترة وقد يكون الرجل منهمكا في الدنيا ولذاتها ثم يوقظه الله لآخرته فيترك ما هو فيه ويقبل على شأنه فإذا مر أشار الناس إليه بالأصابع وقالوا هذا كان مفتونا ثم تداركه الله فهذا كانت شرته في المعاصي ثم صارت في الطاعات والأول كانت شرته في الطاعات ثم فترت وعادت إلى البدعة والفجور وبالجملة فالإإشارة بالأصابع إلى الرجل علامة خير وشر ومورد هلاكه ونجاته والله سبحانه الموفق
قوله أولئك ذخائر الله حيث كانوا ذخائر الملك ما يخبأ عنده ويذخره لمهماته ولا يبذله لكل أحد وكذلك ذخيرة الرجل ما يذخره لحوائجه ومهماته وهؤلاء لما كانوا مستورين عن الناس بأسبابهم غير مشار إليهم ولا متميزين برسم دون الناس ولا منتسبين إلى اسم طريق أو مذهب أو شيخ أو زي كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها ولزوم الطرق الاصطلاحية والأوضاع المتداولة الحادثة هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله وهم لا يشعرون والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة والسير إلى الله وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود وقد سئل بعض الأئمة عن السنة فقال مالا اسم له سوى السنة يعني أن أهل السنة ليس لهم اسم ينسبون إليه سواها فمن الناس من يتقيد بلباس لا يلبس غيره أو بالجلوس في مكان لا يجلس في غيره أو مشية لا يمشي غيرها أو بزي وهيئة لا يخرج عنهما أو عبادة معينة لا يتعبد بغيرها وإن كانت أعلى منها أو شيخ معين لا يلتفت إلى غيره وإن كان أقرب إلى الله ورسوله منه فهؤلاء كلهم محجوبون عن الظفر بالمطلوب الألى مصدودون عنه قد قيدتهم العوائد والرسوم والأوضاع والاصطلاحات عن تجريد المتابعة فأضحوا عنها بمعزل ومنزلتهم منها أبعد منزل فترى أحدهم يتعبد بالرياضة والخلوة وتفريغ القلب ويعد العلم قاطعا له عن الطريق فإذا ذكر له الموالاة في الله والعاداة فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عد ذلك فضولا وشرا وإذا رأوا بينهم من يقوم بذلك أخرجوه من بينهم وعدوه غيرا عليهم فهؤلاء أبعد الناس عن الله وإن كانوا أكثر إشارة والله أعلم فصل قال الطبقة الثانية طائفة أشاروا عن منزل وهم في غيره ووروا بأمر وهم لغيره ونادوا على شأن وهم على غيره فهم بين غيرة عليهم تسترهم وأدب فيهم يصونهم وظرف يهذبهم أهل هذه الطبقة استسروا اختيارا وإرادة لذلك صيانة لأحوالهم وكمالا في تمكنهم فمقاماتهم عالية لا ترمقها العيون ولا تخالطها الظنون يشيرون إلى ما يعرفه المخاطب من مقامات المريدين السالكين وبدايات السلوك ويخفون ما مكنهم فيه الحق سبحانه وتعالى من أحوال المحبة ومواجيدها وآثار المعرفة وتوحيدها فهذه هي التورية التي ذكرها فكأنهم يظهرون للمخاطب أنهم من أهل البدايات وهم في أعلى المقامات يتكلمون معهم في البداية والإرادة والسلوك ومقامهم فوق ذلك وهم محقون في الحالتين لكنهم يسترون أشرف أحوالهم ومقاماتهم عن الناس وبالجملة فهم مع الناس بظواهرهم يخاطبونهم على قدر عقولهم ولا يخاطبونهم بما لا تصل إليه عقولهم فينكرون عليهم فيحسبهم المخاطب مثلهم فالناس عندهم وليسوا هم عند أحد قوله أشاروا إلى منزل وهم في غيره يعني يشيرون إلى منزل التوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبة والوجد والذوق ونحوها وقد يريد أنهم يشيرون إلى أنهم عامة وهم خاصة الخاصة وإلى أنهم جهال وهم العارفون بالله وأنهم مسيئون وهم محسنون وعلى هذا فيكونون من الطائفة الملامتيه الذين يظهرون مالا يمدحون عليه ويسرون ما يحمدهم الله عليه عكس المرائين المنافقين وهؤلاء طائفة معروفة لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة وهم الطائفة الملامتية يزعمون أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يظهرونه من الأعمال ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال ويحتجون بقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فهم عاملون على أسقاط جاههم ومنزلتهم في قلوب الناس لما رأوا المغترين المغتر بهم من المنتسبين إلى السلوك يعملون على تزكية نفوسهم وتوفير جاههم في قلوب الناس فعاكسهم هؤلاء وأظهروا بطالة وأبطنوا أعمالاوكتموا أحوالهم جهدهم وينشدون في هذه الحال فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود يا غاية المنى فكل الذي فوق التراب تراب
قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا سفيان عن منصور عن هلال سياق ابن يساف قال كان عيسى عليه السلام يقول إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه حتى يخرج إلى الناس فيقولون ليس بصائم ولهذا قال بعضهم التصوف ترك الدعاوي وكتمان المعاني وسئل الحارث ابن أسد عن علامات الصادق فقال أن لا يبالي أن يخرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه ولا يحب اطلاع الناس على اليسير من عمله وهذا يحمد في حال ويذم في حال ويحسن من رجل ويقبح من آخر فيحمد إذا أظهر ما يجوز إظهاره ولا نقص عليه فيه ولا ذم من الله ورسوله ليكتم به حاله وعمله كما إذا أظهر الغنى وكتم الفقر والفاقة وأظهر الصحة وكتم المرض وأظهر النعمة وكتم البلية فهذا كله من كنوز الستر وله في القلب تأثير عجيب يعرفه من ذاقه وشكى رجل إلى الأحنف بن قيس شكاة فقال يا بن أخي قد ذهب ضوء بصري من عشرين سنة فما أخبرت به أحدا وأما الحال التي يذم فيها فأن يظهر مالا يجوز إظهاره ليسيء به الناس الظن فلا يعظموه كما يذكر عن بعضهم أنه دخل الحمام ثم خرج وسرق ثياب رجل ومشى رويدا حتى أدركوه فأخذوها منه وسبوه فهذا حرام لا يحل تعاطيه ويقبح أيضا من المتبوع المقتدى به ذلك بل وما هو دونه لأنه يغر الناس ويوقعهم في التأسي بما يظهره من سوء فالملامتية نوعان ممدوحون أبرار ومذمومون جهال وإن كانوا في خفارة صدقهم فالأولون الذين لا يبالون بلوم اللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة إليه وهم الذين قال الله فيهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم فأحب الناس إلى الله من لا تأخذه في الله لومة لائم وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تأخذه في الله لومة لائم والنوع الثاني المذموم هو الذي يظهر ما يلام عليه شرعا من محرم أو مكروه ليكتم بذلك حاله وقد قال النبي لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه / ح / فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ قوله أشاروا إلى منزل وهم في غيره مثاله أنهم يتكلمون في التوبة والمحاسبة وهم في منزل المحبة والفناء قوله ووروا بأمر وهم لغيره التورية أن يذكر لفظا يفهم به المخاطب معنى وهو يريد غيره مثاله أن يقول أحدهم أنا غني فيوهم المخاطب له أنه غني بالشيء ومراده غني بالله عنه كما قيل غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به وأن يقول ما صح لي مقام التوبة بعد ويريد ما صحت لي التوبة عن رؤية التوبة ونحو ذلك قوله ونادوا على شأن وهم على غيره أي عظموا شأنا من شئون القوم ودعوا الناس إليه وهم في أعلى منه وهذا قريب مما قبله قوله فهم بين غيرة عليهم تسترهم أي يغار الحق سبحانه عليهم فيسترهم عن الخلق ويغارون على أحوالهم ومقاماتهم فيسترون أحوالهم عن رؤية الخلق لها كما قيل ألف الخمول صيانة وتسترا فكأنما تعريفه أن ينكرا وكأنه كلف الفؤاد بنفسه فحمته غيرته عليها أن ترى قوله وأدب فيهم يصونهم بهذا يتم أمرهم وهو أن يقوم بهم أدب يصونهم عن ظن السوء بهم ويصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمالب فأدبهم صوان على أحوالهم فهمته العلية ترتفع به وأدبه يرسو به إلى التراب كما قيل أبلج سهل الأخلاق ممتنع يبرزه الدهر وهو يحتجب إذا ترقت به عزائمه إلى الثريا رسا به الأدب فأدب المريد والسالك صوان له وتاج على رأسه
قوله وظرف يهذبهم التهذيب هو التأديب والتصفية والظرف في هذه الطائفة أحلى من كل حلو وأزين من كل زين فما قرن شيء إلى شيء أحسن من ظرف إلى صدق وإخلاص وسر مع الله وجمعية عليه فإن أكثر من عني بهذا الشأن تضيق نفسه وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده فتثقل وطأته على أهله وجليسه ويضن عليه ببشره والتبسط إليه ولين الجانب له ولعمر الله إنه لمعذور وإن لم يكن في ذلك بمشكور فإن الخلق كلهم أغيار إلا من أعانك على شأنك وساعدك على مطلوبك فإذا تمكن العبد في حاله وصار له إقبال على الله وجمعية عليه ملكة ومقاما راسخا أنس بالخلق وأنسوا به وانبسط إليهم وحملهم على ضلعهم وبطء سيرهم فعكفت القلوب على محبته للطفه وظرفه فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ ولله ما يجلب اللطف والظرف من القلوب ويدفع عن صاحبه من الشر ويسهل له ما توعر على غيره فليس الثقلاء بخواص الأولياء وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك وإلا فهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفا فترى الصادق فيها من أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم قد زالت عنه ثقالة النفس وكدورة الطبع وصار روحانيا سمائيا بعد أن كان حيوانيا أرضيا فتراه أكرم الناس عشرة وألينهم عريكة وألطفهم قلبا وروحا وهذه خاصة المحبة فإنها تلطف وتظرف وتنظف ومن ظرف أهل هذه الطبقة أن لا يظهر أحدهم على جليسه بحال ولا مقام ولا يواجهه إذا لقيه بالحال بل بلين الجانب وخفض الجناح وطلاقة الوجه فيفرش له بساط الأنس ويجلسه عليه فهو أحب إليه من الفرش الوثيرة وسئل محمد بن علي القصاب أستاذ الجنيد عن التصوف فقال أخلاق كريمة ظهرت في زمان كريم مع قوم كرام وبالجملة فهذه الطريق لا تنافي اللطف والظرف والصلف بل هي أصلف شيء لكن ههنا دقيقة قاطعة وهي الاسترسال مع هذه الأمور فإنها أقطع شيء للمريد والسالك فمن استرسل معها قطعته ومن عاداها بالكلية وعرت عليه طريق سلوكه ومن استعان بها أراحته في طريقه أو أراحت غيره به وبالله التوفيق فصل وأهل هذه الطبقة أثقل شيء عليهم البحث عما جريات الناس وطلب تعرف أحوالهم وأثقل ما على قلوبهم سماعها فهم مشغولون عنها بشأنهم فإذا اشتغلوا بمالا يعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عناية لهم وإذا عد غيرهم الاشتغال بذلك وسماعه من باب الظرف والأدب وستر الأحوال كان هذامن خدع النفوس وتلبيسها فإنه يحط الهمم العالية من أوجها إلى حضيضها وربما يعز عليه أن يحصل همة أخرى يسعد بها إلى موضعه الذي كان فيه فأهل الهمم والفطن الثاقبة لا يفتحون من آذانهم وقلوبهم طريقا إلى ذلك إلا ما تقاضاه الأمر وكانت مصلحته أرجح وما عداه فبطالة وحط مرتبة فصل قال الطبقة الثالثة طائفة أسرهم الحق عنهم فألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه وهيمهم عن شهود ما هم له وضن بحالهم عن علمهم ما هم به فاستسروا عنهم مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم عن قصد صادق يهيجه غيب وحب صادق يخفى عليه علمه ووجد غريب لا ينكشف له موقده وهذا من أدق مقامات أهل الولاية
أهل هذه الطبقة أحق باسم السر من الذين قبلهم فإنه إذا كانت أحوال القلب ومواهب الرب التي وضعها فيه سرا عن صاحبه بحيث لا يشعر هو بها شغلا عنها بالعزيز الوهاب سبحانه فلا يتسع قلبه لاشتغاله به وبغيره بل يشتغل بمجريها ومنشئها وواهبها عنها فهذا أقوى وجوه السر بل ذلك أخفى من السر ومن أعظم الستر والإخفاء أن يستر الله سبحانه وتعالى حال عبده ويخفيه عنه رحمة به ولطفا لئلا يساكنه وينقطع به عن ربه فإن ذلك خلعة من خلع الحق تعالى فإذا سترها صاحبها وملبسها عن عبده فقد أراد به أن لا يقف مع شيء دونه وقد يكون ذلك الستر مما يشتغل به العبد عن مشاهدة جلال الرب تعالى وكماله وجماله أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصفات واستغراقه فيها وعلامة هذا الشهود الصحيح أن يكون باطنه معمورا بالإحسان وظاهره مغمورا بالإسلام فيكون ظاهره عنوانا لباطنه مصدقا لما اتصف به وباطنه مصححا لظاهره هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء وأكمل منه أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنة وعين الجود فلا يفنى بالمعطى عن رؤية عطيته ولا يشتغل بالعطية عن معطيها وقد أمر الله سبحانه بالفرح بفضله ورحمته وذلك لا يكون إلا برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما وأمر بذكر نعمه وآلائه فقال تعالى يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم وقال تعالى فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون وقال تعالى واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به فلم يأمر الله سبحانه بالفناء عن شهود نعمته فضلا عن أن يكون مقام الفناء أرفع من مقام شهودها من فضله ومنته وقد أشبعنا القول في هذا فيما تقدم ولا تأخذنا فيه لومة لائم ولا تأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائم فقوله أسرهم الحق عنهم أي شغلهم به عن ذكر أنفسهم فأنساهم بذكره ذكر نفوسهم وهذا ضد حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم فإن أولئك لما نسوه أنساهم مصالح أنفسهم التي لا صلاح لهم إلا بها فلا يطلبونها وأنساهم عيوبهم فلا يصلحونها وهؤلاء أنساهم حظوظهم بحقوقه وذكر ما سواه بذكره والمقصود أنه سبحانه أخذهم إليه وشغلهم به عنهم قوله وألاح لهم لائحا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه ألاح أي أظهر والمعنى أظهر لهم من معرفة جماله وجلاله لائحا ما لم تتسع قلوبهم بعده لإدراك شيء من أحوالهم ومقاماتهم وهذا رقيقة من حال أهل الجنة إذا تجلى لهم سبحانه وأراهم نفسه فإنهم لا يشعرون في تلك الحال بشيء من النعيم ولا يلتفتون إلى سواه البتة كما صرح به في الحديث الصحيح في قوله فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه والمعنى أن هذا اللائح الذي ألاحه سبحانه لهم أذهلهم عن الشعور بغيره قوله هيمهم عن شهود ماهم له يحتمل أن يكون مراده أن هذا اللائح هيمهم عن شهود ما خلقوا له فلم يبق فيهم اتساع للجمع بين الأمرين وهذا وإن كان لقوة الوارد فهو دليل على ضعف المحل حيث لم يتسع القلب معه لذكر ما خلق له والكمال أن يجتمع له الأمران ويحتمل أن يريد به أن هذا اللائح غيبهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال فغابوا بمشهودهم عن شهودهم وبمعروفهم عن معرفتهم وبمعبودهم عن عبادتهم فإن الهائم لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه وفي الصحاح الهيام كالجنون من العشق قوله وضن بحالهم عن علمهم أي بخل به والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه قوله فاستسروا عنهم أي اختفوا حتى عن أنفسهم فلم تعلم نفوسهم كيف هم ولا تبادر بإنكار هذا تكن ممن لا يصل إلى العنقود فيقول هو حامض قوله مع شواهد تشهد لهم بصحة مقامهم يريد أنهم لم يعطلوا أحكام العبودية في هذه الحال فيكون ذلك شاهدا عليهم بفساد أحوالهم بل لهم مع ذلك شواهد صحيحة تشهد لهم بصحة مقاماتهم وتلك الشواهد هي القيام بالأمر وآداب الشريعة ظاهرا وباطنا قوله عن قصد سابق يهيجه غيب
يجوز أن يتعلق هذا الحرف وما بعده بمحذوف دل عليه الكلام أي حصل لهم ذلك عن قصد صادق أي لازم ثابت لا يلحقه تلون يهيجه غيب أي أمر غائب عن إدراكهم هيج لهم ذلك القصد الصادق قوله وحب صادق يخفى عليه مبدأ علمه أي هم لا يعرفون مبدأ ما بهم ولا يصل علمهم إليه لأنهم لما لاح لهم ذلك اللائح استغرق قلوبهم وشغل عقولهم عن غيره فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بواردهم قوله ووجد غريب لا ينكشف لصاحبه موقده أي لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السبب الذي أهاجه له وأوقده في قلبه فهو لا يعرف السبب الذي أوجد نار وجده قوله وهذا من أدق مقامات أهل الولاية جعله دقيقا لكون الحس مقهورا مغلوبا عند صاحبه والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه فضلا عن الحس والعادة وحاصل هذا المقام الاستغراق في الفناء وهو الغاية عند الشيخ والصحيح أن أهل الطبقة الثانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقاما وهم الكمل وهم أقوى منهم كما كان مقام رسول الله ليلة الإسراء أرفع من مقام موسى عليه السلام يوم التجلي ولم يحصل لرسول الله من الفناء ما حصل لموسى وكان حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام أعظم من حب النسوة ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهن وكان حب أبي بكر رضي الله عنه لرسول الله أعظم من حب عمر رضي الله عنه وغيره ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغشى والإقعاد ما حصل لغيره فأهل البقاء والتمكن أقوى حالا وأرفع مقاما من أهل الفناء وبالله التوفيق فصل ومنها النفس قال صاحب المنازل باب النفس قال الله تعالى فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وجه إشارته بالآية أن النفس يكون بعد مفارقة الحال وانفصاله عن صاحبه فشبه الحال بالشيء الذي يأخذ صاحبه فيغته ويغطه حتى إذا أقلع عنه تنفس نفسا يستريح به ويستروح قال ويسمى النفس نفسا لتروح المتنفس به التنفيس هو الترويح يقال نفس الله عنك الكرب أي اراحك منه وفي الحديث الصحيح من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة وهذه الأحرف الثلاثة وهي النون والفاء وما يثلثهما تدل حيث وجدت على الخروج والانفصال فمنه النفل لأنه زائد على الأصل خارج عنه ومنه النفر والنفي والنفس ونفقت الدابة ونفست المرأة ونفست إذا حاضت أو ولدت فالنفس خروج وانفصال يستريح به المتنفس قال وهو على ثلاث درجات وهي تشابه درجات الوقت وجه الشبه بينهما أن الأوقات تعد بالأنفاس كدرجاتها وأيضا فالوقت كما قال هو حين وجد صادق فقيد الحين بالوجد والوجد بالصدق وقال في هذا الباب هو نفس في حين استتار فقيد النفس بالحين وبالوجد وقيد به الوقت فهو معتبر بهما وأيضا فالوقت والنفس لهما أسباب تعرض للقلب بسبب حجبه عن مطلوبه أو مفارقة حال كان فيها فاستترت عنه فبينهما تشابه من هذه الوجوه وغيرها قال والأنفاس ثلاثة نفس في حين استتار مملوء من الكظم متعلق بالعمل إن تنفس تنفس بالأسف وإن نطق نطق بالحزن وعندي هو متولد من وحشة الاستتار وهي الظلمة التي قالوا إنها مقام فقوله نفس في حين استتار أي يكون له حال صادق وكشف صحيح فيستتر عنه بحكم الطبيعة والبشرية ولا بد فيضيق بذلك صدره ويمتلىء كظما بحجب ما كان فيه واستتاره لأسباب فاعلية وغائية سترد عليك إن شاء الله فإذا تنفس في هذه الحال فتنفسه تنفس الحزين المكروب قوله مملوء من الكظم الكظم هو الإمساك ومنه كظم غيظه إذا تجرعه وحبسه ولم يخرجه قوله متعلق بالعمل يريد أن ذلك النفس متعلق بأحكام الظاهر لا بأحكام الحال وذلك هو البلاء الذي تقدم ذكر الشيخ له وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال
وإنما كان ذلك نفس مكظوم لخلوه في هذه الحال من أحكام المحبة التي تهون الشدائد وتسهل الصعب وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق وتعلقه بالعلم الذي هو داعي التفرق فإن كرب المحبة ممزوج بالحلاوة فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقد تلك الحلاوة واشتاق إلى ذلك الكرب كما قيل ويشكو المحبون الصبابة ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي فكان لقلبي لذة الحب كلها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي قوله إن تنفس تنفس بالأسف الأسف الحزن كقوله تعالى عن يعقوب يا أسفى على يوسف والأسف الغضب كقوله تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهم وهو في هذا الموضع الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه أو من صدق حاله قوله وإن نطق نطق بالحزن يعني أن هذا المتنفس إن نطق بما يدل على الحزن على ما توارى عنه فمصدر تنفسه ونطقه حزنه على ما حجب عنه قوله وعندي أنه يتولد من وحشة الاستتار والحجب وكأن الاستتار بسبب السبب فيتولد السبب يريد أن هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولده إنما هو من الوحشة التي سببها الاستتار من تلك الوحشة المتولدة من الاستتار وهذا صحيح فإنه لما كان مطلوبه مشاهدا له وحال محبته وأحكامها قائما به كان نصيبه من الأنس على قدر ذلك فإنه لما توارى عنه مطلوبه وأحكام محبته استوحش لذلك فتولد الحزن من تلك الوحشة وبعد فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب ليس له سبب سواه وإن تولد من حصول مكروه فذلك المكروه إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب وفلا كان حزن إذا ولا هم ولا غم ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضيق وسوء الحال ونحو ذلك على فراق المحبوب من المال والوجد والعافية والعلم والسعة وحسن الحال ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات فقال تعالى وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب والهم والغم والحزن والأسف بفوات المحبوب فأطيب العيش عيش المحب الواصل إلى محبوبه وأمر العيش عيش من حيل بينه وبين محبوبه والاستتار المذكور لا يكون إلا بعد كشف وعيان والرب تعالى يستر عنهم ما يستره رحمة بهم ولطفا بضعيفهم إذ لو دام له حال الكشف لمحقه بل رحمة ربه من به أن رده إلى أحكام البشرية ومقتضى الطبيعة وأيضا ليتزايد طلبه ويقوى شوقه فإنه لو دامت له تلك الحال لألفها واعتادها ولم يقع منه موقع الماء من ذي الغلة الصادي ولا موقع الأمن من الخائف ولا موقع الوصال من المهجور فالرب سبحانه واراها عنه ليكمل فرحه ولذته وسروره بها وأيضا فليعرفه سبحانه قدر نعمته بما أعطاه وخلع عليه فإنه لما ذاق قرارة الفقد عرف حلاوة الوجود فإن الأشياء تتبين بأضدادها وأيضا فليعرفه فقره وحاجته وضرورته إلى ربه وأنه غير مستغن عن فضله وبره طرفة عين وأنه إن انقطع عنه إمداده فسد بالكلية وأيضا فليعرفه أن ذلك الفضل والعطاء ليس لسبب من العبد وأنه عاجز عن تحصيلها بكسب واختيار وأنها مجرد موهبة وصدقة تصدق الله بها عليه لا يبلغها عمله ولا ينالها سعيه وأيضا فليعرفه عزه في منعه وبره في عطائه وكرمه وجوده في عوده عليه بما حجب عنه فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصفات بسبب هذا الاستتار والكشف بعده أمور غريبة عجيبة يعرفها الذائق لها وينكرها من ليس من أهلها وأيضا فإن الطبيعة والنفس لم يموتا ولم يعدما بالكلية ولولا ذلك لما قام سوق الامتحان والتكليف في هذا العالم بل قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان والمحبة والمقهور المغلوب لا بد أن يتحرك أحيانا وإن قلت ولكن حركة أسير مقهور بعد أن كانت حركته حركة أمير مسلط
فمن تمام إحسان الرب إلى عبده وتعريفه قدر نعمته أن أراه في الأعيان ما كان حاكما عليه قاهرا له وقد تقاضى ما كان يتقاضاه منه أولا فحينئذ يستغيث العبد بربه ووليه ومالك أمره كله يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك وأيضا فإنه يزيل من قلبه آفة الركون إلى نفسه أو عمله أو حاله كما قيل إن ركنت إلى العلم أنسيناكه وإن ركنت إلى الحال سلبناك إياه وإن ركنت إلى المعرفة حجبناها عنك وإن ركنت إلى قلبك أفسدناه عليك فلا يركن العبد إلى شيء سوى الله البتة ومتى وجد من قلبه ركونا إلى غيره فليعلم أنه قد أحيل على مفلس بل معدم وأنه قد فتح له الباب مكرا فليحذر ولوجه والله المستعان قوله وهي الظلمة التي قالوا إنها مقام يعني أن وحشة الاستتار ظلمة وقد قال قوم إنها مقام ووجهه أن الرب سبحانه يقيم عبده بحكمته فيها لما ذكرناه من الحكم والفوائد وغيرها مما لم نذكره فبهذا الاعتبار تكون مقاما ولكن صاحب هذا المقام أنفاسه أنفاس حزن وأسف وهلاك وتلف لما حجب عنه من المقام الذي كان فيه والشيخ كأنه لا يرى ذلك مقاما فإن المقامات هي منازل في طريق المطلوب فكل أمر أقيم فيه السالك من حاله الذي يقدمه إلى مطلوبه فهو مقام وأما وحشة الاستتار فهي تأخر في الحقيقة لا تقدم فكيف تسمى مقاما بل هي ضد المقام ومما يدل على أن وحشة الاستتار ليست مقاما أن كل مقام فهو تعلق بالحق سبحانه على وجه الثبوت وحقيقته بأن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام وأما حال الاستتار فهو حال انقطاع عن ذلك التعلق المذكور والتحقيق في ذلك أن له وجهين هو من أحدهما ظلمة ووحشة ومن الثاني مقام فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسه ليس مقاما وباعتبار المآل وما يترتب عليه وما فيه من تلك الحكم والفوائد المذكورة فهو مقام وبالله التوفيق فصل قال والنفس الثاني نفس في حين التجلي وهو نفس شاخص عن مقام السرور إلى روح المعاينة مملوء من نور الوجود شاخص إلى منقطع الإشارة هذا النفس أعلى من الأول فإن الأول في حين استتار وظلمة وهذا نفس في حال تجل ونوره وحين التجلي هو زمان حصول الكشف والتجلي مشتق من الجلوة قيل وحقيقته إشراق نور الحق على قلوب المريدين فإن أرادوا إشراق نور الذات فغلط شنيع منهم ولهذا قال من احترز منهم عن لك إشراق نور الصفات فإن أرادواأيضا إشراق نفس الصفة فغلط كذلك فإن التجلي الذاتي والصفاتي لا يقع في هذا العالم ولا تثبت له القوى البشرية والحق أنه إشراق نور المعرفة والإيمان واستغراق القلب في شهود الذات المقدسة وصفاتها استغراقا علميا نعم هو أرفع من العلم المجرد لأسباب منها قوته فإن المعارف والعلوم تتفاوت ومنها صفاء المحل ونقاؤه من الكدر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه ومنها التجرد عن الموانع والشواغل ومنها كمال الالتفات والتحديق نحو المعروف المشهود ومنها كمال الأنس به والقرب منه إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودا وكشفا وراء مجرد العلم قوله وهو نفس شاخص عن مقام السرور أي صادر عن مقام السرور والشخوص الخروج يقال شخص فلان إلى بلد كذا إذا خرج إليه والمقصود أن هذا النفس صدرعن سرور وفرح بخلاف الأول فإنه صدر عن ظلمة ووحشة أثارت حزنا فهذا النفس صدر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة قوله إلى روح المعاينة هو بفتح الراء وهو النعيم والراحة التي تحصل بالمعاينة ضد الألم والوحشة الحاصلين في حين الاستتار فهذا النفس مصدره السرور ونهايته روح المعاينة صادرا عن مسرة طالبا المعاينة وأصح ما يحمل عليه كلام الشيخ وأمثاله من أهل الاستقامة في المعانية أنها تزايد العلم حتى يصير يقينا ولا يصل أحد إلى عين اليقين في هذه الدار وإن خالف في ذلك من خالف فالغلط من لوازم الطبيعة والعلم يميز بين الغلط والصواب
وقد أشعر كلام الشيخ ههنا بأن التجلي دون المعاينة فإن التجلي قد يكون من وراء ستر رقيق وحاجز لطيف والكشف والعيان هو الظهور من غير ستر فإذا كان مسرورا بحال التجلي كانت أنفاسه متعلقة بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام التجلي ولهذا جعله شاخصا إليها قوله مملوء من نور الوجود يريد أن هذا النفس مملوء من نور الوجود والوجود عنده هو حضرة الجمع فكأنه يقول هذا النفس منصبغ مكتس بنور الوجود فإن صاحبه لما تنفس به كان في مقام الجمع والوجود قوله شاخص إلى منقطع الإشارة لما كان قلبه مملوءا من نور الوجود وكان شاخصا إلى المعاينة مستفرغا بكليته في طلبها كان شاخصا إلى حضرة الجمع التي هي منقطع الإشارة عندهم فضلا عن العبارة فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رسم بل تفنى الإشارات وتعجز العبارات وتضمحل الرسوم فصل قوله والنفس الثالث نفس مطهر بماءالقدس قائم بإشارات الأزل وهو النفس الذي يسمى بصدق النور القدس الطهارة والتقديس التطهير والتنزيه ومراده بالقدس ههنا الشهود الذي يفنى الحادث الذي لم يكن ويبقى القديم الذي لم يزل فكأن صفات الحدوث عندهم مما يتطهر منها بالتجلي المذكور فالتجلي يطهر العبد منها فإنه ما دام في الحجاب فهو باق مع إنيته وصفاته فإذا أشرق عليه نور التجلي طهره من صفاته وشهودها وتوسيطها بينه وبين مشهوده الحق وحاصل كلامه أن هذا النفس صادر عن مشاهدة الأزل الماحي للحوادث المفنى لها فهذا النفس مطهر بالطهر المقدس عن كل غين وعن ملاحظة كل مقام بل هو مستغرق بنور الحق وآثار الحق تنطق عليه كما قال النبي إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه / ح / وقال ابن مسعود ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر وهذا نطق غير النطق النفساني الطبيعي ولهذا سمى هذا النفس بصدق النور لصدق شدة تعلقه بالنور وملازمته له قوله قائم بإشارات الأزل أي هذا النفس منزه مطهر عن إشارات الحدوث فقد ترحل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل ويعني بإشارات الأزل أنه قد فنى في عيانه الذي شخص إليه من لم يكن وبقي من لم يزل فصارت أنفاسه من جملة إشارات الأزل ولم يرد الشيخ أن أنفاسه تنقلب أزلية فمن هو دون الشيخ لا يتوهم هذا بل أنفاس الخلق متعلقة بمن لم يكن وهذا نفسه متعلق بمن لم يزل وبعد فللملحد ههنا مجال لكنه في الحقيقة وهم باطل وخيال وفي قوله يسمى بصدق النور لطيفة وهي أن السالك يلوح له في سلوكه النور مرارا ثم يختف عنه كالبرق يلمع ثم يختفي فإذا قوي ذلك النور ودام ظهوره صار نورا صادقا قوله فالنفس الأول للعيون سراج والثاني للقاصد معراج والثالث للمحقق تاج أي النفس الأول سراج في ظلمة السلوك لتعلقه بالعلم كما تقدم والعلم سراج يهتدى به في طرقات القصد ويوضح مسالكها ويبين مراتبها فهو سراج للعيون والنفس الثاني للقاصد معراج فإنه أعلى من الأول لأنه من نور المعرفة الرافعة للحجاب والنفس الثالث للمحقق تاج لأنه نفس مطهر من أدناس الأكوان ومتصل بالكائن قبل كل شيء والمكون لكل شيء والكائن بعد كل شيء فهذا تاج لقلبه بمنزلة التاج على رأس الملك والنفس الأول يؤمن السالك من عثرته والثاني يوصله إلى طلبته والثالث يدله على علو مرتبته والله سبحانه وتعالى أعلم فصل قال شيخ الإسلام باب الغربة قال الله تعالى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم