Qur'an&Sunnah

Ahmed Zerrûk — Uddetü'l-Mürîdi's-Sâdık (tasavvuf âdâbı)

Section V01/P032

ثانيا - النص مقدمة المؤلف وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، قال الشيخ الفقيه الإمام الصالح، العلم الأوحد، الشهير الصدر الكبير، أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي، عرف بزروق - رحمه الله آمين-: الحمد لله الذي رفع عماد السنة وأعلى منارها، وخفض بساط البدعة وكسف أنوارها، وأوضح شواهد الحقيقة (¬1) وأظهر أسرارها، وكشف طرائق الباطل وطمس آثارها، وأحكم بناء التحقيق وشيد أسوارها، وأمر باتباع السنة وألزم إيثارها، فالسعيد من استبصر فأبصر، والموفق من نبه فتذكر، والمحروم من وقف فتحيرا فلا هو مقتول ففي الموت راحة، ولا هو ممنون عليه فيعتق، والشقي من بدل في الدين وغير، جعلنا الله من الفرقة الناجية، ومتعنا بالسنة في هذه الدار الفانية، وشملنا في الدارين بالعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أما فبل، ومع، وبعد، فإن في كل واد بني سعد، من اطمأن إليهم أتلفوه، ومن تعلق بهم كشفوه، ومن استغاث بهم أوقفوه، أعني الذين اتخذوا الجهل مهادا، والبدعة وسادا، والهوى عمادا، وادعوا أن ذلك هو الدين # القويم، والصراط المستقيم، فرفضوا السنة والجماعة، ووصفوا المعصية وصف الطاعة، وتركوا السنة وأسبابها، وآثروا البدعة وفتحوا أبوابها، فكانوا دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، كما أخبر الرسول (ص) فيما أخرجه البخاري عن حذيفة بن اليمان (ض)، قال: "كان الناس يسألون رسول الله (ص) عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: فهل بعد ذلك الشر (¬1) من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم (¬2) يهدون يغير هديي، تعرف منهم وتنكر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال (¬3): "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك" (¬4) وكان (ص) يقول في خطبته: "إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد (ص)، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وصاحبها في النار" (¬5)، رواه النسائي من طريق جابر، وأصله في مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (¬6)، أي السنة، لقوله في الرواية الأخرى: "ما أنا عليه # وأصحابي" (¬1) وقال سفيان الثوري (¬2) (ض): "لو أن فقيها في رأس جبل لكان هو الجماعة" (¬3) ونحوه عن ابن المبارك (¬4)، وغيره، وبذلك فسره ابن أبي جمرة (¬5) في حديث حذيفة (ض)، وفي تمام الحديث المذكور: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى فيه عرق ولا مفصل إلا دخله" (¬6) نسأل الله السلامة، وقال رسول الله (ص): "إذا ظهرت البدع وسكت العالم فعليه لعنة الله" (¬7). وقال (ص): "يحمل (¬8) هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (¬9) وما ذلك إلا # بالتبصر في الدين، قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن تبعني} (¬1) وقال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (¬2) وقال عز وعلا: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (¬3). قال الجنيد (¬4) (ض): الصراط المستقيم طريق محمد (ص)، وقال أيضا: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى سنة الرسول (ص)، وقال أيضا: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه. وقال سهل بن عبد الله (¬5) (ض): بنيت أصولنا على ستة أشياء:

Section V01/P032–V01/P035

كتاب الله، وسنة رسوله (ص)، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق (¬6) وقال أبو عثمان الحريري (¬7) (ض) من أمر # السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، قلت: وهو أن يأتي بأمر لا وجه له ولا دليل من صاحب الشريعة، كان خيرا أو غيره (¬1) قال الله تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا} (¬2). وقال أبو العباس بن عطاء الله (¬3) (ض): من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب (ص) في أوامره وأفعاله وأقواله وأخلاقه. وقال أبو حمزة البغدادي (¬4) (ض) من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول (ص) في أقواله وأفعاله وأحواله. وقال أبو القاسم النصراباذي (¬5) (ض): (أصل الخوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلائق، والمداومة على الأوراد، وترك الرخص والتأويلات. قلت: هذه هي الأصول التي من ضيعها حرم الوصول، وأكثر أهل الزمان على ذلك، إلا من عصم الله سبحانه وتعالى، وقليل ما هم، وقد # قال رسول الله (ص): "إن مما في صحف إبراهيم (س) ... ، وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه ممسكا للسانه" (¬1) الحديث، فمعرفة الزمان وأهله صعب، والكلام فيه متسع رحب، وفيه من الآفات الدنيوية، ما نسأل الله السلامة منه، ومن تحريك الآثار النفسانية، مما نرغب إلى الله في الخلو عنه، لا سيما ما يشتبه فيها الحق بالباطل، ويظهر المتحلي به كالعاطل، فإن النفوس تسرع لإنكاره، ولا يصح من المشفق على نفسه وجود إظهاره، لما يحرك من عقارب التعصب والإذاية، وما يوجبه من اشتداد ظلمة الغواية، لكن الحق أبلج، والباطل لجلج، والدين النصيحة، والسكوت في الحق فضيحة، فوجب أن نأتي من ذلك، بما هو الأهم، لشيوعه في الوقت، حماية لمن وقف عليه من أسباب البعد والمقت، فنذكر أمورا يدعي أهلها أنهم على طريقة السادة الصوفية، ويرون أنهم في ذلك على حالة سنية، من غير دليل واضح قاطع، ولا نور ظاهر ساطع، ويدعون إلى ذلك بحسب إمكانهم، ويمنعون مما سواه كافة إخوانهم، ويقولون: إن قبولهم ذلك من قوة إيمانهم، وتحقق إحسانهم، وإن ذلك هو عين الحقيقة، ومنهاج سلوك السبيل والطريقة، وإنما هي طريقة معوجة، وأمور ملبسة مروجة، يغتر بها الجاهل، فيتبع، ويحتج بها المتعصب، فيضل ويبدع، أعاذنا الله مما ابتلاهم به، وسلك بنا طريق الحق بفضله، وإنما يظهر الحق في ذلك بالتبصر، ويزول اللبس فيه ويذهب التستر، وهذا حين نشرع في المقصود وبالله التوفيق، فنقول: 1 - فصل في حقيقة البدعة وأحكامها وخواصها. أما حقيقة البدعة، فشرعا: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه، وليس منه، سواء كان بالصورة أو بالحقيقة، لقول رسول الله (ص): "من أحدث في أمرنا (هذا) (¬1)، ما ليس منه فهو رد" (¬2) وقوله (ص): "كل محدث بدعة، كما تقدم ... "، وقد بين العلماء (ض) أن المعنى في الحديثين المذكورين راجع لتغيير الحكم، باعتقاد ما ليس بقربة قربة، لا مطلق الإحداث، إذ قد تتناوله الشريعة بأصولها، فيكون راجعا إليها، أو بفروعها فيكون مقيسا عليها، وقالوا: بحسب هذا فلا تكون البدعة إلا محرمة أو مكروهة، لأنها إن قويت شبهتها لا يصح أن يبلغ بها التحريم، وإن ضعفت شبهتها جدا كانت محرمة، لا سيما إن كانت في مقابلة منصوص عن الشارع، ومخالفة لأصل الملة، أو خارجة عن قواعد الأحكام الشرعية.

Section V01/P035–V01/P038

قال المحققون: وإنما قسمها بعضهم لأقسام الشريعة، اعتبارا بمطلق الإحداث ومن حيث اللغة، ومنه قول عمر (ض) في شأن التراويح: (نعمت البدعة هذه) (¬3) فسماها بدعة من حيث صورة إثباتها وإلا فهي سنة بفعل النبي (ص) ثلاث ليال من رمضان في حياته، ثابت إقامتها بقوله (ص): "وإني خشيت أن يفرض عليكم" (¬4) فنبه على العلة ليشعر بثبوت الحكم عند ارتفاعها، كما أثبته عمر (ض) بإجماع من الصحابة في قوله، فإن قلت: كيف تكون البدعة المكروهة ضلالة مع أن المكروه من قبيل الجائز، والنبي (ص) قد حكم على كل بدعة بأنها ضلالة، قلت: الكراهة مصروفة للعمل بها، # وإحداثها حرام (¬1) لأنه افتيات على الشارع، وتقدم بين يديه، وتغيير لأحكامه مع وجود شبهة منه، (ثم من شؤم البدعة وشأنها لا تزال تتسع حتى تصل إلى محرمات، فضلا عن محرم واحد) (¬2). ثم من خواص البدعة ثلاثة: أحدها: أنها لا توجد غالبا إلا مقرونة بمحرم صريح، أو آيلة إليه، أو يكون تابعا لها، ومن تأمل ذلك وجده في كل أمر قيل: إنه بدعة، لا ينخر م بحال، كما ننبه على بعضه إن شاء الله تعالى. الثاني: أنها لا توجد غالبا إلا في الأمور المستغربة، غير المألوفة في الدين، وفي الكيفيات من المندوبات وتوابع الأعمال، وما تميل إليه النفوس وتستحسنه، كالذكر والتلاوة والصلاة والصوم، بما يدخلون عليها من الكيفيات ونحوها والسلوك والتربية ونحو ذلك فتأمله. الثالث: أنها لا توجد غالبا إلا مسندة لوجه من الشريعة، أو معنى من الحقيقة يلتبس على قليل العلم، فيتحير أو يسلم، ويتروج على الجاهل فيظنه دينا قيما من حيث لا يعلم، وما غره بذلك إلا شبهة الأصل وتسليم من يعتقد فيه العلم والفضل، ولكن لكل شيء ميزان، يظهر به الحق من الباطل، يعرفه العالم، وينفيه الجاهل، فيكون ضالا بفعله، مضلا بدعوى الخلق إليه، غير معذور في أمره، لعدم تبصره، إذ الدين مبني على التبصر، وبالله التوفيق. ... 2 - فصل في موازين البدعة. وهي ثلاثة: الميزان الأول: أن ينظر في الأمر المحدث، فيما له مستند شرعي بوجه شامل محيط هو جملة الشريعة ومعظمها، فإن كان هذا الأمر مما شهد له معظم الشريعة وأصلها وذمتها، فليس ببدعة، وإن كان مما يأباه ذلك بكل وجه، فهو باطل ضلال مبتدع إلحاد (إن كان) (¬1) في جانب الاعتقاد ونحوه، وإن كان مما تراجعت فيه الأدلة، وتناولته الشبهة، واستوت فيه الوجوه، اعتبرت وجوهه، فما ترجح فيه من ذلك رجع إليه. الميزان الثاني: اعتبار قواعد الأئمة وملف الأمة العاملين بطريق السنة، فما خالفها بكل وجه فلا عبرة به، وما وافق أصولهم فهو حق، وإن اختلفوا فيه فرعا وأصلا فكل يتبع أصله ودليله، وقد عرف من قواعدهم أن ما عمل به السلف وتبعهم الخلف لا يصح أن يكونوا قد أحدثوه من عند أنفسهم، لعصمة الإجماع، كما في الحديث (¬2)، فلا يصح أن يكون بدعة ولا مذموما، وما تركوه بكل وجه واضح لا يصح أن يكون سنة ولا محمودا، وما أثبتوا أصله ولم يرد عنهم فعله، فقال مالك (ض): هو بدعة، لأنهم لم يتركوه إلا لأمر عندهم فيه، فإنهم كانوا أحرص على الخير وأعلم بالسنة، وهو مقتضى قول ابن مسعود (ض)، إذ قال لقوم رآهم يذكرون جماعة: (تالله لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فقتم أصحاب محمد (ص) علما) (¬3)، ذكره ابن # الحاج (¬1) في المدخل فانظره، وقال الشافعي (ض): كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة وإن لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه، أو لعله لو بلغ جميعهم عمل به، والأحكام مأخوذة من الشارع وقد أثبته، نعم، واختلفوا أيضا فيما لم يرد في السنة له معارض ولا مثبت هل هو بدعة؟ وقاله مالك، أو ليس ببدعة؟ وقاله الشافعي، مستندا لحديث: "ما تركته لكم فهو عفو" (¬2) ذكره ابن الحاج في باب الذكر، والله أعلم.

Section V01/P038–V01/P042

وعلى هذا اختلافهم في حزب الإدارة (¬3) والذكر بالجمع والجهر، والدعاء كذلك (¬4) إذ ورد في الحديث الترغيب فيه ولم يرد عن السلف # فعله، ولا ورد في كيفيته شيء، فقال الشافعي: سنة، وقال مالك: بدعة مكروهة لقيام الشبهة، ثم كل قائل لا يكون مبتدعا عند القائل بمقابله، لحكمه بما أداه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تعديه، ولا يصح له القول ببطلان مقابله لقيام شبهته، ولو قيل بذلك لأدى لتبديع الأمة كلها، لأن على كل قائل قائلا، وقد عرف أن حكم الله في مجتهد الفروع ما أداه إليه اجتهاده، سواء قلنا المصيب واحد أو متعدد، وقد قال رسول الله (ص): "ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (¬1) # فأدركهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: إنما أمرنا بالعجلة وصلوا بالطريق، وقال آخرون: إنما أمرنا بالصلاة هناك فأخروا، ولم يعب (ص) على واحد منهما، فدل ذلك على صحة العمل بما فهم عن الشارع إذا لم يكن هوى، وبالله التوفيق. الميزان الثالث: ميزان التمييز بشواهد الأحكام، وهو تفصيلي ينقسم إلى أقسام الشريعة الستة، أعني الوجوب والندب والتحريم والكراهة وترك الأولى، والإباحة، فكل ما انحاز لأصل بوجه صحيح واضح لا بعد فيه ألحق به، وما لا فهو بدعة، وعلى هذا الميزان جرى كثير من المحققين في تقسيم البدع واعتبارها من حيث اللغة للتقريب، والله أعلم. 3 - فصل في البدعة ومجاريها. وأقسام البدع ثلاثة: أولها: البدع الصريحة، وهي ما أثبت من غير أصل شرعي في مقابلة ما ثبت شرعا من واجب أو سنة أو مندوب أو غيره، فأماتت سنة، أو أبطلت حقا ثابتا، وهذه شر البدع وإن كان لها مستند من الأصول والفروع، فلا عبرة به. الثاني: البدع الإضافية، وهي التي تخاف لأمر لو سلم منها لم تصح المنازعة في كونه سنة، أو غير بدعة بلا خلاف، أو على خلاف مما تقدم، وهذه أكثرية بل غالبة في الزمان، لولا الإطالة لسردنا منها جملة. الثالث: البدع الخلافية، وهي المبنية على أصلين، يتجاذبها كل منهما بحكمه، فمن قال بهذا قال: بدعة، ومن قال بمقابله قال: سنة، كما تقدم في حزب الإدارة، وذكر الجماعة، وغير ذلك فتأمله. فأما مجاري البيع في العبادات - أعني صورها اتفاقا - فكل ما أحدث فيها زيادة أو نقصا فهو بدعة إن ثبت له حكم مخالف أو لم يكن، واختلف في جريها في العادات وفيما لم يرد له حكم خاص، كالأكل والشرب واللباس ونحوه، فقيل: تجري فيه لقول أنس (ض) (أول ما أحدث الناس المناخل والأشنان والشبع) (¬1) أو كما قال، وقيل: لا تجري في ذلك، وإطلاق أنس (ض) باعتبار الصورة الواقعة فقط، (وعلى الأول يجري ما نقل عن المذهب في العمائم ونحوها كما ذكره في المدخل وغيره) (¬2)، والله أعلم. قلت: ولا ينبغي أن يختلف فيما أحدث من ذلك مع ادعاء أنه من الدين، لأنه زيادة حكم فيه، والله أعلم. ... 4 - فصل في أصول ظهور مدعي التصوف في هذا الزمان بالبدع واتباع الناس لهم عليها. فأما ظهورهم بالبدع فله أصول ثلاثة: أولها: نقص الإيمان بعدم العلم بحرمة الشارع، وفقد نور الإيمان الهادي إلى اتباع الرسول (ص)، قال الله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما # فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (¬1) وقال أحمد بن حضرويه (¬2) (ض): الدليل لائح والطريق واضح، والداعي قد أسمع، فما التحير بعد هذا إلا من العمى، وفال ابن عطاء الله (¬3) (ض) في حكمه: لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك، وقال أيضا: تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال، وقال بعضهم: نحت الجبال بالأظافير أيسر من زوال الهوى إذا تمكن، قال الله تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم} (¬4) الآية، وقوله تعالى:

Section V01/P042–V01/P045

{فمن يهديه من بعد الله} (¬5) يعني أن الأسباب والحيل لا تفيد في هدايته لتمكن الباطل من نفسه، وفقدان نور الإيمان من قلبه، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (¬6). الثاني: الجهل بأصول الطريقة، واعتقاد أن الشريعة خلاف الحقيقة، وهذا هو الأصل الكبير في ذلك، وهو من مبادئ الزندقة، ومنه خرجت الطوائف كلها، وصار الفروعي الجامد لا يتوقف في سب الصوفية، والمتصرف الجاهل لا يتوقف في النفور من العلم وأهله، ويخالف ظاهر الشريعة في أمره، ويرى ذلك كمالا في محله، حتى لقد سمعت عن بعض من تفقر من طلبة الوقت يحكى أنه سمع حكاية من حكايات الخارجين أوجبت أثرا في الوجود، فنطق ناطق زندقته وجهله، بأن قال: ظاهر الشريعة (¬7) حرمان، وهذا والعياذ بالله كفر وضلال، انجر له من جهله بالطريقة واعتقاده # الفرق بين الحقيقة والشريعة، وهذا هو الأصل الذي بنى عليه المارقون أصولهم، واستظهرت الطوائف بأعمال خارجة عن الدين، وأحوال موافقة للمارقين، فحمل الصادق على الكاذب، والمصيب على الخائب، ووقع الكل في جهالة لا يمكن تفصيلها، ولا ينضبط تأصيلها، ودفع ذلك لا يكون إلا بتقرير أصول القوم وسنفرد لها فصلا بعد إن شاء الله تعالى. الثالث: حب الرياسة والظهور مع الضعف عن أسبابها والقصور، فيضطرهم ذلك لإحداث أمور تستميل القلوب، لكونها مجبولة على استحسان الغريب مع جهلها بما يشين ويرب، وحرصها على الخير، وظهور هذا الشخص بصورة ذلك، وحقائق منه (¬1) مع ما يجري على يديه من خوارق شيطانية، أو يبدو لتابعيه من لذة نفسانية، أو يدركه من أذواق طبيعية، يظنها فتوحا وأسباب وصول، فينبذ بها الفروع والأصول، مع ما يعينه على ذلك من احتقار الأمور المألوفة، واعتقاده أن المقام العجيب لا يدرك إلا بالأمر الغريب، وأن العبادات في صورها ووجوهها لا تفيد المقصود إلا بإضافة أمر إليها، فينقاد لذلك عند ظهوره ويعمل به، فيجتهد (¬2) بذلك ويتقوى عليه بما يظهر له من ذلك، وما هو إلا الجهل والانقياد للوهم، وعدم التثبت والفهم، نسأل الله السلامة. 5 - فصل في الأمور التي ينتفي بها إحداث البدع عمن غلط فيها واتباع أهلها. (لمن تورط معهم) (¬3). وهي ثلاثة: أولها: تصحيح الإيمان بوجه يؤدي إلى إقامة حرمة الشارع فيما أمر به ونهى عنه، والتبصر في الدين، فقد قال الله ... تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (¬1) وقال عز وجل: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذب أليم} (¬2) قل عز من قائل: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى على بصيرة أنا ومن أتبعني} (¬3) فبين أن التبصر في الدين أصل من أصوله، وأن من أخذ الأمر رماية في عماية فليس بمتبع للشارع، لكن الناس ثلاثة: عالم متمكن متبصر في أخذ المسائل، يطلب الدليل وإن لم يكن مجتهدا، ومتوسط في الأمور بين العامة والعلماء، فلا يصح اتباعه، إلا لمن تبصر في شأنه، فأوجب له ما علم من الشريعة أن هذا ممن يقتدى به، ثم لا يأخذ منه ما يأباه ما علمه من قواعد الشريعة، إذ لا يجوز لأحد أن يتعدى علمه: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (¬4) وعامي، وحقه أن يقف مع ما لا يشك (¬5) في حقيقته من تقوى الله تعالى وذكره، والعمل على الجادة التي لا شك فيها، وإلا فهو مستهزئ بدينه ومتلاعب به، فاعلم ذلك، وإذا لم يكن الفتح فيما جاء عن الله ... ورسوله ففي أي شيء يكون، نسأل الله السلامة. الأمر الثاني: البحث عن أحكام الله فيما هو به من حركة وسكون، وما يعرض له من إقبال وإدبار، وذلك لا يصح له إلا بمراقبة أحواله، فلا يعمل بشيء إلا عن علم أو اقتداء بمن يصح الاقتداء به، من عالم ورع، أو فقيه متصدر فيما لا هوى له فيه، ومقام المشيحة نذكره فيما بعد، إن شاء الله ... سبحانه.

Section V01/P045–V01/P047

الأمر الثالث: العلم بأصول الطريقة التي هو بها أو يريد سلوكها، فإنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول، وأصول القوم مبنية على الكتاب والسنة، هذا إمام الطائفة وعمدتها، والمرجوع إليه عند الكافة في شأنها، الشيخ أبو القاسم الجنيد (ض)، يقول: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين، أفسد من اتبعه وتتبعه حرام، وقال أبو سليمان الداراني (¬1) (ض): إنها لتقع النكتة في قلبي من كلام القوم أياما، فأقول لها: لا أقبلك إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة، وسئل الشبلي (¬2) (ض) عن التصوف، فقال: هو الاقتداء برسول الله (ص) انتهى، والنقل عنهم في هذا الباب كثير، وقد تقدم منه، ومن أراد الوقوف والزيادة فلينظر في محاله ومظانه، وبالله التوفيق. ... 6 - فصل فيما يتبع من أمور الصوفية المحققين وما يترك ويكون التابع والتارك فيه تابعا مذهبهم المبارك من غير خروج. قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي (¬3) (ض): كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن، يعني كالجنيد وأمثاله، لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة، فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك (¬4). وإن لم يكن له أصل في الشريعة، فلا عمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة # معصومة من الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا، فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، يجوز عليهم الخطأ والنسيان، والمعصية كبيرها وصغيرها، والبدعة محرمها ومكروهها، ولذلك قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ ومتروك إلا ما كان من كلامه (ص)، وقد قرر القشيري (¬1)، رحمه الله ... ذلك أحسن تقرير، فقال: فإن قيل: فهل يكون الولي معصوما؟ قيل: أما وجوبا كما يقال في الأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت هفوات أو آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك في وصفهم، قال: ولقد قيل للجنيد: أيزني العارف، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا (¬2). قال: فهذا كلام منصف، فكما تجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغيره، كذلك تجوز عليهم البدع، فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه، ولا علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع الشارع، ولم يقم لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالها إلا بعد عرضها، وبذلك وصى شيوخهم، وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه، وإلا لم يصح، قال: نم نقول ثانيا (¬3) إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج، ولم نعرف له مخرجا، فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل، وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم لا ردا له ولا اعتراضا عليه، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية، كما فهمنا غيره، ثم قال بعد كلام: فوجب # بحسب الجريان على رأيهم في السلوك، ألا نعمل بما رسموه مما فيه معارضة لأدلة الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم، خلافا لمن يعرض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم، فالأدلة الشرعية والأنظار الفقهية والرسوم الصوفية تذمه وترده، وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه (¬1) انتهى، وهو من مكنون العلم، وبالله التوفيق. ... 7 - فصل في تحرير الطريقة، وما بنيت عليه من شريعة وحقيقة.

Section V01/P047–V01/P050

اعلم أن الفقه والتصوف أخوان في الدلالة على أحكام الله سبحانه، إذ حقيقة التصوف ترجع لصدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى، وذلك متعدد، فلذلك ادعاه كل أحد بما هو فيه، وعبر عنه كل أحد بما انتهى إليه منه على قدر القصد والفيض والهمة، واعتبر ذلك أئمته، حتى إن أبا نعيم (¬2) في حليته غالبا لا يترجم رجلا إلا أتبع ذلك بقول من أقوالهم، يناسب حال ذلك الشخص، قائلا: وقيل: إن التصوف كذا، فأشعر أن تصوف كل أحد صدق توجهه، وأن من له قسط من صدق الوجه له قسط من التصوف على قدر حاله. ثم الفقه والأصول شرط فيه، والمشروط لا يصح بدون شرطه، والشرط أن يكون بما يرضاه الحق، ومن حيث يرضاه، فما لا يرضاه لا يصح أن يكون قربة، وما يرضاه لا يصح أن يكون قربة إلا من الوجه الذي يرضاه، كالصلاة مثلا، يرضاها الحق، ولكن لا في الأوقات الممنوعة ولا على غير الوجه المستقيم {ولا يرضى لعباده الكفر} (¬3) فلزم # تحقيق الإيمان {وإن تشكروا يرضه لكم} (¬1) فلزم العمل بالإسلام، فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعلم أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذا لا حقيقة للعلم إلا بالعمل، ولا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان، إذا لا يصحان دونه، فهو بمنزلة الروح، وهما بمنزلة الجسد، لا ظهور له إلا فيهما، ولا كمال لهما إلا به (¬2)، وهو مقام الإحسان المعبر عنه: "بأن تعبد الله كأنك تراه" (¬3) إذ لا فائدة لذلك إلا صدق التوجه إلى الله تعالى على حد ما قلناه. غير أن نظر الفقيه مقصور على ما يسقط به الحرج، ونظر الأصولي مقصور على ما يصح به الأصل الذي هو الإيمان والسنة، ونظر الصوفي متعد لما يحصل به الكمال، فيطلب في باب الأصول على تحلية الإيمان بالإيقان، حتى يصير في معد العيان، وفي باب الفقه على أن يأخذ بالأعلى أبدا، ثم له حكم يخصه فيما يخصه، ومدار الأمر فيه على اتباع الأحسن والأكمل، لقوله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (¬4) الآية، فلذلك كان مذهبهم في الاعتقادات مذهب السلف، من اعتقاد التنزيه، ونفي التشبيه وقبول ما ورد كما ورد، من غير تعرض لكيف ولا تأويل ولا غيره، إذ ليس ثم الحق (¬5) من صاحب الحجة بحجته، ولا يضرنا الجهل بالتأويل مع ذلك، كما لا يضرنا الجهل بألوان الأنبياء وأسمائهم، مع العلم بتعظيمهم واحترامهم، ولئن كان التأويل أعلم فالتفويض أسلم، هذا مع تكلمهم في وجوه التأويل بما يقبله اللفظ، من حيث إنه علم، فلذلك توسعوا في العبارة عنه مع قصدهم أمثالهم بالكلام لا غيرهم، فأنكر عليهم الغير ذلك، وهو معذور بما بدا له، ولو سلم لكان خيرا له، ومذهبهم في الأحكام مذهب الفقهاء إلا أنهم حرروا وهذبوا ونقحوا، غير أنهم يأخذون من المذاهب بما # يوافق الحديث، ليجمعوا بين نور الاقتداء ونور الاهتداء، مع تقيدهم بالمذهب الواحد، وعدم مخالفتهم للأحوط والمشهور منه إلا من ضرورة، فقد كان الجنيد (ض) على مذهب أبي ثور (¬1)، والمحاسبي (¬2)، شافعيا، والشبلي مالكيا، والجريري (¬3) حنفيا، مع إجماعهم على اتباع الحديث كما ذكره السهروردي (¬4) فكان الجمع بين إجماعهم وفعلهم، والله أعلم. ومذهبهم في الفضائل مذهب المحدثين فلا يأخذون بموضوع كصلاة الرغائب والأسبوع ونحوها، وإن ذكرها أئمة منهم فلم ينقلها أحد عنهم، بل ولا عن أئمة المذاهب، وإن كان الشيخ أبو طالب (¬5) قد أثبتها للنساك وتبعه الغزالي (¬6) على ذلك، فقد نبه النووي (¬7) بأن لا يتبع ذلك، ولهما أصل في ذلك ذكرناه في القواعد، وبالغ في إنكار ذلك ابن عبد السلام (¬8) من الشافعية # والطرطوشي (¬1) من المالكية، وكذا ابن العربي (¬2) وغيره.

Section V01/P050–V01/P053

وانفردوا في الآداب بأصل هو جمع قلوبهم على مولاهم فبأي وجه يمكن لهم انتهجوه، سواء كان مباحا صريحا، أو رخصة أو أمرا مختلفا فيه، فمن ثم قالوا بأشياء أنكرها عليهم من لم يعرف قصدهم، وطالبهم فيها بما طالبوا به أنفسهم في العبادات من الاحتياط وإيثار الأولى، وآثرها من غلب عليه هواه فهلك بذلك، وقد أشار الجنيد (ض) لهذا الأصل بقوله لما سئل عن السماع: كل ما يجمع العبد على ربه فهو مباح (¬3) ونقل القشيري في باب السماع عن أبي علي الدقاق (¬4) (ض) أنه قال عن المشايخ: إنهم قالوا: ما يجمع قلبك إلى الله تعالى فلا بأس به. ... 8 - فصل في ذكر ظهور المشايخ والمشيخة وما يتبع ذلك من طرق الاقتداء ونحوها. اعلم أن الأوائل من القوم لم يكن لهم ترتيب في المشيحة معروف، ولا اصطلاح في السلوك مألوف، وإنما كانت عندهم الصحبة واللقاء، فكان الأدنى منهم إذا لقي الأعلى استفاد برؤيته أحوالا، لأن من تحقق بحالة لم يخل خاطره منها، والأحوال مورثة، فلذلك قال ابن العريف (¬5) رحمه الله: كيف يفلح من لم يخالط مفلحا وكان الصحابة (ض) ينتفعون برؤيته (ص)، حتى قال أنس (ض): والله ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفه (ص) حتى وجدنا النقص في قلوبنا، وكانت الصحبة عندهم لتعلم الآداب، وأخذ العلم بوجه يعرف أحدهم بالتزام الوجه الذي يأخذ منه ويواليه موالاة من يرى فضله عليه، ويشكر إحسانه إليه، من غير زائد على ذلك، وأصلهم في ذلك قوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} (¬1) الآية، فلما غلب الخبط على النفوس والتخليط على القلوب، ظهر متأخرو الصوفية في الاصطلاح في التربية وترتيب المشيحة على ما هو معلوم من شأنهم، مستندين لما ذكرنا من قوله تعالى: {واتبع سبيل من أناب إلي} الآية، ولأنه (ص) كان يربي أصحابه فيعطي كلا ما يليق به، إذ قد أوصى واحدا بقوله: "لا تغضب" (¬2) وقال لغيره: "قل ربي الله، ثم استقم" (¬3) وقال لآخر: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله" (¬4)، وخص قوما بأذكار وعلوم، كمعاذ بحديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق" (¬5) وحذيفة (ض): بالسر (¬6) وتفقد عليا # وفاطمة (ض) لصلاتهما من الليل (¬1) وعائشة (ض) تعترض بين يديه اعتراض الجنازة (¬2) وقال لعبد الله ... بن عمرو: "صم وأفطر" (¬3)، وأقر على سرد الصوم حمزة بن عمرو الأسدي (¬4) إلى غير ذلك من وجوه التربية فافهم. ثم جروا في ذلك على مقتضى العلم والحقيقة فلم يدخلوا على المريد في مقام التقوى الذي هو فعل الواجبات وترك المحرمات، سوى أخذ العهد قصدا للتوثق في التزام خصال التقوى، مستندين لحديث عبادة بن الصامت (ض) الذي قال فيه (ص): "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا" (¬5) الحديث، وكان (ص) يكرر البيعة في مواضع لذلك، كما وقع له مع سلمة بن الأكوع وغيره، كما هو معلوم في أحاديث المغازي (¬6)، وهو (ص) إنما دعاهم لذلك مع تقرر إيمانهم وتبريهم مما ذكر، فكان قصدا للتأكيد، والله أعلم. ولم يدخلوا عليه في مقام الاستقامة وهو حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة غير تعريفه بالأصلح له، من غير زيادة ولا نقص، لاتساع هذا الباب وجهل الإنسان باللائق به، وقيامه مع شهوته تفريطا أو إفراطا، مع ما يساعد ذلك من توسع الرخص أو تضييق الورع، الذي قد يليق به وقد لا، ويحمله عليه عدم علمه بحاله، لاسترساله مع حاله، كقوله (ص) لأبي بكر لما ذكر إسراره بصلاة الليل: "ارفع قليلا"، ولعمر لما ذكر إعلانه: "اخفض قليلا" (¬1) فأخرجهما عن مرادهما، وما تقتضيه طباعهما إلى مراد الله ورسوله تبرئة من الهوى، وإن كانا برءاء منه، فافهم.

Section V01/P053–V01/P055

وألزموه في مجاهدة النفس بما يوصل إليها من الجوع والسهر، والصمت والخلوة، وأضداد ذلك أو أضداد بعضه، إلى غير ذلك من مختلفات الأمور التي لا تنحصر، ويجري النظر فيها بحسب جريانها، وألزموه إظهار ما عنده ليصل إلى ما عندهم فيه، فكان بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل، (كما هو معلوم في شرط المريد مع الشيخ) (¬2)، ولكنهم لم يلزموه هذا حتى رأوا فيه أهلية الجمع (¬3) والكمال، فجاء بعد ذلك قوم حرفوا الأمور وبدلوا الأحكام، وخبطوا خبط الأعمى في تراكم الظلام، فضلوا وأضلوا، نسأل الله ... السلامة. 9 - فصل في ذكر ما ظهر في هذه الأزمنة هن حوادث لم تسمع فيما قبل. وأصله في ذلك الغباوة (¬4)، والجهل، وهم طوائف ثلاثة: أولها: طائفة تعلقت بالعلم وهي على ثلاثة أنواع: النوع الأول: قوم أخذوا بدقائق التوحيد وشقاشق الشطحات، فأكبوا على كلام أهل ذلك الفن، مثل: ابن سبعين (¬1) وابن الفارض (¬2)، والحاتمي (¬3) ومن نحا نحوهم من غير تعريج على طريقتهم في باب المعاملات، فظهر لهم أنهم حصلوا ما فهموا، ووقفوا بذلك على التحقيق بما توهموا، وحصل لهم من ذلك ذوق فهمي استلذوا به في نفوسهم، وربما أثر سريانه فيهم على محسوسهم فحرموا التحقق والعمل، وتعلقوا بالأماني والأمل، وهذا إن سلموا من معتقد فاسد، أو تجاسر على الربوبية والنبوءة في بعض المقاصد، وهذه طريقة كثير ممن يعجبك شأنه، ممن له في الطلب قدم أو الفهم وجه، لا سيما بعض المشارقة، نسأل الله السلامة، ثم كلامنا في ذلك ليس طعنا فيمن أخذوا بكلامهم، لكن في أخذهم له مع عدم تحققهم به، فافهم. النوع الثاني: قوم تعلقوا بعلوم الأحوال والمقامات، ووقائع النفوس وموارد الحقائق، ورأوا أن ليس وراء ذلك مطلب، فاحتقروا العباد والزهاد، وادعوا أن ما هم عليه عين السداد، ثم مع ذلك فهم خائضون في أمر ليسوا منه على حقيقة، بل فهموا كلام الأئمة في ذلك، فادعوه حالا لأنفسهم بما # شموا من ذلك، وذاقوا بعضه، وقد قال الشيخ أبو عبد الرحمان السلمي (¬1) (ض): من حكى حكايات السلف واتخذها لنفسه حالا وص خال عنها، وفرح بقبول الناس له على ذلك، فهو من أخس العباد حالا وأفسدهم طريقة وأبعدهم عن منهاج الصديقين، ثم قال: عجبا ممن يفرح بمال غيره، والنبي (ص) يقول: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (¬2) والله تعالى يقول: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} (¬3) لأنهم تزينوا بأحوال هم عنها خوال، وعملوا أعمالا بعيدة عن الإخلاص، ولا يطأ بساط الحق إلا الصادقون في أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، ومن صفا صفي له، ومن خلط خلط عليه، انتهى. قلت: ورأيت من هذا النوع آحادا اعتقدهم الناس وأكبوا على أتباعهم، فحرموهم العلم والعمل بما شرطوا لهم من عدم ذلك، وحيروهم في الحقيقة عما هم مطلوبون به بما هم مستغنون عنه، وكذلك النوع الذي قبله، بزيادة أنهم ربما أضلوا بعض الضعفاء بكلام الأقوياء، وأدخلوا على عامة الطلبة من الدعاوي والكذب ما هم عنه أغنياء، وأكثر ما رأيت هذا النوع في بعض البلاد الشرقية، وهما أي النوعين أمثلهم (¬4) طريقة، وأسلمهم منهاجا وأقل اتباعا، والله أعلم.

Section V01/P055–V01/P059

النوع الثالث: قوم فرحوا بما عندهم من الظاهر، وجمدوا عليه، وشطحوا بما فهموا من علم الباطن ودعوا إليه، فأخذوا في الإنكار على من خالفهم، وموالاة من تبعهم وحالفهم، وجعلوا العلم حجة لأنفسهم في كل ما يجري عليه، وربما جهلوا أو حسنوا الظن بأنفسهم، حتى وقعوا في مهاو من الضلال، كإباحة بعض المحرمات، وارتكاب بعض # المنكرات، وربما انجر بهم ذلك لانطباع حقيقته في قلوبهم، وارتسامه في خيالاتهم، فظهروا بأمور تناسب ذلك، وربما أتوا فيه بمراء أضافوها إلى النبي (ص) تناسب أغراضهم، ولا تصح نسبتها له، وربما يصح بعضها مع قبول التأويل، فجهل هذا المسكين في قبولها أولا، وفي عدم تأويلها آخرا، واغتر في ذلك بما جرى من نوعه لأهل الحق، الذين وزنوا أنفسهم بالورع، وقاموا مع الحق في كل أمر متبع، كابن أبي جمرة (¬1) وغيره من السادة، مع أن ما وقع لهم له تأويلات حسنة، وما وقع له في بعضه فلا يحتمله (¬2) التأويل، ثم إنه جمد عن التأويل عندما طلب به، وبالغ في ذلك لما أداه لهتكه وإذايته، رحمة الله عليه وغفرانه لديه إن كان صادقا في خبره لا غير، وبالله التوفيق. 10 - فصل الطائفة الثانية طائقة تعلقت بالأحوال. وهم ثلاثة: أولها: طائفة ادعت أنها ترى رجال الغيب من الخضر (س) وأمثاله، وتخبر في ذلك بأمور إما كذبا صراحا، أو تلبس عليها الأمر بخيال شيطاني ونحوه، فهلكت في الهالكين، وربما أهلكت غيرها، فلقد سمعت أن بعض هذه الطائفة ادعى أن الخضر نبي مرسل، وقال: أرسله الله لقوم في البحر يقال لهم: بنو كنانة، قال: ومن قال بولايته فقد تنقصه، وتنقيص النبي (ص) كفر، كذا حكى لي من أثق به أنه سمع ذلك من لفظه، ففلت: نعم نسلم له صحة ما يدعيه، ولا نسلم له تكفير # القائل بما ذكر لعدم القاطع، ولو كان الأمر صحيحا في نفسه، لأنا لو ألزمنا بذلك لكانت زيادة عقيدة في الدين على غير أصل ومستند صحيح. ثم ظهر بعد هذا الشيخ من تلامذته من ادعى أنه يأخذ عن الخضر الأحكام، فدعا الناس لاتباعه، وحملهم على أمور مفارقة لأصل الملة المحمدية فيما ذكر لنا، واحتج في ذلك بقصة الخضر مع موسى (¬1) واحتجاجه باطل، لأن موسى (س) إنما التزم التسليم له لا اتباعه فيما يأمره به من صورة المنكر، وهو إنما ألزمه الصبر عليه لا وجود (¬2) اتباعه والعمل بمثل فعله، مع أنه لم يأت بأمر ينكره عليه العلم في نفس الأمر حسبما دل عليه كلامه، حين بين له الوجوه التي يعرفها، فلم يأت إلا بما هو جائز في الشرع، وإنما اختصر باطلاعه على السبب دون غيره، وهذا على تسليم أنه نبي، وهي مسألة متنازع فيها بين أهل العلم، ومع ذلك فلم ينقل عنه حكم خاص غير ما ذكر من التصرف الخارق للعادة، وقد مر ما فيه، ثم هب أن الخضر (س) يأتي بالأحكام، فشريعة نبينا # محمد (ص) ناسخة لجميع الشرائع إلا ما قرر، وهذا أصل في الدين يتعين اعتقاده، ومخالفه كافر إجماعا، ولذلك لما أخبر (ص) عن نزول عيسى (س) ذكر تقريره لشريعتنا يقوله: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وإمامكم يومئذ منكم" (¬1)، هذا وهو أمر محقق، واجب الاعتقاد، فكيف بغيره فافهم. ولقد بلغني أن هذا الرجل بلغ به الأمر إلى أن قال: ارتفعت أحكام القرآن ولم يبق إلا ما قال له قلبه عن ربه، وهذا كفر وضلال، وقال لي بعض الناس: كنا عنده ونحن نقرأ القرآن، فوقف علينا وقال: ارتفعت بركة القرآن، ولم يبق الفتح إلا في الذكر بالجمع، أو نحو هذا، ويكفي في الرد عليه فوله (ص): "من ابتغى الهدى في غيره أضله الله" (¬2) وذكر لي أنه يظهر بخوارق العادة، ويدعي مع أمره الولاية، بل الوراثة، وكل ذلك مكر واستدراج، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه. ... 11 - فصل الطائفة الثانية من الثانية.

Section V01/P059–V01/P061

طائفة ادعت الفناء والتصرف بغير اختيار، فانبسطت في المحرمات، وجرت عليها آثار نفسية اكتسبتها من التجريد والجمع، فظنها الجاهل من حقائق ما يقع للعارفين، وربما ألحق هذا الشخص بمثل الشيخ أبي العباس السبتي (¬1) ونظرائه من له فيه نية صالحة، فزاده ضلالا وجهلا، وربما جرى على لسانه كلام في الحق يشبه الحقائق، فكان سببا في الاغترار به، فيما يدعو إليه من اتباعه ونحوه، وربما انفعلت له النفوس الغافلة عند جمع قواه لها في أي باب كان، فظنها الجاهل عن أحوال تفيد وتنفع، وهي في الحقيقة عقارب تلدغ وحيات تلسع، وربما قصد من اعتقده الرجوع عنه، فمسه من الشيطان أمر يسوءه، فظن أنها كرامة ترده لهذا الشخص وتسوقه، فتأكد تعلقه به وخوف الغير منه، وقوي رجاء الطامع في النيل بصحبته فتمسك به، ولو صبر لله لحصل على ما يريده من الله، فانتفى عنه الأمر في أقرب وقت، لكن النفوس مبنية على التوهم، وإلا فالحق واضح، والباطل بين، والله أعلم، ولا يفيد أحد إلا مما عنده، فمن عرف بالتقلب لا تفيد صحبته غير الذبذبة (¬2) والتقلب، ومن عرف بالتمكين لا تفيد صحبته غير ذلك، لأن من تحقق بحالة لا يخلو حاضروه منها. ثم ما يظهر على مريد هذا الشخص إنما هي بركة صدق هذا المريد في حاله وحسن اعتقاده، ويعقبه ألف وقت خارج عن الإضمار، وإن استقام فعلى وجه لا ثبات له، وما حبسه في أسره إلا ترصد النفحة الأولى، حتى ربما أداه ذلك إلى ارتكاب ما يأمره به وإن كان محرما، بل فاحشة بينة، وهذا هو الضلال المبين، بزيادة أنه يحتج بما يقع له ويتأول شأنه، فيكون معينا له على نفسه، وعلى عصيانه وإساءته، وربما قال لمن يعذله أو يدعوه # للحق أنت لا تعرف، وهذا شيخ حقيقة، وأنت صاحب طريقة (¬1) وهذه أمور ذوقية لا تعرف بالخبر، وهذا كله جهل محض وضلال، ولو كان الشيخ محقا في حاله ومغلوبا في تصرفه، فله حكم يخصه، وهو حسن الظن به، وتأويل وقائعه بوجه يقبل من غير احتجاج ولا إعانة عليه، والتسليم لهم من غير اقتداء ولا اتباع في معصية لما نهي عنه من ذلك، والله أعلم. ... 12 - فصل الطائفة الثالثة من الثانية. طائفة ظهرت بالجدب وتصرف المجانين بحيث أنها تمجذبت حتى صار الجذب لها سجية بحكم العادة، فلم تقدر على الاستقامة في التصرف، وثقل عليها الرجوع إلى المألوفات، ودعاها لذلك ما تراه من أحوال المجاذيب وما يجري لهم من الأحوال واستمالة الخلق، لميلهم لهذا النوع كثيرا، لا سيما الجهلة من أبناء الدنيا، فإنهم يؤثرون هذا النوع على غيره ويحبونه، ويقومون به وغالب من هذا شأنه أن يجانب العلم وأهله، ويعادي العمل ومن يلتزمه، ويقولون: هؤلاء هم الرجال الذين خرجوا عن الدنيا فلم تبق فيهم بقية، وهذه مصيبة وجهل، دعاهم إليها حب الدنيا حتى كرهوا كل من له بها تعلق، لكونه يشاركهم فيما لهم، بخلاف غيره. وهناك طائفة على العكس، لا يرون المجاذيب شيئا ولا من يعتقدهم، وهم أسلم من الذين قبلهم، لتمسكهم بظاهر الشرع، وأسلم منهما من سلم الأمر، فلم ينتقد إلا بحق، ولا يعتقد إلا بحق، ويترك ما وراء ذلك، وقد قال بعض العلماء: ما زال يختلج في نظري أن المجذوب فاقد عقل التكليف الذي يثبت له به أصل الدين، فكيف تثبت له الولاية، وعلى مر الدهور يعتقد ولا نكير، حتى فتح الله بأن عقل تدبير المعاش هو الذي نيط 13 - فصل الطائفة الثالثة من أصول الطوائف.

Section V01/P061–V01/P063

به التكليف، فإذا سقط التكليف فبقي صاحبه كالبهيمة في العالم، غير أنه إن ذهب هذا العقل بخيالات وهمية، كان صاحبه معتوها غير معتبر بوجه ولا بحال، وإن ذهب بحقيقة إلهية اقتضت ذهوله فيها ونحوه، اعتبر صاحبه من حيث أنه ظرف لمعنى شريف، وأن السبب في تعطيل وجوده عن مصالحه ذلك، فإن من كان في الله تلفه كان على الله خلفه، فافهم. قلت: ويعرف كل واحد منهما بإشارته، فمن أشار لحقيقة مجموعة فهو ذاك، وإلا فليس هناك، فإن كان من أهل التجريب (¬1) فحركاتهم لا تتعدى الصغائر المختلف في إباحتها ونحوها مع ثباتهم، وإلا فهو عصيان إن وقع مرة، وفسق إن تكرر مع الإصرار، وكان عظيمة والعياذ بالله، فافهم. ... 13 - فصل الطائفة الثالثة (¬2) من أصول الطوائف. طائفة تعلقت بالأعمال، وهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال (¬3)، ونحن في بركة الزي، وقد قنعنا بالتزي، وما # هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل، ويرحم الله القائل: إن تكن ناسكا فكن كأويس ... أو تكن فاتكا فكن كابن هاني من تحلى بحلية ليست فيه ... فضحته شواهد الامتحان القسم الثاني: قوم آثروا المصالح العامة، وتتبعوا الفضائل فجنحوا لإطعام الطعام، واستئلاف العوام، ومعاناة الظلمة في الرد عن الظلم تارة بالشفاعة، وتارة بمفارقة السمع والطاعة، ورأوا ذلك دينا قيما وصراطا مستقيما، فدعاهم ذلك إلى الخروج عن الحق والإضمار، واضطرهم لوجود الرئاسة والاستظهار، فاحتاجوا لما يقوم به ناموسهم، وما تصح به صولتهم وعبوسهم، فرجعوا لطلب ما لا يطلبه إلا من قل فلاحه من علم الكنوز والكيمياء، وأسرار الحروف ونحو ذلك، فاضطرهم الكنز لتضييع الواجبات والسنن، والكيمياء لوجود الزغل والمحرمات والمحن والفتن - وغير ذلك - للسحريات وعبادة الوثن، فإذا عوتبوا بذلك، احتجوا بوقائع ذكرت عن مشايخ، أكثرها باطل وجلها تداركهم الله فيه بلطفه قبل الوقوع في تلك الرذائل، ويتهافتون في ذلك بما أمكنهم من دين ودنيا، ويرون فيه سر الممات والمحيا، وما هو إلا البلاء والوسوسة الباقية من حب الدنيا، لأنهم إن تعلقوا (¬1) بالوصول لإطعام الطعام، فالصدقة من القلة أفضل، وإن أرادوا إقامة المنصب والاحترام، فحرمة الله أوفر للمؤمن، وأحسن من ارتكاب الآثام، ولكن القلوب عمية، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}، وسرى لهم ذلك من الدخول فيما لا حاجة لهم به، وربما كان فيه حتف أحدهم من الكلام في الفاطمي (¬2)، وذكر زمنه، وترصده والاستفتاح به، والبحث عنه، حتى لقد رأيت بعض أكابر بلده هجر وطنه، ولازم موضعا تضيق فيه أخلاق أمثاله، وهو صابر على ذلك سنين لترصد هذا الأمر، ثم مات في ترصد ذلك، رحمة الله عليه، ورأيت بعض أهل الخير ممن يتعهد # ذلك أتاه بعض الشياطين، وادعى له هذه المرتبة، وقال له: أنت وزيري، وأراه زيادة في خلقته مستغربة، فاعتقد ذلك وعمل عليه، ووعد الناس به، حتى كتب لبعض الملوك في تهيئه ضيافته، وقال: إنه يخرج في سنة ثلاث وثمانين، فكانت تلك السنة سنة موته رحمة الله عليه، فبقي عند الناس كذابا ومغرورا، وما هو إلا الجهل والحرص على المنافع العامة، أعاذنا الله من البلاء بمنه، وكم من أخرق قام بدعوى هذه المرتبة فكانت سبب حتفه، وفساد دينه ودنياه، لأنه يتعرض لما لا حاجة له به، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.

Section V01/P063–V01/P066

ويقع في رذائل، منها: تغيير قلوب الملوك إن سلموا منهم، وهو حرام إجماعا، ومنها فتح باب المحنة على نفسه، وباب الفتنة على المسلمين، باتباع القيام والخروج عن الأمراء، ولو بالإرادة والمحبة لذلك، وهو أيضا مضر بالدين اتفاقا، ومنها إغراء الملوك على الجنس (¬1) حتى يؤذوا من يتكلم بالحق، أو يربوا من يتوهم منه ذلك على اتباع أغراضهم، فيجعل الشريعة سببا لذلك، وربما اتحدت (¬2) بهم الأمراء لإشاعة أمور يستعينون بها على أمرهم في ذلك، وذلك كله في ذمة المتحركين في هذا الأمر، ومنها الدخول في علم الحدثان، تارة بطريق التنجيم ونحوه، وتارة بالأجفار (¬3) والعمل بها، التي أكثرها كذب ومحال، ثم هي وإن صادفت فغالب الأمر كذبها، فلقد حدثني من لا أشك في صدق خبره أنه عمل أبياتا على صورة جفر لبعض الأمراء كان يواليه، وأنه سيكون منه ويكون، فعمل الأمير # المذكور على ذلك، وكانت سبب الفتنة بينه وبين ابن عمه إلى الآن، وتضرر بها المسلمون ضررا عظيما والعياذ بالله. هذا مع أن كثيرا من العلماء يقول: بأن الفاطمي قد انقضى زمانه فيما مضى، وأنه عمر بن عبد العزيز (¬1) أو غيره، على اختلافهم في ذلك، والحق أن الأمر فيه مبهم، وأن الاشتغال به مما لا يغني، لاشتباه الأمر واضطرابه مع عدم الاضطرار إليه، وهب أنه نزل بباب المدينة التي أنت فيها، أليس في عنقك بيعة أميرها، فلا يحل لك الخروج عنه ولا الخروج إليه، لما في رقبتك من حق أميرك، هذا إن تحقق، فما ظنك والأمر متوهم الصحة في أصله، غير متحقق التأخير في وقوعه، وأصل هذا كله حب الرئاسة وبغض الأمراء، وهو دسيسة من حب الدنيا، وحقيقة طلب الفضول والاشتغال بما لا يعني، أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه. ومن ذلك التعرض للأمور الجمهورية كالجهاد ورد الظلامات، وتغيير المنكر بطريق القهر والاقتدار، دون يد سلطانية، ولا ما يقوم مقامها من الخطط الشرعية، فإن ذلك مفتاح باب الفتنة وإهلاك الضعفاء من المسلمين بغير حق ولا حقيقة، (فقد كان ببلادنا رجل من الصالحين يحوم حول ما ذكرناه، فجاءه من أخبره عن بعض جهات الروم أنها خالية، وأنها مقدور على أخذها، فمشى بجماعة من المسلمين، فخرج عليهم النصارى، فلم يجدوا فئة يرجعون إليها، ولا ملجأ يستندون إليه، فتمكن منهم العدو حتى أتى على جماعة بالقتل ونحوه، فهلك منهم جماعة كثير في ذمته) (¬2) ومع ظنه أنه عمل خيرا، نفعه بنيته، ولا واخذه بعمله، (وكان آخر يفعل مثل ذلك، فوقع له ولجماعة من المسلمين معه أمر عظيم مرارا، ثم إنه بيع لهم فأتوه ليلا فقتلوه، وقتلوا بعض من معه، وحصل لهم بذلك غرض كبير) (¬3) وكان آخر كثير الشفقة على العامة والمحاربة عليهم، فأداه ذلك لمحاربة الملوك ومعاداتهم، وإذايتهم والتجاسر # عليهم، وربما دخل في خلع بعضهم وهو يرى ذلك كله دينا قيما، وربما آذى من خالفه في ذلك من جنسه، وهو في ذلك يعتقد أنه على صراط مستقيم، فكان ذلك سبب الفساد والهلاك، فندم عليه وصار يطلب التنصل فلم يجد مساغا، وكان ذلك سبب حتفه بوجه، والله أعلم بحقيقته، أعاذنا الله من حب الرئاسة، ورزقنا العافية في جميع الأمور بمنه وكرمه (¬1). ثم حسب الفقير في هذه الأزمنة من المصالح العامة لقمة يأكلها، أو يسد بها خلة محتاج على قدر إمكانه، فإن مد يده لأكثر من ذلك أخذا أو عطاء فقد أهلك نفسه، ومسألة يفيدها إن عالما، أو يستفيدها إن كان جاهلا، وظن السلامة في ذلك، وشفاعة (¬2)، في حميم حيث يقبل في ذلك ويكون مبتلى به، وإلا كان متكلفا، فإن الزمان فاسد، والناس لا يريحون ولا يتركون من يرح، ويرحم الله القائل: لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال فاقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ علم أو إصلاح حال وقد قال رسول الله (ص): "إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك" (¬3)، وقال (ص):

Section V01/P066–V01/P067

"تجدون من خير الناس مؤمن بشعب يعبد ربه ويدع الناس من شره" (¬1)، وقال الفضيل بن عياض (ض) (¬2): هذا زمان احفظ فيه لسانك واخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر انتهى، وهو حكم الوقت، وعين المطلوب فيه، وبالله التوفيق. القسم الثالث: قوم تبرؤوا من جماعات المتوسعين، وآثرو التجرد للعبادة وطلب الصدق في طريق الإرادة، فوقعوا في مهاوي البدع من طريق التشديد ومتابعة الهوى بترك السماح والسهولة، فدخلوا في قوله (ص): "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم من ورائهم، قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن" (¬3) أخرجه البخاري وغيره، وقال ابن العربي (¬4): أشار (ص) بجحر الضب، لأن اتباعهم إياهم وقع من قبل التضييق فهو شر في الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى السلامة بمنه وكرمه، ثم هذا القسم منهم من يقتصر على نفسه ومنهم من يدعو إلى مثل حاله، وأعظمهم في ذلك طائفة ادعت المشيحة والتربية، وأن ما هي عليه هو الموصل للحق لا وراءه، وربما أسندوه لبعض أهل الصدق والولاية، وأخذوه بالعموم، وكان هو يعمل به في الخصوص، فكانت البدعة بتعميمهم الأمر دونه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ... 14 - فصل في ذكر أول من ظهر بطريقهم وحاله في نفسه ووجه الدخول عليهم في ذلك. اعلم أن هذا الشيخ الذي استندت إليه هذه الطائفة، ظهر في التربية بأمور مستغربة، عامل فيها خصوصا من المريدين، أو كل مريد، لما رأى فيها من المصلحة لهم، وكونه لائقا بهم في مدة تربيتهم، كفهمهم عن علم الرسوم بعد تحصيل الواجب جمعا للهمة، وأخذهم بالقوة في تجريد الحقيقة لكلمة الشهادة، إفرادا للوجه، ومعاقبتهم بالصوم على وجود الكسل عن الورد، ردعا للقوة إذا كان ذلك لائقا بهم، واستئذانهم بالتسبيح استطرادا لحالة الجمع في تلك المدة، وإجرائهم على خلاف العادة طلبا للانتقال مع نظره في كل مريد بما يليق بحاله، ومعاملته بما هو واجب في وقته، وإشغال كلهم فيما هو واجب أو مندوب من سببه، هذا هو الظن به، لما يذكر من فضله وحقيقته رحمة الله عليه. فلما قبضه الله إليه اختلف أصحابه في الفهم عنه اختلافا متباينا، فأما ولي عهده والمقدم لتقديمه لمحله فظهر منه تغيير كثير مما كان عليه الشيخ اعتبارا بالحال، وهو فقدان شرط جواز ما كان الشيخ يعامل به المريدين من الطريقة، من انجماع حقائقهم في الطريق، وضعفه عما كان الشيخ عليه من التحقق والتحقيق، فأنكر عليه بعض أصحاب الشيخ ذلك، وزعموا أنه خارج عن طريق الشيخ فيما هنالك، وذلك منهم توهم وحسبان لا أصل له كما توهم ذلك بعض الفقهاء من أهل الدين، فكان يحلف ولا يستثني أنه مخالف لطريقه شيخه، وليس الأمر كذلك، بل كما قررناه من فقدان الشرط، فانتقل الحكم لما لا يليق بالوقت والحال، وهو أصل طريقة الشيخ، والأمور معتبرة بأصولها، وإن خالفت صورها، فهو إذا تابع لشيخه في الحقيقة وإن خالفه في الصورة.

Section V01/P067–V01/P070

ثم مستندنا في حسن الظن به في ذلك فراسة الشيخ فيه حتى قدمه، # فإن قالوا: أخطأت فقد تنقصوا الشيخ، وإن قالوا: تغير كان ردا عليهم في استكمال همة الشيخ أبدا، وهو عمدتهم، فكلامهم فيه باطل، فأما غيره من أصحاب الشيخ فوقفوا مع ظاهر الصورة، ورأوا ذلك حكما عاما، فدعوا إليه عوام الخلق، وتنافسوا فيه تنافسا خارجا عن الحق، حتى انجر بهم الحال أن يرسلوا أصحابهم في البلاد ويسمونهم بالإرشاد، ويكرمون أكثرهم اتباعا، ويعظمون أوفاهم استتباعا (¬1)، فصار شياع الأصحاب يتحاملون بذلك على وجود الكذب في الأخبار عن الكرامات، ويثيروه، لأن الشيخ ممن يقوم على ما تتعلق به الأغراض من علم الكيمياء والحروف، وأنه صاحب تصريف متكن، وانتهى بهم ذلك إلى حد الحرص على قبول كل أحد حتى قطاع الطريق، مع إقرارهم على ما هم عليه، فلقد حدثني بعض من أصدقهم أن رجلا من عربان طرابلس دخل على شيخ من شيوخهم، فقال له: خذ العهد، فقال: يا سيدي ما أنا إلا قطعي حرامي، فقال له: خذ العهد تعن على ما أنت عليه، ففعل، وكان ذلك له زيادة في شره، وهذه فضيحة له في الآخرة وضحكة في الدنيا عند من له عقل، على التابع والمتبوع والمستتع. وأخبرني رجل ممن أعرف ثقته أنه طلبوه بالأخذ عليهم فأبى، فاجتمعوا عليه وصرعوه في الأرض ووضعوا أيديهم في يده وقالوا: أخذت علينا، مع أنه رجل ضعيف العارضة ليس فيه ما يصلح لطريقهم ولا غيرها، فتحير المسكين من قولهم: أخذت علينا، واستعظم طريقهم وجاء مستجيرا، فقلت له: لا حق لهم عليك، فالزم تقوى الله وتلاوة القرآن العظيم ودع ما سوى ذلك، وحدثني آخر أنهم بذلوا له ستة دنانير في الأخذ عليهم فأبى وتحير في أمرهم وما رده عن ذلك إلا ما رآه من شدة، وإلا فهو جاهل مسكين، فإن قالوا: إنما قصدنا بما نفعله من ذلك هداية الخلق وإرشادهم للطريق بما أمكن، فنحتال عليه بما ذكر، ولعله أن يستحيي فيثبت، أو يخاف فيزدجر، لقوله (ص): "لأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت # عليه الشمس" (¬1) قلنا: لا هداية مع بدعة، ولا حقيقة مع التقرير على معصية، لأن ذلك معصية والمعصية كلها ظلمة فهي لا تهدي إلى نور أبدا. ثم الدعوى إلى الله تكون أولا بالوعظ والتذكير، وثانيا بالتقوى، وثالثا بالاستقامة ومجاهده النفس، ومخالفة الهوى، ومجانبة الدنيا وترك الخلائق، وأنتم لا تأتون بشيء من هذا، بل تفطمون المريد عن العلم، ولا تعرجون له على تقوى، ولا تدلونه على مخالفة الهوى، ولا تصرفونه عن غيبة، ولا أكل حرام، ولا تزهدونه في شيء من هذا الحطام (¬2) بل ترغبونه في ذلك بأفعالكم، إذ تسبون من لا يتبعكم، وتلعنون من ينكر عليكم، ولا تتوقفون فيما تقدرون عليه من أسباب الدنيا، بل تأخذونه بأي وجه أمكن، من غير مبالات بحق ولا حكم، ولا تتعرفون شيئا مما أوجب الله عليكم في ظاهركم ولا باطنكم، فالواحد منكم لا يعرف حكم الله في وضوئه وصلاته، ولا يطلب أمر الله في تقلباته وحركاته، بل الطريق عندكم أن تعلموا ما ترونه من الأمور، وتسمونه بصورة الطريق، ليمتاز بذلك، وينحاش إليكم عن كل جمع وفريق، ولا إرب لكم في هدايته، ولا عمل لكم على إزالة غوايته، بل إن كان ممن يرى أنه فقيه انسلخ مما كان فيه، وعاد إلى الجهل لفقدان علمه بالحق، مع ترويجكم عليه بعكاز التسليم، وإن كانت له فطنة # بقي عليل القلب سقيما، لا هو استفاد منكم العمل بما علم، ولا هو علم بما لم يعلم، بل صار أسير الفاس والمسحاة، حليف الجهل والضلال والعياذ بالله، يرحم الله من قال من المشايخ: ذهب الإيمان من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعليم، انتهى من رسالة القشيري وهو عين الحال، والله أعلم.

Section V01/P070–V01/P072

[فائدة]: ذكرت لشيخنا أبي العباس الحضرمي (¬1) (ض) قول سيدي محمد الهواري (¬2) رحمه الله: لم يبق شيخ بمغربنا، فقال: ارتفعت التربية بالاصطلاح في سنة أربع وعشرين (¬3) من جميع الأرض، ولم يبق إلا الإفادة بالهمة والحال، فعليكم باتباع السنة والكتاب من غير زيادة ولا نقصان، يعني على طريق الجادة المتعارفة، فإنها العصمة الواقية من كل ضلال وشبهة، قلت: وعلمه بذلك مستند إلى التحقيق في وجود الدلائل والعلامات، كما يقوله الفقهاء في ارتفاع الاجتهاد، والله أعلم. وإنما كان ذلك لأن الاصطلاح إنما يفيد في مثله دفعا وجلبا، بحيث كانت الحركات النفسانية اصطلاحية، حيث نفعت فيها الأمور الاصطلاحية، فلما سرت الظلمات في الحقائق لم تفد فيها غير الحقائق، فكان النفع في الهمم كما كان في أول الأمر، حيث تمكنت ظلمة الكفر والجهل من النفوس، فلم يعد إلا طلوع شمس النبوة بعموم الدعوة ونور الهداية، فمن يهديه من بعد الله، فافهم. ثم لقد تتبعت بفكري الطرق الاصطلاحية الموجودة بأيدي الناس الآن، فلم أجد عند أهلها نفحة من فتح ولا نور، ولا حقيقة ولا علم ولا # ذوق، ولا فهم خارج عن القياس الأول، إلا لذة نفسانية، غالبها من استشعار الرئاسة، والالتذاذ بالامتياز، والاختصاص بالنسبة ونحوها، هذا ما وجدت في صادقهم، فأما غيره فلم أر منه إلا لعبا ولهوا، وفخرا وكبرا (¬1) وتعصبا وخروجا عن الإضمار بكل وجه، وكل من تأمل ذلك وجده عند مخالطتهم والنظر في أحوالهم، وبالله التوفيق. ... 15 - فصل في ذكر ما بنوا عليه طريقهم (تفصيلا وما اعتقدوه فيها ردا وقبولا) (¬2). وهو ثلاثة أمور: أحدها: مخالفة النفس بكل وجه أمكن، وغلطوا من حيث التعميم، وظنهم ابتناء الأمر على مخالفتها مطلقا، وليس الأمر كما زعموا، بل مخالفتها مقصود لموافقة الحق، فإذا كان في موافقتها وهو مقصود كان مخالفة لها في عين التلبس به، لأنا لو قدرنا خلوه عن هواها لآثرناه، ولو قدرنا انفراده بهواها لتركناه، فكان هو المقصود، لا هي، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز (ض): "إذا وافق الحق الهوى فذلك الشهد بالزبد"، وقد قال تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} (¬3) فأشعر أن الهدى هو المقصود، فافهم. الثاني: التجرد عن المعتادات بدلا من الأنس بها، وقد انجر بهم ذلك حتى دخلوا به في باب الفضائل، والمطلوب من السنن المتعلقة بالفرض وغيرها، فتركوا ما ألف منها، وآثروا ما لم يؤلف وإن كان مخالفا لها، وربما جنحوا، لأن الأجر على قدر المشقة، وليس كذلك، بل الأجر على # قدر الاتباع، ولو كان على قدر المشقة لكان الإيمان والمعرفة والذكر أخفض رتبة من غيرها، وليس كذلك إجماعا، وقول (ص): "أجرك على قدر تعبك" خاص في خاص لخاص، فلا يكون دليلا ولا حجة فافهم. الثالث: إفراد الوجه ظاهرا وباطنا، فلذلك التزموا قانونا واحدا في جميع أحوالهم الشرعية والعادية، حتى قيدوا ما كان مطلقا مثل القراءة في الصلوات، وأطلقوا ما كان مقيدا مثل أذكار ما بعد الصلاة، فكان ذلك منهم ابتداعا بالتعميم وتغيير الحكم، وإن جاز فعل ذلك في وجه ما، لعلة التداوي ونحوه، فمع اتباع الحكم الأصلي، ومراعاته في العموم، فضيلة كان أو غيره، فافهم. ولقد تحدثت مع بعض مقدمي هذه الطائفة، فقال لي كالمعتذر: لا يقبل أحد في هذه الأزمنة لعقة من عسل السنة إلا مع صبر البدعة، فأنصف، وقال شيخنا أبو العباس الخضرمي (ض): لو طفتم من أقصى بلاد المشرق إلى أقصى بلاد المغرب في طلب مريد مستقيم الإرادة ظاهرا وباطنا بكل وجه، ما وجدتموه، فكيف بالعارف الكامل، ثم قال: ما بقي إلا من حقيقته مخبطة أو مستورة بذلك، ثم لا ننكر وجودهم من حيث لا يعرفون، هذا معنى كلامه (ض) وهو ظاهر. 16 - فصل في بيان ما عرفناه من طريقهم جملة وتفصيلا. وهو أقسام ثلاثة:

Section V01/P072–V01/P076

جاء في الصحيح، قالت عائشة (ض): "يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك؟ فقال لها: "انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي، ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك، أو نصبك"، وقال الحافظ في الفتح: ووقع في رواية الإسماعيلي: "على قدر نصبك أو على قدر تعبك"، البخاري مع فتح الباري 360/ 4 # قسم يجب الوفاء به لحسنه وتحريره، وقسم يحرم الوفاء به لقبحه وتغييره، وقسم يتوقف فيه لتراجعه واشتباهه، فأما الأول فمداره على عشرة أمور: أولها: إدمان الوضوء لأنه ينور القلب، وينور الوجه، ويحبب الملائكة، ويوسع الرزق والخلق، ويكون عده من البلاء، وسببا في حضور القلب في الصلاة، إذ الحضور فيها بقدر الحضور فيه إلى غير ذلك. الثاني: الركوع كلما توضأ إلا أن السنة ركعتان والتحديد بأربع فيه ما فيه، وقد روى أن الله تعالى يقول: "من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل فقد جفاني، ومن توضأ وصلى ولم يدع فقد جفاني، ومن توضأ وصلى ودعاني ولم أستجب له فقد جفوته، ولست برب جاف" (¬1) الحديث. الثالث: صلاة الجماعة والمواظبة عليها، لأنها العصمة من كل سوء، وقد قال رسول الله (ص): "صلاة الجمع تفضل صلاة الرجل في داره وفي سوقه بخمس وعشرين جزءا" (¬2) وقال: (ص) "من صلى الصبح قي جماعة لم يزل في ذمة الله حتى يمسي (¬3) فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء" (¬4) الحديث. الرابع: ملازمة الأوراد من الرواتب وصلاة الليل من غير تقصير ولا فترة، وذلك من شأن الصالحين والأئمة المهتدين والعلماء العاملين، ولا يخفى ما له من المزية والفضل. الخامس: الذكر بالغداة والعشي وآخر الليل، إلا بوجه مفيد، لقوله (ص): "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (¬1) الحديث. السادس: مبادرة النوم بعد العشاء بلا مهلة، للنهي عن الحديث لغير شغل بعدها، ولأنه عون على قيام الليل، والله أعلم. السابع: توفير ما تحت اللحية وعدم حلقه لأن السنة فيه ذلك، ما لم يعتقد تحريم حلقه، فيكون هذا الاعتقاد إبتداعا كعكسه، فافهم. الثامن: الصوم في السفر المبيح، لأن المشهور ندبه، لقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} (¬2)، ولأنه عند الترك غير معوض بعبادة، بخلاف القصر، وسيأتي إن شاء الله. التاسع: عملهم على الجد دون هزل ولا شبهة، إذ لا يقولون بالسماع ولا غيره من ترهات الباطلين، وإن كانت لهم بطالة وجهالة تخصهم. العاشر: إيثارهم العافية والأسباب والخدمة والاحترام من حيث أن ذلك محمود في الجملة، وإن كان في صور ما يتعاملون به لذلك مغمز، فالأصل معتبر، وأصل أصولهم إنما هو الذكر والأدب من غير زائد، وإنما اختلطوا في صورته حسبما يذكر بعد إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق. وأما القسم الثاني فمداره على عشرة أشياء: أولا: هجران العلم وأهله ومعاداته ومعادات أهله، وهم مختلفون في إثبات ذلك ونفيه. الثاني: هجران تلاوة القرآن باشتراط عدمها، وعدم غيرها من الورد سوى كلمة الشهادة، وهو شيء معلوم من طريقتهم، وإن خالفه بعضهم. الثالث: اعتماد بطلان كل طريقة سوى طريقتهم، أو نقص كل ما خالفها من طرق غيرهم من المشايخ. الرابع: تبديل ما ورد شرعا من الأذكار في الأوقات المطلوبة فيها الذكر بغيرها، والتقييد بذكر واحد، ودعاء واحد، لا يزاد عليه ولا يعدل عنه. الخامس: إسقاط ما ترتب من الفوائت، وإلزام الصوم لفوات الورد، ونحو ذلك. السادس: إيقاف القراءة في الصلاة على ما يختارونه، دون تعد لغيره ولا انتقال عنه، وجعل حكم القيام لها كغيره من خدمة وغيرها. السابع: الاستئذان في الضروريات والحاجيات، وكونه بالتسبيح في العاديات. الثامن: طلبهم مصافحتهم وكونها بالحزام، وصلاتهم به، ووضع الجبهة على يد الشيخ عند المصافحة مع كونها بأطراف الأصابع، ونحوه. التاسع: تأخير العشاء إلى بعد العشاء، ونحو ذلك من أسباب الحرج والخروج عن الحد في التشديد. العاشر: المبالغة في أخذ العهد إلى حد يصير المأخوذ عليه لا مال له ولا روح، مع ما ينضاف لذلك من معادات المخالف لهم والمنكر عليهم، وسبه ولعنه واستباحة غيبته بسبب إنكاره، وهذا من أعظم العظائم وأكبر النوائب والمصائب، نسأل الله العافية.

Section V01/P076–V01/P078

17 - فصل وأما القسم الثالث فمرجعه لعشرة أمور : أحدها: صلاتهم النافلة جماعة على وجه الدوام والاشتهار، وهو أمر كرهه مالك، وأجازه الشافعي بناء على أصلهما في السنة والبدعة حسبما تقدم، ويذكر إن شاء الله تعالى. الثاني: تكميل الصلاة في السفر وهو أحوط في الصورة وأبعد في الحقيقة، لأن أدلة السنة فيه قوية، وجملة المذاهب بقوتها مع دهماء السلف (ض) على مطلوبية القصر، حتى قال ابن عمر (ض): وصلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر" (¬1)، يعنى إن كان خلافه عنادا أو مكابرة بعد الثبوت الذي لا يشك فيه، والله أعلم. الثالث: القنوت بعد الركوع، لأن مشهور المذهب خلافه، وإن كان هو الذي صدر به في رسالة ابن أبي زيد (¬2)، وذكر بعده التخيير، ففيه ما فيه، لا سيما مع إضافة هذا الفعل لغيره من صريح البدعة، إذ لو انفرد لكان خفيفا، فافهم. الرابع: ذكر إمامهم بعد الصلاة وحده وهم سكوت يسمعون، ثم تكبيرهم بعد التصلية معه، لما في ذلك من مخالفة الجمهور، وإن كان ابن عباس قد روى التكبير أدبار الصلوات (¬3) وقال به ابن حبيب (¬4) في الثغور، # فلذلك قد يستحب انفراده كغيره، لا سيما إن كان في محله، والله أعلم. الخامس: ما يقرؤونه مرتبا، كأحزاب من القرآن اختاروها مرتبة على الأيام، ومثل حزب السلام، وتخصيص ما بعد المغرب إلى العشاء بالذكر، إذ لا أصل لذلك كله في نفي ولا إثبات، وإن كان قد ورد إحياء ما بين العشاءين فبالصلاة ونحوها (¬1)، والله أعلم. السادس: هجران صلاة الضحى وصوم التطوع جملة، لما ورد في ذلك مما اتفق الناس عليه، وإن كان جماعة من الصحابة لم تقل بصلاة الضحى، وكان الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر، فمن وقف في باب الكمال لا يصلح له مثل هذا الإهمال بعد ترغيب الشارع في العموم، والله أعلم. السابع: القيام للمحترمين عندهم وتقديمهم للصلاة، وإن كان في القوم من هو أعلم وأتقى منهم، وهذا بخسة ونقص في الدين لا خفاء بها، فافهم. الثامن: اختيار هيئات في اللباس والجلوس وسائر التصرفات، بعضها موافق للسنة وبعضها مخالف، ومنه التصرف في أموال الأصحاب دون استثناء ولا توقف، وفيه ما فيه من حيث المروءة والدين وعدم اعتبار النفوس بما جبلت عليه، فافهم. التاسع: عموم الاستئذان في كل شيء من غير الضروريات والحاجيات، إذ قد تقدمت، وسيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى. العاشر: ما اصطلحوا عليه من لفظة: (الفقراء بالصورة) و (الاختيار في كذا)، وجعل اختيارهم عند واحد منهم وإن كان دونهم، وبالله التوفيق. ... 18 - فصل في ذم فتاوى الفقهاء في هذه الطائفة

Section V01/P078–V01/P079

، وذلك أنهم افترقوا على ثلاثة مذاهب، فكان شيخنا أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري (¬1) رحمه الله تعالى، يجنح إلى وجود التسليم، ويرى أن ما هم عليه ليس من البدع المحرمة ولا القادحة في الأصول، فيتوقف عن الجواب بنفي أو إثبات، فلقد أخبرني أنه بلغه في شأنهم خمس وثلاثون سؤالا لم يجب في واحد منها، قال: لأنهم في بلاد القبائل وهم محل التعصب، فإن أجبت بمساعدتهم تعصب لهم المحب، وإن أجبت بخلاف ذلك تعصب عليهم المبغض، ويكون ذلك فتحا لباب الفتنة بين القبائل إلى الأبد، وهذا شيء لا ألقى الله به، قلت: فلو كان عنده أنهم على صريح الضلال ما توقف مثل هذا التوقف، والله أعلم بهم، وعلى هذا يحمل سكوت جماعة الإفريقيين من أهل العلم والديانة منهم، مع اشتهار أمرهم، حتى إن بعضهم استفتي في ذلك فأثنى على شيخهم، وقال: إنه كان شافعي المذهب، وأنكر على من أنكر الممل بمذهب الشافعي، وهو مصيب في إنكاره، غير مصيب في نسبته لمذهب الشافعي إن قصد طريقته، لأنها لا تتقيد بمذهب، إلا أن يريد أصل مذهبه فلا بأس، والله أعلم، وكان الشيخ العالم المسلم الصدر كبير وقته سيدي أبو عبد الله محمد ابن مرزوق التلمساني (¬2) (ض)، من أشد الناس إنكارا عليهم في الأصل والفرع، وكذلك سيدي أبو القاسم العبدوسي (¬3) رحمه الله، فكانوا يصرحون في الشيخ بأمور كالرافضية والسحر وغير ذلك، ويرون أن من عصى الله بالزنا وشرب الخمر أيسر أمرا ممن اتبع طريقهم، وتبعهما على ذلك جماعة من بعدهم، حتى لقد بالغ في ذلك بعض الفاسيين بأن قال: تهدم ديارهم وتفرق # جموعهم، ويسامون سوء العذاب حتى يقلعوا عن ذلك، ووافقه على ذلك جماعة من شيوخ وقته ببلاده حين جاؤوا مستفتين في أواخر سنة ثلاث وسبعين وثماني مائة، ورأو أنهم لا يمكنون من الكلام في مسائلهم، ولا يفصل فيها لغلبة الجهل والفساد على الزمان، ووجه المتكلم في شأنهم بما يغفر الله لفاعله، إذ وقف معهم في ذلك وآواهم، وكان شيخنا أبو مهدي عيسى بن أحمد بن أحمد الماواسي (¬1) كان الله له، مفتيا في وقته بالبلد المذكور، هو الذي اقتصد في القضية، وأفتى بأن أمورهم ينظر فيها، وأنها تقبل التصحيح والإبطال، وهو كلام حق وإنصاف، ولكن غلبة الوازع يخرج إلى التفريط أو الإفراط، بحسب الاجتهاد، وإن لم يقصد هوى، والكل إن شاء الله تعالى على حق (¬2) في نظره، إذ لا يجوز له تعدي اجتهاده، والمفصل أحرى بالتحقيق عند تحقيق النظر فليتبع طريقه في ذلك، وبالله التوفيق. 19 - فصل في هجرانهم العلم والقرآن والصلاة على رسول الله (ص).

Section V01/P079–V01/P083

أما هجرانهم العلم فمخالف للكتاب والستة والإجماع، قال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (¬3)، وقال عز من قائل: {وما يعقلها إلا العالمون} (¬4) وقال عز وعلا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (¬5) فجعل العلم مقدمة الخشية التي هي باعث العمل، وكذلك # قال (ص) "العلم إمام العمل والعمل تابعه" (¬1)، وقال (ص): "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (¬2)، وقال (ص): "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم" (¬3) وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، وفائدة العلم تمييز أحكام الله، فالعالم العاصي خير من العابد الجاهل، وفي الخبر: "أن نوما على علم خير من عبادة على جهل" (¬4) وقال ابن مسعود (ض): ركعتان من عالم زاهد خير وأحب إلى الله من عبادة المتعبدين الجاهلين إلى آخر الدهر أبدا سرمدا، وفي الخبر: "عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (¬5) # الحديث، وبالجملة فالعلم خير كله، لأنه يفيد الكمالات، والعمل الصالح يحفظها، فلا يهمله إلا جاهل، ولا يقدره على قدره إلا عاقل، نعم من خاف آفة بعد تحصيل واجب وقته وأراد الاقتصار على نفسه، فهو خير له من التوسع فيما ليس له حاصل، ولا وراءه معنى ولا طائل، لا سيما إن كان لهذا الشخص تحقق في التوجه، وإشراف على الحقيقة، فإن إفراد القلب أولى له وأتم في حاله، وهو الذي قصده المشائخ لعوام المترجمين من الجهلة والمفرطين، ثم المقتصر على نفسه لا يصلح له ذلك بشرطه إلا مع تعظيمه العلم وأهله، اعتبارا بمقصده، وبالله التوفيق. ... 20 - فصل وأما هجرانهم تلاوة القرآن. فمن أسباب البغي والطغيان، ومن وجوه الباطل والهذيان، حتى لقد بلغ ببعضهم البلاء إلى أن قال: ارتفعت خاصية القرآن وفائدته بموت رسول الله (ص)، وهذا كلام يضارع الكفر، بل هو عينه لمن اعتقده، وكذلك قولهم: إنما هو لإفادة الأحكام لا لإفادة الأسرار، وإن تلاوته تشوش لأفكار، ويكفي في الرد عليهم والطعن في نحورهم قوله تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارة} (¬1) # وقوله عز وجل: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين} (¬1) الآية، وقوله عز وعلا: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد} (¬2) فجعل الذكر فرع التلاوة، والهداية مسببة عنها، وكذا قوله تعالى: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} (¬3) جعل فيها الذكر مفيدا للتأثير الحالي، والتلاوة مفيدة زيادة الإيمان، وهو أقوى، وجعل سبحانه الطمأنينة الواقعة بالذكر فرع الإيمان الذي قوته فرع التلاوة، فقال عز من قائل: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} (¬4) الآية. هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، ولكن الهوى يصرف عن طريق الهدى. وقد قال رسول الله (ص): "من ابتغى الهدى في غيره أضله الله" (¬5)، وإذا لم يكن كلام رب العالمين محلا للفتح والتمكين، فأي كلام أولى به وأحق في الدين (¬6) أهذيان المبطلين، وشقائق الملحدين، وخزغبلات اللاعبين، وتحريفات المارقين، وطرائق الخارجين عن سنن المهتدين، الذين اعتمدوا مجرد الباطل، فوقعوا في كل شر وباطل، وإذا كانت الجلود منه تقشعر والقلوب به تلين، والذكر إنما ينشأ عن ذلك، وهو فرع الخشية الدالة على صحة العلم بالله، فكيف بما يترتب على ذلك، أيصح مشروط بدون شرطه، أو نهاية بدون بداية، لكن فقد نور الإيمان، وانعدام حقائق الإيقان موجب لأكثر من هذا، {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} (¬7) ويرحم الله شيخ # المشايخ سيدي أبا مدين (¬1)، حيث يقول: لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد، هذا شأن المريد فكيف بالعارف الكامل، وبالله التوفيق. ... 21 - فصل وأما هجرانهم الصلاة على حبيب الله (ص).