Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)
وكان يقول: في قوله: " وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا " " الأنعام: 115 " صدقا هنا وضع موضع فضلا إذ قوبل به عدلا فافهم أي تفضل الله تعالى بصدقها على قلوب قوم حتى صدقوها وعدل الله بقلوب قوم حتى عدلوا عن تصديقها، وكان يقول: كل ما أتاك به إمام هدايتك، فهو ذكر من ربك ورحم بك محدث الإتيان إليك، والظهور عن ذلك الإمام من حيث كونه، فأما من حيث وجوده الحق المبين المتجلى في عينه الناطق بمرتبة الربوبية، والرحمانية، فلم يزل قديما لأن الحق المذكور من المرتبة المذكورة لم يزل متكلما إذ هي له ذاتية، وإنا الحدوث من جهة التعلق الظهوري من حيث الحكم بالحدوث، فافهم، وكان يقول: من أتى بما لم يسبق به فقد أبدع وأبدا ومن كرر مثالا، فقد أعاد، واخترع فافهم. وكان يقول: لا يظهر سر السيادة الربانية في أحد إلا ويجعل له أتباعا لأن السيد هو الرب المصلح المدبر فلا بد له من حضرة يحكم فيها " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " " الرعد: 38 " أي معنوية فقد كان فيهم من ليس له زوجة صورية، ولا ولد صلبي كعيسى ويحيى ومن هنا يفهم المراد بقول زكريا " رب لا تذرني فردا " " الأنبياء: 89 " فكأنه قال: كما قال: إخوانه " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " وأحب الخلق إلى الله تعالى أنفعهم لعباده فكفي المصلح لشأنهم شرفا أن يكون أحب إلى الحق ممن ليس همه إلا صلاحه وحده، وكان يقول: من كان خلقه القرآن يرضي لرضاه ويغضب لغضبه فهو نسخة الحق " والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم " " محمد: 2 " فافهم فمن اتخذه إمام هدى، وجعله كتابه ينظر في أموره بعين الإيمان فيتبعها بإحسان فقد أوتي كتابه بيمينه، ومن اعتمد على الأساطير فإنما اعتمد على حكم وهمه أو حكمة فهمه " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم " " العنكبوت: 49 " أي معناه مبين في نواطق العلماء وكان يقول: إنما أحب الله عبده المسلم لأنه مخلوق على صورته، وهو تعالى أجل من أن يحب خلاف صورته التي هي الكمال المطلق الأقدس فافهم قلت: والمراد هنا بصورة الحق صورة آدم عليه السلام لأنها أشرف الصور، وليس المراد بها صورة الذات الإلهي، والله أعلم، وكان يقول: ما دمت أيها الآدمي صاحب صفات كريمة فأنت إنسان باق على أصلك لم تنسخ، ولم تمسخ، ومتى نسخت منك الكرائم بالذمائم فقد نسخت عنك الإنسانية بالصورة الشيطانية التي انمسخت بها، وإن خلطت لم تك إنسانا خالصا، ولا شيطانا محضا وفي ذلك فليتفاوت المتفاوتون، والحكم للغالب فافهم، وكان يقول: إذا قال لك: قائل لم دون العارفون المعارف التي تضر بالقاصرين من العلماء فضلا عن العوام؟ أما كان من الحكمة وحسن النظر، والرحمة ما يمنعهم من تدوينها فإن كان عندهم ذلك فمخالفته نقص، وإن لم يكن فكفاهم نقصا أنهم غير حكماء فقال له: أليس الذي أطلع شمس الظهيرة، ونشر فاضح شعاعها صحوا مع إضرارها بالأبصار الضعيفة والأمزجة التي تتضرر بها عليما حكيما فإن قال: بلى ولكن عارض ذلك مصالح تربو على هذه المفاسد فقل له، وهكذا الجواب عن مسئلتك وحسبك جوابا أن من دون ذلك لم يدونه للجمهور، ولا أذن في ذلك، ولا سكت عنه بل نهى عن إظهاره لهم.
وشدد في النهي والتحذير إلى الغاية، وصرح بأنه لم يدون إلا بإذن من الله في تدوينه لأهله فقط فيكون في التدوين أمانة لهم ليظفروا من معانيه بما تنفتح به أبواب كمالاتهم الباعثة بسحائب الرحمة في قلوبهم، وعلى ألسنتهم فتشرق الأرض بنور رشدهم وتحب هدايتهم فتعدى أهل الغفلة، والحجاب حدود هؤلاء السادات، وأظهروا دواوينهم لغير أهلها كما تعدى الغافلون حدود ربهم، فسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، ومكنوا أعداء الله من قراءته بقلوب زائغة، وألسن معوجة فحرفوه، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وهل دون الأئمة المجتهدون ما دوناه عنهم من العلم ليستعان بها على هوى النفس وكسب الدنيا، وتوليد مسائل موافقة لهوى الظلمة، والأمراء لا والله ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا وحيث ظهر أن فائدة تدوين هذه المعارف من أعظم الفوائد ظهر أن تدوينها من أحق الحقوق إذ فائدتها بقاء روح حق اليقين، وإشراقها في مظاهر الهادين بالحق كما في فائدة تدوين علم الظاهر بقاء روح الاجتهاد الظني الموجب للعمل، وظهوره في مظاهر المرشدين " والله يعلم المفسدين من المصلحين " " البقرة: 220 " فافهم. وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " القلب بيت الرب " وفي قوله تعالى: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " " آل عمران: 3 " فاعرف بيت الرب من بيت الناس، وتوجه إلى كل منهما بشرطه وقم له بحقه واستقبله، وقم وطف حوله وادخله بما يناسبه منك فالجسم، والقلب بالقلب، والروح بالروح ولكل مجال رجال فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " النزل: إكرام الضيف أول ما يكرم، فإذا كان الفردوس أول ما يكرمون به إذا كانوا ضيوفا فكيف بغاية إكرامهم بل كيف إكرام الأحباب الذين لا حجاب عليهم أبدا فافهم وكان يقول: عجبا لملاذ الدنيا كيف يذهب الملال حلاوتها إن دامت، وتعقبها الرغبة فيها، والحزن عليها إن زالت، فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه فافهم. وكان يقول: انظر إلى النفس المدركة المفارقة التي تشير إليها منك بقولك: أنا كيف هي متعلقة بسائر أبعاض جسمك، وأعضاء جرمك، وكيف لها مع كل بعض وعضو معنى، وأثر خاص تارة يماثل ما هو لها مع غيره كاللمس بسائر سطح البدن، والإبصار بالعينين، والسمع بالأذنين، وما أشبه ذلك، وتارة يباين ما هو لها مع غيره كالتكلم باللسان وحده، والذوق باللثة وحدها وما أشبه ذلك. فهكذا حكم النفس مع ما تعلقت به من الأعضاء والأبعاض وهي نفس الكل الموصوفة بسائر المعاني، ومن عرف نفسه عرف ربه فافهم، وكان يقول: الأستاذ مظهر سر الربوبية لمريده فعلى المريد أن يقف عند أمر أستاذه، وأن لا يلتفت عن أستاذه يمينا، ولا شمالا ألم تسمع إلى قول: أكبر ولد يعقوب " لن أبرح الأرض حتى
يأذن لي أبي " ثم قال: " أو يحكم الله لي " ثم قال لهم: " أرجعوا إلى أبيكم " " يوسف: 81 " نتبين أن المريد ماله وجه يتوجه إليه إلا أستاذه حتى إذا تحقق بحقيقة أستاذه، وسقط حكم المغايرة بين مرتبتيهما كان الله وجهه من حيث وجه ذلك الأستاذ الذي تحقق به ذلك المريد، وأطال في ذلك، وكان يقول: ينبني للعالم أن يرى القرآن هدى، ورشدا لأهل كل صراط مستقيم فلا ينكر على أحد لما فهمه منه من الهدى عند ذلك الفاهم، وإن كان مخالفا لفهمه " والراسخون في العلم يقولون " آل عمران: 7 " أي عند كل تأويل فيه هداية لغيرهم " آمنا به كل من عند ربنا - ولكل قوم هاد، ولكل جعلنا منكم شرعة منهاجا " فافهم، وكان يقول: في منكر ونكير إنهما يأتيان للميت في صورة إنكاره، وتنكيره فإن كان منكرا للمنكر متنكرا على أهله في اعتقاده الجازم عنده ببرهانه فبذلك يثبت على معتقده، زمن عكس انتكس وكان يقول: ملوك الدنيا محتاجون إلى ملوك الآخرة، وذلك ظاهر في الدنيا بزهد ملوك الآخرة في الدنيا، وعناية الحق بهم، وأما غنى ملوك الدنيا فلا يظهر للشرك صحته من بطلانه إلا بعد الموت حين يفوت الفوت، ومن قبل النصيحة أمن من الفضيحة، وكان رضي الله عنه يقول: من أرشدك إلى ما به تخلص من غضب الحق وتحصل به رضوانه فقد شفع فيك فإن أطعته، واتبعته، وقبلت منه، فقد قبلت فيك شفاعته فنفعتك، وإلا فنعوذ بالله من حالة قوم لا تنفعهم شفاعة الشافعين حيث كانوا عن التذكرة معرضين فافهم، وكان يقول: ثقل موازين الآخرة على قدر التعب، ومثال ذلك أن يقول: لك كريم من أتاني بشيء، وزنت له ثقله فضة فجهد رجل فأتى بصخرة فوزن له ثقلها، وأتاه رجل بريشة فوزن له ثقلها، وكان يقول: جلوسك في خص وأنت في عتق من أسر الشهوات خير لك من قصر مشيد وأنت مسجون في أسرها محجوب عن محجوبك فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " وأيدناه بروح القدس " " البقرة: 87 " الروح الأمين على ما يتلقاه من روح القدس هو الفكر الصادق وروح القدس هو العقل الناطق الحكيم الحاكم في النفس الحيوانية التي يطهرها من الرذائل، ويحليها بالفضائل في كل مقام بحسبه فافهم، وكان يقول: في قوله: " ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه " " يوسف: 111 " أن ينفخ بكشفه وبيانه في قلوب الحاضرين بين يديه حضورا إيمانيا أرواح الصدق، فيصير من الصادقين، وأما تصديقه للكتب الماضية بمطابقة ما فيه لما فيها فشيء معروف فافهم، وكان يقول: الواجد مخبوء في لا، والوجد مخبوء في نعم فقابل كل حكم أتاك من الحق باختياره لك بنعم يجعله عليك نعمة من النعم فافهم، وكان يقول: على قدر المعرفة يكون الحب، وعلى قدر الحب يكون القرب، وكان يقول: في قوله: " يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار " " النور: 37 " أي يصير حكم القلوب ظاهرا على حكم القوالب فمن كان في قلبه خير ظهر عليه ظاهرا، وأما تقلب الأبصار فهو أن يظهر حكم البصائر في الأبصار فما لا يصح له في دنياه أن يراه إلا إيمانا يراه يوم القيامة عيانا، وكل من رأى الآن ما لا يراه الناس فما رأى ذلك حين رآه إلا، وهو في حال قيامه به فافهم.
وكان يقول: العاقل بخيل بعرضه جواد بجسمه، وضده بضد ذلك فافهم، وكان يقول: إنما كان أبو بكر رضي الله عنه أسبق رجال قريش إلى التصديق، والهدى لأنه كان أضعف قريش رابطة بما كانوا عليه مما يضاد الهدى فافهم، وكان يقول: الصوم في اللغة الثبوت على أمر واحد لقولهم صام النهار إذا وقفت الشمس في مستواها فنذرت للرحمن صوما أي نذرت ثبوتا للرحمن على إفراد مشاهدته فلا أشهد سواه، ونحو هذا، وما الصوم لعمرك إلا الثبوت للحق، وفيه فافهم، وكان يقول: من عرف الحق فكل أوقاته ليلة قدر، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله: " إن الله جميل يحب الجمال " فيه إشارة إلى أن الله يحب أن لا يرى أحد في عبيده نقصا لا باطنا، ولا ظاهرا لأن العبد من مولاه، وأمره راجع إليه فافهم، وكان يقول: من أحب أن يكون في حفظ رب العالمين فليخدم أولياءه العارفين بصدق " ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها " " الأنبياء: 81 " إلى قوله: " وكنا لهم حافظين " فانظر كيف حفظ الله الشياطين لما كانوا في خدمة أوليائه العارفين، ومعنى حفظ رب العالمين أن يحفظ العبد من الوقوع في المخالفات، وكان يقول: في قوله: " أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم فأوحينا إلى " " الشعراء: 62 و 63 " الآية فرتب هذا الوحي على هذا القول: بالفاء إشارة إلى أن كل من قال: هذا القول بصدق ألهمه ربه رشده فيما يحاول، وكان يقول: كل من دخل مقام الإحسان فقد بلغ أشده واستوى، ولو كان صبيا قال: " ولما بلغ أشده، آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين " " يوسف: 22 " أي على إحسانهم، ومشاهدتهم لمعبودهم، وكان يقول: المحبة دائر معها التوحيد والإخلاص فكل من أحب شيئا لا يريد أن يكون له فيه شريك حتى الرجل يحب امرأة فلا يحب أن يكون له فيها شريك وكذلك المرأة، فما أحب الله عبدا إلا ملأ قلبه استغراقا في محبة مرضاته، ولا كره عبدا إلا ملأ قلبه محبة لمكروهاته، وكان يقول: روح المتعلم من روح المعلم، وعقل المستفيد من عقل المفيد فرع من أصل وأيما مريد أراد الكمال بغير أستاذه، وهاديه فقد أخطأ طريق المقصود لأن الثمرة لا تكمل إلا بوجود النواة التي هي أصلها فكذلك كل مريد لا يكمل إلا بوجود أستاذه متعينا عنده بحقيقة نفسه وروحه، وقلبه وفؤاده فافهم، وكان يقول: لا يتبع إمام الضلال إلا أهل الغي لأنه صورة غيهم تشكلت لهم حتى رأوها فصبوا إليها " ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " " الزلزلة: 8 " مشكلا، ومن هنا يتبع الدجال كل من في قلبه كفر، ونفاق، وحكم إمام الهدى بالعكس لا يتبعه إلا أهل الهدى، وكان يقول: كيف يخاف الباطن من عرف الحق. وكان يقول: لم يطلب كل طالب إلا الحق لكن تارة يظفر به حقا فيعبده عن مكاشفة، وتارة يظفر به، وهما فيعبده على حجاب فما عبد عابد في الحقيقة إلا الله، قلت: والمراد بهذا العابد الموحد من أهل الإسلام العام فافهم، وإياك والغلط، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: من تعلق بغير مولاه ضره إما بأن يحبه، فيشغل عن مولاه ما منه فتنته أو يكرهه، فيشغله عن مولاه ما به حزنه فلا راحة للمؤمن دون لقاء ربه، ولا يلقي ربه، وفيه تعلق لغيره، فالخير كل الخير في مفارقة الغير فافهم، وكان يقول: جميع الأعمال إنما شرعت تذكرة بمشرعها كي لا ينسوه، ولا يصبوا إلى غيره " أقم الصلاة لذكري " فافهم.
وكان يقول: الخليفة في كل دائرة هو من أتم القيام فيها بحسن نظام العبودية معترفا أنه العبد مع كمال القيام بنظام الربوبية معترفا أن كل ما جاء به من ذلك فهو لربه ولربه الحمد فافهم، وكان يقول: إذا أردت ثبات الإخوان على محبتك القاصي منهم، والداني، وأن يثنوا عليك بكل لسان فقابلهم بالحلم، والغفران، وتأمل قوله تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا " فاطر: 41 " فأخبرك أنه ليس بعد الحليم الغفور من يمسكهما فافهم، وكان يقول: متى شغل الإنسان قلبه بالأكوان عن ربه الرحمن ذل، وهان وذلك لأنه جعل نفسه عبد عبده. ومن شغل قلبه بالرحمن عز لأنه رد نفسه إلى غايته، ومجده " خلقت كل شيء من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما خلق لك عما خلقت من أجله " ألا ترى أن الرجل الكبير القدر من أمير، أو وزير متى شغل نفسه بحب امرأة ينكحها، أو بهيمة يخدمها امتهنته القلوب بعقولها، وإن عظموه في الظاهر رغبا أو رهبا، والرجل، ولو كان شحاتا متى شغل قلبه بربه الحق عظمته القلوب بعقولها، وإن أعرضت عنه لهوا أو تكبرا فافهم، وكان يقول: إنما قال تعالى: " إني جاعل في الأرض خليفة " " البقرة: 30 " وعده بأن يجعله خليفة في الأرض للملأ الأدنى لأنه كان يومئذ خليفة في السماء للملأ الأعلى حيث خروا له ساجدين فافهم، وكان يقول: أكمل المظاهر في كل زمان هو الذي يظهر بكشفه، وبيانه لأهل زمانه ما لم يكونوا يحتسبون من الله وهو غيب الله الذي لا يطلع عليه إلا من ارتضي، وكان يقول: إذا اشتغل البدن بهم الرزق مع راحة القلب من الالتفات إليه كان ذلك تعبا فيما لا حاجة إليه، ومتى تفرغ البدن من همه مع شغل القلب به كان ذلك عذابا بحب ما لا يحصل فكلاهما عذاب فافهم، وكان يقول: الكامل من يهضم نفسه حتى يزكيه ربه فاحذر أن تتبع من قال: بلسان خلق " أنا ربكم الأعلى " فيأخذك الله نكال الآخرة، والأولى " فمثله كمثل الكلب " واتبع من قال: " رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير - وأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى " فافهم قلت معنى حتى يزكيه ربه أي ينزل في قلوب عباده تعظيمة، ويطلق ألسنتهم بحسن محامده أولا فالحي قد انقطع، وما بقي إلا الإلهام الصحيح، وهو أعز من الكبريت الأحمر، والله أعلم، وكان يقول: من أراد أن يخلد الله عليه ما خلعه من المحامد فليضفها إلى ربه، ويحمده بها فإذا أنس من قلبه علما قال: ربي هو العليم أو قدرة قال: ربي هو القدير، وهكذا كل المعاني فافهم، وكان يقول: أيما فهم استخرج مما أغفله الناس، واتخذوه لهوا حكمة، وإرشادا فقد غاص في بحر الظلمات فأخرج منه الجواهر المنيرة فهو في حقه بحر النور فافهم، وكان يقول: المعاني في جواهر أصداف قوالبها فجواهر قوم أصداف قوم آخرين فافهم " وفوق كل ذي علم عليم " " يوسف: 76 ".
وكان يقول: إذا ذكرت ذنوبك فلا تقل عليها لا حول، ولا قوة إلا بالله، ولكن قل رب إني ظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم فافهم، وكان يقول: من تجمل بصحبة المعرضين عن ربه فقد نادى على نفسه بأنه ممن أهانه الله " ومن يهن الله فما له من مكرم " " الحج: 18 " فافهم " فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا " " النجم: 29 " وأقبل بكليتك علينا تغنم، والله أعلم، وكان يقول: كل ما أغفل قلبك عن ربك فهو عدو لربك فمن أعرض عنه، وتبرأ إلى الله منه، وتوجه بقلبه وجسده لربه فهو الأواه الحليم فافهم فانظر حالك، فإن صديق العدو عدو، ولا تصحب غير من يحبه ربك، وهو من يذكرك بربك، وكان يقول: ليس أبوك حقيقة إلا من تولدت صورة نفسك عن كشفه وبيانه حتى صارت عقلا بالفعل، وأما أبو جسمك فهو أبوك مجازا لأنك ما أنت هذا الجسم بك روحه فمتى أغفلك أبو جسمك عن أبي روحك، وجب عليك البراءة من أبي جسمك، ولا يحل لك أن تدعى غير أبيك الحقيقي فإن ذلك كفر بفاعله فافهم قال: الحق فيما وجد في قراءة ابن مسعود: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " وهو أب لهم بذلك بضمير الفصل، وتقديمه على أب أنهم لا أب لهم على الحقيقة إلا هو لموضع الدلالة على الاختصاص بذلك الضمير، وتخصيصه، وكذاك إن كنت متروحنا قد تجرد جوهر نفسك عن لبس الخلق الجديد قوله: " كل نسب منقطع إلا نسبي " والله أعلم وكان رضي الله عنه يقول: ما دام المريد تحت حكم أستاذه فترقيته دائمة فإن خرج عن حكمه اتكالا على ما حصل منه قولا وفعلا فهو كالحجر المرفوع إلى السماء ما دامت تلك القوة الرافعة مصاحبة له فهو متعال، ومتى فتر انحط إلى الأرض فكن تحت حكم أستاذك تغنم. وكان يقول: مهما أضمرته فني نفسك وكتمته عن الخلق في خاطرك ظهر يوم تتقلب القلوب، وتبلى السرائر، فافهم، واعمل أن لا يكون في سريرتك إلا الحق تغنم فافهم، والله أعلم وكان يقول: في قوله: " وجادلهم بالتي هي أحسن " " النحل: 125 " التي هي أحسن عبارة عما يحصل به التسليم للحق، والإذعان لحكمه فإن حصل ذلك بالاستدلال، والبحث فهي التي هي أحسن، وإن لم يحصل إلا بالترغيب فالترغيب إذن التي هي أحسن، وإن لم يحصل إلا بالترهيب فالترهيب فإذن هو التي هي أحسن فافهم، وكان يقول: مرشدك الذي يهديك الله به لما هو الأولى بك عند ربك هو حضرة ربك به تقول: وبه تفعل، ومهما دعتك نفسك إليك فلا تعجل به قبل معرفة رضاه به ومهما دعاك إليه فبادر إليه ولا تتوان فيه حتى ترضي به نفسك فإن فوزك في امتثال أمره لا في شهوتك، وكان يقول: ذوات الذوات وراء كل معلوم قلت: والمراد بذوات الذوات الروح الكلي الذي تفرعت منه سائر الأرواح فافهم وكان رضي الله عنه يقول: ألهمت إلها عام تسع، وتسعين، وسبعمائة ما صورته يا علي إنا اخترناك لنشر الأرواح من إلحاد أجسادها فإذا أمرناك بأمر فاستمع " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " إلى قوله تعالى: " والله ولي المتقين " وكان يقول: نواطق الأستاذين مطالع شموس حقائقهم، وقوابل علمائهم مرايا وجوه رقائقهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " أنلزمكموها وأنتم لها كارهون " " هود: 28 " الشأن السيادي لا يحصل لمن اشتهاه ولا يكره عليه من أباه فلازم الحب، والتمحيص، ومحبوبك، ولي الوهب، والتخصيص، وكان يقول: الرجال للمنن القدسية، والنساء للزين الحسية فأيما امرأة تعلقت همتها بالمنن صارت رجلا وأيما رجل تعلقت همته بالزين صار امرأة، وكان يقول: من صدق العلماء، والعارفين فهو الرجل، وإن كان أنثى، ومن كذبهم فهو من النساء وإن كان ذكرا، وذلك لأن العارفين بالله تعالى كلمة تامة صادقة، والعلماء بالله كتب جامعة فافهم، وكان يقول: لما كان من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يواجه أحدا بما يكره جازاه بأن ذكر أمته، ووعظهم بتنبيههم على ما فيهم من المعايب بذكر عيوب غيرهم من الأمم السابقة التي قص الله عليهم في القرآن لينزجروا، ويعتبروا بغيرهم بحسن عبارة، وكان يقول: العاقل لا يمدح نفسه بقالة ولا يذمها بحالة إلا لحكمة تنفي النقص عن
كماله فافهم، وكان يقول: لا تأمن المعتقد فيك، ولو أظهر لك من نفسه غاية السكون، فإنها إنما سكنت حيث عقلهم عقلها النظري بعقال ظني شده من لحى عوارض الأحوال، والأعمال، والأقوال، والظنون تتناسخ، والأعراض لا تبقى فكأنك بالعقال، وقد انحل أو تمزق ورجع المعقول إلى توحشه، وإفساده، والمحب من النار في قرار البحار ما يريد إلا ما تريد شغله ذاتك وإن تلونت صفاتك، وكان يقول: المحب كإنسان العين صغير، وجوده كبير شهوده إلا أنه لا يتأثر لعارض، ولا تضعف شهوده العوارض فبهذا تميز عن الباصر، وعز عن الناظرة وكان رضي الله عنه يقول: المحبون قليلون، والمعتقدون كثيرون، وما قل، ونفع خير مما كثر وألهى، باللهو ضررا، وكان يقول: من ظن أنه حصل على المراد بالاعتقاد فذلك الذي ضل بالله عن الله في كل واد " عاصم ومن يضلل الله فما له من " " غافر: 33 " ومن علم أنه ليس إلا بالله إلى الله يصل فهذا الذي هيهات أن يقف أو يصل " ومن يهد الله فما له من مضل " " الزمر: 37 ". وكان يقول: إذا عرف الواجد للحق من حيث هو واحد للحق فهو وجه الحق الذي واجهك به فالزم طاعته، وكن من الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه، وله يسجدون، وكان رضي الله عنه يقول: إذا انصبغت عندك الأشياء كلها بالحكمة التي لم ترها إلا محامد وسبحات بحمد الكريم المنعم بها فالنفس الخارج من الحبر قائل سبحان المنعم بالفرج، والراحة، وأطال في ذلك، وكان يقول: ينبغي للملك التغافل عمن أتى ما يغضبه مستترا عنه، وينبغي عقوبة من أتى ذلك مجاهرة له في حضرته حيث ينخرم النظام بإهماله فافهم. واحذر مظاهرة الحق تخدم فعلم أن مخالفة الحق على المشاهدة توجب العقوبة في الوقت قال تعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " وإلى ذلك الإشارة لعن إبليس على سجدة واحدة تركها بعد أمره بها في حضرة المعاينة، وكم ترك غيره صلوات كثيرة لكن على حجاب وجهل فأمهل، ولم يعاجل فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " إني ذاهب إلى ربي " " الصافات: 99 " أي إني عدم في وجود ربي لا حول لي، ولا قدرة إنما أمري كله لربي فافهم فما ثم إلا الله في الحقيقة فمتى ملأك به أوجدك كل شيء وكان رضي الله عنه يقول: لا يفاتح الرب عباده إلا بما خبأه عن عقولهم مداركهم فما فاتحه لهم ذكر " فذكر إنما أنت مذكر ". وكان يقول: ما تعين الحق المبين بعينه المخصوص الناطقي الزماني في زمان قط إلا قال: ملائكة المدارك النظرية فيه " أتجعل فيها من " ولا يزالون كذلك إلى أن يتنزل برهبوته وبسط يد سلطان جبروته، ومكنه إدخال ممالكهم تحت ملوكته فهناك يقعوا له ساجدين، ويصير عدوه شيطان الوهم البهيم مستمرا على عدواته لأنه يحاول إخراج كل حاكم دونه عن حكمه، وقد ظهر لشعار ذلك ورقة فقال: " ما جاء أحد بما جاء به محمد إلا عودي ".
وقال آخر " وكذلك الأنبياء تبتلى وتكون لهم العاقبة فاصبروا واعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره " أي يظهر ويتجلى بأمره فافهم، وكان يقول: إن خالقك شخص بأخلاق البهائم فخالقه أنت بأخلاف الأركام فكل يعمل على شاكلته التي هي جزاؤه فافهم، وكان يقول: فضل مرشدك إلى الله على كل ما ترجوه من إمداده كفضل الله على عباده فافهم فإن مرشدك إلى الحق هو عين الحق التي ينظر بها إليك، ووجهه الذي يقبل به عليك، فاعرف، والزم وانظر ماذا ترى فافهم، وكان يقول: لا تطلب أن يحصر مرشدك إلى الحق في حدودك فإنك إن لم تعرف أنه محيط بك فإنك تعرف أنه أكبر منك قياما، وأوسع منك مقاما، وكيف ينحصر الأكبر الأوسع فيما دونه حسبك أن يغلب حكمه عليك عينا، وأثرا بحسب استعدادك فافهم وكان يقول: لا يخلو مخلوق من محبة الحق لعلة، وصدق المحبة فوق العلل فافهم، فلذلك كان لا يجد صدق المحبة للحق الأحق، وإذا وجدها لا يفقدها أبدا لا تبديل لكلمات الله فافهم، وكان يقول: ألسنة المحبة أعجمية على غير أهلها، وهي لأهلها لسان عربي مبين فافهم، وكان يقول: لا يصح تجردك عن نفس خلقك ما بقي لك شغل شاغل بمحبة مخلوق عن حقك فافهم، وكان يقول: دع الدنيا للغافلين، والبرزخ للجائزين، والجحيم للشياطين، والجنة للجان، وقل يا عباد الديان " سلام قولا من رب رحيم " " يس: 58 " وكان يقول: من تنبه لنقصه لم يقنع بالقال عن الحال، وكان رضي الله عنه يقول: إن التفت يمينا حجبتك الأنوار وإن التفت شمالا حجبتك شعب النار، وإن لم تلتفت وجدت حبيبك بلا حجاب، وكل حجاب عن الحبيب عذاب " ربنا اكشف عنا العذاب " " الدخان: 12 " فافهم، وكان يقول: ما دمت بين أضداد فأنت في غلبة فإذا خلصت لما لا ضد له استرحت من هذه الغلبة فافهم، وكان يقول: لا يظفر بأستاذ إلا مخصوص عند الله لأنه يوصلك إلى الله فسلم له إن وجدته تسلم، وتغنم، وكان يقول: أستاذك بالنسبة إليك هو فضل الله عليك، ورحمته بك فتحققك به خير من جميع ما استفدته " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " " يونس: 58 " فافهم، وكان يقول: القلب بيت الرب عمارته وجد ساكنه وساكنه روحه، ولا يملك الكعبة، ولا يملكها مخلوق، وأنها تتردد إليها الملائكة، ويدخلونها من حيث لا يشعر البشر مثلا من ذلك أجعلتم سقاية الحاج إلى قوله: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله يأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون " " التوبة: 20 " فلم يجبهم مال ولا نفس " أعظم درجة عند الله أولئك هم الفائزون " بربهم فافهم، وكان يقول: من رأيته على عظم مرتبته، وعلو قدره عندك يتواضع لعظمة الله، ويتصاغر من خشيته علما، وحكمة فالزم قدمه فإنه الذي ينفخ الأنوار النورانية في صور صورك وسلام على إسرافيل، وما أدراك ما إسرافيل: " والسلام على من اتبع الهدى " " طه: 47 " فافهم، وكان يقول: أثبت تنبت فما نبتت شجرة قط قطعت زمانها في التنقل من مغرس إلى مغرس فافهم، وكان يقول: لولا تناهت صورة ما لا يتناهى في الإدراك ما أحاط بها الفهم فافهم، وكان يقول: إن أردت التحقق بالأحد فتهيأ لفناء مراتبك الخارجية كلها، وإن من دون ذلك أهوالا " وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " " فصلت: 35 " وكان يقول كن في مرتبة تحقيق ما في مرتبة تصديق واحذر ما دونهما خير من طريق فافهم، وكان يقول: في حديث إن الله يقول: لقوم يوم قيامتهم أنا اليوم رسول نفسي إليكم فهو إلههم بالإلهية، وهو رسولهم برسليته ومن كشف عن ساق إدراكه حجاب، وهمه البشرى لم ير الأمر إلا كذلك في كل مقام بحسبه فافهم وكان يقول: الصلاة من أذانها إلى سلامها صورة حال المريد من دعائه عن حجبه إلى رجوعه بربه إلى حجبه فافهم، التكبير صورة الإخلاص.
وهو مفتاح حرم المناجي فافهم " ومن شكر فإنما يشكر لنفسه " " النمل: 40 " ومن ثم افتتحت الصلاة بحمد الرب نفسه على لسان عبده فإذا أحبه فكان لسانه سقطت الوسائط فافهم، ولما رجع حجاب المناجي رأى قيومية الرب بعبده فكبرها عن المماثلة بقيومية العبد، فركع تعظيما فكان ركوعه مظهر عظمة القيوم ثم قام فجدد الفاتحة بالحمد وهو كليم وربه سميع فلم يلبث أن أدركته الغيرة فأفنت بقية حجابية قيامه فسجد مسبحا لأعلوية من تفرد بالقيومية حيث لا يشهد سواه فكان سجوده مظهرا علوية ربه في أقربيته، وقام فتمكن متحققا بربه، وأخذ يرجع به إلى حجبه فأثبت أنه مسلوب المغايرة في قيامه وسلامه فقال التحيات لله، وهي التسليمات التي يبدأ بها الداخل في حضراته التي رجع إليها ثم دخل حضرته النفسانية الجامعة لكل الصور فقال السلام عليك، ورحمة الله، وبركاته السلام علينا، وعلى عباد الله يعني لكل عبد صالح فمن هو إذن، ومن النبي في شهوده فانظر ماذا ترى، وكيف اختصر لك في الصلاة مشهد الإسراء فافهم فإن العارف عين معروفه، والمحقق حقيقة ما حققه " والله بكل شيء عليم " وكان يقول ما حققت دائرة الخلق إلا لتعرف الحق بتفصيل أسمائه، وصفاته في مظاهر آثاره " كنت كنزا لا أعرفي فخلقت خلقا وتعرفت إليهم فبي عرفوني " ومصداق ذلك " وما خلقت الجن والآنس إلا ليعبدون " أي ليعرفون فكل من كان أعرف بحال الآثار كان أعرف بمظاهر الأسماء، والصفات، وكل من كان أعرف بمظاهر المسمى الموصوف كان أعرف بحقائق تلك المظاهر على قدر معرفته بالحقائق الظاهرة وكان رضي الله عنه يقول: كل نفس كلمة بالنسبة إلى جسمها، وكل عقل كلمة بالنسب إلى ذاته وكل معنى كلمة بالنسبة إلى عينه: " وكلمة الله هي العليا " فلكل مقام مقال، ولكل مجال رجال فافهم وكان يقول: من قتل نفسه الردية بالتجرد عنها أبدل مكانها نفسا زكية فإن قتل نفسه الزكية بتجريدها عن الدعوى بل عن شهود التنويه في الأمر لها مع الله تعالى، فإذا تجرد عن ذلك فقد تقرب العبد حينئذ إلى الله بنافلته، فأحبه فكان له بروحه مكان آنيته التي تجرد عنها بشهود وحدة هويته، وتلك الروح خير من تلك النفس الزكية زكاة، وأقرب رحما فافهم وكان رضي الله عنه يقول: مهما تحققه المحقق عندك، فاعلم أن ذلك تجل من تجلياته، وأن الذي تعين به من ذلك في إدراكك تمثل من تمثلاته وذلك المحقق هو أجل أو من أجل حقائق وجودك الذي قام بها في شهودك فافهم فإن المريد عين من عيون أستاذه بالنسبة إلى أستاذه، والأستاذ حقيقة وجود المريد بالنسبة إلى المريد والوجود في الكل واحد محيط، ولذلك يتحقق المريد بأستاذه في معاني الكمال وجودا، ويتحقق الأستاذ بمريده في مدارك المتعرفين شهودا. ومن ثم قال: السيد الكامل لمريده الكامل: أنت مني وأنا منك يا علي فافهم.
وكان يقول: من كان لا يرى من أستاذه إلا وجه البشرية فلا يزيده ما كشف له من الحق المبين إلا إعراضا، وتكذيبا، ونفورا، ومن ثم لا تجد محققا يظهر لقوم إلا من حيث يشهدونه، وما دام في ظهور المماثلة لهم لا يكلمهم إلا بلسانهم، ولا يزنهم إلا بكيلهم وميزانهم ومن ثم قال: النبي لعموم أصحابه: " لا تفضلوني على موسى " ثم بعد مفارقته لبشريته قال: لسان خواص أصحابه إنه أفضل من جميع المرسلين، والملائكة المقربين فقبل ذلك منه ببشاشة، وتصديق خالص من لو قال: له ذلك وهو في بشريته لارتاب، وهكذا كل ولي في حال ظهوره بشرا لا يقبل منه أكثر كشفه الصادق، ويقبل ذلك منه إذا تجرد عن بشريته، وألقاه على لسان صديقه فيقبل من المحبين في محبوبهم ما لا يقبل من المحبوب عن نفسه عند أهل حجاب المماثلة فافهم، وكان يقول: إن قال: لك قائل ما الذات فقل له: الذات، والوجود بديهيان فلا يسئل عنهما بما، ولا يطلبان بالتحديد فإن قال: أريد التنبيه فقل له: الذات ما به قيام كل حاكم، وحكم، ومحكوم فمهما أدركته من هذا فهو مما قام بالذات لا الذات فقد نبهتك على عجزك فإن قال: بين لي ما هو البديهي فقل له: الذات بما هو الذات كما قد سمعت معجوز عنه. وهو بديهي، وليس ذلك إلا من جهة لا من جهات لأنه المقتضى لذاته أن يقضي، وما ثم إلا هو فيقضي بنفسه لنفسه، وعليها قضايا لا تتناهى لوجوب قضائه له بذلك وذلك على الطريقة التي يسميها علماء البيان تجريدا بيانيا فأنت إذا تجردت نفسك من نفسك طالبا ومطلوبا، وطلبا وذاكرا لذلك لا يمكنك تشابه، وناسيا له لا يتأتى منك ذكره ألست يقوم عندك بهذه الأحكام صور متقابلة لا يشغلك شيء منها عن شي فأنت حقيقتها جميعا، وليست هي زائدة عليك بالحقيقة، وهي أغيارك، ومتغايرك هي في نفسها حكما، ومعاملة فهكذا فافهم هذا فالذات من هذه الحقيقة القضائية تسمى الذات الوجود، وتسمى القضايا موجودات، ومراتب الوجود ثم الموجود جهات جهة ما هو الوجود مطلقا، وعلمه اللفظي العربي من هذه الحيثية هو وجهه، وما هو الوجود المجرد عن كل ما يحكم بزيادته عليه واسمه العلم هنا هو هو وجهه ما هو الوجود المحيط تعينا بكل موجود فهو ذات كل موجود، وكل موجود صفته، وتعينه، واسمه العلم الجلالة الغير المشتقة من شيء أصلا " الله " وأطال في ذلك بما لا تسعه العقول السليمة فضلا عن غيرها، والله أعلم، وكان يقول: في قوله تعالى: " فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين " " المائدة: 13 " وإذا أحبهم فيكونهم في مدارك المدركين فإذا أحببته كنته وقس على هذا فافهم انظر كيف لا يعبدون قالا، إلا من قام لهم بما يشتهون حالا فافهم ما منك إلا إليك ولا إليك إلا، ومنك " إن لكم لما تحكمون " وكان يقول: الجود سعة العطاء، والهبة إثبات العطية، وإتمامها على من أعطيها، والسماحة سهولة العطاء، والسخاء إعطاء المحتاج لتفريج ما به من العطية فافهم، وكان يقول: لما كان الوجود في دائرة الدلالة يظهر بموجوده سمى الموجود مظهرا، والوجود ظاهرا به في كل مقام بحسبه من هذه الدائرة، وكان يقول: لا يظهر لك الوجود حيث ظهر، وكيف ظهر، ومهما ظهر إلا من حيث هو وجود، وأنت لا تدرك ذلك، ولا شيئا منه إلا بأنه وجودك المدرك لذلك بإدراكه من حيث إنه وجودك المدرك ما ثم شيء خلاف هذا " ألا إنه بكل شيء محيط " فافهم، وكان يقول: لما كان الحق تعالى لا يغفر أن يشرك به فكذلك مظاهره لا يغفرون أن يشرك بهم لأنه حقيقتهم الظاهرة المتمثلة بهم فهوهم، وهو قواهم، وأمورهم كلها أموره فإذا رأيت أحدا منهم يكره ممن يتعين عليه حبه وتعظيمه أن يحب سواه، ويعظمه كحبه، وتعظيمه فاعلم أن ذلك شأن الله الذي لا يغفر أن يشرك به ظهر به مظهره فافهم، واعرف والزم وكان يقول: في قوله صلى الله عليه وسلم: " من اعترف بذنبا ثم تاب تاب الله عليه " أي لأن إنكار الذنب، والاعتذار عنه بالكذب تزكية للنفس المذنبة وشهادة زور، وتجهيل للمنكر منه المتعذر
عنده " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم " " فصلت: 23 " انظر كيف كذبوا على أنفسهم. وهذا شيء نجده من نفوسنا أن المذنب إذا اعترف، وخضع رقيت له، وكرهت عقوبته، وتوبيخه بعد ذلك " قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم " والعكس بالعكس فافهم، وكان يقول: من ادعى له ملكا دون سيده في شيء من الأمور فقد خان وافترى، وكان عليه فتنة، ومن اعترف بأن ما في يده لسيده جعله عاملا فيه فلا يستكثر عليه ما يكثر إلا جاهل وإنما الإنكار موضع الفتنة، والاستدراج على من زعم أن ما في يده له. وتأمل قوله: صلى الله عليه وسلم: " أعطيت مفاتيح خزائن الأرض " فكان يعلم أن العبد كلما كثر ما في يده كثر فضله واتسع على غيره، وكثر فضل الله عليه فافهم فإضافة الأموال إلى العبد كإضافة الإقليم إلى العامل عليه والله أعلم، وقال في قوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم " أي لأنهم مع اعترافهم بأنه الله وصفوه بالنبوة لمريم، ولأنهم وصفوه بالله في الزمن القديم الذي ليس هو موصوفهم فيه فإن موصوفه بوصف الحق المبين من حيث وجهه المحمدي، ولا يسمى في كل زمن إلا موصوفه من الوجه الذي ظهر به منه سيما، وهذا الوجه المحيط بجميع الوجوه العينية الإلهية الفرقانية عيسى، وسواه ولأنهم وصفوه بالله، ولم يقوموا بمقتضى الإيمان بقوله: " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " " الصف: 6 " وقوله: " اعبدوا الله ربي وربكم " يعني الظاهر بوجه المحمدي فافهم، وأطال في ذلك، وكان يقول: لما كان الروح الخضري مشوبا رحمانيا رحيما من سريان سر الأحدية في دائرته، ومقامه بحسب مرتبته قال: لذي النسبة الربانية الإلهية في زمنه " إنك لن تستطيع معي صبرا " الكهف: 67 " كقوله: بلسان حقيقته " لن تراني " فإنه منه، لقاليه مأثم إلا هذا فافهم كيف يستطيع الصبر ذو مقام معلوم لا يعرف، ولا يألف سواه، وما ناسبه مع من لا مقام له فهو كل آن في شأن ألا ترى أن الذي لا يعهد له في النفس روعة فإذا ألف، واعتيد زالت فافهم، وكان يقول: ما دامت الملوك مطيعة للأولياء الذين هم العلماء بالحق، وأمرهم بينهم نافذ قائم فأمرهم فالح ونظامهم صالح، ونورهم واضح، ومتى انعكس الأمر انتكسوا لأن الأولياء هم ورثة الأنبياء على التحقيق، وأما حملة العلم المولدون للمسائل على وفق الأغراض، واتباع الأهواء فليسوا من هذا الأمر في شيء وإنما هم كما وصف الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، فالصواب الانتفاع بمحمولهم من غير تحكيم لهم، ولا رجوع لرأيهم، ولا تمكين لهم من تصرف إذ الحمار للحمل وللانتفاع لا لأن يحكم أو يسمع له، أو يطاع فافهم. قلت: ولعل مراد الشيخ قوما ينتصرون لأهوائهم بالباطل كالواضعين للحديث ترويجا لبدعهم وليس المراد بهم هؤلاء العلماء الذين نصبهم الله تعالى لإقامة الشريعة والله أعلم، وكان يقول: أئمة الهدى في الحقيقة أرواح مقدسون يتحولون في بشرياتهم فمن نظر إلى ظاهرهم تحير، ومن نظر إلى نور بواطنهم تبصر، والله أعلم.
وكان يقول: ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في كل زمان هم أنوار أزمنتهم سراجيتهم المقتبسة بالتخصيص لهم من سراجية المشار إليه بقوله: " وسراجا منيرا " فما داموا ناطقين ظاهرين فالنور ظاهر شائع، والأبصار مدركة، والفرق واضح بين المفاسد، والمصالح، ومتى سكتوا عن بيان الحق تلفوا، وتحيروا واختلفوا فلا تقابل سراج زمانك بالأهواء، وارع له حقه تدم لك الأضواء فافهم، وكان يقول: من شرط إمام الهدى أن يهاجر بهمته عما تشتهي الأنفس البشرية ألا ترى إلى آدم عليه السلام ما أعطى الخلافة إلا لما هاجر من الجنة، وما فيها من شهوات النفوس إلى الأرض وهكذا كل من أريد لحق فإنه لا يقوم به حتى يخرج، ويهاجر بهمته عما يشغل عنه " فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله " " النساء: 89 " فافهم وكان يقول: إذا قال الجمهور عن عارف لم لا يظهر معارفه العزيز الإلهية إلا في مقام خاص بين قوم خاصين، ولم لا يظهرها للناس، ويتكلم بها على الجمهور إن كانت حقا كما يزعم فقل لهم افهموا هذا المثال الدنيا غابة، والنفوس المحجوبة عن حقائق الحق المبين فيها سباع، ووحوش كواسر، وصاحب القلب السليم أو السميع الشهيد بينهم كإنسان دخل ليلا في تلك الغابة، وهو حسن الكلام، والقراءة، والصوت. فلما أحس بما فيها من السباع، والوحوش آوى إلى شجرة يختفي فيها منهم، ولم يجهر بالقرآن يتغنى به هناك حذرا منهم فهل يدل اختفاؤه عنهم على أنه حكيم أو على أنه غير إنسان لا والله لأنه لو تراءى
لهم أو أسمعهم صوته، وقراءته لم يهتدوا به، ولم يفهموا عنه، وسارعوا إلى تمزيقه، وأكله وكان هو الملقى بيده إلى التهلكة فافهم هذا المثال، وقل للمعترض المذكور قد قال الله تعالى، لمحمد صلى الله عليه وسلم " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها " فأمره أن لا يجهر بالقرآن بحيث يسمعه الجهلة المنكرون فيسبون بجهلهم، ولا يخفيه عمن يؤمن به فهل يدل إخفاء النبي صلى الله عليه وسلم قراءته عن الجاهلين المنكرين على بطلان قراءته أو يقدح في حقيقته ثم إذا تهيأ لهذا العارف أسباب إظهار أمره بما ينقهر له المنكرون، ويقرون له طوعا أو كرها، فحينئذ يظهر عرفانه في الملأ اتباعا، واقتداء بإظهار القرآن عند تهيؤ أسباب إظهاره بكثرة أنصاره، وتمكينه كما أن الإنسان لا ينبغي له مقابلة السباع، والظهور لهم حتى يتهأ له أسباب القهر لهم من قوة مكة، وأنصار فإن قال: المعترض فلم لا يترك هذا المعارف إظهار معارفه، ويدخل فيما فيه الجمهور حتى يتمكن، ويقوى فيكون أسلم له فقل له: إن ورثة النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالفون أمره لأن نوره إمام نفوسهم فحيث سلك سلكوا، فكما أخفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معه من الحق، وكتمه عن الجهلة المنكرين حتى أتاه أمر الله تعالى بإظهار ما معه، فكذلك ورثته، وقل للمعترض أيضا أرأيت لو أنكر المجانين على رجل عاقل مخالفته لأمرهم أينبغي له أن يوافقهم على جنونهم فيتجنن مثلهم، ويذهب نور عقله حتى يألفوه، وهو يمكنه الفرار منهم بعقله، وقل له: أيضا أرأيت الإنسان الكائن بين الكلاب الضواري إذا لم يرضوه بينهم حتى يمشي مثلهم مكبا على وجهه ويعوي كعيهم أينبغي له أن يفعل ذلك ليقيم بينهم، ويألفوه، وهو يمكنه الفرار عنهم، والحذر منهم مع بقائه على طريقته الإنسانية لا، والله لا ينبغي للقادر على الخير أن ينسلخ منه ليرضى أهل الشر ويقيم معهم " والله ورسوكم أحق أن يرضوه " " التوبة: 62 " إن كانوا مؤمنين إلى آخر النسق، فنعوذ بالله أن نرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، فافهموا أيها المريدون، ولا يستخفنكم الذين لا يوقنون، وإياكم أن يلبسوا عليكم دينكم بجدالهم في الحق بعد ما تبين، ومن عرف الحق فيلزم، والله أعلم، وكان رضي الله عنه يقول: أقل حال المريد مع أستاذه في حياته أن يكون لأستاذه كالأم لواحدها يؤثره بالراحات، ويحمل عنه المشقات، ويحبه على جميع أحواله، وهكذا يكون الأستاذ لمريده في معنوياته فافهم، فإن إمام هدايتك يهتم بأمرك عند ربك أكثر من اهتمامه بنفسه فهل يرحمك هكذا أب أو مألوف سواه، وتأمل في قول موسى عليه السلام عن عصاه " وأهش بها على غنمي " " طه: 18 " يقل أخبط بها حاجتي من الثمر، وإنما فكر أمر رعيته ذكر شكر في حضرة النعم، وما قال: " أتوكأ عليها " إلا إظهارا للضعف، والعجز فافهم " هدى ورحمة للمحسنين " " لقمان: 3 " إنما أجمل ماله فيها من المآرب كي لا تحصرها مرتبة عددية فيكون إمدادها محصورا، فهكذا إذا لم يعد ذلك أستاذك خدمك، فاعلم أنه أراد أن يجبرك من كسر نقص الحصر إلى كمال الإطلاق " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " " الزمر: 10 " فتأمل ذلك وكان يقول: الحق هو الوجود الثابت على مرتبته، والحقائق لا تنقلب فكلها حق حتى الباطل في أنه باطل هو حق " ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن " " لقمان: 30 " الآية فافهم، وكان يقول: المقصود الخلوص من حكم الحجاب لا من صورته ألا ترى الزجاجة، وسائر الأجسام الشفافة كيف هي صورة حجاب يمنعها وصول الأجسام إلى ما في باطنها وليس لها حكم الحجاب بالنسبة إلى ظهور الضوء المختزن فيها، ونفوذ البصر إلى ما في باطنها، وانظر إلى قوله عليه السلام " فرفع لي كل حجاب " أي خلصت من منع كل مانع وصورته إلا حجاب العزة التي تلي الرحمن، وهو مظهر حكم العبودية قال: في الحديث " فخرج ملك من الحجاب فقال الله أكبر الله أكبر فقال من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر " فانظر كيف حصل في صورة الحجاب، ورفع عنه حكمه حتى عرف المتكلم من وراء الحجاب فبحق قال: " وما صاحبكم بمجنون " أي ما هو بمجنون والله أعلم.
وكان يقول: في حديث خزائن الله في الكلام ليس في الكلام إلا المعاني التي يأخذ منها كل فهم بوسعه، ويلهم الحق منها كل مدرك ما يناسب استعداده، وانظر إلى صواحب زليخا كيف قالوا في يوسف " ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم "، وأما الأغيار، فلم يروه إلا فتى زليخا وأما زليخا، فما ظهر لها عند مشاهدته إلا الحق فقالت " العزيز الآن حصحص " " يوسف: 51 " أي ظهر، وتجلى لها عين معنى قول الملائكة لجده إبراهيم عن جده إسحاق " بشرناك بالحق " بعد ما سموه غلاما عليما، والولد سر أبيه، وهذا هو المراد بإتمام النعمة عليه، وعلى آل يعقوب ثم إنه عرفه أن الربوبية له من دائرة العليم الحكيم فقال: " إن ربك عليم حكيم " فافهم، وكان يقول: يوم من أيام الأستاذ عند ربه كألف سنة مما يعد المريدون عند ربهم، وكان يقول: أنوار المريدين رقائق أنوار أستاذهم وأنوار الأستاذين حقائق أنوار مريديهم فكما أنه ليس في مرآة البحر إلا الشمس فيضيء الليل كله كذلك ليس في المريد الكامل إلا أستاذه، فيفيده المدد القبولي كله فافهم واعرف والزم تغنم، وكان يقول: أدنى التقوى الاحتجاب بالحسنات عن السيئات، وأعلاها الاحتجاب بالحق تعالى عن الخلق، وغايتها الوافية الاحتجاب بشهود الله الأحد عن رؤية سواه فافهم، وكان يقول: في حديث " إن الله خلق الأجسام في ظلمة ثم رش عليهم من نوره " معنى كون الأجسام في ظلمة أنها مراتب إيهام، وإبهام نشأ بها من حيث جرمها الوهم البهيم، والنور المرشوش عليها هو الروح، فمثال الأجسام على الأرواح المرشوشة فيها من نور الله كنقاب أسود مغبر على وجه مبهج أقمر فمن لم ير من ذلك الوجه إلا نقابه لم يبتهج، ولم يجد سرورا، وكذلك أولياء الله تعالى من رأى أجسامهم لم يبتهج بهم بل لم تزده تلك الرؤية إلا غفلة، واستغراقا في سوء الظنون بهم، وقلة الأدب معهم، وما ذاك إلا أنه حجب برؤية الحجاب عن رؤية الأحباب، وأطال في ذلك، وكان يقول: إذا وجدت من كمالاتك في نظامه ووسائلها من حكمه، وأحكامه، فاعلم أنه مولاك، ومريبك بوجوده، وأستاذك، وإمامك، ووليك بموجوده فمن أي الجهتين شهدته فعامله على شاكلة شهودك، ولكل مقام مقال، وكان يقول، إذا تجلى سر الوجود بمخصوص في زمان فقام به نادى منادي تخصيصه في ملأ الأرواح، والمعاني: " إن لله تعالى قد بني لكم بيتا فحجوه "، فتأتي وفود المعاني، والأرواح إلى ذلك الناطق من كل فج قريب، وعميق ليشهدوا منافع لهم بالتكميل بين يديه. ويذكروا اسم الله الذي يلقيه إليهم زيادة إلهية على ما رزقهم قبل ذلك وأطال في ذلك، وكان يقول: جميع ما تراه من المحقق راجع إليك فمن رآه زنديقا فذلك الرائي هو الذي سبق له في الغيب الأزلي أنه زنديق لأن المحقق مرآة الوجود، وإن رأى أنه صديقا فهو الذي سبق له أنه صديق، وأما حقيقة ذلك المحقق فلا يراها إلا، وهو في كماله أو من هو محيط به فافهم واعرف الحق لأهله، واشهده في مظاهره، والزم القيام بحقه على قدر طاقتك تسلم، وتغنم والله تعالى أعلى، وأعلم وكان رضي الله عنه يقول: في قوله تعالى: " ما ودعك ربك وما قلى وللأخرة خير لك من الأولى " " الضحى: 3 و 4 " القلي البغض والتوديع البعد أي عدم قلاه لك خير لك من عدم توديعه لك فما ودعك ربك هي الأولى من هاتين الكلمتين، وما قلي هي الآخرى منهما.
وإنما كان كذلك لأن البعد مع المحبة، والرضا خير من القرب مع البغض، والغضب فافهم فمن جعل آخر أمره في كل حال خيرا له من أوله فهو محمدي له نصيب من كنز " وللآخرة خير لك من الأولى " " الضحى: 4 " وأطال في ذلك، وكان رضي الله عنه يقول: الذات شيء واحد لا كثرة فيه، ولا تعدد بالحقيقة، وإنما تعدد الذات باعتبار تعينها بالصفات تعددا اعتباريا فقط، والتعدد الاعتباري لا يقدح في الوحدة الحقيقية كفروع الشجرة بالنظر لأصلها فافهم، وكان يقول: في حديث " من أغبرت قدماه في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين عاما " يدخل فيه من مشى مع ولي لوجه الله تعالى، وابتغاء مرضاته فإن الله تعالى يبعد وجهه عن النار حقا فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " منكم من يريد الدنيا ومنكم تن يريد الآخرة " " آل عمران: 152 " أي ومنكم من يريدنا لا يريد سوانا. وفي الآية دليل على أن المؤمن قد يريد الدنيا، ولا يقدح ذلك في أصل إيمانه قال: وكل من كان طلبه النعيم الجثماني بعد الموت، فهو يريد الدنيا فأهل الله تعالى مجردون عن المقامين، فلم يريدوا الدنيا، ولا الآخرة لتعلق همتهم بلا أين، وما لا يقبل الشركة، والعين لا ينقسم إلى اثنين لأن الأحدية الفردية أمر ذاتي له لا قبله، ولا بعده، ولا معه عدد، وأطال في ذلك وكان رضي الله عنه يقول: كما أن للعبد من مولاه وجودا فكذلك للمولى من عبده شهود " أنت مني وأنا منك " فافهم، واعرف، والزم والله أعلم، وكان يقول: المراد من العبد ذله الذي يظهر به عن ربه، ولذلك أمر بالتعبد، فافهم فإذا فعلت ما يريده منك ربك فعل لك ربك ما تريده منه فاجعل مرادك منه هو " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " " الحجر: 99 " فافهم، وكان يقول: إذا بعت نفسك لمظهر من مظاهر الحق المبين الهادي، فلا تخف عنه شيئا من عيوبك فإن البائع إذا بين، وصدق بورك له في بيعه، وإذا كذب، وكتم محقت بركة بيعه، والمشتري إذا اشترى بعد بيان العيب لم يبق له أن يرد السلعة، وإذا اشترى من غير بيان كان له الرد، ومن ثم جاء في الخبر الصحيح " من اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه " فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: متى رأيت مظهرا من مظاهر الحق المبين في وصف من الأوصاف، فتوجه إليه بقلبك بوجه صدق، ومحبة، واجعل نفسك له عبدا خالصا لله، فإن لسان الحال منه ينادي على أسماء الأفهام في ذلك الوقت " قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " " المائدة: 119 " وحسب الذي صار عبد الله أن العبد من مولاه، وكفي من كان محبا لله أن المرء مع من أحب فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: في قوله عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه " أنت مني وأنا منك " أي أنت مني وجودا فإني أنا المتعين بك لنفسي، وأنا منك شهودا لأنك الذي توجدني عرفانا للمؤمنين المتعرفين، وبذلك حصلت بينهما الأخوة في إفادة كل منهما الآخر فقال له: " أنت أخي في الدنيا والآخرة " أي في زمن ختم النبوات، وفي زمن ختم الولايات، وكان يقول: عقل نفس المتعلم إنما هو تمثل عقل المعلم الفعال في تلك النفس عند ملاحظة مفيد، ومستفيد، وكان يقول: لسان حال كل أستاذ ناطق بالحق المبين يقول: لكل مريد صادق تقرب إلي حتى أحبك، فإذا أحببتك رأيتك أهلالي فظهرت فيك بما أنت مستعد له فافهم، وكان يقول: ما وجود المريد الصادق الذي هو به حق إلا عند أستاذه الناطق بالحق المبين، فإن تحقق المريد بأستاذه كان حقا، وإلا فلا يزال خلقا فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: وهو في عام أربع، وثمانمائة لم أجد إلى الآن مريدا صادقا يتقرب إلى حقيقة حقه عندي بالنوافل حتى أحبه، ولو وجدته لوافيته بحقه فأحببته فكنت هو فكيف بمريدي على المطابقة والتمام.
وكان رضي الله عنه يقول: في حديث " أبو بكر مني بمنزلة السمع وعمر بمنزلة البصر " وبايع عن عثمان رضي الله عنه بيعة الرضوان بيده الكريمة، وقال: اللهم هذه يد عثمان فعثمان منه بمنزلة اليد، وقال: لا يبلغ عني إلا أنا أو علي فعلي لسانه، واللسان أخص المراتب بالناطق فلذلك قال: علي رضي الله عنه أنا الصديق الأكبر يعني للحق المحمدي الصادق عليه لا يقولها بعدي إلا كاذب، ولما كان اللسان باب مدينة روح الكشف. والبيان جاء في الخبر: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وهذا الخبر وإن كان في سنده مقال فإن شاهد الحال يشهد به، وهو الثقة الأمين، فافهم، وقال: في قوله: " ونحفظ أخانا ونزداد " " يوسف: 65 " إذا وجدت أخا في الحق فاحفظه تزدد به ممن آخيته من أجله، فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا جنت إلى أئمة الهدى، فلا تأتهم إلا لتهدي بهم، ولا يحصل ذلك إلا أن ترى نفسك على غواية، وأنت مضطر إلى كشف غمتها بنور روح الهداية " أمن يجيب المضطر إذا دعاه " " النمل: 62 ". وكان يقول: من قام به روح العليم الحكيم تمام القيام، فهو آدم عباد الله تعالى في زمانه فيجب عليه القيام بمصالحهم كما يجب للأولاد على أبيهم، ومن ثم لم يسع الأقطاب، وأئمة الهدى أن يعتزلوا الناس، ويقطعوا عنهم مدد رحمتهم ورشد حكمتهم، فحاشا مثلهم أن يضع من يقول: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " " البقرة: 233 " ولولا أوجبت لهم الرحمة ذلك، وإلا فلم صبروا على ما كذبوا، وأوذوا ولكن كتب ربكم على نفسه الرحمة فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: لو لم يصر صدر أبي بكر من رق، وهمه عتيق لم يسع ما صبه الصدر المحمدي فيه من التحقيق، وهذا أصل تسميته عتيق فافهم، وكان يقول: من أراد أن يظهر في هذا الوجود دون سيده، فجزاؤه الخفاء عكس ما قصدوا من طلب الخفاء ليظهر مجد سيده جوزي بالظهور وتفرد الكلمة فافهم، وقال: في قوله تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته " " الإسراء: 84 " هي مرتبته الوجودية فلا يمكن كائنا أن يخرج عن حكم مرتبته الوجودية، وانظر كيف من شاكلته مرتبة جهل وحجاب كيف كلما توغل في الفنون العلمية، وتبحر في الكشوفات النظرية لا يزيده ذلك إلا شكا في الحق، وبعدا عن الصواب، ومن شاكلته مرتبة علم، وكشف كلما اعترضته الشكوك، والأوهام انفتح له فيها أعين يبصر بها الحق، ويرى بها الصواب إما بإلهام أو بفهم عن تعليم، وانظر من شاكلته شاكلة صنعة كيف يتكبر فلا يزداد بتكبره في النفوس إلا ضعة، وهو مذموم موزور، وآخر مرتبة شاكلته عز فلا يزيده التواضع إلا عزا، وهو ممدوح مأجور فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: وجه الحق في لسانهم هو الوجه الذي شهدته من أستاذك، فهو الوجه الذي تعرف الحق به إليك فافهم وكان يقول: أول من وصف بالحسد بغيا، والغرور حقدا وسوء الظن بربه، والتحكم على أمر سيده ومعارضة علمه، واختياره بهواه، ووهمه هو إبليس، فمهما وقع ممن بعده شيء من ذلك فهو قرين إبليس فإن لم يعمل بقول: ذلك القرين فهو محفوظ منه، وإلا فهو مصروع معه، وكلما قلت: قرناء السوء كثرت القرناء الكريمة، فافهم، وكان يقول: المعاني أرواح الأعيان، فما أرواح الكلم إلا ما تبين فيها من الأحكام، والحكم، وعلى قدر علو هذه المعاني يكون حياة كمال هذه المعاني فمن منع العارفين بإنكاره العنيف أن يبينوا في الحديث الكلامي ما يأتون به من معنى لطيف، أو روح شريف فإنه عدو ذلك الكلام يجهله يريد أن يذره ميتا دارسا.
وهو يحسب أنه يحفظه من اللغو والتحريف، فيا أيها العارف إذا رأيت من هذا شأنه، فأنزله إلى اللفظ الذي ليس عنده من الحق سواه وائت أنت بمواجيدك، وما أحوج العارفين إلى التعرض من إظهار معارفهم في مظاهر ظواهر النصوص التي ليس مبدأ المنكر من الحق سواها فإن نفوس غالب الناس كثيفة، ومشاهد الحق شريفة، ولا يؤذي الأستاذين بالإنكار إلا أصحاب النفوس الكثيفة، فافهم، وكان يقول: مدد أمر الأستاذ حبة وضعها في أرض قبول تلميذه وسقاها بتفهيمه، وتأييده فمهما ظهر من التلميذ أو عنه من ذلك فهو من ثمرات تلك الحبة، ونتائج الحبة، وثمراتها، وإن كثرت إنما هي ملك لغارس الحبة في أرض يستحقها، فكل ما للتلميذ من أمر رشد فإنما هو في الحقيقة حق لأستاذه، فلا يظن مريد أنه ظفر بشيء لم يظفر به أستاذه، ومن ظن ذلك فهو جاهل، وكان يقول: انظر إلى السحاب كيف يتفرق، وينحط لجهة التراب، فاجعل نفسك بالعبودية ترابا يخدمك من جعل نفسه بالرياسة سحابا فافهم، وكان رضي الله عنه يقول: التراب محل الراحة " ومن آياته أن خلقكم من تراب " " الروم: 20 " وانظر إلى الإشارة في تكنية علي بأبي تراب تجد العلو في التنزل من لم يطرح نفسه في التراب لم يسترح فافهم. وكان يقول: في قوله: " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا " " الأعراف: 143 " لولا وجد التجلي ما اندك فإذا وجدت من خشع للحق جهرا، فاعلم أنه قد وجد الحق فلذلك خشع، وإن لم يشعر هو، واحفظ له حرمة ذلك الوجد تسلم، وتغنم، وكان يقول: من شهد أن الأمر كله لواحد ما ثم فعل غيره، وإيجاده مطابق معلومه، ومراده لم ير في العالم إلا صدقا مطابقا، فليس عنده في العالم إلا الصدق لا ضده فافهم، وكان يقول: من شهد أن الوجود لا يمكن أن يقوم به نقيضه، ولا واسطة بينهما لم يشهد في الوجود إلا حقا، وأن يظن شيئا بعد ظهوره لشيء أو ظهر له بعد بطونه عنه ومتى تم لهذا شهوده، وكمل لم يشهد إلا واحدا، وشاهده مشهوده فافهم، وكان يقول: من حدد عدد ومن جرد وحد، ومن تمكن من التصرف بالحكمة في أحكام الأمرين أطلق، وقيد، وذلك هو الحق المبين، وكان يقول: صور الخيرات ملكية، وصور الشر شيطانية، فأيما صورة شر عرض لها ما به تكون حسنة فإنها شيطان أعان الحق عليه فأسلم، فهو لا يأمر صاحبه إلا بخير مثال هذا صورة الكذب شيطانية فإذا كذب لإصلاح ذات البين أو لإقامة حق من حقوق الرب كحق دم أو نصرة مظلوم أو كف ظالم عن ظلمة، وما أشبه هذا، فتلك الصورة الشيطانية حينئذ مسلم لا يأمر إلا بخير، وقس على هذا فافهم، وكان يقول: إذا ظهر الوجود في موجود بوصف أحب أن يوافق، ومتى خولف فارق، فمن ثم لا تعيب على موجود أمره إلا كره منك ذلك، ولا يقبل منك إلا أن تسلم له " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " فافهم، وكان يقول: الجنان درجات أعلاها الفردوس التي سقفها عرش الرحمن الرب الأعلى الذي يطعم، ولا يطعم، ومنه يأتي لأهل كل جنة ما لا عين منهم، ولا ممن دونهم رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من أولئك فالعرش عنده ما لا يعلمه إلا رحمانية الحق المجرد، والفردوس عنده من الرحمن ما جاءه بواسطة العرش، فلا يطلع عليه إلا العرش، وأهله، والجنة التي سقفها الفردوس عند أهلها من الرحمن بواسطة الفردوسيين ما لا علمه، ولا أدركه إلا أهل العرش، وأهل الفردوس، وهكذا إلى آخر الزمان، فأدناها أعناها عطاء، وأعلاها أعلاها علاء، وأهل كل جنة يرون سقفها عرش الرحمن لأنهم لا يرون ربهم الرحمن إلا في مظاهره وأطال في ذلك، وكان يقول: في قول
أبي يزيد رضي الله عنه حججت فرأيت البيت، ولم أر رب البيت ثم حججت ثانية، فرأيت البيت، ورأيت رب البيت ثم حججت ثالثة فرأيت رب البيت، ولم أر البيت انتهى لو أن أبا يزيد عرف الحقيقة حق معرفتها لأنزل كل شيء منزلته، ولم يغب عنه أن الكل واحد إذا رأى العدد، ولا غاب عنه العدد إذا رأى الواحد فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " ورب المشرق " " الصافات: 5 " أي حله في كل دائرة مشرق لا يعرفه أهل تلك الدائرة إلا من ذلك المشرق، ولا تسجد له إلا من تلك الجهة، فالفقهاء مشارق الربوبية للجحميين، والصوفية مشارق الربوبية للفقهاء، وأهل الذوق الباطن مشارق الربوبية للصوفية، وهكذا إلى أعلى المشارق، وهم نواطق التحقيق، فلا يحاول من عبد سجود الرب إلا إن أتاه من مشرق دائرته، وهو الصورة التي إذا أتاه فيما فوقها قال: له أعوذ بالله منك ما أنت ربي، فإذا تحول له فيها قال: أنت ربي، وخر له ساجدا لأنه تحول له في الصورة التي يعرف بها، وفيها فافهم. وكان يقول: قال: بعضهم في حديث " ما تركت شيئا يقربكم إلى الله إلا وقد بينته لكم " إلى آخره، فعلى هذا كل شيء لا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، فليس بخير، ويؤيده " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " قلت: هذا صحيح لو قام دليل على أن كل ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، ودل عليه نقل عنه، وبلغنا لكن الصحابة رضي الله عنهم قد اعترفوا بأنهم نسوا كثيرا وأخفوا كثيرا شيئا رأوا المصلحة في إخفائه، مع هذا كيف يعرف أن مالا، وجدنا له ذكرا فيما بلغنا من السنة ليس مما بينه، ودل عليه الشرع، ولم يبلغنا، وإذا لم نعرف ذلك فكيف نحكم أنه ليس بخير لكن الحق أن ما وجدنا له أصلا، ولو على بعد، ولم نجد صريحا يبطله، فهو خير، وما لا نجد له أصلا ولا مبطلا فهو موقوف موكول أمره إلى الله تعالى، وما وجدنا له مبطلا، فالأصل بطلانه لذلك حتى يأتي ما يصححه، ولعل من قال: بصحة العمل بالإلهام فيما يبطله بعض العمومات أو النصوص يخصص تلك المبطلات بقصة الخضر عليه السلام، وأمثالها، ولقد أنصف من قال: في أصحاب الأحوال إننا نسلم لهم أحوالهم، ولا نقتدي بهم حيث لم نجد ما يبطلها، ولا ما يصححها.
وكان يقول: من توهم في نفسه الكبرياء، والعظمة فلا فرق بينه، وبين من قال " إني إله من دونه " وكفي بذلك افتراء، وكان يقول: في حديث " أعوذ بك أن أغتال من تحتي " أي أعوذ بك أن يتغلب من مرتبته دون مرتبتي علي بتحكه حتى يخرجني من نفوذ حكمي بالدخول في قيود حدود مرتبته فهذا هو الاغتيال من تحتي، وهذا هو حقيقة قوله تعالى: " جعلنا عليها سافلها " " هود: 82 " فافهم، وكان يقول: المحقق المجرد المطلق يخاطب كل أهل مرتبة بلسانها وكل شيء عنده بمقدار، فيخاطب أهل الخبر بخبرهم، وأهل النظر بنظرهم، وأهل الذوق بذوقهم، وكان يقول: علامة الذكر بالحق أن يأتيك من الحق بما إذا بينته لك تجلى في قلبك ثابتا كأنه لم يزل متحققا عندك إلا أنك نسبته بعارض ثم لما بين لك بذلك البيان ذكرته، فذكر إنما أنت مذكر فافهم، وكان يقول: في قوله: " فإن أتبعتني فلا تسألني عن شيء " " الكهف: 70 " الآية أي لأن كمال التابع أن يتحقق بمتبوعه وطريق ذلك المحبة، والتعظيم، ومن توابعها مطابقة إرادة المحب لإرادة محبوبه، فلا يسبقه بقول: ولا فعل، وأيضا، فإن التابع إذا سأل متبوعه عما لم يحدث له منه ذكرا، فقد يقتضي حكمه المتبوع أن لا يجيب التابع عن ذلك، فإن أجابه حصل الضرر بمخالفة الحكمة، وإن لم يجبه، فلا يؤمن من ثوران نفس التابع فيكدر عليه صفاء المودة، ويقطع عليه طريق المطلوب من متبوعه فافهم، وكان يقول: الذكر البيان: وهو إلهي ذكر من الله، ورحماني ذكر من الرحمن، ورباني ذكر من ربهم، ورحمة ذر رحمة ربك، ولم يوصف في لسان القرآن بالحدوث من هؤلاء إلا ما دون ذكر الله تعالى، فأيما فيكر وصف بالحدوث فهو من إحدى تلك الدوائر فافهم، وكان يقول: ليس لك من كلام العارف الحق إلا ما فهمت منه، وليس لك منه إلا ما شهدته فيه، فاعمل على أن تتحقق بأستاذك، فتقوم حقا لا خلقا فافهم، وكان يقول: في قوله تعالى: " وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى " " البقرة: 260 " الآية الكلام عليها من وجهين أحدهما ما يقتضيه ظاهر اللفظ، والثاني ما يقتضيه حقيقته، فأما الأول ففيه أسئلة: الأول ما الحكمة في كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع فضله على الذي مر على القرية، وهي خاوية سأل أن يريه ربه كيف يحيي الموتى وذلك أرى ذلك بلا واسطة سؤال، فقيل له ابتداء " وانظر إلى العظام " " البقرة: 259 " الآية، والجواب أن الذي مر على القرية حصل منه سؤال من غير تعيين مسئول منه فقال: " أنى يحي هذه الله بعد موتها " " البقرة: 259 " وذلك إما لغفلته أو لجهله إن لم يكن نبيا أو لشغله بالتعجب إن كان نبيا أو غير غافل، ولا جاهل، وأراه الله ما أراه بيانا كشفا من حيث يظهر أنه إجابة لسؤاله، وأراه ذلك بعد أن أماته مائة عام ثم بعثه، فلم ير ذلك إلا في حال بعث الموت. وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فتوجه بسؤاله إلى الحق قصد الكمال حضوره وأعطى مسئوله إجابة لسؤاله على الفور كما دل عليه قوله " فخذ " فأتى بالفاء المقتضية للفور تنويها بالاعتناء بأمره، وإظهارا لكرامته، ورأى قبل الموت، والبعث منه ما لا رآه ذلك إلا بعد البعث من الموت فظهر فضله بذلك على الذي مر على القرية. السؤال الثاني فيما وقع الاستدراك بقوله: " ولكن ليطمئن قلبي " " البقرة: 260 " وما المراد بالاطمئنان للقلب هنا.
والجواب أن الاستدراك، وقع من نفي كون السؤال لعدم الإيمان تقرير كونه لاطمئنان القلب فقط، والمراد بالاطمئنان السكون من قلق التشوف لحصول هذا المسئول عنا والتشوف لقضاء الوطر منه لا السكون من قلق تردد وشك فيه السؤال الثالث ما وجه تقريم يوجبه مقابلة سؤاله هذا بأن يقال له " أو لم تؤمن " وقد سبق الإخبار عنه بأنه المصطفى في الدنيا، وأنه في الآخرة لمن الصالحين، والجواب أن أرني تستعمل تارة في طلب مشاهدة كيفية المعلوم المتحقق بالبرهان ليتحقق مع ذلك بالعيان، ويستعمل أيضا هذا في الإفحام، والتعجيز لعدم اعتقاد وجود صاحب ذلك الكيف أو إمكانه كما تقول: لضعيف ادعى حمل صخرة وحده كبيرة أرني كيف تحملها، وأنت تعتقد أنه لا يستطيع حملها، ولا يمكنه، وإبراهيم عليه السلام لم يرد هذا الثاني، ولا بطريق توهمه، وإنما اقتضت حكمة الرب بعباد أنه قال لإبراهيم " أولم تؤمن قال بلى " " البقرة: 260 " فحفظ عباده المؤمنين بذلك عند سماع هذه الآية من أن يخالطهم الوهم بذلك الظن السوء في حبيب من أحباب الله فيهلكوا ولا يشعرون، ويجوز أن يكون وقوع هذا السؤال قبل الإخبار بآية الاصطفاء والله أعلم. السؤال الرابع ما الحكمة في تعيين الأربعة دون غيرها من العدد وما الحكمة في تعيين جنس الطير دون غيره، والجواب أن عدد الأربعة أجمع للأعداد لأنه مجموع من الفرد البسيط، وهو الواحد، والفرد المركب، وهو الثلاثة، والزوج البسيط، وهو الاثنان، والزوج المركب، وهو الأربعة فكان فيه تذكير بقيام الخلق لربهم مثنى وفرادى. مثنى: اثنان بسيطان واثنان مركبان. وفرادى: فرد بسيط. وفرد مركب، وفيه تذكير بأصناف المبعوثين أيضا فمنهم كافر، ومنهم مؤمن ظالم لنفسه أو مقتصد مخلط أو سابق بالخيرات، وإنما خص الطير لأن أشد الحيوانات نفورا، وأقدرهم على الفرار، والتباعد عما ينفرون منه، فإذا دعا هذا الجنس، وأجابه، وأتاه يسعى كان ما دونه أولى، وكان ذلك أعظم آية من غيره، والطير أيضا أفل رطوبة من باقي الحيوانات، وميتته أسرع جفافا فيتيقن معه عدم الحياة المجسمانية منه باطنا، وظاهرا. السؤال الخامس: ما الحكمة بتخصيص الجبال بهذا الجعل في قوله: " ثم اجعل على كل جبل " " البقرة: 260 " هل الظاهر إرادة جميع الجبال أو أربعة أجبل فقط أو غير ذلك وما وجه كل واحد من هذه إن كان هو الظاهر، والجواب المراد جبال بعدد الأجزاء التي يجزئها إليها إن كانت كثيرة فكثيرة أو قليلة فقليلة بدليل قوله: " اجعل عل كل جبل منهن جزءا " " البقرة: 260 " ولم يأمر بتبينهن، فحمل الأمر على جميع الجبال متعذر عادة، والظاهر أن المراد أن يجعل على كل جبل جزءا لا يعينه من كل واحد منهن لأن ذلك هو المناسب للقصة، وما فيها من رؤية ذلك الأمر العجيب. السؤال السادس: ما الحكمة في الإتيان بثم في قوله ثم ادعهن، وما الحكمة في تعليق إتيانهم إليه على دعائه إياهن ولم يحيين فيأتين من غير دعاء لهن منه وما الحكمة في إتيانهن ولم يكتف بطيرانهن حيث مشين أو إتيانهن غيره، وما الحكمة في إتيانهن ساعيات لا طائرات، ولا ماشيات على هون إن كان سعيا متعلقا بهن، وإن كان متعلقا به هو فما الحكمة في حصول ذلك منهن، وهو يسعى أو دعائه لهن، وهو يسعى. والجواب أنه جيء بثم ليحصل بكونهن على الجبال مهلة، فلا يبقى في عدم الحياة منهن لطول المكث في محل الجفاف ريب ما، ولو لوحظ في جعلهن على الجبال التي لا حائل لها عن الشمس التي كانت النمروذية ينسبون الآثار إليها، وتركها هناك برهة حتى يعلم أن