Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Section V02/P146–V02/P147

وأما علماؤنا فقد شرطوا الدليل المميز ولكن بطريق آخر سوى ما ذكره الشافعي على ما نذكره في بابه ( إن شاء الله ) وشرطوا قبل ذلك أن يقوم الدليل في الأصل على كونه معلولا في الحال لأن النصوص نوعان معلول وغير معلول والمصير إلى التعليل في كل نص بعد زوال هذا الاحتمال وذلك لا يكون إلا بدليل يقوم في النص على كونه معلولا في الحال وإنما نظيره مجهول الحال إذا شهد فإنه ما لم نثبت حريته بقيام الدليل عليه لا تكون شهادته حجة في الإلزام وقبل ثبوت ذلك بالدليل الحرية ثابتة بطريق الظاهر ولكن هذا يصلح للدفع لا للإلزام فكذلك الدليل الذي دل في كل نص على أنه معلول ثابت من طريق الظاهر وفيه احتمال فما لم يثبت بالدليل الموجب لكون هذا النص معلولا لا يجوز المصير إلى تعليله لتعدية الحكم إلى الفروع ففيه معنى الإلزام وهو نظير استصحاب الحال فإنه يصلح حجة للدفع لا للإلزام لبقاء الاحتمال فيه فإن قيل أليس أن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله جائز ما لم يقم الدليل المانع وقد ظهرت خصوصيته في بعض الأفعال ثم لم يوجب ذلك الاحتمال في كل فعل حتى يقال لا يجوز الاقتداء به إلا بعد قيام الدليل قلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام مقتدى به ما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه وهداه فيكون الاقتداء به هو الأصل وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصا ببعض الأشياء ولكن الخصوصية في حقه بمنزلة دليل التخصيص في العموم والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص فكذلك الاقتداء به في أفعاله فأما هنا فاحتمال كون النص غير معلول ثابت في كل أصل مثل احتمال كونه معلولا فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان فكذلك تعليل الأصول يوضحه أن هناك قد قام الدليل الموجب لعلم اليقين على جواز الاقتداء به مطلقا وهو قوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وههنا الدليل هو صلاحية الوصف الموجود في النص وذلك إنما يعلم بالرأي فلا ينعدم به احتمال كون النص غير معلول لأنا قد بينا أن في تعليل النص معنى الابتلاء والابتلاء بما يكون غير معلول من النصوص أظهر وبعدما تحققت المساواة في معنى الابتلاء لا بد من قيام الدليل في المنصوص على أنه معلول للحال وبيان هذا في الذهب والفضة فإن حكم الربا ثابت فيهما بالنص وهو معلول عندنا بعلة الوزن وأنكر الشافعي هذا فيحتاج إلى أن يثبت بالدليل أنه معلول

Section V02/P147–V02/P149

وفيه نوعان من الدليل أحدها قوله عليه السلام يد بيد ففيه إيجاب التعيين وهو متعد إلى الفروع لأنه لا بد من تعيين أحد البدلين في كل عقد فإن الدين بالدين حرام بالنص وذلك ربا كما قال عليه السلام إنما الربا في النسيئة ثم وجوب التعيين في البدل الآخر هنا لاشتراط المساواة فالمساواة في البدلين عند اتفاق الجنس شرط بقوله عليه السلام مثل بمثل وعند اختلاف الجنس المساواة في العينية شرط بقوله عليه الصلاة والسلام وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم بعد أن يكون يدا بيد وهذا حكم متعد إلى الفروع فإن الشافعي يشترط التقايض في بيع الطعام بالطعام مع اختلاف الجنس بهذا النص ونحن لا نجوز بيع قفيز من حنطة بعينها بقفيز من شعير بغير عينه غير مقبوض في المجلس وإن كان موصوفا وحل التفاضل بينهما لأن بترك التعيين في المجلس ينعدم المساواة في اليد باليد وشرطنا القبض في رأس مال السلم في المجلس لتحقيق معنى التعيين فعرفنا أنه معلول والتعليل بالثمنية يمنع التعدية فباعتبار كونه معلولا يكون متعديا إلى الفروع فالوصف الذي يمنع التعدية لا يقدح فيه ولا يخرجه من أن يكون شاهدا بمنزلة صفة الجهل في الشاهد فإنه لا يكون طعنا في شهادته لأنه لا يخرج به من أن يكون أهلا للولاية والشهادة تبتنى على ذلك بخلاف صفة الرق فإن الطعن به يمنع العمل بشهادته حتى تثبت حريته بالحجة لأنه يخرج به من أن يكون أهل الولاية والصلاحية للشهادة تبتنى على ذلك ومثال هذا أيضا ما قاله الشافعي في تحريم الخمر إنه معلول من غير قيام الدليل فيه على كونه معلولا بل الدليل من النص دال على أنه غير معلول وهو قوله عليه السلام حرمت الخمر لعينها و السكر من كل شراب وإثبات الحرمة وصفة النجاسة في بعض الأشربة المسكرة لا يكون تعدية للحكم الثابت في الخمر ألا ترى أنه لا يثبت على ذلك الوجه حتى لا يكفر مستحله ولا يكون التقدير في النجاسة فيه كالتقدير في الخمر وإنما تلك حرمة ثابتة باعتبار نوع من الاحتياط فلا يتبين به كون النص معلولا ثم تعليل النص قد يكون تارة بالنص نحو قوله تعالى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وقول النبي عليه السلام لبريرة ملكت بضعك فاختاري وقد يكون بفحوى النص كقول النبي عليه السلام في السمن الذي وقعت فيه فأرة إن كان جامدا فألقوها وما حولها وكلوا ما بقي وإن مائعا فأريقوه فإن في هذا إشارة إلى أنه معلول بعلة مجاورة النجاسة إياه وكذلك خبر الربا من هذا النوع كما بينا وقد يكون بالاستدلال بحكم النص كقوله عليه السلام في دم الاستحاضة إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة وقد يكون على اتفاق القائلين بالقياس على كونه معلولا فعند وجود شيء من هذه الأدلة في النص سقط اعتبار احتمال كونه غير معلول فصل في ذكر شرط القياس وإنما قدمنا الشرط لأن الشرعيات لا تصير موجودة بركنها قبل وجود الشرط ألا ترى أن من أراد النكاح فلا بد له من أن يبدأ بإحضار الشهود ومن أراد الصلاة لم يجد بدا من البداية بالطهارة وستر العورة وهذه الشروط خمسة أحدها أن لا يكون حكم الأصل مخصوصا به بنص آخر والثاني أن لا يكون معدولا به عن القياس والثالث أن لا يكون التعليل للحكم الشرعي الثابت بالنص بعينه حتى يتعدى به إلى فرع هو نظيره ولا نص فيه والرابع أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله والخامس أن لا يكون التعليل متضمنا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص أما الأول فلأن التعليل لتعدية الحكم وذلك يبطل التخصيص الثابت بالنص فكان هذا تعليلا في معارضة النص لدفع حكمه والقياس في معارضة النص باطل

Section V02/P149–V02/P151

وأما الثاني فلأن التعليل يكون مقايسة والحكم المعدول به عن القياس الثابت بالنص لا مدخل للقياس فيه على موافقة النص ولا معتبر بالقياس فيه على مخالفة النص لأن المقصود بالتعليل إثبات الحكم به في الفرع والقياس ينفي هذا الحكم ولا يتحقق الإثبات بحجة النفي كما لا يتحقق التحليل بما هو حجة التحريم وأما الثالث فلأن المقايسة إنما تكون بين شيئين ليعلم به أنهما مثلان فلا تصور له في شيء واحد ولا في شيئين مختلفين لا تتحقق المماثلة بينهما فإذا لم يتعد الحكم بالتعليل عن المنصوص عليه يكون شيئا واحدا لا تتحقق فيه المقايسة وإذا كانا مختلفين لا يصيران بالتعليل مثلين ومحل الانفعال شرط كل فعل وقول كمحل هو حي فإنه شرط ليكون صدمه ضربا وقطعه قتلا واشتراط كونه حكما شرعيا لأن الكلام في القياس على الأصول الثابتة شرعا وبمثل هذا القياس لا يعرف إلا حكم الشرع فإن الطب واللغة لا يعرف بمثل هذا القياس وأما الرابع فلأن العمل بالقياس يكون بعد النص وفي الحكم الثابت بالنص لا مدخل للقياس في التغيير كما لا مدخل له في الإبطال فإذا لم يبق حكم النص بعد التعليل في المنصوص على ما كان قبله كان هذا بيانا مغيرا لحكم النص أو مبطلا له ولا معتبر بالقياس في معارضة النص وأما الخامس فلأن النص مقدم على القياس بلفظه ومعناه فكما لا يعتبر القياس في معارضة النص بإبطال حكمه لا يعتبر في ممارسته بإبطال لفظه وفي بعض هذه الفصول يخالفنا الشافعي رحمه الله على ما نبينه فأما المثال الأول وهو أن العدد معتبر في الشهادات المطلقة بالنص وقد فسر الله تعالى الشاهدين برجلين أو رجل وامرأتين وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لإثبات الحق ثم خص رسول الله صلى الله عليه وسلم خزيمة رضي الله عنه بقبول شهادته وحده فكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له فلم يجز تعليله أصلا حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهادة غير خزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة لأن التعليل يبطل خصوصيته وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بأن حل له تسع نسوة فقد ثبت بالنص أن الحل بالنكاح يقتصر على الأربعة ثم ظهرت خصوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام بالزيادة بنص آخر فلم يكن ذلك قابلا للتعليل وكذلك ظهرت خصوصيته بالنكاح ( بغير مهر بالنص فلم يكن ذلك قابلا للتعليل وقال الشافعي قد ظهرت خصوصيته بالنكاح ) بلفظ الهبة بالنص وهو قوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين فلم يجز التعليل فيه لتعدية الحكم إلى نكاح غيره ولكنا نقول المراد بالنص الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحا بغير مهر فإنه ذكر فعل الهبة وذلك يقتضي مصدرا ثم قوله تعالى خالصة لك نعت ذلك المصدر أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة بدليل قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم أي من الابتغاء بالمال المقدر فالفرض عبارة عن التقدير وذلك في المال يكون لا في لفظ النكاح والتزويج أو المراد اختصاصه بالمرأة حتى لا تحل لأحد بعده فيتأدى هو بكون الغير شريكا له في فراشها من حيث الزمان وعليه دل قوله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ألا ترى أن معنى الكرامة بالاختصاص إنما تظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب لا يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج ومن هذه الجملة اشتراط الأجل في السلم فإنه حكم ثابت بالنص في هذا العقد خاصا وهو قوله عليه السلام من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم

Section V02/P151–V02/P153

فلا يجوز المصير فيه إلى التعليل حتى يجوز السلم حالا بالقياس على البيع بعلة أنه نوع بيع لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في تلك العاقد والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز ثم ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص وهو ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم وهذا لأن المسلم فيه غير مقدور التسليم للعاقد عند العقد ولا يصير مقدور التسليم له بنفس العقد لأن العقد سبب للوجوب عليه وقدرته على التسليم يكون بما له لا بما عليه ولكنه محتاج إلى مباشرة هذا العقد لتحصيل البدل مع عجزه عن تسليم المعقود عليه في الحال وقدرته على ذلك بعد مضي مدة معلومة بطريق العادة إما بأن يكتسب أو يدرك غلاته بمجيء أوانه فجوز الشرع هذا العقد مع عدم المعقود عليه في ملكه رخصة لحاجته ولكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم عادة وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه لكونه حكما خاصا ثبت الخصوصية فيه بالنص كما بينا وكذلك قلنا المنافع لا تضمن بالإتلاف والغصب لأن وجوب الضمان يستدعي المالية والتقوم في المتلف وذلك لا يسبق الإحراز ولا تصور للإحراز في المنافع ثم ثبوت المالية والتقوم فيها بالعقد حكم خاص ثبت بالنص فلم يكن قابلا للتعليل وكذلك إثبات المعادلة بينهما وبين الأعيان في موجب العقد الفاسد والصحيح حكم خاص فيها لأنه لا مماثلة بين المنافع وبين الأعيان باعتبار الأصل فالعين جوهر يقوم به العرض والمنفعة عرض يقوم بالجوهر والمنافع لا تبقى وقتين والعين تبقى وبين ما يبقى وبين ما لا يبقى تفاوت فعرفنا أن ثبوت المساواة بينهما في مقتضى العقد حكم خاص ثابت بالنص فلا يقبل التعليل وكذلك إلزام العقد على المنافع قبل وجودها حكم خاص ثبت للحاجة أو للضرورة من حيث إنه لا يتصور العقد عليها بعد الوجود لأن الموجود لا يبقى إلى وقت التسليم وما لا يتأتى فيه التسليم بحكم العقد لا يكون محلا للعقد فلا يجوز تعدية هذا الحكم بالتعليل إلى المحل الذي يتصور العقد عليه بعد الوجود وهو نظير حل الميتة عند المخمصة فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله لتعدية ذلك الحكم إلى محل آخر ومثال الفصل الثاني ما قال أبو حنيفة رحمه الله في جواز التوضي بنبيذ التمر فإنه حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا يتعدى ذلك الحكم ( إلى سائر الأنبذة ووجوب الطهارة بالقهقهة في الصلاة حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يكن قابلا للتعليل حتى لا يتعدى الحكم ) إلى صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لأن النص ورد في صلاة مطلقة وهي ما تشتمل على جميع أركان الصلاة وكذلك بقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسيا فإنه معدول به عن القياس بالنص لأن ركن الصوم ينعدم بالأكل مع النسيان والركن هو الكف عن اقتضاء الشهوات وأداء العبادة بعد فوات ركنها لا يتحقق فعرفنا أنه عن معدول به عن القياس فلم يجز تعدية الحكم فيه إلى المخطىء والمكره والنائم يصب في حلقه بطريق التعليل فإن قيل قد عديتم حكم النص إلى الجماع وقد ورد في الأكل والشرب وكان ذلك بطريق التعليل قلنا لا كذلك بل قد ثبت بالنص المساواة بين الأكل والشرب والجماع في حكم الصوم وإن ركن الصوم هو الكف عن اقتضاء الشهوتين جميعا فيكون الحكم الثابت ( بالنص ) في أحدهما ثابتا في الآخر بالنص أيضا لا بالمقايس لأنه ليس بينهما فرق في حكم الصوم الشرعي سوى اختلاف الاسم فإن الإقدام على كل واحد منهما فيه تفويت ركن الصوم لأنه جناية على محل الفعل من بضع أو طعام وهو نظير جزء الرقبة مع شق البطن فإنهما فعلان مختلفان في الاسم وكل واحد منهما قتل موجب للقود بالنص لا بالقياس

Section V02/P153–V02/P155

وكذلك من به سلس البول يتوضأ لوقت كل صلاة كالمستحاضة وكان الحكم في كل واحد منهما ثابتا بالنص لا بالقياس لأن النص ورد عند استدامة العذر وعلى هذا قلنا من سبقه الحدث في خلال الصلاة بأي وجه سبقه فإنه يتوضأ ويبني على صلاته بالنص وذلك حكم معدول به عن القياس وإنما ورد النص في القيء والرعاف ثم جعل ذلك ورودا في سائر الأحداث الموجبة للوضوء ولم يجعل ورودا في الحدث الموجب للاغتسال لتحقق المغايرة فيما بينهما فإن قيل فكذلك نقول في المكره والخاطىء فالمساواة بينهما وبين الناسي ثابت من حيث إن كل واحد منهما غير قاصد إلى الجناية على الصوم قلنا نعم ولكن هذا إنما يستقيم إذا ثبت أن القصد معتبر في تفويت ركن الصوم وإذا كان القصد لا يعتبر في تحقق ركن الصوم حتى إن من كان مغمى عليه في جميع النهار يتأدى ركن الصوم منه فكذلك ترك القصد لا يمنع تحقق فوات ركن الصوم وكذلك مع عدم القصد قد يتحقق فوات ركن الصوم وانعدام الأداء به فإن من أغمى قبل غروب الشمس وبقي كذلك إلى آخر الغد فإنه لا يكون صائما وإن انعدم منه القصد إلى ترك الصوم ثم لا مساواة أيضا بين الخاطىء والمكره وبين الناسي فيما يرجع إلى عدم القصد فإن الخاطىء إنما انعدام القصد منه باعتبار قصده إلى المضمضة وإنما ابتلي بالشرب خطأ بطريق يمكن التحرز عنه وأما الناسي فانعدم القصد منه لعدم علمه بالصوم أصلا وذلك بنسيان لا صنع له فيه وإليه أشار عليه السلام في قوله إن الله أطعمك وسقاك ولما كان سبب العذر ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه استقام أن يجعل الركن باعتباره قائما حكما فأما في المكره والنائم سبب العذر جاء من جهة العباد والحق في أداء الصوم لله فلم يكن هذا في ( معنى ) سبب كان ممن له الحق ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ والمقيد يصلي قاعدا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع القيد عنه وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله الذي شج في صلاته لا يبني بعد الوضوء والذي ابتلي بقيء أو رعاف يبني على صلاته بعد الوضوء لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يجز التعليل فيه وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد من كل وجه ومن هذه الجملة قلنا حل الذبيحة مع ترك التسمية ناسيا حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى العامد ولا مساواة بينهما فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة ومن أصحابنا من ظن أن المستحسنات كلها بهذه الصفة وليس كما ظن فالمستحسن قد يكون معدولا به عن القياس وقد يكون ثابتا بنوع من القياس إلا أنه قياس خفي على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى ومن أصحابنا من ظن أن في الحكم الذي يكون ثابتا بالنص فيه معنى معقول إلا أنه يعارض ذلك المعنى معان أخر تخالفه فالجواب فيه كذلك إلا أنه لا يجوز التعليل فيه وليس كذلك فإن الأصل بمنزلة الراوي والوصف الذي به تعلل بمنزلة الحديث وفي رواية الأخبار قد يقع الترجيح باعتبار كثرة الرواة على ما بينا ولكن به لا يخرج من أن تكون رواية الواحد معتبرا فعرفنا أنه متى كان النص معقول المعنى فإنه يجوز تعليله بذلك المعنى ليتعدى الحكم به إلى فرع وإن عارض ذلك المعنى معان أخر في الأصل فإنه ليس من شرط التعليل للتعدية اعتبار جميع معاني الأصل وأما الفصل الثالث فهو أعظم هذه الوجوه فقها وأعمها نفعا وهو شرط واحد اسما ولكن يدخل تحته أصول فمنها أن الكلام متى كان من معنى اللغة فإنه لا يجوز المصير فيه إلى الإثبات بالقياس الشرعي

Section V02/P155–V02/P157

وبيان هذا في اليمين الغموس فإن علماءنا قالوا إنها لا تنعقد موجبة للكفارة لأنها ليست بيمين معقودة ووجوب الكفارة بالنص في اليمين المعقودة وكان الاشتغال في الحكم بالتعليل بقوله يمين بالله مقصودة باطلا من الكلام لأن الكلام في إثبات الاسم حقيقة فعندنا هذه ليست بيمين حقيقة وإنما سميت يمينا مجازا لأن ارتكاب هذه الكبيرة كان باستعمال صورة اليمين كبيع الحر يسمى بيعا مجازا وإن لم يكن بيعا على الحقيقة وإذا كان الكلام في إثبات اسم اليمين حقيقة وذلك لا يمكن معرفته بالقياس الشرعي كان الاشتغال به فضلا من الكلام ولكن طريق معرفته التأمل في أصول أهل اللغة وهم إنما وضعوا اليمين لتحقيق معنى الصدق من الخبر فعرفنا أن ما ليس فيه توهم الصدق بوجه لا يكون محلا لليمين لخلوه عن فائدة وبدون المحل لا يتصور انعقاد اليمين ولذلك قال أبو حنيفة في اللواطة إنها لا توجب الحد لأنها ليست بزنا واشتغال الخصوم بتعليل نص الزنا لتعدية الحكم أو إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدا لأن طريق معرفة الاسم النظر في موضوعات أهل اللغة لا الأقيسة الشرعية وكذلك سائر الأشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لإثبات المساواة فاسد لأن الكلام في إثبات هذا الاسم كسائر الأشربة فإن قيل اعتبار المعنى لإثبات المساواة في الاسم لغة لا شرعا فالزنا عند أهل اللغة اسم لفعل فيه اقتضاء الشهوة على قصد سفح الماء دون النسل ولهذا سموه سفاحا وسموا النكاح إحصانا واللواطة مثل الزنا في هذا المعنى من كل وجه وكذلك الخمر اسم لعين تحصل مخامرة العقل بشربه ولهذا لا يسمى العصير به قبل التخمر ولا بعد التخلل وهذه الأشربة مساوية للخمر في هذا المعنى قلنا هذا فاسد لأن الأسماء الموضوعة للأعيان أو للأشخاص عند أهل اللغة المقصود بها تعريف المسمى وإحضاره بذلك الاسم لا تحقق ذلك الوصف في المسمى بمنزلة الأسماء الموضوعة للرجال والنساء كزيد وعمر وبكر وما أشبهه فكذلك أسماء الأفعال كالزنا واللواطة وأسماء الأعيان كالخمر وما هذه الدعوى إلا نظير ما يحكى عن بعض الموسوسين أنه كان يقول أنا أبين المعنى في كل اسم لغة أنه لماذا وضع ذلك الاسم لغة لما يسمى به فقيل له لماذا يسمى الجرجير جرجيرا فقال لأنه يتجرجر إذا ظهر على وجه الأرض أي يتحرك فقيل له فلحيتك تتحرك أيضا ولا تسمى جرجيرا فقيل له لماذا سميت القارورة قارورة قال لأنه يستقر فيها المائع فقيل له فجوفك أيضا يستقر فيه المائع ولا يسمى قارورة ولا شك أن الاشتغال بمثل هذا في الأسماء الموضوعة يكون من نوع الجنون فإن قيل الأحكام الشرعية إنما تبتنى على الأسامي الثابتة شرعا وذلك نوع من الأسامي لا يعرفه أهل اللغة كاسم الصلاة للأركان المعلومة واسم المنافق لبعض الأشخاص وما أشبه ذلك قلنا الأسماء الثابتة شرعا تكون ثابتة بطريق معلوم شرعا كالأسماء الموضوعة لغة تكون ثابتة بطريق يعرفه أهل اللغة ثم ذلك الاسم لا يختص بعلمه واحد من أهل اللغة بل يشترك فيه جميع أهل اللغة لاشتراكهم في طريق معرفته فكذلك هذا الاسم يشترك في معرفته جميع من يعرف أحكام الشرع وما يكون بطريق الاستنباط والرأي فإنما يعرفه القايس فبهذا يتبين أنه لا يجوز إثبات الاسم بالقياس على أي وجه كان وعلى هذا لا يجوز استعمال القياس في إلحاق النباش بالسارق في حكم القطع لأن القطع بالنص واجب على السارق فالكلام في إثبات اسم السرقة حقيقة وقد قدمنا البيان في نفي التسوية بين النباش والسارق في فعل السرقة وهذا لأن الأسماء نوعان حقيقة ومجاز فطريق معرفة الحقيقة هو السماع من أهل اللغة وطريق معرفة المجاز منه الوقوف على استعارة أهل اللغة ونحن نعلم أن طريق الاستعارة فيما بين أهل اللغة غير طريق التعدية في أحكام الشرع فلا يمكن معرفة هذا النوع بالتعليل الذي هو لتعدية حكم الشرع

Section V02/P157–V02/P159

وعلى هذا قلنا الاشتغال بالقياس لتصحيح استعارة ألفاظ الطلاق للعتق يكون باطلا وإنما نشتغل فيه بالتأمل فيما هو طريق الاستعارة عند أهل اللغة وكذلك الاشتغال بالقياس لإثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون اشتغالا بما لا معنى له وكذلك في إثبات استعارة لفظ النسب للعتق وكذلك الاشتغال بالقياس في تصحيح إرادة العدد من لفظ الطلاق والاشتغال بالقياس لإثبات الموافقة بين الشاهدين إذا شهد أحدهما بمائة والآخر بمائتين أو شهد أحدهما بتطليقة والآخر بنصف تطليقة فإنما يكون من نوع هذا ( فالحاجة فيه إلى إثبات الاسم وطريق الوقوف عليه التأمل في طريقه عند أهل اللغة ) فكان الاشتغال بالقياس الشرعي فيه اشتغالا بما لا يفيد وكذلك الإطعام في الكفارات فإن اشتراط التمليك فيه بالقياس على الكسوة باطل لأن الكلام في معنى الإطعام المنصوص عليه ولا مدخل للقياس الشرعي في معرفة معنى الاسم لغة وإنما الطريق فيه التأمل في معنى اللفظ لغة وهو فعل متعد فلازمه طعم وحقيقته فيما يصير المسكين به طاعما وذلك بالتمكين من الإطعام بمنزلة الإيكال ثم يجوز التمليك فيه بدلالة النص فأما الكسوة فهو عبارة عن الملبوس دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير كفارة إلا بالتمليك من المسكين فأما الإلباس فهو تمكين من الانتفاع بالملبوس ومن هذه الجملة الاختلاف في شرط التعدية والمذهب عندنا أن تعليل النص بما لا يتعدى لا يجوز أصلا وعند الشافعي هذا التعليل جائز ولكنه لا يكون مقايسة وعلى هذا جوز هو تعليل نص الربا في الذهب والفضة بالثمينة وإن كانت لا تتعدى فنحن لا نجوز ذلك والمذهب عندنا أن حكم التعليل هو تعدية حكم الأصل إلى الفروع وكل تعليل لا يفيد ذلك فهو خال عن حكمه وعلى قوله حكم التعليل ثبوت الحكم في المنصوص بالعلة ثم تتعدى تلك العلة إلى الفروع تارة فيثبت بها الحكم في الفروع كما في الأصل وتارة لا تتعدى فيبقى الحكم في الأصل ثابتا وبه يكون ذلك تعليلا مستقيما بمنزلة النص الذي هو عام مع النص الذي هو خاص احتج وقال لأن التعليل بالرأي حجة لإثبات حكم الشرع فيكون بمنزلة سائر أنواع الحجج وسائر الحجج من الكتاب والسنة أينما وجدت يثبت الحكم بها فكذلك التعليل بالرأي إلا أن سائر الحجج تكون ثابت بغير صنع منا والتعليل بالرأي إنما يحصل بصنعنا ومتى وجد ذلك كان ثبوت الحكم مضافا إليه سواء تعدى إلى الفروع أو لم يتعد وهذا لأن الشرط في الوصف الذي يتعلل الأصل به قيام دلالة التمييز بينه وبين سائر الأوصاف وهذا المعنى يتحقق في الوصف الذي يقتصر على موضع النص وفي الوصف الذي يتعدى إلى محل آخر وبعد ما وجد فيه شرط صحة التعليل به لا يثبت الحجر عن التعليل به إلا بمانع فكونه غير متعد لا يصلح أن يكون مانعا إنما المانع ما يخرجه من أن يكون حجة وانعدام وصف التعدي فيه لا يخرجه من أن يكون حجة كالنص والجواب عن هذا الكلام بما هو الحجة لنا وهو أن الحجج الشرعية لا بد أن تكون موجبة علما أو عملا والتعليل بالرأي لا يوجب العلم بالاتفاق فعرفنا أنه موجب للعمل وأنه باعتباره يصير حجة والموجب للعمل ما يكون متعديا إلى الفروع لأن وجوب العمل بالعلة إنما يظهر في الفرع فأما الأصل فقد كان موجبا للعمل في المحل الذي تناوله قبل التعليل فإذا خلا عن التعليل لم يكن موجبا شيئا فلا يكون حجة شرعا فإن قيل وجوب العمل في الأصل بعد أن التعليل يصير مضافا إلى العلة كما أن في الفرع بعد التعدية يصير وجوب العمل مضافا إلى العلة

Section V02/P159–V02/P160

قلنا هذا فاسد لأن قبل التعليل كان وجوب العمل بالنص والتعليل لا يجوز على وجه يكون مغيرا حكم الأصل فكيف يجوز على وجه يكون مبطلا حكم الأصل وهو إضافة وجوب العمل إليه ألا ترى أن وجوب العمل به لما كان مضافا إلى النص قبل التعليل بقي مضافا إليه بعد التعليل وبه يتبين أن النص أقوى والضعيف لا يظهر في مقابلة القوي فيكون الحكم وهو وجوب العمل في الأصل مضافا إلى أقوى الحجتين وهو النص بعد التعليل كما كان قبله واعتباره الأصل بالفرع في أن الحكم فيه يكون مضافا إلى العلة في نهاية الفساد لأن الفرع يعتبر الأصل فأما الأصل لا يعتبر بالفرع في معرفة حكمه بحال فإن قيل مع هذا التعليل صحيح ليثبت به تخصيص الأصل بذلك الحكم قلنا وهذا ثابت قبل التعليل بالنص ثم تعليل الأصل بوصف لا يتعدى لا يمنع تعليله بوصف آخر يتعدى إذا وجد فيه ما هو شرط العلة لأنه كما يجوز أن يجتمع في الأصل وصفان كل واحد منهما يتعدى إلى فروع وأحدهما أكثر تعدية من الآخر يجوز أن يجتمع وصفان يتعدى أحدهما ولا يتعدى الآخر فبهذا تبين أن هذا التعليل لا يوجب تخصيص الأصل أيضا وكيف يقال هذا وبالإجماع بيننا وبينه انعدام العلة لا يوجب انعدام الحكم على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى وإنما يكون التعليل بما لا يتعدى موجبا تخصيص الأصل إذا كان الحكم ينعدم بانعدام العلة كما يوجد بوجودها ومن هذه الجملة تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى موضع منصوص فإن ذلك لا يجوز عندنا نص عليه محمد السير الكبير وقال النص الوارد في هدي المتعة لا يجوز تعليله لتعدية حكم الصوم فيه إلى هدي الإحصار لأن ذلك منصوص عليه وإنما يقاس بالرأي على المنصوص ولا يقاس المنصوص على المنصوص و الشافعي يجوز هذا التعليل لإثبات زيادة في حكم النص الآخر بالتعليل ولهذا قال يجوز تعليله على وجه يوجب زيادة في حكم النص الآخر لا على وجه يوجب ما هو خلاف حكم النص الآخر لأن وجوب الزيادة به إذا كان النص الآخر ساكتا عنه يكون بيانا والكلام وإن كان ظاهرا فهو يحتمل زيادة البيان ولكنه لا يحتمل من الحكم ما هو خلاف موجبه والتعليل ليحصل به زيادة البيان فلهذا جوزنا تعليل النص بوصف يتعدى إلى ما فيه نص آخر لإثبات الزيادة فيه ولكنا نقول الحكم الثابت بالتعليل في المحل الذي فيه نص إما أن يكون موافقا للحكم الثابت فيه بذلك النص أو مخالفا له وعند الموافقة لا يفيد هذا التعليل شيئا لأن الحكم في ذلك الموضع مضاف إلى النص الوارد فيه فلا يصير بتعليل نص آخر مضافا إلى العلة كما لا يصير الحكم في النص المعلول مضافا إلى العلة بعد التعليل كما قررنا وإن كان مخالفا له فهو باطل لأن التعليل في معارضة النص أو فيما يبطل حكم النص باطل بالاتفاق وإن كان زائدا فيه فهو مغير أيضا بحكم ذلك النص لأن جميع الحكم قبل التعليل في ذلك الموضع ما أوجبه النص الوارد فيه وبعد التعليل يصير بعضه والبعض غير الكل فعرفنا أنه لا يخلو هذا التعليل من أن يكون مغيرا حكم النص وتبين بهذا أن الكلام في هذا الفصل بناء على ما قدمنا أن الزيادة على النص عندنا بمنزلة النسخ فكما لا يجوز إثبات نسخ المنصوص بالتعليل بالرأي فكذلك لا يجوز إثبات الزيادة فيه

Section V02/P160–V02/P162

ثم بيان قولنا إن شرط التعليل تعدية حكم النص بعينه في مواضيع منها أنا لا نجوز تعليل نص الربا في الأشياء الأربعة بالطعم لأن الحكم في النصوص كلها إثبات حرمة متناهية بالتساوي وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال تكون الحرمة فيها مطلقة غير متناهية وهي المطعومات التي لا تدخل تحت المعيار فعرفنا أن هذا الوصف لا يوجب تعدية حكم النص بعينه إذ الحرمة المتناهية غير الحرمة المؤبدة ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة غير الحرمة الثابتة بالتطليقات الثلاث ولهذا قلنا إن النقود لا تتعين في العقود بالتعيين بخلاف ما يقوله الشافعي إنها متعينة في الملك وتعيينها في العقد مفيد فتتعين بالتعيين كالسلع وهذا لأن هذا التعليل لا يوجب تعدية حكم الأصل بعينه فحكم البيع في السلع وجوب الملك به فيها لا وجودها في نفسها ولهذا لا بد من قيامها في ملك البائع عند العقد ليصح العقد وحكم العقد في الثمن وجوبها ووجودها بالعقد ولهذا لا يشترط قيام الثمن في ملك المشتري عند العقد لصحة العقد ويجوز العقد بدون تعيينه لا على اعتبار أنه بمنزلة السلع ولكن يسقط اعتبار وجوده بطريق الرخصة فإن هذا الحكم فيما وراء موضع الرخصة ثابت حتى يجوز الاستبدال به قبل القبض ولا يجب جبر النقص المتمكن فيه عند عدم التعيين بذكر الأجل ولا بقبض ما يقابله في المجلس بخلاف السلم فعرفنا أن الحكم الأصلي في الثمن ما بينا وفي التعيين تغيير لذلك الحكم وجعل ما هو الركن شرطا وأي التغيير أبلغ من هذا فتبين بهذا أنه ليس في هذا التعليل تعدية حكم النص بعينه بل إثبات حكم آخر في الفرع ولهذا قلنا إن إظهار الذمي باطل لأن حكم الظهار في حق المسلم أنه يثبت به حرمة متناهية بالكفارة فتعليل هذا الأصل بما يوجب تعدية الحكم إلى الذمي يكون باطلا لأنه لا يثبت به حكم الأصل بعينه وهو الحرمة المتناهية فإن الذمي ليس من أهل الكفارة مطلقا وبيان قولنا إلى فرع هو نظيره في فصول منها ما بينا أنه لا يجوز تعليل النص الوارد في الناسي بالعذر ليتعدى الحكم به إلى الخاطىء والمكره لأن الفرع ليس بنظير للأصل فعذرهما دون عذر الناسي فيما هو المقصود بالحكم لأن عذر الخاطىء لا ينفك عن تقصير من جهته بترك المبالغة في التحرز وعذر المكره باعتبار صنع هو مضاف إلى العباد فلا تجوز تعدية الحكم للتعليل إلى ما ليس بنظير به وكذلك قلنا شرط النية في التيمم لا يجوز تعليله بأنه طهارة حكمية ليتعدى الحكم به إلى الوضوء فإن الفرع ليس بنظير الأصل في كونه طهارة لأن التيمم باعتبار الأصل تلويث وهو لا يكون رافعا للحدث بيقين بخلاف الطهارة بالماء ولهذا أمثلة كثيرة فإن قيل فقد أوجبتم الكفارة بالأكل والشرب في رمضان على طريق تعدية حكم النص الوارد في الجماع إليه مع أن الأكل والشرب ليس بنظير للجماع لما في الجماع من الجناية على محل الفعل ولهذا يتعلق به الحد رجما في غير الملك وذلك لا يوجد في الأكل والشرب وأثبتم حرمة المصاهرة بالزنا بطريق تعدية الحكم من الوطء الحلال إليه وهو ليس بنظير له فلأن الأصل حلال يثبت به النسب والزنا حرام لا يثبت به النسب وكذلك أثبتم الملك الذي هو حكم البيع بالغصب وهو ليس بنظير له فالبيع مشروع والغصب عدوان محض وهو ضد المشروع

Section V02/P162–V02/P164

قلنا أما في مسألة الكفارة فنحن ما أوجبنا الكفارة بطريق التعليل بالرأي فكيف يقال هذا ومن أصلنا أن إثبات الكفارات بالقياس لا يجوز خصوصا في كفارة الفطر فإنها تنزع إلى العقوبات كالحد ولكن إنما أوجبنا الكفارة بالنص الوارد بلفظ الفطر وهو قوله عليه السلام من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر ثم قد بينا أنهما نظيران في حكم الصوم فإن ركن الصوم هو الكف عن اقتضاء الشهوتين ووجوب الكفارة باعتبار الجناية على الصوم بتفويت ركنه على أبلغ الوجوه لا باعتبار الجناية على المحل وفي الجناية على الصوم هما سواء ووجوب الكفارة باعتبار الفطر ( المفوت ) لركن الصوم صورة ومعنى والجماع آلة لذلك كالأكل والشرب وما هذا إلا نظير إيجاب القصاص في القتل بالسهم والسيف فإن القصاص يجب بالقتل العمد والسيف آلة لذلك الفعل كالسهم فلا يكون ذلك بطريق تعدية الحكم من محل إلى محل إنما التعدية فيما قاله الخصم إن الكفارة تجب بجماع الميتة والبهيمة وعندنا هذا التعليل باطل لأن جماع الميتة والبهيمة ليس نظير جماع الأهل في تفويت ركن الصوم فإن فوات الركن معنى بما تميل إليه الطباع السليمة لقصد قضاء الشهوة وذلك يختص بمحل مشتهى وفرج الميتة والبهيمة ليس بهذه الصفة فكان هذا تعليلا لتعدية الحكم إلى ما ليس بنظير للأصل فكان باطلا فأما مسألة الزنا فالأصل في ثبوت الحرمة ليس هو الوطء بالولد الذي يتخلق من الماءين إذا اجتمعا في الرحم لأنه من جملة البشر له من الحرمات ما لغيره من بني آدم ثم تتعدى تلك الحرمة إلى الزوجين باعتبار أن انخلاق الولد كان من مائهما فيثبت معنى الاتحاد بينهما بواسطة الولد فيصير أمهاتها وبناتها في الحرمة عليه كأمهاته وبناته ويصير آباؤه وأبناؤه في كونها محرمة عليهم كآبائها وأبنائها ثم يقام ما هو السبب لاجتماع الماءين في الرحم وهو الوطء مقام حقيقة الاجتماع لإثبات هذه الحرمة وذلك بوطء يختص بمحل الحرث ولا معتبر بصفة الحل في هذا المعنى ولا أثر لحرمة الوطء في منع هذا المعنى الذي لأجله أقيم هذا السبب مقام ما هو الأصل في إثبات الحرمة إلا أن إقامة السبب مقام ما هو الأصل فيما يكون مبنيا على الاحتياط وهو الحرمة والنسب ليس بنظيره في معنى الاحتياط فلهذا لا يقام الوطء مطلقا مقام ما هو الأصل حقيقة في إثبات النسب ولا يدخل على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوات والعمات على أن يجعل أخواتها كأخواته في حقه لأن أصل الحرمة لا يمكن إثباته بالتعليل بالرأي وإنما يثبت بالنص والنص ما ورد بامتداد هذه الحرمة إلى الأخوات والعمات فتعدية الحرمة إليهما تكون تغييرا لحكم النص وقد بينا أن ذلك لا يجوز بالتعليل وعلى هذا فصل الغصب فإنا لا نوجب الملك به حكما للغصب كما نوجبه بالبيع وإنما نثبت الملك به شرطا للضمان الذي هو حكم الغصب وذلك الضمان حكم مشروع كالبيع وكون الأصل مشروعا يقتضي أن يكون شرطه مشروعا وبيان قولنا ولا نص فيه في فصول منها أنا لا نجوز القول بوجوب الكفارة في القتل العمد بالقياس على القتل الخطأ لأنه تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى فرع فيه نص على حدة ولا نجوز القول بوجوب الدية في العمد المحض بالقياس على الخطأ لهذا المعنى ولا نوجب الكفارة في اليمين الغموس بالقياس على اليمين المعقودة على أمر في المستقبل لهذا المعنى أيضا ولا نشترط صفة الإيمان فيمن تصرف إليه الصدقات سوى الزكاة بالقياس على الزكاة لما فيه من تعليل الأصل لتعدية الحكم إلى ما فيه نص آخر

Section V02/P164–V02/P166

ولا نشترط الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار واليمين بالقياس على كفارة القتل لأن فيه تعليل الأصل لتعدية الحكم به إلى محل فيه نص آخر وفيه تعرض لحكم النص الآخر بالتغيير فإن الإطلاق غير التقييد وبعد ما ثبتت الرقبة مطلقا في كفارة اليمين والظهار فإثبات التقييد فيه بالإيمان يكون تغييرا كما أن إثبات صفة الإطلاق في المقيد يكون تغييرا فإن الحرمة في الربائب لما تقيدت بالدخول كان تعليل أمهات النساء لإثبات صفة الإطلاق في حرمة الربائب يكون تغييرا لا يجوز المصير إليه بالرأي فكذلك إثبات التقييد فيما كان مطلقا بالنص وبيان الفصل الرابع وهو ما قلنا إن الشرط أن يبقى حكم النص بعد التعليل في الأصل على ما كان قبله فلأنه لما ثبت أن التعليل لا يجوز أن يكون مغيرا حكم النص في الفروع ثبت بالطريق الأولى أنه لا يجوز أن يكون مغيرا حكم الأصل في نفسه ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله فذلك التعليل يكون باطلا لكونه مغيرا لحكم الأصل ولهذا لم نجوز التعليل في قبول شهادة المحدود في القذف بعد التوبة بالقياس على المحدود في سائر الجرائم بعلة أنه محدود في كبيرة لأن بعد هذا التعليل لا يبقى حكم النص الوارد فيه على ما كان قبله فإن قيل هذا التعليل يكون هو ساقط الشهادة بالنص أبدا ويكون ذلك متمما لحده وبعد التعليل يتغير هذا الحكم فإن الجلد قبل هذا التعليل يكون بعض الحد في حقه وبعده يكون تمام الحد فيكون تغييرا على نحو ما قلنا في التغريب إن الجلد إذا لم يضم إليه التغريب في زنا البكر يكون حدا كاملا وإذا ضم إليه التغريب يكون بعض الحد وكذلك تعليل الشافعي في إبطال شهادته بنفس القذف بالقياس على سائر الجرائم باطل لأنه تغيير للحكم بالنص فإن مدة العجز عن إقامة أربعة من الشهداء بعد القذف ثابت بالنص لإقامة الجلد وإسقاط الشهادة فكان إثباته بنفس القذف بدون اعتبار تلك المدة بطريق التعليل باطلا لأن حكم النص لا يبقى بعد التعليل على ما كان قبله وكذلك القول بسقوط شهادة الفاسق أصلا بالقياس على المحدود في القذف أو على العبد والصبي باطل لأن الحكم الثابت بالنص في حق الفاسق التوقف في شهادته وبعد تعيين جهة البطلان فيه لا يبقى التوقف فحكم النص بعد هذا التعليل لا يبقى على ما كان قبله وكذلك قلنا الفرقة بين الزوجين لا تقع بلعان الزوج لأن الحكم الثابت بالنص اللعان من الجانبين وهي شهادات مؤكدة بالأيمان وليس فيه ما يوجب الفرقة بينهما وقد ثبت بالنص أنهما لا يجتمعان أبدا وذلك أيضا لا يقتضي زوال الملك به كما بعد إسلام المرأة قبل إسلام الزوج فإثبات حكم الفرقة بقذف الزوج عند لعانه لا يجوز بطريق التعليل لأنه لا يبقى حكم النص بعد هذا التعليل على ما كان قبله فقبله المذكور جميع الحكم وبعده يكون بعض الحكم إلا أن بعد ما فرغا من اللعان يتحقق فوات الإمساك بالمعروف ما داما مصرين على ذلك واستحقاق الفرقة عند فوات الإمساك بالمعروف يثبت موقوفا على قضاء القاضي به كما بعد إسلام أحد الزوجين إذا أبى الآخر الإسلام وكذلك قلنا إذا كذب الملاعن نفسه وضرب الحد جاز له أن يتزوجها لأن الثابت بالنص أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدا وبعد الإكذاب لا يكون متلاعنا بدليل أنه يقام عليه حد القذف فلا يجتمع اللعان والحد بقذف واحد فمن ضرورة القول بإقامة الحد عليه أن لا يبقى ملاعنا ولهذا لو أكذب نفسه قبل اللعان فإنه يقام الحد عليه ولا يلاعنها فإذا خرج من أن يكون ملاعنا بإكذابه نفسه قلنا إن كان قبل قضاء قاضي بالفرقة لم يفرق بينهما وإن كان بعد القضاء جاز له أن يتزوجها لأنا لو بقينا الحرمة بالقياس على الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة لم يبق حكم النص بعد التعليل على ما كان قبله فإن قبل التعليل كان الثابت بالنص حرمة الاجتماع بين المتلاعنين وبعد التعليل تكون حرمة الاجتماع بين غير المتلاعنين

Section V02/P166–V02/P167

فإن قيل فقد فعلتم ما أنكرتموه في فصول منها أن حكم نص الربا المساواة بين القليل والكثير قبل التعليل ثم بعد التعليل خصصتم القليل من الحنطة فلم يبق حكم النص بعد التعليل بالكيل في المنصوص على ما كان قبله وكذلك الشاة بصورتها ومعناها صار مستحقا للفقير بالنص ثم بالتعليل بالمالية أبطلتم حقه عن الصورة فلم يبق حكم النص بعد التعليل في المنصوص على ما كان قبله وجوزتم هذا التعليل لإبطال حق المستحق مع أنه لا يجوز استعمال القياس في إبطال حق المستحق عن الصورة أو المعنى كما في سائر حقوق العباد وقد ثبت بالنص حق الأصناف في الصدقات لوجود الإضافة إليهم بلام التمليك ثم بالتعليل بالحاجة غيرتم هذا الحكم في المنصوص وجوزتم الصرف إلى صنف واحد وثبت بالنص وجوب التكفير بإطعام عشرة مساكين ثم بالتعليل غيرتم هذا الحكم في المنصوص فجوزتم الصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام وبالنص ثبت لزوم التكبير عند الشروع في الصلاة ثم بالتعليل بالثناء وذكر الله على سبيل التعظيم غيرتم هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم افتتاح الصلاة بغير لفظ التكبير وبالنص ثبت وجوب استعمال الماء لتطهير الثوب عن النجاسة ثم غيرتم بالتعليل بكونه مزيلا للعين والأثر هذا الحكم في المنصوص حتى جوزتم تطهير الثوب النجس باستعمال سائر المائعات سوى الماء قلنا أما الأول فهو دعوى من غير تأمل وإنا ما خصصنا القليل من البر إلا بالنص فإن النص قوله عليه السلام لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء والأصل في الاستثناء من النفي أن المستثنى منه في معنى المستثني وعلى هذا بنى علماؤنا مسائل في الجامع إذا قال إن كان في هذه الدار إلا رجل فعبده حر فإذا في الدار سوى الرجل دابة أو ثوب لم يحنث وإن كان فيها سوى الرجل امرأة أو صبي حنث ولو كان قال إلا حمارا فإذا فيها حيوان آخر سوى الحمار يحنث وإن كان فيها ثوب سوى الحمار لم يحنث وإن كان قال إلا ثوب فأي شيء يكون في الدار سوى الثوب مما هو مقصود بالإمساك في الدور يحنث فعرفنا أن المستثنى منه في معنى المستثنى والمستثنى هنا حال التساوي في الكيل واستثناء الحال من العين لا يكون فعرفنا بدلالة النص أن المستثنى من عموم الأحوال حال التساوي وحال المجازفة وحالة التفاضل وهذا لا يتحقق إلا في الكثير وإلا فيما يكون مقدرا شرعا فعرفنا أن اختصاص القليل كان بدلالة النص وأنه كان مصاحبا للتعليل لا أن يكون ثابتا بالتعليل

Section V02/P167–V02/P169

وأما الزكاة فنحن لا نبطل بالتعليل شيئا من الحق المستحق لأنه تبين خطأ من يقول بأن الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعا بل الزكاة محض حق الله تعالى فإنها عبادة محضة وهي من أركان الدين وهذا الوصف لا يليق بما هو حق العبد ومعنى العبادة فيها أن المؤدي يجعل ذلك القدر من ماله خالصا لله تعالى حتى يكون مطهرا لنفسه وماله ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى فإنه وعد الرزق لعباده وهو لا يخلف الميعاد ومعلوم أن حاجات العباد تختلف فالأمر بإنجاز المواعيد لهم من مال مسمى يتضمن الإذن في الاستبدال ضرورة ليكون المصروف إلى كل واحد منهم عين الموعود له بمنزلة السلطان يجيز أولياءه بجوائز مختلفة يكتبها لهم ثم يأمر واحدا بإيفاء ذلك كله من مال يسميه بعينه فإنه يكون ذلك إذنا له في الاستبدال ضرورة والثابت بضرورة النص كالثابت بالنص فعرفنا أن ذلك كان ثابتا بالنص ولكنه كان مجامعا للتعليل ثم التعليل بحكم شرعي لا بحق مستحق لأحد فإن المؤدى بعد ما صار لله تعالى بابتداء يد الفقير يكون كفاية له من الله باستدامة اليد فيه وثبت بهذا النص كونه محلا صالحا لكفاية الفقير وصلاحية المحل وعدم صلاحيته حكم شرعي كالخمر لا يكون محلا صالحا للبيع والخل يكون محلا صالحا له وهذه الصلاحية تثبت بالأمر بالصرف إلى الفقير لأن باعتبار كونه مطهرا يصير من جملة الأوساخ وإليه أشار عليه السلام في قوله يا معشر بني هاشم إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس وعوضكم منها خمس الخمس فتبين أنه بمنزلة الماء المستعمل ولهذا كان الحكم في شريعة من قبلنا أن الصدقات المقبولة والقرابين كانت تأكلها النار ولا يجوز الانتفاع بها وفي شريعتنا لا يحل شيء منها للغني ويحل للفقير لحاجته بمنزلة حل الميتة عند الضرورة فعرفنا أن حكم النص صلاحية المحل للصرف إلى كفاية الفقير وبعد التعليل تبقى هذه الصلاحية كما كانت قبلها ويتعدى حكم الصلاحية إلى سائر المحال كما هو حكم التعليل في القياس الشرعي وبهذا يتبين أن اللام في قوله للفقراء لام العاقبة أي تصير لهم باعتبار العاقبة ولكن بعد تمام أداء الصدقات يجعل المال لله بابتداء التسليم إلى الفقراء أو يكون المراد بيان المصرف الذي يكون المال بقبضهم لله تعالى خالصا هو لا بمنزلة الكعبة فإن الأركان باعتبار التوجه إليها تصير صلاة لا أن تكون الصلاة حقا للكعبة ثم كل صنف من هذه الأصناف جزء من المصارف بمنزلة جزء من الكعبة واستقبال جزء منها كاستقبال جميعها في حكم الصلاة وهو ثابت بالنص لا بالتعليل فكذلك الصرف إلى صنف لما فيه من سد خلة المحتاج بمنزلة الصرف إلى الأصناف لا بطريق التعليل وحكم الإطعام كذلك فإن حكم النص أن المساكين العشرة محل لصرف طعام الكفارة إليهم وهذا الحكم باق في المنصوص بعد التعليل كما قبله ولكن ثبت بدلالة النص للتنصيص على صفة المسكنة في المصروف إليه أن المطلوب سد الخلة وعلم يقينا تجدد الحاجة للمسكين بتجدد الأيام فصار بدلالة النص ما يقع به التكفير سد عشر خلات وهو ثابت بالصرف إلى مسكين واحد في عشرة أيام كما يثبت بالصرف إلى عشرة مساكين وأما التكبير فلا نقول حكم النص وجوب التكبير بعينه عند الشروع في الصلاة ولكن الواجب التعظيم باللسان لأن اللسان من الأعضاء الظاهرة من وجه والصلاة تعظيم الله تعالى بجميع الأعضاء فتعلق بكل عضو ما يليق به من التعظيم ثم التعظيم باللسان يكون بالثناء والذكر فكان ذكر الله على سبيل التعظيم لتحقيق أداء الفعل المتعلق باللسان ولا عمل لذلك الفعل في تعيين التكبير بل التكبير آلة صالحة لذلك وقد بقيت بعد هذا التعليل آلة صالحة لإقامة هذا الفعل بها كما قبل التعليل

Section V02/P169–V02/P170

وكذلك غسل النجاسة بالمائعات فالمستحق ليس هو الغسل بعينه بل إزالة النجاسة عن الثوب حتى لا يكون مستعملا لها عند لبسه ألا ترى أنه لو قطع موضع النجاسة بالمقراض أو ألقى ذلك الثوب أصلا لم يلزمه الغسل ثم الماء آلة صالحة لإزالة النجاسة باستعماله وبعد التعليل يبقى كذلك آلة صالحة لإزالة النجاسة لاستعماله وحكم الغسل طهارة المحل باعتبار أنه لم يبق فيه عين النجاسة ولا أثرها فكل مائع ينعصر بالعصر فهو يعمل عمل الماء في المحل ثم طهارة المحل في الأصل وانعدام ثبوت صفة النجاسة في المزيل بابتداء ملاقاة النجاسة إلى أن يزايل الثوب بالعصر حكم شرعي ثبت بالنص وبالتعليل تعدى هذا الحكم إلى الفروع وبقي في الأصل على ما كان قبل التعليل ولا يدخل على هذا التطهير من الحدث بسائر المائعات سوى الماء لأن عمل الماء في إزالة عين عن المحل الذي يلاقيه أو في إثبات صفة الطهارة للمحل بواسطة الإزالة وليس في أعضاء المحدث عين تزول باستعمال الماء فإن أعضاءه طاهرة وإنما فيها مانع حكمي من أداء الصلاة غير معقول المعنى وقد ثبت بالنص رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول المعنى وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر ولا يدخل على هذا الجواب تصحيح الوضوء بغير النية كغسل النجاسة لأن الذي لا يعقل المعنى فيه ما هو مزال عن المحل عند استعمال الماء فأما الماء في كونه مزيلا إذا استعمل في المحل معقول المعنى فلا حاجة إلى اشتراط النية لحصول الإزالة به كما في غسل النجاسات فعلم أن هذه الحدود إنما يقف المرء عليها عند التأمل عن إنصاف وأما بيان القسم الخامس ففيما قاله علماؤنا إنه لا يجوز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمحرم وفي الحرم لأن في النص قال عليه الصلاة والسلام خمس يقتلن في الحل والحرم وإذا تعدى الحكم إلى محل آخر يكون أكثر من خمس فكان في هذا التعليل إبطال لفظ من ألفاظ النص بخلاف حكم الربا فإن النبي عليه السلام لم يقل الربا في ستة أشياء ولكن ذكر حكم الربا في أشياء فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال شيء من ألفاظ النص ومن هذا النوع تعليل الشافعي حكم الربا في الأشياء الأربعة بالطعم فإن في النص قال عليه الصلاة والسلام والفضل ربا أي الفضل حرام يفسد به العقد لأنه ربا والتعليل بالطعم يبطل كون الفضل ربا لأنه يقول بعلة الطعم فساد البيع في هذه الأموال أصل إلى أن يوجد المخلص وهو المساواة في المعيار الشرعي فيكون هذا إبطالا لبعض ألفاظ النص ومن ذلك تعليله لرد شهادة القاذف للفسق الثابت بالقذف فإنه إبطال لبعض ألفاظ النص وهو قوله تعالى أبدا فإن رد الشهادة باعتبار الفسق لا يتأبد فكيف يتأبد وسببه وهو الفسق بعرض أن ينعدم بالتوبة فكان هذا تعليلا باطلا لتضمنه إبطال لفظ من ألفاظ النص ومن جملة ما لا يكون استعمال القياس فيه طريقا لمعرفة الحكم النذر بصوم يوم النحر وأداء الظهر يوم الجمعة في المصر بغير عذر قبل أداء الناس الجمعة وفساد العقد لسبب الربا فإن الكلام في هذه الفصول في موجب النهي وأن عمله بأي قدر يكون والنهي أحد أقسام الكلام كالأمر فيكون طريق معرفته موجبة عند الإطلاق التأمل في معاني كلام أهل اللسان دون القياس الشرعي

Section V02/P170–V02/P172

ومن ذلك الكلام في الملك الثابت للزوج على المرأة بالنكاح أنه في حكم ملك العين أو في حكم ملك المنفعة فإنه لا مدخل للقياس الشرعي فيه لأن بعد النكاح نفسها وأعضاؤها ومنافعها مملوكة لها فيما سوى المستوفى منها بالوطء على ما كان قبل النكاح فإثبات ملك عليها بدون تمكن الإشارة إلى شيء من عينها أنه مملوك عليها يكون حكما ثابتا بخلاف القياس وقد بينا أن مثل هذا لا يقبل التعليل وأنه ملك ضروري ظهر شرعا لتحقق الحاجة إلى تحصيل السكن والنسل بمنزلة حل الميتة عند الضرورة فلا يقبل التعليل ولأن التعليل إنما يجوز بشرط أن يكون الفرع نظير الأصل في الحكم الذي يقع التعليل له ولا نظير لملك النكاح من سائر أنواع الملك لأن سائر أنواع الملك يثبت في محل مخلوق ليكون مملوكا للآدمي وهذا الملك في الأصل يثبت على حرة هي مخلوقة لتكون مالكة وأي مباينة فوق المالكية والمملوكية فإذا ثبت أنه لا نظير لهذا الملك من سائر الأملاك ثبت أنه لا يمكن المصير إلى التعليل فيه لمعرفة صفته ومن ذلك الكلام في موجب الألفاظ حتى يصير في الرهن أنه يد الاستيفاء حقا للمرتهن بمنزلة اليد التي تثبت في المحل بحقيقة الاستيفاء أم حق البيع في الدين ثم اليد شرط لتتميم السبب كما في الهبة اليد شرط لتتميم السبب والحكم ثبوت الملك في المحل بطريق العلة فهذا مما لا يمكن إثباته ( في القياس ) بالقياس الشرعي لأن أحكام العقود مختلفة شرعا ووضعا وباعتبار الاختلاف يعلم أنه ليس بعضها نظيرا للبعض ومن شرط صحة التعليل أن يكون الفرع نظيرا للأصل بل طريق معرفة حكم الرهن التأمل فيما لأجله وضع هذا العقد وشرع فنقول إنه مشروع ليكون وثيقة لجانب الاستيفاء لا مؤكدا للوجوب ألا ترى أنه يختص بالمال الذي هو محل للاستيفاء فأما محل الوجوب فالذمة وإذا كان وثيقة لجانب الاستيفاء علم أن موجبه من جنس ما يثبت بحقيقة الاستيفاء والثابت بحقيقة الاستيفاء ملك العين وملك اليد ثم بالرهن لا يثبت ملك العين فعرفنا أن موجبه ملك يد الاستيفاء بمنزلة الكفالة فإنها وثيقة لجانب الوجوب ولهذا اختصت بالذمة ثم كان موجبها من جنس ما يثبت بحقيقة الوجوب وهو ملك المطالبة لأن الثابت بالحقيقة ملك أصل الدين في ذمة من يجب عليه وثبوت حق المطالبة بالأداء فالثابت بالوثيقة التي هي لجانب الوجوب من جنسه وهو حق المطالبة حتى يملك مطالبة الكفيل بالدين مع بقاء أصله في ذمة المديون ومن ذلك الكلام في المعتدة بعد البينونة أنه هل يقع عليها الطلاق فإن تعليل الخصم بأنه ليس له عليها ملك متعة ولا رجعة لا يلحقها طلاقه كمنقضية العدة تعليل باطل لأن الخلاف في أن العدة التي هي حق من حقوق النكاح هل تكون بمنزلة أصل النكاح في بقائها محلا لوقوع الطلاق عليها باعتباره أم لا وفي منقضية ( العدة ) لا عدة ففي أي وجه يستقيم هذا التعليل ليثبت به هذا الحكم للخصم وكذلك هذا التعليل في نكاح الأخت في عدة الأخت بعد البينونة من الخصم باطل لأن الكلام في أن العدة التي هي حق النكاح هل تقوم مقام النكاح في بقاء المنع الثابت بسبب النكاح أم لا وفي منقضية العدة لا عدة وهذا لأن النافي ينكر أن يكون الحكم مشروعا وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بالقياس الشرعي ومن هذا النوع تعليله في إسلام المروي في المروي لأن العقد جمع بدلين لا يجري فيهما ربا الفضل فكان بمنزلة الهروي مع المروي لأن الكلام في أن الجنس هل هو علة لتحريم النساء وفي الهروي مع المروي لا جنس وبهذا تبين أن حجة المدعي المثبت غير حجة المنكر النافي

Section V02/P172–V02/P174

ومن هذا النوع الكلام فيما إذا قال لامرأته أنت طالق تطليقة بائنة أن الرجعة تنقطع بهذا اللفظ أم لا فإن تعليل الخصم بأنه ما اعتاض عن طلاقها يكون تعليلا باطلا لأن الكلام في أن صفة البينونة هل هي مملوكة للزوج بالنكاح كأصل الطلاق أم لا فالخصم ينكر كون ذلك مملوكا له ونحن نقول إن ذلك مملوك له وإنما لم يثبت بصريح لفظ الطلاق لا لأنه غير مملوك له بل لأنه ساكت عن هذه الصفة فإن وصفها بالطلاق يجامع النكاح ابتداء وبقاء فإنما طريق معرفة هذا الحكم التأمل في موضوع هذا الملك وفيما صار له أصل الطلاق مملوكا له فإذا ثبت باعتباره أن الوصف مملوك له كان التصريح به بذلك الوصف عملا وعند عدم التصريح به لا يثبت لأن سببه لم يوجد كما لا يثبت أصل الطلاق إذا لم يوجد منه التكلم بلفظ الطلاق أو بلفظ آخر قائما مقامه ومن هذا النوع تعليل الخصم في عقد الإجارة أنها توجب ملك البدل في الحال بالقياس على عقد البيع فإن شرط صحة القياس أن يكون الأصل والفرع نظيرين وفي باب البيع ما هو المعقود عليه قائم مملوك في الحال وفي الإجارة ما هو المعقود عليه معدوم غير مملوك عند العقد فعلم أنهما متغايران وإذا لم يكن أحدهما نظيرا للآخر في الحكم الذي وقع التعليل لأجله لا يستقيم تعدية الحكم من أحدهما إلى الآخر بالقياس الشرعي ومن نوع ما بدأنا به هذا الفصل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي في حديث كفارة الفطر كلها أنت وعيالك فإن من الناس من اشتغل بتعليل ذلك لتعدية الحكم إلى غير الأعرابي فيتطرق به ( إلى ) القول بانتساخ حكم الكفارة وذلك لا يجوز عندنا لأن النبي عليه السلام خص الأعرابي بصحة التكفير منه بالصرف إلى نفسه وعياله وكان ذلك بطريق الإكرام له وقد بينا أن مثل هذا لا يقبل التعليل والله تعال أعلم فصل في الركن ركن القياس هو الوصف الذي جعل علما على حكم العين مع النص من بين الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص ويكون الفرع به نظيرا للأصل في الحكم الثابت باعتباره في الفرع لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء وإنما يقوم القياس بهذا الوصف ثم هذا الوصف قد يكون لازما للأصل وذلك نحو إيجاب الزكاة عندنا في الحلي باعتبار صفة الثمنية في الأصل وعند الخصم إثبات حكم الربا في الذهب والفضة بعلة الثمنية والثمنية صفة لازمة لهذين الجوهرين فإنهما خلقا جوهري الأثمان لا يفارقهما هذا الوصف بحال وقد يكون عارضا أو اسما نحو قوله عليه السلام للمستحاضة في بيان علة نقض الطهارة إنه دم عرق انفجر والدم اسم علم والانفجار صفة عارضة مثاله تعليل علمائنا نص الربا بالكيل والوزن فإن ذلك وصف عارض يختلف باختلاف عادات الناس في الأماكن والأوقات وقد يكون حكما نحو قول رسول الله عليه السلام للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته الحديث فإن الدين عبارة عن الوجوب في الذمة وذلك حكم قد بين لها حكما بالاستدلال بحكم آخر وذلك دليل جواز التعليل بالحكم وقد يكون هذا الوصف فردا وقد يكون مثنى وقد يكون عددا فالفرد نحو تعليل ربا النساء بوصف واحد وهو الجنس أو الكيل أو الوزن عند اتحاد المعنى والمثنى نحو علة ( حرمة ) التفاضل فإنه القدر مع الجنس والعدد نحو تعليلنا في نجاسة سؤر السباع بأنه حيوان محرم الأكل لا للكرامة ولا بلوى في سؤره وإنما يكون العدد من الأوصاف علة إذا كانت لا تعمل حتى ينضم بعضها إلى بعض فإن كل وصف يعمل في الحكم بانفراده فإنه لا يكون التعليل بالأوصاف كلها وقد يكون ذلك الوصف في النص وقد يكون في غيره أما ما يكون في النص فغير مشكل فإنه إنما يعلل النص والتعليل بوصف فيه يكون صحيحا لا محالة

Section V02/P174–V02/P176

وأما ما يكون في غيره فنحو ما روي أن النبي عليه السلام نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم فإن هذه الرخصة معلولة بإعدام العاقد وذلك ليس في النص ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الآبق وعن بيع الغرر وهو معلول يعجز البائع عن تسليم المبيع أو جهالة في المبيع في نفسه على وجه يفضي إلى المنازعة وهذا ليس في النص قال عليه السلام لا تنكح الأمة على الحرة ثم علل الشافعي هذه الحرمة بإرقاق الحر جزءا منه وهو الولد مع غنيته عنه وهذا ليس في النص ولكن ذكر البيع يقتضي بائعا وذكر السلم يقتضي عاقدا وذكر النكاح يقتضي ناكحا وما يثبت بمقتضى النص فهو كالمنصوص وكذلك عللنا نحن نهي رسول الله عليه السلام عن صوم يوم النحر بعلة رد الضيافة التي للناس في هذا اليوم من الله تعالى بالقرابين وذلك ليس في النص وكل نهي جاء لا لمعنى في عين المنهي عنه فهو من هذا النوع ومن التعليل بالحكم ما يقوله علماؤنا في بيع المدبر ( إنه تعلق عتقه بمطلق الموت فإن التعلق حكم ثابت بالتعليق فيكون ذلك استدلالا ) بحكم على حكم وإنما جاز هذا كله لأن الدليل الذي يثبت به كون الوصف حجة في الحكم قد ثبت بالدليل أنه علة الحكم شرعا ثم لا خلاف أن جميع الأوصاف التي يشتمل عليها اسم النص لا تكون علة لأن جميع الأوصاف لا توجد إلا في المنصوص والحكم في المنصوص ثابت بالنص لا بالعلة ولا خلاف أن كل وصف من أوصاف المنصوص لا يكون علة للحكم بل العلة للحكم بعضها فإن الحنطة تشتمل على أوصاف فإنها مكيلة موزونة مطعومة مقتات مدخر حب شيء جسم ولا يقول أحد إن كل وصف من هذه الأوصاف علة لحكم الربا فيها بل العلة أحد هذه الأوصاف واتفقوا أنه لا يتخير المعلل حتى يجعل أي هذه الأوصاف شاغلة من غير دليل لأن دعواه لوصف من بين الأوصاف أنه علة بمنزلة دعواه الحكم أنه كذا فكما لا يسمع منه دعوى الحكم إلا بدليل فكذلك لا تسمع منه الدعوى في وصف أنه هو العلة إلا بدليل ثم اختلف العلماء في الدليل الذي به يكون الوصف علة للحكم قال أهل الطرد هو الاطراد فقط من غير أن يعتبر فيه معنى معقول وتفسير الاطراد عند بعضهم وجود الحكم عند وجود ذلك الوصف وعند بعضهم يشترط أن يوجد الحكم عند وجوده وينعدم عند عدمه وأن يكون المنصوص عليه قائما في الحالين ولا حكم له وعند بعضهم يعتبر الدوران وجودا وعدما فأما قيام الحكم في المنصوص ( عليه في الحالين ) ولا حكم له فهو مفسد للقياس لا أن يكون مصححا له وقال جمهور الفقهاء انعدام الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل صحة العلة ووجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فساد العلة ولكن دليل صحة العلة أن يكون الوصف صالحا للحكم ثم يكون معدلا بمنزلة الشاهد فإنه لا بد من أن يكون صالحا للشهادة لوجود ما به يعتبر أهلا للشهادة فيه ثم يكون معدلا بظهور عدالته عند التعديل ثم يأتي بلفظ الشهادة من بين سائر الألفاظ حتى تصير شهادته موجبة العمل بها ثم لا خلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله أن صفة الصلاحية للعلة بالملاءمة ومعناها أن تكون موافقة العلل المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة غير نائية عن طريقهم في التعليل لأن الكلام في العلة الشرعية والمقصود إثبات حكم الشرع بها فلا تكون صالحة إلا أن تكون موافقة لما نقل عن الذين بنيانهم عرف أحكام الشرع

Section V02/P176–V02/P178

ثم الخلاف وراء ذلك في العدالة فقال علماؤنا عدالة العلة تعرف بأثرها ومتى كانت مؤثرة في الحكم المعلل فهي علة عادلة وإن كان يجوز العمل بها قبل ظهور التأثير ولكن إنما يجب العمل بها إذا علم تأثيرها ولا يجوز العمل بها عند عدم الصلاحية بالملاءمة بمنزلة الشهادة فإن الشاهد قبل أن تثبت الصلاحية للشهادة فيه لا يجوز العمل بشهادته وبعد ظهور الصلاحية قبل العلم بالعدالة كالمستور لا يجب العمل بشهادته ولكن يجوز العمل حتى إن قضى القاضي بشهادة المستور قبل أن تظهر عدالته يكون نافذا وقال بعض أصحاب الشافعي عدالة الوصف بكونه مخيلا أي موقعا في القلب خيال الصحة للعلة ثم العرض على الأصول بعد ذلك احتياط وقال بعضهم بل العدالة بالعرض على الأصول فإذا لم يعارضه أصل من الأصول لا ناقضا ولا معارضا فحينئذ يصير معدلا وأدنى ما يكفي لذلك أصلان بمنزلة عدالة الشاهد فإن معرفة ذلك بعرض حالهم على المزكين وأدنى ما يكفي لذلك عنده اثنان فعلى قول هذا الفريق من أصحابه لا يجوز العمل به وإن كان مخيلا قبل العرض على الأصول وعلى قول الفريق الأول يجوز العمل به لأنه صار معدلا بكونه مخيلا ثم العرض على الأصول احتياط والنقض جرح والمعارضة دفع أما أهل الطرد احتجوا بالظواهر الموجبة للعمل بالقياس فإنها لا تخص علة دون علة فيقتضي الظاهر جواز العمل بكل وصف والتعليل به إلا ما قام عليه دليل وأن كل وصف يوجد الحكم عند وجوده فإنه وصف صالح لأن يكون علة وهذا لأن علل الشرع أمارات للأحكام وليست على نهج العلل العقلية وأمارة الشيء ما يكون موجودا عند وجوده وكما يجوز إثبات أحكام الشرع بعين النص من غير أن يعقل فيه المعنى على أن يجعل اسم النص أمارة ذلك الحكم يجوز إثبات الحكم بوصف ثابت باسم النص من غير أن يعقل فيه المعنى على أن يكون ذلك الوصف علة للحكم فإن للشرع ولاية شرع الأحكام كيف يشاء ففي اشتراط كون المعنى معقولا فيما هو أمارة حكم الشرع إثبات نوع حجر لا يجوز القول به أصلا والفريق الثاني منهم استدلوا بمثل هذا الكلام ولكنهم قالوا العلة ما يتغير به حكم الحال على ما نبينه في موضعه ووجود الحكم مع وجود الوصف قد يكون اتفاقا وقد يكون لكونه علة لا تتعين جهة كونه مغيرا إلا بانعدام الحكم عند عدمه فبه يتبين أنه لم يكن اتفاقا ثم الحكم الثابت بالعلة إذا كان بحيث يحتمل الرفع لا يبقى بعد انعدام العلة كالحكم الثابت بالبيع وهو الملك لا يبقى بعد فسخ البيع ورفعه واشتراط قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له ليعلم به أن ثبوت الحكم بوجود علته لا بصورة النص وذلك نحو آية الوضوء ففي النص ذكر القيام إلى الصلاة والعلة الموجبة للطهارة الحدث فإن الحكم يدور مع الحدث وجودا وعدما والمنصوص عليه وهو القيام إلى الصلاة قائم في الحالين ولا حكم له وقوله عليه السلام لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان فيه تنصيص على الغضب والعلة فيه شغل القلب حتى دار الحكم معه وجودا وعدما والمنصوص عليه قائم في الحالين ولا حكم له وقال عليه السلام الحنطة بالحنطة مثلا بمثل ثم العلة الموجبة للحرمة والفساد الفضل على الكيل لأن الحكم يدور معه وجودا وعدما والمنصوص عليه وهو ( الحنطة بالحنطة ) قائم في الحالين ولا حكم له

Section V02/P178–V02/P179

وجواب أهل الفقه عن هذه الكلمات ظاهر فإن الظواهر الدالة على جواز العمل بالقياس بالاتفاق لا تدل على أن كل وصف من أوصاف الأصل صالح لأن يكون علة فإنه لو كان كذلك لتحير المعلل وارتفع معنى الابتلاء بطلب الحكم في الحوادث أصلا وإذا اتفقنا على أن دلالة هذه النصوص لوصف من بين أوصاف الأصل قد ابتلينا بطلبه حين أمرنا بالاعتبار فلا بد من أن يكون في ذلك الوصف معنى معقول يمكن التمييز به بينه وبين سائر الأوصاف ليوقف عليه وما هذا إلا نظير النصوص المثبتة لصفة الشهادة لهذه الأمة فإن ذلك لا يمنع القول باختصاص الصلاحية ببعض الأوصاف واختصاص الأداء بلفظ الشهادة من بين سائر الألفاظ وهذا لأن أوصاف النص تعلم بالحس أو السماع وذلك يشترك فيه أهل اللغة وغيرهم ممن له حاسة صحيحة مع الفقهاء ثم التعليل بالقياس لإثبات الحكم قد اختص به الفقهاء فعرفنا أن اختصاصهم بذلك لم يكن إلا لمعنى معقول في الوصف الذي هو علة لا يمكن الوقوف عليه إلا بالتأمل من طريق الفقه وقوله علل الشرع أمارات قلنا هي أمارات من حيث إنها غير موجبة بذواتها ولكنها موجبة للحكم بجعل الشرع إياها موجبة العمل بها ومعلوم أنه لا يمكن العمل بها إلا بعد معرفة عينها وطريق ذلك التعيين بالنص أو الاستنباط بالرأي وقد انعدم التعيين بالنص ولا يتأتى فيه الاستنباط بالرأي إذا لم يكن الحكم معقول المعنى لأن العقل طريق يدرك به ما يعقل كما أن الحس طريق يدرك به ما يحس دون ما لا يحس وليس هذا نظير الأحكام الثابتة بالنص غير معقول المعنى لأن النص موجب بنفسه فإنه كلام من يثبت علم اليقين بقوله وقد حصل التعيين بالنص هناك فكونه غير معقول المعنى لا يعجزنا عن العمل به فأما التعليل ببعض الأوصاف فهو غير موجب بنفسه وإنما يجب العمل به بطريق أنه إعمال الرأي ليتوصل به إلى الحجة في حكم شرعي وما لم يكن معقول المعنى لا يتأتى إعمال الرأي فيه ثم الدليل على أن الدوران لا يصلح أن يكون علة أن الحكم كما يدور مع العلة وجودا وعدما يدور مع الشرط وجودا وعدما فإن من قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فالعتق بهذا الكلام يدور مع الدخول وجودا وعدما وأحد لا يقول دخول الدار علة العتق بل هو شرط العتق فإن قيل الأصل دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما فأما الشرط عارض لا يكون إلا بعد تعليق الحكم به نصا قلنا فأين ذهب قولك إن علل الشرع أمارات فإنه لا يفهم من ذلك اللفظ إلا أن الشرع جعلها أمارة للحكم بأن علق الحكم بها وأي فرق بين تعليق حكم العتق من المولى بدخول الدار شرطا وبين التعليق الثابت شرعا ثم هناك دوران الحكم بمجرده لا يدل على كونه علة فهنا كذلك ثم هب كان الأصل هو دوران الحكم مع العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم وبالاحتمال لا تثبت العلة فأما اشتراط قيام المنصوص عليه في الحالين ولا حكم له فقد جعل ذلك بعضهم مفسدا للقياس باعتبار ما ذكرنا أن شرط صحة التعليل هو أن يبقى الحكم في المنصوص عليه بعد التعليل على ما كان قبله فإذا جعل التعليل على وجه لا يبقى للنص حكم بعده يكون ذلك آية فساد القياس لا دليل صحته فأما من شرط ذلك مستدلا بما ذكرنا فالجواب عن كلامه أن هذا وهم ابتلي به لقلة تأمله لأن المقصود بالتعليل تعدية حكم النص إلى محل لا نص فيه فكيف يجوز أن لا يبقى للنص حكم بعد التعليل وإذا لم يبق له حكم فالتعدية بعد التعليل في أي شيء يكون

Section V02/P179–V02/P181

فأما آية الوضوء فنحن لا نقول إن الحدث علة لوجوب الوضوء ولكن من شرط القيام لأداء الصلاة الطهارة عن الحدث فكان تقدير الآية إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ولكن سقط ذكر الحدث للإيجاز والاختصار على ما هو عادة أهل اللسان في إسقاط بعض الألفاظ إيجازا إذا كان في الباقي دليل عليه ففي المذكور هنا دليل على المحذوف وهو قوله تعالى ولكن يريد ليطهركم وإن كنتم جنبا فاطهروا وقوله تعالى عند ذكر البدل أو جاء أحد منكم من الغائط وقد علم أن البدل إنما يجب عند عدم الأصل بما يجب به الأصل فظهر أنا إنما جعلنا الحدث شرطا لوجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة بدلالة النص لا بطريق التعليل والاستنباط بالرأي وكذلك قوله عليه السلام لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان إنما عرفنا أن المراد النهي عن القضاء عند شغل القلب لمخافة الغلط بدليل الإجماع لا بطريق الاستنباط بالرأي والإجماع حجة سوى الرأي فإن التعليل بالرأي يكون بعد الإجماع بالاتفاق وكيف يستقيم أن لا يكون للنص حكم بعد التعليل والشرع ما جعل التعليل بالرأي إلا بعد النص وإلا لإثبات الحكم فيما لا نص فيه وبيان هذا في حديث معاذ حين قال له ( كيف تقضي ) وحديث نص الربا هكذا فإن المساواة في الكيل إنما عرفناه بالنص لا بالرأي وهو قوله عليه السلام في بعض الروايات مكان قوله ( مثل بمثل ) ( كيل بكيل ) أو بالإجماع فقد اتفقوا أنه ليس المراد من قوله ( مثل بمثل ) إلا المماثلة في الكيل وكذلك ( في ) قوله ( إلا سواء بسواء ) اتفاق أن المراد المساواة في الكيل فعرفنا أن من قال في هذه المواضع بأن الحكم دار مع العلة وجودا وعدما والمنصوص عليه قائم في الحالين ولا حكم له فهو مخطىء غير متأمل في مورد النص ولا فيما هو طريق التعليل في الفقه ثم الدليل على أن انعدام الحكم عند عدم الوصف لا يكون دليل صحة العلة ما ذكرنا من الشرط ولأن ثبوت الحكم لما كان بورود الشرع به فانعدام الحكم عند انعدام العلة الموجبة شرعا يكون بالعدم الذي هو أصل فيه لا أن يكون مضافا إلى العلة حتى يكون دليل صحة العلة والدليل على أن وجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فساد العلة اتفاق الكل على أن الحكم يجوز أن يكون ثابتا في محل بعلل ثم بانعدام بعضها لا يمتنع بقاء الحكم بالبعض الذي هو باق كما لا يمتنع ثبوت الحكم ابتدا بتلك العلة وبهذا يتبين أنه لا بد من القول بأنه لا ينعدم الحكم إلا بانعدام جميع العلل التي كان الحكم ثابتا بكل واحد منها فعرفنا أن وجود الحكم عند عدم العلة لا يكون دليل فسادها وفساد القول بأن دليل صحة العلة دوران الحكم معه وجودا وعدما كالمتفق عليه فإن القائسين اتفقوا أن علة الربا أحد أوصاف الأصل وادعى كل واحد منهم أن الصحيح ما ذهب إليه ومعلوم أن كل قائل يمكنه أن يستدل على صحة علته بدوران الحكم معه وجودا وعدما وكذلك لو قال إن العلة في تكفير المستحل للخمر معنى الشدة والمرارة كان ذلك فاسدا بالاتفاق فإن أحدا لا يقول بتكفير مستحل سائر الأشربة مع وجود الشدة والمرارة ثم هذا القائل يتمكن من تصحيح قوله بدوران الحكم معه وجودا وعدما فإن العصير قبل أن يتخمر لا يكفر مستحله وبعد التخمر يكفر مستحله لوجود الشدة والمرارة ثم بعد التحلل لا يكفر مستحله لانعدام الشدة والمرارة إلا أن يقول بتخصيصه وقد قامت الدلالة على فساد القول بتخصيص العلل الشرعية على ما نبينه إن شاء الله تعالى فيفسد به أيضا القول بتخصيص ما هو دليل صحة العلة لأن ذلك حجة شرعية ثابتة بطريق الرأي فإن قيل مثل هذا يلزم القائلين بأن دليل صحة العلة الأثر فإن الحكم يدور مع العلة المأثورة وجودا وعدما عند من لا يجوز تخصيص العلة وهو الصحيح

Questions