Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
إلا أنها إذا كانت خرابا فلا خراج عليها إذ ليس على الخراب خراج إلا أذا عطلها صاحبها مع التمكن من الاستنماء فعليه الخراج وهذا إذا عرف صاحبها فإن لم يعرف فحكمها حكم اللقطة يعرف في كتابه إن شاء الله تعالى وأما الكلأ الذي ينبت في أرض مملوكة فهو مباح غير مملوك إلا إذا قطعه صاحب الأرض وأخرج فيملكه هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا رضي الله عنهم وقال بعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله إنه إذا سقاه وقام عليه ملكه والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن الأصل فيه هو الإباحة لقوله عليه الصلاة والسلام الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار والكلأ اسم لحشيش ينبت من غير صنع العبد والشركة العامة هي الإباحة إلا إذا قطعه وأحرزه لأنه استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه كالماء المحرز في الأواني والظروف وسائر المباحات التي هي غير مملوكة لأحد والنار اسم لجوهر مضيء دائم الحركة علوا فليس لمن أوقدها أن يمنع غيره من الاصطلاء بها لأن النبي عليه الصلاة والسلام أثبت الشركة فيها فأما الجمر فليس بنار وهو مملوك لصاحبه فله حق المنع كسائر أملاكه ولو أراد أحد أن يدخل ملكه لاحتشاش الكلأ فإذا كان يحده ( ( ( يجده ) ) ) في موضع آخر له أن يمنعه من الدخول وإن كان لا يحده ( ( ( يجده ) ) ) فيقال لصاحب الأرض إما أن تأذن له بالدخول وإما أن تحش بنفسك فتدفعه إليه كالماء الذي في الآبار والعيون والحياض التي في الأراضي المملوكة على ما ذكرنا في كتاب الشرب ولو دخل إنسان أرضه بغير إذنه واحتش ليس لصاحبه أن يسترده لأنه مباح سبقت يده إليه وكذا لا يجوز بيعه لأن محل البيع مال مملوك وإن لم يثبت على ملك أحد ولا تجوز إجارته لأن الأعيان لا تحتمل الإجارة على ما ذكرنا في كتاب الشرب والجواب في الكلأ في البيع والإجارة والهبة والنكاح والخلع والصلح والوصية كالجواب في الشرب لأن كل واحد منها غير مملوك وقد ذكرنا ذلك كله في الشرب وكذلك المروج المملوكة في حكم الكلأ على هذا وكذلك الآجام المملوكة في حكم السمك لأن السمك أيضا مباح الأصل لقوله تعالى عز شأنه أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وقوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان الحديث فلا يصير مملوكا إلا بالأخذ والاستيلاء لما بينا ولو حظر السمك في حظيرة فإن كان مما يمكن أخذه بغير صيد يملكه بنفس الحظر لوجود الاستيلاء وإثبات اليد عليه ولهذا لو باعه جاز وإن كان لا يمكن أخذه إلا بصيد لا يملكه صاحب الحظيرة لأنه ما استولى عليه ولا يملك المباح إلا بالاستيلاء ولهذا لو باعه لا يجوز بيعه وعلى هذا سائر المباحات كالطير إذا باضت أو فرخت في أرض إنسان أنه يكون مباحا ويكون للآخذ لا لصاحب الأرض سواء كان صاحب الأرض اتخذ له وكرا أم لا وقال المتأخرون من مشايخنا رحمهم الله إنه إن كان اتخذ له ملكا له يسترده من الآخذ وهذا غير سديد لقوله عليه الصلاة والسلام لمن أخذه ولأن الملك في المباح إنما يثبت بالاستيلاء عليه والآخذ هو المستولي دون صاحب الأرض وإن اتخذ له وكرا وكذلك صيد التجأ إلى أرض رجل أو داره فهو للآخذ لما قلنا ولو رد صاحب الدار باب الدار عليه بعد الدخول يملكه إن أمكنه أخذه بغير صيد لوجود الاستيلاء منه وكذلك لو نصب شبكة فتعقل بها صيد تعقلا لا خلاص له فهو لناصب الشبكة سواء كانت الشبكة له أو لغيره كمن أرسل بازي إنسان بغير إذنه فأخذ صيدا أو أغرى كلبا لإنسان على صيد فأخذه فكان للمرسل والمغري لا لصاحبه ولو نصب فسطاطا فجاء صيد فتعقل به فهو للآخذ
ووجه الفرق أن نصب الشبكة وضع لتعقل الصيد ومباشر السبب الموضوع للشيء اكتساب له فأما نصب الفسطاط فما وضع لذلك بل لغرض آخر فتوقف الملك فيه على الاستيلاء والأخذ حقيقة ولو حفر حفيرة فوقع فيها صيد فإن كان حفرها لاجتماع الماء فيها فهو للآخذ لأنه بمنزلة الاصطياد وإن كان حفرها للاصطياد بها فهو له بمنزلة الشبكة وأما الآجام المملوكة في حكم القصب والحطب فليس لأحد أن يحتطب من أجمة رجل إلا بإذنه لأن الحطب والقصب مملوكان لصاحب الأجمة ينبتان على ملكه وإن لم يوجد منه الإنبات أصلا بخلاف الكلأ في المروج المملوكة لأن منفعة الأجمة هي القصب والحطب فكان ذلك مقصودا من ملك الأجمة فيملك بملكها فأما الكلأ فغير مقصود من المرج المملوك بل المقصود هو الزراعة ولو أن بقارا رعى بقرا في أجمة مملوكة لإنسان فليس له ذلك وهو ضامن لما رعى وأفسد من القصب لما ذكرنا أن منفعة الأجمة القصب والحطب وهما مملوكان لصاحب الأجمة وإتلاف مال مملوك لصاحبه يوجب الضمان بخلاف الكلأ في المروج لأنه يثبت على الإباحة دون الملك على ما بينا والدليل على التفرقة بينهما أنه يجوز له دفع القصب معاملة ولا يجوز دفع الكلأ معاملة والأصل المحفوظ فيه أن القصب والحطب يملكان بملك الأرض والكلأ لا وأما ما لا يثبت ( ( ( ينبت ) ) ) عادة إلا بصنع العبد كالقتة والقصيل وما بقي من حصاد الزرع ونحو ذلك في أرض مملوكة يكون مملوكا ولصاحب الأرض أن يمنع غيره ويجوز بيعه ونحو ذلك لأن الإنبات يعد اكتسابا له فيملكه ولأن الأصل أن يكون من المملوك مملوكا إلا أن الإباحة في بعض الأشياء تثبت على مخالفة الأصل بالشرع والشرع ورد بها في أشياء مخصوصة فيقتصر عليها وأما أرض الموات فالكلام فيها في مواضع في تفسير الأرض الموات وفي بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات وفي بيان ما يثبت به الملك في الموات وما يثبت به الحق فيه دون الملك وفي بيان حكمه إذا ملك أما الأول فالأرض الموات هي أرض خارج البلد لم تكن ملكا لأحد ولا حقا له خاصا فلا يكون داخل البلد موات أصلا وكذا ما كان خارج البلدة من مرافقها محتطبا بها لأهلها أو مرعى لهم لا يكون مواتا حتى لا يملك الإمام إقطاعها لأن ما كان من مرافق أهل البلدة فهو حق أهل البلدة كفناء دارهم وفي الإقطاع إبطال حقهم وكذلك أرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني عنها المسلمون لا تكون أرض موات حتى لا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد لأنها حق لعامة المسلمين وفي الإقطاع إبطال حقهم وهذا لا يجوز وهذا ( ( ( وهل ) ) ) يشترط أن يكون بعيدا من العمران شرطه الطحاوي رحمه الله فإنه قال وما قرب من العامر فليس بموات وكذا روي عن أبي يوسف رحمه الله أن أرض الموات بقعة لو وقف على أدناها من العامر رجل فنادى بأعلى صوته لم يسمعه من العامر وفي ظاهر الرواية ليس بشرط حتى إن بحرا من البلدة جزر ماؤه أو أجمة عظيمة لم تكن ملكا لأحد تكون أرض موات في ظاهر الرواية وعلى قياس رواية أبي يوسف وقول الطحاوي لا تكون والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن الموات اسم لما لا ينتفع به فإذا لم يكن ملكا لأحد ولا حقا خاصا لم يكن منتفعا به كان بعيدا عن البلدة أو قريبا منها وأما بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات فالإمام يملك إقطاع الموات من مصالح المسلمين لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد للتصرف ( ( ( التصرف ) ) ) فيما يتعلق بمصالح المسلمين للإمام ككري الأنهار العظام وإصلاح قناطرها ونحوه
ولو أقطع الإمام الموات إنسانا فتركه ولم يعمره لا يتعرض له إلى ثلاث سنين فإذا مضى ثلاث سنين فقد عاد ( ( ( ظل ) ) ) مواتا كما كان وله أن يقطعه غيره لقوله عليه الصلاة والسلام ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق ولأن الثلاث سنين مدة لإبلاء الأعذار فإذا أمسكها ثلاث سنين ولم يعمرها دل على أنه لا يريد عمارتها بل تعطيلها فبطل حقه وتعود إلى حالها مواتا وكان للإمام أن يعطيها غيره وأما بيان ما يثبت به الملك في الموات وما لا يثبت ويثبت به الحق فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى يثبت بنفس الإحياء وإذن الإمام ليس بشرط وجه قولهما قوله عليه الصلاة والسلام من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم فيه حق أثبت الملك للمحي ( ( ( للمحيي ) ) ) من غير شريطة إذن الإمام ولأنه مباح استولى عليه فيملكه بدون إذن الإمام كما لو أخذ صيدا أو حش كلأ وقوله عليه الصلاة والسلام ليس لعرق ظالم فيه حق روي منونا ومضافا فالمنون هو أن تنبت عروق أشجار إنسان في أرض غيره بغير إذنه فلصاحب الأرض قلعها حشيشا ولأبي حنيفة عليه الرحمة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه فإذا لم يأذن فلم تطب نفسه به فلا يكون له ولأن الموات غنيمة فلا بد للاختصاص به من إذن الإمام كسائر الغنائم والدليل عليه أن غنيمة اسم لما أصيب من أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب والموات كذلك لأن الأرض كلها كانت تحت أيدي أهل الحرب استولى عليها المسلمون عنوة وقهرا فكانت كلها غنائم فلا يختص بعض المسلمين بشيء منها من غير إذن الإمام كسائر الغنائم بخلاف الصيد والحطب والحشيش لأنها لم تكن في يد أهل الحرب فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء وإثبات اليد عليها وأما الحديث فيحتمل أنه يصير به شرعا ويحتمل أنه إذن جماعة بإحياء الموات بذلك النظم ونحن نقول بموجبه فلا يكون حجة مع الاحتمال نظير قوله عليه الصلاة والسلام من قتل قتيلا فله سلبه حتى لم يصح الاحتجاج به في إيجاب السلب للقاتل على ما ذكر في كتاب السير أو يحمل ذلك على حال الإذن توفيقا بين الدلائل ويملك الذمي بالإحياء كما يملك المسلم لعموم الحديث ولو حجر الأرض الموات لا يملكها بالإجماع لأن الموات يملك بالإحياء لأنه عبارة عن وضع أحجار أو خط حولها يريد أن يحجر غيره عن الاستيلاء عليها وشيء من ذلك ليس بإحياء فلا يملكها ولكن صار أحق بها من غيره حتى لم يكن لغيره أن يزعجه لأنه سبقت يده إليه والسبق من أسباب الترجيح في الجملة قال النبي عليه الصلاة والسلام منى مباح من سبق وعلى هذا المسافر إذا نزل بأرض مباحة أو رباط صار أحق بها ولم يكن لمن يجيء بعده أن يزعجه عنها وإذا صار أحق بها فلا يقطعها الإمام غيره إلا إذا عطلها المتحجر ثلاث سنين ولم يعمرها وأما بيان حكم أرض الموات إذا ملكت فيختص بها حكمان أحدهما حكم الحريم والثاني الوظيفة من العشر والخراج أما الأول فالكلام فيه في موضعين أحدهما في أصل الحريم والثاني في قدره أما أصله فلا خلاف في أن من حفر بئرا في أرض الموات يكون لها حريم حتى لو أراد أحد أن يحفر في حريمه له أن يمنعه لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل للبئر حريما وكذلك العين لها حريم بالإجماع لأنه عليه الصلاة والسلام جعل لكل أرض حريما وأما النهر فقد ذكرنا الكلام فيه وأما تقديره فحريم العين خمسمائة ذراع بالإجماع وبه نطقت السنة وهو قوله عليه الصلاة والسلام للعين خمسمائة ذراع وحريم بئر العطن أربعون ذراعا بالإجماع نطقت به السنة قال النبي عليه الصلاة والسلام وحريم بئر العطن أربعون ذراعا
وأما حريم بئر الناضح فقد اختلف فيه عند أبي حنيفة رحمه الله أربعون ذراعا وعندهما ستون ذراعا احتجا بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال وحريم بئر الناضح ستون ذراعا وجه قول أبي حنيفة أن الملك في الموات يثبت بالأحياء بإذن الإمام أو بغير إذنه ولم يوجد منه إحياء الحريم وكذا إذن الإمام يتناول الحريم مقصودا إلا أن دخول الحريم لحاجة البئر إليه وحاجة الناضح تندفع بأربعين ذراعا من كل جانب كحاجة العطن فبقي الزيادة على ذلك على حكم الموات والحديث يحتمل أنه قال عليه الصلاة والسلام ذلك في بئر خاص وللإمام ولاية ذلك وأما حريم النهر فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في تقديره فعند أبي يوسف قدر نصف بطن النهر من كل جانب النصف من هذا الجانب والنصف من ذلك الجانب وعند محمد قدر جميع بطن النهر من كل جانب قدر جميعه وأما النهر إذا حفر في أرض الموات فمنهم من ذكر الخلاف فيه بين أبي حنيفة وصاحبيه والصحيح أن له حريما بلا خلاف لما قلنا وأما الثاني حكم الوظيفة فإن أحياها مسلم قال أبو يوسف إن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية وإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية وقال محمد إن أحياها بماء العشر فهي عشرية وإن أحياها بماء الخراج فهي خراجية وإن أحياها ذمي فهي خراجية كيف ما كان بالإجماع وهي من مسائل كتاب العشر والخراج والله عز شأنه أعلم كتاب المفقود الكلام في المفقود يقع في أربعة مواضع في تفسير المفقود وفي بيان حاله وفي بيان ما يصنع بماله وفي بيان حكم ماله أما الأول فالمفقود اسم لشخص غاب عن بلده ولا يعرف خبره أنه حي أم ميت فصل وأما حال المفقود فعبارة مشايخنا رحمهم الله عن حاله أنه حي في حق نفسه ميت في حق غيره والشخص الواحد لا يكون حيا وميتا حقيقة لما فيه من الاستحالة ولكن معنى هذه العبارة أنه تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له فلا يورث ماله ولا تبين امرأته كأنه حي حقيقة وتجري عليه أحكام الأموات فيما لم يكن له فلا يرث أحدا كأنه ميت حقيقة لأن الثابت باستصحاب الحال يصلح لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لإثبات ما لم يكن وملكه في أحكام أمواله ونسائه أمر قد كان واستصحبنا حال الحياة لإبقائه وأما ملكه في مال غيره فأمر لم يكن فتقع الحاجة إلى الإثبات واستصحاب الحال لا يصلح حجة لإثبات ما لم يكن وتحقيق العبارة عن حاله أن حاله غير معلوم يحتمل أنه حي ويحتمل أنه ميت وهذا يمنع التوارث والبينونة لأنه إن كان حيا يرث أقاربه ولا يرثونه ولا تبين امرأته وإن كان ميتا لا يرث أقاربه ويرثونه والإرث من الجانبين أمر لم يكن ثابتا بيقين فوقع الشك في ثبوته فلا يثبت بالشك والاحتمال وكذلك البينونة على الأصل المعهود في الثابت بيقين لا يزول بالشك وغير الثابت بيقين لا يثبت بالشك فإذا مات واحد من أقاربه يوقف نصيبه إلى أن يظهر حاله أنه حي أم ميت لاحتمال الحياة والموت للحال حتى إن من هلك وترك ابنا مفقودا وابنتين وابن ابن وطلبت الابنتان الميراث فإن القاضي يقضي لهما بالنصف ويوقف النصف الثاني إلى أن يظهر حاله لأنه إن كان حيا كان له النصف والنصف للابنتين ولا شيء لابن الابن وإن كان ميتا كان للابنتين الثلثان والباقي لابن الابن فكان استحقاق النصف للابنتين ثابتا بيقين فيدفع ذلك إليهما ويوقف النصف الآخر إلى أن يظهر حاله فإن لم يظهر حتى مضت المدة التي يعرف فيها موته يدفع الثلثان إليهما والباقي لابن الابن وكذا لو أوصى له بشيء يوقف وكذا إذا فقد المرتد ولا يدري أنه لحق بدار الحرب أم لا توقف تركته كالمسلم فصل وأما بيان ما يصنع بماله
فالذي يصنع أنواع منها أن القاضي يحفظ ماله يقيم من ينصبه للحفظ لأنه مال لا حافظ له لعجز صاحبه عن الحفظ فيحفظ عليه القاضي نظرا له كما يحفظ مال الصبي والمجنون الذي لا ولي لهما ومنها أنه يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه لأن ذلك حفظ له معنى ولا يأخذ ماله الذي في يد مودعه ومضاربه ليحفظه لأن يدهما يد نيابة عنه في الحفظ فكان محفوظا بحفظه معنى فلا حاجة إلى حفظ القاضي ومنها أنه ينفق على زوجته من ماله إن كان عالما بالزوجية لأن الإنفاق عليها إحياء لها فكان من باب حفظ ملك الغائب عليه عند عجزه عن الحفظ بنفسه فيملكه كما يملك حفظ ماله ومنها أنه ينفق من ماله على أولاده الصغار الذكور والإناث وعلى أولاده الفقراء الزمنى من الذكور والفقيرات من الإناث سواء كن زمنى أو لا وعلى والديه المحتاجين إن كان عالما بالنسب لأن نفقة أولاده إنما تجب بحكم الجزئية والبعضية إحياء لهم وإحياء نفسه واجب فكذا إحياء جزئه وكله فكان الإنفاق عليهم من ماله إحياء لهم معنى وهو عاجز عن ذلك بنفسه فيقوم به القاضي وإن لم يعلم القاضي بالزوجية والنسب فأحضروا رجلا في يده مال وديعة للمفقود أو مضاربة أو عليه دين له فأقر الرجل بذلك وبالزوجية والنسب أنفق عليهم من ذلك المال لأن للمرأة أن تأخذ نفقتها من مال زوجها إذا ظفرت به قدر ما يكفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي سفيان خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف فإذا أقر أن هذا ماله وهذه امرأته ثبت لها حق الأخذ وكذا في الأولاد يأخذ البعض كفايته من مال البعض عند الحاجة فإذا أقر بالنسب والمال فقد ثبت لهم حق الأخذ وهذا قول أصحابنا الثلاثة رضي الله عنهم وعند زفر رحمه الله ليس للقاضي ذلك لكونه قضاء على الغائب ونحن نقول ليس هذا من باب القضاء على الغائب بل هو من باب النظر للغائب وللقاضي ولاية النظر للغائب لما علم على ما ذكرنا في كتاب النفقات ولو أخذ القاضي منهم كفيلا كان حسنا لجواز أن يحضر المفقود فيقيم البينة على أنه كان طلق امرأته أو كان أعطاهم النفقة معجلة هذا إذا أقر الرجل بهما فأما إذا أنكرهما جميعا أو أقر بأحدهما دون الآخر فأقاموا البينة على ذلك لا تسمع بينتهم لأنه يكون قضاء على الغائب وله من غير أن يكون عنه وله خصم حاضر لأن المودع والمضارب والغريم ليسوا خصماء عن الغائب في إثبات الزوجية وإيجاب النفقة عليه وكذا الأولاد والوالدون والمرأة ليسوا خصماء للغائب في إثبات ملك المال له وكل ذلك لا يجوز فإن أعطوهم شيئا فهو من مال أنفسهم لأنهم متطوعون في ذلك ولا ينفق من ماله على من سواهم من ذوي الأرحام لأن نفقتهم ليست بعلة الجزئية والبعضية لعدمها بل بطريق الصلة والبر بهم والإحسان إليهم ألا ترى أنهم ليس لهم أن يمدوا أيديهم فيأخذوا من ماله عند حاجتهم إليه بخلاف الوالدين والمولودين فكان الإنفاق من ماله قضاء على الغائب والأصل أن كل مال ثبت حق الأخذ منه للمنفق عليه من غير قضاء القاضي له أن ينفق منه وما لا يثبت حق الأخذ منه إلا بقضاء ليس للقاضي أن ينفق منه ثم القاضي إنما ينفق من مال المفقود على ما ذكرنا إذا كان المال دراهم أو دنانير أو طعاما أو ثيابا هي من جنس كسوتها
فأما إذا كان من جنس آخر من العروض والعقار فلا ينفق لأنه لا يمكنه الإنفاق إلا بالبيع وليس للقاضي أن يبيع العقار والعروض على الغائب بالإجماع لأن البيع على الغائب في معنى الحجر عليه والحجر على الحر البالغ لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما إن جاز على الحاضر لكن لا يجوز على الغائب لأن الجواز على الحاضر لدفع الظلم بالامتناع عن قضاء الدين مع القدرة على القضاء من ثمن العين ولم يتحقق الظلم منه حالة الغيبة لما لم يعرف منه الامتناع من الإنفاق فافترق الحالان وإنما ملك بيع ما يتسارع إليه الفساد لأن ذلك وإن كان بيعا صورة فهو حفظ وإمساك له معنى والقاضي يملك حفظ مال المفقود وأما الأب فليس له أن يبيع العقار في نفقة الغائب من غير إذن القاضي بالإجماع وأما المنقول فله أن يبيعه عند أبي حنيفة من غير أمر القاضي وعندهما لا يبيع المنقول كما لا يبيع العقار لما علم في كتاب النفقات والله تعالى أعلم فصل وأما حكم ماله فهو أنه إذا مضت من وقت ولادته مدة لا يعيش إليها عادة يحكم بموته ويعتق أمهات أولاده ومدبره وتبين امرأته ويصير ماله ميراثا لورثته الأحياء وقت الحكم ولا شيء لمن مات قبل ذلك ولم يقدر لتلك المدة في ظاهر الرواية تقديرا وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قدرها بمائة وعشرين سنة من وقت ولادته وذكر محمد في الأصل أنه فقد رجل بصفين أو بالجمل ثم اختصم ورثته في ماله في زمن أبي حنيفة عليه الرحمة فقسم بينهم وقيل كانت وفاة سيدنا علي رضي الله عنه في سنة أربعين ووفاة أبي حنيفة رضي الله عنه في سنة مائة وخمسين وروي عن محمد رحمه الله أنه قدرها بمائة سنة فإذا مضت المدة المقدرة يحكم بموته وتثبت جميع الأحكام المتعلقة بالمدة كما إذا قامت البينة على موته والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب اللقيط الكلام في اللقيط في مواضع في تفسير اللقيط لغة وعرفا وفي بيان حاله وفي بيان ما يتعلق به من الأحكام أما في اللغة فهو فعيل من اللقط وهو اللقاء بمعنى المفعول وهو الملقوط وهو الملقى أو الأخذ والرفع بمعنى الملقوط وهو المأخوذ والمرفوع عادة لما أنه يؤخذ فيرفع وأما في العرف فنقول هو اسم للطفل المفقود وهو الملقى أو الطفل المأخوذ والمرفوع عادة فكان تسميته لقيطا باسم العاقبة لأنه يلقط عادة أي يؤخذ ويرفع وتسمية الشيء باسم عاقبته أمر شائع في اللغة قال الله تعالى جل شأنه إني أراني أعصر خمرا وقال الله تعالى جل شأنه إنك ميت وإنهم ميتون سمى العنب خمرا والحي الذي يحتمل الموت ميتا باسم العاقبة كذا هذا فصل وأما بيان حاله فله أحوال ثلاث لا بد من التعرف عنها حاله في الحرية والرق وحاله في النسب أما حاله في الحرية والرق فهو أنه حر من حيث الظاهر كذا روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي رضي الله عنهما أنهما حكما بكون اللقيط حرا ولأن الأصل هو الحرية في بني آدم لأن الناس كلهم أولاد سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام وحواء وهما كانا حرين والمتولد من الحرين يكون حرا وإنما حدث الرق في البعض شرعا بعارض الاستيلاء بسبب عارض وهو الكفر الباعث على الحراب فيجب العمل بالأصل حتى يقوم الدليل على العارض فرتب عليه أحكام الأحرار من أهلية الشهادة والإعتاق والتدبير والكتابة واستحقاق الحد على قاذفه وغير ذلك من الأحكام المختصة بالأحرار إلا أنه لا يحد قاذف أمه لأن إحصان المقذوف شرط انعقاد علة توجب على القاذف ولم يعرف إحصانها لانعقاد القذف عليه لوجوب الحد على القاذف
ولو ادعى الملتقط أو غيره أنه عبده لا يسمع منه إلا ببينة لأن حريته ثابتة من حيث الظاهر فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل ولو بلغ فأقر أنه عبد فلان نظر في ذلك إن كان لم يجر عليه شيء من أحكام الأحرار بعد من قبول شهادته وضرب قاذفه الحد ونحوه صح إقراره لأنه لم تعرف حريته إلا بظاهر الحال فإذا أقر بالرق فالظاهر أنه لا يقر على نفسه بالرق كاذبا فصح إقراره إلا أنه لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات من الهبة والكفالة والإعتاق والنكاح ونحوها من التصرفات التي لا يملكها العبد حتى لا تنفسخ وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله في أحد قوليه ينفسخ وجه قوله أنه لما أقر بالرق فقد ظهر أنه كان رقيقا وقت التصرف فلم يصح تصرفه كما إذا قامت البينة على رقه ولنا إن هذا إقرار تضمن إبطال حق الغير لأن حريته ثابتة من حيث الظاهر فلا يصدق في حق ذلك الغير لما عرف أن الإقرار تصرف على نفس المقر فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير كان دعوى أو شهادة على غيره من ذلك الوجه فيصدق على نفسه لا على غيره كمن أقر بحرية عبد إنسان ثم اشتراه عتق عليه ولا يرجع بالثمن على البائع لما قلنا كذا هذا والاستدلال بالبينة غير سديد لأن الشاهد غير متهم في شهادته على غيره فأما المقر في إقراره على غيره فمتهم فهو الفرق وإن كان قد أجري عليه شيء من ذلك لا يصح إقراره لأنه إذا أجري عليه شيء من أحكام الأحرار فقد ظهرت حريته عند الناس كافة فظهر أنه حر الأصل فلا يملك إبطالها بالإقرار بالرق وأما حاله في الإسلام والكفر فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون مسلما حتى لو مات يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين وإن وجده ذمي في بيعة أو كنيسة أو في قرية ليس فيها مسلم يكون ذميا تحكيما للظاهر كما إذا وجده مسلم في بيعة أو كنيسة أو في قرية من قرى أهل الذمة يكون ذميا ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أو في قرية من قراهم يكون مسلما كذا ذكر في كتاب اللقيط من الأصل واعتبر المكان وروى ابن سماعة عن محمد أنه اعتبر حال الواجد من كونه مسلما أو ذميا وفي كتاب الدعوى اعتبر الإسلام إلى أيهما نسب إلى الواجد أو إلى المكان والصحيح رواية هذا الكتاب لأن الموجود في مكان هو في أيدي أهل الإسلام وتصرفهم في أيديهم واللقيط الذي هو في يد المسلم وتصرفه يكون مسلما ظاهرا والموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم واللقيط الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميا ظاهرا فكان اعتبار المكان أولى فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين فبلغ كافرا يجبر على الإسلام ولكن لا يقتل لأنه لم يعرف إسلامه حقيقة وإنما حكم به تبعا للدار فلم تتحقق ردته فلا يقتل وأما حاله في النسب فهو أنه مجهول النسب حتى لو ادعى إنسان نسبة الملتقط أو عتقه تصح دعوته ويثبت النسب منه لما علم في كتاب الدعوى وأما الأحكام المتعلقة به فأنواع منها أن التقاطه أمر مندوب إليه لما روي أن رجلا أتى سيدنا عليا رضي الله عنه بلقيط فقال هو حر ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت أنت كانت أحب إلي من كذا وكذا عد جملة من أعمال الخير فقد رغب في الالتقاط وبالغ في الترغيب فيه حيث فضله على جملة من أعمال الخير على المبالغة في الندب إليه ولأنه نفس لا حافظ لها بل هي في مضيعة فكان التقاطها إحياء لها معنى وقد قال الله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا
ومنها أن الملتقط أولى بإمساكه من غيره حتى لا يكون لغيره أن يأخذه منه لأنه هو الذي أحياه بالتقاطه ومن أحيا أرضا ميتة فهي له على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه مباح الأخذ سبقت يد الملتقط إليه والمباح مباح من سبق على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها أن نفقته من بيت المال لأن ولاءه له وقد قال عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان ولو كان معه مال مشدود عليه فهو له لأن الظاهر أنه ماله فيكون له كثيابه التي عليه وكذا إذا وجد مشدودا على دابة فالدابة له لما قلنا وتكون النفقة من ماله لأن الإنفاق من بيت المال للضرورة ولا ضرورة إذا كان له مال وليس على الملتقط أن ينفق عليه من مال نفسه لانعدام السبب الموجب للنفقة عليه ولو أنفق عليه من مال نفسه فإن فعل بإذن القاضي له أن يرجع عليه وإن فعل بغير إذنه لا يرجع عليه لأنه يكون متطوعا فيه ومنها أن عقله لبيت المال لأن عاقلته بيت المال فيكون عقله له لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان ومنها أن ولاءه لبيت المال لما قلنا ومنها أن له أن يوالي من شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال فليس له أن يوالي أحدا لأن العقد يلزم بالعقل على ما نذكر في كتاب الديات إن شاء الله تعالى لما علم في الولاء ومنها أن وليه السلطان له الولاية في ماله ونفسه لقوله عليه الصلاة والسلام السلطان ولي من لا ولي له وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال الله ورسوله ولي من لا ولي له والخال وارث من لا وارث له والسلطان نائب الله ورسوله فيزوج اللقيط ويتصرف في ماله وليس للملتقط أن يفعل شيئا من ذلك لأنه لا ولاية له عليه لانعدام سببها وهو القرابة والسلطنة إلا أنه يجوز له أن يقبض الهبة له ويسلمه في صناعة ويؤاجره لأن ذلك ليس من باب الولاية عليه بل من باب إصلاح حاله وإيصال المنفعة المحضة إليه من غير ضرر فأشبه إطعامه وغسل ثيابه ومنها أن نسبه من المدعي يحتمل الثبوت شرعا لأنه مجهول النسب على ما يأتي في كتاب الدعوى حتى لو ادعى الملتقط أو غيره أنه ابنه تسمع دعواه من غير بينة وبينته نسبه منه والقياس أن لا تسمع إلا ببينة وجه القياس ظاهر لأنه يدعي أمرا جائز الوجود والعدم فلا بد لترجيح أحد الجانبين على الآخر من مرجح وذلك بالبينة ولم توجد وجه الاستحسان أنه عامل أخبر بأمر محتمل الثبوت وكل من أخبر عن أمر والمخبر به محتمل الثبوت يجب تصديقه تحسينا للظن بالمخبر هو الأصل إلا إذا كان في تصديقه ضرر بالغير وههنا في التصديق وإثبات النسب نظر من الجانبين جانب اللقيط بشرف النسب والتربية والصيانة عن أسباب الهلاك وغير ذلك وجانب المدعي بولد يستعين به على مصالحه الدينية والدنيوية وتصديق المدعي في دعوى ما ينتفع به ولا يتضرر به غيره بل ينتفع به لا يقف على البينة وسواء كان المدعي مسلما أو ذميا أو عبدا حتى لو ادعى نسبه ذمي تصح دعوته حتى يثبت نسبه منه لكنه يكون مسلما لأنه ادعى شيئين يتصور انفصال أحدهما عن الآخر في الجملة وهو نسب الولد وكونه كافرا ويمكن تصديقه في أحدهما لكونه نفعا للقيط وهو كونه ابنا له ولا يمكن تصديقه في الآخر لكونه ضررا به وهو كونه كافرا فيصدق فيما فيه منفعة فيثبت نسب للولد ( ( ( الولد ) ) ) منه ولا يصدق فيما يضره فلا يحكم بكفره وليس من ضرورة كون الولد منه أن يكون كافرا ألا ترى أنه يحكم بإسلامه وبإسلام أمه وإن كان الأب كافرا هذا إذا أقر الذمي أنه ابنه ولا بينة له فإن أقام البينة على ذلك ثبت نسب الولد منه ويكون على دينه بخلاف الإقرار ووجه الفرق بين الإقرار وبين الشهادة أنه متهم في إقراره بما يتضمنه إقراره وهو كون الولد على دينه ولا تهمة في الشهادة لما مر
ولو ادعى عبد أنه ابنه صحت دعوته وثبت نسبه منه لكنه يكون حرا لما ذكرنا في دعوى الذمي لأنه ادعى شيئين أحدهما نفع اللقيط والآخر مضرة وهو الرق فيصدق فيما ينفعه لا فيما يضره على ما ذكرنا في دعوى الذمي ولو ادعاه رجلان أنه ابنهما ولا بينة لهما فإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا فالمسلم أولى لأنه أنفع للقيط وكذلك إذا كان أحدهما حرا والآخر عبدا فالحر أولى لأنه أنفع له وإن كانا مسلمين حرين فإن وصف أحدهما علامة في جسده فالواصف أولى به عندنا وعند الشافعي رحمه الله يرجع إلى القائف فيؤخذ بقوله والصحيح قولنا لأن الدعوتين متى تعارضتا يجب العمل بالراجح منهما وقد ترجح أحدهما بالعلامة لأنه إذا رضي العلامة ولم يصف الآخر دل على أن يده عليه سابقة فلا بد لزوالها من دليل والدليل على جواز العمل بالعلامة قوله تعالى عز شأنه خبرا عن أهل تلك المرأة إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم حكى الله تعالى عن الحكم بالعلامة عن الأمم السالفة في كتابه العزيز ولم يغير عليهم والحكيم إذا حكى عن منكر غيره فصار الحكم بالعلامة شريعة لنا مبتدأة وكذا عند اختلاف الزوجين في متاع البيت يميز ذلك بالعلامة كذا ههنا وإن لم يصف أحدهما العلامة يحكم بكونه ابنا لهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فإن أقام أحدهما البينة فهو أولى به وإن أقاما جميعا البينة يحكم بكونه ابنا لهما لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في مثل هذا أنه قال إنه ابنهما يرثهما ويرثانه وهو للثاني منهما فإن ادعاه أكثر من رجلين فأقام البينة روي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تسمع من خمسة وقال أبو يوسف من اثنين ولا تسمع من أكثر من ذلك وقال محمد تسمع من ثلاثة ولا تسمع من أكثر من ذلك هذا إذا كان المدعي رجلا فإن كانت امرأة فادعته أنه ابنها فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا لأن فيه حمل نسب الغير على الغير وأنه لا يجوز لما نذكره في كتاب الإقرار ولو ادعاه امرأتان وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به وإن أقامتا جميعا فهو ابنهما عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف لا يكون لواحدة منهما وعن محمد روايتان في رواية أبي حفص يجعل ابنهما وفي رواية أبي سليمان لا يجعل ابن واحدة منهما والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب اللقطة الكلام في اللقطة في مواضع في بيان أنواعها وفي بيان أحوالها وفي بيان ما يصنع بها أما الأول فنوعان من غير الحيوان وهو المال الساقط لا يعرف مالكه ونوع من الحيوان وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم إلا أنه يسمى لقطة من اللقط وهو الأخذ والرفع لأنه يلقط عادة أي يؤخذ ويرفع على ما ذكرنا في كتاب اللقيط فصل وأما بيان أحوالها منها في الأصل حالان حال ما قبل الأخذ وحال ما بعده أما قبل الأخذ فلها أحوال مختلفة قد يكون مندوب الأخذ وقد يكون مباح الأخذ وقد يكون حرام الأخذ أما حالة الندب فهو أن يخاف عليها الضيعة لو تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها لأنه إذا خاف عليها الضيعة كان أخذها لصاحبها إحياء لمال المسلم معنى فكان مستحبا والله تعالى أعلم وأما حالة الإباحة فهو أن لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله إذا خاف عليها يجب أخذها وإن لم يخف يستحب أخذها وزعم أن الترك عند خوف الضيعة يكون تضييعا لها والتضييع حرام فكان الأخذ واجبا وهذا غير سديد لأن الترك لا يكون تضييعا بل هو امتناع من حفظ غير ملزم والامتناع من حفظ غير ملزم لا يكون تضييعا كالامتناع عن قبول الوديعة
وأما حالة الحرمة فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يأوي الضالة إلا ضال والمراد أن يضمها إلى نفسه لأجل نفسه لا لأجل صاحبها بالرد عليه لأن الضم إلى نفسه لأجل صاحبها ليس بحرام ولأنه أخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه فيكون بمعنى الغصب وكذا لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا وقال الشافعي رحمه الله لا يجوز التقاطها أصلا واحتج بما روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل فقال ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر دعها حتى يلقاها ربها نهى عن التعرض لها وأمر بترك الأخذ فدل على حرمة الأخذ ولنا ما روي أن رجلا وجد بعيرا بالحرة فعرفه ثم ذكره لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فأمره أن يعرفه فقال الرجل لسيدنا عمر قد شغلني عن ضيعتي فقال سيدنا عمر أرسله حيث وجدته ولأن الأخذ حال خوف الضيعة إحياء لمال المسلم فيكون مستحبا وحال عدم الخوف ضرب إحراز فيكون مباحا ما ذكرنا وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبا منه ألا ترى أنه قال عليه الصلاة والسلام حتى يلقاها ربها وإنما يقال ذلك إذا كان قريبا أو كان رجاء اللقاء ثابتا ونحن به نقول ولا كلام فيه والدليل عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم قال خذها فإنها لك أو لأخيك أو للذئب دعاه إلى الأخذ ونبه على المعنى وهو خوف الضيعة وأنه موجود في الإبل والنص الوارد فيها أولى أن يكون واردا في الإبل وسائر البهائم دلالة إلا أنه عليه الصلاة والسلام فصل بينهما في الجواب من حيث الصورة لهجوم الذئب على الغنم إذا لم يلقها ربها عادة بعيدا كان أو قريبا وكذلك الإبل لأنها تذب عن نفسها عادة هذا الذي ذكرنا حال ما قبل الأخذ وأما حال مابعده فلها بعد الأخذ حالان في حالة ( ( ( حال ) ) ) هي أمانة وفي حال هي مضمونة أما حالة الأمانة فهي أن يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة فكانت يده يد أمانة كيد المودع وأما حالة الضمان فهي أن يأخذها لنفسه لأن المأخوذ لنفسه مغصوب وهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في شيء آخر وهو أن جهة الأمانة إنما تعرف جهة الضمان إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة وعندهما بالتصديق أو باليمين حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا يجب عليه الضمان بالإجماع وإن لم يشهد لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد أشهد أو لم يشهد ويكون القول قول الملتقط مع يمينه وأما عند أبي حنيفة فإن أشهد فلا ضمان عليه لأنه بالإشهاد ظهر أن الأخذ كان لصاحبه فظهر أن يده يد أمانة وإن لم يشهد يجب عليه الضمان ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان لأنه أقر بالغصب والمغصوب مضمون على الغاصب وجه قولهما أن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه لأن الشرع إنما مكنه من الأخذ بهذه الجهة فكان إقدامه على الأخذ دليلا على أنه أخذ بالوجه المشروع فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ولكن مع الحلف لأن القول قول الأمين مع اليمين ولأبي حنيفة رحمه الله وجهان أحدهما أن أخذ مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان في الأصل إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة بأن أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سببا وذلك إنما يعرف بالإشهاد فإذا لم يشهد لم يعرف كون الأخذ لصاحبه فبقي الأخذ سببا في حق وجوب الضمان على الأصل
والثاني أن الأصل أن عمل كل إنسان له لا لغيره بقوله سبحانه وتعالى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وقوله تعالى لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها وأخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان لأنه غصب وإنما يعرف الأخذ لصاحبها بالإشهاد فإذا لم يوجد تعين أن الأخذ لنفسه فيجب عليه الضمان ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر الرواية وكذا نص عليه محمد في الموطأ وبعض مشايخنا رحمهم الله قالوا هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم ردها إلى مكانها يضمن وجواب ظاهر الرواية مطلق عن هذا التفصيل مستغن عن هذا التأويل وقال الشافعي رحمه الله يضمن ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب وجه قوله أنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة فإذا ردها إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم فأشبه الوديعة إذا ألقاها المودع على قارعة الطريق حتى ضاعت ولنا أنه أخذها محتسبا متبرعا ليحفظها على صاحبها فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من الأصل فصار كأنه لم يأخذها أصلا وبه تبين أنه لم يلزم الحفظ وإنما تبرع به وقد رده بالرد إلى مكانها فارتد وجعل كأن لم يكن هذا إذا كان أخذها لصاحبها ثم ردها إلى مكانها فضاعت وصدقة صاحبها فيه أو كذبه لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك فإن كان لم يشهد يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة وعندهما لا يجب أشهد أو لم يشهد ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها لصاحبها على ما ذكرنا ثم تفسير الإشهاد على اللقطة أن يقول الملتقط بمسمع من الناس إني التقطت لقطة أو عندي لقطة فأي الناس أنشدها فدلوه علي أو يقول عندي شيء فمن رأيتموه يسأل شيئا فدلوه علي فإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها فقال الملتقط قد هلكت كان القول قوله ولا ضمان عليه بالإجماع وإن كان عنده عشر لقطات لأن اسم الشيء واللقطة منكرا ( ( ( منكر ) ) ) إن كان يقع على شيء واحد ولقطة واحدة لغة لكن في مثل هذا الموضع يراد بها كل الجنس في العرف والعادة لا فرد من الجنس إذ المقصود من التعريف إيصال الحق إلى المستحق ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد فكان هذا إشهادا على الكل بدلالة العرف والعادة ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك لأنه ظهر أنه أخذها غصبا فكان الواجب عليه الرد إلى المالك لقوله عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى ترده فإذا عجز عن رد العين يجب عليه بدلها كما في الغصب وكذلك إذا أخذ الضالة ثم أرسلها إلى مكانها الذي أخذها منه فحكمها حكم اللقطة لأن هذا أحد نوعي اللقطة وقد روينا في هذا الباب عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال لواجد البعير الضال أرسله حيث وجدته وهذا يدل على انتفاء وجوب الضمان فصل وأما بيان ما يصنع بها فنقول وبالله التوفيق إذا أخذ اللقطة فإنه يعرفها لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عرفها حولا حين سئل عن اللقطة وروي أن رجلا جاء إلى عبد الله بن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما فقال إني وجدت لقطة فما تأمرني فيها فقال عرفها سنة وروينا عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه أمر بتعريف البعير الضال ثم نقول الكلام في التعريف في موضعين أحدهما في مدة التعريف والثاني في بيان مكان التعريف أما مدة التعريف فيختلف قدر المدة لاختلاف قدر اللقطة إن كان شيئا له قيمة تبلغ عشرة دراهم فصاعدا يعرفه حولا وإن كان شيئا قيمته أقل من عشرة يعرفه أياما على قدر ما يرى
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال التعريف على خطر المال إن كان مائة ونحوها عرفها سنة وإن كان عشرة ونحوها عرفها شهرا وإن كان ثلاثة ونحوها عرفها جمعة أو قال عشرة وإن كان درهما ونحوه عرفه ثلاثة أيام وإن كان دانقا ونحوه عرفه يوما وإن كان تمرة أو كسرة تصدق بها وإنما تكمل مدة التعريف إذا كان مما لا يتسارع إليه الفساد فإن خاف الفساد لم تكمل ويتصدق بها وأما مكان التعريف فالأسواق وأبواب المساجد لأنها مجمع الناس وممرهم فكان التعريف فيها أسرع إلى تشهير الخبر ثم إذا عرفها فإن جاء صاحبها وأقام ( ( ( وتقام ) ) ) البينة أنها ملكه أخذها لقوله عليه الصلاة والسلام من وجد عين ماله فهو أحق به وإن لم يقم البينة ولكنه ذكر العلامة بأن وصف عفاصها ووكاءها ووزنها وعددها يحل للملتقط أن يدفع إليه وإن شاء أخذ منه كفيلا لأن الدفع بالعلامة مما قد ورد به الشرع في الجملة كما في اللقيط إلا أن هناك يجبر على الدفع وهنا لا يجبر لأن هناك يجبر على الدفع بمجرد الدعوى فمع العلامة أولى رهنا ( ( ( وهنا ) ) ) لا عبرة بمجرد الدعوى بالإجماع فجاز أن يجبر على الدفع مع العلامة ولكن يحل له الدفع وله أن يأخذ كفيلا لجواز مجيء آخر فيدعها ( ( ( فيدعيها ) ) ) ويقيم البينة ثم إذا عرفها ولم يحضر صاحبها مدة التعريف فهو بالخيار إن شاء أمسكها إلى أن يحضر صاحبها وإن شاء تصدق بها على الفقراء ولو أراد أن ينتفع بها فإن كان غنيا لا يجوز أن ينتفع بها عندنا وعند الشافعي رحمه الله إذا عرفها حولا ولم يحضر صاحبها كان له أن ينتفع بها وإن كان غنيا وتكون قرضا عليه واحتج بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن اللقطة عرفها حولا فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها وهذا إطلاق الانتفاع للملتقط من غير السؤال عن حاله أنه فقير أو غني بل إن الحكم لا يختلف ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تحل اللقط فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فإن جاءه صاحبها فليردها عليه وإن لم يأت فليتصدق والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه نفى الحل مطلقا وحالة الفقر غير مرادة بالإجماع فتعين حالة الغنى والثاني أنه أمر بالتصدق ومصرف الصدقة الفقير دون الغني وإن الانتفاع بمال المسلم بغير إذنه لا يجوز إلا لضرورة ولا ضرورة إذا كان غنيا وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن قوله عليه الصلاة والسلام فشأنك بها إرشاد إلى الاشتغال بالحفظ لأن ذلك كان شأنه المعهود باللقطة ( ( ( باللقط ) ) ) إلى هذه الغاية أو يحمله على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وإذا تصدق بها على الفقراء فإذا جاء صاحبها كان له الخيار إن شاء أمضى الصدقة وله ثوابها وإن شاء ضمن الملتقط أو الفقير إن وجده لأن التصدق كان موقوفا على إجازته وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه كما في غاصب الغاصب وإن كان فقيرا فإن شاء تصدق بها على الفقراء وإن شاء أنفقها على نفسه فإذا جاء صاحبها خيره بين الأجر وبين أن يضمنها له على ما ذكرنا وكذلك إذا كان غنيا جاز له أن يتصدق بها على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء وكل جواب عرفته في لقطة الحل فهو الجواب في لقطة الحرم يصنع بها ما يصنع بلقط الحل من التعريف وغيره وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله لقطة الحرم تعرف أبدا ولا يجوز الانتفاع بها بحال واحتج بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في صفة مكة ولا تحل لقطتها إلا لمنشد أي لمعرف فالمنشد المعرف والناشد الطالب وهو المالك ومعنى الحديث أنه لا تحل لقطة الحرم إلا للتعريف
ولنا ما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم ولا حجة له في الحديث لأنا نقول بموجبه أنه لا يحل التقاطها إلا للتعريف وهذا حال كل لقطة إلا أنه خص عليه الصلاة والسلام لقطة الحرم بذلك لما لا يوجد صاحبها عادة فتبين أن ذا لا يسقط التعريف وكذلك حكم الضالة في جميع ما وصفنا وتنفرد بحكم آخر وهو النفقة فإن أنفق عليها بأمر القاضي يكون دينا على مالكها وإن أنفق بغير إذنه يكون متطوعا فينبغي أن يرفع الأمر إلى القاضي ينظر في ذلك فإن كانت بهيمة يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة أمره بأن يؤاجرها وينفق عليها من أجرتها نظرا للمالك وإن كانت مما لا يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة وخشي أن لو أنفق عليها أن تستغرق النفقة قيمتها أمره ببيعها وحفظ ثمنها مقامها في حكم الهلاك وإن رأى الإصلاح ( ( ( الأصلح ) ) ) أن لا يبيعها بل ينفق عليها أمره بأن ينفق عليها لكن نفقة لا تزيد على قيمتها ويكون ذلك دينا على صاحبها حتى إذا حضر يأخذ منه النفقة وله أن يحبس اللقطة بالنفقة كما يحبس المبيع بالثمن وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها القاضي ودفع إليه قدر ما أنفق والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب الإباق الكلام في هذا الكتاب في مواضع في تفسير الآبق وفي بيان حاله وفي بيان ما يصنع به وفي بيان حكم ماله أما الأول فالآبق اسم لرقيق يهرب من مولاه وأما حاله فحال اللقطة قبل الأخذ وبعده وقد ذكرنا تفاصيله في كتاب اللقطة فصل وأما بيان ما يصنع به فنقول وبالله التوفيق إذا أخذ الآبق لصاحبه فإن شاء الآخذ أمسكه على صاحبه حتى يجيء فيأخذه وإن شاء ذهب به إلى صاحبه فرده عليه فإن أمسكه فجاء إنسان وادعى أنه عبده فإن أقام البينة دفعه إليه وأخذ منه كفيلا إن شاء لجواز أن يجيء آخر فيدعيه ويقيم البينة فله أن يستوثق بكفيل وإن لم يكن له بينة ولكن أقر العبد بذلك دفعه إليه أيضا لأنه ادعى شيئا لا ينازعه فيه أحد فيكون له ويأخذ منه كفيلا إن شاء لما قلنا وما أنفق عليه فإن كان بإذن القاضي يرجع به على صاحبه وإلا فلا لأنه يكون متطوعا فإن طالت المدة ولم يجىء ( ( ( يجئ ) ) ) له طالب باعه القاضي وأخذ ثمنه يحفظه على صاحبه لأن ذلك حفظ له معنى فإن باعه وأخذ ثمنه ثم جاء إنسان وأقام البينة أنه عبده دفع الثمن إليه وليس له أن ينقض البيع لأن البيع من القاضي صدر عن ولاية شرعية لأنه من باب حفظ ماله إذ لو لم يبع لأتت النفقة على جميع قيمته فيضيع المال فكان بيعه حفظا له من حيث المعنى والقاضي يملك مال الغائب ولهذا يبيع ما يتسارع إليه الفساد ولو زعم المدعي أنه قد كان دبره أو كاتبه لم يصدق في نقض البيع لما قلنا وينفق القاضي عليه في مدة حبسه إياه من بيت المال ثم إذا جاء صاحبه أخذه من صحابه ( ( ( صاحبه ) ) ) أو من ثمنه إن باعه لأن الإنفاق عليه إحياء ماله فيكون عليه وإذا جاء بالآبق له أن يمسكه بالجعل لأنه إذا جاء به فقد استحق الجعل على مالكه فكان له حق حبسه بالجعل كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن ولو هلك في حال الحبس لا ضمان عليه لكن يسقط الجعل كما لا ضمان على البائع بهلاك المبيع المحبوس بالثمن لكن يسقط الثمن عن المشتري ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الرقيق في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يقبل في العبد ولا يقبل في الجارية وهذه المسألة في كتاب القاضي في بيان شرائط قبول كتاب القاضي إلى القاضي فصل وأما بيان حكم ماله فهو استحقاق الجعل عندنا استحسانا والكلام في الجعل في مواضع في بيان أصل الاستحقاق وفي بيان سببه وفي بيان شرطه وفي بيان ما يستحق عليه وفي بيان قدر المستحق
أما أصل الاستحقاق فثابت عندنا استحسانا والقياس أن لا يثبت أصلا كما لا يثبت برد الضالة وقال الشافعي رحمه الله يثبت بالشرط ولا يثبت بدونه حتى لو شرط الآخذ الجعل على المالك وجب وإلا فلا وجه قول الشافعي رحمه الله أنه رد مال الغير عليه محتسبا فلا يستحق الأجر كما لو رد الضالة إلا إذا شرط فيجب عليه بحكم الشرط لقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم ولنا ما رواه محمد بن الحسن عليه الرحمة عن أبي عمرو الشيباني أنه قال كنت قاعدا عند عبد الله بن مسعود فجاء رجل فقال قدم فلان بإباق من القوم فقال القوم لقد أصاب أجرا فقال عبد الله رضي الله عنه وجعلا إن شاء من كل رأس درهما ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا ولأن جعل الآبق طريق صيانة عن الضياع لأنه لا يتوصل إليه بالطلب عادة إذ ليس له مقام معلوم يطلب هناك فلو لم يأخذه لضاع ولا يؤخذ لصاحبه ويتحمل مؤنة الأخذ والرد عليه مجانا بلا عوض عادة وإذا علم أن له عليه جعلا يحمل مشقة الأخذ والرد طمعا في الجعل فتحصل الصيانة عن الضياع فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع وصيانة المال عن الضياع واجب فكان المالك شارطا للأجر عند الأخذ والرد دلالة بخلاف الضالة لأن الدابة إذا ضلت فإنها ترعى في المراعي المألوفة فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة فلا تضيع دون الأخذ فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل فإن أخذه أحد كان في الأخذ والرد محتسبا فلا يستحق الأجر فهو الفرق وأما سبب استحقاق الجعل فهو الأخذ لصاحبه لأنه طريق الصيانة على المالك وهو معنى التسبب فصل وأما شرائط الاستحقاق فأنواع منها الرد على المالك لأن الصيانة تحصل عنده وهو معنى الشرط أن توجد العلة عند وجوده حتى لو أخذه فمات أو أبق من يده قبل الرد لا يستحق الجعل ولو أخذه فأبق من يده فأخذه غيره فرده على المالك فالجعل للثاني ولا شيء للأول لأنه لما أبق من يده فقد انفسخ ذلك السبب أو بقي ذلك سببا محضا لانعدام شرطه وهو الرد على المالك وقد وجد السبب والشرط من الثاني فكان الأول صاحب سبب محض والسبب المحض لا حكم له والثاني صاحب علة فيكون الجعل له ولو كان الراد واحدا والآبق اثنين فله جعلان لوجود سبب الاستحقاق وشرطه في كل واحد منهما ولو كان الراد اثنين والآبق واحدا فلهما جعل واحد بينهما نصفان لاشتراكهما في مباشرة السبب والشرط ولو كان الراد واحدا والآبق واحدا والمالك اثنين فعليهما جعل واحد على قدر ملكيهما ولو جاء بالآبق فوجد المالك قد مات فله الجعل في تركته لوجود الرد على المالك من حيث المعنى بالرد على التركة ثم إن كان عليه دين محيط بماله فهو أحق بالعبد حتى يعطى الجعل لما ذكرنا وإن لم يكن له مال سوى العبد يقدم الجعل على سائر الديون فيباع العبد ويبدأ بالجعل من ثمنه ثم يقسم الباقي بين الغرماء لأنه كان أحق بحبسه من بين سائر الغرماء لاستيفاء الجعل فكان أحق بثمنه بقدر الجعل كالمرتهن هذا إذا جاء به أجنبي فوجد المالك قد مات فأما إذا جاء به وارث الميت فوجد مورثه قد مات فله الجعل عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا كان المالك حيا وقت الأخذ وعند أبي يوسف لا جعل له وإن كان حيا وقت الأخذ إذا مات قبل الوصول إليه وجه قوله أنه فات شرط الاستحقاق وهو الرد على المالك لأنه رد على نفسه وجه قولهما أن المجيء به من مسيرة ثلاثة أيام مثلا في حال حياة المالك على قصد الرد رد على المالك فيستحق الجعل كما إذا وجده حيا ولهذا لو كان الراد أجنبيا استحق الجعل لما قلنا كذا هذا
ولو جاء به فأعتقه مولاه قبل أن يرده عليه أو باعه منه فله الجعل لما ذكرنا أن المجيء به على قصد الرد على المالك رد عليه ويجب الجعل برد الآبق المرهون لوجود سبب الوجوب وشرطه وهو الرد على المالك إلا أنه يجب على المرتهن لأن منفعة الصيانة رجعت إليه ألا ترى أنه لو ضاع يسقط دينه بقدر قيمته فإذا كانت المنفعة له كانت المضرة عليه لقوله عليه الصلاة والسلام الخراج بالضمان وسواء كان الراد بالغا أو صبيا حرا أو عبدا لأن الصبي من أهل استحقاق الأجر بالعمل وكذا العبد إلا أن الجعل لمولاه لأنه ليس من أهل ملك المال والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها أن لا يكون الراد على المالك في عيال المالك حتى لو كان في عياله لا جعل له سواء كان وارثا أو أجنبيا لأنه إذا كان في عياله كان الرد منه بمنزلة رد المالك ولأنه إذا كان في عياله كان في الرد عليه عاملا لنفسه لأن منفعة الرد تعود إليه ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره والأصل أن الراد إذا كان في عيال المالك لا جعل له كائنا ما كان وإن لم يكن في عياله فله الجعل كائنا ما كان إلا الابن يرد آبق أبيه والزوج يرد آبق زوجته أنه لا جعل لهما وإن لم يكونا في عيالهما لأن الابن وإن لم يكن في عيال أبيه فالرد منه يجري مجرى الخدمة لأبيه والابن لا يستحق الأجر بخدمة أبيه لأنها مستحقة عليه ولهذا لو استأجر ابنه لخدمته لا يستحق الأجر بخلاف الأب مع ما أن الأولاد في العادات يخفظون ( ( ( يحفظون ) ) ) أموال الآباء لطمع الانتفاع بها بطريق الإرث فكان رادا عبد نفسه معنى إذ كان بالرد عاملا لنفسه فلا يستحق الأجر وكذلك الزوج إذا رد عبد زوجته فقد رد عبد نفسه معنى لأنه ينتفع بمالها عادة وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما للآخر فلا يستحق الجعل وأما الأب إذا رد عبد ابنه فإن كان في عياله لا جعل له لأن الأجنبي الذي في عياله لا جعل له فالقرابة أولى وإن لم يكن في عياله فله الجعل لأن الأب لا يستخدم طبعا وشرعا وعقلا ولهذا لو خدم بالأجر وجب الأجر فلا يمكن حمله على الخدمة فيحمل على طلب الأجر وكذا الآباء لا يخفظون ( ( ( يحفظون ) ) ) أموال الأولاد للانتفاع بها بطريق الأرث لأن موتهم يتقدم موت الأولاد عادة فلم يتحقق معنى الرد والعمل لنفسه لذلك افترق الأمران وعلى هذا سائر ذوي الأرحام من الأخ والعم والخال وغيرهم أن الراد إن كان في عيال المالك لا جعل له لما قلنا وإن لم يكن في عياله فله الجعل وعلى هذا الوصي إذا رد عبد اليتيم لا جعل له لأن اليتيم في عياله وحفظ ماله مستحق عليه فلا يستحق الجعل على الرد وكذا عبد الوصي إذا رد عبد اليتيم لأن رد عبده كرده ومنها أن يكون المردود مرقوقا مطلقا كالقن والمدبر وأم الولد حتى لو كان مكاتبا لا جعل له لأنه ليس بمرقوق على الإطلاق بل هو فيما يرجع إلى مكاسبه حر ولهذا لم يتناوله مطلق اسم المملوك في قول الرجل كل مملوك لي حر إلا بالنية بخلاف المدبر وأم الولد ولأن استحقاق الجعل معلول بالصيانة عن الضياع ولا حاجة إلى الصيانة في المكاتب لأنه لا يهرب عادة لأن العقد في جانبه غير لازم فلو لم يقدر على بدل الكتابة يعجز نفسه بالإباء عن الكسب بخلاف المدبر وأم الولد لأنهما يستخدمان عادة فلعلهما يكلفان ما لا يطيقان فيحملهما ذلك على الهرب فتقع الحاجة إلى الصيانة بالجعل كما في القن إلا أن الفرق بينهما وبين القن أنه إذا جاء بالقن وقد مات المولى قبل أن يصل إليه فله الجعل وإن جاء بالمدبر وأم الولد وقد مات المولى قبل الوصول إليه لا جعل له
ووجه الفرق ظاهر لأنهما يعتقان بموت السيد فلم يوجد رد المرقوق أصلا فلا يستحق الجعل بخلاف القن والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يستحقق ( ( ( يستحق ) ) ) عليه فالمستحق عليه هو المالك إذا أبق من يده لأن الجعل مؤنة الرد ومنفعة الرد عائدة إلى المالك فكانت المؤنة عليه ليكون الخراج بالضمان ولو أبق عبد الرهن من يد المرتهن فالجعل عليه لأن منفعة الرد تعود إليه باعتبار الحبس الذي هو وسيلة إلى استيفاء الدين فإن كان في قيمة العبد فضل على الدين يجب بقدر الدين على المرتهن والزيادة على الراهن والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان قدر المستحق فينظر إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فله أربعون درهما لما روينا من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وإن رده دون ذلك فبحسابه وإن رده من أقصى المصر رضخ له على قدر عنائه وتعبه لأن الواجب بمقابلة العمل فيتقدر بقدره إلا أن الزيادة على مدة السفر سقط اعتبارها بالشرع فيبقى الواجب في المدة بمقابلة العمل فيزداد بزيادته وينقص بنقصانه هذا إذا كانت قيمة العبد أكثر من الجعل فإن كانت مثل الجعل أو أنقص منه ينقص من قيمته درهم عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف له الجعل تاما وإن كانت قيمة العبد درهما واحدا واحتج بما روينا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنه قال من كل رأس أربعين درهما اعتبر الرأس دون القيمة وجه قولهما أن الواجب معلول بمعنى الصيانة عن الضياع لما ذكرنا ولا فائدة في هذه الصيانة لو اعتبرنا الرأس دون القيمة لأنه إن كان يصان من وجه يضيع من وجه آخر فلا فرق بين الضياع بترك الأخذ والإمساك وبين الضياع بالجعل فلا بد أن ينقص من قيمته درهم ليكون الصون بالأخذ مفيدا والحديث محمول على ما إذا كانت قيمة كل رأس أكثر من أربعين درهما توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان والله عز وجل أعلم كتاب السباق الكلام في هذا الكتاب في موضعين في تفسير السباق وفي بيان شرائط جوازه أما الأول فالسباق فعال من السبق وهو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل أو الإبل ونحو ذلك فيقول إن سبقتك فكذا أو إن سبقتني فكذا ويسمى أيضا رهانا فعالا من الرهن فصل وأما شرائط جوازه فأنواع منها أن يكون في الأنواع الأربعة الحافر والخف والنصل والقدم لا في غيرها لما روي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصال إلا أنه زيد عليه السبق في القدم بحديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها ففيما وراءه بقي على أصل النفي ولأنه لعب واللعب حرام في الأصل إلا أن اللعب بهذه الأشياء صار مستثنى من التحريم شرعا لقوله عليه الصلاة والسلام كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه حرم عليه الصلاة والسلام كل لعب واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم إذ الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وكذا المسابقة بالخف صارت مستثناة من الحديث
وبما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال إن العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تسبق كلما دفعت في سباق فدفعت يوما في إبل فسبقت فكانت على المسلمين كآبة إذ سبقت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس إذا رفعوا شيئا أو أرادوا رفع شيء وضعه الله وكذا السبق بالقدم لما روت سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت سابقت النبي عليه الصلاة والسلام فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقلت هذه بتلك فصارت هذه الأنواع مستثناة من التحريم فبقي ما وراءها على أصل الحرمة ولأن الاستثناء يحتمل أن يكون لمعنى لا يوجد في غيرها وهو الرياضة والاستعداد لأسباب الجهاد في الجملة فكانت لعبا صورة ورياضة وتعلم أسباب الجهاد فيكون جائزا إذا استجمع شرائط الجواز ولئن كان لعبا لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة حميدة لا يكون حراما ولهذا استثنى ملاعبة الأهل لتعلق عاقبة حميدة بها وهو انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد والتناسل والسكنى وغير ذلك من العواقب الحميدة وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الأشياء فلم يكن في معنى المستنثى ( ( ( المستثنى ) ) ) فبقي تحت المستثنى ومنها أن يكون الخطر فيه من أحد الجانبين إلا إذا وجد فيه محللا حتى لو كان الخطر من الجانبين جميعا ولم يدخلا فيه محللا لا يجوز لأنه في معنى القمار نحو أن يقول أحدهما لصاحبه إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلي عليه ( ( ( عليك ) ) ) كذا فقبل الآخر ولو قال أحدهما لصاحبه إن سبقتني فلك علي كذا وإن سبقتك فلا شيء عليك فهو جائز لأن الخطر إذا كان من أحد الجانبين لا يحتمل القمار فيحمل على التحريض على استعداد أسباب الجهاد في الجملة بمال نفسه وذلك مشروع كالتنفيل من الإمام بل ( ( ( وبل ) ) ) أولى لأن هذا يتصرف في مال نفسه بالبدل والإمام بالتنفيل يتصرف فيما لغيره فيه حق في الجملة وهو الغنيمة فلما جاز ذلك فهذا بالجواز أولى وكذلك إذا كان الخطر من الجانبين ولكن أدخلا فيه محللا بأن كانوا ثلاثة لكن الخطر من الإثنين منهم ولا خطر من الثالث بل إن سبق أخذ الخطر وان لم يسبق لا يغرم شيئا فهذا مما لا بأس به أيضا وكذلك ما يفعله السلاطين وهو أن يقول السلطان لرجلين من سبق منكما فله كذا فهو جائز لما بينا أن ذلك من باب التحريض على استعداد أسباب الجهاد خصوصا من السلطان فكانت ملحقة بأسباب الجهاد ثم الإمام إذا حرض واحدا من الغزاة على الجهاد بأن قال من دخل هذا الحصن أولا فله من النفل كذا ونحوه جاز كذا هذا بل ( ( ( وبل ) ) ) أولى لما بينا ومنها أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق ويسبق من الأشياء الأربعة حتى لو كانت فيما يعلم أنه يسبق غالبا لا يجوز لأن معنى التحريض في هذه الصورة لا يتحقق فبقي الرهان التزام المال بشرط لا منفعة فيه فيكون عبثا ولعبا والله تعالى أعلم كتاب الوديعة الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الع ( ( ( العقد ) ) ) وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم العقد وفي بيان حال المعقود عليه وفي بيان ما يوجب تغير حاله أما ركنه فهو الإيجاب والقبول وهو أن يقول لغيره أودعتك هذا الشيء أو احفظ هذا الشيء لي أو خذ هذا الشيء وديعة عندك وما يجري مجراه ويقبله الآخر فإذا وجد ذلك فقد تم عقد الوديعة فصل وأما شرائط الركن فأنواع منها عقل المودع فلا يصح الإيداع من المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية وأما بلوغه فليس بشرط عندنا حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون لأن ذلك مما يحتاج إليه التاجر فكان من توابع التجارة فيملكه الصبي المأذون كما يملك التجارة
وعند الشافعي رحمه الله لا يملك التجارة فلا يملك توابعها على ما نذكر في كتاب المأذون وكذا حريته ليست بشرط فيملك العبد المأذون الإيداع لما قلنا في الصبي المأذون ومنها عقل المودع فلا يصح قبول الوديعة من المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن حكم هذا العقد هو لزوم الحفظ ومن لا عقل له لا يكون من أهل الحفظ وأما بلوغه فليس بشرط حتى يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون لأنه من أهل الحفظ ألا ترى أنه أذن له الولي ولو لم يكن من أهل الحفظ لكان الإذن له سفها وأما الصبي المحجور عليه فلا يصح قبول الوديعة منه لأنه لا يحفظ المال عادة ألا ترى أنه منع منه ماله ولو قبل الوديعة فاستهلكها فإن كانت الوديعة عبدا أو أمة يضمن بالإجماع وإن كانت سواهما فإن قبلها بإذن الولي فكذلك وإن قبلها بغير إذنه لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يضمن وجه قوله أن إيداعه لو صح فاستهلك الوديعة يوجب الضمان وإن لم يصح جعل كأنه لم يكن فصار الحال بعد العقد كالحال قبله ولو استهلكها قبل العقد لوجب عليه الضمان إذا كانت الوديعة عبدا أو أمة وجه قولهما أن إيداع الصبي المحجور إهلاك للمال معنى فكان فعل الصبي إهلاك مال قائم صورة لا معنى فلا يكون مضمونا عليه ودلالة ما قلنا إنه لما وضع المال في يده فقد وضع في يد من لا يحفظه عادة ولا يلزمه الحفظ شرعا ولا شك أنه لا يجب عليه حفظ الوديعة شرعا لأن الصبي ليس من أهل وجوب الشرائع عليه والدليل على أنه لا يحفظ الوديعة عادة أنه منع عنه ماله ولو كان يحفظ المال عادة لدفع إليه قال الله تبارك وتعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وبهذا فارق المأذون لأنه يحفظ المال عادة ألا ترى أنه دفع إليه ماله ولو لم يوجد منه الحفظ عادة لكان الدفع إليه سفها بخلاف ما إذا كانت الوديعة عبدا أو أمة لأن هناك لا يجب عليه ضمان المال أيضا وإنما يجب عليه ضمان الدم لأن الضمان الواجب بقتل العبد ضمان الآدمي لا ضمان المال والعبد من حيث إنه آدمي قائم من كل وجه قبل الإيداع وبعده فهو الفرق وكذلك حرية المودع ليست بشرط لصحة العقد حتى يصح القبول من العبد المأذون ويترتب عليه أحكام العقد لأنه يحتاج إلى الإيداع والاستيداع على ما نذكر في كتاب المأذون وأما العبد المحجور فلا يصح منه القبول لأنه لا يحفظ المال عادة ولو قبلها فاستهلكها فإن كانت عبدا أو أمة يؤمر المولى بالدفع أو الفداء وإن كانت سواهما فإن قبلها بإذن وليه يضمن بالإجماع وإن قبلها بغير إذن وليه لا يؤاخذ به في الحال عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يؤاخذ به في الحال والكلام في الطرفين على حسب ما ذكرنا في الصبي المحجور فصل وأما بيان حكم العقد فحكمه لزوم الحفظ للمالك لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ ومن جانب المودع التزام الحفظ وهو من أهل الالتزام فيلزمه لقوله عليه الصلاة والسلام المسلمون عند شروطهم والكلام في الحفظ في موضعين أحدهما فيما يحفظ به والثاني فيما فيه يحفظ أما الأول فالاستحفاظ لا يخلو من أن يكون مطلقا أو مقيدا فإن كان مطلقا فللمودع أن يحفظ بيد نفسه ومن هو في عياله وهو الذي يسكن معه ويمونه فيكفيه طعامه وشرابه وكسوته كائنا من كان قريبا أو أجنبيا من ولده وامرأته وخدمه وأجيره لا الذي استأجره بالدراهم والدنانير وبيد ( ( ( وبيده ) ) ) من ليس في عياله ممن يحفظ ماله بنفسه عادة كشريكه المفاوض والعنان وعبده المأذون وعبده المعزول عن بيته هذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله ليس له أن يحفظ إلا بيد نفسه إلا أن يستعين بغيره من غير أن يغيب عن عينه حتى لو فعل يدخل في ضمانه وجه قوله أن العقد تناوله دون غيره فلا يملك الإيداع من غيره كما لا يملك الإيداع سائر الأجانب
ولنا أن الملتزم بالعقد هو الحفظ والإنسان لا يلتزم بحفظ مال غيره عادة إلا بما يحفظ به مال نفسه وإنه يحفظ مال نفسه بيده مرة وبيد هؤلاء أخرى فله أن يحفظ الوديعة بيدهم أيضا فكان الحفظ بأيديهم داخلا تحت العقد دلالة وكذا له أن يرد الوديعة على أيديهم حتى لو هلكت قبل الوصول إلى المالك لا ضمان عليه لأن يدهم يد المودع معنى فما دام المال في أيديهم كان محفوظا بحفظه وليس له أن يدفع الوديعة إلى غيرهم إلا لعذر حتى لو دفع تدخل في ضمانه لأن المالك ما رضي بيده ألا يرى أنه لا يرضى مال نفسه بيده فإذا دفع فقد صار مخالفا فتدخل الوديعة في ضمانه إلا إذا كان عن عذر بأن وقع في داره حريق أو كان في السفينة فخاف الغرق فدفعه إلى غيره لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين طريقا للحفظ فكان الدفع بإذن المالك دلالة فلا يضمن فلو أراد السفر فليس له أن يودع لأن السفر ليس بعذر ولو أودعها عند من ليس له أن يودعه فضاعت في يد الثاني فالضمان على الأول لا على الثاني عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد المالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني فإن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول وجه قولهما أنه وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان أما الأول فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه وأما الثاني فلأنه قبض مال الغير بغير إذنه وكل واحد منهما سبب لوجوب الضمان فيخير المالك إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني كمودع الغاصب مع الغاصب غير أنه إن ضمن الأول لا يرجع بالضمان على الثاني لأنه ملك الوديعة بأداء الضمان فتبين أنه أودع ماله نفسه إياه فهذا مودع هلكت الوديعة في يده فلا شيء عليه وإن ضمن الثاني يرجع بالضمان على الأول لأن الأول غره بالإيداع فيلزمه ضمان الغرور كأنه كفل عنه بما يلزمه من العهدة في هذا العقد إذ ضمان الغرور ضمان كفالة لما علم وجه قول أبي حنيفة أن يد المودع الثاني ليست بيد مانعة بل هي يد حفظ وصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك فلا يصح ( ( ( يصلح ) ) ) أن يكون سببا لوجوب الضمان لأنه من باب الإحسان إلى المالك قال الله جل شأنه ما على المحسنين من سبيل وكان ينبغي أن لا يجب الضمان على الأول أيضا لأن الإيداع منه مباشرة سبب الصيانة والحفظ له فكان محسنا فيه إلا أنه صار مخصوصا عن النص فبقي المودع الثاني على ظاهره ولو أودع غيره وادعى أنه فعل عن عذر لا يصدق على ذلك إلا ببينة عند أبي يوسف وهو قياس قول أبي حنيفة رحمه الله كذا ذكر الشيخ القدوري رحمه الله لأن الدفع إلى غيره سبب لوجوب الضمان في الأصل فدعوى الضرورة دعوى أمر عارض يريد به دفع الضمان عن نفسه فلا يصدق إلا بحجة هذا إذا هلكت الوديعة في يد المودع الثاني فأما إذا استهلكها فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع غير أنه إن ضمن الأول يرجع بالضمان على الثاني وإن ضمن الثاني لا يرجع بالضمان على الأول لأن سبب وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة وهو الاستهلاك لوقوعه إعجازا للمالك عن الانتفاع بماله على طريق القهر ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني على طريق الاستحفاظ دون الإعجاز إلا أنه ألحق ذلك بالإعجاز شرعا في حق اختيار التضمين صورة لأنه باشر سبب الإعجاز فكان الضمان في الحقيقة على الثاني لأن إقرار الضمان عليه لذلك لم يرجع الأول على الثاني ولم يرجع الثاني على الأول بخلاف مودع الغاصب إذا هلك المغصوب في يده إن المالك يتخير بين أن يضمن الغاصب أو يضمن المودع فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على المودع وإن ضمن المودع يرجع به على الغاصب وقد تقدم الفرق
وعلى هذا إذا أودع رجل من رجلين مالا فإن كان محتملا للقسمة اقتسماه وحفظ كل واحد منهما نصفه لأنه لما أودعه من رجلين فقد استحفظهما جميعا فلا بد وأن تكون الوديعة في حفظهما جميعا ولا تتحقق إلا بالقسمة ليكون النصف في يد هذا والنصف في يد ذاك والمحل محتمل للقسمة فيقتسمان نصفين ولو سلم أحدهما النصف إلى صاحبه فضاعت ضمن ( ( ( فمن ) ) ) المسلم نصف الوديعة عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يضمن القابض شيئا بالإجماع ولو كانت الوديعة مما لا يحتمل القسمة فلكل واحد منهما أن يسلم الكل إلى صاحبه وإذا فعل فضاعت لا ضمان عليه بالأجماع وجه قولهما أن المالك لما استحفظهما ( ( ( استحفظها ) ) ) فقد رضي بيد كل واحد منهما على كل الوديعة كما إذا لم تكن الوديعة محتملة للقسمة وجه قول أبي حنيفة أن المالك استحفظ كل واحد منهما في بعض الوديعة لا في كلها فكان راضيا بثبوت يد كل واحد منهما على البعض دون الكل وهذا لما ذكرنا أنه لما استحفظهما ( ( ( استحفظها ) ) ) جميعا فلا بد أن يكون المال في حفظهما جميعا ولا يمكن أن يكون كله في يد كل واحد منهما للاستحالة فيقسم ليكون النصف في يد أحدهما والنصف في يد الآخر فإذا كان المحل محتملا للقسمة لم ( ( ( ولم ) ) ) يكن راضيا بكون ( ( ( يكون ) ) ) الكل في يد أحدهما فإذا فعل فقد خالفه فدخل في ضمانه فإذا ضاع ضمن بخلاف ما إذا لم يكن محتملا للقسمة لأنه إذا لم يحتمل تعذر أن يكون كله في حفظ كل واحد منهما على التوزيع في زمان واحد فكان راضيا بكونه في يد كل واحد منهما في زمانين على التهايؤ فلم يصر مخالفا بالدفع فهو الفرق وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا المرتهنان والوكيلان بالشراء إذا كان المرهون والمشترى مما يحتمل القسمة فسلمه أحدهما إلى صاحبه وأما الثاني وهو الكلام فيما فيه تحفظ الوديعة فإن كان العقد مطلقا فله أن يحفظها فيما يحفظ فيه مال نفسه من داره وحانوته وكيسه وصندوقه لأنه ما التزم حفظها إلا فيما يحفظ فيه مال نفسه وليس له أن يحفظ في حرز غيره لأن حرز غيره في يد ذلك الغير ولا يملك الحفظ بيده فلا يملكه بما في يده أيضا إلا إذا استأجر حرزا لنفسه فله أن يحفظ فيه لأن الحرز في يده فما في الحرز يكون في يده أيضا فكان حافظا بيد نفسه فملك ذلك وله أن يحفظ الحضر والسفر بأن يسافر بها عند أبي حنيفة سواء كان للوديعة حمل ومؤنة أو لم يكن وعند أبي يوسف ومحمد إن كان لها حمل ومؤنة لا يملك المسافرة بها وإن لم يكن يملك وعند الشافعي رحمه الله لا يملك كيف ما كان أما الكلام مع الشافعي رحمه الله فوجه قوله أن المسافرة بالوديعة تضييع المال لأن المفازة مضيعة قال النبي عليه أفضل التحية المسافر وماله على قلب إلا ما وقى الله فكان التحويل إليهما ( ( ( إليها ) ) ) تضييعا فلا يملكه المودع ولنا أن الأمر بالحفظ صدر مطلقا عن تعيين المكان فلا يجوز التعيين إلا بدليل قوله المفازة مضيعة قلنا ممنوع أو نقول إذا كان الطريق مخوفا أما إذا كان أمنا فلا والكلام فيما إذا كان الطريق أمنا والحديث محمول على ابتداء الإسلام حين كانت الغلبة للكفرة وكانت الطريق مخوفة ونحن به نقول وأما الكلام مع أصحابنا رضي الله عنهم فوجه قولهما أن في المسافرة بماله حمل ومؤنة ضررا بالمالك لجواز أن يموت المودع في السفر فيحتاج إلى الاسترداد من موضع لا يمكنه ذلك إلا بحمل ومؤنة عظيمة فيتضرر به ولا كذلك إذا لم يكن لها حمل ومؤنة ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا مع الشافعي رحمه الله أن الأمر بالحفظ لا يتعرض لمكان دون مكان ولا يجوز تقييد المطلق من غير دليل قولهما فيه ضرر