Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وأما الوجه الثالث وهو ما إذا شهدوا أنها كانت في يده يوم الموت فالشهادة مقبولة لأن مطلق اليد من الأصل يحمل على يد المالك فكانت الشهادة بيد قائمة عند الموت شهادة بملك قائم عند الموت فإذا مات فقد ترك فثبت الملك له في المتروك إذ هو تفسير الملك الموروث ولأن يده إن كانت يد ملك كان الملك ثابتا للمورث عند الموت وإن كانت يد أمانة انتقلت يد ملك إذا مات مجهلا لأن التجهيل عند الموت سبب لوجوب الضمان ووجوب الضمان سبب لثبوت الملك في المضمون عندنا وأما الوجه الرابع وهو ما إذا ثبت ليد المشهود من الأب فعلا في العين عند الموت فهذا على وجهين إما أن يكون ذلك فعلا هو دليل اليد وإما أن يكون فعلا ليس هو دليل اليد والفعل الذي هو دليل اليد هو فعل لا يتصور وجوده بدون النقل في النقليات كاللبس والحمل أو فعل يوجد للنقل عادة كالركوب في الدواب أو فعلا يوجد في الغالب من الملاك فيما لا يقبل النقل لا من غيرهم كالسكنى في الدور والفعل الذي ليس بدليل اليد هو فعل ثبت في النقليات من غير نقل ولا يكون حصوله للنقل عادة كالجلوس على البساط أو فعل ليس بفعل للملاك غالبا فيما لا يقبل كالنوم والجلوس في الدار وأشباه ذلك فإن كان فعلا هو دليل اليد تقبل الشهادة القائمة على ثبوته عند موت الأب لأن الشهادة القائمة على ما هو دليل اليد عند الموت قائمة على اليد عند الموت وإن كان فعلا ليس بدليل لا تقبل الشهادة لأنه لم يوجد دليل اليد التي هي دلالة الملك وعلى هذا يخرج ما إذا أقام المدعي البينة أن أباه مات في هذه الدار إنها لا تقبل لأنه لم توجد الشهادة على اليد الدالة على الملك ولا على فعل دال على اليد ولا على فعل هو فعل الملاك غالبا لأن الدار قد يموت فيها المالك وقد يموت فيها غير المالك من الزوار والضيف ونحوه ولو شهدوا أنه مات وهو لابس هذا القميص أو لابس هذا الخاتم تقبل لأن لبس القميص والخاتم فعل لا يتصور بدون النقل فكان دليلا على اليد عند الموت أطلق محمد رحمه الله في الجامع الجواب في الخاتم ومنهم من حمل جواب الكتاب على ما إذا كان الخاتم في خنصره أو بنصره يوم الموت وزعم أنه إذا كان فيما سواهما من الأصابع لا تقبل الشهادة لأن استعمال الملاك في الخاتم هذا عادة فكانت الشهادة القائمة عليه قائمة على اليد فأما جعله فيما سواهما من الأصابع من الملاك فهو ليس بمعتاد فلا يكون ذلك استعمال الخاتم فلا يكون دليل اليد ولهذا قالوا لو جعل المودع الخاتم في خنصره أو بنصره فضاع من يده يضمن لما أنه استعمله ولو جعله فيما سواهما من الأصابع فضاع لا يضمن لما أن ذلك حفظ وليس باستعمال والصحيح إطلاق جواب الكتاب لأن فعله كيف ما كان لا يتصور بدون النقل فكان دليلا على اليد ولو شهدوا أنه مات وهو جالس على هذا البساط أو على هذا الفراش أو نائم عليه لا تقبل لأن هذه الأفعال تتصور من غير نقل ولا تفعل للنقل عادة فلم يكن دليل اليد فإن قيل أليس أنه لو تنازع اثنان في بساط أحدهما جالس عليه والآخر متعلق به أنه يكون بينهما نصفين وهذا دليل ثبوت يديهما عليه قيل له إنما قضي به بينهما نصفين لدعواهما أنه في يديهما لا لثبوت اليد لأن الجلوس عليه والتعلق به كل واحد منهما يتحقق بدون النقل ولا يوجدان النقل غالبا على ما بينا فلا يكون دليل اليد ولو شهدوا أنه مات وهو راكب على هذه الدابة تقبل ويقضى بالدابة للوارث لأن الركوب وإن كان يتهيأ بدون نقل الدابة إلا أنه لا يفعل عادة إلا للنقل فكان دليل اليد ولو شهدوا أنه مات وهو ساكن هذه الدار تقبل ويقضى للوارث وروي عن أبي يوسف أنه لا تقبل ولا يقضي
ووجهه أن فعل السكنى في الدار كما يوجد من الملاك يوجد من غيرهم فلا يصلح دليلا على اليد والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن السكنى فعل يوجد في الغالب من الملاك لا من غيرهم هذا هو المعتاد فيما بين الناس فيحمل المطلق عليه ولو شهدوا أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه ولم يشهدوا أنه كان حاملا له لا تقبل ولا يستحق المدعي بهذا شيئا لأنه يحتمل أنه وضعه بنفسه أو وضعه غيره ويحتمل أنه وقع عليه من غير صنع أحد بأن هبت ريح به فألقته على رأسه فوقع الشك في النقل منه فلا يثبت النقل منه بالشك فلا تثبت اليد بالشك ثم نقول إذا شهد الشهود أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا للورثة فلا يخلو إما أن قالوا هذا وارثه لا وارث له غيره وأما أن قالوا هو وارثه لا نعلم أن له وارثا غيره وإما أن قالوا هو وارثه ولم يقولوا لا وارث له غيره ولا قالوا لا نعلم له وارثا غيره فأما الوجه الأول وهو ما إذا قالوا هو وارثه لا وارث له غيره فإنه تقبل شهادتهم استحسانا والقياس أن لا تقبل لأنها كشهادة على ما لا علم للشاهد به لاحتمال أن يكون له وارث لا يعلمه وقد قال عليه الصلاة ( ( ( السلام ) ) ) والسلام للشاهد إذا علمت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع وجه الاستحسان أن قولهم لا وارث له غيره معناه في متعارف الناس وعاداتهم لا نعلم له وارثا غيره أو لا وارث له غيره في علمنا ولو نص على ذلك لقبلت شهادتهم فكذا هذا والله سبحانه أعلم وأما الوجه الثاني وهو ما إذا قالوا هو وارثه لا نعلم له وارثا غيره تقبل شهادتهم عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال ابن أبي ليلى رحمه الله لا تقبل حتى يقولوا لا وارث له غيره لأنهم لو لم يقولوا لا وارث له غيره احتمل أن يكون له وارث غيره لا يعلمونه والصحيح قول العامة لأن الشاهد إنما تحل له الشهادة بما في علمه ونفي وارث آخر ليس في علمه فلا تحل له الشهادة به إلا على اعتبار ما في علمه على ما ذكرنا ولو قالوا لا نعلم له وارثا غيره في هذا المصر أو في أرض كذا تقبل عند أبي حنيفة وعندهما لا تقبل وجه قولهما أن قولهم لا نعلم له وارثا غيره في هذا المصر لا ينفي وارثا غيره لجواز أن يكون له وارث آخر في مصر آخر ولأبي حنيفة رحمه الله أنه لو كان له وارث آخر في موضع آخر لعلموه لأن وارث الإنسان لا يخفى على أهل بلده عادة فكان التخصيص والتعميم فيه سواء ثم إذا شهدوا أنه وارثه لا وارث له غيره أو شهدوا أنه وارثه لا نعلم له وارثا غيره أو لا نعلم له وارثا غيره في هذا المصر على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فإنه يدفع كل التركة إليه سواء كان الوارث ممن لا يحتمل الحجب كالابن والأب والأم ونحوهم أو يحتمله كالأخ والأخت والجد ونحوهم لأنه تعين وارثا له فيدفع إليه جميع الميراث إلا إذا كان زوجا أو زوجة فلا يعطى إلا أكثر نصيبه فلا يعطى الزوج إلا النصف ولا تعطى المرأة إلا الربع لأنهما لا يستحقان من الميراث أكثر من ذلك لأنه لا يرد عليهما وفي هذين الموضعين لا يؤخذ من الوارث كفيل بالإجماع وأما الوجه الثالث وهو ما إذا شهدوا أنه وارثه ولم يقولوا لا وارث له غيره ولا قالوا لا نعلم له وارثا غيره فإنه ينظر إن كان ممن يحتمل الحجب لا يدفع إليه شيء لجواز أن يكون ثمة حاجب فإن كان لا يعطى وإن لم يكن يعطى بالشك وإن كان ممن لا يحتمل الحجب يدفع إليه جميع المال إلا الزوج والزوجة فإنه لا يدفع إليهما إلا نصيبهما وهو أكثر النصيبين عند محمد رحمه الله للزوج النصف وللمرأة الربع
وعند أبي يوسف رحمه الله أقل النصيبين للزوج الربع والمرأة ( ( ( وللمرأة ) ) ) الثمن في ظاهر الرواية عنه وجه قول محمد رحمه الله أن النقصان عن أكثر النصيبين باعتبار المزاحمة وفي وجود المزاحم شك فلا يثبت النقصان بالشك ولأبي يوسف رحمه الله أن الأقل ثابت بيقين وفي الزيادة شك فلا تثبت الزيادة بالشك وروي عنه رواية أخرى أن للزوج الربع وللمرأة ربع الثمن لجواز أن يكون له أربع نسوة فيكون لها ربع الثمن لأنه ثابت بيقين وفي الزيادة شك وروى عنه أصحاب الإملاء وللزوج الخمس وللمرأة ربع التسع أما الزوج فلأن من الجائز أن يكون للمرأة أبوان وبنتان وزوج أصل المسألة من اثني عشر للأبوين السدسان أربعة وللبنتين الثلثان ثمانية وللزوج الربع ثلاثة فعالت بثلاثة أسهم فصارت الفريضة من خمسة عشر وثلاثة من خمسة عشر خمسها فذلك للزوج وأما المرأة فلأن من الجائز أن يكون للميت أبوان وبنتان وزوجة أصل المسألة من أربعة وعشرين للأبوين السدسان ثمانية وللبنتين الثلثان ستة عشر وللزوجة الثمن ثلاثة فعالت بثلاثة أسهم فصارت الفريضة سبعة وعشرين وثلاثة من سبعة وعشرين تسعها ثم من الجائز أن يكون معها ثلاثة أخرى فيكن أربع زوجات فيكون لها ربع التسع وثلاثة على أربعة لا تستقيم فتضرب أربعة في تسعة ويكون ستة وثلاثين سهما تسعها أربعة فلها من ذلك سهم وهو ربع التسع وهو سهم من ستة وثلاثين سهما ثم في هذا الوجه الثالث إذا كان الوارث ممن لا يحتمل الحجب ودفع المال إليه هل يؤخذ منه كفيل قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يؤخذ وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يؤخذ وجه قولهما أن أخذ الكفيل لصيانة الحق والحاجة مست إلى الصيانة لاحتمال ظهور وارث آخر فيؤخذ الكفيل نظرا للوارث كما في رد الآبق واللقطة إلى صاحبها ولأبي حنيفة رحمه الله أن حق الحاضر للحال ثابت بيقين وفي ثبوت الحق لوارث آخر شك لأنه قد يظهر وارث آخر وقد لا يظهر فلا يجوز تعطيل الحق الثابت بيقين لحق مشكوك فيه مع ما أن المكفول له مجهول والكفالة للمجهول غير صحيحة وإنما أخذ الكفيل بتسليم الآبق واللقطة فقد قيل إنه قولهما لما أن في المسألة روايتان ( ( ( روايتين ) ) ) فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فلا يؤخذ الكفيل على أنا سلمنا فتلك كفالة لمعلوم لا لمجهول لأن الراد إنما يأخذ الكفيل لنفسه كيلا يلزمه الضمان فلم تكن كفالة لمجهول وذكر أبو حنيفة رحمه الله هذه المسألة في الجامع الصغير وقال هذا شيء احتاط به بعض القضاة وهو ظلم أرأيت لو لم يجد كفيلا كنت أمنعه حقه دلت تسميته أخذ الكفيل ظلما على أن مذهبه أن ليس كل مجتهد مصيبا إذ الصواب لا يحتمل أن يكون ظلما فدلت المسألة على براءة ساحته عن لوث الاعتزال بحمد الله ومنه وأما الذي يرجع إلى المشهود به فمنها أن تكون الشهادة بمعلوم فإن كانت بمجهول لم تقبل لأن علم القاضي بالمشهود به شرط صحة قضائه فما لم يعلم لا يمكنه القضاء به وعلى هذا يخرج ما إذا شهد رجلان عن القاضي أن فلانا وارث هذا الميت لا وارث له غيره أنه لا تقبل شهادتهما لأنهما شهدا بمجهول لجهالة الوارث أسباب الوراثة واختلاف أحكامها فلا بد أن يقولوا ابنه ووارثه لا يعلمون له وارثا غيره أو أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون له وارثا غيره وقوله لا يعلمون له وارثا غيره لئلا يتلوم القاضي لا لأنه من الشهادة عند محمد رحمه الله لجنس هذه المسائل بابا ( ( ( باب ) ) ) في الزيادات يعرف ثمة إن شاء الله تعالى ومنها أن يكون المشهود به معلوما للشاهد عند أداء الشهادة حتى لو ظن لا تحل له الشهادة وإن رأى خطه وختمه وأخبره الناس بما يتذكر بنفسه وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما إن رأى خطه وختمه له أن يشهد نحو ما تقدم من الخلاف والحجج من الجانبين
وأما الذي يخص المكان فواحد وهو مجلس القاضي لأن الشهادة لا تصير حجة ملزمة إلا بقضاء القاضي فتختص بمجلس القضاء والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الشرائط التي تخص بعض الشهادات دون البعض فأنواع أيضا منها الدعوى في الشهادة القائمة على حقوق العباد من المدعي بنفسه أو نائبه لأن الشهادة في هذا الباب شرعت لتحقيق قول المدعي ولا يتحقق قوله إلا بدعواه إما بنفسه وإما بنائبه وأما حقوق الله تبارك وتعالى فلا يشترط فيها الدعوى كأسباب الحرمات من الطلاق وغيره وأسباب الحدود الخالصة حقا ( ( ( حق ) ) ) لله تعالى إلا أنه شرطت الدعوى في باب السرقة لأن كون المسروق ملكا لغير السارق شرط تحقق كون الفعل سرقة شرعا ولا يظهر ذلك إلا بالدعوى فشرطت الدعوى لهذا واختلف في عتق العبد أنه حق للعبد فتشترط فيه الدعوى أو حق لله تعالى فلا تشترط فيه الدعوى مع الاتفاق على أن عتق الأمة حق لله تعالى لما علم من الخلاف في كتاب العتاق والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها العدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال لقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان وقوله سبحانه وتعالى ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ولأن الواجب على الشاهد إقامة الشهادة لله عز وجل الآية وهو قوله تعالى وأقيموا الشهادة لله تعالى وقوله تعالى كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولا تقع الشهادة لله إلا وأن تكون خالصة صافية عن جر النفع ومعلوم أن في الشهادة منفعة للشاهد من حيث التصديق لأن من صدق قوله يتلذذ به فلو قبل قول الفرد لم تخل شهادته عن جر النفع إلى نفسه فلا يخلص لله عز وجل فشرط العدد في الشهادة ليكون كل واحد مضافا إلى قول صاحبه فتصفو الشهادة لله عز شأنه ولأنه إذا كان فردا يخاف عليه السهو والنسيان لأن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة فشرط العدد في الشهادة ليذكر البعض البعض عند اعتراض السهو والغفلة كما قال الله تعالى في إقامة امرأتين مقام رجل في الشهادة أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ثم الشرط عدد المثنى في عموم الشهادات القائمة على ما يطلع عليه الرجال إلا في الشهادة بالزنا فإنه يشترط فيها عدد الأربعة لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء وقوله تعالى فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ولأن الشهادة في هذا الباب أحد نوعي الحجة فتعتبر بالنوع الآخر وهو الإقرار ثم عدد الأقارير الأربعة شرط ظهور الزنا عندنا فكذا عدد الشهود الأربعة بخلاف سائر الحدود فإنه لا يشترط العدد في الإقرار لظهورها فكذا في الشهادة ولأن عدد الأربعة في الزنا ثبت نصا بخلاف القياس لأن خبر من ليس بمعصوم من الكذب لا يخلو عن احتمال الكذب وعدد الأربعة في احتمال الكذب مثل عدد المثنى ما لم يدخل في حد التواتر لكنا عرفناه شرطا بنص خاص معدولا به عن القياس فبقي سائر الأبواب على أصل القياس وأما فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والعيوب الباطنة في النساء فالعدد فيه ليس بشرط عندنا فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة والثنتان أحوط وعند مالك والشافعي رحمهما الله إن العدد فيه شرط إلا أن عند مالك رحمه الله يكتفي فيه بامرأتين وعند الشافعي رحمه الله لا بد من الأربع وجه قول مالك أن شهادة الرجال لما سقط اعتبارها في هذا الباب لمكان الضرورة وجب الاكتفاء بعددهم من النساء ووجه قول الشافعي رحمه الله أن الشرع أقام كل امرأتين في باب الشهادة مقام رجل واحد ثم لا يكتفي بأقل من رجلين فلا يكتفي بأقل من أربع نسوة ولنا أن شرط العدد في الشهادة في الأصل ثبت تعبدا غير معقول المعنى لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب لا يفيد العلم قطعا ويقينا وإنما يفيده غالب الرأي وأكثر الظن وهذا ثبت بخبر الواحد العدل ولهذا لم يشترط العدد في رواية الأخبار إلا أنا عرفنا العدد فيها شرطا بالنص والنص ورد بالعدد في شهادة النساء في حالة مخصوصة
وهي أن يكون معهن رجل بقوله تعالى عز شأنه فرجل وامرأتان فبقيت حالة الانفراد عن الرجال على أصل القياس وقد روي أن رسول الله قبل شهادة القابلة على الولادة ولو شهد رجل واحد بالولادة يقبل لأنه لما قبل شهادة امرأة واحدة فشهادة رجل واحد أولى والله سبحانه وتعالى أعلم ومنها اتفاق الشهادتين فيما يشترط فيه العدد فإن اختلفا لم تقبل لأن اختلافهما يوجب اختلاف الدعوى والشهادة ولأن عند اختلاف الشهادتين لم يوجد إلا أحد شطري الشهادة ولا يكتفى به فيما يشترط فيه العدد ثم نقول الاختلاف قد يكون في جنس المشهود به وقد يكون في قدره وقد يكون في الزمان وقد يكون في المكان وغير ذلك أما اختلافهما في الجنس فقد يكون في العقد وقد يكون في المال أما في العقد فهو أن يشهد أحدهما بالبيع والآخر بالميراث أو بالهبة أو غير ذلك فلا تقبل لاختلاف العقدين صورة ومعنى فقد شهد كل واحد منهما بعقد غير ما شهد به الآخر وليس على أحدهما شهادة شاهدين وأما في المال فهو أن يشهد أحدهما بمكيل والآخر بموزون فلا تقبل لأنهما جنسان مختلفان وليس على أحدهما شهادة شاهدين وأما اختلاف الشهادة في قدر المشهود به فنحو ما إذا ادعى رجل على رجل ألفي درهم وأقام شاهدين شهد أحدهما بألفين والآخر بألف لا تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله أصلا وعندهما تقبل على الألف ولو كان المدعي يدعي ألفا وخمسمائة فشهد أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف تقبل على الألف بالإجماع وجه قولهما أن الشهادة لم تخالف الدعوى في قدر الألف بل وافقتها بقدرها إلا أن المدعي يدعي زيادة مال لا شهادة لهم عليه فيثبت قدر ما وقع الاتفاق عليه كما إذا ادعى ألفا وخمسمائة فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف تقبل على الألف لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة رحمه الله أن شطر الشهادة خالف الدعوى لأن المدعي يدعي ألفين وإنه اسم وضع دلالة على عدد معلوم والاسم الموضوع دلالة على عدد لا يقع على ما دون ذلك العدد كسائر أسماء الأعداد كالمتروك ( ( ( كالبرك ) ) ) لألف من الإبل والهنيدة لمائة منها ونحو ذلك فلم تكن الألف المفردة مدعى فلم تكن الشهادة شاهدة على ما دخل تحت الدعوى فانفردت الشهادة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى فلا تقبل بخلاف ما إذا ادعى ألفا وخمسمائة فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف أنه يقبل على الألف لأن الألف والخمسمائة اسم لعددين ألا ترى أنه يعطف أحدهما على الآخر فيقال ألف وخمسمائة فكان كل واحد منهما بانفرداه ( ( ( بانفراده ) ) ) داخلا تحت الدعوى فالشهادة القائمة عليهما تكون قائمة على كل واحد منهما مقصودا فإذا شهد أحدهما بألف فقد شهد بأحد العددين الداخلين تحت الدعوى فكانت الشهادة موافقة للدعوى في عدد الألف فيقضى به للمدعي لقيام الحجة عليه بخلاف الألف والألفين لأنه اسم لعدد واحد لا تصح على ما دونه بحال فلم تكن الألف المفردة داخلة تحت الدعوى فكانت الشهادة القائمة عليها شهادة على ما لم يدخل تحت الدعوى فلا تقبل فهو الفرق بينهما ولو ادعى ألفا فشهد أحدهما بالألف والآخر بألفين لا تقبل على الألف بالإجماع لأن المدعي كذب أحد شاهديه في بعض ما شهد به فأوجب ذلك تهمة في الباقي فلا تقبل إلا إذا وفق فقال كان لي عليه ألفان إلا أنه كان قد قضاني ألفا ولم يعلم به الشاهد فيقبل وكذا لو ادعى ألفا فشهد أحدهما بها والآخر بألف وخمسمائة لا تقبل لما قلنا إلا إذا وفق فقال كان لي عليه ألف وخمسمائة إلا أنه قضاني خمسمائة ولم يعلم بها الشاهد فتقبل لأنه إذا وفق فقد زال الاختلاف المانع من القبول ولو ادعى على رجل أنه باع عبده بألفي درهم وهو ينكر فشهد شاهد بألفين وآخر بألف أو ادعى أنه باعه بألف وخمسمائة فشهد أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف لا تقبل بالإجماع لأن الشاهدين اختلفا في البدل
واختلاف البدلين يوجب اختلاف العقدين فصار كل واحد منهما شاهدا بعقد غير عقد صاحبه وليس على أحدهما شهادة شاهدين فلا تقبل ولا يثبت العقد وكذا لو كان المشتري مدعيا والبائع مدعى عليه لما قلنا فإن كان هذا في الإجارة ينظر إن كانت الدعوى من المؤاجرة ( ( ( المؤاجر ) ) ) في مدة الإجارة لا تقبل لأن هذا يكون دعوى العقد وليس على أحد العاقدين شهادة شاهدين فلا تقبل كما في باب البيع وإن كانت الدعوى بعد انقضاء مدة الإجارة فهذا دعوى المال لا دعوى العقد فكان حكمه حكم سائر الديون وقد ذكرناه على الاتفاق والاختلاف هذا إذا كانت الدعوى من المؤاجر فإن كانت من المستأجر لا تقبل سواء كانت الدعوى في المدة أو بعد انقضائها لأن هذا دعوى العقد ولو كان هذا في النكاح فإن كانت الدعوى من المرأة فهذا دعوى المال عند أبي حنيفة عليه الرحمة حتى إنها لو ادعت على رجل أنه تزوجها على ألف وخمسمائة فشهد لها شاهدان أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف تقبل والنكاح جائز بألف درهم وعندهما لا تقبل ولا يجوز النكاح لأن هذا دعوى العقد ولو كانت الدعوى من الرجل والمرأة تنكر لا تقبل بالإجماع لأن هذا دعوى العقد ولو كانت الدعوى في الخلع أو في الطلاق على مال أو في العتاق أو في الصلح عن دم العمد على مال فإن كانت الدعوى من الزوج أو من المولى أو ولي القصاص تقبل لأن هذا دعوى المال وإن كانت الدعوى من المرأة أو العبد أو القاتل لا تقبل لأن هذا دعوى العقد ولو كان هذا في الكتابة فإن كانت الدعوى من المكاتب لا تقبل لأن هذا دعوى العقد فلا تقبل ولا تصح الكتابة وإن كانت من المولى فلا تصح لأن للمكاتب أن يعجز نفسه متى شاء وأما اختلاف الشهادة في الزمان والمكان فإنه ينظر إن كان ذلك في الأقارير لا يمنع القبول وإن كان في الأفاعيل من القتل والقطع والغصب وإنشاء البيع والطلاق والعتاق والنكاح ونحوها يمنع القبول ووجه الفرق أن الإقرار مما يحتمل التكرار فيمكن التوفيق بين الشهادتين لسماعه عن الإقرار في زمانين أو مكانين فلا يتحقق الاختلاف بين الشهادتين بخلاف القتل والقطع وإنشاء البيع وغيره من العقود والفسوخ لأن هذا لا يحتمل التكرار فاختلاف الزمان والمكان فيها يوجب اختلاف الشهادتين فيمنع القبول وبالله التوفيق ولو ادعى رجل على رجل قرض ألف درهم فشهد شاهدان أحدهما على القرض والآخر على القرض والقضاء يقضى بشهادتهما على القرض ولا يقضى بالقضاء في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يقضي بشهادتهما بالقرض أيضا لأنهما وإن اجتمعا على الشهادة بالقرض لكن الذي شهد بالقضاء فسخ شهادته بالقرض فبقي على القرض شاهد واحد فلا يقضي بالشهادة والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن الشهادتان ( ( ( الشهادتين ) ) ) اختلفتا في القضاء لا في القرض بل اتفقا على القرض فيقضي به وقوله شاهد القضاء فسخ شهادته بالقرض قلنا ممنوع بل قرر شهادته على القرض لأن قضاء القرض بعد الفرض ( ( ( القرض ) ) ) يكون وأما الذي يرجع إلى المكان فواحد وهو مجلس القضاء ومنها الذكورة في الشهادة بالحدود والقصاص فلا تقبل فيها شهادة النساء لما روي عن الزهري رحمه الله أنه قال مضت السنة من لدن رسول الله والخليفتين من بعدهما ( ( ( بعده ) ) ) رضوان الله تعالى عليهما أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص ولأن الحدود والقصاص مبناهما على الدرء والإسقاط بالشبهات وشهادة النساء لا تخلو عن شبهة لأنهن جبلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدين فيورث ذلك شبهة بخلاف سائر الأحكام لأنها تجب مع الشبهة ولأن جواز شهادة النساء على البدل من شهادة الرجال والأبدال في باب الحدود غير مقبولة ( ( ( مقبول ) ) ) كالكفالات والوكالات
وأما الشهادة على الأموال فالذكورة ليست فيها بشرط والأنوثة ليست بمانعة بالإجماع فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال لقول الله تبارك وتعالى في باب المداينة واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء واختلف في اشتراطها في الشهادة بالحقوق التي ليس ( ( ( ليست ) ) ) بمال كالنكاح والطلاق والنسب قال أصحابنا رضي الله عنهم ليست بشرط وقال الشافعي رضي الله عنه شرط وجه قول الشافعي رحمه الله أن شهادة النساء حجة ضرورة لأنها جعلت حجة في باب الديانات عند عدم الرجال ولا ضرورة في الحقوق التي ليست بمال لاندفاع الحاجة فيها بشهادة الرجال ولهذا لم تجعل حجة في باب الحدود والقصاص وكذا لم تجعل حجة بانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال ولنا قوله تبارك وتعالى واستشهدوا الآية جعل الله سبحانه وتعالى لرجل وامرأتين شهادة على الإطلاق لأنه سبحانه وتعالى جعلهم من الشهداء والشاهد المطلق من له شهادة على الإطلاق فاقتضى أن يكون لهم شهادة في سائر الأحكام إلا ما قيد بدليل وروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه أجاز شهادة النساء مع الرجال في النكاح والفرقة ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر من الصحابة فكان إجماعا منهم على الجواز ولأن شهادة رجل وامرأتين في إظهار الشهود ( ( ( المشهود ) ) ) به مثل شهادة رجلين لرجحان جانب الصدق فيها على جانب الكذب بالعدالة لا أنها لم تجعل حجة فيما يدرأ بالشبهات لنوع قصور وشبهة فيها لما ذكرنا وهذه الحقوق تثبت بدليل فيه شبهة وأما قوله بأنها ضرورة فلا تسلم فإنها مع القدرة على شهادة الرجال في باب الأموال مقبولة فدل أنها شهادة مطلقة لا ضرورة وبه تبين أن نقصان الأنوثة يصير مجبورا بالعدد فكانت شهادة مطلقة واختلف في اشتراطها في الشهادة على الإحصان قال علماؤنا الثلاثة رضي الله عنهم ليست بشرط وقال زفر حتى يظهر الإحصان بشهادة رجل وامرأتين عندنا وعنده لا يظهر وجه قول زفر رحمه الله أن الذكورة شرط في علة العقوبات بالإجماع حتى لا يظهر بشهادة رجل وامرأتين والإحصان من جملة أوصاف العلة لأن علة وجوب الرجم ليس هو الزنا المطلق بل الزنا الموصوف ( ( ( لموصوف ) ) ) بالتغليظ ولا يتغلظ إلا بالإحصان فكان الإحصان من جملة العلة لا ( ( ( فلا ) ) ) يثبت بشهادة النساء ولهذا لو أقر بالإحصان جاز رجوعه كما أنه لو أقر بالزنا رجع وكذا الشهادة القائمة على الإحصان من غير دعوى كالشهادة القائمة على الزنا ولنا قوله عز وجل فاستشهدوا الآية ودلالتها على نحو ما تقدم مع الشافعي رحمه الله تعالى وأما قوله من جملة العلة الإحصان قلنا لا ممنوع بل هو شرط العلة فيصير الزنا عنده علة والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط لما عرف في أصول الفقه وأما الرجوع عنه بعد الإقرار فلا نسلم أنه لا يصح الرجوع في قول أبي يوسف رحمه الله ولا يصح في قول زفر رحمه الله وهذا حجة على زفر ولا رواية فيه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله قلنا ( ( ( فلنا ) ) ) أن نمنع وعدم اشتراط الدعوى يدل على أنه حق الله سبحانه وتعالى لا على أنه تضاف إليه العقوبة ألا ترى أن الدعوى ليست بشرط في عتق الأمة إجماعا ولا في عتق العبد عند أبي يوسف ومحمد وإن كان لا يتقرر تعلق عقوبة به ونحن نسلم أن الإحصان حق الله تعالى في هذا الوقت على ما عرف في الخلافيات ومنها إسلام الشاهد إذا كان المشهود عليه مسلما حتى لا تقبل شهادة الكافر على المسلم لأن الشهادة فيها معنى الولاية وهو تنفيذ القول على الغير ولا ولاية للكافر فلا شهادة له عليه وتقبل شهادة المسلم على الكافر لأنه من أهل أن يثبت له الولاية على المسلم فعلى الكافر أولى
وأما إذا كان المشهود عليه كافرا فإسلام الشاهد هل هو شرط لقبول شهادته عليه فقد اختلف فيه قال أصحابنا رضي الله عنهم ليس بشرط حتى تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض سواء اتفقت مللهم أو اختلفت بعد أن كانوا عدولا في دينهم وقال الشافعي رحمه الله شرط حتى لا تقبل شهادتهم أصلا واحتج بقوله سبحانه وتعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا نفى الله سبحانه وتعالى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا ( ( ( سبيل ) ) ) وفي قبول شهادة بعضهم على بعض إثبات السبيل للكافرين على المؤمنين لأنه يجب على القاضي القضاء بشهادتهم وأنه منفي ولأن العدالة شرط قبول الشهادة والفسق مانع والكفر رأس الفسق فكان أولى بالمنع من القبول ولنا قول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم على المسلم شهادة فكذا للذمي على الذمي فظاهره يقتضي أن يكون للذمي على المسلم شهادة كالمسلم إلا أن ذلك صار مخصوصا من عموم النص ولأن الحاجة مست إلى صيانة حقوق أهل الذمة ولا تحصل الصيانة إلا وأن يكون لبعضهم على بعض شهادة ولا شك أن الحاجة إلى صيانة حقوقهم ماسة لأنهم إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا والدليل على أن الصيانة لا تحصل إلا وأن يكون لبعضهم على بعض شهادة لأن هذه المعاملات تكثر فيما بينهم والمسلمون لا يحضرون معاقدتهم ليتحملوا حوادثهم فلو لم يكن لبعضهم على بعض شهادة لضاعت حقوقهم عند الجحود والإنكار فدعت الحاجة إلى الصيانة بالشهادة وأما الآية الكريمة فوجوب القضاء لا يثبت بالشهادة وإنما يثبت بالتقليد السابق والشهادة شرط الوجوب والحكم لا يثبت بالشرط فلا يكون في قبول شهادة بعضهم على بعض إثبات السبيل للكافر على المؤمن سواء اتفقت مللهم أو اختلفت فتقبل شهادة النصراني على اليهودي واليهودي على المجوسي وقال ابن أبي ليلى إن اختلفت لا تقبل وهذا غير سديد لأن الكفر وإن اختلفت أنواعه صورة فهو ملة واحدة حقيقة فتقبل شهادة بعضهم على بعض كيف ما كان بعد أن يكون الشاهد من أهل دار الإسلام حتى لا تقبل شهادة المستأمن على الذمي لأنه ليس من أهل دار الإسلام حقيقة وإن كان فيها صورة لأنه ما دخل دارنا للسكنى فيها بل ليقضي حوائجه ثم يعود عن قريب فلم يكن من أهل دار الإسلام والذمي من أهل دار الإسلام فاختلفت الداران فلم تقبل شهادة الذمي عليه بالنص الذي روينا وصار حكم المستأمن مع الذمي في الشهادة كحكم الذمي مع المسلم وشهادة المستأمن تقبل على المستأمن إن اتفقت دارهم ومللهم وإن اختلفت لا تقبل ومنها عدم التقادم في الشهادة على الحدود كلها إلا حد القذف حتى لا تقبل الشهادة عليها إذا تقادم العهد إلا على حد القذف بخلاف الإقرار لما عرف في كتاب الحدود والله تعالى أعلم ومنها قيام الرائحة في الشهادة على شرب الخمر إذا لم يكن سكران ولم يحقق أنه من مسيره لا يبقى الريح من المجيء به من مثلها عادة عندهما وعند محمد ليس بشرط وهي من مسائل الحدود وتذكر هنالك إن شاء الله تعالى ومنها الأصالة في الشهادة على الحدود والقصاص حتى لا تقبل فيها الشهادة بطريق النيابة وهي الشهادة على الشهادة عندنا كذا لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي لأنه في معنى الشهادة على الشهادة وعند الشافعي رحمه الله ليس بشرط حتى تقبل فيها الشهادة على الشهادة وأجمعوا على أنها ليست بشرط في الأموال والحقوق المجردة عنها فتقبل فيها الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي إلا في العبد الآبق عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف تقبل فيه أيضا على ما نذكر في كتاب أدب القاضي وجه قول الشافعي رحمه الله أن الفروع يؤدون الشهادة نيابة عن الأصول فكانت شهادتهم شهادة الأصول معنى وشهادة الأصول على الحدود والقصاص مقبولة
ولنا أن الحدود والقصاص مما تدرأ بالشبهات والشهادة على الشهادة لا تخلو عن شبهة ولهذا لا تقبل فيها شهادة النساء لتمكن الشبهة في شهادتهن بسبب السهو والغفلة بل أولى لأن الشبهة هنا تمكنت في مجلس فكان فيها زيادة ليست في شهادة الأصول ولأن الحدود لما كانت مبنية على الدرء أوجب ذلك اختصاصها بحجج مخصوصة بل إيقاف إقامتها ولهذا شرط عدد الأربعة في الشهادة على الزنا لأن إطلاع أربعة من الرجال الأحرار على غيبوبة ذكره في فرجها كما يغيب الميل في المكحلة نادر غاية الندرة ثم نقول الكلام في الشهادة على الشهادة يقع في مواضع في صورة تحمل الشهادة على الشهادة وفي شرائط التحمل وفي صورة أداء الشهادة على الشهادة وفي شرائط الأداء أما صورة التحمل فلها عبارتان مختصرة ومطولة أما اللفظ المختصر فهو أن يقول شاهد الأصل اشهد على شهادتي أني أشهد لفلان على فلان كذا أو يقول أشهد أن لفلان على فلان كذا فاشهد على شهادتي بذلك وأما المطول فهو أن يقول شاهد الأصل أشهد أن لفلان على فلان كذا أشهدك على شهادتي هذه وآمرك أن تشهد على شهادتي هذه فاشهد وأما شرائط تحمل هذه الشهادات فما ذكرنا في عموم الشهادات وأما الذي يختص بها فأنواع منها الإشهاد حتى لا يصح التحمل بنفس السماع دون الإشهاد حتى لو قال أشهد أن لفلان على فلان كذا فسمع إنسان لكن لم يقل اشهد أنت لم يصح التحمل بخلاف سائر الشهادات أنه يصح التحمل فيها بنفس معاينة الفعل وسماع الإقرار والإنشاء من غير إشهاد ووجه الفرق أن الفروع يشهدون نيابة عن الأصول فلا بد من الإنابة منهم وذلك بالإشهاد بخلاف سائر الشهادات لأن تحمل الشاهد في سائرها بطريق الإحارة ( ( ( الإحالة ) ) ) بنفسه لا بغيره فيصح التحمل فيها بطريق المعاينة ومنها الإشهاد على شهادته حتى لو قال اشهد بمثل ما شهدت أو كما شهدت أو على ما شهدت لا يصح التحمل ما لم يقل على شهادتي لأن معنى التحمل والإنابة لا يحصل إلا بالإشهاد على شهادته ومنها عدد التحمل وهو أن يتحمل من كل واحد من شاهدي الأصل اثنان حتى لو تحمل من أحدهما واحد وتحمل من الآخر واحد لا يصح التحمل لأن الشهادة حق ثابت في ذمة الشاهد والحقوق الثابتة في الذمم لا ينقلها إلى القاضي إلا شاهدان ولو تحمل اثنان من أحدهما شهادته ثم تحملا من الآخر شهادته جاز التحمل لأنه اجتمع على التحمل من كل واحد منهما شاهدان فأما الذكورة في تحمل هذه الشهادة فليست بشرط حتى يصح التحمل فيها من النساء وأما صورة أداء هذه الشهادة فلها لفظان أيضا مختصر ومطول فالمختصر أن يقول شهد فلان عندي أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته بذلك فأنا أشهد على شهادته بذلك وأما المطول فهو أن يقول شهد عندي فلان أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته بذلك وأمرني أن أشهد على شهادته بذلك وأنا أشهد الآن على شهادته بذلك ولو لم يقل وأمرني أن أشهد على شهادته بذلك جاز لأن معنى التحمل والأنابة يتأدى بقوله أشهدني على شهادته فكان قوله أمرني بذلك من باب التأكيد وأما شرائطها فما ذكرناه كسائر الشهادات والذي يختص بهذه الشهادة أن يكون المشهود عليه ميتا أو غائبا مسيرة سفر أو مريضا لا يستطيع أن يحضر مجلس القضاء لأن جواز الشهادة للحاجة والضرورة ولا تتحقق الضرورة إلا في هذه المواضع
وأما الذكورة فليست بشرط لأداء هذه الشهادة فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال لقوله تبارك وتعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء فظاهر النص يقتضي أن يكون للنساء مع الرجال شهادة على الإطلاق من غير فصل إلا ما قيد بدليل ولأن قضية القياس أن لا تشترط الذكورة والأصل في عموم الشهادات إلا أن اشتراط الذكورة في شهادة الأصول على الحدود والقصاص ثبت بنص خاص وهو حديث الزهري رحمه الله لتمكن شبهة في شهادتين ( ( ( شهادتهن ) ) ) ليست في شهادة الرجال واشتراط الأصالة في الشهادة لتمكن زيادة شبهة في شهادة الفروع ليست في شهادة الأصول وهو الشبهة في الشهادتين على ما ذكرنا فشرط ذلك احتيالا لدرء ما يندرىء ( ( ( يندرئ ) ) ) بالشبهات والأموال والحقوق مما ثبت بالشبهة فثبتت ( ( ( فثبت ) ) ) على أصل القياس والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة فالذي يلزمه أداء الشهادة لله سبحانه وتعالى فيما سوى أسباب الحدود لقوله تعالى وأقيموا الشهادة لله وقوله عز شأنه كونوا قوامين بالقسط شهداء لله إلا أن في الشهادة القائمة على حقوق العباد وأسبابها لا بد من طلب المشهود له لوجوب الأداء فإذا طلب وجب عليه الأداء حتى لو امتنع بعد الطلب يأثم لقوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا أي دعوا لاداء الشهادة لأن الشهادة أمانة المشهود له في ذمة الشاهد وقال سبحانه وتعالى فليؤد الذي اؤتمن أمانته وقال تعالى جل شأنه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وأما في حقوق الله تبارك وتعالى وفيما سوى أسباب الحدود نحو طلاق امرأة وإعتاق عبد والظهار والإيلاء ونحوها من أسباب الحرمات تلزمه الإقامة حسبة لله تبارك وتعالى عند الحاجة إلى الإقامة من غير طلب من أحد من العباد وأما في أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهو مخير بين أن يشهد حسبة لله تعالى وبين أن يستر لأن كل واحد منهما أمر مندوب إليه قال الله تبارك وتعالى وأقيموا الشهادة لله وقال عليه الصلاة والسلام من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة وقد ندبه الشرع إلى كل واحد منهما إن شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى وإن شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم فصل وأما بيان حكم الشهادة فحكمها وجوب القضاء على القاضي لأن الشهادة عند استجماع شرائطها مظهر ( ( ( مظهرة ) ) ) للحق والقاضي مأمور بالقضاء بالحق قال الله تبارك وتعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وثبوت ما يترتب عليها من الأحكام كتاب الرجوع عن الشهادة الكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضع واحد وهو بيان حكم الرجوع عن الشهادة فنقول وبالله التوفيق الرجوع عن الشهادة يتعلق به حكمان أحدهما يرجع إلى مال الشاهد والثاني يرجع إلى نفسه أما الذي يرجع إلى ماله فهو وجوب الضمان والكلام فيه في ثلاثة مواضع في بيان سبب وجوب الضمان وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان مقدار الواجب أما الأول فسبب وجوب الضمان في هذا الباب إتلاف المال أو النفس بالشهادة لأن الضمان في الشرع إنما يجب إما بالالتزام أو بالإتلاف ولم يوجد الالتزام فيتعين الإتلاف فيها سببا لوجوب الضمان فإن وقعت إتلافا انعقدت سببا لوجوب الضمان وإلا فلا وعلى هذا يخرج ما إذا شهدا على رجل بألف وقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا أنهما يضمنان الألف لأنهما لما رجعا عن شهادتهما بعد القضاء تبين أن شهادتهما وقعت سببا إلى الإتلاف في حق المشهود عليه والتسبب إلى الإتلاف بمنزلة المباشرة في حق سببية وجوب الضمان كالإكراه على إتلاف المال وحفر البئر على قارعة الطريق ونحوه فإن قيل لما رجعا عن شهادتهما تبين أن قضاء القاضي لم يصح فتبين أن المدعي أخذ المال بغير حق فلم لا يرده إلى المشهود عليه
قيل له إنه بالرجوع لم يتبين بطلان القضاء لأن الشاهد غير مصدق في الرجوع في حق القاضي والمشهود له لوجهين الأول أن الرجوع يحتمل الصدق والكذب والقضاء بالحق للمشهود به نفذ بدليل من حيث الظاهر وهو الشهادة الصادقة عند القاضي فلا ينتقض الثابت ظاهرا بالشك والاحتمال فبقي القضاء ماضيا على الصحة والمدعى في يد المدعي كما كان والثاني أن الشاهد في الرجوع عن شهادته متهم في حق المشهود له لجواز أن المشهود عليه غره بمال أو غيره ليرجع عن شهادته فيظهر كذب المدعي في دعواه فلم يصدق في الرجوع في حق المشهود له للتهمة إذ التهمة كما تمنع قبول الشهادة تمنع صحة الرجوع عن الشهادة فلم يصح الرجوع في حقه فلم ينقض القضاء ولا يسترد المدعى من يده ومعنى التهمة لا يتوهم في المشهود عليه فصح الرجوع في حقه إلا أنه لا يمكن إظهار الصحة في نقض القضاء والتوصل إلى عين المشهود به فيظهر في التوصل إلى بدله رعاية للجوانب كلها وإذا رجعا قبل القضاء لا يضمنان لأن الشهادة لا تصير حجة إلا بالقضاء فلا تقع تسبيبا إلى الإتلاف بدونه وعلى هذا إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته فقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا إن كان الطلاق بعد الدخول بأن كان الزوج مقرا بالدخول لا ضمان عليهما لانعدام الإتلاف لأن المهر يجب بنفس العقد ويتأكد بالدخول لا بشهادتهما فلم تقع شهادتهما إتلافا فلم يجب الضمان وإن كان الطلاق قبل الدخول فقضى القاضي بنصف المهر بأن كان المهر مسمى أوبالمتعة بأن لم يكن المهر مسمى ثم رجعا ضمنا ذلك للزوج لأن شهادتهما وإن لم توجب على الزوج شيئا من المهر لكنها أكدت الواجب لأن الواجب قبل الدخول كان محتملا للسقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها وبشهادتهما بالطلاق تأكد الواجب عليه على وجه لا يحتمل السقوط بعده أصلا فصارت شهادتهما مؤكدة للواجب والمؤكد للواجب بمنزلة الواجب في الشرع كالمحرم إذا أخذ صيدا فذبحه رجل في يده يجب الجزاء على الآخذ ويرجع الآخذ بذلك على القاتل لوقوع القتل منه تأكيدا للجزاء الواجب على المحرم إذ لولا ذبحه لاحتمل السقوط بالإرسال فهو بالذبح أكد الواجب عليه فنزل المؤكد منه منزلة الواجب كذا هذا وعلى هذا إذا شهدا على رجل أنه أعتق عبدا أو أمة له وهو ينكر فقضى القاضي ثم رجعا يضمنان قيمة العبد أو الأمة لمولاه لأنهما بشهادتهما أتلفا عليه مالية العبد أو الأمة فيضمنان ويكون ولاؤه للمولى لأن الإعتاق نفذ عليه والولاء لمن أعتق فإن قيل هذا إتلاف بعوض وهو الولاء فلا يوجب الضمان قيل له الولاء لا يصلح عوضا لأنه ليس بمال وإنما هو من أسباب الإرث فكان هذا إتلافا بغير عوض فيوجب الضمان ولو شهدا على إقرار المولى أن هذه الأمة ولدت منه وهو منكر فقضى القاضي بذلك ثم رجعا فنقول هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما إن لم يكن معها ولد وإما إن كان معها ولد وكل ذلك لا يخلو إما إن رجعا في حال حياة المولى وإما إن رجعا بعد وفاته أما إذا لم يكن معها ولد ورجعا في حال حياة المولى يضمنان للمولى نقصان قيمتها فتقوم أمة قنا وتقوم أم ولد لو جاز بيعها فيضمنان النقصان لأنهما أتلفا عليه بشهادتهما هذا القدر حال حياته فيضمنانه فإذا مات المولى عتقت الجارية لأنها أم ولده وأم الولد تعتق بموت سيدها ويضمنان بقية قيمتها للورثة لأنهما أتلفا بشهادتهما كل الجارية لكن بعضها في حال الحياة والباقي بعد الوفاة فيضمنان كذلك وإن كان معها ولد ورجعا في حال حياة المولى فإنهما يضمنان قيمة الولد لأنهما أتلفاه عليه
ألا ترى أنه لولا شهادتهما لكان الولد عبدا له فهما بشهادتهما أتلفاه عليه فعليهما الضمان وعليهما ضمان نقصان قيمة الأم أيضا لما قلنا فإذا مات المولى بعد ذلك لم يكن مع الولد شريك في الميراث فلا يضمنان له شيئا ويرجعان على الولد بما قبض الأب منهما لأن في زعم الولد أن رجوعهما باطل وأن ما أخذ الأب منهما أخذه بغير حق فصار مضمونا عليه فيؤدي من تركته إن كانت له تركة وإن لم يكن له تركة فلا ضمان على الولد لأن من أقر على مورثه بدين وليس للميت تركة لا يؤخذ من مال الوارث وإن كان معه أخ فإنهما يضمنان للأخ نصف البقية من قيمتها لأنهما أتلفا عليه ذلك القدر ويرجعان على الولد بما أخذه الأب منهما لما قلنا ولا يرجعان بما قبض الأخ لأن الأخ ظلم عليهما في زعمهما فليس لهما أن يظلما عليه ولا ضمان للأخ ما أخذ هذا من الميراث لأنهما ما أتلفا عليه الميراث لما نذكر إن شاء الله تعالى هذا إذا كان الرجوع في حال حياة المولى فأما إذا كان بعد وفاته فإن لم يكن مع الولد شريك في الميراث فلا ضمان عليهما لأن الولد يكذبهما في الرجوع وإن كان معه شريك في الميراث فإنهما يضمنان للأخ نصف البقية من قيمتهما لما قلنا ويضمنان للأخ نصف قيمة الولد لأنهما أتلفا عليه نصف الولد ولا يضمنان له ما أخذ هذا الولد من الميراث لما قلنا ولا يرجعان على الولد ههنا لأن هذا ظلم للأخ في زعمهما فليس لهما أن يظلما الولد هذا إذا كانت الشهادة في حال حياة المولى والرجوع عليه في حال حياته أو بعد وفاته فأما إذا كانت الشهادة بعد وفاته بأن مات رجل وترك ابنا وعبدا وأمة وتركة فشهد شاهدان أن هذا العبد ولدته هذه الأمة من الميت وصدقهما الولد والأمة وأنكر الابن فقضى القاضي بذلك وجعل الميراث بينهما ثم رجعا يضمنان قيمة العبد والأمة ونصف الميراث للابن فرق بين حال الحياة وبين حال الممات فإن هناك لا يضمنان الميراث ووجه الفرق أن الشهادة بالنسب حال الحياة لا تكون شهادة بالمال والميراث لا محالة لأنه يجوز فيه التقدم والتأخر فمن الجائز أن يموت الأب أولا فيرثه الابن كما يجوز أن يموت الابن أولا ويرثه الأب فلم تكن الشهادة بالنسب شهادة بالمال والميراث لا محالة فلا تتحقق الشهادة إتلافا للمال فلا يضمنان بخلاف الشهادة بعد الموت فإنها شهادة بالمال لا محالة فقد أتلفا عليه نصف الميراث فيضمنان والله سبحانه وتعالى أعلم ولو شهدا أنه دبر عبده فقضى القاضي بذلك ثم رجعا يضمنان للمولى نقصان التدبير فيقوم قنا ويقوم مدبرا فيضمنان النقصان لأنهما أتلفا عليه حال حياته بشهادتهما هذا القدر فيضمنانه فإذا مات المولى بعد ذلك عتق العبد كله إن كان يخرج من الثلث ولا سعاية عليه لأنه مدبره ويضمنان للورثة بقية قيمته عبدا لأنهما أتلفا بشهادتهما بقية ماليته بعد موته لأن التدبير إعتاق بعد الموت ولو لم يكن له مال سوى المدبر عتق عليه مجانا لأن التدبير وصية فيعتبر بسائر الوصايا ويسعى في ثلثي قيمته عبدا قنا للورثة لأن الوصية فيما زاد على الثلث لا تنفذ من غير إجازة الورثة ويضمن الشاهدان للورثة ثلث قيمته لأنهما أتلفا عليه بشهادتهما ثلث العبد هذا إذا كانت السعاية تخرج من ثلث العبد فإن كانت لا تخرج بأن كان معسرا فإنهما يضمنان جميع قيمته مدبرا ثم يرجعان على العبد بثلثي قيمته إذا أيسر ولو شهدا أنه قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر وشهد آخران بالدخول ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين لأن العتق ثبت بقوله أنت حر وإنما الدخول شرط والحكم يضاف إلى العتق لا إلى الشرط فكان التلف حاصلا بشهادتهما فكان الضمان عليهما وكذلك إذا شهدا أنه قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق وشهد آخران بالدخول ثم رجعوا لما قلنا وكذلك لو شهدا على رجل بالزنا وشهد آخران بالإحصان ثم رجعوا فالضمان على شهود الزنا لا على شهود الإحصان لأن الإحصان شرط
ولو شهدا أنه قتل فلانا خطأ وقضى القاضي ثم رجعا ضمنا الدية لأنهما أتلفاها عليه وتكون في مالهما لأن الشهادة منهما بمنزلة الإقرار منهما بالإتلاف والعاقلة لا تعقل الإقرار كما لو أقر ( ( ( أقرا ) ) ) صريحا ولهذا لو رجعا في حال المرض اعتبر إقرار ( ( ( إقرارا ) ) ) بالدين حتى يقدم عليه دين الصحة كما في سائر الأقارير وكذا لو شهدا أنه قطع يد فلان خطأ وقضى القاضي ثم رجعا ضمنا دية اليد لما قلنا وكذا لو شهدا عليه بالسرقة فقضى عليه بالقطع فقطعت يده ثم رجعا فقد روي أن شاهدين شهدا عند سيدنا علي كرم الله وجهه على رجل بالسرقة فقضى عليه بالقطع فقطعت يده ثم جاء الشاهدان بآخر فقالا أوهمنا أن السارق هذا يا أمير المؤمنين فقال سيدنا علي رضي الله عنه لا أصدقكما على هذا وأغرمكما دية يد الأول ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا ولو شهدا أنه قتل فلانا عمدا فقضى القاضي وقتل ثم رجعا فعليهما الدية عندنا وعند الشافعي رحمه الله عليهما القصاص وعلى هذا الخلاف إذا شهدا أنه قطع يد فلان وجه قول الشافعي رحمه الله أن شهادتهما وقعت قتلا تسبيبا لأنها تفضي إلى وجوب القصاص وأنه يفضي إلى القتل فكانت شهادتهما تسبيبا إلى القتل والتسبيب في باب القصاص في معنى المباشرة كالإكراه على القتل ولنا أن نسلم أن الشهادة وقعت تسبيبا إلى القتل لكن وجوب القصاص يتعلق بالقتل مباشرة لا تسبيبا لأن ضمان العدوان الوارد على حق العبد مقيد بالمثل شرعا ولا مماثلة بين القتل مباشرة وبين القتل تسبيبا بخلاف الإكراه على القتل لأن القاتل هو المكره مباشرة لكن بيد المكره وهو كالآلة والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة على ما عرف على أن ذلك وإن كان قتلا تسبيبا فهو مخصوص عن نصوص المماثلة فمن ادعى تخصيص الفرع يحتاج إلى الدليل وعلى هذا يخرج ما إذا شهدا على ولي القتيل أنه عفا عن القتل وقضى القاضي ثم رجعا أنه لا ضمان عليهما في ظاهر الرواية لأنه لم يوجد منهما إتلاف المال ولا النفس لأن شهادتهما قامت على العفو عن القصاص والقصاص ليس بمال ألا ترى أنه لو أكره رجلا على العفو عن القصاص فعفا لا يضمن المكره ولو كان القصاص مالا يضمن لأن المكره يضمن بالإكراه على إتلاف المال وكذا من وجب له القصاص وهو مريض فعفا ثم مات في مرضه ذلك لا يعتبر من الثلث ولو كان مالا اعتبر من الثلث كما إذا تبرع في مرضه وعن أبي يوسف رحمه الله أنهما يضمنان الدية لولي القتيل لأن شهادتهما إتلاف للنفس لأن نفس القاتل تصير مملوكة لولي القتيل في حق القصاص فقد أتلفا بشهادتهما على المولى نفسا تساوي ألف دينار أو عشرة آلاف درهم فيضمنان وهذا غير سديد لأنا لا نسلم أن نفس القاتل تصير مملوكة لولي القتيل بل الثابت له ملك الفعل لا ملك المحل لأن في المحل ما ينافي الملك لما علم في مسائل القصاص فلم تقع شهادتهما إتلاف النفس ولا إتلاف المال فلا يضمنان ولو شهدا أن هذا الغلام ابن هذا الرجل والأب يجحده فقضى القاضي بشهادتهما ثم رجعا لا يبطل النسب ولا ضمان على الشاهدين لانعدام إتلاف المال منهما وأما شرائط الوجوب فأنواع منها أن يكون الرجوع بعد القضاء فإن كان قبله لا يجب الضمان لما ذكرنا أن الركن في وجوب الضمان بالشهادة وقوع الشهادة إتلافا ولا تصير إتلافا إلا إذا صارت حجة ولا تصير حجة إلا بالقضاء فلا تصير إتلافا إلا به ومنها مجلس القضاء فلا عبرة بالرجوع عند غير القاضي كما لا عبرة بالشهادة عند غيره حتى لو أقام المدعى عليه البينة على رجوعهما لا تقبل بينته وكذا لا يمين عليهما إذا أنكر الرجوع إلا إذا حكيا عند القاضي رجوعهما عند غيره فيعتبر رجوعهما لأن ذلك بمنزلة إنشاء رجوعهما عند القاضي فكان معتبرا
ومنها أن يكون المتلف بالشهادة عين مال حتى لو كان منفعة لا يجب الضمان لأن الأصل أن المنافع غير مضمونة بالإتلاف عندنا وعلى هذا يخرج ما إذا شهدا أنه تزوج هذه المرأة بألف درهم ومهر مثلها ألفان وهي تنكر فقضى القاضي بالنكاح بألف درهم ثم رجعا لا يضمنان للمرأة شيئا لأنهما أتلفا عليها منفعة البضع والمنفعة ليست بعين مال حقيقة وإنما يعطى لها حكم الأموال بعارض عقد الإجارة وكذا لو ادعت امرأة على رجل أنه طلقها على ألف درهم والزوج ينكر فشهد شاهدان فقضى القاضي ثم رجعا لم يضمنا للزوج شيئا لأنهما بشهادتهما أتلفا على الزوج المنفعة لا عين المال وعلى هذا لو ادعى رجل أنه استأجر هذه الدابة من فلان بعشرة دراهم وأجر مثلها مائة درهم والمؤجر ينكر فشهد شاهدان وقضى القاضي ثم رجعا لا يضمنان للمؤجر شيئا لأنهما بشهادتهما المنفعة لا عين المال ومنها أن يكون إتلاف المال بغير عوض فإن كان بعوض لا يجب الضمان سواء كان العوض عين مال أو منفعة لها حكم عين المال لأن الإتلاف بعوض يكون إتلافا صورة لا معنى وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى رجل على رجل أنه باع عبده منه بألف درهم والمشتري ينكر فشهد شاهدان بذلك وقضى القاضي ثم رجعا أنه ينظر إن كانت قيمة العبد ألفا أو أكثر فلا ضمان عليهما للمشتري لأن شهادتهما وقعت إتلافا بعوض فلا يكون إتلافا معنى فلا يوجب الضمان وإن كانت قيمته أقل من ألف يضمنان الزيادة له لوقوع الشهادة إتلافا بقدر الزيادة ولو كانت الدعوى من المشتري والمسألة بحالها إن كانت قيمته مثل الثمن المذكور أو أقل لا ضمان على الشاهدين للبائع لما قلنا وإن كانت قيمته أكثر من ألف يضمنان الزيادة للبائع لأن شهادتهما وقعت إتلافا بغير الزيادة وعلى هذا يخرج ما إذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها على ألف درهم والرجل ينكر فشهد لها شاهدان بذلك وقضى القاضي بالنكاح بألف ثم رجعا أنه ينظر إن كان مهر مثلها ألفا أو أكثر من ذلك لم يضمنا للزوج شيئا وإن أتلفا عليه عين المال لأنهما أتلفاها بعوض له حكم عين المال وهو البضع لأنه يعتبر مالا حال دخوله في ملك الزوج بدليل أن الأب يملك أن يزوج من ابنه امرأة ولو لم يعتبر البضع مالا حال دخوله في ملك الزوج لما ملك لأن الأب لا يملك على ابنه معاوضة مال بما ليس بمال وكذلك المريض إذا تزوج امرأة على ألف درهم وذلك مهر مثلها لا يعتبر من الثلث بل من جميع المال ولو لم يكن البضع في حكم المال في حال الدخول في ملك الزوج لاعتبر من الثلث كالتبرع دل أن البضع يعتبر مالا في حق الزوج حال دخوله في ملكه فكان الإتلاف بعوض هو في حكم عين المال فلا يكون إتلافا معنى وإن كان مهر مثلها أقل من ألف درهم يضمنان الزيادة على مهر المثل للزوج لأنهما أتلفا الزيادة عليه من غير عوض أصلا وهذا بخلاف ما إذا ادعى رجل على امرأة أنه طلقها بألف درهم والمرأة تنكر فشهد شاهدان بذلك وقضى القاضي عليها بألف درهم ثم رجعا أنهما يضمنان للمرأة ألف درهم لأنهما أتلفا عليها عين المال بغير عوض أصلا لأن البضع حال خروجه عن ملك الزوج لا يعتبر مالا بدليل أن الأب لا يملك أن يخلع من ابنته الصغيرة على مال ولو فعل وأدى من مالها يضمن ولو كان مالا لملك لأنه يملك عليها معاوضة مال بمال وكذلك المريضة إذا اختلعت من نفسها حال مرضها على مال يعتبر من الثلث كالوصية ولو كان له حكم المال لاعتبر من جميع المال كما في سائر معاوضات المال بالمال وإذا لم يكن له حكم المال حال الخروج عن ملك الزوج حصلت شهادتهما إتلافا عليهما من عوض أصلا فيجب الضمان
وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى رجل أنه آجر داره من فلان شهرا بعشرة دراهم والمستأجر ينكر فشهد شاهدان بذلك وقضى القاضي ثم رجعا فأما إن كان في أول المدة ينظر إن كان أجرة الدار مثل المسمى لا ضمان عليهما للمستأجر ولو أتلفا عليه عين مال لكن بعوض له حكم عين المال وهو المنفعة لأن المنفعة في باب الإجارة لها حكم عين المال وإن كانت أجرة مثلها أقل من المسمى فإنهما يضمنان الزيادة لأن التلف بقدر الزيادة حصل بغير عوض أصلا وإن كانت الدعوى بعد مضي مدة الإجارة فعليهما ضمان الأجرة لأنهما أتلفا عليه من غير عوض أصلا فكان مضمونا عليهما وعلى هذا يخرج ما إذا شهد شاهدان على القاتل أنه صالح ولي القتيل على مال والقاتل ينكر فقضى القاضي بذلك ثم رجعا أنهما لا يضمنان شيئا للقاتل لأنهما أتلفا عليه عين مال بعوض وهو النفس لأن النفس تصلح أن تكون عوضا بدليل أن المريض وجب عليه القصاص فصالح الولي على الدية جاز ولا تعتبر من الثلث بل من جميع المال ولو لم تصلح النفس عوضا لاعتبر من الثلث دل أن هذا إتلاف بعوض فلا يوجب الضمان إلا إذا شهدا على الصلح بأكثر من الدية فيضمنان الزيادة على الدية للقاتل لأن تلف الزيادة حصل بغير عوض ويمكن تخرج هذه المسائل على فصل التسبب لأن ما قابله عوض لا يكون إتلافا معنى فلم يوجد سبب وجوب الضمان فلا يجب فافهم ذلك ويستوي في وجوب الضمان الرجوع عن الشهادة والرجوع على الشهادة حتى لو رجعت الفروع وثبت الأصول يجب الضمان على الفروع لوجود الإتلاف منهم لوجود الشهادة منهم حقيقة ولو رجع الأصول وثبت الفروع فلا ضمان على الفروع لانعدام الرجوع منهم وهل يجب الضمان على الأصول قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله لا يجب وقال محمد يجب وجه قوله أن الفروع لا يشهدون بشهادة أنفسهم وإنما يفعلون بشهادة الأصول فإذا شهدوا فقد أظهروا شهادتهم فكأنهم حضروا بأنفسهم وشهدوا ثم رجعوا وجه قولهما أن الشهادة وجدت من الفروع لا من الأصول لعدم الشهادة حقيقة فإنهم لم يشهدوا حقيقة وإنما شهد الفروع وهم ثابتون على شهادتهم فلم يوجد الإتلاف من الأصول لعدم الشهادة منهم حقيقة فلا يضمنون وعلى هذا إذا رجعوا جميعا فالضمان على الفروع عندهما ولا شيء على الأصول لوجود الشهادة من الفروع حقيقة لا من الأصول وعنده المشهود عليه بالخيار إن شاء ضمن الفروع وإن شاء ضمن الأصول لوجود الشهادة من الفريقين ولو لم يرجع أحد من الفريقين ولكن الأصول أنكروا الإشهاد فلا ضمان على أحد لانعدام الرجوع عن الشهادة ويستوي في وجوب ضمان الرجوع رجوع الشهود والمزكين عند أبي حنيفة حتى إن المزكين لو زكوا الشهود فشهدوا وقضى القاضي بشهادتهم ثم رجع المزكون ضمنوا عنده وعندهما رجوع المزكين لا يوجب الضمان وجه قولهما أن رجوع المزكين بمنزلة رجوع شهود الإحصان لأن التزكية ليست إلا بناء عن الشهود كالشهادة على الصفات التي هي خصال حميدة ثم الرجوع عن الشهادة على الإحصان لا يوجب الضمان كذا هذا ولأبي حنيفة أن التزكية في معنى الشهادة في وجوب الضمان لأن الرجوع عن الشهادة إنما يوجب الضمان لوقوعه إتلافا وإنما يصير إتلافا بالتزكية ألا ترى أنه لولا التزكية لما وجب القضاء فكانت الشهادة عاملة بالتزكية فكانت التزكية في معنى علة فكانت إتلافا بخلاف الشهادة على الإحصان لأن الإحصان شرط كون الزنا علة والحكم للعلة لا للشرط وأما بيان مقدار الواجب من الضمان فالأصل أن مقدار الواجب منه على قدر الإتلاف لأن سبب الوجوب هو الإتلاف والحكم يتقدر بقدر العلة والعبرة فيه لبقاء من بقي من الشهود بعد رجوع من رجع منهم فإن بقي منهم بعد الرجوع من يحفظ الحق كله فلا ضمان على أحد لانعدام الإتلاف أصلا من أحد وإن بقي منهم من يحفظ بعض الحق وجب على الراجعين ضمان قدر التالف بالحصص فنقول بيان هذه الجملة إذا شهد رجلان بمال ثم رجع أحدهما عليه نصف المال لأن النصف محفوظ بشهادة الباقي
ولو كانت الشهود أربعة فرجع واحد منهم لا ضمان عليه وكذا إذا رجع اثنان لأن الاثنين يحفظان المال ولو رجع منهم ثلاثة فعليهم نصف المال لأن النصف عندنا بشهادة شاهد واحد ولو شهد رجل وامرأتان بمال ثم رجع الرجل غرم نصف المال لأن النصف بقي بثبات المرأتين ولو رجعت المرأتان غرمتا نصف المال بينهما نصفين لبقاء النصف بثبات الرجل ولو رجع رجل وامرأة فعليهما ثلاثة أرباع المال نصفه على الرجل وربعه على المرأة لأن الباقي ببقاء امرأة واحدة الربع فكان التالف بشهادة الرجل والمرأة ثلاثة الأرباع والرجل ضعف المرأة فكان عليها الربع وعلى الرجل النصف ولو رجعوا جميعا فنصف المال على الرجل والنصف على المرأتين بينهما نصفان ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان على الرجلين ولا شيء على المرأة لأن المرأة الواحدة في الشهادة وجودها وعدمها بمنزلة واحدة لأن القاضي لا يقضي بشهادتهما ( ( ( بشهادتها ) ) ) ولو شهد رجلان وامرأتان ثم رجعت المرأتان فلا ضمان عليهما لأن الحق يبقى محفوظا بالرجلين ولو رجع الرجلان يضمنان نصف المال لأن المرأتين يحفظان ( ( ( تحفظان ) ) ) النصف ولو رجع رجل واحد لا شيء عليه لأن رجلا وامرأتين يحفظون جميع المال ولو رجع رجل وامرأة فعليهما ربع المال بينهما أثلاثا ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة لأنه بقي ثلاثة الأرباع ببقاء رجل وامرأتين فكان التالف بشهادة رجل وامرأة الربع والرجل ضعف المرأة فكان بينهم أثلاثا ولو رجعوا جميعا فالضمان بينهم أثلاث أيضا ثلثاه على الرجلين وثلثه على المرأتين لما ذكرنا أن الرجل ضعف المرأة فكان التالف بشهادته ضعف ما تلف بشهادتها ولو شهد رجل وعشرة ( ( ( وعشر ) ) ) نسوة ثم رجعوا جميعا فالضمان بينهم أسداس سدسه على الرجل وخمسة أسداسه على النسوة وهذا قول أبي حنيفة فأما عندهما فالضمان بينهم نصفان نصفه على الرجل ونصفه على النسوة وجه قولهما أن النساء وإن كثرن فلهن شطر الشهادة لا غير فكان التالف بشهادتهن نصف المال والنصف بشهادة الرجل فكان الضمان بينهم أنصافا ولأبي حنيفة أن كل امرأتين بمنزلة رجل واحد في الشهادة فكان قسمة الضمان بينهم أسداسا ولو رجع الرجل وحده ضمن نصف المال لأن النصف محفوظ بشهادة النساء وكذا لو رجعت النسوة غرمن نصف المال لأن النصف محفوظ بشهادة الرجل هذان الفصلان يؤيدان قولهما في الظاهر ولو رجع ثمان نسوة فلا ضمان عليهن لأن الحق بقي محفوظا برجل وامرأتين ولو رجعت امرأة بعد ذلك فعليها وعلى الثمان ربع المال لأنه بقي بثبات رجل وامرأة ثلاثة أرباع المال فكان التالف بشهادتهن الربع ولو رجع رجل وامرأة فعليهما نصف المال أثلاثا ثلثاه على الرجل والثلث على المرأة لأن تسع نسوة يحفظن المال فكان التالف بشهادة رجل وامرأة النصف والرجل ضعف المرأة فكان بينهما أثلاثا ولو شهد رجل وثلاث نسوة ثم رجع الرجل وامرأة فعلى الرجل نصف المال ولا شيء على المرأة في قياس قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وفي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه نصف المال يكون عليهما أثلاثا ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة ولو رجعوا جميعا فالضمان بينهم أخماس عند أبي حنيفة خمساه على الرجل وثلاثة أخماسه على النسوة لأن الرجل ضعف المرأة وعندهما نصف الضمان على الرجل ونصفه على المرأة لما ذكرنا أن لهن شطر الشهادة وإن كثرن فكان التالف بشهادة كل نوع نصف المال والله أعلم
وعلى هذا يخرج ما إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته ثلاثا والزوج ينكر وشهد شاهدان بالدخول فقضى القاضي بشهادتهم ثم رجعوا فالضمان عليهم أرباع على شاهدي الطلاق الربع لأن شاهدي الدخول شهدا بكل المهر لأن كل المهر يتأكد بالدخول وللمؤكد حكم الموجب على ما مر وشاهدا ( ( ( وشاهدي ) ) ) الطلاق شهدا بالنصف لأن نصف المهر يتأكد بالطلاق على ما ذكرنا والمؤكد للواجب في معنى الواجب فشاهد الدخول انفرد بنصف المهر والنصف الآخر اشترك فيه الشهود كلهم فكان نصف النصف وهو الربع على شاهدي الطلاق وثلاثة الأرباع على شاهدي الدخول فأما الذي يرجع إلى نفسه فنوعان أحدهما وجوب الحد لكن في شهادة مخصوصة وهي الشهادة القائمة على الزنا وجملة الكلام فيه أن الرجوع عن الشهادة بالزنا إما أن يكون من جميع الشهود وإما أن يكون من بعضهم دون بعض فإن رجعوا جميعا يحدون حد القذف سواء رجعوا بعد القضاء أو قبل القضاء أما قبل القضاء فلأن كلامهم قبل القضاء انعقد قذفا لا شهادة إلا أنه لا يقام الحد عليهم للحال لاحتمال أن يصير شهادة بقرينة القضاء فإذا رجعوا فقد زال الاحتمال فبقي قذفا فيوجب الحد بالنص وأما بعد القضاء فلأن كلامهم وإن صار شهادة باتصال القضاء به فقد انقلب قذفا بالرجوع فصاروا بالرجوع قذفة فيحدون ولو رجعوا بعد القضاء والإمضاء فلا خلاف في أنهم يحدون إذا كان الحد جلدا وإن كان رجما فكذلك عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر رحمه الله لا حد عليهم وجه قوله أنهم لما رجعوا بعد الاستيفاء تبين أن كلامهم وقع قذفا من حين وجوده فصار كما لو قذفوا صريحا ثم مات المقذوف وحد القذف لا يورث بلا خلاف بين أصحابنا فيسقط ولنا أن بالرجوع لا يظهر أن كلامهم كان قذفا من حين وجوده وإنما يصير قذفا وقت الرجوع والمقذوف وقت الرجوع ميت فصار قذفا بعد الموت فيجب الحد هذا حكم الحد وأما حكم الضمان فأما قبل الإمضاء لا ضمان أصلا لعدم الإتلاف أصلا وأما بعد الإمضاء فإن كان الحد رجما ضمنوا الدية بلا خلاف لوقوع شهادتهم إتلافا أو إقرارا بالإتلاف وإن كان الحد جلدا فليس عليهم أرش الجلدات إذا لم يمت منها ولا الدية إن مات منها عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يضمنون وجه قولهما أن شهادتهم وقعت إتلافا بطريق التسبيب لأنها تفضي إلى القضاء والقضاء يفضي إلى إقامة الجلدات وإنها تفضي إلى التلف فكان التلف بهذه الوسائط مضافا إلى الشهادة فكانت إتلافا تسبيبا ولهذا لو شهدوا بالقصاص أو بالمال ثم رجعوا وجبت عليهم الدية والضمان كذا هذا ولأبي حنيفة عليه الرحمة أن الأثر حصل مضافا إلى الضرب دون الشهادتين لوجهين أحدهما أن الشهود لم يشهدوا على ضرب جارح لأن الضرب الجارح غير مستحق في الجلد فلا يكون الجرح مضافا إلى شهادتهم والثاني أن الضرب مباشرة الإتلاف والشهادة تسبيب إليه وإضافة الأثر إلى المباشرة أولى من إضافته إلى التسبيب إلا أنه لا ضمان على بيت المال لأن هذا ليس خطأ من القاضي ليكون عطاؤه في بيت المال لنوع تقصير منه ولا تقصير من جهته ههنا فلا شيء على بيت المال هذا إذا رجعوا جميعا فأما إذا رجع واحد منهم فإن كان قبل القضاء يحدون جميعا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يحد الراجع خاصة وجه قوله أن كلامهم وقع شهادة قذفا لكمال نصاب الشهادة وهو عدد الأربعة وإنما ينقلب قذفا بالرجوع ولم يوجد إلا من أحدهم فينقلب كلامه قذفا خاصة بخلاف ما إذا شهد ثلاثة بالزنا أنهم يحدون لأن هناك نصاب الشهادة لم يكمل فوقع كلامهم من الإبتداء قذفا ولنا أن كلامهم لا يصير شهادة إلا بقرينة القضاء
ألا ترى أنها لا تصير حجة إلا به فقبله يكون قذفا لا شهادة فكان ينبغي أن يقام الحد عليهم بالنص لوجود الرمي منهم إلا أنه لا يقام الاحتمال ( ( ( لاحتمال ) ) ) أن يصير شهادة بقرينة القضاء ولئلا يؤدي إلى سد باب الشهادة فإذا رجع أحدهم زال هذا المعنى فبقي كلامهم قذفا فيحدون وصار كما لو كان الشهود من الابتداء ثلاثة فإنهم يحدون لوقوع كلامهم قذفا كذا هذا وإن كان بعد القضاء قبل الإمضاء فإنهم يحدون جميعا عندهما وعند محمد الراجع خاصة وجه قوله أن كلامهم وقع شهادة لاتصال القضاء به فلا ينقلب قذفا إلا بالرجوع ولم يرجع إلا واحد منهم فينقلب كلامه خاصة قذفا فلم يصح رجوعه في حق الباقين فبقي كلامهم شهادة فلا يحدون ولهما أن الإمضاء في باب الحدود من القضاء بدليل أن عمى الشهود أو ردتهم قبل القضاء كما يمنع من القضاء فبعده يمنع من الإمضاء فكان رجوعه قبل الإمضاء بمنزلة رجوعه قبل القضاء ولو رجع قبل القضاء يحدون جميعا بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة كذا إذا رجع بعد القضاء قبل الإمضاء وإن كان بعد الإمضاء فإن كان الحد جلدا يحد الراجع خاصة بالإجماع لأن رجوعه صحيح في حقه خاصة لا في حق الباقين فانقلبت شهادته خاصة قذفا فيحد خاصة وإن كان الحد رجما ومات المقذوف يحد الراجع عند أصحابنا خلافا لزفر وقد مرت المسألة هذا حكم الحد فأما حكم الضمان فلا ضمان إذا كان رجوعه قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء لما قلنا وأما بعد الإمضاء فإن كان الحد جلدا فلا شيء على الراجع من أرش السياط ولا من الدية إن مات عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يجب وإن كان رجما غرم الراجع ربع الدية لأن الثلاثة يحفظون ثلاثة أرباع الدية فكان التالف بشهادته الربع هذا إذا كان شهود الزنا أربعة فأما إذا كانوا خمسة فرجع واحد منهم فإن القاضي يقيم الحد على المشهود عليه بما بقي من الشهود لأن الأربعة نصاب تام يحفظون الحد على المشهود عليه وإن أمضى الحد ثم رجع إثنان ضمنا ربع الدية إن مات المرجوم لأن الثلاثة قاموا بثلاثة أرباع الحق فكان التالف بشهادتهما الربع فيضمنانه وإن لم يمت فليس عليهما أرش للضرب عند أبي حنيفة وعندهما يجب وقد تقدمت المسألة والثاني وجوب التعزير في عموم الشهادات سوى الشهادة على الزنا بأن تعمد شهادة الزور وظهر عند القاضي بإقراره لأن قول الزور جناية ليس فيها سوى القذف حد مقدر فتوجب التعزير بلا خلاف بين أصحابنا وإنما اختلفوا في كيفية التعزير قال أبو حنيفة عليه الرحمة تعزيره تشهير فينادى عليه في سوقه أو مسجد حيه ويحذر الناس منه فيقال هذا شاهد الزور فاحذروه وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يضم إليه ضرب أسواط هذا إذا تاب فأما إذا لم يتب وأصر على ذلك بأن قال إني شهدت بالزور وأنا على ذلك قائم فإنه يعزر بالضرب بالإجماع احتجا بما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ضرب شاهد الزور وسخم وجهه ولأن قول الزور من أكبر الكبائر وليس إليه فيما سوى القذف بالزنا حد مقدر فيحتاج إلى أبلغ الزواجر ولأبي حنيفة رحمه الله ما روي أن شريحا كان يشهر شاهد الزور ولا يعزره وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر ولأن الكلام فيمن أقر أنه شهد بزور نادما على ما فعل لا مصرا عليه والندم توبة على لسان رسول الله والتائب لا يستوجب الضرب حتى لو كان مصرا على ذلك يضرب وفعل سيدنا عمر رضي الله عنه محمول عليه توفيقا بين الدلائل والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب آداب القاضي
الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان فرضية نصب القاضي وفي بيان من يصلح للقضاء وفي بيان ما يفترض عليه قبول تقليد القضاء وفي بيان شرائط جواز القضاء وفي بيان آداب القضاء وفي بيان ما ينفذ من القضايا وما ينقض منها إذا رفع إلى قاض آخر وفي بيان ما يحله القاضي وما لا يحله وفي بيان حكم خطأ القاضي في القضاء وفي بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء أما الأول فنصب القاضي فرض لأنه ينصب لإقامة أمر مفروض وهو القضاء قال الله سبحانه وتعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق وقال تبارك وتعالى لنبينا المكرم عليه أفضل الصلاة والسلام فاحكم بينهم بما أنزل الله والقضاء هو الحكم بين الناس بالحق والحكم بما أنزل الله عز وجل فكان نصب القاضي لإقامة الفرض فكان فرضا ضرورة ولأن نصب الإمام الأعظم فرض بلا خلاف بين أهل الحق ولا عبرة بخلاف بعض القدرية لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ذلك ولمساس الحاجة إليه لتقيد الأحكام وإنصاف المظلوم من الظالم وقطع المنازعات التي هي مادة الفساد وغير ذلك من المصالح التي لا تقوم إلا بإمام لما علم في أصول الكلام ومعلوم أنه لا يمكنه القيام بما نصب له بنفسه فيحتاج إلى نائب يقوم مقامه في ذلك وهو القاضي ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إلى الآفاق قضاة فبعث سيدنا معاذا رضي الله عنه إلى اليمن وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة فكان نصب القاضي من ضرورات نصب الإمام فكان فرضا وقد سماه محمد فريضة محكمة لأنه لا يحتمل النسخ لكونه من الأحكام التي عرف وجوبها بالعقل والحكم العقلي لا يحتمل الانتساخ والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يصلح للقضاء فنقول الصلاحية للقضاء لها شرائط منها العقل ومنها البلوغ ومنها الإسلام ومنها الحرية ومنها البصر ومنها النطق ومنها السلامة عن حد القذف لما قلنا في الشهادة فلا يجوز تقليد المجنون والصبي والكافر والعبد والأعمى والأخرس والمحدود في القذف لأن القضاء من باب الولاية بل هو أعظم الولايات وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات وهي الشهادة فلأن لا يكون لهم أهلية أعلاها أولى وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة لأن المرأة من أهل الشهادات في الجملة إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص لأنها لا شهادة لها في ذلك وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة وأما العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام فهل هو شرط جواز التقليد عندنا ليس بشرط الجواز بل شرط الندب والاستحباب وعند أصحاب الحديث كونه عالما بالحلال والحرام وسائر الأحكام مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط جواز التقليد كما قالوا في الإمام الأعظم وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء فكذا في القاضي لكن مع هذا لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار رجل علم علما فقضى بما علم فهو في الجنة ورجل علم علما فقضى بغير ما علم فهو في النار ورجل جهل فقضى بالجهل فهو في النار إلا أنه لو قلد جاز عندنا لأنه يقدر على القضاء بالحق بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء فكان تقليده جائزا في نفسه فاسدا لمعنى في غيره والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم عندنا مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع وهو كالبيع الفاسد إنه مثل الجائز عندنا في حق الحكم كذا هذا
وكذا العدالة عندنا ليست بشرط لجواز التقليد لكنها شرط الكمال فيجوز تقليد الفاسق وتنفذ قضاياه إذا لم يجاوز فيها حد الشرع وعند الشافعي رحمه الله شرط الجواز فلا يصلح الفاسق قاضيا عنده بناء على أن الفاسق ليس من أهل الشهادة عنده فلا يكون من أهل القضاء وعندنا هو من أهل الشهادة فيكون من أهل القضاء لكن لا ينبغي أن يقلد الفاسق لأن القضاء أمانة عظيمة وهي أمانة الأموال والأبضاع والنفوس فلا يقوم بوفائها إلا من كمل ورعه وتم تقواه إلا أنه مع هذا لو قلد جاز التقليد في نفسه وصار قاضيا لأن الفساد لمعنى في غيره فلا يمنع جواز تقليده القضاء في نفسه لما مر وأما ترك الطلب فليس بشرط لجواز التقليد بالإجماع فيجوز تقليد الطالب بلا خلاف لأنه يقدر على القضاء بالحق لكن لا ينبغي أن يقلد لأن الطالب يكون متهما وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال إنا لا نولي أمرنا هذا من كان له طالبا وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده وهذا إشارة إلى أن الطالب لا يوفق لإصابة الحق والمجبر عليه يوفق وأما شرائط الفضيلة والكمال فهو أن يكون القاضي عالما بالحلال والحرام وسائر الأحكام قد بلغ في علمه ذلك حد الاجتهاد عالما بمعاشرة الناس ومعاملتهم عدلا ورعا عفيفا عن التهمة صائن النفس عن الطمع لأن القضاء هو الحكم بين الناس بالحق فإذا كان المقلد بهذه الصفات فالظاهر أنه لا يقضي إلا بالحق ثم ما ذكرنا أنه شرط جواز التقليد فهو شرط جواز التحكيم لأن التحكيم مشروع قال الله تعالى عز شأنه فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها فكان الحكم من الحكمين بمنزلة حكم القاضي المقلد إلا أنهما يفترقان في أشياء مخصوصة منها أن الحكم في الحدود والقصاص لا يصح ومنها أنه ليس بلازم ما لم يتصل به الحكم حتى لو رجع أحد المتحاكمين قبل الحكم يصح رجوعه وإذا حكم صار لازما ومنها أنه إذا حكم في فصل مجتهد فيه ثم رفع حكمه إلى القاضي ورأيه يخالف رأي الحاكم المحكم له أن يفسخ حكمه والفرق بين هذه الجملة يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى فصل وأما بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء فنقول إذا عرض القضاء على من يصلح له من أهل البلد ينظر إن كان في البلد عدد يصلحون يصلحون لا يفترض عليه القبول بل هو في سعة من القبول والترك أما جواز القبول فلأن الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين قضوا بين الأمم بأنفسهم وقلدوا غيرهم وأمروا بذلك فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه إلى اليمن قاضيا وبعث عتاب بن أسيد رضي الله عنه إلى مكة قاضيا وقلد النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا من أصحابه رضي الله عنهم الأعمال وبعثهم إليها وكذا الخلفاء الراشدون قضوا بأنفسهم وقلدوا غيرهم فقلد سيدنا عمر رضي الله عنه شريحا القضاء وقرره سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما وأما جواز الترك فلما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه إياك والإمارة وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا تتأمرن على اثنين وروي أن أبا حنيفة رضي الله عنه عرض عليه القضاء فأبى حتى ضرب على ذلك ولم يقبل وكذا لم يقبله كثير من صالحي الأمة وهذا معنى ما ذكر في الكتاب دخل فيه قوم صالحون وترك الدخول فيه قوم صالحون ثم إذا جاز الترك والقبول في هذا الوجه اختلفوا في أن القبول أفضل أم الترك قال بعضهم الترك أفضل وقال بعضهم القبول أفضل احتج الفريق الأول بما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من جعل على القضاء فقد ذبح بغير سكين وهذا يجري مجرى الزجر عن تقلد القضاء