Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
فسبب وجوبها أحد شيئين التلاوة أو السماع كل واحد منهما على حاله موجب فيجب على التالي الأصم والسامع الذي لم يتل أما التلاوة فلا يشكل وكذا السماع لما بينا أن الله تعالى ألحق اللائمة بالكفار لتركهم السجود إذا قرىء ( ( ( قرئ ) ) ) عليهم القرآن بقوله تعالى فما لهم لا يؤمنون وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون وقال تعالى إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا الآية من غير فصل في الآيتين بين التالي والسامع وروينا عن كبار الصحابة رضي الله عنهم السجدة على من سمعها ولأن حجة الله تعالى تلزمه بالسماع كما تلزمه بالتلاوة فيجب أن يخضع لحاجة ( ( ( لحجة ) ) ) الله تعالى بالسماع كما يخضع بالقراءة ويستوي الجواب في حق التالي بين ما إذا تلا السجدة بالعربية أو بالفارسية في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى حتى قال أبو حنيفة حتى يلزمه السجود في الحالين وأما في حق السامع فإن سمعها ممن يقرأ بالعربية فقالوا يلزمه بالإجماع فهم أو لم يفهم لأن السبب قد وجد فيثبت حكمه ولا يقف على العلم اعتبارا بسائر الأسباب وإن سمعها ممن يقرأ بالفارسية فكذلك عند أبي حنيفة بناء على أصله إن القراءة بالفارسية جائزة وقال أبو يوسف في الأمالي وعندهما إن كان السامع يعلم أنه يقرأ القرآن فعليه السجدة وإلا فلا وهذا ليس بسديد لأنه إن جعل الفارسية قرآنا ينبغي أن يجب سواء فهم أو لم يفهم كما لو سمعها ممن يقرأ بالعربية وإن لم يجعله قرآنا ينبغي أن لا يجب وإن فهم ولو اجتمع سببا الوجوب وهما التلاوة والسماع بأن تلا السجدة ثم سمعها أو سمعها ثم تلاها أو تكرر أحدهما فنقول الأصل أن السجدة لا يتكرر وجوبها إلا بأحد أمور ثلاثة إما اختلاف المجلس أو التلاوة أو السماع حتى إن من تلا آية واحدة مرارا في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة والأصل فيه ما روي أن جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله ورسول الله كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ على أصحابه وكان لا يسجد إلا مرة واحدة وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي معلم الحسن والحسين رضي الله عنهم أنه كان يعلم الآية مرارا وكان لا يزيد على سجدة واحدة والظاهر أن عليا رضي الله عنه كان عالما بذلك ولم ينكر عليه وروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان يكرر آية السجدة حين كان يعلم الصبيان وكان لا يسجد إلا مرة واحدة ولأن المجلس الواحد جامع للكلمات المتفرقة كما في الإيجاب والقبول ولأن في إيجاب السجدة في كل مرة إيقاع في الحرج لكون المعلمين مبتلين بتكرار الآية لتعليم الصبيان والحرج منفي بنص الكتاب ولأن السجدة متعلقة بالتلاوة والمرة الأولى هي الحاصلة للتلاوة فأما التكرار فلم يكن لحق التلاوة بل للتحفظ أو للتدبر والتأمل في ذلك وكل ذلك من عمل القلب ولا تعلق لوجوب السجدة به فجعل الإجراء على اللسان الذي هو من ضرورة ما هو فعل القلب أو وسيلة إليه من أفعاله فالتحق بما هو فعل القلب وذلك ليس بسبب كذا علل الشيخ أبو منصور رحمه الله تعالى وأما الصلاة على النبي بأن ذكره أو سمع ذكره في مجلس واحد مرارا فلم يذكر في الكتب وذهب المتقدمون من أصحابنا إلى أنه يكفيه مرة واحدة قياسا على السجدة وقال بعض المتأخرين يصلي عليه في كل مرة لقوله لا تجفوني بعد موتي فقيل له وكيف نجفوك يا رسول الله فقال إن أذكر في موضع فلا يصلى علي وبه تبين أنه حق رسول الله وحقوق العباد لا تتداخل وعلى هذا اختلفوا في تشميت العاطس أن من عطس وحمد الله تعالى في مجلس واحد مرارا فقال بعضهم ينبغي للسامع أن يشمت في كل مرة لأنه حق العاطس والأصح أنه إذا زاد على الثلاث لا يشمته لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للعاطس في مجلسه بعد الثلاث قم فانتثر فإنك مزكوم
ثم لا فرق ههنا بين ما إذا تلا مرارا ثم سجد وبين ما إذا تلا وسجد ثم تلا بعد ذلك مرارا في مجلس واحد حتى لا يلزمه سجدة أخرى فرق بين هذا وبين ما إذا زنى مرارا أنه لا يحد إلا مرة واحدة ولو زنى مرة ثم حد ثم زنى مرة أخرى يحد ثانيا وكذا ثالثا ورابعا والفرق أن هناك تكرر السبب لمساواة كل فعل الأول في المأثم والقبح وفساد الفراش وكل معنى صار به الأول سببا إلا أنه لما أقيم عليه الحد جعل ذلك حكما لكل سبب فجعل بكماله حكما لهذا وحكما لذاك وجعل كأن كل سبب ليس معه غيره في حق نفسه لحصول ما شرع له الحد وهو الزجر عن المعاودة في المستقبل فإذا وجد الزنا بعد ذلك انعقد سببا كالذي تقدم فلا بد من وجود حكمه بخلاف ما نحن فيه لأن ههنا السبب هو التلاوة والمرة الأولى هي الحاصلة بحق التلاوة على ما مر فلم يتكرر السبب وهذا المعنى لا يتبدل بتخلل السجدة بينهما وعدم التخلل لحصول الثانية بحق التأمل والتحفظ في الحالين وكذا السامع لتلك التلاوات المتكررة لا يلزمه إلا بالمرة الأولى لأن ما وراءها في حقه جعل غير سبب بل تابعا ( ( ( تبعا ) ) ) للتأمل والحفظ لأنه في حقه يفيد المعنيين جميعا أعني الإعانة على الحفظ والتدبر بخلاف ما إذا سمع إنسان آخر المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة وذلك في حقه أول ما سمع حيث تلزمه السجدة لأن ذلك في حقه سماع التلاوة لأن كل مرة تلاوة حقيقة إلا أن الحقيقة جعلت ساقطة في حق من تكررت في حقه ففي حق من لم تتكرر بقيت على حقيقتها وبخلاف ما إذا قرأ آية واحدة في مجالس مختلفة لأن هناك النصوص منعدمة والجامع وهو المجلس غير ثابت والحرج منفي ومعنى التدبر ( ( ( التفكر ) ) ) والتفكر ( ( ( والتدبر ) ) ) زائل لأنها في المجلس الآخر حصلت بحق التلاوة لينال ثوابها في ذلك المجلس وبخلاف ما إذا قرأ آيات متفرقة في مجلس واحد لزوال هذه المعاني أيضا أما النصوص فلا تشكل وكذا المعنى الجامع لأن المجلس لا يجعل الكلمات المختلفة الجنس بمنزلة كلمة واحدة كمن أقر لإنسان بألف درهم ولآخر ( ( ( والآخر ) ) ) بمائة دينار ولعبده بالعتق في مجلس واحد لا يجعل المجلس الكل إقرارا واحدا وكذا الحرج منتف وكذا التلاوة الثانية لا تكون للتدبر في الأولى والله أعلم ولو تلاها في مكان وذهب عنه ثم انصرف إليه فأعادها فعليه أخرى لأنها عند اختلاف المجلس حصلت بحق التلاوة فتجدد السبب وعن محمد أن هذا إذا بعد عن ذلك المكان فإن كان قريبا منه لم يلزمه أخرى ويصير كأنه تلاها في مكانه لحديث أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس بالبصرة وكان يزحف إلى هذا تارة وإلى هذا تارة أخرى فيعلمهم آية السجدة ولا يسجد إلا مرة واحدة ولو تلاها في موضع ومعه رجل يسمعها ثم ذهب التالي عنه ثم انصرف إليه فأعادها والسامع على مكانه سجد التالي لكل مرة لتجدد السبب في حقه وهو التلاوة عند اختلاف المجلس وأما السامع فليس عليه إلا سجدة واحدة لأن السبب في حقه سماع التلاوة والثانية ما حصلت بحق التلاوة في حقه لاتحاد المجلس وكذلك إذا كان التالي على مكانه ذلك والسامع يذهب ويجيء ويسمع تلك الآية سجد السامع لكل مرة سجدة وليس على التالي إلا سجدة واحدة لتجدد السبب في حق السامع دون التالي على ما مر ولو تلاها في مسجد جماعة أو في المسجد الجامع في زاوية ثم تلاها في زاوية أخرى لا يجب عليه إلا سجدة واحدة لأن المسجد كله جعل بمنزلة مكان واحد في حق الصلاة ففي حق السجدة أولى وكذا حكم السماع وكذلك البيت والمحمل والسفينة في حكم التلاوة والسماع سواء كانت السفينة واقفة أو جارية بخلاف الدابة على ما نذكر
ولو تلاها وهو يمشي لزمه لكل مرة سجدة لتبدل المكان وكذلك لو كان يسبح في نهر عظيم أو بحر لما ذكرنا فإن كان يسبح في حوض أو غدير له حد معلوم قيل يكفيه سجدة واحدة ولو تلاها على غصن ثم انتقل إلى غصن آخر اختلف المشايخ فيه وكذا في التلاوة عند الكدس ( ( ( الكرس ) ) ) وقالوا في تسدية الثوب أنه يتكرر الوجوب ولو قرأ آية السجدة مرارا وهو يسير على الدابة إن كان خارج الصلاة سجد لكل مرة سجدة على حدة بخلاف ما إذا قرأها في السفينة وهي تجري حيث تكفيه واحدة والفرق أن قوائم الدابة جعلت كرجليه حكما لنفوذ تصرفه عليها في السير والوقوف فكان تبدل مكانها كتبدل مكانه فحصلت القراءة في مجالس مختلفة فتعلقت بكل تلاوة سجدة بخلاف السفينة فإنها لم تجعل بمنزلة رجلي الراكب لخروجها عن قبول تصرفه في السير والوقوف ولهذا أضيف سيرها إليها دون راكبها قال الله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم وقال وهي تجري بهم في موج كالجبال فلم يجعل تبدل مكانها تبدل مكانه بل مكانه ما استقر هو فيه من السفينة من حيث الحقيقة والحكم وذلك لم يتبدل فكانت التلاوة متكررة في مكان واحد فلم يجب لها إلا سجدة واحدة كما في البيت وعلى هذا حكم السماع بأن سمعها من غير ( ( ( غيره ) ) ) مرتين وهو يسير على الدابة لتبدل مكان السامع هذا إذا كان خارج الصلاة فأما إذا كان في الصلاة بأن تلاها وهو يسير على الدابة ويصلي عليها إن كان ذلك في ركعة واحدة لا يلزمه إلا سجدة واحدة بالإجماع لأن الشرع حيث جوز صلاته عليها مع حكمه ببطلان الصلاة في الأماكن المختلفة دل على أنه أسقط اعتبار اختلاف الأمكنة أو جعل مكانه في هذه الحالة ظهر الدابة لا ما هو مكان قوائمها وهذا أولى من إسقاط اعتبار الأماكن المختلفة لأنه ليس بتغيير للحقيقة أو هو أقل تغييرا لها وذلك تغيير للحقيقة من جميع الوجوه والظهر متحد فلا يلزمه إلا سجدة واحدة وصار راكب الدابة في هذه الحالة كراكب السفينة يحققه أن الشرع جوز صلاته ولو جعل مكانه أمكنة قوائم الدابة لصار هو ماشيا بمشيها والصلاة ماشيا لا تجوز وأما إذا كرر التلاوة في ركعتين فالقياس أن يكفيه سجدة واحدة وهو قول أبي يوسف الأخير وفي الاستحسان يلزمه لكل تلاوة سجدة وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد وهذه من المسائل الثلاث التي رجع فيها أبو يوسف عن الاستحسان إلى القياس إحداها هذه المسألة والثانية إن الرهن بمهر المثل لا يكون رهنا بالمتعة قياسا وهو قول أبي يوسف الأخير وفي الاستحسان يكون رهنا وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد والثانية أن العبد إذا جنى جناية فيما دون النفس فاختار المولى الفداء ثم مات المجني عليه القياس أن يخير المولى ثانيا وهو قول أبي يوسف الأخير وفي الاستحسان لا يخير وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد لا يخير وعلى هذا الخلاف إذا صلى على الأرض وقرأ آية السجدة في ركعتين ولا خلاف فيما إذا قرأها في ركعة واحدة وجه الاستحسان وهو قول محمد أن المكان ههنا وإن اتحد حقيقة وحكما لكن مع هذا لا يمكن أن يجعل الثانية تكرارا لأن لكل ركعة قراءة مستحقة فلو جعلنا الثانية تكرارا للأولى والتحقت القراءة بالركعة الأولى لخلت الثانية عن القراءة ولفسدت وحيث لم تفسد دل أنها لم تجعل مكررة بخلاف ما إذا كرر التلاوة في ركعة واحدة لأن هناك أمكن جعل التلاوة المتكررة متحدة حكما وجه القياس أن المكان متحد حقيقة وحكما فيوجب كون الثانية تكرارا للأولى كما في سائر المواضع وما ذكره محمد لا يستقيم لأن القراءة لها حكمان جواز الصلاة ووجوب سجدة التلاوة ونحن إنما نجعل القراءة الثانية ملتحقة بالأولى في حق وجوب السجدة لا في غيره من الأحكام
ولو افتتح الصلاة على الدابة بالإيماء فقرأ آية السجدة في الركعة الأولى فسجد بالإيماء ثم أعادها في الركعة الثانية فعلى قول أبي يوسف الأخير لا يشكل أنه لا يلزمه أخرى واختلف المشايخ على قوله الأول وهو قول محمد قال بعضهم يلزمه أخرى وقال بعضهم يكفيه سجدة واحدة ثم تبدل المجلس قد يكون حقيقة وقد يكون حكما بأن تلا آية السجدة ثم أكل أو نام مضطجعا أو أرضعت صبيا أو أخذ في بيع أو شراء أو نكاح أو عمل يعرف أنه قطع لما كان قبل ذلك ثم أعادها فعليه سجدة أخرى لأن المجلس يتبدل بهذه الأعمال ألا ترى أن القوم يجلسون لدرس العلم فيكون مجلسهم مجلس الدرس ثم يشتغلون بالنكاح فيصير مجلسهم مجلس النكاح ثم بالبيع فيصير مجلسهم مجلس البيع ثم بالأكل فيصير مجلسهم مجلس الأكل ثم بالقتال فيصير مجلسهم مجلس القتال فصار تبدل المجلس بهذه الأعمال كتبدله بالذهاب والرجوع لما مر ولو نام قاعدا أو أكل لقمة أو شرب شربة أو تكلم بكلمة أو عمل عملا يسيرا ثم أعادها فليس عليه أخرى لأن بهذا القدر لا يتبدل المجلس والقياس فيهما سواء أنه لا يلزمه أخرى لاتحاد المكان حقيقة إلا أنا استحسنا إذا طال العمل اعتبارا بالمخيرة إذا عملت عملا كثيرا خرج الأمر عن يدها وكان قطعا للمجلس بخلاف ما إذا أكل لقمة أو شرب شربة ولو قرأ آية السجدة فأطال القراءة بعدها أو أطال الجلوس ثم أعادها ليس عليه سجدة أخرى لأن مجلسه لم يتبدل بقراءة القرآن وطول الجلوس وكذا لو اشتغل بالتسبيح أو بالتهليل ثم أعادها لا يلزمه أخرى وإن قرأها وهو جالس ثم قام فقرأها وهو قائم إلا أنه في مكانه ذلك يكفيه سجدة واحدة لأن المجلس لم يتبدل حقيقة وحكما أما الحقيقة فلأنه لم يبرح مكانه وأما الحكم فلأن الموجود قيام وهو عمل قليل كأكل لقمة أو شرب شربة وبمثله لا يتبدل المجلس وهذا بخلاف ما إذا خير امرأته فقامت من مجلسها حيث خرج الأمر من يدها كما لو انتقلت إلى مجلس آخر لأن خروج الأمر من يدها موجب الإعراض ( ( ( الاعتراض ) ) ) عن قبول التمليك إذ التخيير تمليك على ما يعرف في كتاب الطلاق ومن ملك شيئا فأعرض عنه يبطل ذلك التمليك وهذا لأن القيام دليل الإعراض لأن اختيارها نفسها أو زوجها أمر تحتاج فيه إلى الرأي والتدبير لتنظر أي ذلك أعود لها وأنفع والقعود أجمع للذهن وأشد إحضارا للرأي فالقيام من هذه الحالة إلى ما يوجب تفرق الذهن وفوات الرأي دليل الإعراض أما ههنا فالحكم يختلف باتحاد المجلس وتعدده لا بالإعراض وعدمه والمجلس لم يتبدل فلم يعد متعددا متفرقا وكذلك لو قرأها وهو قائم فقعد ثم أعادها يكفيه سجدة واحدة لما قلنا ولو قرأها في مكان ثم قام وركب الدابة على مكانه ثم أعادها قبل أن يسير فعليه سجدة واحدة على الأرض ولو سارت الدابة ثم تلا بعدها فعليه سجدتان وكذلك إذا قرأها راكبا ثم نزل قبل السير فأعادها يكفيه سجدة واحدة استحسانا وفي القياس عليه ( ( ( فعليه ) ) ) سجدتان لتبدل مكانه بالنزول أو الركوب وجه الاستحسان أن النزول أو الركوب عمل قليل فلا يوجب تبدل المجلس وإن كان سار ثم نزل فعليه سجدتان لأن سير الدابة بمنزلة مشيه فيتبدل به المجلس وكذلك لو قرأها ثم قام في مكانه ذلك وركب ثم نزل قبل السير فأعادها لا تجب عليه إلا سجدة واحدة لما قلنا ولو قرأها راكبا ثم نزل ثم ركب فأعادها وهو على مكانه فعليه سجدة واحدة لما بينا والأصل أن النزول والركوب ليسا بمكانين
ولو قرأ آية السجدة خارج الصلاة ولم يسجد لها ثم افتتح الصلاة وتلاها في عين ذلك المكان صارت إحدى السجدتين تابعة للأخرى فتستتبع التي وجدت في الصلاة التي وجدت قبلها ويسقط اعتبار تلك التلاوة وتجعل كأنه لم يقل ( ( ( يتل ) ) ) إلا في الصلاة حتى أنه لو سجد للمتلوة في الصلاة خرج عن عهدة الوجوب وإذا لم يسجد لم يبق عليه شيء إلا المأثم وهذا على رواية الجامع الكبير وكتاب الصلاة من الأصل ونوادر الصلاة التي رواها الشيخ أبو حفص الكبير ولنا على رواية الصلاة التي رواها أبو سليمان لا تستتبع إحداهما الأخرى بل كل واحدة منهما تستقل بنفسها ولا يسقط اعتبار تلك التلاوة الأولى وبقيت السجدة واجبة عليه سواء سجد للمتلوة في الصلاة أو لم يسجد وأما إذا تلاها وسجد لها ثم افتتح الصلاة وأعادها في ذلك المكان يسجد للمتلوة في الصلاة باتفاق الروايتين أما على رواية النوادر فلعدم الاستتباع وثبوت الاستقلال وأما على رواية الجامع والمبسوط فلكون الموجودة خارج الصلاة تابعة للموجودة في الصلاة والتابع لا يستتبع المتبوع فلا تصير السجدة لتلك التلاوة مانعة من لزوم السجدة بهذه التلاوة وجه رواية نوادر أبي سليمان أن الآية تليت في مجلسين مختلفين حكما لأن الأولى وجدت في مجلس التلاوة والثانية في مجلس الصلاة والمجلس يتبدل بتبدل الأفعال فيه لما ذكرنا أنه قد يكون مجلس عقد ثم يصير مجلس مذاكرة ثم يصير مجلس أكل واعتبر هذا التبدل في حق الإيجاب والقبول في باب العقود وكل ما يتعلق باتحاد المجلس فكذا هذا لأن التعدد الحكمي ملحق بالتعدد الحقيقي في المواضع أجمع فيتعلق بكل تلاوة حكم ( ( ( وحكم ) ) ) ولا تستتبع إحداهما الأخرى ولأن الثانية أن تفوت لالتحاقها بأجزاء الصلاة لتعلقها بما هو من أركان الصلاة فلم يمكن أن تجعل تابعة للأولى فالأولى أيضا تفوت بالسبق فلا تصير تابعة لما بعدها إذ الشيء لا يتبع ما بعده ولا يستتبع ما قبله وجه رواية الجامع والمبسوط أن المجلس متحد حقيقة وحكما أما الحقيقة فظاهرة وأما الحكم فلأنه وإن صار مجلس صلاة ولكن في الصلاة تلاوة مفروضة فكان مجلس الصلاة مجلس التلاوة ضرورة فلم يوجد التبدل لا حقيقة ولا حكما فلا بد من إثبات صفة الاتحاد من حيث الحكم للتلاوتين المتعددتين حقيقة لوجود الموجب لصفة الاتحاد وهو المجلس المتحد وكذا المتعدد من أسباب السجدة قابل للاتحاد حكما كالسماع والتلاوة فإن كل واحد منهما على الانفراد سبب ثم من قرأ وسمع من نفسه لا يلزمه إلا سجدة واحدة فالتحق السببان بسبب واحد فدل أن المتعدد من أسباب السجدة قابل للاتحاد حكما فصار متحدا حكما وزمان وجود الواحد واحد فجعل كأن التلاوتين وجدتا في زمان واحد ولا وجه أن يجعل كأنهما وجدتا خارج الصلاة ولأن الموجودة في الصلاتين متقررة في محلها بدليل جواز الصلاة ولو جعل كأنهما وجدتا خارج الصلاة في حق وجوب السجدة دون جواز الصلاة لبقي التعدد من وجه مع وجود دليل الاتحاد ومهما أمكن العمل بالدليلين من جميع الوجوه كان أولى من العمل بالدليل من وجه دون وجه ولا يمكن أن تجعل الموجودة في الصلاة في حكم التفكر لتعلق جواز الصلاة بها وهو من أحكام القراءة دون التفكر ولا مانع من أن تجعل الأولى كأنها وجدت في الصلاة فصار كما لو تليتا في الصلاة في ركعة واحدة ولو كان كذلك لا يتعلق بذلك إلا سجدة واحدة وهي من جملة الصلاة كذا هذا وعلى هذا إذا سمع من غيره آية السجدة ثم شرع في الصلاة في ذلك المكان وتلا تلك الآية بعينها في الصلاة فهذا والذي تلا بنفسه ثم شرع في الصلاة مكانه ثم أعادها سواء وقد مر الكلام فيه والله أعلم ولو قرأها في الصلاة أولا ثم سلم فأعادها قبل أن يبرح مكانه ذكر في كتاب الصلاة أنه يلزمه أخرى وذكر في النوادر أنه لا يلزمه
وجه رواية النوادر أن الموجودة في الصلاة تفوت بالسبق وحرمة الصلاة جميعا فيستتبع الأدنى درجة المتأخرة وقتا ولهذه ( ( ( وبهذه ) ) ) المسألة تبين أن التعليل لرواية النوادر في المسألة الأولى باختلاف المجلس حكما ليس بصحيح وجه رواية كتاب الصلاة أن المتلوة في الصلاة لا وجود لها بعد الصلاة لا حقيقة ولا حكما أما الحقيقة فلا يشكل وكذا الحكم فإن بعد انقطاع التحريمة لا بقاء لما هو من أجزاء الصلاة أصلا والموجود هو الذي يستتبع دون المعدوم بخلاف ما إذا كانت الأولى متلوة خارج الصلاة فإن تلك باقية بعد التلاوة من حيث الحكم لبقاء حكمها وهو وجوب السجدة فإذا تلاها في الصلاة وجدت والأولى موجودة فاستتبع الأقوى الأضعف الأوهى وذكر الشيخ الإمام السرخسي رحمه الله تعالى أنه إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع ( ( ( الموضع ) ) ) فوضع المسألة في النوادر فيما إذا أعادها بعدما سلم قبل أن يتكلم وبالسلام لم ينقطع فور الصلاة فكأنه أعادها في الصلاة ووضعها في كتاب الصلاة فيما إذا أعادها بعد ما سلم وتكلم وبالكلام ينقطع فور الصلاة الكبرى ( ( ( ألا ) ) ) لو تذكر سجدة تلاوة بعد السلام يأتي بها بعد ( ( ( وبعد ) ) ) الكلام لا يأتي بها فيكون هذا في معنى تبدل المجلس وإن لم يسجدها في الصلاة حتى سجدها الآن قال في الأصل أجزأه عنهما وهو محمول على ما إذا أعادها بعد السلام قبل الكلام لأنه لم يخرج عن حرمة الصلاة فكأنه كررها في الصلاة وسجد أما لا يستقيم هذا الجواب فيما إذا أعادها بعد الكلام لأن الصلاتية قد سقطت عنه بالكلام ولو تلاها في صلاته ثم سمعها من أجنبي أجزأته سجدة واحدة وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا تجزيه لأن السماعية ليست بصلاتيه والتي أداها صلاتيه فلا تنوب عما ليست بصلاتيه وجه ظاهر الرواية أن التلاوة الأولى من أفعال صلاته والثانية لا فحصلت الثانية تكرارا للأولى من حيث الأصل والأولى باقية فجعل وصف الأولى للثانية فصارت من الصلاة فيكتفي بسجدة واحدة وقالوا على رواية النوادر أيضا تكون تكرارا لأن الثانية ليست بمستحقة بنفسها في محلها فتلتحق بالأولى بخلاف تلك المسألة لأن الثانية ركن من أركان الصلاة فكانت مستحقة بنفسها في محلها فلا يمكن أن تجعل ملحقة بالأولى ولو سمعها أولا من أجنبي وهو في الصلاة ثم تلاها بنفسه ففيه روايتان على ما نذكر ولو تلاها في الصلاة ثم سجد ثم أحدث فذهب وتوضأ ثم عاد إلى مكانه وبنى على صلاته ثم قرأ ذلك الأجنبي تلك الآية فعلى هذا للمصلي أن يسجدها إذا فرغ من صلاته لأنه تحول عن مكانه فسمع الثانية بعدما تبدل المجلس وفرق بين هذا وبين ما إذا قرأ آية سجدة ثم سبقه الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء وقرأ مرة أخرى لا يلزمه سجدة أخرى وإن قرأ الثانية بعدما تبدل المكان والفرق أن في هذه المسألة الأولى المكان قد تبدل حقيقة وحكما أما الحقيقة فلا يشكل وأما الحكم فلأن التحريمة لا تجعل الأماكن المتفرقة كمكان واحد في حق ما ليس من أفعال الصلاة وسماع السجدة ليس من أفعال الصلاة فلم يتحد المكان حقيقة وحكما فيلزمه بكل مرة سجدة على حدة بخلاف تلك المسألة فإن هناك القراءة من أفعال الصلاة والتحريمة تجعل الأماكن المتفرقة مكانا واحدا حكما لأن الصلاة الواحدة لا تجوز في الأمكنة المختلفة فجعلت الأمكنة كمكان واحد في حق أفعال الصلاة لضرورة الجواز والقراءة من أفعال الصلاة فصار المكان في حقها متحدا فأما السماع فليس من أفعال الصلاة فتبقى الأمكنة في حقه متفرقة لعدم ضرورة توجب الاتحاد والحقائق لا يسقط اعتبارها حكما إلا لضرورة
ولو سمعها رجل من إمام ثم دخل في صلاته فإن كان الإمام لم يسجدها سجدها مع الإمام وإن كان سجدها الإمام سقطت عنه حتى لا يجب عليه قضاؤها خارج الصلاة لأنه لما اقتدى بالإمام صارت قراءة الإمام قراءة له وجعل من حيث التقدير كأن الإمام قرأها ثانيا فصارت تلك السجدة من أفعال الصلاة ولو قرأ ثانيا لا يجب عليه مرة أخرى لأن الأولى صارت من أفعال الصلاة فكذا ههنا وإذا صارت من أفعال صلاته لا تؤدى خارج الصلاة لما مر وذكر في زيادات الزيادات أنه يسجد لما سمع قبل الاقتداء بعدما فرغ من صلاته وذكر في نوادر الصلاة لأبي سليمان أنه لو تلا ما سمع خارج الصلاة في صلاة نفسه في غير ذلك المكان وسجد لها لا يسقط عنه ما لزمه خارج الصلاة وهذا موافق لما ذكره في زيادات الزيادات فصار في المسألة روايتان وجه تلك الرواية أن الثانية ليست بتكرار للأولى لأن التكرار إعادة الشيء بصفته وههنا الأولى لم تكن واجبة ولا فعلا من أفعال الصلاة والثانية واجبة وهي فعل من أفعال الصلاة فاختلف الوصف فلم تكن إعادة بخلاف ما إذا كانتا في الصلاة أو كانتا جميعا خارج الصلاة حيث كان تكرارا لاتحاد الوصف ألا ترى أن من باع بألف ثم باع بمائة دينار ما كان تكرارا بل كان فسخا للأول ولو باع في الثانية بألف كان تكرارا وإذا لم يكن تكرارا جعل كأنه قرأ آيتين مختلفتين في مكان أو آية في مكانين فيتعلق بكل واحدة منهما حكم على حدة دل عليه أنه لو كان قرأ الأولى وسجد ثم شرع في الصلاة في غير ذلك المكان وأعادها يلزمه أخرى في الروايات أجمع لما بينا أنه ليس بإعادة ولو كان إعادة لما لزمه أخرى وجه ظاهر الرواية أن الثانية إعادة للأولى من حيث الأصل لأنها عين تلك الآية وليست بإعادة من حيث الوصف لأن وصف كونها ركنا من أركان الصلاة لم يكن في الأولى ووجد في الثانية والأولى باقية حكما لبقاء حكمها وهو وجوب السجدة فإذا كانت باقية والثانية من حيث الأصل تكرار للأولى فجعلت من حيث الأصل كأنها عين الأولى فبقيت الصفة الثابتة ( ( ( الثانية ) ) ) للتلاوة الثانية ( ( ( والثانية ) ) ) للأولى لصيرورة الثانية غير ( ( ( عين ) ) ) الأولى فتصير صفتها صفة تلك فصارت هي أيضا موصوفة بكونها صلاتية فلا تؤدى خارج الصلاة لما مر بخلاف ما إذا كان سجد للأولى لأنها لم يبق ( ( ( تبق ) ) ) حكمها ( ( ( حكما ) ) ) بل انقضت بنفسها وحكمها فلم يجعل وصف الثانية وصفا للأولى فبقيت الثانية إعادة من حيث الأصل ابتداء من حيث الوصف فتجب سجدة أخرى من حيث الوصف ولا تجب من حيث الأصل فلم يعتبر جانب الأصل وإن كان هو المتبوع لما أن الاحتياط في باب العبادات اعتبار جانب الوجوب فيرجح جانب الوصف فوجبت سجدة أخرى على أن اعتبار جانب الوصف موجب واعتبار جانب الأصل ليس بمانع لكنه ليس بموجب فلم يقع التعارض والله أعلم ولو قرأ الإمام سجدة في ركعة وسجدها ثم أحدث في الركعة الثانية فقدم رجلا جاء ساعتئذ فقرأ تلك السجدة فعليه أن يسجدها لوجود سبب الوجوب في حقه وهو ابتداء التلاوة ولم يوجد منه أداء قبل هذا وعلى القوم أن يسجدوها معه لأنهم التزموا متابعته فصل وأما بيان من تجب عليه
فكل من كان أهلا لوجوب الصلاة عليه إما أداء أو قضاء فهو من أهل وجوب السجدة عليه ومن لا فلا لأن السجدة جزء من أجزاء الصلاة فيشترط لوجوبها أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ والطهارة من الحيض والنفاس حتى لا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء قرؤوا ( ( ( قرءوا ) ) ) أو سمعوا لأن هؤلاء ليسوا من أهل وجوب الصلاة عليهم وتجب على المحدث والجنب لأنهما من أهل وجوب الصلاة عليهما وكذا تجب على السامع بتلاوة هؤلاء إلا المجنون لأن التلاوة منهم صحيحة كتلاوة المؤمن والبالغ وغير الحائض والمتطهر لأن تعلق السجدة بقليل القراءة وهو ما دون آية فلم يتعلق به النهي فينظر إلى أهلية التالي وأهليته بالتمييز وقد وجد فوجد سماع تلاوة صحيحة فتجب السجدة بخلاف السماع من الببغاء والصدى فإن ذلك ليس بتلاوة وكذا إذا سمع من المجنون لأن ذلك ليس بتلاوة صحيحة لعدم أهليته لانعدام التمييز فصل وأما شرائط الجواز فكل ما هو شرط جواز الصلاة من طهارة الحدث وهي الوضوء والغسل وطهارة النجس وهو ( ( ( وهي ) ) ) طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود فهو شرط جواز السجدة لأنها جزء من أجزاء الصلاة فكانت معتبرة بسجدات الصلاة ولهذا لا يجوز أداؤها بالتيمم إلا أن لا يجد ثمة ماء أو يكون مريضا لأن شرط صيرورة التيمم طهارة حال وجود الماء خشية الفوت ولم يوجد لأن وجوبها على التراخي على ما بينا فيما تقدم وكذا لا يجوز أداؤها إلا إلى القبلة حال الاختيار إذا تلاها على الأرض ولا يجزيه الإيماء كما في سجدات الصلاة فإن اشتبهت عليه القبلة فتحرى وسجد إلى جهة فأخطأ القبلة أجزأه لأن الصلاة بالتحري إلى غير جهة القبلة جائزة فالسجدة أولى ولو تلاها على الراحلة وهو مسافر أو تلاها على الأرض وهو مريض لا يستطيع السجود أجزأه الإيماء والقياس أن لا يجزئه الإيماء على الراحلة وهو قول بشر لأنها واجبة فلا يجوز أداؤها على الراحلة من غير عذر كالنذر فإن الراكب إذا نذر أن يصلي ركعتين لم يجز أن يؤديهما على الدابة من غير عذر كذا هذا ولنا أن التلاوة أمر دائم بمنزلة التطوع فكان في اشتراط النزول حرج بخلاف الفرض والنذر وما وجب من السجدة في الأرض لا يجوز على الدابة وما وجب على الدابة يجوز على الأرض لأن ما وجب على الأرض وجب تاما فلا يسقط بالإيماء الذي هو بعض السجود فأما ما وجب على الدابة وجب بالإيماء لما روي عن علي رضي الله عنه أنه تلا سجدة وهو راكب فأومأ بها إيماء وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عمن سمع سجد ( ( ( سجدة ) ) ) وهو راكب قال فليوم إيماء وإذا وجب الإيماء فإذا نزل وأداها على الأرض فقد أداها تامة فكانت أولى بالجواز كما في الصلاة على ما مر ولو تلاها على الدابة فنزل ثم ركب فأداها بالإيماء جاز إلا على قول زفر هو يقول لما نزل وجب أداؤها على الأرض فصار كما لو تلاها على الأرض
ولنا أنه لو أداها قبل نزوله بالإيماء جاز فكذلك بعدما نزل وركب لأنه يؤديها بالإيماء في الوجهين جميعا وقد وجبت بهذه الصفة وصار كما لو افتتح الصلاة في وقت مكروه فأفسدها ثم قضاها في وقت آخر مكروه أجزأه ( ( ( وأجزأه ) ) ) لأنه أداها على الوصف الذي وجبت كذا هذا وكذا يشترط لها ستر العورة لما قلنا ويشترط النية لأنها عبادة فلا تصح بدون النية وكذا الوقت حتى لو تلاها أو سمعها في وقت غير مكروه فأداها في وقت مكروه لا تجزئه لأنها وجبت كاملة فلا تتأدى بالناقص كالصلاة ولو تلاها في وقت مكروه وسجدها فيه أجزأه لأنه أداها كما وجبت وإن لم يسجدها في ذلك الوقت وسجدها في وقت آخر مكروه جاز أيضا لأنه أداها كما وجبت لأنها وجبت ناقصة وأداها ناقصة كما في الصلاة إلا أنه لا يشترط لها التحريمة عندنا لأنها لتوحيد الأفعال المختلفة ولم توجد وكذلك كل ما يفسد الصلاة عندنا من الحدث والعمل والكلام والقهقهة فهو مفسد لها وعليه إعادتها كما لو وجدت في سجدة الصلاة وقيل هذا على قول محمد لأن العبرة عنده لتمام الركن وهو الرفع ولم يحصل بعد فأما عند أبي يوسف فقد حصل الوضع قبل هذه العوارض والعبرة عنده للوضع فينبغي أن لا تفسدها إلا أنه لا وضوء عليه في القهقهة فيها لما ذكرنا في كتاب الطهارة وكذا محاذاة المرأة الرجل فيها لا تفسد عليه السجدة وإن نوى إمامتها لانعدام الشركة وهي مبنية على التحريمة ولا تحريمة لهذه السجدة ولأن المحاذاة إنما عرفناها مفسدة بأمر الشرع بتأخيرها والأمر ورد في صلاة مطلقة وهذه ليست بصلاة مطلقة فلم تكن المحاذاة فيها مفسدة كما في صلاة الجنازة والله أعلم فصل وأما بيان محل أدائها فما تلا خارج الصلاة لا يؤديها في الصلاة وكذلك ما تلا في الصلاة لا يؤديها خارج الصلاة وإنما كان كذلك لأن ما وجب خارج الصلاة فليس بفعل من أفعال الصلاة لأنه ما وجب حكما لفعل من أفعال الصلاة لخروج التلاوة خارج الصلاة عن أفعال الصلاة فإذا أداها في الصلاة فقد أدخل في الصلاة ما ليس منها فهي وإن لم تفسد لعدم المضادة تنتقص لإدخاله فيها ما ليس منها لأن الزائد الداخل فيها لا بد أن يقطع نظمها ويمنع وصل فعل بفعل وإذا ( ( ( وذا ) ) ) ترك الواجب فصار المؤدي منهيا عنه وهو وجب خارج الصلاة على طريق ( ( ( وجه ) ) ) الكمال فلا يسقط بأدائه على وجه يكون منهيا عنه وأما ما تلا في الصلاة فقد صار فعلا من أفعال الصلاة لكونه حكما لما هو من أركان الصلاة وهو القراءة ولهذا يجب أداؤه في الصلاة فلا يوجب نقصا فيها وأداء لما هو من أفعال الصلاة لن يتصور بدون التحريمة فلا يجوز الأداء خارج الصلاة ولا في صلاة أخرى لأنه ليس من أفعال هذه الصلاة لأنه ليس بحكم لقراءة هذه الصلاة فلا يتصور أداؤه فسقط إذا عرف هذا الأصل فنقول إذا قرأ الرجل آية السجدة في الصلاة وهو إمام أو منفرد فلم يسجدها حتى سلم وخرج من الصلاة سقطت عنه لما قلنا وكذلك لو سمعها في صلاته ممن ليس معه في الصلاة لم يسجدها في الصلاة لما قلنا وإن سجدها فيها كان مسيئا لما ذكرنا ولا تسقط عنه السجدة لكن لا تفسد صلاته في ظاهر الرواية وروي عن محمد أنها تفسد لأن هذه السجدة معتبرة في نفسها لأنها وجبت بسبب مقصود فكان إدخالها في الصلاة رفضا لها ولنا أن هذه زيادة من جنس ما هو مشروع في الصلاة وهو دون الركعة فلا تفسد الصلاة كما لو سجد سجدة زائدة في الصلاة تطوعا وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قرأ المقتدي آية السجدة خلف الإمام فسمعها الإمام والقوم فنقول أجمعوا على أنه لا يجب على المقتدي أن يسجدها في الصلاة وكذا على الإمام والقوم لأنه لو سجد بنفسه إذا خافت فقد انفرد عن إمامه فصار مختلفا عليه
ولو سجدوا لسماع تلاوته إذا جهر به لانقلب التبع متبوعا لأن التالي يكون بمنزلة الإمام للسامعين وفي حق بقية المقتدين تصير صلاتهم بإمامين من غير أن يكون أحدهما قائما مقام الآخر وكل ذلك لا يجوز وأما بعد الفراغ فلا يسجدون أيضا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد يسجدون ولو سمعوا ممن ليس في صلاتهم لا يسجدون في الصلاة ويسجدون بعد الفراغ بالإجماع ولو سمع من المقتدي من ليس في صلاته يسجد وكذا ذكر في نوادر الصلاة عقيب قول محمد وجه قول محمد أن السبب قد تحقق وهو التلاوة الصحيحة في حق المؤتم وسماعها في حق الإمام والقوم ولهذا يجب على من سمع منه وهو ليس في صلاتهم إلا أنه لا يمكنهم الأداء في الصلاة لأن تلاوته ليست من أعمال الصلاة لأن قراءة المقتدي غير محسوبة من الصلاة فيجب عليهم الأداء خارج الصلاة كما إذا سمعوا ممن ليس في صلاتهم ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الوجوب يعتمد القدرة على الأداء وهم يعجزون عن أدائها لأنه لا وجه إلى الأداء في الصلاة لما مر ولا وجه إلى الأداء بعد الفراغ من الصلاة لأن هذه السجدة من أفعال هذه الصلاة لأنها وجبت بسبب التلاوة وتلاوة المقتدي محسوبة من صلاته لأن الصلاة مفتقرة إلى القراءة إلا أن الإمام يتحمل عنه هذه القراءة فإذا أدى بنفسه ما يتحمل عنه غيره وقع موقعه فكانت القراءة محسوبة من هذه الصلاة فصار ما هو حكم هذه القراءة من أفعال الصلاة فصارت السجدة من أفعال هذه الصلاة وإذا صارت في حق التالي من أفعال هذه الصلاة صارت في حق الكل من أفعال هذه الصلاة لأن مبنى الصلاة على أنها جعلت من أناس مختلفين عند اتحاد التحريمة في حق القراءة كالموجودة من شخص واحد لحصول ثمرات القراءة بالسماع ولهذا جعلت القراءة الموجودة من الإمام كالقراءة الموجودة من الكل بخلاف غيرها من الأركان وقياس هذه النكتة يقتضي أن الإمام لو لم يقرأ كانت هذه القراءة قراءة للكل في حق جواز الصلاة إلا أن ذلك لم يمكن لئلا ينقلب التبع متبوعا والمتبوع تبعا فبقيت في حق كونها من الصلاة مشتركة في حق الكل فصارت السجدة من أفعال الصلاة في حق الكل وإذا صارت من أفعال الصلاة لا يتصور أداؤها بلا تحريمة الصلاة فلا تؤدى بعد الصلاة ومن سلك هذه الطريقة يقول تجب السجدة على من سمع هذه التلاوة من المقتدي ممن لا يشاركه في الصلاة لأنها ليست في حقه من أفعال الصلاة وبخلاف ما إذا سمع المصلي ممن ليس معه في الصلاة حيث يسجد خارج الصلاة لأن السجدة وجبت عليه وليست من أفعال الصلاة لأن تلك التلاوة ليست من أفعال الصلاة لعدم الشركة بينه وبين التالي في الصلاة والوجوب عليه بسبب سماعه والسماع ليس من أفعال الصلاة وإذا لم يكن من أفعال الصلاة أمكن أداؤها خارج الصلاة فيؤدى ومن أصحابنا من قال إن هذه القراءة منهي عنها فلا يتعلق بها حكم يؤمر به بخلاف قراءة الصبي والكافر حيث يوجب السجدة على من سمعها لأنهما ليسا بمنهيين وبخلاف الجنب والحائض لأنهما لم ينهيا عما يتعلق به وجوب السجدة لأن ذلك القدر دون الآية وهما ليسا بمنهيين عن تلاوة ما دون الآية أما المقتدي فهو منهي عن قراءة كلمة واحدة فكان منهيا عن قدر ما يتعلق به وجوب السجدة فلم يجب أو نقول أن المقتدي محجور عليه في حق القراءة بدليل نفاذ تصرف الإمام عليه وتصرف المحجور لا ينعقد في حق الحكم ومن سلك هاتين الطريقتين يقول لا تجب السجدة على السامع الذي لا يشاركهم في الصلاة أيضا ولهذا اختلف المشايخ في هذه المسألة لاختلاف الطرق والله أعلم فصل وأما كيفية أدائها
فإن كان تلا خارج الصلاة يؤديها على نعت سجدات الصلاة وإن كان تلا في الصلاة فالأفضل أن يؤديها على هيئة السجدات أيضا كذا روي عن أبي حنيفة لأنه إذا سجد ثم قام وقرأ وركع حصلت له قربتان ولو ركع تحصل له قربة واحدة لأنه ( ( ( ولأنه ) ) ) لو سجد لأدى الواجب بصورته ومعناه ولو ركع لأداه بمعناه لا بصورته ولا شك أن الأول أفضل ثم إذا سجد وقام يكره له أن يركع كما رفع رأسه سواء كانت آية السجدة في وسط السورة ( ( ( الصورة ) ) ) أو عند ختمها أو بقي بعدها إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث آيات لأنه يصير بانيا للركوع على السجود فينبغي أن يقرأ ثم يركع فينظر إن كانت آية السجدة في وسط السورة فينبغي أن يختم السورة ثم يركع وإن كانت عند ختم السورة فينبغي أن يقرأ آيات من سورة أخرى ثم يركع وإن كان بقي منها إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث آيات كما في سورة بني إسرائيل وسورة إذا السماء انشقت ينبغي أن يقرأ بقية السورة ثم يركع إن شاء وإن شاء وصل إليها سورة أخرى فهو أفضل لأن الباقي من خاتمة السورة دون ثلاث آيات فكان الأولى أن يقرأ ثلاث آيات كيلا يكون بانيا ( ( ( باقيا ) ) ) للركوع على السجود فلو لم يفعل ذلك ولكنه يرفع ( ( ( ركع ) ) ) كما رفع رأسه من السجدة أجزأه لحصول القراءة قبل السجدة ولو لم يأت بها على هيئة السجدة ولكنه ركع بها ذكر في الأصل أن القياس أن الركوع والسجود سواء وفي الاستحسان ينبغي أن يسجد قال وبالقياس نأخذ وإنما أخذ أصحابنا بالقياس لأن التفاوت ما بين القياس والاستحسان ما ظهر من المعاني فهو قياس وما خفي منها فهو استحسان ولا يرجح الخفي لخفائه ولا الظاهر لظهوره فيرجع في طلب الرجحان إلى ما اقترن بهما من المعاني فمتى قوي الخفي أخذوا به ومتى قوي الظاهر أخذوا به وههنا قوي دليل القياس على ما نذكر فأخذوا به ثم إن مشايخنا اختلفوا في محل القياس والاستحسان لاختلافهم فيما يقوم مقام سجدة التلاوة فقال عامة مشايخنا إن الركوع هو القائم مقام سجدة التلاوة ومحل القياس والاستحسان هذا أن القياس أن يقوم الركوع مقامها ( ( ( مقامهما ) ) ) وفي الاستحسان لا يقوم وقال بعضهم محل القياس والاستحسان خارج الصلاة بأن تلاها في غير الصلاة وركع في القياس يجزئه وفي الاستحسان لا يجزئه وهذا ليس بسديد بل لا يجزئه ذلك قياسا واستحسانا لأن الركوع خارج الصلاة لم يجعل قربة فلا ينوب مناب القربة وذكر الشيخ الإمام الزاهد صدر الدين أبو المعين رحمه الله تعالى وقال رأيت في فتاوى أهل بلخ بخط الشيخ أبي عبد الله الحديدي عن محمد بن سلمة أنه قال السجدة الصلبية هي التي تقوم مقام سجدة التلاوة لا الركوع فكان القياس على قوله أن تقوم الصلبية مقام التلاوة وفي الاستحسان لا تقوم وجه قوله أن التحقيق لكون الجواز ثابتا بالقياس وعدم الجواز في الاستحسان لن يتصور إلا على هذا فإن القياس أن يجوز لأن الواجب السجدة وقد وجدت وسقوط ما وجب من السجدة بالسجدة أمر ظاهر فكان قياسا وفي الاستحسان لا يجوز لأن السجدة قائمة مقام نفسها فلا تقوم مقام غيرها كصوم يوم من رمضان لا يقع عن نفسه وعن قضاء يوم آخر عليه فكذا هذا ولا شك أن دليل القياس أظهر ودليل الاستحسان أخفى ( ( ( أأخفى ) ) ) لأن التسوية بين الشيئين من نوع واحد وإقامة أحدهما مقام الآخر أمر ظاهر والتفرقة بينهما لمعنى من المعاني أمر خفي لأن التسوية باعتبار الذات والتفرقة باعتبار المعاني والعلم بذات ما يعاين أظهر من العلم بوصفه لحصول العلم بالذات بالحس وبالمعنى بالعقل عقيب التأمل ولا شك أن ذلك أظهر فثبت أن التسمية لكون الجواز ثابتا بالقياس وعدم الجواز بالاستحسان ممكن من هذا الوجه
وأما لو كان الكلام في قيام الركوع مقام السجود فالقياس يأبى الجواز وفي الاستحسان يجوز لأن الركوع مع السجود مختلفان ذاتا فلو ثبت بينهما مساواة لثبت من المعنى فكان عدم جواز إقامة أحدهما مقام صاحبه من توابع الذات والعلم به ظاهر وجواز القيام من توابع المعنى والعلم به خفي فإذا كانت قضية القياس أن لا يجوز وقضية الاستحسان أن يجوز وجواب الكتاب على القلب من هذا فدل أن الصحيح ما ذكرنا وعامة مشايخنا يقولون لا بل الركوع هو القائم مقام سجدة التلاوة كذا ذكر محمد رحمه الله تعالى في الكتاب فإنه قال في الكتاب قلت فإن أراد أن يركع بالسجدة بعينها هل يجزئه ذلك قال أما في القياس فالركعة في ذلك والسجدة سواء لأن كل ذلك صلاة ألا ترى إلى قوله تعالى وخر راكعا وتفسيرها خر ساجدا فالركعة والسجدة سواء في القياس وأما في الاستحسان ينبغي له أن يسجد وبالقياس نأخذ وهذا كله لفظ محمد فثبت أن محل القياس والاستحسان ما بينا وما قاله محمد بن سلمة خلاف الرواية وذكر أبو يوسف في الأمالي وإذا قرأ آية السجدة في الصلاة فإن شاء ركع لها وإن شاء سجد لها يعني إن شاء أقام ركوع الصلاة مقامها وإن شاء سجد لها ذكر هذا التفسير أبو يوسف في الأمالي ( ( ( الإملاء ) ) ) عن أبي حنيفة وجه القياس ما ذكره محمد أن معنى التعظيم فيهما ظاهر فكانا في حق حصول التعظيم بهما جنسا واحدا والحاجة إلى تعظيم الله تعالى إما اقتداء بمن عظم الله تعالى وإما مخالفة لمن استكبر عن تعظيم الله تعالى فكان الظاهر هو الجواز وجه الاستحسان أن الواجب هو التعظيم بجهة مخصوصة وهي السجود بدليل أنه لو لم يركع على الفور حتى طالت القراءة ثم نوى بالركوع أن يقع عن السجدة لا يجوز وكذا خارج الصلاة لو تلا آية السجدة وركع ولم يسجد لا يخرج عن الواجب كذا ههنا ثم أخذوا بالقياس لقوة دليله وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنهما كانا أجازا أن يركع عن السجود في الصلاة ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فكان ذلك بمنزلة الإجماع والمعنى ما بينا أن الواجب هو التعظيم لله تعالى عند قراءة آية السجدة وقد وجد التعظيم وهذا لأن الخضوع لله والتعظيم له بالركوع ليسا بأدون من الخضوع والتعظيم له بالسجود ولا حاجة هنا إلى السجود لعينه بل الحاجة إلى تعظيم الله تعالى مخالفة لمن استكبر عن تعظيمه أو اقتداء بمن خضع له وأذعن لربوبيته واعترف على نفسه بالعبودية وقد حصلت هذه المعاني بالركوع حسب حصولها بالسجود وهذا المعنى يقتضي أنه لو ركع خارج الصلاة مكان السجود أن يكون جائزا غير أنه لم يجز لا لمكان أن الركوع أدون من السجود ولكن لأن الركوع لم يجعل عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى إذا انفرد عن تحريمة الصلاة والسجود جعل عبادة بدون تحريمة الصلاة ثبت ذلك شرعا غير معقول المعنى فإذا لم توجد تحريمة الصلاة لم يكن الركوع مما يتقرب به إلى الله تعالى فلا يتأدى به التعظيم والخضوع لله اللذان وجبا بالتلاوة بخلاف السجدة وبخلاف ما إذا ركع مكان السجدة الصلبية لأن الواجب هناك عين السجدة مقصودة بنفسها فلا يقوم غيرها من حيث الصورة مقامها
وبيان هذا أن الصلاة عبادة اشتملت على أفعال مختلفة شكرا لما أنعم الله من التقلب في الأحوال المختلفة بهذه الأعضاء اللينة والمفاصل السليمة وبالركوع لا يحصل شكر حالة السجود فيتعلق ذلك بعين السجود لا بما يوازيه في كونه تعظيما لله تعالى أما ههنا فبخلافه وبخلاف ما إذا لم يركع عقيب التلاوة ولم يسجد حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى الركوع عن السجدة حيث لم يجز لأنها تجب في الصلاة مضيقا لأنها لوجوبها بما هو من أفعال الصلاة التحقت بأفعال الصلاة ولهذا يجب أداؤها في الصلاة ولا يوجب حصولها فيها نقصانا ما فيها وتحصيل ما ليس من الصلاة فيها إن لم يوجب فسادها يوجب نقصا ولهذا لا تؤدي بعد الفراغ من الصلاة لو ترك أداءها في الصلاة لأنها صارت جزأ من أجزاء الصلاة لما بينا فلا يتصور أداؤهما ( ( ( أداؤها ) ) ) إلا بتحريمة الصلاة كسائر أفعال الصلاة ومبنى أفعال الصلاة أن يؤدي كل فعل منها في محله المخصوص فكذا هذه وإذا لم تؤد في محلها حتى فات صار دينا والدين يقضى بما له لا بما عليه والركوع والسجود عليه فلا يتأدى به الدين بخلاف ما إذا لم يصر دينا بعد لأن الحاجة هناك إلى التعظيم والخضوع وقد وجد فيكتفي بذلك كداخل المسجد إذا اشتغل بالفرض ناب ذلك مناب تحية المسجد لحصول تعظيم المسجد والمعتكف في رمضان إذا صام عن رمضان وكان أوجب اعتكاف شهر رمضان على نفسه كان ذلك كافيا عن صوم هو شرط الاعتكاف وبمثله لو أوجب على نفسه اعتكاف شعبان فلم يعتكف حتى دخل رمضان فاعتكف لا ينوب ذلك عما وجب عليه من الصوم الذي هو شرط صحة الاعتكاف لأن ذلك صار دينا عليه حقا لله تعالى بمضي الوقت والدين يؤدى بما هو له لمن هو عليه لا بما عليه فكذا هذا وهذا بخلاف ما إذا نذر أن يصلي ركعتين يوم الجمعة فلم يصل حتى مضى يوم الجمعة ثم أداها بوضوء حصل بقصد التبرد حيث يجوز ولا يقال أن الوضوء الذي هو شرط صحة هذه العبادة وجب عليه بوجوب العبادة ثم بالفوات عن الوقت المعين صار دينا عليه والدين يؤدى بما له لا بما عليه أو فاتته فريضة عن وقتها فأداها بوضوء حصل للتبرد أو للتعليم جاز لأن هناك الوضوء شرط الأهلية وليس هو مما يتقرب به إلى الله تعالى فلم يصر بفواته عن محله حقا لله تعالى بل بقي في نفسه عن عبادة فيجب تحصيله لضرورة حصول الأهلية لأداء ما عليه وقد حصل بأي طريق كان فأما السجدة والصوم فكل واحد منهما مما يتقرب به إلى الله تعالى فإذا فاتا عن المحل ووجبا صارا حقين لله تعالى فلا يجوز أداؤهما بما عليه وهذا بخلاف ما إذا فاتت السجدة عن محلها في الصلاة وصارت بمحل القضاء فركع ينوي به قضاء السجدة الفائتة أنه لم يجز وإن حصل الركوع في تحريمة الصلاة وهو فيها مما يتقرب به إلى الله تعالى ويحصل بذلك التعظيم لله تعالى والواجب عليه هذا القدر وذلك لأن الركوع لم يعرف قربة في الشريعة في غير محله المخصوص فما أمكننا جعله قربة فلم يحصل به التعظيم بخلاف السجدة فإنها عرفت قربة في غير محلها الذي تكون فيه ولهذا ينجبر بها النقص المتمكن في الصلاة بطريق السهو ولا ينجبر بالركوع
ثم إذا ركع قبل أن يطول القراءة هل تشترط النية لقيام الركوع مقام سجدة التلاوة فقياس ما ذكرنا من النكتة يوجب أن لا يحتاج إلى النية لأن الحاجة إلى تحصيل الخضوع والتعظيم في هذه الحالة وقد وجدا نوى أو لم ينو كالمعتكف في رمضان إذا لم ينو بصيامه عن الاعتكاف والذي دخل المسجد إذا اشتغل بالفرض غير ناو أن يقوم مقام تحية المسجد ومن مشايخنا من قال يحتاج ههنا إلى النية ويدعي أن محمدا أشار إليه فإنه قال إذا تذكر سجدة تلاوة في الركوع يخر ساجدا فيسجد كما نذكر ( ( ( تذكر ) ) ) ثم يقوم فيعود إلى الركوع ولم يفصل بين أن يكون الركوع الذي تذكر فيه التلاوة كان عقيب التلاوة بلا فصل أو تخلل بينهما فاصل ولو كان الركوع مما ينوب عن السجدة من غير نية لكان لا يأمره بأن يسجد للتلاوة بل قام نفس الركوع مقام التلاوة ولكنا نقول ليس في هذه المسألة كثير إشارة لأن المسألة موضوعة فيما إذا تخلل بين التلاوة والركوع ما يوجب صيرورة السجدة دينا لأنه قال تذكر سجدة والتذكر إنما يكون بعد النسيان والنسيان لسجدة التلاوة عند عدم تخلل شيء بين التلاوة والركوع ممتنع أو نادر غاية الندرة بحيث لا ينبني عليه حكم ثم يحتاج هذا القائل إلى الفرق بين هذا وبين المعتكف في رمضان حيث لا يحتاج إلى أن ينوي كون صومه شرطا للاعتكاف لحصول ما هو المقصود وكذا الذي دخل المسجد وأدى الفرض كما دخل فاشتغل بالفرق بينهما فقال الواجب الأصلي ههنا هو السجود إلا أن الركوع أقيم مقامه من حيث المعنى وبينهما من حيث الصورة فرق فلموافقة المعنى تتأدى السجدة بالركوع إذا نوى ولمخالفة الصورة لا تتأدى إذا لم ينو بخلاف صوم الشهر فإن بينه وبين صوم الاعتكاف موافقة من جميع الوجوه وكذا في الصلاة ولكن هذا غير سديد لأن المخالفة من حيث الصورة إن كان لها عبرة فلا يتأدى الواجب به وإن نوى فإن من نوى إقامة غير ما وجب عليه مقام ما وجب لا يقوم إذا كان بينهما تفاوت وإن لم يكن لها عبرة فلا يحتاج إلى النية كما في الصوم والصلاة وعذر الصوم ليس بمستقيم لأن بين الصومين مخالفة من حيث سبب الوجوب فكانا جنسين مختلفين ولهذا قال هذا القائل أنه لو لم ينو بالركوع أن يكون قائما مقام سجدة التلاوة ولم يقم يحتاج في السجدة الصلبية إلى أن ينوي أيضا لأن بينهما مخالفة لاختلاف سببي وجوبهما فدل أنه ليس بمستقيم وذكر القاضي الإمام الاسبيجابي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا أراد أن يركع يحتاج إلى النية ولو لم يوجد منه النية عند الركوع لا يجزئه ولو نوى في الركوع اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجوز وقال بعضهم لا يجوز ولو نوى بعدما رفع رأسه من الركوع لا يجوز بالإجماع هذا الذي ذكرنا في قيام الركوع مقام السجود فيما إذا لم تطل القراءة بين آية السجدة وبين الركوع فأما إذا طال فقد فاتت السجدة وصارت دينا فلا يقوم الركوع مقامها وأكثر مشايخنا لم يقدروا في ذلك تقديرا فكان الظاهر أنهم فوضوا ذلك إلى رأي المجتهد كما فعلوا في كثير من المواضع وبعض مشايخنا قالوا إن قرأ آية أو آيتين لم تطل القراءة وإن قرأ ثلاث آيات طالت وصارت السجدة بمحل القضاء ثم أنه ناقض فإنه قال لو لم ينو بالركوع أن يقوم مقام التلاوة ونوى بالسجدة الصلبية قام ولا شك أن مدة أداء الركوع ورفع الرأس من الركوع والانحطاط إلى السجود يكون مثل مدة قراءة ثلاث آيات وكذا إن كانت تلك قراءة معتبرة فالركوع ركن معتبر والأوجه أن يفوض ذلك إلى رأي المجتهد أو يعتبر ما يعد طويلا على أن يجعل ( ( ( جعل ) ) ) ثلاث آيات قاطعة للفور وإدخالها في حد الطول خلاف الرواية فإن محمدا ذكر في كتاب الصلاة
قلت أرأيت الرجل يقرأ السجدة وهو في الصلاة والسجدة في آخر السورة إلا آيات بقيت من السورة بعد آية السجدة قال هو بالخيار إن شاء ركع بها وإن شاء سجد بها قلت فإن أراد أن يركع بها ختم السورة ثم ركع بها وقال ( ( ( قال ) ) ) نعم قلت فإذا أراد أن يسجد بها عند الفراغ من السجدة ثم يقوم فيتلو ما بعدها من السورة وهو آيتان أو ثلاث ثم يركع قال نعم إن شاء وصل إليها سورة أخرى وهذا نص على أن ثلاث آيات ليست بقاطعة للفور ولا بمدخلة للسجدة في حيز القضاء فصل وأما بيان وقت أدائها فما وجب أداؤها خارج الصلاة فوقتها جميع العمر لأن وجوبها على التراخي على ما مر وأما ما وجب أداؤها في الصلاة فوقتها فور الصلاة لما مر أن وجوبها في الصلاة على الفور وهو أن لا تطول المدة بين التلاوة وبين السجدة فأما إذا طالت فقد دخلت في حيز القضاء وصار آثما بالتفويت عن الوقت ثم الأمر في مقدار الطول على ما ذكرنا من اختلاف المشايخ فصل وأما سنن السجود فمنها أن يكبر عند السجود وعند رفع الرأس من السجود وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يكبر عند الانحطاط وهي رواية عن أبي يوسف لأن التكبير للانتقال من الركن ولم يوجد ذلك عند الانحطاط ووجد عند الرفع والصحيح ظاهر الرواية لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال للتالي إذا قرأت سجدة فكبر واسجد وإذا رفعت رأسك فكبر ولو ترك التحريمة يجوز عندنا وقال الشافعي لا يجوز لأن هذا ركن من أركان الصلاة فلا يتأدى بدون التحريمة كالقيام في صلاة الجنازة لا ( ( ( ألا ) ) ) ترى أنه يشترط جميع شرائط الصلاة من ستر العورة واستقبال القبلة ويفسدها الكلام عند محمد وحرمة ما وراءها من الأفعال أن يكون بدون التحريمة ولنا أن الأمر تعلق بمطلق السجود فلو أوجبنا شيئا آخر لزدنا على النص ولأن السجود وجب تعظيما لله تعالى وخضوعا له وترك التحريمة ليس بمناف للتعظيم وأما انكشاف العورة واستدبار القبلة والتكلم بما هو من كلام الناس فينافي التعظيم والخشوع وحرمة الكلام ممنوعة بل لا يعتد بالسجود مع الكلام لانعدام ما هو المقصود ولأن السجود فعل واحد والتحريمة تجعل الأفعال المختلفة عبادة واحدة وههنا الفعل واحد فلا حاجة إلى التحريمة بخلاف صلاة الجنازة لأن هناك كل تكبيرة بمنزلة ركعة على ما يعرف هناك إن شاء الله تعالى ومنها أن يقول في هذه السجدة من التسبيح ما يقول في سجدة الصلاة فيقول سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه وبعض المتأخرين استحبوا أن يقوله ( ( ( يقول ) ) ) فيها سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا لقوله تعالى يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا الآية واستحبوا أيضا أن يقوم فيسجد لأن الخرور سقوط من القيام والقرآن ورد به وإن لم يفعل لم يضره ومنها أن الرجل إذا قرأ آية السجدة ومعه قوم فسمعوها فالسنة أن يسجدوا معه لا يسبقونه بالوضع ولا بالرفع لأن التالي أمام السامعين لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال للتالي كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا معك وإن فعلوا أجزأهم لأنه لا مشاركة بينه وبينهم في الحقيقة ألا ترى أنه لو فسدت سجدته بسبب لا يتعدى إليهم ولا تشهد في هذه السجدة وكذا لا تسليم فيها لأن التسليم تحليل ولا تحريمة عندنا فلا يعقل التحليل وعلى قياس مذهب الشافعي يسلم للخروج عن التحريمة ويكره للرجل ترك آية السجدة من سورة يقرأها ( ( ( يقرؤها ) ) ) لأنه قطع لنظم القرآن وتغيير لتأليفه واتباع النظم والتأليف مأمور به قال الله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أي تأليفه فكان التغيير مكروها ولأنه في صورة الفرار عن وجوب العبادة والإعراض عن تحصيلها بالفعل وذلك مكروه وكذا فيه صورة هجر آية السجدة وليس شيء من القرآن مهجورا
ولو قرأ آية السجدة من بين السورة لم يضره ذلك لأنها من القرآن وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السور والمستحب أن يقرأ معها آيات لتكون أدل على مراد الآية وليحصل بحق القراءة لا بحق إيجاب السجدة إذ القراءة للسجود ليست بمستحبة فيقرأ معها آيات ليكون قصده إلى التلاوة لا إلى إلزام السجود ولو قرأ آية السجدة وعنده ناس فإن كانوا متوضئين متهيئين للسجدة قرأها فإن كانوا غير متهيئين ينبغي أن يخفض قراءتها لأنه لو جهر بها لصار موجبا عليهم شيئا ربما ( ( ( بما ) ) ) يتكاسلون عن أدائه فيقعون في المعصية ويكره للإمام أن يتلو آية السجدة في صلاة يخافت فيها بالقراءة وعند الشافعي لا يكره واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال سجد بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء إما الظهر وإما العصر حتى ظننا أنه قرأ ألم تنزيل السجدة ولو كان مكروها لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولنا أن هذا لا ينفك عن أمر مكروه لأنه إذا تلا ولم يسجد فقد ترك الواجب وإن سجد فقد لبس على القوم لأنهم يظنون أنه سها عن الركوع واشتغل بالسجدة الصلبية فيسبحون ولا يتابعونه وذا مكروه وما لا ينفك عن مكروه كان مكروها وفعل النبي صلى الله عليه وسلم محمول على بيان الجواز فلم يكن مكروها وإن تلاها مع ذلك سجد بها لتقر والسبب في حقه وهو التلاوة وسجد القوم معه لوجوب المتابعة عليهم ألا ترى أنه سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد القوم معه ولو تلاها الإمام على المنبر يوم الجمعة سجدها وسجد معه من سمعها لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلا سجدة على المنبر فنزل وسجد وسجد الناس معه وفيه دليل على أن السامع يتبع التالي في السجدة والله أعلم فصل وأما بيان مواضع السجدة في القرآن فنقول إنها في أربعة عشر موضعا من القرآن أربع في النصف الأول في آخر الأعراف وفي الرعد وفي النحل وفي بني إسرائيل وعشر في النصف الآخر في مريم وفي الحج في الأولى وفي الفرقان وفي النمل وفي الم تنزيل السجدة وفي ص وفي حم السجدة وفي النجم وفي إذا السماء انشقت وفي اقرأ وقد اختلف العلماء في ثلاثة مواضع منها أحدها أن في سورة الحج عندنا سجدة واحدة وعند الشافعي سجدتان في قوله تعالى اركعوا واسجدوا واحتج بما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أفي سورة الحج سجدتان قال نعم أو قال فضلت الحج بسجدتين من لم يسجدهما لم يقرأها وهكذا روى عن عمر وعلي وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله عنهم أنهم قالوا فضلت سورة الحج بسجدتين ولنا ما روي عن أبي رضي الله عنه أنه عد السجدات التي سمعها من رسول صلى الله عليه وسلم وعد في الحج سجدة واحدة وقال عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم سجدة التلاوة في الحج هي الأولى والثانية سجدة الصلاة وهو تأويل الحديث وهذا لأن السجدة متى قرنت بالركوع كانت عبارة عن سجدة الصلاة كما في قوله تعالى واسجدي واركعي والثاني أن في سورة ص عندنا سجدة التلاوة وعند الشافعي سجدة الشكر وفائدة الخلاف أنه لو تلاها في الصلاة سجد عندنا وعنده لا يسجدها واحتح ( ( ( واحتج ) ) ) بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ آية السجدة في ص وسجدها ثم قال سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال قرأ رسول صلى الله عليه وسلم على المنبر سورة ص فنزل وسجد الناس معه فلما كان في الجمعة الثانية قرأها فتشوف الناس للسجود فنزل وسجد وسجد الناس معه وقال لم أرد أن أسجدها فإنها توبة نبي من الأنبياء وإنما سجدت لأني رأيتكم تشوفتم للسجود
ولنا حديث عثمان رضي الله عنه أنه قرأ في الصلاة سورة ص وسجد وسجد الناس معه وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينكر عليه أحد ولو لم تكن واجبة لما جاز إدخالها في الصلاة وروي أن رجلا من الصحابة قال يا رسول الله رأيت كما يرى النائم كأني أكتب سورة ص فلما انتهيت إلى موضع السجدة سجدت الدواة والقلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بها من الدواة والقلم فأمر حتى تليت في مجلسه وسجدها مع أصحابه وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا فإنا نقول نحن نسجد ذلك شكرا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب ولهذا لا يسجد عندنا عقيب قوله وأناب بل عقيب قوله مآب وهذه نعمة عظيمة في حقنا فإنه يطعمنا ( ( ( يطمعنا ) ) ) في إقالة عثراتنا وغفران خطايانا وزلاتنا فكانت سجدة تلاوة لأن سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية التي فيهاالإخبار عن هذه النعم على داود عليه الصلاة والسلام وأطماعنا في نيل مثله وكذا سجدة النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأولى وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة بل كان يريد التأخير وهي عندنا لا تجب على الفور فكان يريد أن لا يسجدها على الفور والثالث أن في المفصل عندنا ثلاث سجدات وعند مالك لا سجدة في المفصل واحتج بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل بعدما هاجر إلى المدينة ولنا ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل وعن علي رضي الله عنه أنه قال عزائم السجود في القرآن أربعة الم تنزيل السجدة وحم السجدة والنجم و اقرأ باسم ربك وعن ابن مسعود قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم بمكة فسجد وسجد ومعه ( ( ( معه ) ) ) الناس المسلمون والمشركون إلا شيخا وضع كفا من براب ( ( ( تراب ) ) ) على جبهته وقال هذا يكفيني فلقيته قبل ( ( ( قتل ) ) ) كافرا وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ إذا السماء انشقت فسجد وسجد معه أصحابه ولأنه أمر بالسجود في سورة النجم اقرأ ( ( ( واقرأ ) ) ) باسم ربك والأمر للوجوب وحديث ابن عباس رضي الله عنهما محمول على أنه كان لا يسجدها عقيب التلاوة كما كان يسجد من قبل نحمله على هذا بدليل ما روينا ثم في سورة حم السجدة عندناالسجدة عند قوله وهم لا يسأمون وهو مذهب عبد الله بن عباس ووائل بن حجر وعند الشافعي عند قوله إن كنتم إياه تعبدون وهو مذهب علي رضي الله عنه واحتج بما روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما هكذا ولأن الأمر بالسجود ههنا فكان السجود عنده ولنا أن السجود مرة بالأمر ومرة بذكر استكبار الكفار فيجب علينا مخالفتهم ومرة عند ذكر خشوع المطيعين فيجب علينا متابعتهم وهذه المعاني تتم عند قوله وهم لا يسأمون فكان السجود عنده أولى ولأن فيما ذهب إليه أصحابنا أخذ ( ( ( أخذا ) ) ) بالاحتياط عند اختلاف مذاهب الصحابة رضي الله عنهم فإن السجدة لو وجبت عند قوله تعبدون فالتأخير إلى قوله لا يسأمون لا يضر ويخرج عن الواجب ولو وجبت عند قوله لا يسأمون لكانت السجدة المؤداة قبله حاصلة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها فيوجب نقصانا في الصلاة ولم يؤد الثانية فيصير المصلي تاركا ما هو واجب في الصلاة فيصير النقص متمكنا في الصلاة من وجهين ولا نقص فيما قلنا البتة وهذا هو إمارة التبحر في الفقه والله الموفق فصل وأما الذي هو عند الخروج من الصلاة
فلفظ السلام عندنا وعند مالك والشافعي فرض والكلام في التسليم يقع في مواضع في بيان صفته أنه فرض أم لا وفي بيان قدره وفي بيان كيفيته وفي بيان سننه وفي بيان حكمه أما صفته فإصابة لفظة السلام ليست بفرض عندنا ولكنها واجبة ومن المشايخ من أطلق اسم السنة عليها وأنها لا تنافي الوجوب لما عرف وعند مالك والشافعي فرض حتى لو تركها عامدا كان مسيئا ولو تركها ساهيا يلزمه سجود لسهو عندنا وعندهما لو تركها تفسد صلاته احتجا بقوله صلى الله عليه وسلم وتحليلها التسليم خص التسليم بكونه محللا فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين فلا يتحلل بدونه ولأن الصلاة عبادة لها تحليل وتحريم فيكون التحليل فيها ركنا قياسا على الطواف في الحج ولنا ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لابن مسعود حين علمه التشهد إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت ما عليك إن شئت أن تقوم فقم وإن تقعد فاقعد والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه جعله قاضيا ما عليه عند هذا الفعل أو القول وما للعموم فميا ( ( ( فيما ) ) ) لايعلم فيقضي أن يكون قاضيا جميع ما عليه ولو كان التسليم فرضا لم يكن قاضيا جميع ما عليه بدونه لأن التسليم يبقى عليه والثاني أنه خيره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم ولو كان فرضا ما خيره ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة والسلام خروج عن الصلاة وترك لها لأنه كلام وخطاب لغيره فكان منافيا للصلاة فكيف يكون ركنا لها وأماالحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم إلا أنه خص التسليم لكونه واجبا والاعتبار بالطواف غير سديد لأن الطواف ليس بمحلل إنماالمحلل هو الحلق إلا أنه توقف بالاحلال على الطواف فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف والحلق ليس بركن فنزل السلام في باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج وينبني على هذا أن السلام ليس من الصلاة عندنا وعند الشافعي التسليمة الأ ولى من الصلاة والصحيح قولنا لما بينا وأما الكلام في قدره فهو أنه يسلم تسليمتين إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره عند عامة العلماء وقال بعضهم يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه وهو قول مالك وقيل هو قول الشافعي وقال بعضهم يسلم تسليمة واحدة عن يمينه وقال مالك في قول يسلم المقتدي تسليمتين ثم يسلم تسليمة ثالثة ينوي بها رد السلام على الإمام واحتجوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة تلقاء وجهه وروي عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمة عن يمينه ولأن التسليم شرع للتحليل وأنه يقع بالواحدة فلا معنى للثانية ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكانوا يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم وروي عن علي أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمتين أولهما أرفعهما ولأن إحدى التسليمتين للخروج عن الصلاة والثانية للتسوية بين القوم في التحية
وأما الأحاديث فالأحد ( ( ( فالأخذ ) ) ) بما روينا أولى لأن عليا وابن مسعود كانا من كبار الصحابة وكانا يقومان بقربه صلى الله عليه وسلم كما قال ليليني منكم أولو ( ( ( أولوا ) ) ) الأحلام والنهى فكانا أعرف بحال النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها كانت تقوم في حيز صفوف النساء وهو آخر الصفوف وسهل بن سعد كان من الصغار وكان في أخريات الصفوف وكانا يسمعان التسليمة الأولى لرفعه صلى الله عليه وسلم بها صوته ولا يسمعان الثانية لخفضه بها صوته وقولهم التحليل يحصل بالأولى فكذلك ولكن الثانية ليست للتحليل بل للتسوية بين القوم في التسليم عليهم والتحية وبه تبين أنه لا حاجة إلى التسليمة الثالثة لأنه لا يحصل بها التحليل ولا التسوية بين القوم في ( ( ( والتحية ) ) ) التحية ورد السلام على الإمام يحصل بالتسليمتين إليه أشار أبو حنيفة حين سأله أبو يوسف هل يرد على الإمام السلام من خلفه فيقول وعليك قال لا وتسليمهم رد عليه ولأن التسليمة الثالثة لو كانت ثابتة لفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلمها الأمة فعلا كما فعلوا التسليمتين وأما كيفية التسليم فهو أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وهذا قول عامة العلماء وقال مالك يقول السلام عليكم ولا يزيد عليه والصحيح قول العامة لما روي عن ابن مسعود وعمار وعتبة وغيرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول هكذا وأما سنن التسليم فنذكرها في باب سنن هذه الصلوات وأما حكمه فهو الخروج من الصلاة ثم الخروج يتعلق بإحدى التسليمتين عند عامة العلماء وروي عن محمد أنه قال التسليمة الأولى للخروج والتحية والتسليمة الثانية للتحية خاصة وقال بعضهم لا يخرج ما لم يوجد التسليمتين جمعيا ( ( ( جميعا ) ) ) وهو خلاف إجماع السلف ولأن التسليم تكليم القوم لأنه خطاب لهم فكان منافيا للصلاة ألا ترى أنه لو وجد في وسط الصلاة يخرجه عن الصلاة فصل وأماالذي هو في حرمة الصلاة بعد الخروج منها فالتكبير في أيام التشريق والكلام فيه يقع في مواضع في تفسيره وفي وجوبه وفي وقته وفي محل أدائه وفيمن يجب عليه وفي أنه هل يقض ( ( ( يقضى ) ) ) بعد الفوات في الصلاة التي دخلت في حد القضاء أما الأول فقد اختلفت الروايات عن الصحابة رضي الله عنهم في تفسير التكبير روي الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما وكان ابن عمر يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر وأجل الله أكبر وللهالحمد وبه أخذ الشافعي وكان ابن عباس يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الحي القيوم يحيي ويميت وهو كل شيء قدير وإنما أخذنا بقول علي وابن مسعود رضي الله عنهمالأنه المشهور والمتوارث من الأمة ولأنه أجمع لاشتماله على التكبير والتهليل والتحميد فكان أولى فصل وأما بيان وجوبه فالصحيح أنه واجب وقد سماه الكرخي سنة ثم فسره بالواجب فقال تكبير التشريق سنة ماضية نقلها أهل العلم وأجمعوا على العمل بها وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز لأن السنة عبارة عن الطريقة المرضية أو السيرة الحسنة وكل واجب هذه صفته ودليل الوجوب قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات وقوله وأذن في الناس بالحج إلى قوله في أيام معدودات ( ( ( معلومات ) ) ) قيل الأيام المعدودات أيام التشريق والمعلومات أيام العشر وقيل كلاهما أيام التشريق وقيل المعلومات يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق لأنه أمر في الأيام المعدودات بالذكر مطلقا وذكر في الأيام المعلومات الذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الذبائح وأيام الذبائح يوم النحر ويومان بعده ومطلق الأمر للوجوب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من أيام أحب إلى الله تعالى العمل فيهن من هذه الأيام فأكثروا فيها من التكبير والتهليل والتسبيح فصل وأما وقت التكبير
فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في ابتداء وقت التكبير وانتهائه اتفق شيوخ الصحابة نحو عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعائشة رضي الله عنهم على البداية بصلاة الفجر من يوم عرفة وبه أخذ علماؤنا في ظاهر الرواية واختلفوا في الختم قال ابن مسعود يختم عند العصر من يوم النحر يكبر ثم يقطع وذلك ثمان صلوات وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله وقال علي يختم عند العصر من آخر أيام التشريق فيكبر لثلاث وعشرين صلاة وهو إحدى الروايتين عن عمر رضي الله عنه وبه أخذ أبو يوسف ومحمد وفي رواية عن عمر رضي الله عنه يختم عند الظهر من آخر أيام التشريق وأما الشبان من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر ( رضي الله عنهم ) فقد اتفقوا على البداية بالظهر من يوم النحر وروي عن أبي يوسف أنه أخذ به غير أنهما اختلفا في الختم فقال ابن عباس يختم عند الظهر من آخر أيام التشريق وقال ابن عمر يختم عند الفجر من آخر أيام التشريق وبه أخذ الشافعي أما الكلام في البداية فوجه رواية أبي يوسف قول الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله أمر بالذكر عقيب قضاء المناسك وقضاء المناسك إنما يقع في وقت الضحوة من يوم النحر فاقتضى وجوب التكبير في الصلاة التي تليه وهي الظهر وجه ظاهر الرواية قوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وهي أيام العشر فكان ينبغي أن يكون التكبير في جميعها واجبا إلا أن ما قبل يوم عرفة خص بإجماع الصحابة ولا إجماع في يوم عرفة والأضحى فوجب التكبير فيهما عملا بعموم النص ولأن التكبير لتعظيم الوقت الذي شرع فيه المناسك وأوله يوم عرفة إذ فيه يقام معظم أركان الحج وهو الوقوف ولهذا قال مكحول يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر من يوم عرفة لأن وقت الوقوف بعد الزوال ولا حجة له في الآية لأنها ساكتة عن الذكر قبل قضاء المناسك فلا يصح التعلق بها وأما الكلام في الختم فالشافعي مر على أصله من الأخذ بقول الأحداث من الصحابة رضي الله عنهم لوقوفهم على ما استقر من الشرائع دون ما نسخ خصوصا في موضع الاحتياط لكون رفع الصوت بالتكبير بدعة إلا في موضع ثبت بالشرع وأبو يوسف ومحمد احتجا بقوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات وهي أيام التشريق فكان التكبير فيها واجبا ولأن التكبير شرع لتعظيم أمر المناسك وأمر المناسك إنما ينتهي بالرمي فيمتد التكبير ( ( ( بالتكبير ) ) ) إلى آخر وقت الرمي ولأن الأخذ بالأكثر من باب الاحتياط لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في هذا ولأن يأتي بما ليس عليه أولى من أن يترك ما عليه بخلاف تكبيرات العيد حيث لم نأخذ هناك بالأكثر لأن الأخذ بالاحتياط عند تعارض الأدلة وهناك ترجح قول ابن مسعود لما نذكر في موضعه والأخذ بالراجح أولى وههنا لا رجحان بل استوت مذاهب الصحابة رضي الله عنهم في الثبوت وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الأخذ بالاحتياط لأبي ( ( ( ولأبي ) ) ) حنيفة أن رفع الصوت بالتكبير بدعة في الأصل لأنه ذكر والسنة في الأذكار المخافتة لقوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية ولقول النبي صلى الله عليه وسلم خير الدعاء الخفي ولذا هو أقرب إلى التضرع والأدب وأبعد عن الرياء فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص جاء المخصص للتكبير من يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر وهو قوله تعالى ويذكروا اسم الله في أيام معلومات وهي عشر ذي الحجة والعمل بالكتاب واجب إلا فيما خص بالإجماع وانعقد الإجماع فيما قبل يوم عرفة أنه ليس بمراد ولا إجماع في يوم عرفة ويوم النحر فوجب العمل بظاهر الكتاب عند وقوع الشك في الخصوص