Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
ولو قال المدعي لا بينة لي أو بينتي غائبة أو خارج المصر لا يحبس بالإجماع لعدم التهمة فإن قامت البينة للمقذوف على القذف أو أقر القاذف به فإن القاضي يقول له أقم البينة على صحة قذفك فإن أقام أربعة من الشهود على معاينة الزنا من المقذوف أو على إقراره بالزنا سقط الحد عن القاذف ويقام حد الزنا على المقذوف وإن عجز عن إقامة البينة يقيم حد القذف على القاذف لقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة وإن طلب التأجيل من القاضي وقال شهودي غيب أو خارج المصر لم يؤجله ولو قال شهودي في المصر أجله إلى آخر المجلس ولازمه المقذوف ويقال له ابعث أحدا إلى شهودك فأحضرهم ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما يؤجل يومين أو ثلاثة ويؤخذ منه الكفيل وجه قولهما أنه يحتمل أن يكون صادقا في إخباره أن له بينة في المصر وربما لا يمكنه الإحضار في ذلك الوقت فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني وأخذ الكفيل لئلا يفوت حقه عسى ولأبي حنيفة رحمه الله أن في التأجيل إلى آخر المجلس الثاني منعا من استيفاء الحد بعد ظهوره وهذا لا يجوز بخلاف التأخير إلى آخر المجلس لأن ذلك القدر لا يعد تأجيلا ولا منعا من استيفاء الحد بعد ظهوره وروي عن محمد رحمه الله أنه إذا ادعى أن له بينة حاضرة في المصر ولم يجد أحدا يبعثه إلى الشهود فإن القاضي يبعث معه من الشرط من يحفظه ولا يتركه حتى يقر فإن لم يجد ضرب الحد ولو ضرب بعض الحد ثم أقام القاذف البينة على صدق مقالته قبلت بينته وسقطت بينة الجلدات ولا تبطل شهادته ويقام حد الزنا على المقذوف كما لو أقامها قبل أن يضرب الحد أصلا ولو ضرب الحد بتمامه ثم أقام البينة على زنا المقذوف قبلت بينته ويظهر أثر القبول في جواز شهادة القاذف وأن لا يصير مردود الشهادة لأنه تبين أنه لم يكن محدودا في القذف حقيقة حيث تبين أن المقذوف لم يكن محصنا لأن من شرائط الإحصان العفة عن الزنا وقد ظهر زناه بشهادة الشهود فلم يصر القاذف مردود الشهادة ولا يظهر أثر قبول هذه الشهادة في إقامة حد الزنا على المقذوف لأن معنى القذف قد تقرر بإقامة الحد على القاذف ولو قذف رجلا فقال يا ابن الزانية ثم ادعى القاذف أن أم المقذوف أمة أو نصرانية والمقذوف يقول هي حرة مسلمة فالقول قول القاذف وعلى المقذوف إقامة البينة على الحرية والإسلام وكذلك لو قذف إنسانا في نفسه ثم ادعى القاذف أن المقذوف عبد فالقول قول القاذف وكذلك لو قال القاذف أنا عبد وعلي حد العبد وقال المقذوف أنت حر فالقول قول القاذف لأن الظاهر وإن كان هو الحرية والإسلام لأن دار الإسلام دار الأحرار لكن الظاهر لا يصلح للإلزام على الغير فلا بد من الإتيان بالبينة وروي عن أبي يوسف فيمن قذف أم رجل فإن كان القاضي يعرف أمه حرة مسلمة جلد القاذف لأن الحرية والإسلام يثبتان بالبينة فعلم القاضي أولى لأنه فوق البينة لأن الحرية والإسلام من شرائط الإحصان والإحصان شرط الوجوب والقاضي يقضي بعلمه بسبب وجوب هذا الحد فلأن يقضي بعلمه بشرط الوجوب أولى فإن لم يعلم القاضي حبسه في السجن حتى يأتي بالبينة لأنه ظهر منه القذف وأنه يوجب العقوبة سواء كان المقذوف أمه حرة أو أمة فجاز أن يستوثق منه بالحبس وإن لم تقم بينته أخذ منه كفيلا أو أخرجه وأخذ الكفيل على مذهبه فأما على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فلا يؤخذ الكفيل على ما بينا ولا يعزره لأن التعزير من القاضي حكم بإبطال إحصان المقذوف لأن قذف المحصن يوجب الحد لا التعزير ولا يجوز الحكم بإبطال الإحصان
ولو شهد شاهدان على القذف واختلفا في مكان القذف أو زمانه بأن شهد أحدهما أنه قذف في مكان كذا وشهد الآخر أنه قذف في مكان آخر أو شهد أحدهما أنه قذف يوم الخميس وشهد الآخر أنه قذف يوم الجمعة قبلت شهادتهما ووجب الحد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما لا تقبل وجه قولهما أنهما شهدا بقذفين مختلفين لأن القذف في هذا المكان والزمان يخالف القذف في مكان آخر وزمان آخر فقد شهد كل واحد منهما بقذف غير القذف الذي شهد به الآخر وليس على أحدهما شهادة شاهدين فلا يثبت ولأبي حنيفة رحمه الله أن اختلاف مكان القذف وزمانه لا يوجب اختلاف القذف لجواز أنه كرر القذف الواحد في مكانين وزمانين لأن القذف من باب الكلام والكلام مما يحتمل التكرار والإعادة والمعاد عين الأول حكما وإن كان غيره حقيقة فكان القذف واحدا فقد اجتمع عليه شهادة شاهدين وإن اتفقا في المكان والزمان واختلفا في الإنشاء والإقرار بأن شهد أحدهما أنه قذفه في هذا المكان يوم الجمعة وشهد الآخر أنه قذفه في هذا المكان يوم الجمعة لا تقبل ولا حد عليه في قولهم جميعا استحسانا والقياس أن تقبل ويحد وجه القياس أن اختلاف كلامهما في الإنشاء والإقرار لا يوجب اختلاف القذف كما إذا شهد أحدهما بإنشاء البيع والآخر بالإقرار به أنه تقبل شهادتهما كذا هذا وجه الاستحسان أن الإنشاء مع الإقرار أمران مختلفان حقيقة لأن الإنشاء إثبات أمر لم يكن والإقرار إخبار عن أمر كان فكانا مختلفين حقيقة فكان المشهود به مختلفا وليس على أحدهما شاهدين ( ( ( شاهدان ) ) ) فلا تقبل ونظيره من قال لامرأته زنيت قبل أن أتزوجك فعليه اللعان لا الحد ولو قال لها قذفتك بالزنا قبل أن أتزوجك فعليه الحد لا اللعان لأن قوله زنيت إنشاء القذف فكان قاذفا لها للحال وهي للحال زوجته وقذف الزوج يوجب اللعان لا الحد وقوله قذفتك بالزنا إقرار منه بقذف كان منه قبل التزوج وهي كانت أجنبية قبل التزوج وقذف الأجنبية يوجب الحد لا اللعان والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها فنقول ولا قوة إلا بالله تعالى المقذوف لا يخلو إما أن يكون حيا وقت القذف وإما أن يكون ميتا فإن كان حيا فلا خصومة لأحد سواه وإن كان ولده أو والده وسواء كان حاضرا أو غائبا لأنه إذا كان حيا وقت القذف كان هو المقذوف صورة ومعنى بإلحاق العار به فكان حق الخصومة له وهل تجوز الإنابة في هذه الخصومة وهو التوكيل بالإثبات بالبينة اختلف أصحابنا فيه عندهما يجوز وقال أبو يوسف لا يجوز والمسألة مرت في كتاب الوكالة ولا يجوز التوكيل فيه بالاستيفاء عندنا خلافا للشافعي رحمه الله والمراد بذلك أن حضرة المقذوف بنفسه شرط جواز الاستيفاء عندنا وعنده ليس بشرط وتقوم حضرة الوكيل مقام حضرته على أن هذا الحد عنده حد المقذوف على الخلوص فتجري فيه النيابة في الإثبات والاستيفاء جميعا ولنا أن الاستيفاء عند غيبة الموكل بنفسه استيفاء مع الشبهة لجواز أنه لو كان حاضرا لصدق القاذف في قذفه والحدود لا تستوفى مع الشبهات ولو كان المقذوف حيا وقت القذف ثم مات قبل الخصومة أو بعدها سقط الحد عندنا خلافا للشافعي بناء على أن حد القذف لا يورث عندنا وعنده يورث وستأتي المسألة في موضعها هذا إذا كان حيا وقت القذف
وأما إذا كان ميتا فلا خلاف في أن لولده ذكرا كان أو أنثى ولابن ابنه وبنت ابنه وإن سفلوا ولوالده وإن علا أن يخاصم القاذف في القذف لأن معنى القذف هو إلحاق العار بالمقذوف والميت ليس بمحل لإلحاق العار به فلم يكن معنى القذف راجعا إليه بل إلى فروعه وأصوله لأنه يلحقهم العار بقذف الميت لوجود الجزئية والبعضية وقذف الإنسان يكون قذفا لأجزائه فكان القذف بهم من حيث المعنى فيثبت لهم حق الخصومة لدفع العار عن أنفسهم بخلاف ما إذا كان المقذوف حيا وقت القذف ثم مات إنه ليس للولد والوالد حق الخصومة بل يسقط لأن القذف أضيف إليه وهو كان محلا قابلا للقذف صورة ومعنى بإلحاق العار به فانعقد القذف موجبا حق الخصومة له خاصة فلو انتقل إلى ورثته لانتقل إليهم بطريق الإرث وهذا الحد لا يحتمل الإرث لما نذكر فسقط ضرورة ولا خلاف في أن الأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات لا يملكون الخصومة لأن العار لا يلحقهم لانعدام الجزئية والبعضية فالقذف لا يتناولهم لا صورة ولا معنى وكذا ليس لمولى العتاقة ولاية الخصومة لأن القذف لم يتناوله صورة ومعنى بإلحاق العار به واختلف أصحابنا رضي الله عنهم في أولاد البنات أنهم هل يملكون الخصومة عندهما يملكون وعند محمد لا يملكون وجه قوله أن ولد البنت ينسب إلى أبيه لا إلى جده فلم يكن مقذوفا معنى بقذف جده ولهما أن معنى الولاد موجود والنسبة الحقيقية ثابتة بواسطة أمه فصار مقذوفا معنى فيملك الخصومة وهل يراعى فيه الترتيب بتقديم الأقرب على الأبعد قال أصحابنا رضي الله عنهم الثلاثة لا يراعى والأقرب والأبعد سواء فيه حتى كان لابن الابن أن يخاصم فيه مع قيام الابن الصلبي وعند زفر رحمه الله يراعى فيه الترتيب وتثبت للأقرب فالأقرب وليس للأبعد حق الخصومة والمطالبة بالقذف لإلحاق العار بالمخاصم ولا شك أن عار الأقرب يزيد على الأبعد فكان أولى بالخصومة ولنا أن هذا الحق ليس يثبت بطريق الإرث على معنى أنه يثبت الحق للميت ثم ينتقل إلى الورثة بل يثبت لهم ابتداء لا بطريق الانتقال من الميت إليهم لما ذكرنا أن الميت بالموت خرج عن احتمال لحوق العار به فلم يكن ثبوت الحق لهم بطريق الإرث فلا يراعى فيه الأقرب والأبعد وكذا لا يراعى فيه إحصان المخاصم بل الشرط إحصان المقذوف عند أصحابنا الثلاثة حتى لو كان الولد أو الوالد عبدا أو ذميا فله حق الخصومة وقال زفر رحمه الله إحصان المخاصم شرط وليس للعبد ولا الكافر أن يخاصم وجه قوله أن إثبات حق الخصومة له لصيرورته مقذوفا معنى بإضافة القذف إلى الميت ولو أضيف إليه القذف ابتداء لا يجب الحد فههنا أولى ولنا أن الحد لا يجب لعين القذف بل للحوق عار كامل بالمقذوف وإن كان الميت محصنا فقد لحق الولد عار كامل فلا يشترط إحصانه لأن اشتراطه للحوق عار كامل به وقد لحقه بدونه ولو كان الوارث قتله حتى حرم الميراث فله أن يخاصم لما ذكرنا أن هذا الحق لا يثبت بطريق الإرث ولو قذف رجل أم ابنه وهي ميتة فليس للولد أن يخاصم أباه لأن الأب لو قذف ولده وهو حي محصن ليس للولد أن يخاصم أباه تعظيما له ففي قذف الأم الميتة أولى وكذلك المولى إذا قذف أم عبده وهي حرة ميتة فليس للعبد أن يخاصم مولاه في القذف لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء والله تعالى أعلم فصل وأما صفات الحدود فنقول وبالله التوفيق لا خلاف في حد الزنا والشرب والسكر والسرقة أنه لا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعدما ثبت بالحجة لأنه حق الله تعالى خالصا لا حق للعبد فيه فلا يملك إسقاطه وكذا يجري فيه التداخل حتى لو زنا مرارا أو شرب الخمر مرارا أو سكر مرارا لا يجب عليه إلا حد واحد لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر وأنه يحصل بحد واحد فكان في الثاني والثالث احتمال عدم حصول المقصود فكان فيه احتمال عدم الفائدة ولا يجوز إقامة الحد مع احتمال عدم الفائدة
ولو زنا أو شرب أو سكر أو سرق فحد ثم زنا أو شرب أو سرق يحد ثانيا لأنه تبين أن المقصود لم يحصل وكذا إذا سرق سرقات من أناس مختلفة فخاصموا جميعا فقطع لهم كان القطع عن السرقات كلها والكلام في الضمان نذكره في كتاب السرقة إن شاء الله تعالى وأما حد القذف إذا ثبت بالحجة فكذلك عندنا لا يجوز العفو عنه والإبراء والصلح وكذلك إذا عفا المقذوف قبل المرافعة أو صالح على مال فذلك باطل ويرد بدل ( ( ( به ) ) ) الصلح وله أن يطالبه بعد ذلك وعند الشافعي رحمه الله يصح ذلك كله وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله وكذا يجري فيه التداخل عندنا حتى لو قذف إنسانا بالزنا بكلمة أو قذف كل واحد بكلام على حدة لا يجب عليه إلا حد واحد سواء حضروا جميعا أو حضر واحد وقال الشافعي رحمه الله إذا قذف كل واحد بكلام على حدة فعليه لكل واحد حد على حدة ولو ضرب القاذف تسعة وسبعين سوطا ثم قذف آخر ضرب السوط الأخير فقط عندنا وعنده يضرب السوط الأخير للأول وثمانين سوطا آخر للثاني ولو قذف رجلا فحد ثم قذف آخر يحد للثاني بلا خلاف وكذا هذا الحد لا يورث عند أصحابنا رضي الله عنهم وعندهم يورث ويقسم بين الورثة على فرائض الله عز شأنه في قول وفي قول يقسم بين الورثة إلا الزوج والزوجة والكلام في هذا الفرع بناء على أصل مختلف بيننا وبينه وهو أن حد القذف خالص حق الله سبحانه وتعالى أو المغلب فيه حقه وحق العبد مغلوب عندنا وعنده هو حق العبد أو المغلب حق العبد وجه قوله أن سبب وجوب هذا الحد هو القذف والقذف جناية على عرض المقذوف بالتعرض وعرضه حقه بدليل أن بدل نفسه حقه وهو القصاص في العمد أو الدية في الخطأ فكان البدل حقه والجزاء الواجب على حق الإنسان حقه كالقصاص والدليل عليه أنه يشترط فيه الدعوى والدعوى لا تشترط في حقوق الله تبارك وتعالى كسائر الحقوق إلا أنه لم يفوض استيفاؤه إلى المقذوف لأجل التهمة لأن ضرب القذف أخف الضربات في الشرع فلو فوض إليه إقامة هذا الحد فربما يقيمه على وجه الشدة لما لحقه من الغيظ بسبب القذف ففوض استيفاؤه إلى الإمام دفعا للتهمة لا لأنه حق الله تعالى عز شأنه ولنا أن سائر الحدود إنما كانت حقوق الله تبارك وتعالى على الخلوص لأنها وجبت لمصالح العامة وهي دفع فساد يرجع إليهم ويقع حصول الصيانة لهم فحد الزنا وجب لصيانة الإبضاع عن التعرض وحد السرقة وقطع الطريق وجب لصيانة الأموال والأنفس عن القاصدين وحد الشرب وجب لصيانة الأنفس والأموال والأبضاع في الحقيقة بواسطة صيانة العقول عن الزوال والاستتار بالسكر وكل جناية يرجع فسادها إلى العامة ومنفعة جزائها يعود إلى العامة كان الجزاء الواجب بها حق الله عز شأنه على الخلوص تأكيدا للنفع والدفع كيلا يسقط بإسقاط العبد وهو معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله تبارك وتعالى وهذا المعنى موجود في حد القذف لأن مصلحة الصيانة ودفع الفساد يحصل للعامة بإقامة هذا الحد فكان حق الله عز شأنه على الخلوص كسائر الحدود إلا أن الشرع شرط فيه الدعوى من المقذوف وهذا لا ينفي كونه حقا لله تعالى عز شأنه على الخلوص كحد السرقة أنه خالص حق الله عز شأنه وإن كانت الدعوى من المسروق منه شرطا ثم نقول إنما شرط فيه الدعوى وإن كان خالص حق الله تعالى عز اسمه لأن المقذوف يطالب القاذف ظاهرا وغالبا دفعا للعار عن نفسه فيحصل ما هو المقصود من شرع الحد كما في السرقة ولأن حقوق العباد تجب بطريق المماثلة إما صورة ومعنى وإما معنى لا صورة لأنها تجب بمقابلة المحل جبرا والجبر لا يحصل إلا بالمثل ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى فلا يكون حقه وأما حقوق الله سبحانه وتعالى فلا يعتبر فيها المماثلة لأنها تجب جزاء للفعل كسائر الحدود
ولنا أيضا دلالة الإجماع من وجهين أحدهما أن ولاية الاستيفاء للإمام بالإجماع ولو كان حق المقذوف لكان ولاية الاستيفاء له كما في القصاص والثاني أنه يتنصف برق القاذف وحق الله تعالى هو الذي يحتمل التنصيف بالرق لا حق العبد لأن حقوق الله تعالى تجب جزاء للفعل والجزاء يزداد بزيادة الجناية وينتقص بنقصانها والجناية تتكامل بكمال حال الجاني وتنتقص بنقصان حاله فأما حق العبد فإنه يجب بمقابلة المحل ولا يختلف باختلاف حال الجاني وإذا ثبت أن حد القذف حق الله تعالى خالصا أو المغلب فيه حقه فنقول لا يصح العفو عنه لأن العفو إنما يكون من صاحب الحق ولا يصح الصلح والاعتياض لأن الاعتياض عن حق الغير لا يصح ولا يجري فيه الإرث لأن الإرث إنما يجري في المتروك من ملك أو حق للمورث على ما قال عليه الصلاة والسلام من ترك مالا أو حقا فهو لورثته ولم يوجد شيء من ذلك فلا يورث ولا يجري فيه التداخل لما ذكرنا والله أعلم فصل وأما بيان مقدار الواجب منها فمقدار الواجب في حد الزنا إذا لم يكن الزاني محصنا مائة جلدة إن كان حرا وإن كان مملوكا فخمسون لقوله عز شأنه فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ولأن العقوبة على قدر الجناية والجناية تزداد بكمال حال الجاني وتنتقص بنقصان حاله والعبد أنقص حالا من الحر لاختصاص الحر بنعمة الحرية فكانت جنايته أنقص ونقصان الجناية يوجب نقصان العقوبة لأن الحكم يثبت على قدر العلة هذا أمر معقول إلا أن التنقيص بالتنصيف في غيره من المقادير ثبت شرعا بقوله تعالى جل شأنه فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وفي حد الشرب والسكر والقذف ثمانون في الحر وأربعون في العبد لما قلنا وفي حد السرقة لا يختلف قدر الواجب بالرق والحرية لعموم قوله تبارك وتعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ولا يختلف بالذكورة والأنوثة في شيء من الحدود والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها ومنها ما يخص البعض دون البعض أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة وهو أن يكون المقيم للحد هو الإمام أو من ولاه الإمام وهذا عندنا وعند الشافعي هذا ليس بشرط وللرجل أن يقيم الحد على مملوكه إذا ظهر الحد عنده بالإقرار أربعا عندنا ومرة عنده وبالمعاينة بأن رأى عبده زنى بأجنبية ولو ظهر عنده بالشهود بأن شهدوا عنده والمولى من أهل القضاء فله فيه قولان وكذا في إقامة المرأة الحد على مملوكها وإقامة المكاتب الحد على عبد من أكسابه له فيه قولان احتج بما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم وهذا نص وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها فإن عادت فليجلدها فإن عادت فليجلدها فإن عادت فليبعها ولو بضفير أي بحبل وهذا أيضا نص في الباب ولأن السلطان إنما ملك الإقامة لتسلطه على الرعية وتسلط المولى على مملوكه فوق تسلط السلطان على رعيته ألا ترى أنه يملك الإقرار عليه بالدين ويملك عليه التصرفات والإمام لا يملك شيئا من ذلك فلما ثبت الجواز للسلطان فالمولى أولى ولهذا ملك إقامة التعزير عليه كذا الحد ولنا أن ولاية إقامة الحدود ثابتة للإمام بطريق التعيين والمولى لا يساويه فيما شرع له بهذه الولاية فلا يثبت له ولاية الإقامة استدلالا بولاية إنكاح الصغار والصغائر لأنها لما ثبتت للأقرب لم تثبت لمن لا يساويه فيما شرع له الولاية وهو الأبعد
وبيان ذلك أن ولاية إقامة الحد إنما ثبتت للإمام لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم لأن القضاة يمتنعون من التعرض خوفا من إقامة الحد عليهم والمولى لا يساوي الإمام في هذا المعنى لأن ذلك يقف على الإمامة والإمام قادر على الإقامة لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهرا وجبرا ولا يخاف تبعة الجناة وأتباعهم لانعدام المعارضة بينهم وبين الإمام وتهمة الميل والمحاباة والتواني عن الإقامة منتفية في حقه فيقيم على وجهها فيحصل الغرض المشروع له الولاية بيقين وأما المولى فربما يقدر على الإقامة نفسها وربما لا يقدر لمعارضة العبد إياه ولأنه رقباني مثله يعارضه فيمنعه عن الإقامة خصوصا عند خوف الهلاك على نفسه فلا يقدر على الإقامة وكذا المولى يخاف على نفسه وماله من العبد الشرير لو قصد إقامة الحد عليه أن يأخذ بعض أمواله ويقصد إهلاكه ويهرب منه فيمتنع عن الإقامة ولو قدر على الإقامة فقد يقيم وقد لا يقيم لما في الإقامة من نقصان قيمته بسبب عيب الزنا والسرقة أو يخاف سراية الجلدات إلى الهلاك والمرء مجبول على حب المال ولو أقام فقد يقيم على الوجه وقد لا يقيم على الوجه بل من حيث الصورة فلا يحصل الزجر فثبت أن المولى لا يساوي الإمام في تحصيل ما شرع له إقامة الحد فلا يزاحمه في الولاية بخلاف التعزير من وجهين أحدهما أن التعزير هو التعيير ( ( ( التغيير ) ) ) والتوبيخ وذلك غير مقدر فقد يكون بالحبس وقد يكون برفع الصوت وتعبيس الوجه وقد يكون بضرب أسواط على حسب الجناية وحال الجاني لما نذكره في موضعه والمولى يساوي الإمام في هذا لأنه من باب التأديب فله قدرة التأديب والعبد ينقاد لمثله للمولى ولا يعارضه فالمولى أيضا لا يمتنع عن هذا القدر من الإيلام لأنه لا يوجب نقصانا في مالية العبد ولا تعيينا ( ( ( تعييبا ) ) ) فيه بخلاف الحد والثاني أن في التعزير ضرورة ليست في الحد لأن أسباب التعزير مما يكثر وجودها فيحتاج المولى إلى أن يعزر مملوكه في كل يوم وفي كل ساعة وفي الرفع إلى الإمام في كل حين وزمان حرج عظيم على الموالي ففوضت إقامة الحد إلى الموالي شرعا أو صار المولى مأذونا في ذلك من جهة الإمام دلالة وصار نائبا عن الإمام فيه ولا حرج في الحد لأنه لا يكثر وجوده لانعدام كثرة أسباب وجوبه وأما الحديثان فيحتمل أن يكون خطابا لقوم معلومين علم عليه الصلاة والسلام منهم من طريق الوحي أنهم يقيمون الحدود من غير تقصير مثل الأمير والسلطان ويحتمل أن يكون ذلك خطابا للأئمة في حق عبيدهم والتخصيص للترغيب في إقامة الحد لما أن الأئمة والسلاطين لا يباشرون الإقامة بأنفسهم عادة بل يفوضونها إلى الحكام والمحتسبين وقد يجيء منهم في ذلك تقصير ويحتمل الإقامة بطريق التسبب بالسعي لرفع ذلك إلى الإمام بطريق الحسبة وتخصيص المولى للترغيب لهم في الإقامة لاحتمال الميل والتقصير في ذلك ويحتمل أن يكون المراد من الحد المذكور في الحديث التعزير لوجود معنى الحد فيه وهو المنع فلا يصح الاحتجاج بهما مع الاحتمال والله تعالى أعلم وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع بنفسه لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام ولا يمكنه الذهاب إليها وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم فلو لم يجز الاستخلاف لتعطلت الحدود وهذا لا يجوز ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يجعل إلى الخلفاء تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود ثم الاستخلاف نوعان تنصيص وتولية أما التنصيص فهو أن ينص على إقامة الحدود فيجوز للخليفة إقامتها بلا شك وأما التولية فعلى ضربين عامة وخاصة فالعامة هي أن يولي رجلا ولاية عامة مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص عليها لأنه لما قلده إمارة ذلك البلد فقد فوض إليه القيام بمصالح المسلمين وإقامة الحدود معظم مصالحهم فيملكها والخاصة هي أن يولي رجلا ولاية خاصة مثل جباية الخراج ونحو ذلك فلا يملك إقامة الحدود لأن هذه التولية لم تتناول إقامة الحدود
ولو استعمل أمير على الجيش الكبير فإن كان أمير مصر أو مدينة فغزا بجنده فإنه يملك إقامة الحدود في معسكره لأنه كان يملك الإقامة في بلده فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك فيهم قبل الخروج وأما من أخرجه أمير البلد غازيا فما كان يملك إقامة الحد عليهم قبل الخروج وبعد الخروج لم يفوض إليه الإقامة فلا يملك الإقامة والإمام العدل له أن يقيم الحدود وينفذ القضاء في معسكره كما له أن يفعل ذلك في المصر لأن للإمام ولاية على جميع دار الإسلام ثابتة وكذا إذا استعمل قاضيا له أن يفعل ذلك في المعسكر لأنه نائب الإمام والله تعالى أعلم وأما الذي يخص البعض دون البعض فمنها البداية من الشهود في حد الرجم إذا ثبت بالشهادة حتى لو امتنع الشهود عن البداية أو ماتوا أو غابوا كلهم أو بعضهم لا يقام الرجم على المشهود عليه وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف استحسانا وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنها ليست بشرط ويقام الرجم على المشهود عليه وهو قول الشافعي رحمه الله وهو القياس وجه القياس أن الشهود فيما وراء الشهادة وسائر الناس سواء ثم لا تشترط البداية من أحد منهم فكذا من الشهود ولأن الرجم أحد نوعي الحد فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجلد والبداية من الشهود ليست بشرط فيه كذا في الرجم ولنا ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال يرجم الشهود أولا ثم الإمام ثم الناس وكلمة ثم للترتيب وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون إجماعا ولأن في اعتبار الشرط احتياطا في درىء ( ( ( درء ) ) ) الحد لأن الشهود إذا بدؤا ( ( ( بدءوا ) ) ) بالرجم ربما استعظموا فعله فيحملهم ذلك على الرجوع عن الشهادة فيسقط الحد عن المشهود عليه بخلاف الجلد لأنا إنما عرفنا البداية شرطا استحسانا بالأثر فيسقط الحد عليه والأثر ورد في الرجم خاصة فيبقى أمر الجلد على أصل القياس ولأن الجلد لا يحسنه كل أحد ففوض استيفاؤه إلى الأئمة بخلاف الرجم والله تعالى أعلم ومنها أهلية أداء الشهادة للشهود عند الإقامة في الحدود كلها حتى لو بطلت الأهلية بالفسق أو الردة أو الجنون أو العمى أو الخرس أو حد القذف بأن فسق الشهود أو ارتدوا أو جنوا أو عموا أو خرسوا أو ضربوا حد القذف كلهم أو بعضهم لا يقام الحد على المشهود عليه لأن اعتراض أسباب الجرح على الشهادة عند إمضاء الحد بمنزلة اعتراضها عند القضاء به واعتراضها عند القضاء يبطل الشهادة فكذا عند الإمضاء في باب الحدود عن القضاء وأما موت الشهود وغيبتهم عند الإقامة فلا يمنعان من الإقامة في سائر الحدود إلا الرجم حتى لو ماتوا كلهم أو غابوا كلهم أو بعضهم يقام الحد على المشهود عليه إلا الرجم لأنهما ليسا من أسباب الجرح لأن أهلية الشهادة لا تبطل بالموت والغيبة بل تتناهى وتتقرر وتختم بها العدالة على وجه لا يحتمل الجرح وفي حد الرجم إنما يمنعان الإقامة لا لأنهما يجرحان في الشهادة بل لأن البداية من الشهود شرط جواز الإقامة ولم توجد وروي عن محمد في الشهود إذا كانوا مقطوعي الأيدي أو بهم مرض لا يستطيعون الرمي أن الإمام يرمي ثم الناس وجعل قطع اليد أو المرض عذرا في فوات البداية ولم يجعل الموت عذرا فيه وإن ثبت الرجم بالإقرار يبدأ به الإمام ثم الناس والله تعالى أعلم
ومنها أن لا يكون في إقامة الجلدات خوف الهلاك لأن هذا الحد شرع زاجرا لا مهلكا فلا يجوز الإقامة في الحر الشديد والبرد الشديد لما في الإقامة فيهما من خوف الهلاك ولا يقام على مريض حتى يبرأ لأنه يجتمع عليه وجع المرض وألم الضرب فيخاف الهلاك ولا يقام على النفساء حتى ينقضي النفاس لأن النفاس نوع مرض ويقام على الحائض لأن الحيض ليس بمرض ولا يقام على الحامل حتى تضع وتطهر من النفاس لأن فيه خوف هلاك الولد والوالدة ويقام الرجم في هذا كله إلا على الحامل لأن ترك الإقامة في هذه الأحوال للاحتراز عن الهلاك والرجم حد مهلك فلا معنى للاحتراز عن الهلاك فيه إلا أنه لا يقام على الحامل لأن فيه إهلاك الولد بغير حق ولا يجمع الضرب في عضو واحد لأنه يفضي إلى تلف ذلك العضو أو إلى تمزيق جلده وكل ذلك لا يجوز بل يفرق الضرب على جميع الأعضاء من الكتفين والذراعين والعضدين والساقين والقدمين إلا الوجه والفرج والرأس لأن الضرب على الفرج مهلك عادة وقد روي عن سيدنا علي رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله أنه قال اتق وجهه ومذاكيره والضرب على الوجه يوجب المثلة وقد نهى رسول الله عن المثلة والرأس مجمع الحواس وفيه العقل فيخاف من الضرب عليه فوات العقل أو فوات بعض الحواس وفيه إهلاك الذات من وجه وقال أبو يوسف رحمه الله أيضا لا يضرب الصدر والبطن ويضرب الرأس سوطا أو سوطين أما الصدر والبطن فلأن فيه خوف الهلاك وأما الرأس فلقول سيدنا عمر رضي الله عنه اضربوا الرأس فإن فيه شيطانا والجواب أن الحديث ورد في قتل أهل الحرب خصوصا قوما كانوا بالشأم يحلقون أوساط رؤوسهم ثم تفريق الضرب على الأعضاء مذهبنا وقال الشافعي عليه الرحمة يضرب كله على الظهر وهذا ليس بسديد لأن المأمور به هو الجلد وأنه مأخوذ من ضرب الجلد والضرب على عضو واحد ممزق للجلد وبعد تمزيق الجلد لا يمكن الضرب على الجلد بعد ذلك ولأن في الجمع على عضو واحد خوف الهلاك وهذا الحد شرع زاجرا لا مهلكا والله سبحانه وتعالى أعلم وأما كيفية إقامة الحدود فأما حد الرجم فلا ينبغي أن يربط المرجوم بشيء ولا أن يمسك ولا أن يحفر له إذا كان رجلا بل يقام قائما لأن ماعزا لم يربط ولم يمسك ولا حفر له ألا يرى أنه روي أنه هرب من أرض قليلة الحجارة إلى أرض كثيرة الحجارة ولو ربط أو مسك أو حفر له لما قدر على الهرب وإن كان المرجوم امرأة فإن شاء الإمام حفر لها وإن شاء لم يحفر أما الحفر فلأنه أستر لها وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام حفر للمرأة الغامدية إلى ثندوتها وأخذ حصاة مثل الحمصة ورماها بها وحفر سيدنا علي رضي الله عنه لسراحة ( ( ( لشراحة ) ) ) الهمذانية إلى سرتها وأما ترك الحفر فلأن الحفر للستر وهي مستورة بثيابها لأنها لا تجرد عند إقامة الحد ولا بأس لكل من رمى أن يتعمد مقتله لأن الرجم حد مهلك فما كان أسرع إلى الهلاك كان أولى إلا إذا كان الرامي ذا رحم محرم من المرجوم فلا يستحب له أن يتعمد مقتله لأنه قطع الرحم من غير ضرورة لأن غيره يكفيه ويغنيه وقد روي أن حنظلة غسيل الملائكة استأذن رسول الله في قتل أبيه أبي عامر وكان مشركا فنهاه عليه الصلاة والسلام عن ذلك وقال دعه يكفيك غيرك وأما حد الجلد فأشد الحدود ضربا حد الزنا ثم حد الشرب ثم حد القذف لأن جناية الزنا أعظم من جناية الشرب والقذف أما من جناية القذف فلا شك فيه لأن القذف نسبة إلى الزنا فكانت دون حقيقة الزنا وأما من جناية الشرب فلأن قبح الزنا ثبت شرعا وعقلا وحرمة نفس الشرب ثبتت شرعا لا عقلا ولهذا كان الزنا حراما في الأديان كلها بخلاف الشرب وكذا الخمر يباح عند ضرورة المخمصة والإكراه ولا يباح الزنا عند الإكراه وغلبة الشبق
وكذا وجوب الجلد في الزنا ثبت بنص الكتاب العزيز المكنون ولا نص في الشرب وإنما استخرجه الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالاجتهاد والاستدلال بالقذف فقالوا إذا سكر هذي وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون وقال سبحانه وتعالى جل شأنه في حد الزنا ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله قيل في التأويل أي بتخفيف الجلدات وإنما كان ضرب القذف أخف الضربين لوجهين أحدهما أن وجوده ثبت بسبب متردد لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقا في قذفه ولا حد عليه والثاني أنه انضاف إليه رد الشهادة على التأبيد فجرى فيه نوع تخفيف ويضرب قائما ولا يمد على العقابين ولا على الأرض كما يفعل في زماننا لأنه بدعة بل يضرب قائما ولا يمد السوط بعد الضرب بل يرفع لأن المد بعد الضرب بمنزلة ضربة أخرى فيكون زيادة على الحد ولا يمد الجلاد يده إلى ما فوق رأسه لأنه يخاف فيه الهلاك أو تمزيق الجلد ولا يضرب بسوط له ثمرة لأن اتصال الثمرة بمنزلة ضربة أخرى فيصير كل ضربة بضربتين فيكون زيادة على القدر المشروع وينبغي أن يكون الجلاد عاقلا بصيرا بأمر الضرب فيضرب ضربة بين ضربتين ليس بالمبرح ولا بالذي لا يوجد فيه مس ويجرد الرجل في حد الزنا ويضرب على إزار واحد لأنه أشد الحدود ضربا ومعنى الشدة لا يحصل إلا بالتجريد وفي حد الشرب يجرد أيضا في الرواية المشهورة وروي عن محمد رحمه الله أنه لا يجرد وجه هذه الرواية أن ضرب الشرب أخف من ضرب الزنا فلا بد من إظهار آية التخفيف وذلك بترك التجريد وجه الرواية المشهورة أنه قد جرى التخفيف فيه مرة في الضرب فلو خفف فيه ثانيا بترك التجريد لا يحصل المقصود من الحد وهو الزجر ولا يجرد في حد القذف بلا خلاف لأن وجوبه بسبب متردد محتمل فيراعى فيه التخفيف بترك التجريد كما روعي في أصل الضرب بخلاف حد الشرب لأن وجوبه ثبت بسبب لا تردد فيه وأما المرأة فلا ينزع عنها ثيابها إلا الحشو والفرو في الحدود كلها لأنها عورة وتضرب قاعدة لأن ذلك أستر لها ويفرق الضرب في الأعضاء كلها لما ذكرنا لأن الجمع في عضو واحد يقع إهلاكا للعضو أو تمزيقا أو تخريقا للجلد وكل ذلك ليس بمشروع فيفرق على الأعضاء كلها إلا الوجه والمذاكير والرأس وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم ولا يقام شيء من ذلك في المسجد لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله قال لا تقام الحدود في المساجد وهذا نص في الباب ولأن تعظيم المسجد واجب وفي إقامة الحدود فيه ترك تعظيمه يؤيده أنا نهينا عن سل السيوف في المساجد قال عليه الصلاة والسلام جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبياعاتكم وأشريتكم وسل سيوفكم تعظيما للمسجد ومعلوم أن سل السيف في ترك التعظيم دون الجلد والرجم فلما كره ذلك فلأن يكره هذا أولى ولأن إقامة الحدود في المسجد لا تخلو عن تلويثه فتجب صيانة المسجد عن ذلك وينبغي أن تقام الحدود كلها في ملأ من الناس لقوله تبارك وتعالى عز اسمه وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين والنص وإن ورد في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون واردا في سائر الحدود دلالة لأن المقصود من الحدود كلها واحد وهو زجر العامة وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة والغيب ينزجرون بإخبار الحضور فيحصل الزجر للكل وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له لأنه لو جاوز لمنعه الناس عن المجاوزة وفيه أيضا دفع التهمة والميل فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد عليه بلا جرم سبق منه والله تعالى الموفق فصل وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه
فالمسقط له أنواع منها الرجوع عن الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر لأنه يحتمل أن يكون صادقا في الرجوع وهو الإنكار ويحتمل أن يكون كاذبا فيه فإن كان صادقا في الإنكار يكون كاذبا في الإقرار وإن كان كاذبا في الإنكار يكون صادقا في الإقرار فيورث شبهة في ظهور الحد والحدود لا تستوفى مع الشهبات ( ( ( الشبهات ) ) ) وقد روي أن ماعزا لما أقر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالزنا لقنه الرجوع فقال عليه الصلاة والسلام لعلك قبلتها لعلك مسستها وقال عليه الصلاة والسلام لتلك المرأة أسرقت قولي لا ما أخالك سرقت وكان ذلك منه عليه الصلاة والسلام تلقينا للرجوع فلو لم يكن محتملا للسقوط بالرجوع ما كان للتلقين معنى وهذا هو السنة للإمام إذا أقر إنسان عنده بشيء من أسباب الحدود الخالصة أن يلقنه الرجوع درءا ( ( ( درأ ) ) ) للحد كما فعل عليه الصلاة والسلام في الزنا والسرقة وسواء رجع قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء أو بعد إمضاء بعض الجلدات أو بعض الرجم وهو حي بعد لما قلنا ثم الرجوع عن الإقرار قد يكون نصا وقد يكون دلالة بأن أخذ الناس في رجمه فهرب ولم يرجع أو أخذ الجلاد في الجلد فهرب ولم يرجع حتى لا يتبع ولا يتعرض له لأن الهرب في هذه الحالة دلالة الرجوع وروي أنه لما هرب ماعز ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلا خليتم سبيله دل أن الهرب دليل الرجوع وأن الرجوع مسقط للحد وكما يصح الرجوع عن الإقرار بالزنا يصح عن الإقرار بالإحصان حتى لو ثبت على الإقرار بالزنا ورجع عن الإقرار بالإحصان يسقط عنه الرجم ويجلد لأن الإحصان شرط صيرورة الزنا علة لوجوب الرجم فيصح الرجوع عنه كما يصح عن الزنا فيبطل الإحصان ويبقى الزنا فيجب الجلد وأما الرجوع عن الإقرار بالقذف فلا يسقط الحد لأن هذا الحد حق العبد من وجه وحق العبد بعدما ثبت لا يحتمل السقوط بالرجوع كالقصاص وغيره ومنها تصديق المقذوف القاذف ( ( ( والقاذف ) ) ) في القذف لأنه لما صدقه فقد ظهر صدقه في القذف ومن المحال أن يحد الصادق على الصدق ولأن حد القذف إنما وجب لدفع عار الزنا وشينه عن المقذوف ولما صدقه في القذف فقد التزم العار بنفسه فلا يندفع عنه بالحد فيسقط ضرورة ومنها تكذيب المقذوف المقر في إقراره بالقذف بأن يقول له إنك لم تقذفني بالزنا لأنه لما كذبه بالقذف فقد كذب نفسه في الدعوى والدعوى شرط ظهور هذا الحد ومنها تكذيب المقذوف حجته على القذف وهي البينة بأن يقول بعد القضاء بالحد قبل الإمضاء شهودي شهدوا بزور لأنه يحتمل أن يكون صادقا في التكذيب فثبت الشبهة ولا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة ومنها تكذيب المزني بها المقر بالزنا قبل إقامة الحد عليه بأن قال رجل زنيت بفلانة فكذبته وأنكرت الزنا وقالت لا أعرفك ويسقط الحد عن الرجل وهذا قولهما وقال محمد لا يسقط كذا ذكر الكرخي رحمه الله الاختلاف وذكر القاضي في شرحه قول أبي يوسف مع قول محمد وجه قوله أن زنا الرجل قد ظهر بإقراره وامتناع الظهور في جانب المرأة لمعنى يخصها وهو إنكارها فلا يمنع الظهور في جانب الرجل ولهما أن الزنا لا يقوم إلا بالفاعل والمحل فإذا لم يظهر في جانبها امتنع الظهور في جانبه هذا إذا أنكرت ولم تدع ( ( ( تدعي ) ) ) على الرجل حد القذف فإن ادعت على الرجل حد القذف يحد حد القذف ويسقط حد الزنا لأنه لا يجب عليه حدان هذا إذا كذبته ولم تدع ( ( ( تدعي ) ) ) النكاح فأما إذا ادعت النكاح والمهر قبل إقامة الحد عليه يسقط الحد عن الرجل بالإجماع لأنه لم يجب عليها للشبهة لاحتمال أن تكون صادقة في دعوى النكاح فتمكنت الشبهة في وجوب الحد عليها
وإذا لم يجب عليها الحد تعدى إلى جانب الرجل فسقط عنه وعليه المهر لأن الوطء لا يخلو عن عقوبة أو غرامة وإن كان دعوى النكاح منها بعد إقامة الحد على الرجل لا مهر لها عليه لأن الوجوب في الفصل الأول لضرورة إقامة الحد ولم توجد وعلى هذا أقرت المرأة بالزنا مع فلان فأنكر الرجل وكذبها أو ادعى النكاح على الاتفاق والاختلاف ولو أقر الرجل بالزنا بفلانة فادعت المرأة الاستكراه يحد الرجل بالاتفاق فرق بين هذا وبين الأول ووجه الفرق أن المرأة في الفصل الأول أنكرت وجود الزنا فلم يثبت الزنا من جانبها فتعدى إلى جانب الآخر وههنا أقرت بالزناد ( ( ( بالزنا ) ) ) لكنها ادعت الشبهة لمعنى يخصها وهو كونها مكرهة فلا يتعدى إلى جانب الرجل والدليل على التفرقة بينهما أنا لو تيقنا بالإكراه يقام الحد على الرجل بالإجماع ولو تيقنا بالنكاح في الفصل الأول لا يقام الحد على الرجل والله تعالى أعلم ومنها رجوع الشهود بعد القضاء قبل الإمضاء لأن رجوعهم يحتمل الصدق والكذب فيورث شبهة والحدود لا تستوفى مع الشبهات وقد ذكرنا الأحكام المتعلقة برجوع الشهود في باب الحدود كلهم أو بعضهم قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء أو بعده بما فيه من الاتفاق والاختلاف في كتاب الرجوع عن الشهادات ومنها بطلان أهلية شهادتهم بعد القضاء قبل الإمضاء بالفسق والردة والجنون والعمى والخرس وحد القذف لما ذكرنا فيما تقدم ومنها موتهم في حد الرجم خاصة في ظاهر الرواية لما ذكرنا أن البداية بالشهود شرط جواز الإقامة وقد فات بالموت على وجه لا يتصور عوده فسقط الحد ضرورة وأما اعتراض ملك النكاح أو ملك اليمين فهل يسقط الحد بأن زنا بامرأة ثم تزوجها أو بجارية ثم اشتراها عن أبي حنيفة رضي الله عنه فيه ثلاث روايات روى محمد رحمه الله عنه أنه لا يسقط وهو قول أبي يوسف ومحمد وروى أبو يوسف عنه أنه يسقط وروى الحسن عنه أن اعتراض الشراء يسقط واعتراض النكاح لا يسقط وجه رواية الحسن أن البضع لا يصير مملوكا للزوج بالنكاح بدليل أنها إذا وطئت بشبهة كان العقر لها والعقر بدل البضع والبدل إنما يكون لمن كان له المبدل فلم يحصل استيفاء منافع البضع من محل مملوك له فلا يورث شبهة وبضع الأمة يصير مملوكا للمولى بالشراء ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان العقر للمولى فحصل الاستيفاء من محل مملوك له فيورث شبهة فصار كالسارق إذا ملك المسروق بعد القضاء قبل الإمضاء وجه رواية أبي يوسف أن المرأة تصير مملوكة للزوج بالنكاح في حق الاستمتاع فحصل الاستيفاء من محل مملوك فيصير شبهة كالسارق إذا ملك المسروق وجه رواية محمد رحمه الله أن الوطء حصل زنا محضا لمصادفته محلا غير مملوك له فحصل موجبا للحد والعارض وهو الملك لا يصلح مسقطا لاقتصاره على حالة ثبوته لأنه يثبت بالنكاح والشراء وكل واحد منهما وجد للحال فلا يستند الملك الثابت به إلى وقت وجود الوطء فبقي الوطء خاليا عن الملك فبقي زنا محضا موجبا للحد بخلاف السارق إذا ملك المسروق لأن هناك وجد المسقط وهو بطلان ولاية الخصومة لأن الخصومة هناك شرط وقد خرج المسروق منه من أن يكون خصما بملك المسروق لذلك ( ( ( ولذلك ) ) ) افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب جارية فزنا ( ( ( فزنى ) ) ) بها فماتت روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أن عليه الحد وقيمة الجارية وروى الحسن عنهما أن عليه القيمة ولا حد عليه وذكر الكرخي أن هذا أصح الروايتين وجه رواية أبي يوسف أن الضمان لا يجب إلا بعد هلاك الجارية وهي بعد الهلاك لا تحتمل الملك فلا يملكها الغاصب بالضمان فلا يمتنع وجوب الحد
وجه رواية الحسن أن الضمان لا يجب بعد الهلاك وإنما يجب في آخر جزء من أجزاء الحياة وهي محتملة لملك ( ( ( للملك ) ) ) في ذلك الوقت فيستند إلى وقت وجود السبب ولأن حياة المحل تشترط لثبوت الملك فيه مقصودا بمبادلة مقصودة والملك ههنا يثبت ضرورة استحالة اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد في عقد المبادلة فلا يشترط له حياة المحل فيثبت الملك في الميت وأن ( ( ( وأنه ) ) ) يمنع وجوب الحد ولو غصب حرة فزنا ( ( ( فزنى ) ) ) بها فماتت فعليه الحد والدية لأن ملك الضمان في الحرة لا يوجب ملك المضمون لأن المحل لا يحتمل التملك فلا يمتنع وجوب الحد بخلاف الأمة والله عز وجل أعلم فصل وأما حكم الحدود إذا اجتمعت فالأصل في أسباب الحدود إذا اجتمعت أن يقدم حق العبد في الاستيفاء على حق الله عز وجل لحاجة العبد إلى الانتفاع بحقه وتعالى الله تعالى عن الحاجات ثم ينظر إن لم يمكن استيفاء حقوق الله تعالى تسقط ضرورة وإن أمكن استيفاؤها فإن كان في إقامة شيء منها إسقاط البواقي يقام ذلك درءا للبواقي لقوله عليه الصلاة والسلام ادرءوا الحدود ما استطعتم وإن لم يكن في إقامة شيء منها إسقاط البواقي يقام الكل جمعا بين الحقين في الاستيفاء وإذا ثبت هذا فنقول إذا اجتمع القذف والشرب والسكر والزنا من غير إحصان والسرقة بأن قذف إنسانا بالزنا وشرب الخمر وسكر من غير الخمر من الأشربة المعهودة وزنى وهو غير محصن وسرق مال إنسان ثم أتى به إلى الإمام بدأ الإمام بحد القذف فيضربه لأنه حق الله عز وجل ( ( ( شأنه ) ) ) من وجه وما سواه حقوق العباد على الخلوص فيقدم استيفاؤه ثم يستوفي حقوق الله تعالى لأنه يمكن استيفاؤها وليس في إقامة شيء منها إسقاط البواقي فلا يسقط ثم إذا ضرب حد القذف يحبس حتى يبرأ من الضرب ثم الإمام بالخيار في البداية إن شاء بدأ بحد الزنا وإن شاء بحد السرقة ويؤخر حد الشرب عنهما لأنهما ثبتا بنص الكتاب العزيز وحد الشرب لم يثبت بنص الكتاب الكريم إنما ثبت بإجماع مبني على الاجتهاد أو على خبر الواحد ولا شك أن الثابت بنص الكتاب آكد ثبوتا ولا يجمع ذلك كله في وقت واحد بل يقام كل واحد منهما بعد ما برأ من الأول لأن الجمع بين الكل في وقت واحد يفضي إلى الهلاك ولو كان من جملة هذه الحدود حد الرجم بأن زنى وهو محصن يبدأ بحد القذف ويضمن السرقة ويرجم ويدرأ عنه ما سوى ذلك لأن حد القذف حق العبد فيقدم في الاستيفاء وفي إقامة حد الرجم إسقاط البواقي فيقام درءا للبواقي لأن الحدود واجبة الدرء ما أمكن فيدرأ إلا أنه يضمن السرقة لأن المال لا يحتمل الدرء وكذا لو كان مع هذه الحدود قصاص في النفس يبدأ بحد القذف ويضمن السرقة ويقتل قصاصا ويدرأ ما سوى ذلك وإنما بدىء بحد القذف دون القصاص الذي هو خالص حق العبد لأن في البداية بالقصاص إسقاط حد القذف ولا سبيل إليه لذلك يبدأ بحد القذف ويقتل قصاصا ويبطل ما سوى ذلك لتعذر الاستيفاء بعد القتل إلا أنه يضمن السرقة لما قلنا ولو كان مع القصاص في النفس قصاص فيما دون النفس يحد حد القذف يقتص ( ( ( ويقتص ) ) ) فيما دون النفس ويقتص في النفس ويلغى ما سوى ذلك ولو لم يكن في الحدود حد القذف ويقتص فيما دون النفس ثم يقتص في النفس ويلغي ما سوى ذلك ولو اجتمعت الحدود الخالصة والقتل يقتص ويلغى ما سوى ذلك لأن تقديم القصاص على الحدود في الاستيفاء واجب ومتى قدم استيفاؤه تعذر استيفاء الحدود فتسقط ضرورة والله تعالى أعلم فصل وأما حكم المحدود فالحد إن كان رجما فإذا قتل يدفع إلى أهله فيصنعون به ما يصنع بسائر الموتى فيغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه ويدفنونه
بهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجم ماعزا فقال عليه الصلاة والسلام اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم وإن كان جلدا فحكم المحدود وغيره سواء في سائر الأحكام من الشهادة وغيرها إلا المحدود في القذف خاصة في أداء الشهادة فإنه تبطل شهادته على التأبيد حتى لا تقبل وإن تاب إلا في الديانات عندنا وعند الشافعي رحمه الله تقبل شهادته بعد التوبة وقد ذكرنا المسألة وفروعها في كتاب الشهادات والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما التعزير فالكلام فيه في مواضع في بيان سبب وجوب التعزير وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان قدره وفي بيان وصفه وفي بيان ما يظهر به أما سبب وجوبه فارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع سواء كانت الجناية على حق الله كترك الصلاة والصوم ونحو ذلك أو على حق العبد بأن آذى مسلما بغير حق بفعل أو بقول يحتمل الصدق والكذب بأن قال له يا خبيث يا فاسق يا سارق يا فاجر يا كافر يا آكل الربا يا شارب الخمر ونحو ذلك فإن قال له يا كلب يا خنزير يا حمار يا ثور ونحو ذلك لا يجب عليه التعزير لأن في النوع الأول إنما وجب التعزير لأنه ألحق العار بالمقذوف إذ الناس بين مصدق ومكذب فعزر دفعا للعار عنه والقاذف في النوع الثاني ألحق العار بنفسه بقذفه غيره بما لا يتصور فيرجع عار الكذب إليه لا إلى المقذوف فصل وأما شرط وجوبه فالعقل فقط فيعزر كل عاقل ارتكب جناية ليس لها حد مقدر سواء كان حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى مسلما أو كافرا بالغا أو صبيا بعد أن يكون عاقلا لأن هؤلاء من أهل العقوبة إلا الصبي العاقل فإنه يعزر تأديبا لا عقوبة لأنه من أهل التأديب ألا ترى إلى ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وذلك بطريق التأديب والتهذيب لا بطريق العقوبة لأنها تستدعي الجناية وفعل الصبي لا يوصف بكونه جناية بخلاف المجنون والصبي الذي لا يعقل لأنهما ليسا من أهل العقوبة ولا من أهل التأديب فصل وأما قدر التعزير فإنه إن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد كما إذا قال لغيره يا فاسق يا خبيث يا سارق ونحو ذلك فالإمام فيه بالخيار إن شاء عزره بالضرب وإن شاء بالحبس وإن شاء بالكهر والاستخفاف بالكلام وعلى هذا يحمل قول سيدنا عمر رضي الله عنه لعبادة بن الصامت يا أحمق إن ذلك كان على سبيل التعزير منه إياه لا على سبيل الشتم إذ لا يظن ذلك من مثل سيدنا عمر رضي الله عنه لا بأحد فضلا عن الصحابي ومن مشايخنا من رتب التعزير على مراتب الناس فقال التعازير على أربعة مراتب تعزير الأشراف وهم الدهاقون والقواد وتعزير أشراف الأشراف وهم العلوية والفقهاء وتعزير الأوساط وهم السوقة وتعزير الأخساء وهم السفلة فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد وهو أن يبعث القاضي أمينه إليه فيقول له بلغني أنك تفعل كذا وكذا وتعزير الأشراف بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخطاب بالمواجهة وتعزير الأوساط الإعلام ( ( ( بالإعلام ) ) ) والجر والحبس وتعزير السفلة الإعلام ( ( ( بالإعلام ) ) ) والجر والضرب والحبس لأن المقصود من التعزير هو الزجر وأحوال الناس في الانزجار على هذه المراتب وإن وجب بجناية في جنسها الحد لكنه لم يجب لفقد شرطه كما إذا قال لصبي أو مجنون يا زاني أو لذمية أو أم ولد يا زانية فالتعزير فيه بالضرب ويبلغ أقصى غاياته وذلك تسعة وثلاثون في قول أبي حنيفة عليه الرحمة وعند أبي يوسف خمسة وسبعون وفي رواية النوادر عنه تسعة وسبعون وقول محمد عليه الرحمة مضطرب ذكره الفقيه أبو الليث رحمه الله
والحاصل أنه لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم أنه لا يبلغ التعزير الحد لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين إلا أن أبا يوسف رحمه الله صرف الحد المذكور في الحديث على الأحرار وزعم أنه الحد الكامل لا حد المماليك لأن ذلك بعض الحد وليس بحد كامل ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب ولأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب وغيرهم ملحق بهم فيه ثم قال في رواية ينقص منها سوط وهو الأقيس لأن ترك التبليغ يحصل به وفي رواية قال ينتقص منها خمسة وروي ذلك أثرا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال يعزر خمسة وسبعين قال أبو يوسف رحمه الله فقلدته في نقصان الخمسة واعتبرت عنه أدنى الحدود وروي عنه أنه قال أخذت كل فرع ( ( ( نوع ) ) ) من بابه وأخذت التعزير في اللمس والقبلة من حد الزنا والقذف بغير الزنا من حد القذف ليكون إلحاق كل نوع ببابه وأبو حنيفة صرفه إلى حد المماليك وهو أربعون لأنه ذكر حدا منكرا فيتناول حدا ما وأربعون حد كامل في المماليك فينصرف إليه ولأن في الحمل على هذا الحد أخذا بالثقة والاحتياط لأن اسم الحد يقع على النوعين فلو حملناه على ما قاله أبو حنيفة يقع الأمن عن وعيد التبليغ لأنه لا يبلغ ولو حملناه على ما قاله أبو يوسف لا يقع الأمن عنه لاحتمال أنه أراد به حد المماليك فيصير مبلغا غير الحد فيلحقه الوعيد فكان الاحتياط فيما قاله أبو حنيفة رحمه الله والله تعالى الموفق فصل وأما صفته فله صفات منها أنه أشد الضرب واختلف المشايخ في المراد بالشدة المذكورة قال بعضهم أريد بها الشدة من حيث الجمع وهي أن يجمع الضربات فيه على عضو واحد ولا يفرق بخلاف الحدود وقال بعضهم المراد منها الشدة في نفس الضرب وهو الإيلام ثم إنما كان أشد الضرب لوجهين أحدهما أنه شرع للزجر المحض ليس فيه معنى تكفير الذنب بخلاف الحدود فإن معنى الزجر فيها يشوبه معنى التكفير للذنب قال عليه الصلاة والسلام الحدود كفارات لأهلها فإذا تمحض التعزير للزجر فلا شك أن الأشد أزجر فكان في تحصيل ما شرع له أبلغ والثاني أنه قد نقص عن عدد الضربات فيه فلو لم يشدد في الضرب لا يحصل المقصود منه وهو الزجر ومنها أنه يحتمل العفو والصلح والإبراء لأنه حق العبد خالصا فتجري فيه هذه الأحكام كما تجري في سائر الحقوق للعباد من القصاص وغيره بخلاف الحدود ومنها أنه يورث كالقصاص وغيره لما قلنا ومنها أنه لا يتداخل لأن حقوق العبد لا تحتمل التداخل بخلاف الحدود ويؤخذ فيه الكفيل إلا أنه لا يحبس لتعديل الشهود أما التكفيل فلأن التكفيل للتوثيق والتعزير حق العبد ( ( ( للعبد ) ) ) فكان التوثيق ملائما له بخلاف الحدود على أصل أبي حنيفة رحمه الله وأما عدم الحبس فلأن الحبس يصلح تعزيرا في نفسه فلا يكون مشروعا قبل تعديل الشهود بخلاف الحدود أنه يحبس فيها لتعديل الشهود لأن الحبس لا يصلح حدا والله تعالى أعلم فصل وأما بيان ما يظهر به فنقول إنه يظهر به سائر حقوق العباد من الإقرار والبينة والنكول وعلم القاضي ويقبل فيه شهادة النساء مع الرجال والشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي كما في سائر حقوق العباد وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله لا يقبل فيه شهادة النساء والصحيح هو الأول لأنه حق العبد على الخلوص فيظهر بما يظهر به حقوق العباد ولا يعمل فيه الرجوع كما لا يعمل في القصاص وغيره بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى والله تعالى عز شأنه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب كتاب السرقة يحتاج لمعرفة مسائل السرقة إلى معرفة ركن السرقة وإلى معرفة شرائط الركن وإلى معرفة ما يظهر به السرقة عند القاضي وإلى معرفة حكم السرقة فصل أما ركن السرقة فهو الأخذ على سبيل الاستخفاء
قال الله تبارك وتعالى إلا من استرق السمع سمى سبحانه وتعالى أخذ المسموع على وجه الاستخفاء استراقا ولهذا يسمى الأخذ على سبيل المجاهرة مغالبة أو نهبة أو خلسة أو غصبا أو انتهابا واختلاسا لا سرقة وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه سئل عن المختلس والمنتهب فقال تلك الدعابة لا شيء فيها وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لا قطع على نباش ولا منتهب ولا خائن ثم الأخذ على وجه الاستخفاء نوعان مباشرة وتسبب أما المباشرة فهو أن يتولى السارق أخذ المتاع وإخراجه من الحرز بنفسه حتى لو دخل الحرز وأخذ متاعا فحمله أو لم يحمله حتى ظهر عليه وهو في الحرز قبل أن يخرجه فلا قطع عليه لأن الأخذ إثبات اليد ولا يتم ذلك إلا بالإخراج من الحرز ولم يوجد وإن رمى به خارج الحرز ثم ظهر عليه قبل أن يخرج هو من الحرز فلا قطع عليه لأن يده ليست بثابتة عليه عند الخروج من الحرز فإن لم يظهر عليه حتى خرج وأخذ ما كان رمى به خارج الحرز يقطع وروي عن زفر رحمه الله أنه لا يقطع وجه قوله أن الأخذ من الحرز لا يتم إلا بالإخراج منه والرمي ليس بإخراج والأخذ من الخارج ليس أخذا من الحرز فلا يكون سرقة ولنا أن المال في حكم يده ما لم تثبت عليه يد غيره فقد وجد منه الأخذ والإخراج من الحرز ولو رمى به إلى صاحب له خارج الحرز فأخذه المرمي إليه فلا قطع على واحد منهما أما الخارج فلأنه لم يوجد منه الأخذ من الحرز وأما الداخل فلأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز لثبوت يد الخارج عليه ولو ناول صاحبا له مناولة من وراء الجدار ولم يخرج هو فلا قطع على واحد منهما عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يقطع الداخل ولا يقطع الخارج إذا كان الخارج لم يدخل يده إلى الحرز وجه قولهما أن الداخل لما ناول صاحبه فقد أقام يد صاحبه مقام يده فكأنه خرج والمال في يده وجه قوله على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة أنه لا سبيل إلى إيجاب القطع على الخارج لانعدام فعل السرقة منه وهو الأخذ من الحرز ولا سبيل إلى إيجابه على الداخل لانعدام ثبوت يده عليه حالة الخروج من الحرز لثبوت يد صاحبه بخلاف ما إذا رمى به إلى السكة ثم خرج وأخذه لأنه لما لم تثبت عليه يد غيره فهو في حكم يده فكأنه خرج به حقيقة وإن كان الخارج أدخل يده في الحرز فأخذه من يد الداخل فلا قطع على واحد منهما في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف أقطعهما جميعا أما عدم وجوب القطع على الداخل على أصل أبي حنيفة رحمه الله فلعدم الإخراج من الحرز يحققه أنه لو أخرج يده وناول صاحبا له لم يقطع فعند عدم الإخراج أولى والوجوب عليه على أصل أبي يوسف رحمه الله لما ذكرنا في المسألة المتقدمة وأما الكلام في الخارج فمبني على مسألة أخرى وهي أن السارق إذا نقب منزلا وأدخل يده فيه وأخرج المتاع ولم يدخل فيه هل يقطع ذكر في الأصل وفي الجامع الصغير أنه لا يقطع ولم يحك خلافا وقال أبو يوسف في الإملاء أقطع ولا أبالي دخل الحرلإ ( ( ( الحرز ) ) ) أو لم يدخل وعلى هذا الخلاف إذا نقب ودخل وجمع المتاع عند النقب ثم خرج وأدخل يده فرفع وجه قوله أن الركن في السرقة هو الأخذ من الحرز فأما الدخول في الحرز فليس بركن ألا ترى أنه لو أدخل يده في الصندوق أو في الجوالق وأخرج المتاع يقطع وإن لم يوجد الدخول ولهما ما روي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال إذا كان اللص ظريفا لم يقطع
قيل وكيف يكون ظريفا قال يدخل يده إلى الدار ويمكنه دخولها ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا ولأن هتك الحرز على سبيل الكمال شرط لأن به تتكامل الجناية ولا يتكامل الهتك فيما يتصور فيه الدخول إلا بالدخول ولم يوجد بخلاف الأخذ من الصندوق والجوالق لأن هتكهما بالدخول متعذر فكان الأخذ بإدخال اليد فيها هتكا متكاملا فيقطع ولو أخرج السارق المتاع من بعض بيوت الدار إلى الساحة لا يقطع ما لم يخرج من الدار لأن الدار مع اختلاف بيوتها حرز واحد ألا ترى أنه إذا قيل لصاحب الدار احفظ هذه الوديعة في هذا البيت فحفظ في بيت آخر فضاعت لم يضمن وكذا إذا أذن لإنسان في دخول الدار فدخلها فسرق من البيت لا يقطع وإن لم يأذن له بدخول البيت دل أن الدار مع اختلاف بيوتها حرز واحد فلم يكن الإخراج إلى صحن الدار إخراجا من الحرز بل هو نقل من بعض الحرز إلى البعض بمنزلة النقل من زاوية إلى زاوية أخرى هذا إذا كانت الدار مع بيوتها لرجل واحد فأما إذا كان كل منزل فيها لرجل فأخرج المتاع من البيت إلى الساحة يقطع لأن كل بيت حرز على حدة فكان الإخراج منه إخراجا من الحرز وكذلك إذا كان في الدار حجر ومقاصير فسرق من مقصورة ( ( ( مقصور ) ) ) منها وخرج به إلى صحن الدار قطع لأن كل مقصورة منها حرز على حدة فكان الإخراج منها إخراجا من الحرز بمنزلة الدار المختلفة في محلة واحدة ولو نقب رجلان ودخل أحدهما فاستخرج المتاع فلما خرج به إلى السكة حملاه جميعا ينظر إن عرف الداخل منهما بعينه قطع لأنه هو السارق لوجود الأخذ والإخراج منه ويعزر الخارج لأنه أعانه على المعصية وهذه معصية ليس فيها حد مقدر فيعزر وإن لم يعرف الداخل منهما لم يقطع واحد منهما لأن من عليه القطع مجهول ويعزران أما الخارج فلما ذكرنا وأما الداخل فلارتكابه جناية لم يستوف فيها الحد لعذر فتعين التعزير ولو نقب بيت رجل ودخل عليه مكابرة ليلا حتى سرق منه متاعه يقطع لأنه إن لم يوجد الأخذ على سبيل الاستخفاء من المالك فقد وجد من الناس لأن الغوث لا يلحق بالليل لكونه وقت نوم وغفلة فتحققت السرقة والله سبحانه وتعالى أعلم وأما التسبب فهو أن يدخل جماعة من اللصوص منزل رجل ويأخذوا متاعا ويحملوه على ظهر واحد ويخرجوه من المنزل فالقياس أن لا يقطع إلا الحامل خاصة وهو قول زفر وفي الاستحسان يقطعون جميعا وجه القياس أن ركن السرقة لا يتم إلا بالإخراج من الحرز وذلك وجد منه مباشرة فأما غيره فمعين له والحد يجب على المباشر لا على المعين كحد الزنا والشرب وجه الاستحسان أن الإخراج حصل من الكل معنى لأن الحامل لا يقدر على الإخراج إلا بإعانة الباقين وترصدهم للدفع فكان الإخراج من الكل من حيث المعنى ولهذا ألحق المعين بالمباشر في قطع الطريق وفي الغنيمة كذا هذا ولأن الحامل عامل لهم فكأنهم حملوا المتاع على حمار وساقوه حتى أخرجوه من الحرز ولأن السارق لا يسرق وحده عادة بل مع أصحابه ومن عادة السراق أنهم كلهم لا يشتغلون بالجمع والإخراج بل يرصد البعض فلو جعل ذلك مانعا من وجوب القطع لانسد باب القطع وانفتح باب السرقة وهذا لا يجوز ولهذا ألحقت الإعانة بالمباشرة في باب قطع الطريق كذا هذا والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى السارق وبعضها يرجع إلى المسروق وبعضها يرجع إلى المسروق منه وبعضها يرجع إلى المسروق فيه وهو المكان أما ما يرجع إلى السارق فأهلية وجوب القطع وهي العقل والبلوغ فلا يقطع الصبي والمجنون لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ أخبر عليه الصلاة والسلام أن القلم مرفوع عنهما وفي إيجاب القطع إجراء القلم عليهما
وهذا خلاف النص ولأن القطع عقوبة فيستدعي جناية وفعلهما لا يوصف بالجنايات ولهذا لم يجب عليهما سائر الحدود كذا هذا ويضمنان السرقة لأن الجناية ليست بشرط لوجوب ضمان المال وإن كان السارق يجن مدة ويفيق أخرى فإن سرق في حال جنونه لم يقطع وإن سرق في حال الإفاقة يقطع ولو سرق جماعة فيهم صبي أو مجنون يدرأ عنهم القطع في قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله إن كان الصبي والمجنون هو الذي تولى إخراج المتاع درىء ( ( ( درئ ) ) ) عنهم جميعا وإن كان وليه غيرهما قطعوا جميعا إلا الصبي والمجنون وجه قوله أن الإخراج من الحرز هو الأصل في السرقة والإعانة كالتابع فإذا وليه الصبي أو المجنون فقد أتى بالأصل فإذا لم يجب القطع بالأصل كيف يجب بالتابع فإذا وليه بالغ عاقل فقد حصل الأصل منه فسقوطه عن التبع لا يوجب سقوطه عن الأصل وجه قول أبي حنيفة وزفر رحمهم ( ( ( رحمهما ) ) ) الله أن السرقة واحدة وقد حصلت ممن يجب عليه القطع وممن لا يجب عليه القطع فلا يجب القطع على أحد كالعامد مع الخاطىء إذا اشتركا في القطع أو في القتل وقوله الإخراج أصل في السرقة مسلم لكنه حصل من الكل معنى لاتحاد الكل في معنى التعاون على ما بينا فيما تقدم فكان إخراج غير الصبي والمجنون كإخراج الصبي والمجنون ضرورة الاتحاد وعلى هذا الخلاف إذا كان فيهم ذو رحم محرم من المسروق منه أنه لا قطع على أحد عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف يدرأ عن ذي الرحم المحرم ويجب على الأجنبي ولا خلاف في أنه إذا كان فيهم شريك المسروق منه أنه لا قطع على أحد فأما الذكورة فليست بشرط لثبوت الأهلية فتقطع الأنثى لقوله تعالى عز شأنه والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما وكذلك الحرية فيقطع العبد والأمة والمدبر والمكاتب وأم الولد لعموم الآية الشريفة ويستوي الآبق وغيره لما قلنا وذكر في الموطأ أن عبدا لعبد الله بن سيدنا عمر رضي الله عنهما سرق وهو آبق فبعث به عبد الله إلى سعيد بن العاص رضي الله عنه ليقطع يده فأبى سعيد أن يقطع يده وقال لا تقطع ( ( ( نقطع ) ) ) يد الآبق إذا سرق فقال عبد الله في أيما كتاب الله تعالى عز شأنه وجدت هذا إن العبد الآبق إذا سرق لا تقطع يده فأمر به عبد الله رضي الله عنه فقطعت يده ولأن الذكورة والحرية ليست من شرائط سائر الحدود فكذا هذا الحد وكذا الإسلام ليس بشرط فيقطع المسلم والكافر لعموم آية السرقة فصل وأما ما يرجع إلى المسروق فأنواع منها أن يكون مالا مطلقا لا قصور في ماليته ولا شبهة وهو أن يكون مما يتموله الناس ويعدونه مالا لأن ذلك يشعر بعزته وخطره عندهم وما لا يتمولونه فهو تافه حقير وقد روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله في الشيء التافه وهذا منها بيان شرع متقرر ولأن التفاهة تخل في الحرز لأن التافه لا يحرز عادة أو لا يحرز إحراز الخطر والحرز المطلق شرط على ما نذكر وكذا تخل في الركن وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء لأن أخذ التافه مما لا يستخفى منه فيتمكن الخلل والشبهة في الركن والشبهة في باب الحدود ملحقة بالحقيقة ويخرج على هذا مسائل إذا سرق صبيا حرا لا يقطع لأن الحر ليس بمال ولو سرق صبيا عبدا لا يتكلم ولا يعقل يقطع في قول أبي حنيفة وروي عن أبي يوسف رحمه الله لا يقطع ووجهه أن العبد ليس بمال محض بل هو مال من وجه آدمي من وجه فكان محل السرقة من وجه دون وجه فلا تثبت المحلية بالشك فلا يقطع كالصبي العاقل
ولنا أنه مال من كل وجه لوجود معنى المالية فيه على الكمال ولا يد له على نفسه فيتحقق ركن السرقة كالبهيمة وكونه آدميا لا ينفي كونه مالا فهو آدمي من كل وجه ومال من كل وجه لعدم التنافي فيتعلق القطع بسرقته من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي بخلاف العاقل لأنه وإن كان مالا من كل وجه لكنه في يد نفسه فلا يتصور ثبوت يد غيره عليه للتنافي فلا يتحقق فيه ركن السرقة وهو الأخذ ولو سرق ميتة أو جلد ميتة لم يقطع لانعدام المال ولا يقطع في التبن والحشيش والقصب والحطب لأن الناس لا يتمولون هذه الأشياء ولا يضنون ( ( ( يظنون ) ) ) بها لعدم عزتها وقلة خطرها عندهم بل يعدون الضنة ( ( ( الظنة ) ) ) بها من باب الخساسة فكانت تافهة ولا قطع في التراب والطين والجص واللبن والنورة والآجر والفخار والزجاج لتفاهتها فرق بين التراب وبين الخشب حيث سوى في التراب بين المعمول منه وغير المعمول وفرق في الخشب لأن الصنعة في الخشب أخرجته عن حد التفاهة والصنعة في التراب لم تخرجه عن كونه تافها يعرف ذلك بالرجوع إلى عرف الناس وعاداتهم ومن أصحابنا من فصل في الجواب في الزجاج بين المعمول وغير المعمول كما في الخشب ومنهم من سوى بينهما وهو الصحيح لأن الزجاج بالعمل لم يخرج عن حد التفاهة لأنه يتسارع إليه الكسر بخلاف الخشب ولا يقطع في الخشب إلا إذا كان معمولا بأن صنع منه أبوابا أو آنية ونحو ذلك ما خلا الساج والقنا والأبنوس والصندل لأن غير المصنوع من الخشب لا يتمول عادة فكان تافها وبالصنعة يخرج عن التفاهة فيتمول وأما الساج والأبنوس والصندل فأموال لها عزة وخطر عند الناس فكانت أموالا مطلقة وأما العاج فقد ذكر محمد أنه لا يقطع إلا في المعمول منه وقيل هذا الجواب في العاج الذي هو من عظم الجمل فلا يقطع إلا في المعمول منه لأنه لا يتمول لتفاهته ويقطع في المعمول لخروجه عن حد التفاهة بالصنعة كالخشب المعمول فأما ما هو من عظم الفيل فلا يقطع فيه أصلا سواء كان معمولا أو غير معمول لأن الفقهاء اختلفوا في ماليته حتى حرم بعضهم بيعه والانتفاع به فأوجب ذلك قصورا في المالية ولا قطع في قصب النشاب فإن كان اتخذ منه نشابا قطع لما قلنا في الخشب ولا قطع في القرون معمولة كانت أو غير معمولة وقال أبو يوسف إن كانت معمولة وهي تساوي عشرة دراهم قطع قيل إن اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع فموضوع المسألة على قول أبي حنيفة رحمه الله في قرون الميتة لأنها ليست بمال مطلق لاختلاف الفقهاء في ماليتها وجواب أبي يوسف رحمه الله في قرون المذكى فلم يوجب القطع في غير المعمول منها لأنها من أجزاء الحيوان وأوجب في المعمول كما في الخشب المعمول وعن محمد في جلود السباع المدبوغة أنه لا قطع فيها فإن جعلت مصلاة أو بساطا قطع لأن غير المعمول منها من أجزاء الصيد ولا قطع في الصيد فكذا في أجزائه وبالصنعة صارت شيئا آخر فأشبه الخشب المصنوع وهذا يدل على أن محمدا لم يعتد بخلاف من يقول من الفقهاء إن جلود السباع لا تطهر بالذكاة ( ( ( بالزكاة ) ) ) ولا بالدباغ ولا قطع في البواري لأنها تافهة لتفاهة أصلها وهو القصب ولا قطع في سرقة كلب ولا فهد ولا في سرقة الملاهي من الطبل والدف والمزمار ونحوها لأن هذه الأشياء مما لا يتمول أو في ماليتها قصور ألا ترى أنه لا ضمان على كاسر الملاهي عند أبي يوسف ومحمد ولا على قاتل الكلب والفهد عند بعض الفقهاء ولو سرق مصحفا أو صحيفة فيها حديث أو عربية أو شعر فلا قطع وقال أبو يوسف يقطع إذا كان يساوي عشرة دراهم لأن الناس يدخرونها ويعدونها من نفائس الأموال ولنا أن المصحف الكريم يدخر لا للتمول بل للقراءة والوقوف على ما يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به
وكذلك صحيفة الحديث وصحيفة العربية والشعر يقصد بها معرفة الأمثال والحكم لا التمول وأما دفاتر الحساب ففيها القطع إذا بلغت قيمتها نصابا لأن ما فيها لا يصلح مقصودا بالأخذ فكان المقصود هو قدر البياض من الكاغد وكذلك للدفاتر ( ( ( الدفاتر ) ) ) البيض إذا بلغت نصابا لما قلنا وعلى هذا يخرج ما قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إن كل ما يوجد جنسه تافها مباحا في دار الإسلام فلا قطع فيه لأن كل ما كان كذلك فلا عز له ولا خطر فلا يتموله ( ( ( يتمول ) ) ) الناس فكان تافها والاعتماد على معنى التفاهة دون الإباحة لما نذكر إن شاء الله تعالى وعن أبي حنيفة أنه لا قطع في عفص ولا إهليلج ولا أشنان ولا فحم لأن هذه الأشياء مباحة الجنس في دار الإسلام وهي تافهة وروي عن أبي يوسف أنه لا يقطع في العفص والإهليلج والأدوية اليابسة ولا قطع في طير ولا صيد وحشيا كان أو غيره لأن الطير لا يتمول عادة وقد روي عن سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما أنهما قالا لا قطع في الطير ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعا وكذلك ما علم من الجوارح فصار صيودا فلا قطع على سراقة لأنه وإن علم فلا يعد مالا وعلى هذا يخرج النباش أنه لا يقطع فيما أخذ من القبور في قولهما وقال أبو يوسف يقطع وجه قوله أنه أخذ مالا من حرز مثله فيقطع كما لو أخذ من البيت ولهما أن الكفن ليس بمال لأنه لا يتمول بحال لأن الطباع السليمة تنفر عنه أشد النفار فكان تافها ولئن كان مالا ففي ماليته قصور لأنه لا ينتفع به مثل ما ينتفع بلباس الحي والقصور فوق الشبه ( ( ( الشبهة ) ) ) ثم الشبهة تنفي وجوب الحد فالقصور أولى روى الزهري أنه قال أخذ نباش في زمن مروان بالمدينة فأجمع أصحاب رسول الله وهم متوافرون أنه لا يقطع وعلى هذا يخرج سرقة ما لا يحتمل الادخار ولا يبقى من سنة إلى سنة بل يتسارع إليه الفساد أنه لا قطع فيه لأن ما لا يحتمل الادخار لا يعد مالا فلا قطع في سرقة الطعام الرطب والبقول والفواكه الرطبة في قولهما وعند أبي يوسف يقطع وجه قوله أنه مال منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا فيقطع كما في سائر الأموال ولهما أن هذه الأشياء مما لا يتمول عادة وإن كانت صالحة للانتفاع بها في الحال لأنها لا تحتمل الادخار والإمساك إلى زمان حدوث الحوائج في المستقبل فقل خطرها عند الناس فكانت تافهة ولو سرق تمرا من نخل أو شجر آخر معلقا فيه فلا قطع عليه وإن كان عليه حائط استوثقوا منه وأحرزوه أو هناك حائط لأن ما على رأس النخل لا يعد مالا ولأنه ما دام على رأس الشجر لا يستحكم جفافه فيتسارع إليه الفساد وقد روي عن النبي عليه السلام ( ( ( وسلم ) ) ) أنه قال لا قطع في ثمر ولا كثر قال محمد الثمر ما كان في الشجر والكثر الجمار فإن كان قد جذ الثمر وجعله في جرين ( ( ( الجرين ) ) ) ثم سرق فإن كان قد استحكم جفافه قطع لأنه صار مالا مطلقا قابلا للادخار وإليه أشار رسول الله حيث قال لا قطع في ثمر ولا كثر حتى يؤويه الجرين فإذا آواه فبلغ ثمن المجن ففيه القطع لأنه لا يؤويه الجرين ما لم يستحكم جفافه عادة فإذا استحكم جفافه لا يتسارع إليه الفساد فكان مالا مطلقا وكذلك الحنطة إذا كانت في سنبلها فهي بمنزلة الثمر المعلق في الشجر لأن الحنطة ما دامت في السنبل لا تعد مالا ولا يستحكم جفافها أيضا وأما الفاكهة اليابسة التي تبقى من سنة إلى سنة فالصحيح من الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يقطع فيما يتمول الناس إياها لقبولها الادخار فانعدم معنى التفاهة المانعة من وجوب القطع
وروي عنه أنه سوى بين رطب الفاكهة ويابسها وليست بصحيحة ولو سرق من الحائط نخلة بأصلها لا يقطع لأن أصل النخلة مما لا يتمول فكان تافها وروينا عن النبي أنه قال لا قطع في ثمر ولا كثر وقيل في تفسير الكثر ( ( ( ذلك ) ) ) إنه النخل الصغار ويقطع في الحناء والوسمة لأنه لا يتسارع إليه الفساد فلم يختل معنى المالية ولا قطع في اللحم الطري والصفيق لأنه يتسارع إليه الفساد وكذلك لا قطع في السمك طريا كان أو مالحا لأن الناس لا يعدونه مالا لتفاهته ولتسارع الفساد إلى الطري منه ولما أنه يوجد جنسه مباحا في دار الإسلام ولا قطع في اللبن لأنه يتسارع إليه الفساد فكان تافها ويقطع في الخل والدبس لعدم التفاهة ألا ترى أنه لا يتسارع إليهما الفساد ولا قطع في عصير العنب ونقيع الزبيب ونبيذ التمر لأنه يتسارع إليه الفساد فكان تافها كاللبن ولا قطع في الطلاء وهو المثلث لأنه مختلف في إباحته وفي كونه مالا فكان قاصرا في معنى المالية وكذلك المطبوخ أدنى طبخة من نقيع الزبيب ونبيذ التمر لاختلاف الفقهاء في إباحة شربه وأما المطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب فلا شك أنه لا قطع فيه لأنه حرام فلم يكن مالا ويقطع في الذهب والفضة لأنهما من أعز الأموال ولا تفاهة فيهما بوجه وكذلك الجواهر واللآلىء ( ( ( واللآلئ ) ) ) لما قلنا وبهذا تبين أن التعويل في هذا الباب في منع وجوب القطع على معنى التفاهة وعدم المالية لا على إباحة الجنس لأن ذلك موجود في الذهب والفضة والجواهر واللآلىء ( ( ( واللآلئ ) ) ) وغيرها ويقطع في الحبوب كلها وفي الأدهان والطيب كالعود والمسك وما أشبه ذلك لانعدام معنى التفاهة ويقطع في الكتان والصوف والخز ونحو ذلك ويقطع في جميع الأواني من الصفر والحديد والنحاس والرصاص لما قلنا وكذلك لو سرق النحاس نفسه أو الحديد نفسه أو الرصاص لعزة هذه الأشياء وخطرها في أنفسها كالذهب والفضة ومنها أن يكون متقوما مطلقا فلا يقطع في سرقة الخمر من مسلم مسلما كان السارق أو ذميا لأنه لا قيمة للخمر في حق المسلم وكذا الذمي إذا سرق من ذمي خمرا أو خنزيرا لا يقطع لأنه وإن كان متقوما عندهم فليس بمتقوم عندنا فلم يكن متقوما على الإطلاق ولا يقطع في المباح الذي ليس بمملوك وإن كان مالا لانعدام تقومه والله تعالى أعلم ومنها أن يكون مملوكا في نفسه فلا يقطع في سائر المباحات التي لا يملكها أحد وإن كانت من نفائس الأموال من الذهب والفضة والجواهر المستخرجة من معادنها لعدم المالك وعلى هذا أيضا يخرج النباش على أصل أبي حنيفة ومحمد أنه لا يقطع لأن الكفن ليس بمملوك لأنه لا يخلو إما أن يكون على ملك الميت وإما أن يكون على ملك الورثة لا سبيل إلى الأول لأن الميت ليس من أهل الملك ولا وجه للثاني لأن ملك الوارث مؤخر عن حاجة الميت إلى الكفن كما هو مؤخر عن الدين والوصية فلم يكن مملوكا أصلا ومنها أن لا يكون للسارق فيه ملك ولا تأويل الملك أو شبهته لأن المملوك أو ما فيه تأويل الملك أو الشبهة لا يحتاج فيه إلى مسارقة الأعين فلا يتحقق ركن السرقة وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء والاستسرار على الإطلاق ولأن القطع عقوبة السرقة قال الله في آية السرقة جزاء بما كسبا نكالا من الله فيستدعي كون الفعل جناية محضة وأخذ المملوك للسارق لا يقع جناية أصلا فالأخذ بتأويل الملك أو الشبهة لا يتمحض جناية فلا يوجب القطع إذا عرف هذا فنقول لا قطع على من سرق ما أعاره من إنسان أو آجره منه لأن ملك الرقبة قائم ولا على من سرق رهنه من بيت المرتهن لأن ملك العين له وإنما الثابت للمرتهن حق الحبس لا غير ولو كان الرهن في يد العدل فسرقه المرتهن أو الراهن فلا قطع على واحد منهما