Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
هذا إذا كان الكل صغارا فأما إذا اجتمعت الصغار والكبار وكان واحد منها ( ( ( منهما ) ) ) كبيرا فإن الصغار تعد ويجب فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة بلا خلاف لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال تعد ( ( ( وتعد ) ) ) صغارها وكبارها وروي أن الناس شكوا إلى عمر عامله وقالوا إنه يعد علينا السخلة ولا يأخذها منا فقال عمر أليس يترك لكم الربى والماخض والأكيلة وفحل الغنم ثم قال عدها ولو راح بها الراعي على كفه ولا تأخذها منهم ولأنها إذا كانت مختلطة بالكبار أو كان فيها كبير دخلت تحت اسم الإبل والبقر والغنم فتدخل تحت عموم النصوص فيجب فيها ما يجب في الكبار ولأنه إذا كان فيها مسنة كانت تبعا للمسنة فيعتبر الأصل دون التبع فإن كان واحد منها مسنة فهلكت المسنة بعد الحول سقطت الزكاة عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف تجب في الصغار زكاتها ( ( ( وزكاتها ) ) ) بقدرها حتى لو كانت حملانا يجب عليه تسعة وثلاثون جزأ من أربعين جزأ من الحمل لأن عندهما وجوب الزكاة في الصغار لأجل الكبار تبعا لها فكانت أصلا في الزكاة فهلاكها كهلاك الجميع وعنده الصغار أصل في النصاب والواجب واحد منها وإنما الفصل على الحمل الواحد باعتبار المسنة فهلاكها يسقط الفصل لا أصل الواجب ولو هلكت الحملان وبقيت المسنة يؤخذ قسطها من الزكاة وذلك جزأ من أربعين جزءا من المسنة لأن المسنة كانت سبب زكاة نفسها وزكاة تسعة وثلاثين سواها لأن كل الفريضة كانت فيها لكن أعطى الصغار حكم الكبار تبعا لها فصارت الصغار كأنها كبار فإذا هلكت الحملان هلكت بقسطها من الفريضة وبقيت المسنة بقسطها من الفريضة وهو ما ذكرنا ثم الأصل حال اختلاط الصغار بالكبار أنه تجب الزكاة في الصغار تبعا للكبار إذا كان العدد الواجب في الكبار موجودا في الصغار في قولهم جميعا فإذا لم يكن عدد الواجب في الكبار كله موجودا في الصغار فإنها تجب بقدر الموجود على أصل أبي حنيفة ومحمد بيان ذلك إذا كان له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا يجب فيها مسنتان بلا خلاف لأن عدد الواجب موجود فيه وإن كان له مسنة واحدة ومائة وعشرون حملا أخذت تلك المسنة لا غير في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف تؤخذ المسنة وحمل وكذلك ستون من العجاجيل فيها تبيع عند أبي حنيفة ومحمد يؤخذ التبيع لا غير وعند أبي يوسف يؤخذ التبيع وعجول وكذلك ستة وسبعون من الفصلان فيها بنت لبون إنها تؤخذ فحسب في قولهما وعند أبي يوسف تؤخذ بنت لبون وفصيل لأن الوجوب لا يتعلق بالصغار أصلا عندهما وعنده يتعلق بها والله أعلم فصل وأما مقدار الواجب في السوائم فقد ذكرناه ( ( ( ذكرنا ) ) ) في بيان مقدار نصاب السوائم من الإبل والبقر والغنم وهو الأسنان المعروفة من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة والتبيع والمسنة والشاة ولا بد من معرفة معاني هذه الأسماء فبنت المخاض هي التي تمت لها سنة ودخلت في الثانية سميت بذلك لأن أمها صارت حاملا بولد آخر بعدها والماخض اسم للحامل من النوق وبنت اللبون هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة سميت بذلك لأن أمها حملت بعدها وولدت فصارت ذات لبن واللبون هي ذات اللبن والحقة هي التي تمت لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة سميت بذلك إما لاستحقاقها الحمل والركوب أو لاستحقاقها الضراب والجذعة هي التي تمت لها أربع سنين وطعنت في الخامسة ولا اشتقاق لاسمها والذكور منها ابن مخاض وابن لون ( ( ( لبون ) ) ) وحق وجذع ووراء هذه أسنان من الإبل من الثني والسديس والبازل لكن لا مدخل لها في باب الزكاة فلا معنى لذكر معانيها في كتب الفقه والتبيع الذي تم له حول ودخل في الثاني والأنثى منه التبيعة والمسنة التي تمت لها سنتان وطعنت في الثالثة والذكر منه المسن
وأما الشاة فذكر في الأصل عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا الثني فصاعدا والثني من الشاة هي التي دخلت في السنة الثانية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجوز الجزع ( ( ( الجذع ) ) ) من الضأن والثني من المعز وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وما ذكره الطحاوي يقتضي أن يجوز أخذ الجذع من الضأن والثني من المعز لأنه قال ولا يؤخذ في الصدقة إلا ما يجوز في الأضحية والجذع من الضأن يجوز في الأضحية وقول الطحاوي يؤيد رواية الحسن والجذع من الغنم الذي أتى عليه ستة أشهر وقيل الذي أتى عليه أكثر السنة ولا خلاف في أنه لا يجوز من المعز إلا الثني وجه رواية الحسن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما حقنا في الجذعة والثنية ولأن الجذع يجوز في الأضاحي فلأن يجوز في الزكاة أولى لأن الأضحية أكثر شروطا من الزكاة فالجواز هناك يدل على الجواز ههنا من طريق الأولى وجه ظاهر الرواية ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يجزىء في الزكاة إلا الثني من المعز فصاعدا ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فيكون إجماعا من الصحابة مع ما أن هذا باب لا يدرك بالاجتهاد فالظاهر أنه قال ذلك سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم فصل وأما صفة الواجب في السوائم فالواجب فيها صفات لا بد من معرفتها منها الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة والجذعة ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع إلا بطريق القيمة لأن الواجب فيها إنما عرف بالنص والنص ورد فيها بالإناث فلا يجوز الذكور إلا بالتقويم لأن دفع القيم في باب الزكاة جائز عندنا وأما في البقر فيجوز فيها الذكر والأنثى لورود النص بذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وكذا في الإبل فيما دون خمس وعشرين لأن النص ورد باسم الشاة وإنها تقع على الذكر والأنثى وكذا في الغنم عندنا يجوز في زكاتها الذكر والأنثى وقال الشافعي لا يجوز الذكر إلا إذا كانت كلها ذكورا وهذا فاسد لأن الشرع ورد فيها باسم الشاة قال النبي صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة واسم الشاة يقع على الذكر والأنثى في اللغة ومنها أن يكون وسطا فليس للساعي أن يأخذ الجيد ولا الرديء إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للسعاة إياكم وحرزات ( ( ( وحزرات ) ) ) أموال الناس وخذوا من أوساطها وروي أنه قال للساعي إياك وكرائم أموال الناس وخذ من حواشيها واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب وفي الخبر المعروف إنه رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء فغضب على الساعي وقال ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس حتى قال الساعي أخذتها ببعيرين يا رسول الله ولأن مبنى الزكاة على مراعاة الجانبين وذلك في أخذ الوسط لما في أخذ الخيار من الإضرار بأرباب الأموال وفي أخذ الأرذال من الإضرار بالفقراء فكان نظر الجانبين في أخذ الوسط والوسط هو أن يكون أدون من الأرفع وأرفع من الأدون كذا فسره محمد في المنتقي ولا يؤخذ في الصدقة الربي بضم الراء ولا الماخض ولا الأكيلة ولا فحل الغنم قال محمد الربي التي تربي ولدها والأكيلة التي تسمن للأكل والماخض التي في بطنها ولد ومن الناس من طعن في تفسير محمد الربي والأكيلة وزعم أن الربي المرباة والأكيلة المأكولة وطعنه مردود عليه وكان من حقه تقليد محمد إذ هو كما كان إماما في الشريعة وكان إماما في اللغة واجب التقليد فيها كتقليد نقلة اللغة كأبي عبيد والأصمعي والخليل والكسائي والفراء وغيرهم وقد قلده أبو عبيد القاسم بن سلام مع جلالة قدره واحتج بقوله
وسئل ( ( ( وسأل ) ) ) أبو العباس ثعلب عن الغزالة فقال هي عين الشمس ثم قال أما ترى أن محمد بن الحسن قال لغلامه يوما انظر هل دلكت الغزالة يعني الشمس وكان ثعلب يقول محمد بن الحسن عندنا من أقران سيبويه وكان قوله حجة في اللغة فكان على الطاعن تقليده فيها كيف وقد ذكر صاحب الديوان ومجمل اللغة ما يوافق قوله في الربى قال صاحب الديوان الربي التي وضعت حديثا أي هي قريبة العهد بالولادة وقال صاحب المجمل الربي الشاة التي تحبس في البيت للبن فهي مربية لا مرباة والأكيلة وإن فسرت في بعض كتب اللغة بما قاله الطاعن لكن تفسير محمد أولى وأوفق للأصول لأن الأصل أن المفعول إذا ذكر بلفظ فعيل يستوي فيه الذكر والأنثى ولا يدخل فيه هاء التأنيث يقال امرأة قتيل وجريح من غير هاء التأنيث فلو كانت الأكيلة المأكولة لما أدخل فيها الهاء على اعتبار الأصل ولما أدخل الهاء دل أنها ليست باسم للمأكولة ( ( ( المأكولة ) ) ) بل لما أعد للأكل كالأضيحة ( ( ( كالأضحية ) ) ) أنها اسم لما أعد للتضحية والله أعلم وسواء كان النصاب من نوع واحد أو من نوعين كالضأن والمعز والبقر والجواميس والعراب والبخت أن المصدق يأخذ منها واحدة وسطا على التفسير الذي ذكرنا ( ( ( ذكرناه ) ) ) وقال الشافعي في أحد قوليه يأخذ من الغالب وقال في القول الآخر أنه يجمع بين قيمة شاة من الشأن ( ( ( الضأن ) ) ) وشاة من المعز وينظر في نصف القيمتين فيأخذ شاة بقيمة ذلك من أي النوعين كانت وهو غير سديد لما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أخذ كرائم أموال الناس وحرزاتها ( ( ( وحزراتها ) ) ) وأمر بأخذ أوساطها من غير فصل بين ما إذا كان النصاب من نوع واحد أو نوعين ولوكان له خمس من الإبل كلها بنات مخاض أو كلها بنات لبون أو حقاق أو جذاع ففيها شاة وسط لقوله صلى الله عليه وسلم في خمس من الإبل شاة وإن كانت عجافا فإن كان فيها بنت مخاض وسط وأعلى سنا منها ففيها أيضا شاة وسط وكذلك إن كانت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وسط أنه يجب فيها بنت مخاض وتؤخذ تلك لقوله صلى الله عليه وسلم في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض وإن كانت جيدة لا يأخذ المصدق الجيدة ولكن يأخذ قيمة بنت مخاض وسط وإن أخذ الجيدة يرد الفضل وإن كانت كلها عجافا ليس فيها بنت مخاض ولا ما يساوي قيمتها قيمة بنت مخاض بل قيمتها دون قيمة بنت مخاض أوساط ففيها شاة بقدرها وطريق معرفة ذلك أن تجعل بنت مخاض وسطا حكما في الباب فينظر إلى قيمتها وإلى قيمة أفضلها من النصاب إن كانت قيمة بنت مختض ( ( ( مخاض ) ) ) وسط مثلا مائة درهم وقيمة أفضلها خمسين تجب شاة قيمتها قيمة نصف شاة وكذلك لو كان التفاوت أكثر من النصف أو أقل فكذلك يجب على قدره وهي من مسائل الزيادا ( ( ( الزيادات ) ) ) تعرف هناك ثم إذا وجب الوسط في النصاب فلم يوجد الوسط ووجد سن أفضل منه أو دونه قال محمد في الأصل أن المصدق بالخيار إن شاء أخذ قيمة الواجب وإن شاء أخذ الأدون وأخذ تمام قيمة الواجب من الدراهم
وقيل ينبغي أن يكون الخيار لصاحب السائمة إن شاء دفع القيمة وإن شاء دفع الأفضل واسترد الفضل من الدراهم وإن شاء دفع الأدون ودفع الفضل من الدراهم لأن دفع القيمة في باب الزكاة جائز عندنا والخيار في ذلك لصاحب المال دون المصدق وإنما يكون الخيار للمصدق في فصل واحد وهو ما إذا أراد صاحب المال أن يدفع بعض العين لأجل الواجب فالمصدق بالخيار بين أنه لا يأخذ وبين أنه يأخذ بأن كان الواجب بنت لبون فأراد صاحب المال أن يدفع بعض الحقة بطريق القيمة أو كان الواجب حقة فأراد أن يدفع بعض الجذعة بطريق القيمة فالمصدق بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لما فيه من تشقيص العين والشقص في الأعيان عيب فكان له أن لا يقبل فأما فيما سوى ذلك فلا خيار له وليس له أن يمتنع من القبول والله أعلم فصل وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو سائمة فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب أو للحمل أو للجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها لأنها مشغولة بالحاجة ومال الزكاة هو المال النامي الفاضل عن الحاجة لما بينا فيما تقدم وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة بالإجماع لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة لأن الأعداد للتجارة دليل النماء والفضل عن الحاجة وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل أو للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة بلا خلاف وإن كانت تسام للدر والنسل فإن كانت مختلطة ذكورا وإناثا فقد قال أبو حنيفة تجب الزكاة فيها قولا واحدا وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم وإن كانت إناثا منفردة ففيها روايتان عنه ذكرهما الطحاوي وإن كانت ذكورا منفردة ففيها روايتان عنه أيضا ذكرهما الطحاوي في الآثار وقال أبو يوسف ومحمد لا زكاة فيها كيفما كانت وبه أخذ الشافعي احتجوا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة وكل ذلك نص في الباب ولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب مقدر كالإبل والبقر والغنم والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير ولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في كل فرس سائمة دينار وليس في الرابطة شيء وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في صدقة الخيل أن خير أربابها فإن شاؤوا أدوا من كل فرس دينارا وإلا قومها وخذ من كل مائتي درهم خمسة دراهم وروي عن السائب بن زيد ( ( ( يزيد ) ) ) رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة دراهم ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فتجب فيها الزكاة كما لو كانت للتجارة وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فالمراد منها الخيل المعدة للركوب والغزو لا للإسامة بدليل أنه فرق بين الخيل وبين الرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة الفطر وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه عملا بالدليلين بقدر الإمكان وهو الجواب عن تعلقهم بالحديث الآخر
وأما إذا كان الكل إناثا أو ذكورا فوجه رواية الوجوب الاعتبار بسائر السوائم من الإبل والبقر والغنم أنه تجب الزكاة فيها وإن كان كلها إناثا أو ذكورا كذا ههنا والصحيح أنه لا زكاة فيها لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال النامي ولا نماء فيها بالدر والنسل ولا لزيادة اللحم لأن لحمها غير مأكول عنده بخلاف الإبل والبقر والغنم لأن لحمها مأكول فكان زيادة اللحم فيها بالسمن بمنزلة الزيادة بالدر والنسل والله أعلم وأما البغال والحمير فلا شيء فيها وإن كانت سائمة لأن المقصود منها الحمل والركوب عادة لا الدر والنسل لكنها قد تسام في غير وقت الحاجة لدفع مؤنة العلف وإن كانت للتجارة تجب الزكاة فيها فصل وأما بيان من له المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان من له ولاية الأخذ وفي بيان شرائط ثبوت ولاية الأخذ وفي بيان القدر المأخوذ أما الأول فمال الزكاة نوعان ظاهر وهو المواشي والمال الذي يمر به التاجر على العاشر وباطن وهو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها أما الظاهر فللإمام ونوابه وهم المصدقون من السعاة والعشار ولاية الأخذ والساعي هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها والعاشر هو الذي يأخذ الصدقة من التاجر الذي يمر عليه والمصدق اسم جنس والدليل على أن للإمام ولاية الأخذ في المواشي والأموال الظاهرة الكتاب والسنة والإجماع وإشارة الكتاب أما الكتاب فقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة والآية نزلت في الزكاة عليه عامة أهل التأويل أمر الله عز وجل نبيه بأخذ الزكاة فدل أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ قال الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها فقد بين الله تعالى ذلك بيانا شافيا حيث جعل للعاملين عليها حقا فلو لم يكن للإمام أن يطالب أرباب الأموال بصدقات الأنعام في أماكنها وكان أداؤها إلى أرباب الأموال لم يكن لذكر العاملين وجه وأما السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث المصدقين إلى أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في أماكنها وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم حتى قال الصديق رضي الله عنه لما امتنعت العرب عن أداء الزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاربتهم عليه وظهر العمال بذلك من بعدهم إلى يومنا هذا وكذا المال الباطن إذا مر به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ في الجملة لأنه لما سافر به وأخرجه من العمران صار ظاهرا والتحق بالسوائم وهذا لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان الحماية لأن المواشي في البراري لا تصير محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته وهذا المعنى موجود في مال يمر به التاجر على العاشر فكان كالسوائم وعليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن عمر رضي الله عنه نصب العشار وقال لهم خذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه واحد منهم فكان إجماعا وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله بذلك وقال أخبرني بهذا من سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المال الباطن الذي يكون في المصر فقد قال عامة مشايخنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طالب بزكاته وأبو بكر وعمر طالبا وعثمان طالب زمانا ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي تفتيشها ضررا بأرباب الأموال فوض الأداء إلى أربابها
وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي رحمه الله وقال لم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في مطالبة المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة ولكن الناس كانوا يعطون ذلك ومنهم من كان يحمل إلى الأئمة فيقبلون منه ذلك ولا يسألون أحدا عن مبلغ ماله ولا يطالبونه بذلك إلا ما كان من توجيه عمر رضي الله عنه المشار ( ( ( العشار ) ) ) إلى الأطراف وكان ذلك منه عندنا والله أعلم عمن بعد داره وشق عليه أن يحمل صدقته إليه وقد جعل في كل طرف من الأطراف عاشر التجار أهل الحرب والذمة وأمر أن يأخذوا من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه وكان ذلك من عمر تخفيفا على المسلمين إلا أن على الإمام مطالبة أرباب الأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة إليهم سوى المواشي والأنعام وأن مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحدهم إلى الإمام بشيء من ذلك فيقبله ولا يتعدى عما جرت به العادة والسنة إلى غيره وأما سلاطين زماننا الذين إذا أخذوا الصدقات والعشور والخراج لا يضعونها مواضعها فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها اختلف المشايخ فيه ذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه يسقط ذلك كله وإن كانوا لا يضعونها في أهلها لأن حق الأخذ لهم فيسقط عنا بأخذهم ثم إنهم إن لم يضعوها مواضعها فالوبال عليهم وقال الشيخ أبو بكر بن سعيد إن الخراج يسقط ولا تسقط ( ( ( أسقط ) ) ) الصدقات لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة وهم يصرفون إلى المقاتلة ويقاتلون العدو ألا ترى أنه لو ظهر العدو فإنهم يقاتلون ويذبون عن حريم المسلمين فأما الزكوات والصدقات فإنهم لا يضعونها في أهلها وقال أبو بكر الإسكاف إن جميع ذلك يسقط ويعطي ثانيا لأنهم لا يضعونها مواضعها ولو نوى صاحب المال وقت الدفع أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله قيل يجوز لأنهم فقراء في الحقيقة ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات والمظالم صاروا فقراء وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال تجوز الصدقة لمعلي ( ( ( لعلي ) ) ) بن عيسى بن هامان وكان وإلى خراسان وإنما قال ذلك لما ذكرناه ( ( ( ذكرنا ) ) ) وحكي أن أميرا ببلخ سأل واحدا من الفقهاء عن كفارة يمين لزمته فأمره بالصيام فبكى الأمير وعرف أنه يقول لو أديت ما عليك من التبعات والمظلمة لم يبق لك شيء وقيل إن السلطان لو أخذ مالا من رجل بغير حق مصادرة فنوى صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك عن زكاة ماله وعشر أرضه يجوز ذلك والله أعلم فصل وأما شرط ولاية الآخذ فأنواع منها وجود الحماية من الإمام حتى لو ظهر أهل البغي على مدينة من مدائن أهل العدل أو قرية من قراهم وغلبوا عليها فأخذوا صدقات سوائمهم وعشور أراضيهم وخراجها ثم ظهر عليهم إمام ( ( ( عليهم ) ) ) العدل لا يأخذ منهم ثانيا لأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية ولم يوجد إلا أنهم يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانيا وسكت محمد عن ذكر الخراج واختلف مشايخنا قال بعضهم عليهم أن يعيدوا الخراج كالزكاة والعشور وقال بعضهم ليس عليهم الإعادة لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة وأهل البغي يقاتلون العدو ويذبون عن حريم الإسلام ومنها وجوب الزكاة لأن المأخوذ زكاة والزكاة في عرف الشرع اسم للواجب فلا بد من تقويم ( ( ( تقديم ) ) ) الوجوب فتراعى له شرائط الوجوب وهي ما ذكرنا من الملك المطلق وكمال النصاب وكونه معدا للنماء وحولان الحول وعدم الدين المطالب به من جهة العباد وأهلية الوجوب ونحو ذلك ومنها ظهور المال وحضور المالك حتى لو حضر المالك ولم يظهر ماله لا يطالب بزكاته لأنه إذا لم يظهر ماله لا يدخل تحت حماية السلطان وكذا إذا ظهر المال ولم يحضر المالك ولا المأذون من جهة المالك كالمستبضع ونحوه لا يطالب بزكاته
وبيان هذه الجملة إذا جاء الساعي إلى صاحب المواشي في أماكنها يريد أخذ الصدقة فقال ليس ( ( ( ليست ) ) ) هي مالي أو قال لم يحل عليها الحول أو قال علي دين يحيط بقيمتها فالقول قوله لأنه ينكر وجوب الزكاة ويستحلف لأنه تعلق به حق العبد وهو مطالبة الساعي فيكون القول قوله مع يمينه ولو قال أديت إلى مصدق آخر فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يصدق لظهور كذبه بقين ( ( ( بيقين ) ) ) وإن كان في تلك السنة مصدق آخر يصدق مع اليمين سواء أتي بخط وبراءة أو لم يأت به في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصدق ما لم يأت بالبراءة وجه هذه الرواية أن خبره يحتمل الصدق والكذب فلا بد من مرجح والبراءة أمارة رجحان الصدق وجه ظاهر الرواية إن الرجحان ثابت بدون البراءة لأنه أمين إذ له أن يدفع إلى المصدق فقد أخبر عن الدفع إلى من جعل له الدفع إليه فكان كالمودع إذا قال دفعت الوديعة إلى المودع والبراءة ليست بعلامة صادقة لأن الخط يشبه الخط وعلى هذا إذا أتى بالبراءة على خلاف اسم ذلك المصدق أنه يقبل قوله مع يمينه على جواب ظاهر الرواية لأن البراءة ليست بشرط فكان الإتيان بها والعدم بمنزلة واحدة وعلى رواية الحسن لا يقبل لأن البراءة شرط فلا تقبل بدونها ولو قال أديت زكاتها إلى الفقراء لا يصدق وتؤخذ منه عندنا وعند الشافعي لا تؤخذ وجه قوله أن المصدق لا يأخذ الصدقة لنفسه بل ليوصلها إلى مستحقيها وهو الفقير وقد أوصل بنفسه ولنا أن حق الأخذ للسلطان فهو بقوله أديت بنفسي أراد إبطال حق السلطان فلا يملك ذلك وكذلك العشر على هذا الخلاف وكذا الجواب فيمن مر على العاشر بالسوائم أو بالدراهم أو الدنانير أو بأموال التجارة في جميع ما وصفنا إلا في قوله أديت زكاتها بنفسي إلى الفقراء فيما سوى السوائم أنه يقبل قوله ولا يؤخذ ثانيا لأن أداء زكاة الأموال الباطنة مفوض إلى أربابها إذا كانوا يتجرون بها في المصر فلم يتضمن الدفع بنفسه إبطال حق أحد ولو مر على العاشر بمائة درهم وأخبر العاشر أن له مائة أخرى قد حال عليها الحول لم يأخذ منه زكاة هذه المائة التي مر بها لأن حق الأخذ لمكان الحماية وما دون النصاب قليل لا يحتاج إلى الحماية والقدر الذي في بيته لم يدخل تحت الحماية فلا يؤخذ من أحدهما شيء ولو مر عليه بالعروض فقال هذه ليست للتجارة أو قال هذه بضاعة أو قال أنا أجير فيها فالقول قوله مع اليمين لأنه أمين ولم يوجد ظاهر يكذبه وجميع ما ذكرنا أنه يصدق فيه المسلم يصدق فيه الذمي لقول النبي صلى الله عليه وسلم إذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ولأن الذمي لا يفارق المسلم في هذا الباب إلا في قدر المأخوذ وهو أنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم كما في التغلبي لأنه يؤخذ منه بسبب الحماية وباسم الصدقة وإن لم تكن صدقة حقيقة ( ( ( حقيقية ) ) ) ولا يصدق الحربي في شيء من ذلك ويؤخذ منه العشر إلا في جوار يقول هن أمهات أولادي أو في غلمان يقول هم أولادي لأن الأخذ منه لمكان الحماية والعصمة لما في يده وقد وجدت فلا يمنع شيء من ذلك من الأخذ وإنما قبل قوله في الإستيلاد والنسب لأن الإستيلاد والنسب كما يثبت في دار الإسلام يثبت في دار الحرب
وعلل محمد رحمه الله فقال الحربي لا يخلو إما أن يكون صادقا وإما أن يكون كاذبا فإن كان صادقا فقد صدق وإن كان كاذبا فقد صارت بإقراره في الحال أم ولد له ولا عشر في أم الولد ولو قال هم مدبرون لا يلتفت إلى قوله لأن التدبير لا يصح في دار الحرب ولو مر على عاشر بمال وقال هو عندي بضاعة أو قال أنا أجير فيه فالقول قوله ولا يعشره ولو قال هو عندي مضاربة فالقول قوله أيضا وهل يعشره كان أبو حنيف ( ( ( حنيفة ) ) ) أولا يقول يعشره ثم رجع وقال لا يعشره وهو قول أبي يوسف ومحمد ولو مر العبد المأذون بمال من كسبه وتجارته وليس عليه دين واستجمع شرائط وجوب الزكاة فيه فإن كان منه ( ( ( معه ) ) ) مولاه عشره بالإجماع وإن لم يكن معه مولاه فكذلك يعشره في قول أبي حنيفة وفي قولهما لا يعشره وقال أبو يوسف لا أعلم أنه رجع في العبد أم لا وقيل إن الصحيح إن رجوعه في المضارب رجوع في العبد المأذون وجه قول الأول في المضارب إن المضارب بمنزلة المالك لأنه يملك التصرف في المال ولهذا يجوز بيعه من رب المال وجه قوله الأخير وهو قولهما إن الملك شرط الوجوب ولا ملك له فيه ورب المال لم يأمره بأداء الزكاة لأنه لم يأذن له بعقد المضاربة إلا بالتصرف في المال وقد خرج الجواب عن قوله إنه بمنزلة المالك لأنا نقول نعم لكن في ولاية التصرف في المال لا في أداء الزكاة كالمستبضع والعبد المأذون في معنى المضارب في هذا المعنى ولأنه لم يؤمر إلا بالتصرف فكان الصحيح هو الرجوع ولا يؤخذ من المسلم إذا مر على العاشر في السنة إلا مرة واحدة لأن المأخوذ منه زكاة والزكاة لا تجب في السنة إلا مرة واحدة وكذلك الذمي لأنه بقبول عقد الذمة صار له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين ولأن العاشر يأخذ منه باسم الصدقة إن لم تكن صدقة حقيقة كالتغلبي فلا يؤخذ منه في الحول إلا مرة واحدة وكذلك الحربي إلا إذا عشره فرجع إلى دار الحرب ثم خرج أنه يعشره ثانيا وإن خرج من يومه ذلك لأن الأخذ من أهل الحرب لمكان حماية ما في أيديهم من الأموال وما دام هو في دار الإسلام فالحماية متحدة ما دام الحول باقيا فيتحد حق الأخذ وعند دخوله دار الحرب ورجوعه إلى دار الإسلام تتجدد الحماية فيتجدد حق الأخذ وإذا مر الحربي على العاشر فلم يعلم حتى عاد إلى دار الحرب ثم رجع ثانيا فعلم به لم يعشره لما مضى لأنه ما مضى سقط لانقطاع حق الولاية عنه بدخوله ( ( ( دخوله ) ) ) دار الحرب ولو اجتاز المسلم والحربي ولم يعلم بهما العاشر ثم علم بهما في الحول الثاني أخذ منهما لأن الوجوب قد ثبت ولم يوجد ما يسقطه ولو مر على العاشر بالخضراوات وبما لا يبقى حولا كالفاكهة ونحوها لا يعشره في قول أبي حنيفة وإن كانت قيمته مائتي درهم وقال أبو يوسف ومحمد يعشره وجه قولهما أن هذا مال التجارة والمعتبر في مال التجارة معناه وهو ماليته وقيمته لا عينه فإذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة ولهذا وجبت الزكاة فيه إذا كان يتجر فيه في المصر ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في الخضروات ( ( ( الخضراوات ) ) ) صدقة والصدقة إذا أطلقت يراد بها الزكاة إلا أن ما يتجر بها في المصر صار مخصوصا بدليل أو يحمل على أنه ليس فيها صدقة تؤخذ أي ليس للإمام أن يأخذها بل صاحبها يؤديها بنفسه ولأن الحول شرط وجوب الزكاة وأنها لا تبقى حولا والعاشر إنما يأخذ منها بطريق الزكاة ولأن ولاية الأخذ بسبب الحماية وهذه الأشياء لا تفتقر إلى الحماية لأن أحدا لا يقصدها ولأنها تهلك في يد العاشر في المفازة فلا يكون أخذها مفيدا
وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تجب الزكاة على صاحبها بالإجماع وإنما الخلاف في أنه هل للعاشر حق الأخذ وذكر الكرخي أنه لا شيء فيه في قول أبي حنيفة وهذا الإطلاق يدل على أن الوجوب مختلف فيه والله أعلم ولا يعشر مال الصبي والمجنون لأنهما ليسا من أهل وجوب الزكاة عليهما عندهما ولو مر صبي وامرأة من بني تغلب على العاشر فليس على الصبي شيء وعلى المرأة ما على الرجل لأن المأخوذ من بني تغلب يسلك به مسلك الصدقات لا يفارقها إلا في التضعيف والصدقة لا تؤخذ من الصبي وتؤخذ من المرأة ولو مر على عاشر الخوارج ( ( ( الخراج ) ) ) في أرض غلبوا عليها فعشره ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانيا لأنه بالمرور على عاشرهم ضيع حق سلطان أهل العدل وحق فقراء أهل العدل بعد دخوله تحت حماية سلطان أهل العدل فيضمن ولو مر ذمي على العاشر بخمر للتجارة أو خنازير يأخذ عشر ثمن الخمر ولا يعشر الخنازير في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يعشرهما وهو قول زفر وعند الشافعي لا يعشرهما وجه قول الشافعي أن الخمر والخنازير ( ( ( والخنزير ) ) ) ليسا بمال أصلا والعشر إنما يؤخذ من المال وجه قول زفر أنهما مالان متقومان في حق أهل الذمة فالخمر عندهم كالخل عندنا والخنزير عندهم كالشاة عندنا ولهذا كانا مضمونين على المسلم بالاتلاف وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الخمر والخنزير من وجهين أحدهما أن الخمر من ذوات الأمثال والقيمة فيما له مثل من جنسه لا يقوم مقامه فلا يكون أخذ قيمة الخمر كأخذ عين الخمر والخنزير من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال والقيمة فيما لا مثل له يقوم مقامه فكان أخذ قيمته كأخذ عينه وذا لا يجوز للمسلم والثاني إن الأخذ حق للعاشر بسبب الحماية وللمسلم ولاية حماية الخمر في الجملة ألا ترى أنه إذا ورث الخمر فله ولاية حمايتها عن غيره بالغصب ولو غصبها غاصب له أن يخاصمه ويستردها منه للتخليل فله ولاية حماية خمر غيره عند وجود سبب ثبوت الولاية وهو ولاية السلطنة وليس للمسلم ولاية حماية الخنزير رأسا حتى لو أسلم وله خنازير ليس له أن يحميها بل يسيبها فلا يكون له ولاية حماية خنزير غيره فصل وأما القدر المأخوذ مما يمر به التاجر على العاشر فالمار لا يخلو إما إن كان مسلما أو ذميا أو حربيا فإن كان مسلما يأخذ منه في أموال التجارة ربع العشر لأن المأخوذ منه زكاة فيؤخذ على قدر الواجب من الزكاة في أموال التجارة وهو ربع العشر ويوضع موضع الزكاة ويسقط عن ماله زكاة تلك السنة وإن كان ذميا يأخذ ( ( ( يؤخذ ) ) ) منه نصف العشر ويؤخذ على شرائط الزكاة لكن يوضع موضع الجزية والخراج ولا تسقط عنه جزية رأسه في تلك السنة غير نصارى بني تغلب لأن عمر رضي الله عنه صالحهم من الجزية على الصدقة المضاعفة فإذا أخذ العاشر منهم ذلك سقطت الجزية عنهم وإن كان حربيا يأخذ منه ما يأخذونه من المسلمين فإن علم أنهم يأخذون منا ربع العشر أخذ منهم ذلك القدر وإن كان نصفا فنصف وإن كان عشرا فعشر لأن ذلك أدعى لهم إلى المخالطة بدار الإسلام فيروا محاسن الإسلام فيدعوهم ذلك إلى الإسلام فإن كان لا يعلم ذلك يأخذ منه العشر وأصله ما روينا عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى العشار في الأطراف أن خذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي العشر وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم يخالفه أحد منهم فيكون إجماعا منهم على ذلك وروي أنه قال خذوا منهم ما يأخذون من تجارنا فقيل له إن لم نعلم ما يأخذون من تجارنا فقال خذوا منهم العشر وما يؤخذ منهم فهو في معنى الجزية والمؤنة توضع مواضع الجزية وتصرف إلى مصارفها فصل وأما ركن الزكاة
فركن الزكاة هو إخراج جزء من النصاب إلى الله تعالى وتسليم ذلك إليه يقطع المالك يده عنه بتمليكه من الفقير وتسليمه إليه أو إلى يد من هو نائب عنه وهو المصدق والملك للفقير يثبت من الله تعالى وصاحب المال نائب عن الله تعالى في التمليك والتسليم إلى الفقير والدليل على ذلك قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وقول النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير وقد أمر الله تعالى الملاك بإيتاء الزكاة لقوله عز ( ( ( عزو ) ) ) وجل ( ( ( جل ) ) ) وآتوا الزكاة والإيتاء هو التمليك ولذا سمى الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل إنما الصدقات للفقراء والتصدق تمليك فيصير المالك مخرجا قدر الزكاة إلى الله تعالى بمقتضى التمليك سابقا عليه ولأن الزكاة عبادة على أصلنا والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى وذلك فيما قلنا إن عند التسليم إلى الفقير تنقطع نسبة قدر الزكاة عنه بالكلية وتصير خالصة لله تعالى ويكون معنى القربة في الإخراج إلى الله تعالى بإبطال ملكه عنه لا في التمليك من الفقير بل التمليك من الله تعالى في الحقيقة وصاحب المال نائب عن الله تعالى غير أن عند أبي حنيفة الركن هو إخراج جزء من النصاب من حيث المعنى دون الصورة وعندهما صورة ومعنى لكن يجوز إقامة الغير مقامه من حيث المعنى ويبطل اعتبار الصورة بإذن صاحب الحق وهو الله تعالى على ما بينا فيما تقدم وبينا اختلاف المشايخ في السوائم على قول أبي حنيفة وعلى هذا يخرج صرف الزكاة إلى وجوه البر من بناء المساجد والرباطات والسقايات وإصلاح القناطر وتكفين الموتى ودفنهم أنه لا يجوز لأنه لم يوجد التمليك أصلا وكذلك إذا اشترى بالزكاة طعاما فأطعم الفقراء غذاء ( ( ( غداء ) ) ) وعشاء ولم يدفع عين الطعام إليهم لا يجوز لعدم التمليك وكذا لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه ولو قضى دين حي فقير أن قضى بغير أمره لم يجز لأنه لم يوجد التمليك من الفقير لعدم قبضه وإن كان بأمره يجوز عن الزكاة لوجود التمليك من الفقير لأنه لما أمره به صار وكيلا عنه في القبض فصار كأن الفقير قبض الصدقة بنفسه وملكه من الغريم ولو أعتق عبده بنية الزكاة لا يجوز لانعدام التمليك إذ الإعتاق ليس بتمليك بل هو إسقاط الملك وكذا لو اشترى بقدر الزكاة عبدا فأعتقه لا يجوز عن الزكاة عند عامة العلماء وقال مالك يجوز وبه تأول قوله تعالى وفي الرقاب وهو أن يشتري بالزكاة عبدا فيعتقه ولنا أن الواجب هو التمليك والإعتاق إزالة الملك فلم يأت بالواجب والمراد من قوله تعالى وفي الرقاب إعانة المكاتبين بالزكاة لما نذكره ولو دفع زكاته إلى الإمام أو إلى عامل الصدقة يجوز لأنه نائب عن الفقير في القبض فكأن قبضه كقبض الفقير وكذا لو دفع زكاة ماله إلى صبي فقير أو مجنون فقير وقبض له وليه أبوه أو جده أو وصيهما جاز لأن الولي يملك قبض الصدقة عنه وكذا لو قبض عنه بعض أقاربه وليس ثمة أقرب منه وهو في عياله يجوز وكذا الأجنبي الذي هو في عياله لأنه في معنى الولي في قبض الصدقة لكونه نفعا محضا ألا ترى أنه يملك قبض الهبة له وكذا الملتقط إذا قبض الصدقة عن اللقيط لأنه يملك القبض له فقد وجد تمليك الصدقة من الفقير وذكر في العيون عن أبي يوسف أن من عال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ماله يجوز وقال محمد ما كان من كسوة يجوز وفي الطعام لا يجوز إلا ما دفع إليه
وقيل لا خلاف بينهما في الحقيقة لأن مراد أبي يوسف ليس هو الإطعام على طريق الإباحة بل على وجه التمليك ثم إن كان اليتيم عاقلا يدفع إليه وإن لم يكن عاقلا يقبض عنه بطريق النيابة ثم يكسوه ويطعمه لأن قبض الولي كقبضه لو كان عاقلا ولا يجوز قبض الأجنبي للفقير البالغ العاقل إلا بتوكيله لأنه لا ولاية له عليه فلا بد من أمره كما في قبض الهبة وعلى هذا أيضا يخرج الدفع إلى عبده ومدبره وأم ولده أنه لا يجوز لعدم التمليك إذ هم لا يملكون شيئا فكان الدفع إليهم دفعا إلى نفسه ولا يدفع إلى مكاتبه لأنه عبد ما بقي عليه درهم ولأن كسبه متردد بين أن يكون له أو لمولاه لجواز أن يعجز نفسه ولا يدفع إلى والده وإن علا ولا إلى ولده وإن سفل لأنه ينتفع بملكه فكان الدفع إليه دفعا إلى نفسه من وجه فلا يقع تمليكا مطلقا ولهذا ( ( ( لهذا ) ) ) لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه ولا يدفع أحد الزوجين زكاته إلى الآخر وقال أبو يوسف ومحمد تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها احتجا بما روي أن امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على زوجها عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة ولأبي حنيفة أن أحد الزوجين ينتفع بمال صاحبه كما ينتفع بمال نفسه عرفا وعادة فلا يتكامل معنى التمليك ولهذا لم يجز للزوج أن يدفع إلى زوجته كذا الزوجة وتخرج هذه المسائل على أصل آخر سنذكره والله تعالى أعلم فصل وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى المؤدي وبعضها يرجع إلى المؤدى وبعضها يرجع إلى المؤدى إليه أما الذي يرجع إلى المؤدي فنية الزكاة والكلام في النية في موضعين في بيان أن النية شرط جواز أداء الزكاة وفي بيان وقت نية الأداء أما الأول فالدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لا عمل لمن لا نية له وقوله إنما الأعمال بالنيات ولأن الزكاة عبادة مقصودة فلا تتأدى بدون النية كالصوم والصلاة ولو تصدق بجميع ماله على فقير ولم ينو الزكاة أجزأه عن الزكاة استحسانا والقياس أن لا يجوز وجه القياس ما ذكرنا أن الزكاة عبادة مقصودة فلا بد لها من النية وجه الاستحسان أن النية وجدت دلالة لأن الظاهر أن من عليه الزكاة لا يتصدق بجميع ماله ويغفل عن نية الزكاة فكانت النية موجودة دلالة وعلى هذا إذا وهب جميع النصاب من الفقير أو نوى تطوعا وروي عن أبي يوسف أنه إن نوى أن يتصدق بجميع ماله فتصدق شيئا فشيئا أجزأه عن الزكاة لما قلنا وإن لم ينو أن يتصدق بجميع ماله فجعل يتصدق حتى أتى عليه ضمن الزكاة لأن الزكاة بقيت واجبة عليه بعد ما تصدق ببعض المال فلا تسقط بالتصدق بالباقي ولو تصدق ببعض ماله من غير نية الزكاة حتى لم يجزئه عن زكاة الكل فهل يجزئه عن زكاة القدر الذي تصدق به قال أبو يوسف لا يجزئه وعليه أن يزكي الجميع وقال محمد يجزئه عن زكاة ما تصدق به ويزكي ما بقي حتى إنه لو أدى خمسة من مائتين لا ينوي الزكاة أو نوى تطوعا لا تسقط عنه زكاة الخمسة في قول أبي يوسف وعليه زكاة الكل وعند محمد تسقط عنه زكاة الخمسة وهو ثمن درهم ولا يسقط عنه زكاة الباقي وكذا لو أدى مائة لا ينوي الزكاة ونوى تطوعا لا تسقط زكاة المائة وعليه أن يزكي الكل عند أبي يوسف وعند محمد يسقط عنه زكاة ما تصدق وهو درهمان ونصف ولا يسقط عنه زكاة الباقي كذا ذكر القدوري الخلاف في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يسقط عنه زكاة القدر المؤدى ولم يذكر الخلاف
وجه قول محمد اعتبار البعض بالكل وهو أنه لو تصدق بالكل لجاز عن زكاة الكل فإذا تصدق بالبعض يجوز عن زكاته لأن الواجب شائع في جميع النصاب ولأبي يوسف أن سقوط الزكاة بغير نية لزوال ملكه على وجه القربة عن المال الذي فيه الزكاة ولم يوجد ذلك في التصدق بالبعض ولو تصدق بخمسة ينوي بجميعها الزكاة والتطوع كانت من الزكاة في قول أبي يوسف وقال محمد هي من التطوع وجه قول محمد أن النيتين تعارضتا فلم يصح التعيين للتعارض فالتحق بالعدم فبقي التصدق بنية مطلقة فيقع عن التطوع لأنه أدنى والأدنى متيقن به وجه قول أبي يوسف أن عند تعارض الجهتين يعمل بالأقوى وهو الفرض كما في تعارض الدليلين أنه يعمل بأقواهما ولأن التعيين يعتبر في الزكاة لا في التطوع لأن التطوع لا يحتاج إلى التعيين ألا ترى أن إطلاق الصدقة يقع عليه فلغا تعيينه وبقيت الزكاة متعينة فيقع عن الزكاة والمعتبر في الدفع نية الآمر حتى لو دفع خمسة إلى رجل وأمره أن يدفعها إلى الفقير عن زكاة ماله فدفع ولم تحضره النية عند الدفع جاز لأن النية إنما تعتبر من المؤدي والمؤدي هو الآمر في الحقيقة وإنما المأمور نائب عنه في الأداء ولهذا لو وكل ذميا بأداء الزكاة جاز لأن المؤدي في الحقيقة هو المسلم وذكر في الفتاوى عن الحسن بن زياد في رجل أعطى رجلا دراهم ليتصدق بها تطوعا ثم نوى الآمر أن يكون ذلك من زكاة ماله ثم تصدق المأمور جاز عن زكاة مال الآمر وكذا لو قال تصدق بها عن كفارة يميني ثم نوى الآمر عن زكاة ماله جاز لما ذكرنا أن الأمر هو المؤدي من حيث المعنى وإنما المأمور نائب عنه ولو قال إن دخلت هذه الدار فلله علي أن أتصدق بهذه المائة درهم ثم نوى وقت الدخول عن زكاة ماله لا تكون زكاة لأن عند الدخول وجب عليه التصدق بالنذر المتقدم أو اليمين المتقدمة وذلك لا يحتمل الرجوع فيه بخلاف الأول ولو تصدق عن غيره بغير أمره فإن تصدق بمال نفسه جازت الصدقة عن نفسه ولا تجوز عن غيره وإن أجازه ورضي به أما عدم الجواز عن غيره فلعدم التمليك منه إذ لا ملك له في المؤدي ولا يملكه بالإجازة فلا تقع الصدقة عنه وتقع عن المتصدق لأن التصدق وجد نفاذا عليه وإن تصدق بمال المتصدق عنه وقف على إجازته فإن أجاز والمال قائم جاز عن الزكاة وإن كان المال هالكا جاز عن التطوع ولم يجز عن الزكاة لأنه لما تصدق عنه بغير أمره وهلك المال صار بدله دينا في ذمته فلو جاز ذلك عن الزكاة كان أداء الدين عن الغير وأنه لا يجوز والله أعلم وأما وقت النية فقد ذكر الطحاوي ولا تجزىء الزكاة عمن أخرجها إلا بنية مخالطة لإخراجه إياها كما قال في باب الصلاة وهذا إشارة إلى أنها لا تجزىء إلا بنية مقارنة للأداء وعن محمد بن سلمة أنه قال إن كان وقت التصديق ( ( ( التصدق ) ) ) بحال لو سئل عماذا يتصدق أمكنه الجواب من غير فكرة فإن ذلك يكون نية منه وتجزئه كما قال في نية الصلاة والصحيح أن النية تعتبر في أحد الوقتين إما عند الدفع وإما عند التمييز هكذا روى هشام عن محمد في رجل نوى إن ما يتصدق به إلى آخر السنة فهو عن زكاة ماله فجعل يتصدق إلى آخر السنة ولا تحضره النية قال لا تجزئه وإن ميز زكاة ماله فصرها في كمه وقال هذه من الزكاة فجعل يتصدق ولا تحضره النية قال أرجو أن تجزئه عن الزكاة لأن في الأول لم توجد النية في الوقتين وفي الثاني وجد في أحدهما وهو وقت التمييز وإنما لم تشترط في وقت الدفع عينا لأن دفع الزكاة قد يقع دفعة واحدة وقد يقع متفرقا وفي اشتراط النية عند كل دفع مع تفريق الدفع حرج والحرج مدفوع والله أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المؤدى
فمنها أن يكون مالا متقوما على الإطلاق سواء كان منصوصا عليه أو لا من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أو من غير جنسه والأصل إن كل مال يجوز التصدق به تطوعا يجوز أداء الزكاة منه وما لا فلا وهذا عندنا وعند الشافعي لا يجوز الأداء المنصوص عليه وقد مضت المسألة غير أن المؤدى يعتبر فيه القدر والصفة في بعض الأموال وفي بعضها القدر دون الصفة وفي بعضها الصفة دون القدر وفي بعض هذه الجملة اتفاق وفي بعضها اختلاف وجملة الكلام فيه أن مال الزكاة لا يخلو إما أن يكون عينا وإما أن يكون دينا والعين لا يخلو إما أن تكون مما لا يجري فيه الربا كالحيوان والعروض وإما أن يكون مما يجري فيه الربا كالمكيل والموزون فإن كان مما لا يجري فيه الربا فإن كان من السوائم فإن أدى المنصوص عليه من الشاة وبنت المخاض ونحو ذلك يراعي فيه صفة الواجب وهو أن يكون وسطا فلا يجوز الرديء إلا على طريق التقويم فبقدر قيمته وعليه التكميل لأنه لم يؤد الواجب ولو أدى الجيد جاز لأنه أدى الواجب وزيادة وإن أدى القيمة أدى قيمة الوسط فإن أدى قيمة الرديء لم يجز إلا بقدر قيمته وعليه التكميل ولو أدى شاة واحدة سمينة عن شاتين وسطين تعدل قيمتها قيمة شاتين وسطين جاز لأن الحيوان ليس من أموال الربا والجودة في غير أموال الربا متقومة ألا ترى أنه يجوز بيع شاة بشاتين فبقدر الوسط يقع عن نفسه وبقدر قيمة الجودة يقع عن شاة أخرى وإن كان من عروض التجارة فإن أدى من النصاب ربع عشره يجوز كيفما كان النصاب لأنه أدى الواجب بكماله وإن أدى من غير النصاب فإن كان من جنسه يراعي فيه صفة الواجب من الجيد والوسط والردىء ( ( ( والرديء ) ) ) ولو أدى الردىء ( ( ( الرديء ) ) ) مكان الجيد والوسط لا يجوز إلا على طريق التقويم بقدره وعليه التكميل لأن العروض ليست من أموال الربا حتى يجوز بيع ثوب بثوبين فكانت الجودة فيها متقومة ولهذا لو أدى ثوبا جيدا عن ثوبين رديئين يجوز وإن كان من خلاف جنسه يراعى فيه قيمة الواجب حتى لو أدى أنقص منه لا يجوز إلا بقدره وإن كان مال الزكاة مما يجري فيه الربا من الكيلي والوزني فإن أدى ربع عشر النصاب يجوز كيفما كان لأنه أدى ما وجب عليه وإن أدى من غير النصاب فلا يخلو إما إن كان من جنس النصاب وإما إن كان من خلاف جنسه فإن كان المؤدى من خلاف جنسه بأنه ( ( ( بأن ) ) ) أدى الذهب عن الفضة أو الحنطة عن الشعير يراعي قيمة الواجب بالإجماع حتى لو أدى أنقص منها لا يسقط عنه كل الواجب بل يجب عليه التكميل لأن الجودة في أموال الربا متقومة عند مقابلتها بخلاف جنسها وإن كان المؤدى من جنس النصاب فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال قال أبو حنيفة وأبو يوسف أن المعتبر هو القدر لا القيمة وقال زفر المعتبر هو القيمة لا القدر وقال محمد المعتبر ما هو أنفع للفقراء فإن كان اعتبار القدر أنفع فالمعتبر هو القدر كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف وإن كان اعتبار القيمة أنفع فالمعتبر هو القيمة كما قال زفر وبيان هذا في مسائل إذا كان له مائتا ( ( ( مائتان ) ) ) قفيز حنطة جيدة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال عليها الحول فلم يؤد منها وأدى خمسة أقفزة رديئة يجوز وتسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ويعتبر القدر لا قيمة الجودة
وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب اعتبارا في حق الفقراء للقيمة عند زفر واعتبارا للأنفع عند محمد والصحيح اعتبار أبي حنيفة وأبي يوسف لأن الجودة في الأموال الربوية لا قيمة لها عند مقابلتها بجنسها لقول النبي صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء إلا أن محمدا يقول أن الجودة متقومة حقيقة وإنما سقط اعتبار تقومها شرعا لجريان الربا والربا اسم لمال يستحق بالبيع ولم يوجد والجواب أن المسقط لاعتبار الجودة وهو النص مطلق فيقتضي سقوط تقومها مطلقا إلا فيما قيد بدليل ولو كلف النصاب حنطة رديئة للتجارة قيمتها مائتا درهم فأدى أربعة أقفزة جيدة عن خمسة أقفزة رديئة لا يجوز إلا عن أربعة أقفزة منها وعليه أن يؤدي قفيز ( ( ( قفيزا ) ) ) آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اعتبارا للقدر دون القيمة عندهما واعتبارا للأنفع للفقراء عند محمد وعند زفر لا يجب عليه شيء آخر اعتبارا للقيمة عنده وعلى هذا إذا كان له مائتا درهم جيدة حال عليها الحول فأدى خمسة زيوفا جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف لوجود القدر ولا يجوز عند محمد وزفر لعدم القيمة والأنفع ولو أدى أربعة دراهم جيدة عن خمسة رديئة لا يجوز إلا عن أربعة دراهم وعليه درهم آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلاعتبار القدر والقدر ناقص وأما عند محمد فلاعتبار الأنفع للفقراء والقدر ههنا أنفع لهم وعلى أصل زفر يجوز لاعتبار القيمة ولو كان له قلب فضة أو إناء مصوغ ( ( ( مصنوع ) ) ) من فضة جيدة وزنه مائتا درهم وقيمته لجودته وصياغته ثلثمائة فإن أدى من النصاب أدى ربع عشره وإن أدى من الجنس من غير النصاب يؤدي خمسة دراهم زكاة المائتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر يؤدي زكاة ثلثمائة درهم بناء على الأصل الذي ذكرنا وإن أدى من غير جنسه يؤدي زكاة ثلثمائة وذلك سبعة دراهم ونصف بالإجماع لأن قيمة الجودة تظهر عند المقابلة بخلاف الجنس ولو أدى عنها خمسة زيوفا قيمتها أربعة دراهم جيدة جاز وسقطت عنه الزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب وعلى هذا النذر إذا أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة جيدة فأدى قفيزا رديئا يخرج عن النذر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر عليه أداء الفضل ولو أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة رديئة فتصدق بنصف قفيز حنطة جيدة تبلغ قيمته قيمة قفيز حنطة رديئة لا يجوز إلا عن النصف وعليه أن يتصدق بنصف آخر في قول أصحابنا الثلاثة وفي قول زفر لا شيء عليه غيره وهذا والزكاة سواء والأصل ما ذكرنا ولو أوجب على نفسه صدقة بشاتين فتصدق مكانهما بشاة واحدة تبلغ قيمتها قيمة شاتين جاز ويخرج عن النذر كما في الزكاة وهذا بخلاف ما إذا أوجب على نفسه أن يهدي شاتين فأهدى مكانهما شاة تبلغ قيمتها قيمة شاتين أنه لا يجوز إلا عن واحدة منهما وعليه شاة أخرى لأن القربة هناك في نفس الإراقة لا في التمليك وإراقة دم واحد لا يقوم مقام إراقة دمين وكذا لو أوجب على نفسه عتق رقبتين فأعتق رقبة تبلغ قيمتها قيمة رقبتين لم يجز لأن القربة ( ( ( الرقبة ) ) ) ثمة ليس في التمليك بل في إزالة الرق وإزالة رق واحد لا يقوم مقام إزالة رقين ولهذا لم يجز إعتاق رقبة واحدة وإن كانت سمينة إلا عن كفارة واحدة والله أعلم وإن كان مال الزكاة دينا فجملة الكلام فيه أن أداء العين عن العين جائز بأن كان له مائتا درهم عين فحال عليها الحول فأدى خمسة منها لأنه أداء الكامل عن الكامل فقد أدى ما وجب عليه فيخرج عن الواجب
وكذا إذا أدى العين عن الدين بأن كان له مائتا درهم دين فحال عليها الحول ووجبت فيها الزكاة فأدى خمسة عينا عن الدين لأنه أداء الكامل عن الناقص لأن العين مال بنفسه ومالية الدين لاعتبار تعينه في العاقبة وكذا العين قابل للتمليك من جميع الناس والدين لا يقبل التمليك لغير من عليه الدين وأداء الدين عن العين لا يجوز بأن كان له على فقير خمسة دراهم وله مائتا درهم عين حال عليها الحول فتصدق بالخمسة على الفقير ناويا عن زكاة المائتين لأنه أداء الناقص عن الكامل فلا يخرج عما عليه والحيلة في الجواز أن يتصدق عليه بخمسة دراهم عين ينوي عن زكاة المائتين ثم يأخذها منه قضاء عن دينه فيجوز ويحل له ذلك وأما أداء الدين عن الدين فإن كان عن دين يصير عينا لا يجوز بأن كان له على فقير خمسة دراهم دين وله على رجل آخر مائتا درهم فحال عليها الحول فتصدق بهذه الخمسة على من عليه ناويا عن زكاة المائتين لأن المائتين تصير عينا بالاستيفاء فتبين في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين وأنه لا يجوز لما بينا وإن كان عن دين لا يصير عينا يجوز بأن كان له على فقير مائتا درهم دين فحال عليها الحول فوهب منه المائتين ينوي عن الزكاة لأن هذا دين لا ينقلب عينا فلا يظهر في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين فلا يظهر أنه أداء الناقص عن الكامل فيجوز هذا إذا كان من عليه الدين فقيرا فوهب المائتين له أو تصدق بها عليه فأما إذا كان غنيا فوهب أو تصدق فلا شك أنه سقط عنه الدين لكن هل يجوز وتسقط عنه الزكاة أم لا يجوز وتكون زكاتها عينا ( ( ( دينا ) ) ) عليه ذكر في الجامع أنه لا يجوز ويكون قدر الزكاة مضمونا عليه وذكر في نوادر الزكاة أنه يجوز وجه رواية الجامع ظاهر لأنه دفع الزكاة إلى الغني مع العلم بحاله أو من غير نحر ( ( ( تحر ) ) ) وهذا لا يجوز بالإجماع وجه رواية النوادر أن الجواز ليس على معنى سقوط الواجب بل على امتناع الوجوب لأن الوجوب باعتبار ماليته وماليته باعتبار صيرورته عينا في العاقبة فإذا لم يصر تبين أنه لم يكن مالا والزكاة لا تجب فيما ليس بمال والله تعالى أعلم فصل وأما الذي يرجع إلى المؤدى إليه فأنواع منها أن يكون فقيرا فلا يجوز صرف الزكاة إلى الغني إلا أن يكون عاملا عليها لقوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل جعل الله تعالى الصدقات للأصناف المذكورين بحرف اللام وأنه للاختصاص فيقتضي اختصاصهم باستحقاقها فلو جاز صرفها إلى غيرهم لبطل الاختصاص وهذا لا يجوز والآية خرجت لبيان مواضع الصدقات ومصارفها ومستحقيها وهم وإن اختلفت أساميهم فسبب الاستحقاق في الكل واحد وهو الحاجة إلا العاملين عليها فإنهم مع غناهم يستحقون العمالة لأن السبب في حقهم العمالة لما نذكر ثم لا بد من بيان معاني هذه الأسماء أما الفقراء والمساكين فلا خلاف في أن كل واحد منهما جنس على حدة وهو الصحيح لما نذكر واختلف أهل التأويل واللغة في معنى الفقير والمسكين وفي أن أيهما أشد حاجة وأسوأ حالا قال الحسن الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل وهكذا ذكره الزهري وكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهذا يدل على أن المسكين أحوج
وقال قتادة الفقير الذي به زمانة وله حاجة والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به وهذا يدل على أن الفقير أحوج وقيل الفقير الذي يملك شيئا يقوته والمسكين الذي لا شيء له سمي مسكينا لما أسكنته حاجته عن التحرك فلا يقدر يبرح عن مكانه وهذا أشبه الأقاويل قال الله تعالى أو مسكينا ذا متربة قيل في التفسير أي استتر بالتراب وحفر الأرض إلى عانته وقال الشاعر أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد سماه فقيرا مع أن له حلوبة هي رفق ( ( ( وفق ) ) ) العيال والأصل الفقير والمسكين كل واحد منهما اسم ينبىء عن الحاجة إلا حاجة المسكين أشد وعلى هذا يخرج قول من يقول الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل لأن من شأن الفقير المسلم أنه يتحمل ما كانت له حيلة ويتعفف ولا يخرج فيسأل وله حيلة فسؤاله يدل على شدة حاله وما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال ليس المسكين الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قيل فما المسكين يا رسول الله قال الذي لا يجد ما يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس فهو محمول على أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكينا فإن الذي لا يسأل ولا يفطن به أشد مسكنة من هذا وعلى هذا يحمل ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين الذي لا مكسب له أي الذي لا مال له وإن كان مسكينا فالذي لا مال له ولا مكسب له أشد مسكنة منه وكأنه قال الذي لا مال له ولا مكسب فهو فقير والمسكين الذي لا مال له ولا مكسب وما قاله بعض مشياخنا ( ( ( مشايخنا ) ) ) إن الفقراء والمساكين جنس واحد في الزكاة بلا خلاف بين أصحابنا بدليل جواز صرفها إلى جنس واحد وإنما الخلاف بعد في كونهما جنسا واحدا أو جنسين في الوصايا اختلاف بين أصحابنا غير سديد بل لا خلاف بين أصحابنا في أنهما جنسان مختلفان فيهما جميعا لما ذكرنا والدليل عليه أن الله تعالى عطف البعض على البعض والعطف دليل المغايرة في الأصل وإنما جاز صرف الزكاة إلى صنف واحد لمعنى آخر وذلك المعنى لا يوجد في الوصية وهو دفع الحاجة وذا يحصل بالصرف إلى صنف واحد والوصية ما شرعت لدفع حاجة الموصي له فإنها تجوز للفقير والغني وقد يكون للموصي أغراض كثيرة لا يوقف عليها فلا يمكن تعليل نص كلامه فتجري على ظاهر لفظه من غير اعتبار المعنى بخلاف الزكاة فإنا عقلنا المعنى فيها وهو دفع الحاجة وإزالة المسكنة وجميع الأصناف في هذا المعنى جنس واحد لذلك افترقا لا لما قالوه والله أعلم وأما العاملون عليها فهم الذين نصبهم الإمام لجباية الصدقات واختلف فيما يعطون قال أصحابنا يعطيهم الإمام كفايتهم منها وقال الشافعي يعطيهم الثمن وجه قوله أن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية منهم العاملون عليها فكان لهم منها الثمن
ولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق العمالة لا بطريق الزكاة بدليل أنه يعطي وإن كان غنيا بالإجماع ولو كان ذلك صدقة لما حلت للغني وبدليل أنه لو حمل زكاته بنفسه إلى الإمام لا يستحق العامل منها شيئا ولهذا قال أصحابنا أن حق العامل فيما في يده من الصدقات حتى لو هلك ما في يده سقط حقه كنفقة المضارب إنها تكون في مال المضاربة حتى لو هلك مال المضاربة سقطت نفقته كذا هذا دل أنه إنما يستحق بعمله لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه لا على سبيل الأجرة لأن الأجرة مجهولة أما عندنا فظاهر لأن قدر الكفاية له ولأعوانه غير معلوم وكذا عنده لأن قدر ما يجتمع من الصدقات بجبايته مجهول فكان ثمنه مجهولا لا محالة وجهالة أحد البدلين يمنع جواز الإجارة فجهالة البدلين جميعا أولى فدل أن الاستحقاق ليس على سبيل الأجرة بل على طريق الكفاية له ولأعوانه لاشتغاله بالعمل لأصحاب المواشي فكانت كفايته في مالهم وأما قوله إن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف المذكورين في الآية فممنوع أنه قسم بل بين فيها مواضع الصدقات ومصارفها لما نذكر ولو كان العامل هاشميا لا يحل له عندنا وعند الشافعي يحل واحتج بما روي أن رسول الله بعث عليا رضي الله عنه إلى اليمن مصدقا وفرض له ولو لم يحل للهاشمي لما فرض له ولأن العمالة أجرة العمل بدليل أنها تحل للغني فيستوي فيه ( ( ( فيها ) ) ) الهاشمي وغيره ولنا ما روي أن نوفل بن الحارث بعث ابنيه إلى رسول الله ليستعملهما على الصدقة فقال لا تحل لكما ( ( ( لكم ) ) ) الصدقة ولا غسالة الناس ولأن المال المجبى صدقة ولما حصل في يد الإمام حصلت الصدقة مؤداة حتى لو هلك المال في يده تسقط الزكاة عن صاحبها وإذا حصلت صدقة والصدقة مطهرة لصاحبها فتمكن الخبث في المال فلا يباح للهاشمي لشرفه صيانة له عن تناول الخبث تعظيما لرسول الله أو نقول للعمالة شبهة الصدقة وإنها من أوساخ الناس فيجب صيانة الهاشمي عن ذلك كرامة له وتعظيما للرسول وهذا المعنى لا يوجد في الغني وقد فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية والغني لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل أنه يباح له وإن كان غنيا ملكا فكذا هذا وقوله أن الذي يعطى للعامل أجرة عمله ممنوع وقد بينا فساده وأما حديث علي رضي الله عنه فلا حجة فيه لأن فيه أنه فرض له وليس فيه بيان المفروض أنه من الصدقات أو من غيرها فيحتمل أنه فرض له من بيت المال لأنه كان قاضيا والله أعلم وأما المؤلفة قلوبهم فقد قيل أنهم كانوا قوما من رؤساء قريش وصناديد العرب مثل أبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن الفزاري والعباس بن مرداس ( ( ( مرادس ) ) ) السلمي ومالك بن عوف النضري ( ( ( النصري ) ) ) وحكيم بن حزام وغيرهم ولهم شوكة وقوة وأتباع كثيرة بعضهم أسلم حقيقة وبعضهم أسلم ظاهرا لا حقيقة وكان من المنافقين وبعضهم كان من المسالمين فكان رسول الله يعطيهم من الصدقات تطييبا لقلوب المسلمين منهم وتقريرا لهم على الإسلام وتحريضا لأتباعهم على أتباعهم وتأليفا لمن لم يحسن إسلامه وقد حسن إسلام عامتهم إلا من شاء الله تعالى لحسن معاملة النبي معهم وجميل سيرته حتى روي عن صفوان بن أمية قال أعطاني رسول الله وأنه لأبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي واختلف في سهامهم بعد وفاة رسول الله قال عامة العلماء أنه انتسخ سهمهم وذهب ولم يعطوا شيئا بعد النبي ولا يعطى الآن لمثل حالهم وهو أحد قولي الشافعي
وقال بعضهم وهو أحد قولي ( ( ( قول ) ) ) الشافعي رضي الله عنه أن حقهم بقي وقد أعطي من بقي من أولئك الذين أخذوا في عهد النبي والآن يعطى لمن حدث إسلامه من الكفرة تطبيبا ( ( ( تطييبا ) ) ) لقلبه وتقريرا له على الإسلام وتعطي الرؤساء من أهل الحرب إذا كانت لهم غلبة يخاف على المسلمين من شرهم لأن المعنى الذي له كان يعطي النبي أولئك موجود في هؤلاء والصحيح قول العامة لإجماع الصحابة على ذلك فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أنه لما قبض رسول الله جاؤوا إلى أبي بكر واستبدلوا الخط ممنه لسهامهم فبدل لهم الخط ثم جاؤوا إلى عمر رضي الله عنه وأخبروه بذلك فأخذ الخط من أيديهم ومزقه وقال إن رسول الله كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام فأما اليوم فقد أعز الله دينه فإن ثبتم على الإسلام وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف فانصرفوا إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر رضي الله عنهما وقالوا أنت الخليفة أم هو فقال إن شاء الله هو ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله وبلغ ذلك الصحابة فلم ينكروا فيكون إجماعا منهم على ذلك ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام ولهذا سماهم الله المؤلفة قلوبهم والإسلام يومئذ في ضعف وأهله في قلة وأولئك كثير ذو قوة وعدد واليوم بحمد الله عز الإسلام وكثر أهله واشتدت دعمائه ( ( ( دعائمه ) ) ) ورسخ بنيانه وصار أهل الشرك أذلاء والحكم متى ثبت معقولا بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك المعنى ونظيره ما كان عاهد رسول الله كثيرا من المشركين لحاجته إلى معاهدتهم ومداراتهم لقلة أهل الإسلام وضعفهم فلما أعز الله الإسلام وكثر أهله أمر رسول الله أن يرد إلى أهل العهود عهودهم وأن يحارب المشركين جميعا بقوله عز وجل براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين إلى قوله فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وأما قوله تعالى وفي الرقاب فقد قال بعض أهل التأويل معناه وفي عتق الرقاب ويجوز إعتاق الرقبة بنية الزكاة وهو قول مالك وقال عامة أهل التأويل الرقاب المكاتبون قوله تعالى وفي الرقاب أي وفي فك الرقاب وهو أن يعطي المكاتب شيئا من الصدقة يستعين به على كتابته لما روي أن رجلا جاء إلى رسول الله وقال علمني عملا يدخلني الجنة فقال أعتق النسمة وفك الرقبة فقال الرجل أليسا ( ( ( أوليسا ) ) ) سواء قال لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في عتقها وإنما جاز دفع الزكاة إلى المكاتب لاعانته ( ( ( ليؤدي ) ) ) على ( ( ( بدل ) ) ) كتابته فيعتق ولا يجوز ابتداء الاعتقاق ( ( ( الإعتاق ) ) ) بنية الزكاة لوجهين أحدهما ما ذكرنا أن الواجب إيتاء الزكاة والإيتاء هو التمليك والدفع إلى المكاتب تمليك فأما الإعتاق فليس بتمليك والثاني ما أشار إليه سعيد بن جبير فقال لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء ومعنى هذا الكلام أن الإعتاق يوجب الولاء للعتق ( ( ( للمعتق ) ) ) فكان حقه فيه باقيا ولم ينقطع من كل وجه فلا يتحقق الإخلاص فلا يكون عبادة والزكاة عبادة فلا تتأدى بما ليس بعبادة فأما الذي يدفع إلى المكاتب فينقطع عنه حق المؤدي من كل وجه ولا يرجع إليه بذلك نفع فيتحقق الإخلاص وأما قوله تعالى والغارمين قيل الغارم الذي عليه الدين أكثر من المال الذي في يده أو مثله أو أقل منه لكن ما وراءه ليس بنصاب وأما قوله تعالى وفي سبيل الله عبارة عن جميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا
وقال أبو يوسف المراد منه فقراء الغزاة لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع يراد به ذلك وقال محمد المراد منه الحاج المنقطع لما روي أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله فأمره النبي أن يحمل عليه الحاج وقال الشافعي يجوز دفع الزكاة إلى الغازي وإن كان غنيا وأما عندنا فلا يجوز إلا عند اعتبار حدوث الحاجة واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي أنه قال لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأعطاها له وعن عطاء بن يسار عن النبي أنه قال لا تحل الصدقة إلا لخمس العامل عليها ورجل اشتراها وغارم وغاز في سبيل الله وفقير تصدق عليه فأهداها إلى غني نفى حل الصدقة للأغنياء واستثنى الغازي منهم والاستثناء من النفي إثبات فيقتضي حل الصدقة للغازي الغني ولنا قول النبي لا تحل الصدقة لغني وقوله أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم جعل الناس قسمين قسما يؤخذ منهم وقسما يصرف إليهم فلو جاز صرف الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة وهذا لا يجوز وأما استثناء الغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة وسماه غنيا على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة وهو أن يكون غنيا ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار يسكنها ومتاع يمتهنه وثياب يلبسها وله مع ذلك فضل مائتي درهم حتى لا تحل له الصدقة ثم يعزم على الخروج في سفر غزو فيحتاج إلى آلات سفره وسلاح يستعمله في غزوه ومركب يغزو عليه وخادم يستعين بخدمته على ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته فيجوز أن يعطي من الصدقات ما يستعين به في حاجته التي تحدث له في سفره وهو في مقامه غني بما يملكه لأنه غير محتاج في حال إقامته فيحتاج في حال سفره فيحمل قوله لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله على من كان غنيا في حال مقامه فيعطي بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له من الحاجة إلا أنه يعطي حين يعطي وهو غني وكذا تسمية الغارم غنيا في الحديث على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم وهذا لأن الغنى اسم لمن يستغني عما يملكه وإنما كان كذلك قبل حدوث الحاجة فأما بعده فلا وأما قوله تعالى وابن السبيل فهو الغريب المنقطع عن ماله وإن كان غنيا في وطنه لأنه فقير في الحال وقد روينا عن رسول الله أنه قال لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ( ( ( وابن ) ) ) ابن السبيل الحديث ولو صرف إلى واحد من هؤلاء الأصناف يجوز عند أصحابنا وعند الشافعي لا يجوز إلا أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف واحتج بقوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين إلى آخر الأصناف أخبر الله تعالى أن الصدقات للأصناف المذكورين في الآية على الشركة فيجب إيصال كل صدقة إلى كل صنف إلا أن الاستيعاب غير ممكن فيصرف إلى ثلاثة من كل صنف إذ الثلاثة أدنى الجمع الصحيح ولنا السنة المشهورة وإجماع الصحابة وعمل الأئمة إلى يومنا هذا والاستدلال أما السنة فقول النبي لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ولم يذكر الأصناف الأخر وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن إلى النبي مذهبة في ترابها فقسمها النبي بين الأقرع بن حابس وبين زيد الخيل وعيينة ( ( ( وبين ) ) ) بن حصن وعلقمة بن علاثة فغضبت قريش والأنصار وقالوا تعطي صناديد أهل نجد فقال النبي إنما أتألفهم ولو كان كل صدقة مقسومة على الثمانية بطريق الاستحقاق لما دفع النبي المذهبة إلى المؤلفة قلوبهم دون غيرهم
وأما إجماع الصحابة فإنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا جمع صدقات المواشي من البقر والغنم نظر منها ما كان منيحة اللبن فيعطيها لأهل بيت واحد على قدر ما يكفيهم وكان يعطي العشرة للبيت الواحد ثم يقول عطية تكفي خير من عطية لا تكفي أو كلام نحو هذا وروى عن علي رضي الله عنه أنه أتي بصدقة فبعثها إلى أهل بيت واحد وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال هؤلاء أهلها ففي أي صنف وضعتها أجزأك وكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كذلك وأما عمل الأئمة فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء الأصناف فقسمها بينهم مع ما أنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما قدر على ذلك وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنه فرق صدقة واحدة على هؤلاء ولو كان الواجب هو القسمة على السوية بينهم لا يحتمل أن يقسموها كذلك ويضيعوا حقوقهم وأما الاستدلال فهو أن الله تعالى أمر بصرف الصدقات إلى هؤلاء بأسامي منبئة عن الحاجة فعلم أنه إنما أمر بالصرف إليهم لدفع حاجتهم والحاجة في الكل واحدة وإن اختلفت الأسامي وأما الآية ففيها بيان مواضع الصدقات ومصارفها ومستحقيها لأن اللام للاختصاص وهو أنهم المختصون بهذا الحق دون غيرهم لا للتسوية لغة وإنما ( ( ( إنما ) ) ) الصيغة للشركة والتسوية لغة حرف بين ألا ترى أنه إذا قيل الخلافة لبني العباس والسدانة لبني عبد الدار والسقاية لبني هاشم يراد به أنهم المختصون بذلك لا حق فيها لغيرهم لأنها بينهم بالحصص بالسوية ولو قيل الخلافة بين بني العباس والسدانة بين بني عبد الدار والسقاية بين بني هاشم كان خطأ ولهذا قال أصحابنا فيمن قال ما لي لفلان وللموتى أنه كله لفلان ولو قال ما لي بين فلان وبين الموتى كان لفلان نصفه ولو كان الأمر على ما قاله الشافعي إن الصدقة تقسم بين الأصناف الثمانية على السوية لقال إنما الصدقات بين الفقراء فإن قيل أليس أن من قال ثلث مالي لفلان وفلان أنه يقسم بينهما بالسوية كما إذا قال ثلث مالي بين فلان وفلان والجواب أن الاشتراك هناك ليس موجب الصيغة إذ الصيغة لا توجب الاشتراك والتسوية بينهما بل موجب الصيغة ما قلنا إلا أن في باب الوصية لما جعل الثلث حقا لهما دون غيرهما وهو شيء معلوم لا يزيد بعد الموت ولا يتوهم له عدد وليس أحدهما بأولى من الآخر فقسم بينهما على السواء نظرا لهما جميعا فأما الصدقات فليست بأموال متعينة لا تحتمل الزيادة والمدد حتى يحرم البعض بصرفها إلى البعض بل يردف بعضها بعضا وإذا فني مال يجيء مال آخر وإذا مضت سنة تجيء سنة أخرى بمال جديد ولا انقطاع للصدقات إلى يوم القيامة فإذا صرف الإمام صدقة يأخذها من قوم إلى صنف منهم لم يثبت الحرمان للباقين بل يحمل إليه صدقة أخرى فيصرف إلى فريق آخر فلا ضرورة إلى الشركة والتسوية في كل مال يحمل إلى الإمام من الصدقات والله أعلم وكما لا يجوز صرف الزكاة إلى الغني لا يجوز صرف جميع الصدقات المفروضة والواجبة إليه كالعشور والكفارات والنذور وصدقة الفطر لعموم قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء وقول النبي لا تحل الصدقة لغني ولأن الصدقة مال تمكن فيه الخبث لكونه غسالة الناس لحصول الطهارة لهم به من الذنوب ولا يجوز الانتفاع بالخبيث إلا عند الحاجة والحاجة للفقير لا للغني وأما صدقة التطوع فيجوز صرفها إلى الغني لأنها تجري مجرى الهبة ولا يجوز الصرف إلى عبد الغني ومدبره وأم ولده لأن الملك في المدفوع نفع لمولاه وهو غني فكان دفعا إلى الغني