Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Bagian V02/P079–V02/P080

ولو شرع في الصلاة في أوقات مكروهة فأفسدها ففيه روايتان عن أبي حنيفة في رواية لا قضاء عليه كما في الصوم وفي رواية عليه القضاء بخلاف الصوم وقد ذكرنا وجوه الفرق في كتاب الصلاة أما صوم رمضان فوقته شهر رمضان لا يجوز في غيره فيقع الكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان وقت صوم رمضان والثاني في بيان ما يعرف به وقته أما الأول فوقت صوم رمضان شهر رمضان لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه أي فليصم في الشهر وقول وصوموا شهركم أي في شهركم لأن الشهر لا يصام وإنما يصام فيه وأما الثاني وهو بيان ما يعرف به وقته فإن كانت السماء مصحية يعرف برؤية الهلال وإن كانت متغيمة يعرف بإكمال شعبان ثلاثين يوما لقول النبي صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا وكذلك إن غم على الناس هلال شوال أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوما لأن الأصل بقاء الشهر وكماله فلا يترك هذا الأصل إلا بيقين على الأصل المعهود أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله فإن كانت السماء مصحية ورأى الناس الهلال صاموا وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم في ظاهر الرواية ولم يقدر في ذلك تقديرا وروي عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلا وعن خلف بن أيوب أنه قال خمسمائة ببلخ قليل وقال بعضهم ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد أو اثنان وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنه يقبل فيه شهادة الواحد العدل وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى وقال في قول آخر تقبل فيه شهادة اثنين وجه رواية الحسن رحمه الله تعالى أن هذا من باب الإخبار لا من باب الشهادة بدليل أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان بالسماء علة ولو كان شهادة لما قبل لأن العدد شرط في الشهادات وإذا كان إخبارا لا شهادة فالعدد ليس بشرط في الإخبار عن الديانات وإنما تشترط العدالة فقط كما في رواية الأخبار عن طهارة الماء ونجاسته ونحو ذلك وجه ظاهر الرواية أن خبر الواحد العدل إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر وههنا الظاهر يكذبه لأن تفرده بالرؤية مع مساواة جماعة لا يحصون إياه في الأسباب الموصلة إلى الرؤية وارتفاع الموانع دليل كذبه أو غلطه في الرؤية وليس كذلك إذا كان بالسماء علة لأن ذلك يمنع التساوي في الرؤية لجواز أن قطعة من الغيم انشقت فظهر الهلال فرآه واحد ثم استتر بالغيم من ساعته قبل أن يراه غيره وسواء كان هذا الرجل من المصر أو من خارج المصر وشهد برؤية الهلال أنه لا تقبل شهادته في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي أنه تقبل وجه رواية الطحاوي أن المطالع تختلف بالمصر وخارج المصر في الظهور والخفاء لصفاء الهواء خارج المصر فتخلف ( ( ( فتختلف ) ) ) الرؤية وجه ظاهر الرواية أن المطالع لا تختلف إلا عند المسافة البعيدة الفاحشة وعلى هذا الرجل الذي أخبر أن يصوم لأن عنده أن هذا اليوم من رمضان والإنسان يؤاخذ بما عنده فإن شهد فرد الإمام شهادته ثم أفطر يقضي لأنه أفسد صوم رمضان في زعمه فيعامل بما عنده وهل تلزمه الكفارة قال أصحابنا لا تلزمه وقال الشافعي تلزمه إذا أفطر بالجماع وإن أفطر قبل أن يرد الإمام شهادته فلا رواية عن أصحابنا في وجوب الكفارة واختلف المشايخ فيه قال بعضهم تجب وقال بعضهم لا تجب وجه قول الشافعي أنه أفطر في يوم علم أنه من رمضان لوجود دليل العلم في حقه وهو الرؤية وعدم علم غيره لا يقدح في علمه فيؤاخذ بعلمه فيوجب عليه الكفارة ولهذا أوجب عليه الصوم

Bagian V02/P080

ولنا أنه أفطر في يوم هو من شعبان وإفطار يوم هو من شعبان لا يوجب الكفارة وإنما قلنا ذلك لأن كونه من رمضان إنما يعرف بالرؤية إذا كانت السماء مصحية ولم تثبت رؤيته لما ذكرنا أن تفرده بالرؤية مع مساواة عامة الناس إياه في التفقد مع سلامة الآلات دليل عدم الرؤية وإذا لم تثبت الرؤية لم يثبت كون اليوم من رمضان فيبقى من شعبان والكفارة لا تجب بالإفطار في يوم هو من شعبان بالإجماع وأما وجوب الصوم عليه فممنوع فإن المحققين من مشايخنا قالوا لا رواية في وجوب الصوم عليه وإنما الرواية أنه يصوم وهو محمول على الندب احتياطا وقال الحسن البصري أنه لا يصوم إلا مع الإمام ولو صام هذا الرجل وأكمل ثلاثين يوما ولم ير هلال شوال فإنه لا يفطر إلا مع الإمام وإن زاد صومه على ثلاثين لأنا إنما أمرناه بالصوم احتياطا والاحتياط ههنا أن لا يفطر لاحتمال أن ما رآه لم يكن هلالا بل كان خيالا فلا يفطر مع الشك ولأنه لو أفطر للحقه التهمة لمخالفته الجماعة فالاحتياط أن لا يفطر وإن كانت السماء متغيمة تقبل شهادة الواحد بلا خلاف بين أصحابنا سواء كان حرا أو عبدا رجلا أو امرأة غير محدود في قذف أو محدودا تائبا بعد أن كان مسلما عاقلا بالغا عدلا وقال الشافعي في أحد قوليه لا تقبل إلا شهادة رجلين عدلين اعتبارا بسائر الشهادات ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله فقال أبصرت الهلال فقال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال نعم قال قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غدا فقد قبل رسول الله شهادة الواحد على هلال رمضان ولنا في رسول الله أسوة حسنة ولأن هذا ليس بشهادة بل هو إخبار بدليل أن حكمه يلزم الشاهد وهو الصوم وحكم الشهادة لا يلزم الشاهد والإنسان لا يتهم في إيجاب شيء على نفسه فدل أنه ليس بشهادة بل هو إخبار والعدد ليس بشرط في الإخبار إلا أنه إخبار في باب الدين فيشترط فيه الإسلام والعقل والبلوغ والعدالة كما في رواية الأخبار وذكر الطحاوي في مختصره أنه يقبل قول الواحد عدلا كان أو غير عدل وهذا خلاف ظاهر الرواية إلا أنه يريد به العدالة الحقيقية فيستقيم لأن الأخبار لا تشترط فيه العدالة الحقيقية بل يكتفي فيه بالعدالة الظاهرة والعبد والمرأة من أهل الأخبار ألا ترى أنه صحت روايتهما وكذا المحدود في القذف فإن أصحاب رسول الله قبلوا أخبار أبي بكرة وكان محدودا في قذف وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن شهادته برؤية الهلال لا تقبل والصحيح أنها تقبل وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة لما ذكرنا أن هذا خبر وليس بشهادة وخبره مقبول وتقبل شهادة واحد عدل على شهادة واحد عدل في هلال رمضان بخلاف الشهادة على الشهادة في سائر الأحكام أنها لا تقبل ما لم يشهد على شهادة رجل واحد رجلان أو رجل وامرأتان لما ذكرنا أن هذا من باب الأخبار لا من باب الشهادة ويجوز إخبار رجل عدل عن رجل عدل كما في رواية الأخبار ولو رد الإمام شهادة الواحد لتهمة الفسق فإنه يصوم ذلك اليوم لأن عنده أن ذلك اليوم من رمضان فيؤاخذ بما عنده ولو أفطر بالجماع هل تلزمه الكفارة فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وأما هلال شوال فإن كانت السماء مصحية فلا يقبل فيه إلا شهادة جماعة يحصل العلم للقاضي بخبرهم كما في هلال رمضان كذا ذكر محمد في نوادر الصوم

Bagian V02/P080–V02/P081

وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان بالسماء علة أو لم يكن كما روي عن أبي حنيفة في هلال رمضان أنه تقبل فيه شهادة الواحد العدل سواء كان في السماء علة أو لم يكن وإن كان بالسماء علة فلا تقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين مسلمين حرين عاقلين بالغين غير محدودين في قذف كما في الشهادة في الحقوق والأموال لما روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا أن رسول الله أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز الإفطار إلا بشهادة رجلين ولأن هذا من باب الشهادة ألا ترى أنه لا يلزم الشاهد شيء بهذه الشهادة بل له فيه ( ( ( فيها ) ) ) نفع وهو إسقاط الصوم عن نفسه فكان متهما فيشترط فيه العدد نفيا للتهمة بخلاف هلال رمضان فإن هناك لا تهمة إذ الإنسان لا يتهم في الإضرار بنفسه بالتزام الصوم فإن غم على الناس هلال شوال فإن صاموا رمضان بشهادة شاهدين أفطروا بتمام العدة ثلاثين يوما بلا خلاف لأن قولهما في الفطر يقبل وإن صاموا بشهادة شاهد واحد فروى الحسن عن أبي حنيفة أنهم لا يفطرون على شهادته برؤية هلال رمضان عند كمال العدد وإن وجب عليهم الصوم بشهادته فثبتت الرمضانية بشهادته في حق الصوم لا في حق الفطر لأنه لا شهادة له في الشرع على الفطر ألا ترى أنه لو شهد وحده مقصودا لا تقبل بخلاف ما إذا صاموا بشهادة شاهدين لأن لهما شهادة على الصوم والفطر جميعا ألا ترى لو شهدا برؤية الهلال تقبل شهادتهما لأن وجوب الصوم عليهم بشهادته من طريق الاحتياط والاحتياط ههنا في أن لا يفطروا بخلاف ما إذا صاموا بشهادة شاهدين لأن الوجوب هناك ثبت بدليل مطلق فيظهر في الصوم والفطر جميعا وروى ابن سماعة عن محمد أنهم يفطرون عند تمام العدد فأورد ابن سماعة على محمد إشكالا فقال إذا قبلت شهادة الواحد في الصوم تفطر على شهادته ومتى أفطرت عند كمال العدد على شهادته فقد أفطرت بقول الواحد وهذا لا يجوز لاحتمال أن هذا اليوم من رمضان فأجاب محمد رحمه الله فقال لا أتهم المسلم أن يتعجل يوما مكان يوم ومعناه أن الظاهر أنه إن كان صادقا في شهادته فالصوم وقع في أول الشهر فيختم بكمال العدد وقيل فيه بجواب آخر وهو أن جواز الفطر عند كمال العدد لم يثبت بشهادته مقصودا بل بمقتضى الشهادة وقد يثبت بمقتضى الشيء ما لا يثبت به مقصودا كالميراث بحكم النسب الثابت أنه يظهر بشهادة القابلة بالولادة وإن كان لا يظهر بشهادتها مقصودا والاستشهاد على مذهبهما لا على مذهب أبي حنيفة لأن شهادة القابلة بالولادة لا تقبل في حق الميراث عنده وأما هلال ذي الحجة فإن كانت السماء مصحية فلا يقبل فيه إلا ما يقبل في هلال رمضان وهلال شوال وهو ما ذكرنا وإن كان بالسماء علة فقد قال أصحابنا إنه يقبل فيه شهادة الواحد وذكر الكرخي أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين كما في هلال شوال لأنه يتعلق بهذه الشهادة حكم شرعي وهو وجوب الأضحية على الناس فيشترط فيه العدد والصحيح هو الأول لأن هذا ليس من باب الشهادة بل من باب الإخبار ألا ترى أن الأضحية تجب على الشاهد ثم تتعدى إلى غيره فكان من باب الخبر ولا يشترط فيه العدد ولو رأوا يوم الشك الهلال بعد الزوال أو قبله فهو لليلة المستقبلة في قول أبي حنيفة ومحمد ولا يكون ذلك اليوم من رمضان وقال أبو يوسف إن كان بعد الزوال فكذلك وإن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية ويكون ذلك اليوم من رمضان والمسألة مختلفة بين الصحابة وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس مثل قولهما

Bagian V02/P081–V02/P082

وروي عن عمر رضي الله عنه رواية أخرى مثل قوله وهو قول علي وعائشة رضي الله عنهما وعلى هذا الخلاف هلال شوال إذا رأوه يوم الشك وهو يوم الثلاثين من رمضان قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة عندهما ويكون اليوم من رمضان وعنده إن رأوا ( ( ( رأوه ) ) ) قبل الزوال يكون لليلة الماضية ويكون اليوم يوم الفطر والأصل عندهما أنه لا يعتبر في رؤية الهلال قبل الزوال ولا بعده وإنما العبرة لرؤيته قبل غروب الشمس وعنده يعتبر وجه قول أبي يوسف أن الهلال لا يرى قبل الزوال عادة إلا أن يكون لليلتين وهذا يوجب كون اليوم من رمضان في هلال رمضان وكونه يوم الفطر في هلال شوال ولهما قول النبي صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته أمر بالصوم والفطر بعد الرؤية وفيما قاله أبو يوسف يتقدم وجوب الصوم والفطر على الرؤية وهذا خلاف النص ولو أن أهل مصر لم يروا الهلال فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا وفيهم رجل صام يوم الشك بنية رمضان ثم رأوا هلال شوال عشية التاسع والعشرين من رمضان فصام أهل المصر تسعة وعشرين يوما وصام ذلك الرجل ثلاثين يوما فأهل المصر قد أصابوا وأحسنوا وأساء ذلك الرجل وأخطأ لأنه خالف السنة إذ السنة أن يصام رمضان لرؤية الهلال إذا كانت السماء مصحية أو بعد شعبان ثلاثين يوما كما نطق به الحديث وقد عمل أهل المصر بذلك وخالف الرجل فقد أصاب أهل المصر وأخطأ الرجل ولا قضاء على أهل المصر لأن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما لقول النبي الشهر هكذا وهكذا وأشار إلى جميع أصابع يديه ثم قال الشهر هكذا وهكذا ثلاثا وحبس إبهامه في المرة الثالثة فثبت أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين وقد روي عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال صمنا على عهد رسول الله تسعة وعشرين يوما أكثر مما صمنا ثلاثين يوما ولو صام أهل بلد ثلاثين يوما وصام أهل بلد آخر تسعة وعشرين يوما فإن كان صوم أهل ذلك البلد برؤية الهلال وثبت ذلك عند قاضيهم أو عدوا شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا رمضان فعلى أهل البلد الآخر قضاء يوم لأنهم أفطروا يوما من رمضان لثبوت الرمضانية برؤية أهل ذلك البلد وعدم رؤية أهل البلد لا يقدح في رؤية أولئك إذ العدم لا يعارض الوجود وإن كان صوم أهل ذلك البلد بغير رؤية هلال رمضان أو لم تثبت الرؤية عند قاضيهم ولا عدوا شعبان ثلاثين يوما فقد أساؤا ( ( ( أساءوا ) ) ) حيث تقدموا رمضان بصوم يوم وليس على أهل البلد الآخر قضاؤه لما ذكرنا أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها المطالع فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر لأن مطالع البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون البلد الآخر وحكى عن أبي عبد الله بن أبي موسى الضرير أنه استفتي في أهل اسكندرية أن الشمس تغرب بها ومن على منارتها ترى ( ( ( يرى ) ) ) الشمس بعد ذلك بزمان كثير فقال يحل لأهل البلد الفطر ولا يحل لمن على رأس المنارة إذا كان يرى غروب الشمس لأن مغرب الشمس يختلف كما يختلف مطلعها فيعتبر في أهل كل موضع مغربه

Bagian V02/P082–V02/P083

ولو صام أهل مصر تسعة وعشرين وأفطروا للرؤية وفيهم مريض لم يصم فإن علم ما صام أهل مصره فعليه قضاء تسعة وعشرين يوما لأن القضاء على قدر الفائت والفائت هذا القدر فعليه قضاء هذا القدر وإن لم يعلم هذا الرجل ما صنع أهل مصره صام ثلاثين يوما لأن الأصل في الشهر ثلاثون يوما والنقصان عارض فإذا لم يعلم عمل بالأصل وقالوا فيمن أفطر شهرا لعذر ثلاثين يوما ثم قضى شهرا بالهلال فكان تسعة وعشرين يوما أن عليه قضاء يوم آخر لأن المعتبر عدد الأيام التي أفطر فيها دون الهلال لأن القضاء على قدر الفائت والفائت ثلاثون يوما فيقضي يوما آخر تكملة لثلاثين ( ( ( الثلاثين ) ) ) وأما الذي يرجع إلى الصائم فمنها الإسلام فإنه شرط جواز الأداء بلا خلاف وفي كونه شرط الوجوب خلاف سنذكره في موضعه ومنها الطهارة عن الحيض والنفاس فإنها شرط صحة الأداء بإجماع الصحابة رضي الله عنهم وفي كونها شرط الوجوب خلاف نذكره في موضعه فأما البلوغ فليس من شرائط صحة الأداء فيصح أداء الصوم من الصبي العاقل ويثاب عليه لكنه من شرائط الوجوب لما نذكره وكذا العقل والإفاقة ليسا من شرائط صحة الأداء حتى لو نوى الصوم من الليل ثم جن في النهار أو أغمي عليه يصح صومه في ذلك اليوم ولا يصح صومه في اليوم الثاني لا لعدم أهلية الأداء بل لعدم النية لأن النية من المجنون والمغمى عليه لا تتصور وفي كونهما من شرائط الوجوب كلام نذكره في موضعه ومنها النية والكلام في هذا الشرط يقع في ثلاث مواضع أحدها في بيان أصله والثاني في بيان كيفيته والثالث في بيان وقته أما الأول فأصل النية شرط جواز الصيامات كلها في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر صوم رمضان في حق المقيم جائز بدون النية واحتج بقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه أمر بصوم الشهر مطلقا عن شرط النية والصوم هو الإمساك وقد أتى به فيخرج عن العهدة ولأن النية إنما تشترط للتعيين والحاجة إلى التعيين عند المزاحمة ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حق المقيم وهو صوم رمضان فلا حاجة إلى التعيين بالنية ولنا قول النبي لا عمل لمن لا نية له وقوله الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولأن صوم رمضان عبادة والعبادة اسم لفعل يأتيه العبد باختياره خالصا لله تعالى بأمره والاختيار والإخلاص لا يتحققان بدون النية وأما الآية فمطلق اسم الصوم ينصرف إلى الصوم الشرعي والإمساك لا يصير صوما شرعا بدون النية لما بينا وأما قوله إن النية شرط للتعيين وزمان رمضان متعين لصوم رمضان فلا حاجة إلى النية فنقول لا حاجة إلى النية لتعين ( ( ( لتعيين ) ) ) الوصف لكن تقع الحاجة إلى النية لتعيين الأصل بيانه أن أصل الإمساك متردد بين أن يكون عادة أو حمية وبين أن يكون لله تعالى بل الأصل أن يكون فعل كل فاعل لنفسه ما لم يجعله لغيره فلا بد من النية ليصير لله تعالى ثم إذا صار أصل الإمساك لله تعالى في هذا الوقت بأصل النية والوقت متعين لفرضه يقع عن الفرض من غير الحاجة إلى تعيين الوصف وأما الثاني في كيفية النية فإن كان الصوم عينا وهو صوم رمضان وصوم النفل خارج رمضان والمنذور به في وقت بعينه يجوز بنية مطلقة عندنا وقال الشافعي صوم النفل يجوز بنية مطلقة فأما الصوم الواجب فلا يجوز إلا بنية معينة وجه قوله أن هذا صوم مفروض فلا يتأدى إلا بنية الفرض كصوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة وهذا لأن الفرضية صفة زائدة على أصل الصوم يتعلق بها زيادة الثواب فلا بد من زيادة النية وهي نية الفرض

Bagian V02/P083

ولنا قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه وهذا قد شهد الشهر وصامه فيخرج عن العهدة ولأن النية لو شرطت إنما تشترط إما ليصير الإمساك لله تعالى وإما للتمييز بين نوع ونوع ولا وجه للأول لأن مطلق النية كان لصيرورة الإمساك لله تعالى لأنه يكفي لقطع التردد ولقول النبي ولكل امرىء ما نوى وقد نوى أن يكون إمساكه لله تعالى فلو لم يقع لله تعالى لا يكون له ما نوى وهذا خلاف النص ولا وجه للثاني لأن مشروع الوقت واحد لا يتنوع فلا حاجة إلى التمييز بتعيين النية بخلاف صوم القضاء والنذر والكفارة لأن مشروع الوقت وهو خارج رمضان متنوع فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية فهو الفرق وقوله هذا صوم مفروض مسلم ولكن لم تتأدى نية الفرض بدون نية الفرض وقوله الفرضية صفة للصوم زائدة عليه فتفتقر إلى نية زائدة ممنوع أنها صفة زائدة على الصوم لأن الصوم صفة والصفة لا تحتمل صفة زائدة عليها قائمة بها بل هو وصف إضافي فيسمى الصوم مفروضا وفريضة لدخوله تحت فرض الله تعالى لا لفرضية قامت به وإذا لم يكن صفة قائمة بالصوم لا يشترط له نية الفرض وزيادة الثواب لفضيلة الوقت لا لزيادة صفة العمل والله أعلم ولو صام رمضان بنية النفل أو صام المنذور بعينه بنية النفل يقع صومه عن رمضان وعن المنذور عندنا وعند الشافعي لا يقع وكذا لو صام رمضان بنية واجب آخر من القضاء والكفارات والنذور يقع عن رمضان عندنا وعنده لا يقع هو يقول لما نوى النفل فقد أعرض عن الفرض والمعرض عن فعل لا يكون آتيا به ونحن نقول إنه نوى الأصل والوصف والوقت قابل للأصل غير قابل للوصف فبطلت نية الوصف وبقيت نية الأصل وأنها كافية لصيرورة الإمساك لله تعالى على ما بينا في المسألة الأولى ولو نوى في النذر المعين واجبا آخر يقع عما نوى بالإجماع بخلاف صوم رمضان وجه الفرق أن كل واحد من الوقتين وإن تعين لصومه إلا أن أحدهما وهو شهر رمضان معين بتعيين من له الولاية على الإطلاق وهو الله تعالى فثبت التعيين على الإطلاق فيظهر في حق فسخ سائر الصيامات والآخر تعين بتعيين من له ولاية قاصرة وهو العبد فيظهر تعيينه فيما عينه له وهو صوم التطوع دون الواجبات التي هي حق الله تعالى في هذه الأوقات فبقيت الأوقات محلا لها فإذا نواها صح هذا الذي ذكرنا في حق المقيم فأما المسافر فإن صام رمضان بمطلق النية فكذلك يقع صومه عن رمضان بلا خلاف بين أصحابنا وإن صام بنية واجب آخر يقع عما نوى في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يقع عن رمضان وإن صام بنية التطوع فعندهما يقع عن رمضان وعن أبي حنيفة فيه روايتان روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقع عن التطوع وروى الحسن عنه إنه يقع عن رمضان قال القدوري الرواية الأولى هي الأصح وجه قولهما أن الصوم واجب على المسافر وهو العزيمة والإفطار له رخصة فإذا اختار العزيمة وترك الرخصة صار هو والمقيم سواء فيقع صومه عن رمضان كالمقيم ولأبي حنيفة أن الصوم وإن وجب عليه لكن رخص له في الإفطار نظرا له فلأن يرخص له إسقاط ما في ذمته والنظر له فيه أكثر أولى وأما إذا نوى التطوع فوجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان بدليل أنه يباح له الفطر فأشبه خارج رمضان ولو نوى التطوع خارج رمضان يقع عن التطوع كله كذا في رمضان وجه رواية الحسن عنه أن صوم التطوع لا يفتقر إلى تعيين نية المتطوع بل نية الصوم فيه كافية فتلغو نية التعيين ويبقى أصل النية فيصير صائما في رمضان بنية مطلقة فيقع عن رمضان

Bagian V02/P083–V02/P084

وأما قوله أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان فممنوع بل هو واجب إلا أنه يترخص فيه فإذا لم يترخص ولم ينو واجبا آخر بقي صوم رمضان واجبا عليه فيقع صومه عنه وأما المريض الذي رخص له في الإفطار فإن صام بنية مطلقة يقع صومه عن رمضان بلا خلاف وإن صام بنية التطوع فعامة مشايخنا قالوا إنه يقع صومه عن رمضان لأنه لما قدر على الصوم صار كالصحيح والكرخي سوى بين المريض والمسافر وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يقع عن التطوع ويشترط لكل يوم من رمضان نية على حدة عند عامة العلماء وقال مالك يجوز صوم جميع الشهر بنية واحدة وجه قوله إن الواجب صوم الشهر لقوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه والشهر اسم لزمان واحد فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج فيتأدى بنية واحدة ولنا أن صوم كل يوم عبادة على حدة غير متعلقة باليوم الآخر بدليل أن ما يفسد أحدهما لا يفسد الآخر فيشترط لكل يوم منه نية على حدة وقوله الشهر اسم لزمان واحد ممنوع بل هو اسم لأزمنة مختلفة بعضها محل للصوم وبعضها ليس بوقت له وهو الليالي فقد تخلل بين كل يومين ما ليس بوقت لهما فصار صوم كل يومين عبادتين مختلفتين كصلاتين ونحو ذلك وإن كان صوم ( ( ( الصوم ) ) ) دينا وهو صوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة لا يجوز إلا بتعيين النية حتى لو صام بنية مطلق الصوم لا يقع عما عليه لأن زمان خارج رمضان متعين للنفل شرعا عند بعض مشايخنا والمطلق ينصرف إلى ما تعين له الوقت وعند بعضهم هو وقت للصيامات كلها على الإبهام فلا بد من تعيين الوقت للبعض بالنية لتتعين له لكنه عند الإطلاق ينصرف إلى التطوع لأنه أدنى والأدنى متيقن به فيقع الإمساك عنه ولو نوى بصومه قضاء رمضان والتطوع كان عن القضاء في قول أبي يوسف وقال محمد يكون عن التطوع وجه قوله أنه عين الوقت لجهتين مختلفتين متنافيتين فسقطتا للتعارض وبقي أصل النية وهو نية الصوم فيكون عن التطوع ولأبي يوسف أن نية التعيين في التطوع لغو فلغت وبقي أصل النية فصار كأنه نوى قضاء رمضان والصوم لو كان كذلك يقع عن القضاء كذا هذا فإن نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار قال أبو يوسف يكون عن القضاء استحسانا والقياس أن يكون عن التطوع وهو قول محمد وجه القياس على نحو ما ذكرنا في المسألة الأولى أن جهتي التعيين تعارضتا للتنافي فسقطتا بحكم التعارض فبقي نية مطلق الصوم فيكون تطوعا وجه الاستحسان أن الترجيح لتعيين جهة القضاء لأنه خلف عن صوم رمضان وخلف الشيء يقوم مقامه كأنه هو وصوم رمضان أقوى الصيامات حتى تندفع به نية سائر الصيامات ولأنه بدل صوم وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء وصوم كفارة الظهار وجب بسبب وجد من جهة العبد فكان القضاء أقوى فلا يزاحمه الأضعف وروى ابن سماعة عن محمد فيمن نذر صوم يوم بعينه فصامه ينوي النذر وكفارة اليمين فهو عن النذر لتعارض النيتين فتساقطا وبقي نية الصوم مطلقا فيقع عن النذر المعين والله أعلم وأما الثالث وهو وقت النية فالأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكنه ذلك أو من الليل لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء من العبادة حقيقة ومن الليل تقارنه تقديرا وإن نوى بعد طلوع الفجر فإن كان الصوم دينا لا يجوز بالإجماع وإن كان عينا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين يجوز وقال زفر إن كان مسافرا لا يجوز صومه عن رمضان بنية من النهار وقال الشافعي لا يجوز بنية من النهار إلا التطوع وقال مالك لا يجوز التطوع أيضا ولا يجوز صوم التطوع بنية من النهار بعد الزوال عندنا وللشافعي فيه قولان أما الكلام مع مالك فوجه قوله أن التطوع تبع للفرض ثم لا يجوز صوم الفرض بنية من النهار فكذا التطوع

Bagian V02/P084–V02/P085

ولنا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال كان رسول الله يصبح لا ينوي الصوم ثم يبدو له فيصوم وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يدخل على أهله فيقول هل عندكم من غداء فإن قالوا لا قال فإني صائم وصوم التطوع بنية من النهار قبل الزوال مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي طلحة وأما الكلام فيما بعد الزوال فبناء على أن صوم النفل عندنا غير متجزىء كصوم الفرض وعند الشافعي في أحد قوليه متجزىء حتى قال يصير صائما من حين نوى لكن بشرط الإمساك في أول النهار وحجته ما روينا عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما مطلقا من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده وأما عندنا فالصوم لا يتجزأ فرضا كان أو نفلا ويصير صائما من أول النهار لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف لما نذكر فإذا نوى بعد الزوال فقد خلا بعض الركن عن الشرط فلا يصير صائما شرعا والحديثان محمولان على ما قبل الزوال بدليل ما ذكرنا وأما الكلام مع الشافعي في صوم رمضان فهو يحتج بما روي عن النبي أنه قال لا صيام لمن لم يعزم الصوم من الليل ولأن الإمساك من أول النهار إلى آخره ركن فلا بد له من النية ليصير لله تعالى وقد انعدمت في أول النهار فلم يقع الإمساك في أول النهار لله تعالى لفقد شرطه فكذا الباقي لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولهذا لا يجوز صوم القضاء والكفارات والنذور المطلقة بنية من النهار وكذا صوم رمضان ولنا قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث ثم أتموا الصيام إلى الليل أباح للمؤمنين الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر وأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخرا عنه لأن كلمة ثم للتعقيب مع التراخي فكان هذا أمرا بالصوم متراخيا عن أول النهار والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية فكان أمرا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار وقد أتى به فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة وفيه دلالة أن الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية أو لم توجد لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية وجود بعض منه ولأنه صام رمضان في وقت متعين شرعا لصوم رمضان لوجود ركن الصوم مع شرائطه التي ترجع إلى الأهلية والمحلية ولا كلام في سائر الشرائط وإنما الكلام في النية ووقتها وقت وجود الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن لأن ركن العبادة ما يكون شاقا على البدن مخالفا للعادة وهوى النفس وذلك هو الإمساك وقت الغداء المتعارف فأما الإمساك في أول النهار فمعتاد فلا يكون ركنا بل يكون شرطا لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى الركن إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة للحال لجواز أن ينوي وقت الركن فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده والنية تشترط لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة على ما قررنا في الخلافيات وأما الحديث فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخا للكتاب لكنه يصلح مكملا له فيحمل على نفي الكمال كقوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ليكون عملا بالدليلين بقدر الإمكان وأما صيام القضاء والنذور والكفارات فما صامها في وقت متعين لها شرعا لأن خارج رمضان متعين للنفل موضوع له شرعا إلا أن يعينه لغيره فإذا لم ينو من الليل صوما آخر بقي الوقت متعينا للتطوع شرعا فلا يملك تغييره فأما ههنا فالوقت متعين لصوم رمضان وقد صامه لوجود ركن الصوم وشرائطه على ما بينا وأما الكلام مع زفر في المسافر إذا صام رمضان بنية من النهار فوجه قوله أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان حتما ألا ترى أن له أن يفطر والوقت غير متعين لصوم رمضان في حقه فإن له أن يصوم عن واجب آخر فأشبه صوم القضاء خارج رمضان وذا لا يتأدى بنية من النهار كذا هذا

Bagian V02/P085–V02/P086

ولنا أن الصوم واجب على المسافر في رمضان وهو العزيمة في حقه إلا أن له أن يترخص بالإفطار وله أن يصوم عن واجب آخر عند أبي حنيفة بطريق الرخصة والتيسير أيضا لما فيه من إسقاط الفرض عن ذمته على ما بينا فيما تقدم فإذا لم يفطر ولم ينو واجبا آخر بقي صوم رمضان واجبا عليه وقد صامه فيخرج عن العهدة كالمقيم سواء ويتصل بهذين الفصلين وهو ( ( ( وهما ) ) ) بيان كيفية النية ووقت مسألة الأسير في يد العدو إذا اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى وصام شهرا عن رمضان وجملة الكلام فيه أنه إذا صام شهرا عن رمضان لا يخلو إما إن وافق شهر رمضان أو لم يوافق بأن تقدم أو تأخر فإن وافق جاز وهذا لا يشكل لأنه أدى ما عليه وإن تقدم لم يجز لأنه أدى الواجب قبل وجوبه وقبل وجود سبب وجوبه وإن تأخر فإن وافق شوال يجوز لكن يراعى فيه موافقة الشهرين في عدد الأيام وتعيين النية ووجودها من الليل وأما موافقة العدد فلأن صوم شهر آخر بعده يكون قضاء والقضاء يكون على قدر الفائت والشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما وأما تعيين النية ووجودها من الليل فلأن صوم القضاء لا يجوز بمطلق النية ولا بنية من النهار لما ذكرنا فيما تقدم وهل تشترط نية القضاء ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه لا يشترط وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يشترط والصحيح ما ذكره القدوري لأنه نوى ما عليه من صوم رمضان وعليه القضاء فكان ذلك منه تعيينا ( ( ( تعيين ) ) ) لنية ( ( ( نية ) ) ) القضاء وبيان هذه الجملة أنه إذا وافق صومه شهر شوال ينظر إن كان رمضان كاملا وشوال كاملا قضى يوما واحدا لأجل يوم الفطر لأن صوم القضاء لا يجوز فيه وإن كان رمضان كاملا وشوال ناقصا قضى يومين يوما لأجل يوم الفطر ويوما لأجل النقصان لأن القضاء يكون على قدر الفائت وإن كان رمضان ناقصا وشوال كاملا لا شيء عليه لأنه أكمل عدد الفائت وإن وافق صومه هلال ذي الحجة فإن كان رمضان كاملا وذو الحجة كاملا قضى أربعة أيام يوما لأجل يوم النحر وثلاثة أيام لأجل أيام التشريق لأن القضاء لا يجوز في هذه الأيام وإن كان رمضان كاملا وذو الحجة ناقصا قضى خمسة أيام يوما للنقصان وأربعة أيام ليوم النحر وأيام التشريق وإن كان رمضان ناقصا وذو الحجة كاملا قضى ثلاثة أيام لأن الفائت ليس إلا هذا القدر وإن وافق صومه شهرا آخر سوى هذين الشهرين فإن كان الشهران كاملين أو ناقصين أو كان رمضان ناقصا والشهر الآخر كاملا فلا شيء عليه وإن كان رمضان كاملا والشهر الآخر ناقصا قضى يوما واحدا لأن الفائت يوم واحد ولو صام بالتحري سنين كثيرة ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر رمضان فهل يجوز صومه في السنة الثانية عن الأولى وفي الثالثة عن الثانية وفي الرابعة عن الثالثة هكذا قال بعضهم يجوز لأنه في كل سنة من الثانية والثالثة والرابعة صام صوم رمضان الذي عليه وليس عليه إلا القضاء فيقع قضاء عن الأول وقال بعضهم لا يجوز وعليه قضاء الرمضانات لأنه صام في كل سنة عن رمضان قبل دخول رمضان وفصل الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله في ذلك تفصيلا فقال إن صام في السنة الثانية عن الواجب عليه إلا أنه ظن أنه من رمضان يجوز وكذا في الثالثة والرابعة لأنه صام عن الواجب عليه والواجب عليه قضاء صوم رمضان الأول دون الثاني ولا يكون عليه إلا قضاء رمضان الأخير خاصة لأنه ما قضاه فعليه قضاؤه وإن صام في السنة الثانية عن الثالثة وفي السنة الثالثة عن الرابعة لم يجز وعليه قضاء الرمضانات كلها أماعدم الجواز عن الرمضان الأول فلأنه مانوى عنه وتعيين النية في القضاء شرط ولا يجوز عن الثاني لأنه صام قبله متقدما عليه وكذا الثالث والرابع

Bagian V02/P086–V02/P087

وضرب له مثلا وهو رجل اقتدى بالإمام على ظن أنه زيد فإذا هو عمرو صح اقتداؤه به ولو اقتدى بزيد فإذا هو عمرو لم يصح اقتداؤه به لأنه في الأول نوى الاقتداء بالإمام إلا أنه ظن أن الإمام زيد فأخطأ في ظنه فهذا لا يقدح في صحة اقتدائه بالإمام وفي الثاني نوى الاقتداء بزيد فإذا لم يكن زيدا تبين أنه ما اقتدى بأحد كذلك ههنا إذا نوى في صوم كل سنة عن الواجب عليه تعلقت نيته بالواجب عليه لا بالأول والثاني إلا أنه ظن أنه الثاني فأخطأ في ظنه فيقع عن الواجب عليه لا عما ظن والله أعلم وأما الشرائط التي تخص بعض الصيامات دون بعض وهي شرائط الوجوب فمنها الإسلام فلا يجب الصوم على الكافر في حق أحكام الدنيا بلا خلاف حتى لا يخاطب بالقضاء بعد الإسلام وأما في حق أحكام الآخرة فكذلك عندنا وعند الشافعي يجب ولقب المسألة أن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا خلافا له وهي تعرف في أصول الفقه وعلى هذا يخرج الكافر إذا أسلم في بعض شهر رمضان أنه لا يلزمه قضاء ما مضى لأن الوجوب ( ( ( الواجب ) ) ) لم يثبت فيما مضى فلم يتصور قضاء الواجب وهذا التخريج على قول من يشترط لوجوب القضاء سابقة وجوب الأداء من مشايخنا وأما على قول من لا يشترط ذلك منهم فإنما لا يلزمه قضاء ما مضى لمكان الحرج إذ لو لزمه ذلك للزمه قضاء جميع ما مضى من الرمضانات في حال الكفر لأن البعض ليس بأولى من البعض وفيه من الحرج ما لا يخفى وكذا إذا أسلم في يوم من رمضان قبل الزوال لا يلزمه صوم ذلك اليوم حتى لا يلزمه قضاؤه وقال مالك يلزمه وأنه غير سديد لأنه لم يكن من أهل الوجوب في أول اليوم أو لما في وجوب القضاء من الحرج على ما بينا ومنها البلوغ فلا يجب صوم رمضان على الصبي وإن كان عاقلا حتى لا يلزمه القضاء بعد البلوغ لقول النبي رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ ولأن الصبي لضعف بنيته وقصور عقله واشتغاله باللهو واللعب يشق عليه تفهم الخطاب وأداء الصوم فأسقط الشرع عنه العبادات نظرا له فإذا لم يجب عليه الصوم في حال الصبا لا يلزمه القضاء لما بينا أنه لا يلزمه لمكان الحرج لأن مدة الصبا مديدة فكان في إيجاب القضاء عليه بعد البلوغ حرج وكذا إذا بلغ في يوم من رمضان قبل الزوال لا يجزئه صوم ذلك اليوم وإن نوى وليس عليه قضاؤه إذ لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب فيه والصوم لا يتجزأ وجوبا وجوازا ولما فيه من الحرج على ما ذكرنا وروي عن أبي يوسف في الصبي يبلغ قبل الزوال أو أسلم الكافر أن عليهما القضاء ووجهه أنهما أدركا وقت النية فصار ( ( ( فصارا ) ) ) كأنهما أدركا من الليل والصحيح جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا أن الصوم لا يتجزأ وجوبا فإذا لم يجب عليهما البعض لم يجب الباقي أو لما في إيجاب القضاء من الحرج وأما العقل فهل هو من شرائط الوجوب وكذا الإفاقة واليقظة قال عامة مشايخنا أنها ليست من شرائط الوجوب ويجب صوم رمضان على المجنون والمغمى عليه والنائم لكن أصل الوجوب لا وجوب الأداء بناء على أن عندهم الوجوب نوعان أحدهما أصل الوجوب وهو اشتغال الذمة بالواجب وأنه ثبت بالأسباب لا بالخطاب ولا تشترط القدرة لثبوته بل ثبت جبرا من الله تعالى شاء العبد أو أبى

Bagian V02/P087–V02/P088

والثاني وجوب الأداء وهو إسقاط ما في الذمة وتفريغها من الواجب وأنه ثبت بالخطاب وتشترط له القدرة على فهم الخطاب وعلى أداء ما تناوله الخطاب لأن الخطاب لا يتوجه إلى العاجز عن فهم الخطاب ولا على ( ( ( إلى ) ) ) العاجز عن فعل ما تناوله الخطاب والمجنون لعدم عقله أو لاستتاره والمغمى عليه والنائم لعجزهما عن استعمال عقلهما عاجزون عن فهم الخطاب وعن أداء ما تناوله الخطاب فلا يثبت وجوب الأداء في حقهم ويثبت أصل الوجوب في حقهم لأنه لا يعتمد القدرة بل يثبت جبرا وتقرير هذا الأصل معروف في أصول الفقه وفي الخلافيات وقال أهل التحقيق من مشايخنا بما وراء النهر إن الوجوب في الحقيقة نوع واحد وهو وجوب الأداء فكل من كان من أهل الأداء كان من أهل الوجوب ومن لا فلا وهو اختيار أستاذي الشيخ الأجل الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد السمرقندي رضي الله عنه لأن الوجوب المعقول هو وجوب الفعل كوجوب الصوم والصلاة وسائر العبادات فمن لم يكن من أهل أداء الفعل الواجب وهو القادر على فهم الخطاب والقادر على فعل ما يتناوله الخطاب لا يكون من أهل الوجوب ضرورة والمجنون والمغمى عليه والنائم عاجزون عن فعل الخطاب بالصوم وعن أدائه إذ الصوم الشرعي هو الإمساك لله تعالى ولن يكون ذلك بدون النية وهؤلاء ليسوا من أهل النية فلم يكونوا من أهل الأداء فلم يكونوا من أهل الوجوب والذي دعا الأولين إلى القول بالوجوب في حق هؤلاء ما انعقد الإجماع عليه من وجوب القضاء على المغمى عليه والنائم بعد الإفاقة والانتباه بعد مضي بعض الشهر أو كله وما قد صح من مذهب أصحابنا رحمهم الله في المجنون إذا أفاق في بعض شهر رمضان أنه يجب عليه قضاء ما مضى من الشهر فقالوا إن وجوب القضاء يستدعي فوات الواجب المؤقت عن وقته مع القدرة عليه وانتفاء الحرج فلا بد من الوجوب في الوقت ثم فواته حتى يمكن إيجاب القضاء فاضطرهم ذلك إلى إثبات الوجوب في حال الجنون والإغماء والنوم وقال الآخرون إن وجوب القضاء لا يستدعي سابقية الوجوب لا محالة وإنما يستدعي فوت العبادة عن وقتها والقدرة على القضاء من غير حرج ولذلك اختلفت طرقهم في المسألة وهذا الذي ذكرنا في المجنون إذا أفاق في بعض شهر رمضان أنه يلزمه قضاء ما مضى جواب الاستحسان والقياس أن لا يلزمه وهو قول زفر والشافعي وأما المجنون جنونا مستوعبا بأن جن قبل دخول شهر رمضان وأفاق بعد مضيه فلا قضاء عليه عند عامة العلماء وعند مالك يقضي وجه القياس أن القضاء هو تسليم مثل الواجب ولا وجوب على المجنون لأن الوجوب بالخطاب ولا خطاب عليه لانعدام القدرتين ولهذا لم يجب القضاء في الجنون المستوعب شهرا وجه قول أصحابنا أما من قال بالوجوب في حال الجنون يقول فاته الواجب عن وقته وقدر على قضائه من غير حرج فيلزمه قضاؤه قياسا على النائم والمغمى عليه ودليل الوجوب لهم وجود سبب الوجوب وهو الشهر إذ الصوم يضاف إليه مطلقا يقال صوم الشهر والإضافة دليل السببية وهو قادر على القضاء من غير حرج وفي إيجاب القضاء عند الاستيعاب حرج وأما من أبي القول بالوجوب في حال الجنون يقول هذا شخص فاته صوم شهر رمضان وقدر على قضائه من غير حرج فيلزمه قضاؤه قياسا على النائم والمغمى عليه ومعنى قولنا فاته صوم شهر رمضان أي لم يصم شهر رمضان وقولنا من غير حرج فلأنه لا حرج في قضاء نصف الشهر وتأثيرها من وجهين أحدهما أن الصوم عبادة والأصل في العبادات وجوبها على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء الحرج لما ذكرنا في الخلافيات إلا أن الشرع عين شهر رمضان من السنة في حق القادر على الصوم فبقي الوقت المطلق في حق العاجز عنه وقتا له

Bagian V02/P088

والثاني أنه لما فاته صوم شهر رمضان فقد فاته الثواب المتعلق به فيحتاج إلى استدراكه بالصوم في عدة من أيام أخر ليقوم الصوم فيها مقام الفائت فينجبر الفوات بالقدر الممكن فإذا قدر على قضائه من غير حرج أمكن القول بالوجوب عليه فيجب كما في المغمى عليه والنائم بخلاف الجنون المستوعب فإن هناك في إيجاب القضاء حرجا لأن الجنون المستوعب قلما يزول بخلاف الإغماء والنوم إذا استوعب لأن استيعابه نادر والنادر ملحق بالعدم بخلاف الجنون فإن استيعابه ليس بنادر ويستوي الجواب في وجوب قضاء ما مضى عند أصحابنا في الجنون العارض ما إذا أفاق في وسط الشهر أو في أوله حتى لو جن قبل الشهر ثم أفاق في آخر يوم منه يلزمه قضاء جميع الشهر ولو جن في أول يوم من رمضان فلم يفق إلا بعد مضي الشهر يلزمه قضاء كل الشهر إلا قضاء اليوم الذي جن فيه إن كان نوى الصوم في الليل وإن كان لم ينو قضى جميع الشهر ولو جن في طرفي الشهر وأفاق في وسطه فعليه قضاء الطرفين وأما المجنون الأصلي وهو الذي بلغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر فقد روي عن محمد أنه فرق بينهما فقال لا يقضي ما مضى من الشهر وروي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه سوى بينهما وقال يقضي ما مضى من الشهر وهكذا روى هشام عن أبي يوسف في صبي له عشر سنين جن فلم يزل مجنونا حتى أتى عليه ثلاثون سنة أو أكثر ثم صح في آخر يوم من شهر رمضان فالقياس أنه لا يجب عليه قضاء ما مضى لكن استحسن أن يقضي ما مضى في هذا الشهر وجه قول محمد أن زمان الإفاقة في حيز زمان ابتداء التكليف فأشبه الصغير إذا بلغ في بعض الشهر بخلاف الجنون العارض فإن هناك زمان التكليف سبق الجنون إلا أنه عجز عن الأداء بعارض فأشبه المريض العاجز عن أداء الصوم إذا صح وجه رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ما ذكرنا من الطريقين في الجنون العارض ولو أفاق المجنون جنونا عارضا في نهار رمضان قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه عن رمضان والجنون الأصلي على الاختلاف الذي ذكرنا ويجوز في الإغماء والنوم بلا خلاف بين أصحابنا وعلى هذا الطهارة من الحيض والنفاس أنها شرط الوجوب عند أهل التحقيق من مشايخنا إذ الصوم الشرعي لا يتحقق من الحائض والنفساء فتعذر القول بوجوب الصوم عليهما في وقت الحيض والنفاس إلا أنه يجب عليهما قضاء الصوم لفوات صوم رمضان عليهما ولقدرتهما على القضاء في عدة من أيام أخر من غير حرج وليس عليهما قضاء الصلوات لما فيه من الحرج لأن وجوبها يتكرر في كل يوم خمس مرات ولا يلزم الحائض في السنة إلا قضاء عشرة أيام ولا حرج في ذلك وعلى قول عامة المشايخ ليس بشرط وأصل الوجوب ثابت في حالة الحيض والنفاس وإنما تشترط الطهارة لأهلية الأداء والأصل فيه ما روي أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها فقالت لم تقض ( ( ( تقضي ) ) ) الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت عائشة رضي الله عنها للسائلة أحرورية أنت هكذا كن النساء يفعلن على عهد رسول الله أشارت إلى أن ذلك ثبت تعبدا محضا والظاهر أن فتواها بلغ ( ( ( بلغت ) ) ) الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليها منكر فيكون إجماعا من الصحابة رضي الله عنهم

Bagian V02/P088–V02/P089

ولو طهرتا بعد طلوع الفجر قبل الزوال لا يجزيهما صوم ذلك اليوم لا عن فرض ولا عن نفل لعدم وجوب الصوم عليهما ووجوده في أول اليوم فلا يجب ولا يوجد في الباقي لعدم التجزي وعليهما قضاؤه مع الأيام الأخر لما ذكرنا وإن طهرتا قبل طلوع الفجر ينظر إن كان الحيض عشرة أيام والنفاس أربعين يوما فعليهما قضاء صلاة العشاء ويجزيهما صومهما من الغد عن رمضان إذا نوتا قبل طلوع الفجر لخروجهما عن الحيض والنفاس بمجرد انقطاع الدم فتقع الحاجة إلى النية لا غير وإن كان الحيض دون العشرة والنفاس دون الأربعين فإن بقي من الليل مقدار ما يسع للاغتسال ومقدار ما يسع النية بعد الاغتسال فكذلك وإن بقي من الليل دون ذلك لا يلزمهما قضاء صلاة العشاء ولا يجزيهما صومهما من الغد وعليهما قضاء ذلك اليوم كما لو طهرتا بعد طلوع الفجر لأن مدة الاغتسال فيما دون العشرة والأربعين من الحيض بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ولو أسلم الكافر قبل طلوع الفجر بمقدار ما يمكنه النية فعليه صوم الغد وإلا فلا وكذلك الصبي إذا بلغ وكذلك المجنون جنونا أصليا على قول محمد لأنه بمنزلة الصبا عنده فصل وأما ركنه فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع لأن الله تعالى أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان لقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى قوله فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أي حتى يتبين لكم ضوء النهار من ظلمة الليل من الفجر ثم أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله عز وجل ثم أتموا الصيام إلى الليل فدل أن ركن الصوم ما قلنا فلا يوجد الصوم بدونه وعلى هذا الأصل ينبني بيان ما يفسد الصوم وينقضه لأن انتقاض الشيء عند فوات ركنه أمر ضروري وذلك بالأكل والشرب والجماع سواء كان صورة ومعنى أو صورة لا معنى أو معنى لا صورة وسواء كان بغير عذر أو بعذر وسواء كان عمدا أو خطأ طوعا أو كرها بعد أن كان ذاكرا لصومه لا ناسيا ولا في معنى الناسي والقياس أن يفسد وإن كان ناسيا وهو قول مالك لوجود ضد الركن حتى قال أبو حنيفة لولا قول الناس لقلت يقضي أي لولا قول الناس أن أبا حنيفة خالف الأمر لقلت يقضي لكنا تركنا القياس بالنص وهو ما روي عن أبي هريرة عن النبي أنه قال من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإن الله عز وجل أطعمه وسقاه حكم ببقاء صومه وعلل بانقطاع نسبة فعله عنه بإضافته إلى الله تعالى لوقوعه من غير قصده وروي عن أبي حنيفة أنه قال لا قضاء على الناسي للأثر المروي عن النبي والقياس أن يقضي ذلك ولكن اتباع الأثر أولى إذا كان صحيحا وحديث صححه أبو حنيفة لا يبقى لأحد فيه مطعن وكذا انتقده أبو يوسف حيث قال وليس حديثا شاذا نجترىء ( ( ( نجترئ ) ) ) على رده وكان من صيارفة الحديث وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم مثل مذهبنا ولأن النسيان في باب الصوم مما يغلب وجوده ولا يمكن دفعه إلا بحرج فجعل عذرا دفعا للحرج وعن عطاء والثوري أنهما فرقا بين الأكل والشرب وبين الجماع ناسيا فقالا يفسد صومه في الجماع ولا يفسد في الأكل والشرب لأن القياس يقتضي الفساد في الكل لفوات ركن الصوم في الكل إلا أنا تركنا القياس بالخبر وأنه ورد في الأكل والشرب فبقي الجماع على أصل القياس

Bagian V02/P089–V02/P090

وإنا نقول نعم الحديث ورد في الأكل والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل وهو أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيض ( ( ( التمحيص ) ) ) بقوله فإنما أطعمه الله وسقاه قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره وهذا المعنى يوجد في الكل والعلة إذا كانت منصوصا عليها كان الحكم منصوصا عليه ويتعمم الحكم بعموم ( ( ( بمعموم ) ) ) العلة وكذا معنى الحرج يوجد في الكل ولو أكل فقيل له إنك صائم وهو لا يتذكر أنه صائم ثم علم بعد ذلك فعليه القضاء في قول أبي يوسف وعند زفر والحسن بن زياد لا قضاء عليه وجه قولهما أنه لما تذكر أنه كان صائما تبين أنه أكل ناسيا فلم يفسد صومه ولأبي يوسف أنه أكل متعمدا لأن عنده أنه ليس بصائم فيبطل صومه ولو دخل الذباب حلقه لم يفطره لأنه لا يمكنه الاحتراز عنه فأشبه الناسي ولو أخذه فأكله فطره لأنه تعمد أكله وإن لم يكن مأكولا كما لو أكل التراب ولو دخل الغبار أو الدخان أو الرائحة في حلقه لم يفطره لما قلنا وكذا لو ابتلع البلل الذي بقي بعد المضمضة في فمه مع البزاق أو ابتلع البزاق الذي اجتمع في فمه لما ذكرنا ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه ذكر في الجامع الصغير أنه لا يفسد صومه وإن أدخله حلقه متعمدا روي عن أبي يوسف أنه إن تعمد عليه القضاء ولا كفارة عليه ووفق ابن أبي مالك فقال إن كان مقدار الحمصة أو أكثر يفسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة كما قال أبو يوسف رحمه الله تعالى وقول أبي يوسف محمول عليه وإن كان دون الحمصة لا يفسد صومه كما ذكر في الجامع الصغير والمذكور فيه محمول عليه وهو الأصح ووجهه أن ما دون الحمصة يسير يبقى بين الأسنان عادة فلا يمكن التحرز عنه بمنزلة الريق فيشبه الناسي ولا كذلك قدر الحمصة فإن بقاءه بين الأسنان غير معتاد فيمكن الاحتراز عنه فلا يلحق بالناسي وقال زفر عليه القضاء والكفارة وجه قوله أنه أكل ما هو مأكول في نفسه إلا أنه متغير فأشبه اللحم المنتن ولنا أنه أكل ما لا يؤكل عادة إذ لا يقصد به الغذاء ولا الدواء فإن تثاءب فرفع رأسه إلى السماء فوقع في حلقه قطرة مطر أو ماء صب في ميزاب فطره لأن الاحتراز عنه ممكن وقد وصل الماء إلى جوفه ولو أكره على الأكل أو الشرب فأكل أو شرب بنفسه مكرها وهو ذاكر لصومه فسد صومه بلا خلاف عندنا وعند زفر والشافعي لا يفسد وجه قولهما أن هذا أعذر من الناسي لأن الناسي وجد منه الفعل حقيقة وإنما انقطعت نسبته عنه شرعا بالنص وهذا لم يوجد منه الفعل أصلا فكان أعذر من الناسي ثم لم يفسد صوم الناسي فهذا أولى ولنا أن معنى الركن قد فات لوصول المغذي إلى جوفه بسبب لا يغلب وجوده ويمكن التحرز عنه في الجملة فلا يبقى الصوم كما لو أكل أو شرب بنفسه مكرها وهذا لأن المقصود من الصوم معناه وهو كونه وسيلة إلى الشكر والتقوى وقهر الطبع الباعث على الفساد على ما بينا ولا يحصل شيء من ذلك إذا وصل الغذاء إلى جوفه وكذا النائمة الصائمة جامعها زوجها ولم تنتبه أو المجنونة جامعها زوجها فسد صومها عندنا خلافا لزفر والكلام فيه على نحو ما ذكرنا ولو تمضمض أو استنشق فسبق الماء حلقه ودخل جوفه فإن لم يكن ذاكرا لصومه لا يفسد صومه لأنه لو شرب لم يفسد فهذا أولى وإن كان ذاكرا فسد صومه عندنا وقال ابن أبي ليلى إن كان وضوؤه للصلاة المكتوبة لم يفسد وإن كان للتطوع فسد وقال الشافعي لا يفسد أيهما كان وقال بعضهم إن تمضمض ثلاث مرات فسبق الماء حلقه لم يفسد وإن زاد على الثلاث فسد

Bagian V02/P090–V02/P091

وجه قول ابن أبي ليلى أن الوضوء للصلاة المكتوبة فرض فكان المضمضة والاستنشاق من ضروروات ( ( ( ضرورات ) ) ) إكمال الفرض فكان الخطأ فيها ( ( ( فيهما ) ) ) عذرا بخلاف صلاة التطوع وجه قول من فرق بين الثلاث وما زاد عليه أن السنة فيهما الثلاث ( ( ( والثلاث ) ) ) فكان الخطأ فيهما من ضروروات ( ( ( ضرورات ) ) ) إقامة السنة فكان عفوا وأما الزيادة على الثلاث فمن باب الاعتداء على ما قال النبي فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم فلم يعذر فيه والكلام مع الشافعي على نحو ما ذكرنا في الإكراه يؤيد ما ذكرنا أن الماء لا يسبق الحلق في المضمضة والاستنشاق عادة إلا عند المبالغة فيهما والمبالغة مكروهة في حق الصائم قال النبي للقيط بن صبرة بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما فكان في المبالغة متعديا فلم يعذر بخلاف الناسي ولو احتلم في نهار رمضان فأنزل لم يفطره لقول النبي ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام ولأنه لا صنع له فيه فيكون كالناسي ولو نظر إلى امرأة وتفكر فأنزل لم يفطره وقال مالك إن تتابع نظره فطره لأن التتابع في النظر كالمباشرة ولنا أنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى لعدم الاستمتاع بالنساء فأشبه الاحتلام بخلاف المباشرة ولو كان يأكل أو يشرب ناسيا ثم تذكر فألقى اللقمة أو قطع الماء أو كان يتسحر فطلع الفجر وهو يشرب الماء فقطعه أو يأكل فألقى اللقمة فصومه تام لعدم الأكل والشرب بعد التذكر والطلوع ولو كان يجامع امرأته في النهار ناسيا لصومه فتذكر فنزع من ساعته أو كان يجامع في الليل فطلع الفجر وهو مخالط فنزع من ساعته فصومه تام وقال زفر فسد صومه وعليه القضاء وجه قوله أن جزأ من الجماع حصل بعد طلوع الفجر والتذكر وأنه يكفي لفساد الصوم لوجود المضادة له وإن قل ولنا أن الموجود منه بعد الطلوع والتذكر هو النزع والنزع ترك الجماع وترك الشيء لا يكون محصلا له بل يكون اشتغالا بضده فلم يوجد منه الجماع بعد الطلوع والتذكر رأسا فلا يفسد صومه ولهذا لم يفسد في الأكل والشرب كذا في الجماع وهذا إذا نزع بعد ما تذكر أو بعد ما طلع الفجر فأما إذا لم ينزع وبقي فعليه القضاء ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الطلوع والتذكر فقال في الطلوع عليه الكفارة وفي التذكر لا كفارة عليه وقال الشافعي عليه القضاء والكفارة فيهما جميعا وجه قوله أنه وجد الجماع في نهار رمضان متعمدا لوجوده بعد طلوع الفجر والتذكر فيوجب القضاء والكفارة وجه رواية أبي يوسف وهو الفرق بين الطلوع والتذكر أن في الطلوع ابتداء الجماع كان عمدا والجماع جماع واحد بابتدائه وانتهائه والجماع العمد يوجب الكفارة وأما في التذكر فابتداء الجماع كان ناسيا وجماع الناسي لا يوجب فساد الصوم فضلا عن وجوب الكفارة وجه ظاهر الرواية أن الكفارة إنما تجب بإفساد الصوم وإفساد الصوم يكون بعد وجوده وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم فإذا امتنع وجوده استحال الإفساد فلا تجب الكفارة ووجوب القضاء لانعدام صومه اليوم لا لإفساده بعد وجوده ولأن هذا جماع لم يتعلق بابتدائه وجوب الكفارة فلا يتعلق بالبقاء عليه لأن الكل فعل واحد وله شبهة الاتحاد وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة لما نذكره ولو أصبح جنبا في رمضان فصومه تام عند عامة الصحابة مثل علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لا صوم له واحتج بما روي عن النبي أنه قال من أصبح جنبا فلا صوم له ورب الكعبة قاله راوي الحديث وأكده بالقسم

Bagian V02/P091

ولعامة الصحابة قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم إلى قوله فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أحل الله عز وجل الجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر وإذا كان الجماع في آخر الليل يبقى الرجل جنبا بعد طلوع الفجر لا محالة فدل أن الجنابة لا تضر الصوم وأما حديث أبي هريرة فقد ردته عائشة وأم سلمة فقالت عائشة كان رسول الله يصبح جنبا من غير احتلام ثم يتم صومه ذلك من رمضان وقالت أم سلمة كان رسول الله يصبح جنبا من قراف أي جماع مع أنه خبر واحد ورد مخالفا للكتاب لو نوى الصائم الفطر ولم يحدث شيئا آخر سوى النية فصومه تام وقال الشافعي بطل صومه وجه قوله إن الصوم لا بد له من النية وقد نقض نية الصوم بنية ضده وهو الإفطار فبطل صومه لبطلان شرطه ولنا أن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع ما لم يتصل به الفعل لقول النبي إن الله تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يفعلوا ونية الإفطار لم يتصل به ( ( ( بها ) ) ) الفعل وبه تبين أنه ما نقض نية الصوم بنية الفطر لأن نية الصوم نية اتصل بها الفعل فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل على أن النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدا ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان والغفلة وولو ذرعه القيء لم يفطره سواء كان أقل من ملء الفم أو كان ملء الفم لقول النبي ثلاث لا يفطرن الصائم القيء والحجامة والاحتلام وقوله من قاء فلا قضاء عليه ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه فأشبه الناسي ولأن الأصل أن لا يفسد الصوم بالقيء سواء ذرعه أو تقيأ لأن فساد الصوم متعلق بالدخول شرعا قال النبي الفطر مما يدخل والوضوء مما يخرج علق كل جنس الفطر بكل ما يدخل ولو حصل لا بالدخول لم يكن كل جنس الفطر معلقا بكل ما يدخل لأن الفطر الذي يحصل بما يخرج لا يكون ذلك الفطر حاصلا بما يدخل وهذا خلاف النص إلا أنا عرفنا الفساد بالاستيقاء ( ( ( بالاستقاء ) ) ) بنص آخر وهو قول النبي ومن استقاء فعليه القضاء فبقي الحكم في الذرع على الأصل ولأنه لا صنع له في الذرع وهو سبق القيء بل يحصل بغير قصده واختياره والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه فلهذا لا يؤاخذ الناسي بفساد الصوم فكذا هذا لأن هذا في معناه بل أولى لأنه لا صنع له فيه أصلا بخلاف الناسي على ما مر فإن عاد إلى جوفه فإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد بلا خلاف وإن كان ملء الفم فذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في قول أبي يوسف يفسد وفي قول محمد لا يفسد وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الاختلاف على العكس فقال في قول أبي يوسف لا يفسد وفي قول محمد يفسد وجه قول من قال يفسد أنه وجد المفسد وهو الدخول في الجوف لأن القيء ملء الفم له حكم الخروج بدليل انتقاض الطهارة والطهارة لا تنتقض إلا بخروج النجاسة فإذا عاد فقد وجد الدخول فيدخل تحت قول النبي والفطر مما يدخل وجه قول من قال لا يفسد أن العود ليس صنعه بل هو صنع الله تعالى على طريق التمحض يعني به مصنوعه لا صنع للعبد فيه رأسا فأشبه ذرع القيء وأنه غير مفسد كذا عود القيء فإن أعاده فإن كان ملىء ( ( ( ملء ) ) ) الفم فسد صومه بالاتفاق لوجود الإدخال متعمدا لما ذكرنا أن للقيء ملء الفم حكم الخروج حتى يوجب انتقاض الطهارة فإذا أعاده فقد أدخله في الجوف عن قصد فيوجب فساد الصوم وإن كان أقل من ملء الفم ففي قول أبي يوسف لا يفسد وفي قول محمد يفسد

Bagian V02/P091–V02/P092

وجه قول محمد أنه وجد الدخول إلى الجوف بصنعه فيفسد ولأبي يوسف أن الدخول إنما يكون بعد الخروج وقليل القيء ليس له حكم الخروج بدليل عدم انتقاض الطهارة به فلم يوجد الدخول فلا يفسد هذا الذي ذكرنا كله إذا ذرعه القيء فأما إذا استقاء فإن كان ملء الفم يفسد صومه بلا خلاف لقول النبي ومن استقاء فعليه القضاء وإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد في قول أبي يوسف وعند محمد يفسد واحتج بقول النبي ومن استقاء فعليه القضاء مطلقا من غير فصل بين القليل والكثير وجه قول أبي يوسف ما ذكرنا أن الأصل أن يفسد الصوم إلا بالدخول بالنص الذي روينا ولم يوجد ههنا فلا يفسد والحديث محمول على الكثير توفيقا بين الدليلين بقدر الإمكان ثم كثير المستقاء لا يتفرع عليه العود والإعادة لأن الصوم قد فسد بالاستقاء وكذا قليله في قول محمد لأن عنده فسد الصوم بنفس الاستقاء وإن كان قليلا وأما على قول أبي يوسف فإن عاد لا يفسد وإن أعاده ففيه عن أبي يوسف روايتان في رواية يفسد وفي رواية لا يفسد وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ من المخارق الأصلية كالأنف والأذن والدبر بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل إلى الجوف أو إلى الدماغ فسد صومه أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة وكذا إذا وصل إلى الدماغ لأن له منفذا ( ( ( منفذ ) ) ) إلى الجوف فكان بمنزلة زاوية من زوايا الجوف وقد روي عن النبي أنه قال للقيط بن صبرة بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم وإلا لم يكن للاستثناء معنى ولو وصل إلى الرأس ثم خرج لا يفسد بأن استعط بالليل ثم خرج بالنهار لأنه لما خرج علم أنه لم يصل إلى الجوف أو لم يستقر فيه وأما ما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن غير المخارق الأصلية بأن داوى الجائفة والآمة فإن داواها بدواء يابس لا يفسد لأنه لم يصل إلى الجوف ولا إلى الدماغ ولو علم أنه وصل يفسد في قول أبي حنيفة وإن داواها بدواء رطب يفسد عند أبي حنيفة وعندهما لا يفسد هما اعتبرا المخارق الأصلية لأن الوصول إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به ومن غيرها مشكوك فيه فلا نحكم بالفساد مع الشك ولأبي حنيفة أن الدواء إذا كان رطبا فالظاهر هو الوصول لوجود المنفذ إلى الجوف فيبني الحكم على الظاهر وأما الإقطار في الإحليل فلا يفسد في قول أبي حنيفة وعندهما يفسد قيل إن الاختلاف بينهم بناء على أمر خفي وهو كيفية خروج البول من الإحليل فعندهما أن خروجه منه لأن له منفذا فإذا قطر فيه يصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن وعند أبي حنيفة أن خروج البول منه من طريق الترشح كترشح الماء من الخزف الجديد فلا يصل بالإقطار فيه إلى الجوف والظاهر أن البول يخرج منه خروج الشيء من منفذه كما قالا وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما وعلى هذه الرواية اعتمد أستاذي رحمه الله وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وقول محمد مع أبي حنيفة وأما الإقطار في قبل المرأة فقد قال مشايخنا أنه يفسد صومها بالإجماع لأن لمسانتها ( ( ( لمثانتها ) ) ) منفذا فيصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن ولو طعن برمح فوصل إلى جوفه أو إلى دماغه فإن أخرجه مع النصل لم يفسد وإن بقي النصل فيه يفسد وكذا قالوا فيمن ابتلع لحما مربوطا على خيط ثم انتزعه من ساعته أنه لا يفسد وإن تركه فسد وكذا روي عن محمد في الصائم إذا أدخل خشبة في المقعد ( ( ( المقعدة ) ) ) أنه لا يفسد صومه إلا إذا غاب طرفا ( ( ( طرف ) ) ) الخشبة وهذا يدل على أن استقرار الداخل في الجوف شرط فساد الصوم

Bagian V02/P092–V02/P093

ولو أدخل أصبعه في دبره قال بعضهم يفسد صومه وقال بعضهم لا يفسد وهو قول الفقيه أبي الليث لأن الأصبع ليست بآلة الجماع فصارت كالخشب ولو اكتحل الصائم لم يفسد وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء وقال ابن أبي ليلى يفسد وجه قوله أنه لما وجد طعمه في حلقه فقد وصل إلى جوفه ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال خرج علينا رسول الله في رمضان وعيناه مملوأتان ( ( ( مملوءتان ) ) ) كحلا كحلتهما أم سلمة ولأنه لا منفذ من العين إلى الجوف ولا إلى الدماغ وما وجد من طعمه فذاك أثره لا عينه وأنه لا يفسد كالغبار والدخان وكذا لو دهن رأسه أو أعضاءه فتشرب فيه أنه لا يضره لأنه وصل إليه الأثر لا العين ولو أكل حصاة أو نواة أو خشبا أو حشيشا أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة ولا يحصل به قوام البدن يفسد صومه لوجود الأكل صورة ولو جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل أو باشرها أو قبلها أو لمسها بشهوة فأنزل يفسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه وكذا إذا فعل ذلك فأنزلت المرأة لوجود الجماع من حيث المعنى وهو قضاء الشهوة بفعله وهو المس بخلاف النظر فإنه ليس بجماع أصلا لأنه ليس بقضاء للشهوة بل هو سبب لحصول الشهوة على ما نطق به الحديث إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة ولو عالج ذكره فأمنى اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يفسد وقال بعضهم يفسد وهو قول محمد بن سلمة والفقيه أبي الليث لوجود قضاء الشهوة بفعله فكان جماعا من حيث المعنى وعن محمد فيمن أولج ذكره في امرأته قبل الصبح ثم خشي الصبح فانتزع منها فأمنى بعد الصبح أنه لا يفسد صومه وهو بمنزلة الاحتلام ولو جامع بهيمة فأنزل فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه لأنه وإن وجد الجماع صورة ومعنى وهو قضاء الشهوة لكن على سبيل القدور ( ( ( القصور ) ) ) لسعة المحل ولو جامعها ولم ينزل لا يفسد ولو حاضت المرأة أو ( ( ( ونفست ) ) ) نفست بعد طلوع الفجر فسد صومها لأن الحيض والنفاس منافيان للصوم لمنافاتهما أهلية الصوم شرعا بخلاف القياس بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما بينا فيما تقدم بخلاف ما إذا جن إنسان بعد طلوع الفجر أو أغمي عليه وقد كان نوى من الليل إن صومه ذلك اليوم جائز لما ذكرنا أن الجنون والإغماء لا ينافيان أهلية الأداء وإنما ينافيان النية بخلاف الحيض والنفاس والله تعالى أعلم فصل وأما حكم فساد الصوم ففساد الصوم يتعلق به أحكام بعضها يعم الصيامات كلها وبعضها يخص البعض دون البعض أما الذي يعم الكل فالإثم إذا أفسد بغير عذر لأنه أبطل عمله من غير عذر وإبطال العمل من غير عذر حرام لقوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقال الشافعي كذلك إلا في صوم التطوع بناء على أن الشروع في التطوع موجب للإتمام عندنا وعنده ليس بموجب والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة وإن كان بعذر لا يأثم وإذا اختلف الحكم بالعذر فلا بد من معرفة الأعذار المسقطة للإثم والمؤاخذة فنبينها بتوفيق الله تعالى فنقول هي المرض والسفر والإكراه والحبل والرضاع والجوع والعطش وكبر السن لكن بعضها مرخص وبعضها مبيح مطلق لا موجب كما فيه خوف زيادة ضرر دون خوف الهلاك فهو مرخص وما فيه خوف الهلاك فهو مبيح مطلق بل موجب فنذكر جملة ذلك فنقول أما المرض فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت الإشارة في الجامع الصغير فإنه قال في رجل خاف إن لم يفطر تزداد عيناه وجعا أو حماه شدة أفطر وذكر الكرخي في مختصره إن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت أو زيادة العلة كائنا ما كانت العلة

Bagian V02/P093–V02/P094

وروي عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعدا فلا بأس بأن يفطر والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك لأن فيه إلقاء النفس إلى التهلكة لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب والوجوب لا يبقى في هذه الحالة وأنه حرام فكان الإفطار مباحا بل واجبا وأما السفر فالمرخص منه هو مطلق السفر المقدر والأصل فيهما قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أي فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر بعذر المرض والسفر فعدة من أيام أخر دل أن المرض والسفر سببا الرخصة ثم السفر والمرض وإن أطلق ذكرهما في الآية فالمراد منهما المقيد لأن مطلق السفر ليس بسبب الرخصة لأن حقيقة السفر هو الخروج عن الوطن أو الظهور وذا يحصل بالخروج إلى الضيعة ولا تتعلق به الرخصة فعلم أن المرخص سفر مقدر بتقدير معلوم وهو الخروج عن الوطن على قصد مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا عندنا وعند الشافعي يوم وليلة وقد مضى الكلام في تقديره في كتاب الصلاة وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة لأن الرخصة بسبب المرض والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيرا لهما وتخفيفا عليهما على ما قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ومن الأمراض ما ينفعه الصوم ويخففه ( ( ( ويخفه ) ) ) ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل بل الأكل يضره ويشتد عليه ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله والتضييق بما يشتد عليه وفي الآية دلالة وجوب القضاء على من أفطر بغير عذر لأنه لما وجب القضاء على المريض والمسافر مع أنهما أفطرا بسبب العذر المبيح للإفطار فلأن يجب على غير ذي العذر أولى وسواء كان السفر سفر طاعة أو مباح ( ( ( مباحا ) ) ) أو معصية عندنا وعند الشافعي سفر المعصية لا يفيد الرخصة والمسألة مضت في كتاب الصلاة والله أعلم وسواء سافر قبل دخول شهر رمضان أو بعده إن له أن يترخص فيفطر عند عامة الصحابة وعن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنه إذا أهل في المصر ثم سافر لا يجوز له أن يفطر وجه قولهما أنه لما استهل في الحضر لزمه صوم الإقامة وهو صوم الشهر حتما فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه فلا يملك ذلك كاليوم الذي سافر فيه أنه لا يجوز له أن يفطر فيه لما بينا كذا هذا ولعامة الصحابة رضي الله عنهم قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر جعل الله مطلق السفر سبب الرخصة ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة وإنها توجد في الحالين فتثبت الرخصة في الحالين جميعا وأما وجه قولهما إن بالإهلال في الحضر لزمه صوم الإقامة فنقول نعم إذا أقام أما إذا سافر يلزمه صوم السفر وهو أن يكون فيه رخصة الإفطار لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فكان ما قلناه عملا بالآيتين فكان أولى بخلاف اليوم الذي سافر فيه لأنه كان مقيما في أول اليوم فدخل تحت خطاب المقيمين في ذلك اليوم فلزمه إتمامه حتما فأما اليوم الثاني والثالث فهو مسافر فلا يدخل تحت خطاب المقيمين ولأن من المشايخ من قال إن الجزء الأول من كل يوم سبب لوجوب صوم ذلك اليوم وهو كان مقيما في أول الجزء فكان الجزء الأول سببا لوجوب صوم الإقامة وأما في اليوم الثاني والثالث فهو مسافر فيه فكان الجزء الأول في حقه سببا لوجوب صوم السفر فيثبت الوجوب مع رخصة الإفطار ولو لم يترخص المسافر وصام رمضان جاز صومه وليس عليه القضاء في عدة من أيام أخر وقال بعض الناس لا يجوز صومه في رمضان ولا يعتد به ويلزمه القضاء وحكى القدوري فيه اختلافا بين الصحابة فقال يجوز صومه في قول أصحابنا وهو قول علي وابن عباس وعائشة وعثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله عنهم

Bagian V02/P094–V02/P095

وعند عمر وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم لا يجوز وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر أمر المسافر بالصوم في أيام أخر مطلقا سواء صام في رمضان أو لم يصم إذ الإفطار غير مذكور في الآية فكان هذا من الله تعالى جعل وقت الصوم في حق المسافر أياما أخر وإذا صام في رمضان فقد صام قبل وقته فلا يعتد به في منع لزوم القضاء وروي عن النبي أنه قال من صام في السفر فقد عصى أبا القاسم والمعصية مضادة للعبادة وروي عنه أنه قال الصائم في السفر كالمفطر في الحضر فقد حقق له حكم الإفطار ولنا ما روي أن رسول الله صام في السفر وروي أنه أفطر وكذا روي عن الصحابة أنهم صاموا في السفر وروي أنهم أفطروا حتى روي أن عليا رضي الله عنه أهل هلال رمضان وهو يسير إلى نهروان فأصبح صائما ولأن الله تعالى جعل المرض والسفر من الأعذار المرخصة للإفطار تيسيرا وتخفيفا على أربابها وتوسيعا عليهم قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر ولا يجوز في السفر لكان فيه تعسير وتضييق عليهم وهذا يضاد موضوع الرخصة وينافي معنى التيسير فيؤدي إلى التناقض في وضع الشرع تعالى الله عن ذلك ولأن السفر لما كان سبب الرخصة فلو وجب القضاء مع وجود الأداء لصار ما هو سبب الرخصة سبب زيادة فرض لم يكن في حق غير صاحب العذر وهو القضاء مع وجود الأداء فيتناقض ولأن جواز الصوم للمسافر في رمضان مجمع عليه فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف فيه بين الصحابة رضي الله عنهم والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد الإجماع في العصر الثاني بل الإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم عندنا على ما عرف في أصول الفقه وبه تبين أن الإفطار مضمر في الآية وعليه إجماع أهل التفسير وتقديرها فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على أنه ذكر الحظر في القرآن قال الله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير إلى قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه أي من اضطر فأكل لأنه لا إثم يلحقه بنفس الاضطرار وقال تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي أي فإن أحصرتم فأحللتم فما استيسر من الهدي لأنه معلوم أنه على النسك من الحج ما لم يوجد الإحلال وقال الله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أي فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ودفع الأذى عن رأسه ففدية من صيام ونظائره كثيرة في القرآن والحديثان محمولان على ما إذا كان الصوم يجهده وبضعفه ( ( ( ويضعفه ) ) ) فإذا لم يفطر في السفر في هذه الحالة صار كالذي أفطر في الحضر لأنه يجب عليه الإفطار في هذه الحالة لما في الصوم في هذه الحالة من إلقاء النفس إلى التهلكة وأنه حرام ثم الصوم في السفر من الإفطار عندنا إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه وقال الشافعي الإفطار أفضل بناء على أن الصوم في السفر عندنا عزيمة والإفطار رخصة وعند الشافعي على العكس من ذلك وذكر القدوري في المسألة اختلاف الصحابة فقال روي عن حذيفة وعائشة وعروة بن الزبير مثل مذهبنا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما مثل مذهبه واحتج بما روينا من الحديثين في المسألة الأولى ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله تعالى ولتكملوا العدة والاستدلال بالآية من وجوه أحدها أنه أخبر أن الصيام مكتوب على المؤمنون ( ( ( المؤمنين ) ) ) عاما أي مفروض إذ الكتابة هي الفرض لغة