Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Bagian V02/P255–V02/P256

وإذا عرف هذا فنقول يحرم على الرجل أمه بنص الكتاب وهو قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وتحرم عليه جداته من قبل أبيه وأمه وإن علون بدلالة النص لأن الله تعالى حرم العمات والخالات وهن أولاد الأجداد والجدات فكانت الجدات أقرب منهن فكان تحريمهن تحريما للجدات من طريق الأولى كتحريم للتأفيف ( ( ( التأفيف ) ) ) نصا يكون تحريما للشتم والضرب دلالة وعليه إجماع الأمة أيضا وتحرم عليه بناته بالنص وهو قوله تعالى وبناتكم سواء كانت بنته من النكاح أو من السفاح لعموم النص وقال الشافعي لا تحرم عليه البنت من السفاح لأن نسبها لم يثبت منه فلا تكون مضافة إليه شرعا فلا تدخل تحت نص الإرث والنفقة في قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم وفي قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن كذا ههنا ولأنا نقول بنت الإنسان اسم لأنثى مخلوقة من مائه حقيقة والكلام فيه فكانت بنته حقيقة إلا أنه لا تجوز الإضافة شرعا إليه لما فيه من إشاعة الفاحشة وهذا لا ينفي النسبة الحقيقية لأن الحقائق لا مرد لها وهكذا نقول في الأرث والنفقة أن النسبة الحقيقية ثابتة إلا أن الشرع اعتبر هناك ثبوت النسب شرعا لجريان الإرث والنفقة لمعنى ومن ادعى ذلك ههنا فعليه البيان وتحرم بنات بناته وبنات أبنائه وإن سفلن بدلالة النص لأنهن أقرب من بنات الأخ وبنات الأخت ومن الأخوات أيضا لأن الأخوات أولاد أبيه وهن أولاد أولاده فكان ذكر الحرمة هناك ذكرا للحرمة ههنا دلالة وعليه إجماع الأمة أيضا وتحرم عليه أخواته وعماته وخالاته بالنص وهو قوله عز وجل وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم سواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم لإطلاق اسم الأخت والعمة والخالة ويحرم عليه عمة أبيه وخالته لأب وأم أو لأب أو لأم وعمة أمه وخالته لأب وأم أو لأب أو لأم بالإجماع وكذا عمة جده وخالته وعمة خالته وخالتها لأب وأم أو لأب أو لأم تحرم بالإجماع وتحرم عليه بنات الأخ وبنات الأخت بالنص وهو قوله تعالى وبنات الأخ وبنات الأخت وإن سفلن بالإجماع ومنهم من قال إن حرمة الجدات وبنات البنات ونحوهن ممن ذكرنا يثبت بالنص أيضا لانطلاق الاسم عليهن فإن جدة الإنسان تسمى أما له وبنت بنته تسمى بنتا له فكانت حرمتهن ثابتة بعين النص لكن هذا لا يصح إلا على قول من يقول يجوز أن يراد الحقيقة والمجاز من لفظ واحد إذا لم يكن بين حكميهما منافاة لأن إطلاق اسم الأم على الجدة وإطلاق اسم البنت على بنت البنت بطريق المجاز ألا ترى أن من نفى اسم الأم والبنت عنهما كان صادقا في النفي وهذا من العلامات التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز وقد ظهر أمر هذه التفرقة في الشرع أيضا حتى أن من قال لرجل لست أنت بابن فلان لجدة لا يصير قاذفا له حتى لا يؤخذ بالحد ولأن نكح ( ( ( نكاح ) ) ) هؤلاء يفضي إلى قطع الرحم لأن النكاح لا يخلو عن مباسطات تجري بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونة بينهما وذلك يفضي إلى قطع الرحم فكان النكاح سببا لقطع الرحم مفضيا إليه وقطع الرحم حرام والمفضي إلى الحرام حرام وهذا المعنى يعم الفرق السبع لأن قرابتهن محرمة القطع واجبة الوصل ويختص الأمهات بمعنى آخر وهو أن احترام الأم وتعظيمها واجب ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف وخفض الجناح لهما والقول الكريم ونهى عن التأفيف لهما فلو جاز النكاح والمرأة تكون تحت أمر الزوج وطاعته وخدمته مستحقة عليها للزمها ذلك وأنه ينفي الاحترام فيؤدي إلى التناقض وتحل له بنت العمة والخالة وبنت العم والخال لأن الله تعالى ذكر المحرمات في آية التحريم ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه أحل ما وراء ذلك بقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم وبنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات لم يذكرن في المحرمات فكن مما وراء ذلك فكن محللات

Bagian V02/P256–V02/P257

وكذا عمومات النكاح لا توجب الفصل ثم خص عنها المحرمات المذكورات في آية التحريم فبقي غيرهن تحت العموم وقد ورد نص خاص في الباب وهو قوله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك إلى قوله عز وجل وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك الآية والأصل فيما يثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت لأمته والخصوص بدليل والله الموفق فصل وأما النوع الثاني فالمحرمات بالمصاهرة أربع فرق الفرقة الأولى أم الزوجة وجداتها من قبل أبيها وأمها وإن علون فيحرم على الرجل أم زوجته بنص الكتاب العزيز وهو قوله عز وجل وأمهات نسائكم معطوفا على قوله عز وجل حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم سواء كان دخل بزوجته أو كان لم يدخل بها عند عامة العلماء وقال مالك وداود الأصفهاني ومحمد بن شجاع البلخي وبشر المريسي أن أم الزوجة لا تحرم على الزوج بنفس العقد ما لم يدخل ببنتها حتى أن من تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها أو ماتت لا يجوز له أن يتزوج أمها عند عامة العلماء وعندهم يجوز والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روي عن عمر وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين رضي الله عنهم مثل قول العامة وروى عن عبد الله بن مسعود وجابر رضي الله عنهما مثل قولهم وهو إحدى الروايتين عن علي وزيد بن ثابت وعن زيد بن ثابت أنه فصل بين الطلاق والموت قال في الطلاق مثل قولهما وفي الموت مثل قول العامة وجعل الموت كالدخول لأنه بمنزلة الدخول في حق المهر وكذا في حق التحريم احتجوا بقوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ذكر أمهات النساء وعطف ربائب النساء عليهن في التحريم بحرف العطف ثم عقب الجملتين بشرط الدخول والأصل أن الشرط المذكور والاستثناء بمشيئة الله تعالى عقيب جمل معطوف بعضها على بعض بحرف العطف كل جملة مبتدأ وخبره ينصرف إلى الكل لا إلى ما يليه خاصة كمن قال عبده حر وامرأته طالق وعليه حج بيت الله تعالى إن فعل كذا أو قال إن شاء الله تعالى فهذا كذلك فينصرف شرط الدخول إلى الجملتين جميعا فلا تثبت الحرمة بدونه ولنا قوله تعالى وأمهات نسائكم كلام تام بنفسه منفصل عن المذكور بعده لأنه مبتدأ وخبر إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى قوله عز وجل وأمهات نسائكم والمعطوف يشارك المعطوف عليه في خبره ويكون خبر الأول خبرا للثاني كقوله جاءني زيد وعمرو معناه جاءني عمرو فكان معنى قوله تعالى وأمهات نسائكم أي وحرمت عليكم أمهات نسائكم وأنه مطلق عن شرط الدخول فمن ادعى أن الدخول المذكور في آخر الكلمات منصرف إلى الكل فعليه الدليل وروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله أن يتزوج ابنتها وليس له أن يتزوج الأم وهذا نص في المسألتين

Bagian V02/P257–V02/P258

وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا بأس أن يتزوج بنتها وأيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها وهذا نص في المسألتين وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية الكريمة أبهموا ما أبهم الله تعالى أي أطلقوا ما أطلق الله تعالى وكذا روى عن عمران بن حصين أنه قال الآية مبهمة أي مطلقة لا يفصل بين الدخول وعدمه وما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه فقد روي الرجوع عنه فإنه روى أنه أفتى بذلك في الكوفة فلما أتى المدينة ولقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاكرهم رجع إلى القول بالحرمة حتى روي أنه لما أتى الكوفة نهى من كان أفتاه بذلك فقيل إنها ولدت أولادا فقال إنها وإن ولدت ولأن هذا النكاح يفضي إلى قطع الرحم لأنه إذا طلق بنتها وتزوج بأمها حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب القطيعة فيما بينهما وقطع الرحم حرام فما أفضى إليه أن يكون حراما لهذا المعنى حرم الجمع بين المرأة وبنتها وبين المرأة وأمها وبين عمتها وخالتها على ما نذكر إن شاء الله تعالى بخلاف جانب الأم حيث لا تحرم بنتها بنفس العقد على الأم لأن إباحة النكاح هناك لا تؤدي إلى القطع لأن الأم في ظاهر العادات تؤثر بنتها على نفسها في الحظوظ والحقوق والبنت لا تؤثر أمها على نفسها معلوم ذلك بالعادة وإذا جاء الدخول تثبت الحرمة لأنه تأكدت مودتها لاستيفائها حظها فتلحقها الغضاضة فيؤدي إلى القطع ولأن الحرمة تثبت بالدخول بالإجماع والعقد على البنت سبب الدخول بها والسبب يقوم مقام المسبب في موضع الاحتياط ولهذا تثبت الحرمة بنفس العقد في منكوحة الأب وحليلة الابن كان ينبغي أن تحرم الربيبة بنفس العقد على الأم إلا أن شرط الدخول هناك عرفناه بالنص فبقي الحكم في الآية على أصل القياس وأما قولهم إن الشرط المذكور في آخر كلمات معطوف بعضها على بعض والاستثناء بمشيئة الله تعالى ملحق بالكل فنقول هذا الأصل مسلم في الاستثناء بمشيئة الله تعالى والشرط المصرح به فإما في الصفة الداخلة على المذكور في آخر الكلام فممنوع بل يقتصر على ما يليه فإنك تقول جاءني زيد ومحمد العالم فتقتصر صفة العلم على الذي يليه دون زيد وقوله عز وجل اللاتي دخلتم بهن وصف إياهن بالدخول بهن لا شرط من ادعى إلحاق الوصف بالشرط فعليه الدليل على أنه يحتمل أن يكون بمعنى الشرط فيلحق الكل ويحتمل أن لا يكون فيقتصر على ما يليه فلا يلحق بالشك والاحتمال وإذا وقع الشك والشبهة فيه فالقول لما فيه الحرمة أولى احتياطا على أن هذه الصفة إن كانت في معنى الشرط لكن اللفظ متى قرن به شرط أو صفة لإثبات حكم يقتضي وجوده عند وجوده إما لا يقتضي عدمه عند عدمه بل عدمه ووجوده عند عدم الشرط والصفة يكون موقوفا على قيام الدليل وفي نفس هذه الآية الكريمة ما يدل عليه فإنه قال عز وجل وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ولو كان التقييد بالوصف نافيا الحكم في غير الموصوف لكان ذلك القدر كافيا ونحن نقول بحرمة الأم عند الدخول بالربيبة وبحرمة الربيبة عند الدخول بالأم بظاهر الآية الكريمة وليس فيها نفي الحرمة عند عدم الدخول ولا إثباتها فيقف على قيام الدليل وقد قام الدليل على حرمة الأم بدون الدخول ببنتها وهو ما ذكرنا فتثبت الحرمة ولم يقم الدليل على حرمة الريبية ( ( ( الربيبة ) ) ) قبل الدخول بالأم فلا تثبت الحرمة والله عز وجل أعلم

Bagian V02/P258–V02/P259

وأما جدات الزوجة من قبل أبيها وأمها فإنها عرفت حرمتهن بالإجماع ولما ذكرنا من المعنى في الأمهات لا بعين النص إلا على قول من يجيز اشتمال اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز عند عدم التنافي بين حكميهما على ما ذكرنا ثم إن ( ( ( إنما ) ) ) تحرم الزوجة وجداتها بنفس العقد إذا كان صحيحا فأما إذا كان فاسدا فلا تثبت الحرمة بالعقد بل بالوطء أو ما يقوم مقامه من المس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة على ما نذكر لأن الله تعالى حرم على الزوج أم زوجته مضافا إليه والإضافة لا تنعقد إلا بالعقد الصحيح فلا تثبت الحرمة إلا به والله الموفق فصل وأما الفرقة الثانية فبنت الزوجة وبناتها وبنات بناتها وبنيها وإن سفلن أما بنت زوجته فتحرم عليه بنص الكتاب العزيز إذا كان دخل بزوجته فإن لم يكن دخل بها فلا تحرم لقوله وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وسواء كانت بنت زوجته في حجره أو لا عند عامة العلماء وقال بعض الناس لا تحرم عليه إلا أن تكون في حجره ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نصا لظاهر الآية قوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم حرم الله عز وجل بنت الزوجة وبوصف كونها في حجر زوج فيتقيد التحريم بهذا الوصف ألا ترى أنه لما أضافها إلى الزوجة يقيد التحريم به حتى لا يحرم على ربيبته غير الزوجة كذا هذا ولنا أن التنصيص على حكم الموصوف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف بخلافه إذ التنصيص لا يدل على التخصيص فتثبت حرمة بنت زوجة الرجل التي دخل بأمها وهي في حجره بهذه الآية وإذا لم تكن في حجره تثبت حرمتها بدليل آخر وهو كون نكاحها مفضيا إلى قطيعة الرحم سواء كانت في حجره أو لم تكن على ما بينا فيما تقدم إلا أن الله تعالى ذكر الحجر بناء على أن عرف الناس وعادتهم أن الربيبة تكون في حجر زوج أمها عادة فأخرج الكلام مخرج العادة كما في قوله عز وجل ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وقوله عز وجل فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ونحو ذلك وأما بنات بنات الربيبة وبنات أبنائها وإن سفلن فتثبت حرمتهن بالإجماع وبما ذكرنا من المعنى المعقول لا بعين النص إلا على قول من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد عند إمكان العمل بهما 4 فصل وأما الفرقة الثالثة فحليلة الابن من الصلب وابن الابن وابن البنت وإن سفل فتحرم على الرجل حليلة ابنه من صلبه بالنص وهو قوله عز وجل وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وذكر الصلب جاز أن يكون لبيان الخاصية وإن لم يكن الابن إلا من الصلب لقوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه وإن كان الطائر لا يطير إلا بجناحيه وجاز أن يكون لبيان القسمة والتنويع لأن الابن قد يكون من الصلب وقد يكون من الرضاع وقد يكون بالتبني أيضا على ما ذكر في سبب نزول الآية لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج امرأة زيد بن حارثة بعدما طلقها زيد وكان ابنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبني فعابه المنافقون على ذلك وقالوا أنه تزوج بحليلة ابنه فنزل قوله تعالى وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم

Bagian V02/P259–V02/P260

وكذلك قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ولأن حليلة الابن لو لم تحرم على الأب فإذا طلقها الابن ربما يندم على ذلك ويريد العود إليها فإذا تزوجها أبوه أورث ذلك الضغينة بينهما والضغينة تورث القطيعة وقطع الرحم حرام فيجب أن يحرم حتى لا يؤدي إلى الحرام ولهذا حرمت منكوحة الأب على الابن كذا هذا سواء كان دخل بها الابن أو لم يدخل بها لأن النص مطلق عن شرط الدخول والمعنى لا يوجب الفصل أيضا على ما ذكرنا ولأن العقد سبب إلى الدخول والسبب يقام مقام المسبب في موضع الاحتياط على ما مر وحليلة ابن الابن وابن البنت وإن سفل تحرم بالإجماع أو بما ذكرنا من المعنى لا بعين النص لأن ابن الابن يسمى ابنا مجازا لا حقيقة فإذا صارت الحقيقة مرادة لم يبق المجاز مرادا لنا إلا على قول من يقول إنه يجوز أن يرادا من لفظ واحد والله الموفق فصل وأما الفرقة الرابعة فمنكوحة الأب وأجداده من قبل أبيه وإن علوا أما منكوحة الأب فتحرم بالنص وهو قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء والنكاح يذكر ويراد به العقد وسواء كان الأب دخل بها أو لا لأن اسم النكاح يقع على العقد والوطء فتحرم بكل واحد منهما على ما نذكر ولأن نكاح منكوحة الأب يفضي إلى قطيعة الرحم لأنه إذا فارقها أبوه لعله يندم فيريد أن يعيدها فإذا نكحها الابن أوحشه ذلك وأورث الضغينة وذلك سبب التباعد بينهما وهو تفسير قطيعة الرحم وقطع الرحم حرام فكان النكاح سر سبب الحرام وأنه تناقض فيحرم دفعا للتناقض الذي هو أثر السفه والجهل جل الله تعالى عنهما وأما منكوحة أجداده فتحرم بالإجماع وبما ذكرنا من المعنى لا بعين النص إلا على قول من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد عند عدم النافي ثم حرمة المصاهرة تثبت بالعقد الصحيح وتثبت بالوطء الحلال بملك اليمين حتى أن من وطىء جاريته تحرم عليها أمها وابنتها وجداتها وإن علون وبنات بناتها وإن سفلن وتحرم هي على أب الواطىء وابنه وعلى أجداد أجداد الواطىء وإن علوا وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا وكذا تثبت بالوطء في النكاح الفاسد وكذا بالوطء عن شبهة بالإجماع وتثبت باللمس فيهما عن شهوة وبالنظر إلى فرجها عن شهوة عندنا ولا تثبت بالنظر إلى سائر الأعضاء بشهوة ولا بمس سائر الأعضاء إلا عن شهوة بلا خلاف وتفسير الشهوة هي أن يشتهي بقلبه ويعرف ذلك بإقراره لأنه باطن لا وقوف عليه لغيره وتحرك الآلة وانتشارها هل هو شرط تحقيق الشهوة اختلف المشايخ فيه قال بعضهم شرط وقال بعضهم ليس بشرط هو الصحيح لأن المس والنظر عن شهوة يتحقق بدون ذلك كالعنين والمجبوب ونحو ذلك وقال الشافعي لا تثبت حرمة المصاهرة بالنظر وله في المس قولان وتثبت حرمة المصاهرة بالزنا والمس والنظر بدون النكاح والملك شبهته ( ( ( وشبهته ) ) ) وعند الشافعي لا تثبت الحرمة بالزنا فأولى أن لا تثبت بالمس والنظر بدون الملك احتج الشافعي بقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن حرم الربائب المضافة إلى نسائنا المدخولات وإنما تكون المرأة مضافة إلينا بالنكاح فكان الدخول بالنكاح شرط ثبوت الحرمة وهذا دخول بلا نكاح فلا تثبت به الحرمة ولا تثبت بالنظر أيضا لأنه ليس بمعنى الدخول ألا ترى أنه لا يفسد به الصوم ولا يجب به شيء في الإحرام وكذلك اللمس في قول وفي قول يثبت لأنه استمتاع بها من وجه فكان بمعنى الوطء ولهذا حرم بسبب الإحرام كما حرم الوطء وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح ابنتها أو يتبع البنت حراما أينكح أمها فقال لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان نكاحا حلالا والتحريم بالزنا تحريم الحرام الحلال

Bagian V02/P260–V02/P261

ولنا قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء والنكاح يستعمل في العقد والوطء فلا يخلو إما أن يكون حقيقة لهما على الاشتراك وإما أن يكون حقيقة لأحدهما مجازا للآخر وكيف ما كان يجب القول بتحريمهما جميعا إذ لا تنافي بينهما كأنه قال عز وجل ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء عقدا ووطأ ( ( ( ووطئا ) ) ) وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها وروي حرمت عليه أمها وابنتها وهذا نص في الباب لأنه ليس فيه ذكر النكاح وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها ولو لم يكن النظر الأول محرما للثاني وهو النظر إلى فرج ابنتها لم يلحقه اللعن لأن النظر إلى فرج المرأة المنكوحة نكاحا صحيحا مباح فكيف يستحق اللعن فإذا ثبتت الحرمة بالنظر فبالدخول أولى وكذا باللمس لأن النظر دون اللمس في تعلق الأحكام بهما ألا ترى أنه يفسد الصوم بالإنزال عن المس ولا يفسد بالإنزال عن النظر إلى الفرج وفي الحج يلزمه بالمس عن شهوة الدم أنزل أو لم ينزل ولا يلزمه شيء بالنظر إلى الفرج عن شهوة أنزل أو لم ينزل فلما ثبتت الحرمة بالنظر فبالمس أولى ولأن الحرمة إنما تثبت بالنكاح لكونه سببا داعيا إلى الجماع إقامة للسبب مقام المسبب في موضع الاحتياط كما أقيم النوم المفضي إلى الحدث مقام الحدث في إنقاض ( ( ( انتقاض ) ) ) الطهارة احتياطا لأمر الصلاة والقبلة والمباشرة في التسبب والدعوة أبلغ من النكاح فكان أولى بإثبات الحرمة ولأن الوطء الحلال إنما كان محرما للبنت بمعنى هو موجود هنا وهو أنه يصير جامعا بين المرأة وبنتها في الوطء من حيث المعنى لأن وطء إحداهما يذكره وطء الأخرى فيصير كأنه قاض وطره منهما جميعا ويجوز أن يكون هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها وهذا المعنى موجود في الوطء الحرام وأما الآية الكريمة فلا حجة له فيها بل هي حجة عليه لأنها تقتضي حرمة ربيبته التي هي بنت امرأته التي دخل بها مطلقا سواء دخل بها بعد النكاح أو قبله بالزنا واسم الدخول يقع على الحلال والحرام أو يحتمل أن يكون المراد الدخول بعد النكاح ويحتمل أن يكون قبله فكان الاحتياط هو القول بالحرمة وإذا احتمل هذا واحتمل هذا فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال على أن في هذه الآية إثبات الحرمة بالدخول في النكاح وهذا ينفي الحرمة بالدخول بلا نكاح فكان هذا احتجاجا بالمسكوت عنه وأنه لا يصح على أن في هذه الآية حجتنا على إثبات الحرمة بالمس لأنه ذكر الدخول بهن وحقيقة الدخول بالشيء عبارة عن إدخاله في العورة إلى الحصن فكان الدخول بها هو إدخالها في الحصن وذلك بأخذ يدها أو شيء منها ليكون هو الداخل بها فأما بدون ذلك فالمرأة هي الداخلة بنفسها فدل أن المس موجب للحرمة أو يحتمل الوطء ويحتمل المس فيجب القول بالحرمة احتياطا وأما الحديث فقد قيل إنه ضعيف ثم هو خبر واحد مخالف للكتاب ولئن ثبت فنقول بموجبه لأن المذكور فيه هو الاتباع لا الوطء واتباعها أن يراودها عن نفسها وذا لا يحرم عندنا إذ المحرم هو الوطء ولا ذكر له في الحديث والله عز وجل الموفق وأما النوع الثالث وهو المحرمات بالرضاعة فموضع بيانها كتاب الرضاع فكل من حرم لقرابة من الفرق السبع الذين وصفهم الله تعالى يحرم بالرضاعة إلا أن الله تعالى بين المحرمات بالقرابة بيان إبلاغ وبين المحرمات بالرضاعة بيان كفاية حيث لم يذكر على التصريح والتنصيص إلا الأمهات والأخوات بقوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ليعلم حكم غير المذكور بطريق الاجتهاد بالاستدلال ووجه الاستدلال نذكره في كتاب الرضاع إن شاء الله تعالى

Bagian V02/P261

والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وعليه الإجماع أيضا وكذا كل من يحرم ممن ذكرنا من الفرق الأربع بالمصاهرة يحرم بالرضاع فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من الرضاع إلا أن الأم تحرم بنفس العقد إذا كان صحيحا والبنت لا تحرم إلا بالدخول بالإحرام وكذا جدات الزوجة لأبيها وأمها وإن علون وبنات بناتها وبنات أبنائها وإن سفلن من الرضاع وكذا يحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن الرضاع وإن سفل على أبي الرضاع وأبي أبيه وتحرم منكوحة أبي الرضاع وأبي أبيه وإن علا على ابن الرضاع وابن ابنه وإن سفل وكذا يحرم بالوطء أم الموطوءة وبنتها من الرضاع على الواطىء وكذا جداتها وبنات بناتها وتحرم الموطوءة على أبي الواطىء وابنه من الرضاع وكذا على أجداده وإن علوا وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا سواء كان الوطء حلالا بأن كان بملك ( ( ( يملك ) ) ) اليمين أو كان الوطء بنكاح فاسد أو شبهة نكاح أو كان زنا والأصل أنه يحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب وسبب المصاهرة إلا في مسألتين يختلف فيهما حكم المصاهرة والرضاع نذكرهما في كتاب الرضاع إن شاء الله تعالى فصل ومنها أن لا يقع نكاح المرأة التي يتزوجها جمعا بين ذوات الأرحام ولا بين أكثر من أربع نسوة في الأجنبيات وجملة الكلام في الجمع أن الجمع في الأصل نوعان جمع بين ذوات الأرحام وجمع بين الأجنبيات أما الجمع بين ذوات الأرحام فنوعان أيضا جمع في النكاح وجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين أما الجمع بين ذوات الأرحام في النكاح فنقول لا خلاف في أن الجمع بين الأختين في النكاح حرام لقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين معطوفا على قوله عز وجل حرمت عليكم أمهاتكم ولأن الجمع بينهما يفضي إلى قطيعة الرحم لأن العداوة بين الضرتين ظاهرة وأنها تفضي إلى قطيعة الرحم وقطيعة الرحم حرام فكذا المفضي وكذا الجمع بين المرأة وبنتها لما قلنا بل أولى لأن قرابة الولادة ( ( ( الولاد ) ) ) مفترضة الوصل بلا خلاف واختلف في الجمع بين ذواتي رحم محرم سوى هذين الجمعين بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلا لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعا أيتهما كانت غير عين كالجمع بين امرأة وعمتها والجمع بين امرأة وخالتها ونحو ذلك قال عامة العلماء لا يجوز وقال عثمان البتي الجمع فيما سوى الأختين وسوى المرأة وبنتها ليس بحرام واحتج بقوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم ذكر المحرمات وذكر فيما حرم الجمع بين الأختين وأحل ما وراء ذلك والجمع فيما سوى الأختين لم يدخل في التحريم فكان داخلا في الإحلال إلا أن الجمع بين المرأة وبنتها حرم بدلالة النص لأن قرابة الولاد أقوى فالنص الوارد ثمة يكون واردا ههنا من طريق الأولى ولنا الحديث المشهور وهو ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها وزاد في بعض الروايات لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى الحديث أخبر أن من تزوج عمة ثم بنت أخيها أو خالة ثم بنت أختها لا يجوز ثم أخبر أنه إذا تزوج بنت الأخ أولا ثم العمة أو بنت الأخت أولا ثم الخالة لا يجوز أيضا لئلا يشكل أن حرمة الجمع يجوز أن تكون مختصة بأحد الطرفين دون الآخر كنكاح الأمة على الحرة أنه لا يجوز ويجوز نكاح الحرة على الأمة ولأن الجمع بين ذواتي محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم لأن الضرتين يتنازعان ويختلفان ولا يأتلفان هذا أمر معلوم بالعرف والعادة وذلك يفضي إلى قطع الرحم وأنه حرام والنكاح سبب فيحرم حتى لا يؤدي إليه وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث فيما روى أنه قال إنكم لو فعلتم ذلك لقطعتم أرحامهن

Bagian V02/P261–V02/P262

وروي في بعض الروايات فإنهن يتقاطعن وفي بعضها أنه يوجب القطيعة وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الجمع بين القرابة في النكاح وقالوا إنه يورث الضغائن وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كره الجمع بين بنتي عمين وقال لا أحرم ذلك لكن أكرهه أما الكراهة فلمكان القطيعة وأما عدم الحرمة فلأن القرابة بينهما ليست بمفترضة الوصل أما الآية فيحتمل أن يكون معنى قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم أي ما وراء ما حرمه الله تعالى والجمع بين المرأة وعمتها وبنتها وبين خالتها مما قد حرمه الله تعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو وحي غير متلو على أن حرمة الجمع بين الأختين معلولة بقطع الرحم والجمع ههنا يفضي إلى قطع الرحم فكانت حرمة ثابتة بدلالة النص فلم يكن ما وراء ما حرم في آية التحريم ويجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل أو بين امرأة وزوجة كانت لأبيها وهما واحد لأنه لا رحم بينهما فلم يوجد الجمع بين ذواتي رحم وقال زفر وابن أبي ليلى لا يجوز لأن البنت لو كانت رجلا لكان لا يجوز له أن يتزوج الأخرى لأنها منكوحة أبيه فلا يجوز الجمع بينهما كما لا يجوز الجمع بين الأختين وأنا نقول الشرط أن تكون الحرمة ثابتة من الجانبين جميعا وهو أن يكون كل واحدة منهما أيتهما كانت بحيث لو قدرت رجلا لكان لا يجوز له نكاح الأخرى ولم يوجد هذا الشرط لأن الزوجة منهما لو كانت رجلا لكان يجوز له أن يتزوج الأخرى لأن الأخرى لا تكون بنت الزوج فلم تكن الحرمة ثابتة من الجانبين فجاز الجمع بينهما كالجمع بين الأختين ولو تزوج الأختين معا فسد نكاحهما لأن نكاحهما حصل جمعا بينهما في النكاح وليست إحداهما بفساد النكاح بأولى من الأخرى فيفرق بينه وبينهما ثم إن كان قبل الدخول فلا مهر لهما ولا عدة عليهما لأن النكاح الفاسد لا حكم له قبل الدخول وإن كان قد دخل بهما فلكل واحدة منهما العقر وعليهما العدة لأن هذا حكم الدخول في النكاح الفاسد على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه وإن تزوج إحداهما بعد الأخرى جاز نكاح الأولى وفسد نكاح الثانية ولا يفسد نكاح الأولى لفساد نكاح الثانية لأن الجمع حصل بنكاح الثانية فاقتصر الفساد عليه ويفرق بينه وبين الثانية فإن كان لم يدخل بها فلا مهر ولا عدة وإن كان دخل بها فلها المهر وعليها العدة لما بينا ولا يجوز له أن يطأ الأولى ما لم تنقض عدة الثانية لما نذكر إن شاء الله تعالى وإن تزوج أختين في عقدتين لا يدري أيتهما أولى لا يجوز له التحري بل يفرق بينه وبينهما لأن نكاح إحداهما فاسد بيقين وهي مجهولة ولا يتصور حصول مقاصد النكاح من المجهولة فلا بد من التفريق ثم إن ادعت كل واحدة منهما أنها هي الأولى ولا بينة لها يقضي لها بنصف المهر لأن النكاح الصحيح أحدهما وقد حصلت الفرقة قبل الدخول لا بصنع المرأة فكان الواجب نصف المهر ويكون بينهما لعدم الترجيح إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى وروي عن أبي يوسف أنه لا يلزم الزوج شيء وروي عن محمد أنه يجب عليه المهر كاملا وإن قالتا لا ندري أيتنا الأولى لا يقضي لهما بشيء لكون المدعية منهما مجهولة إلا إذا اصطلحت على شيء فحينئذ يقضي لها وكذلك المرأة وعمتها وخالتها في جميع ما وصفنا وكما لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في نكاح أختها لا يجوز له أن يتزوجها في عدة أختها وكذلك التزوج بامرأة هي ذات رحم محرم من امرأة بعقد منه

Bagian V02/P262–V02/P263

والأصل أن ما يمنع صلب النكاح من الجمع بين ذواتي المحارم فالعدة تمنع منه وكذا لا يجوز له أن يتزوج أربعا من الأجنبيات والخامسة تعتد منه سواء كانت العدة من طلاق رجعي أو بائن أو ثلاث أو بالمحرمية الطارئة بعد الدخول أو بالدخول في نكاح فاسد أو بالوطء في شبهة وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز إلا في عدة من طلاق رجعي وروي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم مثل قولنا نحو علي وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وجه قوله إن المحرم هو الجمع بين الأختين في النكاح والنكاح قد زال من كل وجه لوجود المزيل له وهو الطلاق الثلاث أو البائن ولهذا لو وطئها بعد الطلاق الثلاث مع العلم بالحرمة لزمه الحد فلم يتحقق الجمع في النكاح فلا تثبت الحرمة ولنا أن ملك الحبس والعبد ( ( ( بالعقد ) ) ) قائم فإن الزوج يملك منعها من الخروج والبروز وحرمة التزوج بزوج آخر ثابتة والفراش قائم حتى لو جاءت بولد إلى سنتين من وقت الطلاق وقد كان قد دخل بها يثبت النسب فلو جاز النكاح لكان النكاح جمعا بين الأختين في هذه الأحكام فيدخل تحت النص ولأن هذه أحكام النكاح لأنها شرعت وسيلة إلى أحكام النكاح فكان النكاح قائما من وجه ببقاء بعض أحكامه والثابت من وجه ملحق بالثابت من وجه في باب الحرمة احتياطا ألا ترى أنه ألحقت الأم والبنت من وجه بالرضاعة بالأم والبنت من كل وجه بالقرابة وألحقت المنكوحة من وجه وهي المعتدة بالمنكوحة من كل وجه في حرمة النكاح كذا هذا ولأن الجمع قبل الطلاق إنما حرم لكونه مفضيا إلى قطيعة الرحم لأنه يورث الضغينة وإنها تفضي إلى القطيعة والضغينة ههنا أشد لأن معظم النعمة وهو ملك الحل الذي هو سبب اقتضاء الشهوة قد زال في حق المعتدة وبنكاح الثانية يصير جميع ذلك لها وتقوم ومقامها ( ( ( مقامها ) ) ) وتبقى هي محرومة الحظ للحال من الأزواج فكانت الضغينة أشد فكانت أدعى إلى القطيعة بخلاف ما بعد انقضاء العدة لأن هناك لم يبق شيء من علائق الزوج الأول فكان لها سبيل الوصول إلى زوج آخر فتستوفي حظها من الثاني فتسلي به فلا تلحقها الضغينة أو كانت أقل منه في حال قيام العدة فلا يستقيم الاستدلال ولو خلا بامرأته ثم طلقها لم يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها لأنه وجبت عليها العدة بالخلوة فيمنع نكاح الأخت كما لو وجبت بالدخول حقيقة فصل وأما الجمع في الوطء بملك اليمين فلا يجوز عند عامة الصحابة مثل عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال كل شيء حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله تعالى من الإماء إلا الجمع أي الجمع في الوطء بملك اليمين وروى أن رجلا سأل عثمان رضي الله عنه عن ذلك فقال ما أحب أن أحله ولكن أحلتهما آية وحرمتهما آية وأما أنا فلا أفعله فخرج الرجل من عنده فلقي عليا فذكر له ذلك فقال لو أن لي من الأمر شيء لجعلت من فعل ذلك نكالا وقول عثمان رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية عني بآية التحليل قوله عز وجل إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين وبآية التحريم قوله عز وجل وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف وذلك منه إشارة إلى تعارض دليلي الحل والحرمة فلا تثبت الحرمة مع التعارض ولعامة الصحابة رضي الله عنهم الكتاب العزيز والسنة أما الكتاب فقوله عز وجل وأن تجمعوا بين الأختين والجمع بينهما في الوطء جمع فيكون حراما وأما السنة فما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين

Bagian V02/P263–V02/P264

وأما قول عثمان رضي الله عنه أحلتهما آية وحرمتهما آية فالأخذ بالمحرم أولى عند التعارض احتياطا للحرمة لأنه يلحقه المأثم بارتكاب المحرم ولا مأثم في ترك المباح ولأن الأصل في الإبضاع هو الحرمة والإباحة بدليل فإذا تعارض دليل الحل والحرمة تدافعا فيجب العمل بالأصل وكما لا يجوز الجمع بينهما في الوطء لا يجوز في الدواعي من اللمس والتقبيل والنظر إلى الفرج عن شهوة لأن الدواعي إلى الحرام حرام إذا عرف هذا فنقول إذا ملك أختين فله أن يطأ إحداهما لأن الأمة لا تصير فراشا بالملك وإذا وطىء إحداهما ليس له أن يطأ الأخرى بعد ذلك لأنه لو وطىء لصار جامعا بينهما في الوطء حقيقة وكذا إذا ملك جارية فوطئها ثم ملك أختها كان له أن يطأ الأولى لما قلنا وليس له أن يطأ الأخرى بعد ذلك لم ما يحرم فرج الأولى على نفسه أما بالتزويج أو بالإخراج عن ملكه بالإعتاق أو بالبيع أو بالهبة أو بالصدقة لأنه لو وطىء الأخرى لصار جامعا بينهما في الوطء حقيقة وهذا لا يجوز ولو كاتبها يحل له وطىء ( ( ( وطء ) ) ) الأخرى في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال لا يحل لأنه بالكتابة لم يملك وطأها غيره وقال في هذه الرواية أيضا أنه لو ملك فرج الأولى غيره لم يكن له أن يطأ الأخرى حتى تحيض الأولى حيضة بعد وطئها لجواز أن تكون حاملا فيكون جامعا ماءه في رحم أختين فيستبرئها بحيضة حتى يعلم أنها ليست بحامل وجه ظاهر الرواية أنه حرم فرجها على المولى بالكتابة ألا ترى أنه لو وطئها لزمه العقر ولو وطئت بشبهة أو نكاح كان المهر لها لا للمولى فلا يصير بوطء الأخرى جامعا بينهما في الوطء ولو تزوج جارية ولم يطأها حتى ملك أختها فليس له أن يطأ المشتراة لأنه الفراش يثبت بنفس النكاح ولأن ملك النكاح يقصد به الوطء والولد فصارت المنكوحة موطوءة حكما فلو وطىء المشتراة لصار جامعا بينهما في الوطء ولو كانت في مكله ( ( ( ملكه ) ) ) جارية قد وطئها ثم تزوج أختها وتزوج أخت أم ولده جاز النكاح عند عامة العلماء ولكن لا يطأ الزوجة ما لم يحرم فرج الأمة التي في ملكه أو أم ولده وقال مالك لا يجوز النكاح وجه قوله أن النكاح بمنزلة الوطء بدليل أنه به النسب كالوطء وبدليل أنه لا يجوز له أن يطأ المملوكة ههنا بعد نكاح أختها فلو لم يكن بمنزلة الوطء لجاز وإذا كان النكاح بمنزلة الوطء يصير بالنكاح جامعا لما بينا في الوطء وأنه لا يجوز ولنا أن النكاح ليس بوطء حقيقة وليس بمنزلة الوطء أيضا لأن النكاح يلاقي الأجنبية ولا يجوز وطء الأجنبية فلا يكون نكاحها جامعا بينهما في الوطء إلا أن النكاح إذا انعقد يجعل الوطء موجودا حكما بعد الانعقاد لما أن الحكم المختص بالنكاح هو الوطء وثمرته المطلوبة منه الولد ولا حصول له عادة بدون الوطء فجعله الشارع حكما واطئا بعد انعقاد النكاح وألحق الولد بالفراش فلو وطىء المملوكة لصار جامعا بينهما وطأ ولأن الأمة لا تصير فراشا بنفس الوطء عندنا حتى لا يثبت النسب بدون الدعوة فلا يكون نكاح أختها جمعا بينهما في الفراش فلا يمنع منه وأم الولد فراشها ضعيف حتى ينتفي نسب ولده بمجرد قوله وهو مجرد النفي من غير لعان وكذا يحتمل النقل إلى غيره فلا يتحقر ( ( ( يتحقق ) ) ) النكاح جمعا بينهما في الفراش مطلقا فلا يمنع نسب ولده بمجرد قوله وهو مجرد النفي من غير لعان والله عز وجل أعلم ولا يجوز أن يتزوج أخت أم ولده التي تعتد منه بأنه أعتقها ووجبت عليها العدة في قول أبي حنيفة رحمه الله ويجوز أن تتزوج أربعا في عدتها وقال أبو يوسف ومحمد يجوز كلاهما وقال زفر لا يجوز كلاهما وجه قوله أن هذه معتدة فلا يجوز التزوج بأختها وأربع سواها كالحرة المعتدة

Bagian V02/P264–V02/P265

وجه قولهما أن الحرمة في الحرة لمكان الجمع بينهما في النكاح من وجه ولم يوجد في أم الولد لانعدام النكاح أصلا ولأن العدة في أم الولد أثر فراش الملك وحقيقة الفراش فيها لا يمنع النكاح حتى لو تزوج أخت أم ولده وأربع نسوة قبل أن يعتقها جاز فإذا لم يكن فراش الملك حقيقة مانعا فأثره أولى أن لا يمنع ولأبي حنيفة أنه إنما جاز نكاح أخت أم الولد قبل الإعتاق لضعف فراشها على ما بينا فإذا أعتقها قوى فراشها فكان نكاح أختها جمعا بينهما في الفراش وهو استلحاق نسب ولديها ولا يجوز استلحاق نسب ولد أختين في زمان واحد ولهذا لو تزوج أخت أم ولده لا يحل له وطء المنكوحة حتى يزيل فراش أم الولد ونكاح الأربع وإن كان جمعا بينهن وبينها في الفراش لكن الجمع ههنا في الفراش جائز ألا ترى أنه جاز قبل الإعتاق فإنه إذا تزوج أربعا قبل الإعتاق يحل له وطؤهن ووطء أم الولد فكذا بعد الإعتاق والله عز وجل أعلم فصل وأما الجمع بين الأجنبيات فنوعان أيضا جمع في النكاح وجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين أما الجمع في النكاح فنقول لا يجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من الحرائر والإماء عند عامة العلماء وقال بعضهم يباح له الجمع بين التسع وقال بعضهم يباح له الجمع بين ثمانية عشر واحتجوا بظاهر قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فالأولون قالوا إن الله تعالى ذكر هذه الأعداد بحرف الواو وأنه للجمع وجملتها تسعة فيقتضي إباحة نكاح تسع واستدلوا أيضا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تزوج تسع نسوة وهو قدوة الأمة والآخرون قالوا المثنى ضعف الإثنين والثلاث ضعف الثلاثة والرباع ضعف الأربعة فجملتها ثمانية عشر ولنا ما روى أن رجلا أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلمن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا ( ( ( أربعة ) ) ) وفارق البواقي أمره صلى الله عليه وسلم بمفارقة البواقي ولو كانت الزيادة على الأربع حلال ( ( ( حلالا ) ) ) لما أمره فدل أنه منتهى العدد المشروع وهو الأربع ولأن في الزيادة على الأربع خوف الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن لأن الظاهر أنه لا يقدر على الوفاء بحقوقهن وإليه وقعت الإشارة بقوله عز وجل فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أي لا تعدلوا في القسم والجماع والنفقة في نكح ( ( ( نكاح ) ) ) المثنى والثلاث والرباع فواحدة بخلاف نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن خوف الجور منه غير موهوم لكونه مؤيدا على القيام بحقوقهن بالتأييد ( ( ( بالتأبيد ) ) ) الإلهي فكان ذلك من الآيات الدالة على نبوته لأنه آثر الفقر على الغنى والضيق على السعة وتحمل الشدائد والمشاق على الهوينا من العبادات والأمور الثقيلة وهذه الأشياء أسباب قطع الشهوات والحاجة إلى النساء ومع ذلك كان يقوم بحقوقهن دل أنه صلى الله عليه وسلم إنما قدر على ذلك بالله تعالى وأما الآية فلا يمكن العمل بظاهرها لأن المثنى ليس عبارة عن الإثنين ولا الثلاث عن الثلاث والرباع عن الأربع بل أدنى ما يراد بالمثنى مرتان من هذا العدد وأدنى ما يراد بالثلاث ثلاث مرات من العدد وكذا الرباع وذلك يزيد على التسعة وثمانية عشر ولا قائل به دل أن العمل بظاهر الآية متعذر فلا بد لها من تأويل ولها تأويلان أحدهما أن يكون على التخيير بين نكاح الإثنين والثلاث والأربع كأنه قال عز وجل مثنى وثلاث ورباع ( ( ( ثلاث ) ) ) فإن واستعمال الواو مكان أو جائز

Bagian V02/P265–V02/P266

والثاني أن يكون ذكر هذه الأعداد على التداخل وهو أن قوله وثلاث تدخل فيه المثنى وقوله عز وجل ورباع يدخل فيه الثلاث كما في قوله أئنكم ( ( ( أإنكم ) ) ) لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ثم قال عز وجل وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام واليومان الأولان داخلان في الأربع لأنه لو لم يكن كذلك لكان خلق هذه الجملة في ستة أيام ثم أخبر عز وجل أنه خلق السموات في يومين بقوله عز وجل فقضاهن سبع سماوات ( ( ( سموات ) ) ) في يومين فيكون خلق الجميع في ثمانية أيام وقد أخبر الله تعالى أنه خلق السماوات ( ( ( السموات ) ) ) والأرض في ستة أيام فيؤدي إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف فكان على التداخل فكذا ههنا جاز أن يكون العدد الأول داخلا في الثاني والثاني في الثالث فكان في الآية إباحة نكاح الأربع ولا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من اثنين لما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى فيما تقدم فصل وأما الجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين فجائز وإن كثرت الجواري لقوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم أي إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح المثنى والثلاث والرباع بإيفاء حقوقهن فإنكحوا واحدة وإن خفتم أن لا تعدلوا في واحدة فمما مملكت ( ( ( ملكت ) ) ) أيمانكم كأنه قال سبحانه وتعالى هذا أو هذا أي الزيادة على الواحدة إلى الأربع عند القدرة على المعادلة وعند خوف الجور في ذلك الواحدة من الحرائر وعند خوف الجور في نكاح الواحدة هو شراء الجواري والتسري بهن وذلك قوله عز وجل أو ما ملكت أيمانكم ذكره مطلقا عن شرط العدد وقال تعالى إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين من غير شرط العدد وقال عز وجل والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم مطلقا ولأن حرمة الزيادة على الأربع في الزوجات لخوف الجور عليهن في القسم والجماع ولم يوجد هذا المعنى في الإماء لأنه لا حق لهن قبل المولى في القسم والجماع فصل ومنها أن لا يكون تحته حرة هو شرط جواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاح الأمة على الحرة والأصل فيه ما روى عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تنكح الأمة على الحرة وقال علي رضي الله عنه وتنكح الحرة على الأمة وللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث ولأن الحرية تنبىء عن الشرف والعزة وكمال الحال فنكاح الأمة على الحرة إدخال على الحرة من لا يساويها في القسم وذلك يشعر بالاستهانة وإلحاق الشين ونقصان الحال وهذا لا يجوز وسواء كان المتزوج حرا أو عبدا عندنا لأن ما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل وعند الشافعي يجوز للعبد أن يتزوج أمة على حرة بناء على أن عدم الجواز للحر عنده لعدم شرط الجواز وهو عدم طول الحرة وهذا شرط جواز نكاح الأمة عنده في حق الحر لا في حق العبد لما نذكر إن شاء الله تعالى وكذا خلو الحرة عن العدة شرط جواز نكاح الأمة عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يجوز أن يتزوج أمة على حرة تعتد من طلاق بائن أو ثلاث وجه قولهما أن المحرم ليس هو الجمع بين الحرة والأمة بدليل أنه لو تزوج أمة ثم تزوج حرة جاز وقد حصل الجمع وإنما المحرم هو نكاح الأمة على الحرة وقال صلى الله عليه وسلم لا تنكح الأمة على الحرة ولا يتحقق النكاح عليها بعد البينونة ألا ترى أنه لو حلف لا يتزوج على امرأته فتزوج بعد ما أبانها في عدتها لا يحنث

Bagian V02/P266–V02/P267

ولأبي حنيفة أن نكاح الأمة في عدة الحرة نكاح عليها من وجه لأن بعض آثار النكاح قائم فكان النكاح قائما من وجه فكان نكاحها عليها من وجه والثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في باب الحرمات احتياطا فيحرم كنكاح الأخت في عدة الأخت ونحو ذلك مما بينا فيما تقدم وأما عدم طول الحرة وهو القدرة على مهر الحرة وخشية العنت فليس من شرط جواز نكاح الأمة عند أصحابنا والحاصل أن من شرائط جواز نكاح الأمة عند أبي حنيفة أن لا يكون في نكاح المتزوج حرة ولا في عدة حرة وعندهما خلو الحرة عن عدة البينونة ليس بشرط لجواز نكاح الأمة وعند الشافعي من شرائط جواز نكاح الأمة أن لا يكون في نكاحه حرة وأن لا يكون قادرا على مهر الحرة وأن يخشى العنت حتى إذا كان في ملكه أمة يطؤها بملك اليمين جاز له أن يتزوج أمة عندنا وعنده لا يجوز لعدم خشية العنت وكذلك الحر يجوز له أن يتزوج أكثر من أمة واحدة عندنا وعنده إذا تزوج أمة واحدة لا يجوز له أن يتزوج أمة أخرى لزوال خشية العنت بالواحدة ولا خلاف في أن طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة احتج الشافعي بقوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ( ( ( فمما ) ) ) ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ومن كلمة شرط فقد جعل الله عز وجل العجز عن طول الحرة شرطا لجواز نكاح الأمة فيتعلق الجواز به كما في قوله تعالى فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ونحو ذلك وقال تعالى ذلك لمن خشي العنت منكم وهو الزنا شرط سبحانه وتعالى خشية العنت لجواز نكاح الأمة فيتقيد الجواز بهذا الشرط أيضا ولأن جواز نكاح الإماء في الأصل ثبت بطريق الضرورة لما يتضمن نكاحهن من إرقاق الحر لأن ماء الحر حر تبعا له وكان في نكاح الحر الأمة إرقاق حر جزأ وإلى هذا أشار عمر رضي الله عنه فيما روى عنه أنه قال أيما حر تزوج أمة فقد أرق نصفه وأيما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه ولا يجوز إرقاق الجزء من غير ضرورة ولهذا إذا كان تحته حرة لا يجوز نكاح الأمة وهذا لأن الإرقاق إهلاك لأنه يخرج به من أن يكون منتفعا به في حق نفسه ويصير ملحقا بالبهائم وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز كقطع اليد ونحو ذلك ولا ضرورة حالة القدرة على طول الحرة فبقي الحكم فيها على هذا الأصل ولهذا لم يجز إذا كانت حرة لارتفاع الضرورة بالحرة بخلاف ما إذا كان المتزوج عبدا لأن نكاحه ليس إرقاق الحر لأن ماءه رقيق تبعا له وإرقاق الرقيق لا يتصور ولنا عمومات النكاح نحو قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم وقوله عز وجل فانكحوهن بإذن أهلهن وقوله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم من غير فصل بين حال القدرة على مهر الحرة وعدمها ولأن النكاح عقد مصلحة في الأصل لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية فكان الأصل فيه هو الجواز إذا صدر من الأهل في المحل وقد وجدوا الآية ففيها إباحة نكاح الأمة عند عدم طول الحرة وهذا لا ينفي الإباحة عند وجود الطول فالتعليق بالشرط عندنا يقتضي الوجود عند وجود الشرط وإما ( ( ( إما ) ) ) لا يقتضي العدم عند عدمه قال الله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا

Bagian V02/P267

ثم إذا تزوج واحدة جاز وإن كان لا يخاف الجور في نكاح المثنى والثلاث والرباع وقال تعالى في الإماء فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وهذا لا يدل على نفي الحد عنهن عند عدم الإحصان وهو التزوج وهو الجواب عن قوله عز وجل ذلك لمن خشي العنت منكم على أن العنت يذكر ويراد به الضيق كقوله عز وجل ولو شاء الله لأعنتكم أي لضيق عليكم أي من يضيق عليه النفقة والإسكان لترك الحرة بالطلاق وتزوج الأمة فالطول المذكور يحتمل أن يراد به القدرة على المهر ويحتمل أن يراد به القدرة على الوطء لأن النكاح يذكر ويراد به الوطء بل حقيقة الوطء على ما عرف فكان معناه فمن لم يقدر منكم على وطء المحصنات وهي الحرائر والقدرة على وطء الحرة إنما يكون في النكاح ونحن نقول به أن من لم يقدر على وطء الحرة بأن لم يكن في نكاحه حرة يجوز له نكاح الأمة ومن قدر على ذلك بأن كان في نكاحه حرة لا يجوز له نكاح الأمة ونقل هذا التأويل عن علي رضي الله عنه فلا يكون حجة مع الاحتمال على أن فيها إباحة نكاح الأمة عند عدم طول الحرة وهذا تقديم وتأخير في الجواب عن التعليق بالآية وأما قوله نكاح الأمة يتضمن إرقاق الحر لأن ماء الحر حر فنقول إن عني به إثبات حقيقة الرق فهذا لا يتصور لأن الماء جماد لا يوصف بالرق والحرية وإن عني به التسبب ( ( ( النسب ) ) ) إلى حدوث رق الولد فهذا مسلم لكن أثر هذا في الكراهة لا في الحرية فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع وإن كان نكاحها مباشرة سبب حدوث الرق عندنا فكره نكاح الأمة مع طول الحرة ولو تزوج أمة وحرة في عقدة واحدة جاز نكاح الحرة وبطل نكاح الأمة لأن كل واحدة منهما على صاحبتها مدخولة عليها فيعتبر حالة الاجتماع بحال الانفراد فيجوز نكاح الحرة لأن نكاحها على الأمة حالة الانفراد جائز فكذا حالة الاجتماع ويبطل نكاح الأمة لأن نكاحها على الحرة وإدخالها عليها لا يجوز حالة الانفراد فكذا عند الاجتماع بخلاف ما إذا تزوج أختين في عقدة واحدة لأن المحرم هناك هو الجمع بين الأختين والجمع حصل بهما فبطل نكاحهما وههنا ( ( ( وهاهنا ) ) ) المحرم هو إدخال الأمة على الحرة لا الجمع ألا ترى أنه لو كان نكاح الأمة متقدما على نكاح الحرة جاز نكاح الحرة وإن وجد الجمع فكذلك إذا اقترن الأمران والله عز وجل أعلم وكذلك إذا جمع بين أجنبية وذات محارمه جاز نكاح الأجنبية وبطل نكاح المحرم ويعتبر حالة الاجتماع بحالة الانفراد وهل ينقسم المهر عليهما في قول أبي حنيفة لا ينقسم ويكون كله للأجنبية وعندهما ينقسم المسمى على قدر مهر مثلها فصل ومنها أن لا تكون منكوحة الغير لقوله تعالى والمحصنات من النساء معطوفا على قوله عز وجل حرمت عليكم أمهاتكم إلى قوله والمحصنات من النساء وهن ذوات الأزواج وسواء كان زوجها مسلما أو كافرا إلا المسبية التي هي ذات زوج سبيت وحدها لأن قوله عز وجل والمحصنات من النساء عام في جميع ذوات الأزواج ثم استثنى تعالى منها المملوكات بقوله تعالى إلا ما ملكت أيمانكم والمراد منها المسبيات اللاتي سبين وهن ذوات الأزواج ليكون المستثنى من جنس المستثنى منه فيقتضي حرمة نكاح كل ذات زوج إلا التي سبيت كذا روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت والمراد منه التي سبيت وحدها وأخرجت إلى دار الإسلام لأن الفرقة ثبتت بتباين الدارين عندنا لا بنفس السبي على ما نذكر إن شاء الله تعالى وصارت هي في حكم الذمية ولأن اجتماع رجلين على امرأة واحدة يفسد الفراش لأنه يوجب اشتباه النسب وتضييع الولد وفوات السكن والإلفة والمودة فيفوت ما وضع النكاح له فصل ومنها بأن لا تكون معتدة الغير

Bagian V02/P267–V02/P268

لقوله تعالى ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله أي ما كتب عليها من التربص ولأن بعض أحكام النكاح حالة العدم قائم فكان النكاح قائما من وجه والثابت من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات ولأنه لا يجوز التصريح بالخطبة في حال قيام العدة ومعلوم أن خطبتها بالنكاح دون حقيقة النكاح فما لم تجز الخطبة فلأن لا يجوز العقد أولى وسواء كانت العدة عن طلاق أو عن وفاة أو دخول في نكاح فاسد أو شبهة نكاح لما ذكرنا من الدلائل ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها إذا لم يكن هناك مانع آخر غير العدة لأن العدة حقه قال الله سبحانه وتعالى فما لكم عليهن من عدة تعتدونها أضاف العدة إلى الأزواج فدل أنها حق الزوج وحق الإنسان لا يجوز أن يمنعه من التصرف وإنما يظهر أثره في حق الغير ويجوز نكاح المسبية بغير السابي إذا سبيت وحدها دون زوجها وأخرجت إلى دار الإسلام بالإجماع لأنه وقعت الفرقة بينهما ولا عدة عليها لقوله عز وجل والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم والمراد منه المسبيات اللاتي هن ذوات الأزواج فقد أحل الله تعالى المسبية للمولى السابي إذ الاستثناء من التحريم إباحة من حيث الظاهر وقد أحلها عز وجل مطلقا من غير شرط انقضاء العدة فدل أنه لا عدة عليها وكذلك المهاجرة وهي المرأة خرجت إلينا من دار الحرب مسلمة مراغمة لزوجها يجوز نكاحها ولا عدة عليها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد عليها العدة ولا يجوز نكاحها وجه قولهما أن الفرقة وقعت بتباين الدار فتقع بعد دخولها دار الإسلام وهي بعد الدخول مسلمة وفي دار الإسلام فتجب عليها العدة كسائر المسلمات ولأبي حنيفة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات إلى قوله عز وجل ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن أباح تعالى نكاح المهاجرة مطلقا من غير ذكر العدة وقوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر نهى الله تعالى المسلمين عن الإمساك والامتناع عن نكاح المهاجرة لأجل عصمة الزوج الكافر وحرمته فالامتناع عن نكاحها للعدة والعدة في حق الزوج يكون إمساكا وتمسكا بعصمة زوجها الكافر وهذا منهي عنه ولأن العدة حق من حقوق الزوج ولا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة الخارجة إلى دار الإسلام حق والدليل عليه أن لا عدة على المسبية وإن كانت كافرة على الحقيقة لكنها ليست في حكم الذمية تجري عليها أحكام الإسلام ومع ذلك ينقطع عنها حق الزوج الكافر فالمهاجرة المسلمة حقيقة لأن ينقطع عنها حق الزوج الكافر أولى هذا إذا هاجرت إلينا وهي حائل فأما إذا كانت حاملا ففيه اختلاف الرواية عن أبي حنيفة وسنذكرها إن شاء الله تعالى فصل ومنها أن لا يكون بها حمل ثابت النسب من الغير فإن كان لا يجوز نكاحها وإن لم تكن معتدة كمن تزوج أم ولد إنسان وهي حامل من مولاها لا يجوز وإن لم تكن معتدة لوجود حمل ثابت النسب ( في المولى ) وهذا لأن الحمل إذا كان ثابت النسب من الغير وماؤه محرم لزم حفظ حرمة مائه بالمنع من النكاح وعلى هذا يخرج ما إذا تزوج امرأة حاملا من الزنا أنه يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد ولكن لا يطؤها حتى تضع وقال أبو يوسف لا يجوز وهو قول زفر وجه قول أبي يوسف أن هذا الحمل يمنع الوطء فيمنع العقد أيضا كالحمل الثابت النسب وهذا لأن المقصود من النكاح هو حل الوطء فإذا لم يحل له وطؤها لم يكن النكاح مفيدا فلا يجوز ولهذا لم يجز إذا كان الحمل ثابت النسب كذا هذا ولهما أن المنع من نكاح الحامل حملا ثابت النسب لحرمة ماء الوطء ولا حرمة لماء الزنا بدليل أنه لا يثبت به النسب

Bagian V02/P268–V02/P269

قال النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر فإذا لم يكن له حرمة لا يمنع جواز النكاح إلا أنها لا توطأ حتى تضع لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يحل لرجلين يؤمنا بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة في طهر واحد وحرمة الوطء بعارض طارىء ( ( ( طارئ ) ) ) على المحل لا ينافي النكاح لا بقاء ولا ابتداء كالحيض والنفاس وأما المهاجرة إذا كانت حاملا فعن أبي حنيفة روايتان روى محمد عنه أنه لا يجوز نكاحها وهو إحدى روايتي أبي يوسف عنه وعن أبي يوسف رواية أخرى عن أبي حنيفة أنه يجوز نكاحها ولكنها لا توطأ حتى تضع وجه هذه الرواية أن ماء الحربي لا حرمة له فكان بمنزلة ماء الزاني وذا لا يمنع جواز النكاح كذا هذا إلا أنها لا توطأ حتى تضع لما روينا وجه الرواية الأخرى أن هذا حمل ثابت النسب لأن أنساب أهل الحرب ثابتة فيمنع جواز النكاح كسائر الأحمال الثابتة النسب والطحاوي اعتمد رواية أبي يوسف والكرخي رواية محمد وهي المعتمد عليها لأن حرمة نكاح الحامل ليست لمكان العدة لا محالة فإنها قد تثبت عند عدم العدة كأم الولد إذا كانت حاملا من مولاها بل لثبوت نسب الحمل كما في أم الولد والحمل ههنا ثابت النسب فيمنع النكاح وعلى هذا نكاح المسبية دون الزوج إذا كانت حاملا وأخرجت إلى دار الإسلام يجب أن يكون على اختلاف الرواية ولا خلاف في أنه لا يحل وطؤها قبل الوضع ولا قبل الاستبراء بحيضة إذا كانت حاملا والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحبالى ( ( ( الحيالى ) ) ) حتى يستبرأن ( ( ( يستبرئن ) ) ) بحيضة فصل ومنها أن يكون للزوجين ملة يقران عليها فإن لم يكن بأن كان أحدهما مرتدا لا يجوز نكاحه أصلا لا بمسلم ولا بكافر غير مرتد والمرتد مثله لأنه ترك ملة الإسلام ولا يقر على الردة بل يجبر على الإسلام إما بالقتل إن كان رجلا بالإجماع وإما بالحبس والضرب إن كانت امرأة عندنا إلى أن تموت أو تسلم فكانت الردة في معنى الموت لكونها سببا مفضيا إليه والميت لا يكون محلا للنكاح ولأن ملك النكاح ملك معصوم ولا عصمة مع المرتدة ولأن نكاح المرتد لا يقع وسيلة إلى المقاصد المطلوبة منه لأنه يجبر على الإسلام على ما بينا فلا يفيد فائدته فلا يجوز والدليل عليه أن الردة لو اعترضت على النكاح رفعته فإذا قارنته تمنعه من الوجود من طريق الأولى كالرضاع لأن المنع أسهل من الرفع فصل ومنها أن لا تكون المرأة مشركة إذا كان الرجل مسلما فلا يجوز للمسلم أن ينكح المشركة لقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ويجوز أن ينكح الكتابية لقوله عز وجل والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والفرق أن الأصل أن لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح إلا أنه جوز نكاح الكتابية لرجاء إسلامها لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر تنبهت وتأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة

Bagian V02/P269–V02/P270

هذا هو الظاهر من حال التي بنى أمرها على الدليل دون الهوى والطبع والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها فجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة بخلاف المشركة فإنها في اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة بل على التقليد بوجود الآباء عن ذلك من غير أن ينتهي ذلك الخبر ممن يجب قبول قوله واتباعه وهو الرسول فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة ولا تلتفت إليها عند الدعوة فيبقى ازدواج الكافر مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن والازدواج والمودة خاليا عن العاقبة الحميدة فلم يجز إنكاحها وسواء كانت الكتابية حرة أو أمة عندنا وقال الشافعي لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ويحل وطؤها بملك اليمين واحتجوا ( ( ( واحتج ) ) ) بقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن والكتابية مشركة على الحقيقة لأن المشرك من يشرك بالله تعالى في الألوهية وأهل الكتاب كذلك قال الله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله قالت ( ( ( وقالت ) ) ) النصارى إن الله ثالث ثلاثة سبحانه وتعالى عما يقولون فعموم النص يقتضي حرمة نكاح جميع المشركات إلا أنه خص منه الحرائر من الكتابيات بقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وهن الحرائر فبقيت الإماء منهن على ظاهر العموم ولأن جواز نكاح الإماء في الأصل ثبت بطريق الضرورة لما ذكرنا فيما تقدم والضرورة تندفع بنكاح الأمة المؤمنة ولنا عمومات النكاح نحو قوله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم وقوله عز وجل فانكحوهن بإذن أهلهن وقوله عز وجل فانكحوا ما طاب لكم من النساء وغير ذلك من غير فصل بين الأمة المؤمنة والأمة الكافرة الكتابية إلا ما خص بدليل وأما الآية فهي في غير الكتابيات من المشركات لأن أهل الكتاب وإن كانوا مشركين على الحقيقة لكن هذا الاسم في متعارف الناس يطلق على المشركين من غير أهل الكتاب قال الله تعالى ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين وقال تعالى إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم فصل بين الفريقين في الاسم على أن الكتابيات وإن دخلن تحت عموم اسم المشركات بحكم ظاهر اللفظ لكنهن خصصن عن العموم بقوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وأما الكتابيات إذا كن عفائف يستحقن ( ( ( يستحققن ) ) ) هذا الاسم لأن الإحصان في كلام العرب عبارة عن المنع ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح كما يحصل بالحرية والإسلام والنكاح لأن ذلك مانع المرأة عن ارتكاب الفاحشة فيتناولهن عموم اسم المحصنات وقوله الأصل في نكاح الإماء الفساد ممنوع بل الأصل في النكاح هو الجواز حرة كانت المنكوحة أو أمة مسلمة أو كتابية لما مر أن النكاح عقد مصلحة والأصل في المصالح إطلاق الاستيفاء والمنع عنه لمعنى في غيره على ما عرف ولا يجوز للمسلم نكاح المجوسية لأن المجوس ليسوا من أهل الكتاب قال الله تبارك وتعالى وهذا كتاب أنزلناه مبارك إلى قوله أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا معناه والله أعلم أي أنزلت عليكم لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ولو كان المجوس من أهل الكتاب لكان أهل الكتاب ثلاث طوائف فيؤدي إلى الخلف في خبره عز وجل وذلك محال على أن هذا لو كان حكاية عن قول المشركين لكان دليلا على ما قلنا لأنه حكى عنهم القول ولم يعقبه بالإنكار عليهم والتكذيب إياهم والحكيم إذا حكى عن منكر غيره والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير أنكم ليسوا ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم ودل قوله سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا من أهل الكتاب ولا يحل وطؤها بملك اليمين أيضا والأصل أن لا يحل وطء كافرة بنكاح ولا بملك يمين إلا الكتابيات ( ( ( الكتابية ) ) ) خاصة لقوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن

Bagian V02/P270–V02/P271

واسم النكاح يقع على العقد والوطء جميعا فيحرمان جميعا ومن كان أحد أبويه كتابيا والآخر مجوسيا كان حكمه حكم أهل الكتاب لأنه لو كان أحد أبويه مسلما يعطى له حكم الإسلام لأن الإسلام يعلو ولا يعلى فكذا إذا كان كتابيا يعطى له حكم أهل الكتاب ولأن الكتابي له بعض أحكام أهل الإسلام وهو المناكحة وجواز الذبيحة والإسلام يعلو بنفسه وبأحكامه ولأن رجاءه الإسلام من الكتابي أكثر فكان أولى بالاستتباع وأما الصابئات فقد قال أبو حنيفة أنه يجوز للمسلم نكاحهن وقال أبو يوسف ومحمد لا يجوز وقيل ليس هذا باختلاف في الحقيقة وإنما الاختلاف لاشتباه مذهبهم فعند أبي حنيفة هم قوم يؤمنون بكتاب فإنهم يقرؤون ( ( ( يقرءون ) ) ) الزبور ولا يعبدون الكواكب ولكن يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في الاستقبال إليها إلا أنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم وذا لا يمنع المناكحة كاليهود مع النصارى وعند أبي يوسف ومحمد أنهم قوم يعبدون الكواكب وعابد الكواكب كعابد الوثن فلا يجوز للمسلمين مناكحاتهم فصل ومنها إسلام الرجل إذا كانت المرأة مسلمة فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر لقوله تعالى ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر لأن الزوج يدعوها إلى دينه والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثروا ( ( ( يؤثرون ) ) ) من الأفعال ويقلدونهم في الدين إليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل أولئك يدعون إلى النار لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح الكافر المسلمة سببا داعيا إلى الحرام فكان حراما والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي الدعاء إلى النار يعم الكفرة أجمع فيتعمم الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فلو جاز إنكاح الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل وهذا لا يجوز وأما أنكحة الكفار غير المرتدين بعضهم لبعض فجائز في الجملة عند عامة العلماء وقال مالك أنكحتهم فاسدة لأن للنكاح في الإسلام شرائط لا يراعونها فلا يحكم بصحة أنكحتهم وهذا غير سديد لقوله عز وجل وامرأته حمالة الحطب سماها الله تعالى امرأته ولو كانت أنكحتهم فاسدة لم تكن امرأته حقيقة ولأن النكاح سنة آدم عليه الصلاة والسلام فهم على شريعته في ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح وإن كان أبواه كافرين ولأن القول بفساد أنكحتهم يؤدي إلى أمر قبيح وهو الطعن في نسب كثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن كثيرا منهم ولدوا من أبوين كافرين والمذاهب تمتحن بعبادها فلما أفضى إلى قبيح عرف فسادها ويجوز نكاح أهل الذمة بعضهم لبعض وإن اختلفت شرائعهم لأن الكفر كله ملة ( ( ( كملة ) ) ) واحدة إذ هو تكذيب الرب سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فيما أنزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم وقال الله عز وجل لكم دينكم ولي دين واختلافهم في شرائعهم بمنزلة اختلاف كل فريق منهم فيما بينهم في بعض شرائعهم وذا لا يمنع جواز نكاح بعضهم لبعض كذا هذا فصل ومنها أن لا يكون أحد الزوجين ملك صاحبه ولا ينتقص منه ملكه فلا يجوز للرجل أن يتزوج بجاريته ولا بجارية مشتركة بينه وبين غيره

Bagian V02/P271–V02/P272

وكذلك لا يجوز للمرأة أن تتزوج عبدها ولا العبد المشترك بينها وبين غيرها لقوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم الآية ثم أباح الله عز وجل الوطء إلا بأحد أمرين لأن كلمة ( ( ( الكلمة ) ) ) تتناول أحد المذكورين فلا تجوز الاستباحة بهما جميعا ولأن للنكاح حقوقا تثبت على الشركة بين الزوجين منها مطالبة المرأة الزوج بالوطء ومطالبة الزوج الزوجة بالتمكين وقيام ملك الرقبة يمنع من الشركة وإذا لم تثبت الشركة في ثمرات النكاح لا يفيد النكاح فلا يجوز ولأن الحقوق الثابتة بالنكاح لا يجوز أن تثبت على المولى لأمته ولا على الحرة لعبدها لأن ملك الرقبة يقتضي أن تكون الولاية للمالك وكون المملوك يولى عليه وملك النكاح يقتضي ثبوت الولاية للمملوك ( ( ( للملوك ) ) ) على المالك فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد واليا وموليا عليه في شيء واحد وهذا محال ولأن النكاح لا يجوز من غير مهر عندنا ولا يجب للمولى على عبده دين ولا للعبد على مولاه وكذا لا يجوز أن يتزوج مدبرته ومكاتبته لأن كل واحد منهما ملكه فكذا إذا اعترض ملك اليمين على نكاح يبطل النكاح بأن ملك أحد الزوجين صاحبه أو شقصا منه لما نذكر إن شاء الله تعالى في موضعه فصل ومنها التأبيد فلا يجوز النكاح المؤقت وهو نكاح المتعة وأنه نوعان أحدهما أن يكون بلفظ التمتع والثاني أن يكون بلفظ النكاح والتزويج وما يقوم مقامهما أما الأول فهو أن يقول أعطيك كذا على أن أتمتع منك يوما أو شهرا أو سنة ونحو ذلك وأنه باطل عند عامة العلماء وقال بعض الناس هو جائز واحتجوا بظاهر قوله تعالى فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة والاستدلال بها من ثلاثة أوجه أحدها أنه ذكر الاستمتاع ولم يذكر النكاح والاستمتاع والتمتع واحد والثاني أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر وحقيقة الإجارة والمتعة عقد الإجارة على منفعة البضع والثالث أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع وذلك يكون في عقد الإجارة والمتعة فأما المهر فإنما يجب في النكاح بنفس العقد ويؤخذ الزوج بالمهر أولا ثم يمكن من الاستمتاع فدلت الآية الكريمة على جواز عقد المتعة ولنا الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب الكريم فقوله عز وجل والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم حرم تعالى الجماع إلا بأحد شيئين والمتعة ليست بنكاح ولا بملك يمين فيبقى التحريم والدليل على أنها ليست بنكاح إنها ترتفع من غير طلاق ولا فرقة ولا يجري التوارث بينهما فدل أنها ليست بنكاح فلم تكن هي زوجة له وقوله تعالى في آخر الآية فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون سمي مبتغى ما وراء ذلك عاديا فدل على حرمة الوطء بدون هذين الشيئين وقوله عز وجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وكان ذلك منهم إجارة ( ( ( إجازة ) ) ) الإماء نهى الله عز وجل عن ذلك وسماه بغاء فدل على الحرمة وأما السنة فما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية وعن سبرة ( ( ( سمرة ) ) ) الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم فتح مكة وعن عبد الله بن عمر أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما بين الركن والمقام وهو يقول إني كنت أذنت لكم في المتعة فمن كان عنده شيء فليفارقه ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة وأما الإجماع فإن الأمة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة لهم إلى ذلك

Bagian V02/P272–V02/P273

وأما المعقول فهو أن النكاح ما شرع لاقتضاء الشهوة بل لأغراض ومقاصد يتوسل به إليها واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد فلا يشرع وأما الآية الكريمة فمعنى قوله فما استمتعتم به منهن أي في النكاح لأن المذكور في أول الآية وآخرها هو النكاح فإن الله تعالى ذكر أجناسا من المحرمات في أول الآية في النكاح وأباح ما وراءها بالنكاح بقوله عز وجل وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم أي بالنكاح وقوله تعالى محصنين غير مسافحين أي غير متناكحين غير زانين وقال تعالى في سياق الآية الكريمة ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات ذكر النكاح لا الإجارة والمتعة فيصرف قوله تعالى فما استمتعتم به إلى الاستمتاع بالنكاح وأما قوله سمى الواجب أجرا فنعم المهر في النكاح يسمى أجرا قال الله عز وجل فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن أي مهورهن وقال سبحانه وتعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وقوله أمر تعالى بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع بهن والمهر يجب بنفس النكاح ويؤخذ قبل الاستمتاع قلنا قد قيل في الآية الكريمة تقديم وتأخير كأنه تعالى قال فآتوهن أجورهن فريضة أي إذا أردتم الاستمتاع بهن كقوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن أي إذا أردتم تطليق النساء على أنه إن كان المراد من الآية الإجارة والمتعة فقد صارت منسوخة بما تلونا من الآيات وروينا من الأحاديث وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن قوله فما استمتعتم به منهن نسخه قوله عز وجل يا أيها النبي إذا طلقتم النساء وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال المتعة بالنساء منسوخة نسختها آية الطلاق والصداق والعدة والمواريث والحقوق التي يجب فيها النكاح أي النكاح هو الذي تثبت به هذه الأشياء ولا يثبت شيء منها بالمتعة والله أعلم وأما الثاني فهو أن يقول أتزوجك عشرة أيام ونحو ذلك وأنه فاسد عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر النكاح جائز وهو مؤبد والشرط باطل وروي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال إذا ذكرا من المدة ما يعيشان إلى تلك المدة فالنكاح باطل وإن ذكرا من المدة مقدار ما لا يعيشان إلى تلك المدة في الغالب يجوز النكاح كأنهما ذكرا الأبد وجه قوله أنه ذكر النكاح وشرط فيه شرطا فاسدا والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة فبطل الشرط وبقي النكاح صحيحا كما إذا قال تزوجتك إلى أن أطلقك إلى عشرة أيام ولنا أنه لو جاز هذا العقد لكان لا يخلو إما أن يجوز مؤقتا بالمدة المذكورة وإما أن يجوز مؤبدا لا سبيل إلى الأول لأن هذا معنى المتعة إلا أنه عبر عنها بلفظ النكاح والتزوج والمعتبر في العقود معانيها لا الألفاظ كالكفالة بشرط براءة الأصيل أنها حوالة معنى لوجود الحوالة وأن لم يوجد لفظها والمتعة منسوخة ولا وجه للثاني لأن فيه استحقاق البضع عليها من غير رضاها وهذا لا يجوز وأما قوله أتى بالنكاح ثم أدخل عليه شرطا فاسدا فممنوع بل أتى بنكاح مؤقت والنكاح المؤقت نكاح متعة والمتعة منسوخة وصار هذا كالنكاح المضاف أنه لا يصح ولا يقال يصح النكاح وتبطل الإضافة لأن المأتي به نكاح مضاف وأنه لا يصح كذا هذا بخلاف ما إذا قال تزوجتك على أنه أطلقك إلى عشرة أيام لأن هنك ( ( ( هناك ) ) ) أبد النكاح ثم شرط قطع التأبيد بذكر الطلاق في النكاح المؤبد لأنه على أن ( أن ) كلمة شرط والنكاح المؤبد لا تبطله الشروط والله عز وجل أعلم فصل ومنها المهر