Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Bagian V04/P003–V04/P004

والأصل أن كل ما يثبت منه النسب يثبت منه الرضاع ومن لا يثبت منه النسب لا يثبت منه الرضاع وكذا البكر إذا نزل لها لبن وهي لم تتزوج قط فالرضاع يكون منها خاصة والله الموفق وكذا كل من يحرم بسبب المصاهرة من الفرق الأربع الذين وصفناهم في كتاب النكاح يحرم بسبب الرضاع فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من زوج آخر من الرضاع كما في النسب إلا أن الأم تحرم بنفس العقد على البنت إذا كان صحيحا والبنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم كما في النسب وكذا جدات زوجته من أبيها وأمها وإن علون أو بنات بناتها وبنات أبنائها وإن سفلن من الرضاع كما في النسب وكذا تحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن الرضاع وإن سفل على أب الرضاع وأب أبيه وإن علا كما في النسب وتحرم منكوحة أب الرضاع وأب أبيه وإن علا على ابن الرضاع وابن ابنه وإن سفل كما في النسب وكذا يحرم بالوطء أو ( ( ( أم ) ) ) الموطوءة وبنتها من الرضاع على الواطىء وكذا جداتها وبنات بناتها كما في النسب وتحرم الموطوءة على أب الواطىء وابنه من الرضاع وكذا على أجداده وإن علوا وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا كما في النسب سواء كان الوطء حلالا بأن كان يملك ( ( ( بملك ) ) ) اليمين أو الوطء بنكاح فاسد أو شبهة نكاح أو كان بزنا عندنا وعند الشافعي الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة فلا يوجب حرمة الرضاع والمسألة قد مرت في كتاب النكاح ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب مجرى على عمومه إلا في مسألتين إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج بأخت ابنه من النسب لأمه وهو أن يكون لابنه أخت لأمه من النسب من زوج آخر كان لها ويجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع وهو أن يكون لابنه من الرضاع أخت من النسب لم ترضعها امرأته لأن المانع من الجواز في النسب كون أم الأخت موطوءة الزوج لأن أمها إذا كانت موطوءة كانت هي بنت الموطوءة وإنها حرام وهذا لم يوجد في الرضاع ولو وجد لا يجوز كما لا يجوز في النسب والثانية أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أم أخته من النسب لأبيه وهو أن يكون له أخت من أبيه من النسب لا من أمه لا يجوز له أن يتزوج أم هذه الأخت ويجوز له أن يتزوج أم أخته من الرضاع وهو أن يكون له أخت من الرضاعة فيتزوج أمها من النسب لأن المانع في النسب كون المتزوجة موطوءة أبيه وهذا لم يوجد في الرضاع حتى لو وجد لا يجوز كما في النسب ويجوز للرجل أن يتزوج أخت أخيه لأبيه من النسب وصورته منكوحة أبيه إذا ولدت ابنا ولها بنت من زوج آخر فهي أخت أخيه لأبيه فيجوز له أن يتزوجها وكذا يجوز للرجل أن يتزوج أخت أخته من الرضاع وهذا ظاهر ويجوز لزوج المرضعة أن يتزوج أم المرضع من النسب لأن المرضع ابنه ويجوز للإنسان أن يتزوج أم ابنه من النسب وكذا أب المرضع من النسب يجوز له أن يتزوج المرضعة لأنها أم ابنه من الرضاع فهي كأم ابنه من النسب وكذا يجوز له أن يتزوج بمحارم أبي الصبي من الرضاعة أو النسب كما يجوز له أن يتزوج بأمه والله عز وجل أعلم فصل وأما صفة الرضاع المحرم فالرضاع المحرم ما يكون في حال الصغر فأما ما يكون في حال الكبر فلا يحرم عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم إلا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه يحرم في الصغر والكبر جميعا واحتجت بظاهر قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة من غير فصل بين حال الصغر والكبر

Bagian V04/P004–V04/P005

وروي أن أبا حذيفة تبنى سالما وكان يدخل على امرأته سهلة بنت سهل ( ( ( سهيل ) ) ) فلما نزلت آية الحجاب أتت سهلة إلى رسول الله وقالت يا رسول الله قد كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل علي وليس لنا إلا بيت واحد فماذا ترى في شأنه فقال لها رسول الله أرضعيه عشر رضعات ثم يدخل عليك وكان سالم ( ( ( سالما ) ) ) كبيرا فدل أن الرضاع في حال الصغر والكبر محرم وقد عملت عائشة رضي الله عنها بهذا الحديث بعد وفاة النبي حتى روي عنها أنها كانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر رضي الله عنها وبنات أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يرضعنه فدل عملها بالحديث بعد موت النبي على أنه غير منسوخ ولنا ما روي أن رسول الله دخل يوما على عائشة رضي الله عنها فوجد عندها رجلا فتغير وجه رسول الله فقال من هذا الرجل فقالت عائشة هذا عمي من الرضاعة فقال رسول الله انظرن ما أخواتكم من الرضاعة إنما الرضاعة من المجاعة أشار إلى أن الرضاع في الصغر هو المحرم إذ هو الذي يدفع الجوع فأما جوع الكبير فلا يندفع بالرضاع وروي عن النبي أنه قال الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر ( ( ( وأنشز ) ) ) العظم وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير لأن ارضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر ( ( ( ينشز ) ) ) العظم وروي عنه أنه قال الرضاع ما فتق الأمعاء ورضاع الصغير هو الذي يفتق الإمعاء لا رضاع الكبير لأن إمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله تعالى في كتابه الكريم بقوله عز وجل لبنا خالصا سائغا للشاربين فأما أمعاء الكبير فمنفتقته ( ( ( فمنفتقة ) ) ) لا تحتاج إلى الفتق باللبن وروي عنه أنه قال لا رضاع بعد فصال وروي أن رجلا من أهل البادية ولدت امرأته ولدا فمات ولدها فورم ثدي المرأة فجعل الرجل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه فسأل عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال قد حرمت عليك ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسأله فقال هل سألت أحدا فقال نعم سألت أبا موسى الأشعري فقال حرمت عليك فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال له أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم فقال أبو موسى لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم وعن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال كانت لي وليدة أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت دونك مقدور الله أرضعتها فقال عمر رضي الله عنه واقعها فهي جاريتك فإنما الرضاعة عند الصغر وبهذا تبين أن ليس المراد من الآية الكريمة رضاع ( ( ( رضاعة ) ) ) الكبير لأن النبي فسر الرضاع المحرم بكونه دافعا للجوع منبتا للحم منشرا ( ( ( منشزا ) ) ) للعظم فاتقا للأمعاء وهذا وصف رضاع الصغير لا الكبير فصارت السنة مبينة لما في الكتاب أصله وأما حديث سالم فالجواب عن التعلق به من وجهين أحدهما يحتمل أنه كان مخصوصا بذلك يدل عليه ما روي أن سائر أزواج رسول الله أبين أن يدخل عليهن بالرضاع في حال الكبر أحد من الرجال وقلن ما نرى الذي أمر به رسول الله سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده فهذا يدل على أن سالما كان مخصوصا بذلك وما كان من خصوصية بعض الناس لمعنى لا نعقله لا يحتمل القياس ولا نترك به الأصل المقرر في الشرع والثاني أن رضاع الكبير كان محرما ثم صار منسوخا بما روينا من الأخبار

Bagian V04/P005

وأما عمل عائشة رضي الله عنها فقد روي عنها ما يدل على رجوعها فإنه روي عنها أنها قالت لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم وروي أنها كانت تأمر بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا على أن عملها معارض بعمل سائر أزواج النبي فإنهن كن لا يرين أن يدخل ( ( ( يدخلن ) ) ) عليهن بتلك الرضاعة أحد من الرجال والمعارض لا يكون حجة وإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم ورضاع الصغير يحرم ( ( ( محرم ) ) ) فلا بد من بيان الحد الفاصل بين الصغير والكبير في حكم الرضاع وهو بيان مدة الرضاع المحرم وقد اختلف فيه قال أبو حنيفة ثلاثون شهرا ولا يحرم بعد ذلك سواء فطم أو لم يفطم وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى حولان لا يحرم بعد ذلك فطم أو لم يفطم وهو قول الشافعي وقال زفر ثلاثة أحوال وقال بعضهم خمس عشرة سنة وقال بعضهم أربعون سنة احتج أبو يوسف ومحمد بقوله والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة جعل الله تعالى الحولين الكاملين تمام مدة الرضاع وليس وراء التمام شيء وبقوله تعالى وفصاله في عامين وقوله عز وجل وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وأقل مدة الحمل ستة أشهر فبقي مدة الفصال حولين وروي عن النبي أنه قال لا رضاع بعد الحولين وهذا نص في الباب ولأبي حنيفة قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة أثبت الحرمة بالرضاع مطلقا عن التعرض لزمان الإرضاع إلا أنه قام ( ( ( أقام ) ) ) الدليل على أن زمان ما بعد الثلاثين شهرا ليس بمراد فيعمل بإطلاقه فيما وراءه وقوله تعالى فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أثبت لهما إرادة الفصال بعد الحولين لأن الفاء للتعقيب فيقتضي بقاء الرضاع بعد الحولين ليتحقق الفصال بعدهما والثاني أنه أثبت لهما إرادة الفصال مطلقا عن الوقت ولا يكون الفصال إلا عن الرضاع فدل على بقاء حكم الرضاع في مطلق الوقت إلى أن يقوم الدليل على التقييد وقوله تعالى وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم أثبت لهما إرادة الاسترضاع مطلقا عن الوقت فمن ادعى التقييد بالحولين فعليه الدليل ولأن الإرضاع إنما يوجب الحرمة لكونه منبتا للحم منشرا ( ( ( منشزا ) ) ) للعظم على ما نطق به الحديث ومن المحال عادة أن يكون منبتا للحم إلى الحولين ثم لا ينبت بعد الحولين بساعة لطيفة لأن الله تعالى ما أجرى العادة بتغير ( ( ( بتغيير ) ) ) الغذاء إلا بعد مدة معتبرة ولأن المرأة قد تلد في البرد الشديد والحر الشديد فإذا تم على الصبي سنتان لا يجوز أن تؤمر المرأة بفطامه لأنه يخاف منه الهلاك على الولد إذ لو لم يعود بغيره من الطعام فلا بد وأن تؤمر بالرضاع ومحال أن تؤمر بالرضاع ويحرم عليها الرضاع في وقت واحد فدل أن الرضاع بعد الحولين يكون رضاعا إلا أن أبا حنيفة استحسن في تقديره مدة إبقاء حكم الرضاع بعد الحولين بستة أشهر لأنه أقل مدة تغير الولد فإن الولد يبقى في بطن أمه ستة أشهر يتغذى بغذائها ثم ينفصل فيصير أصلا في الغذاء وزفر اعتبر بعد الحولين سنة كاملة فقال لما ثبت حكم الرضاع في ابتداء السنة الثالثة لما قاله أبو حنيفة يثبت في بقيتها كالسنة الأولى والثانية

Bagian V04/P005–V04/P006

وأما الآية الأولى ففيها أن الحولين مدة الرضاع في حق من أراد تمام الرضاعة وهذا لا ينفي أن يكون الزائد على الحولين مدة الرضاع في حق من لم يرد أن يتم الرضاعة مع ما أن ذكر الشيء بالتمام لا يمنع من احتمال الزيادة عليه ألا ترى إلى قوله من أدرك عرفة فقد تم حجه وهذا لا يمنع زيادة الفرض عليه فإن طواف الزيارة من فروض الحج على أن في الآية الكريمة أن الحولين تمام مدة الرضاع لكنها تمام مدة الرضاع في حق الحرمة أو في حق وجوب أجر الرضاع على الأب فالنص لا يتعرض له وعندهما تمام مدة الرضاع في حق وجوب الأجر على الأب حتى أن الأم المطلقة إذا طلبت الأجر بعد الحولين ولا ترضع بلا أجر لم يجبر الأب على أجر الرضاع فيما زاد على الحولين أو تحمل الآية على هذا توفيقا بين الدلائل لأن دلائل الله عز وجل لا تتناقض وأما الآية الثانية فالفصال في عامين لا ينفي الفصال في أكثر من عامين كما لا ينفيه في أقل من عامين عن تراض منهما وتشاور فكان هذا استدلالا بالمسكوت كقوله عز وجل فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا الآية أنه لا يمنع جواز الكتابة إذا لم يعلم فيهم خيرا وأما الآية الثالثة فتحتمل ما ذكرتم أن المراد من الحمل هو الحمل بالبطن والفصال هو الفطام فيقتضي أن تكون مدة الرضاع سنتين ومدة الحمل ستة أشهر كما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وتحتمل أن يكون المراد من الحمل الحمل باليد والحجر فيقتضي أن يكون الثلاثون مدة الحمل والفصال جميعا لأنه يحمل باليد والحجر في هذه المدة غالبا لا أن يكون بعض هذه المدة مدة الحمل وبعضها مدة الفصال لأن إضافة السنتين إلى الوقت لا تقتضي قسمة الوقت عليهما بل تقتضي أن يكون جميع ذلك الوقت مدة لكل واحد منهما كقول القائل صومك وزكاتك في شهر رمضان هذا لا يقتضي قسمة الشهر عليهما بل يقتضي كون الشهر كله وقتا لكل واحد منهما فيقتضي أن يكون الثلاثون شهرا مدة الرضاع كما هو مذهب أبي حنيفة فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه إن وقع التعارض بين الآيات ظاهرا لكن ما تلونا حاظر وما تلوتم مبيح والعمل بالحاظر أولى احتياطا وأما الحديث فالمشهور لا رضاع بعد فصال ونحن نقول بموجبه فجائز أن يكون أصل الحديث هذا وأن من ذكر الحولين حمله على المعنى عنده ولو ثبت هذا اللفظ فيحتمل أن يكون معناه الإرضاع على الأب بعد الحولين أي في حق وجوب الأجر عليه على ما ذكرنا من تأويل الآية أو يحمل على هذا ( ( ( هذه ) ) ) عملا بالدلائل كلها والله الموفق ثم الرضاع يحرم في المدة على اختلافهم فيها سواء فطم في المدة أو لم يفطم هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا حتى لو فصل الرضيع في مدة الرضاع ثم سقي بعد ذلك في المدة كان ذلك رضاعا محرما ولا يعتبر الفطام وإنما يعتبر الوقت فيحرم عند أبي حنيفة ما كان في السنتين ونصف وعندهما ما كان في السنتين لأن الرضاع في وقته عرف محرما في الشرع لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل بين ما إذا فطم أو لم يفطم وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال إذا فطم في السنتين حتى استغنى بالفطام ثم ارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهرا لم يكن ذلك رضاعا لأنه لا رضاع بعد الفطام وإن هي فطمته فأكل أكلا ضعيفا لا يستغني به عن الرضاع ثم عاد فأرضع كما يرضع أولا في الثلاثين شهرا فهو رضاع محرم كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم

Bagian V04/P006–V04/P007

ويحتمل أن تكون رواية الحسن تفسيرا لظاهر قول أصحابنا وهو أن الرضاع في المدة بعد الفطام إنما يكون رضاعا محرما إذا لم يكن الفطام تاما بأن كان لا يستغني بالطعام عن الرضاع فإن استغنى لا يحرم بالإجماع ويحمل قول النبي لا رضاع بعد الفصال على الفصال المتعارف المعتاد وهو الفصال التام المغني عن الرضاع ويستوي في الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة رضي الله عنهم وروي عن عبد الله بن الزبير وعائشة رضي الله عنهما أن قليل الرضاع لا يحرم وبه أخذ الشافعي فقال لا يحرم إلا خمس رضعات متفرقات واحتج بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان فيما نزل عشر رضعات يحرمن ( ( ( يحرم ) ) ) ثم صرن إلى خمس فتوفي النبي وهو فيما يقرأ وروي عن النبي أنه قال لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة ولا ( ( ( والإملاجتان ) ) ) الإملاجتان ولأن الحرمة بالرضاع لكونه منبتا للحم ومنشرا ( ( ( ومنشزا ) ) ) للعظم وهذا المعنى لا يحصل بالقليل منه فلا يكون القليل محرما ولنا قوله عز وجل وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة مطلقا عن القدر وروي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أنهم قالوا قليل الرضاع وكثيره سواء وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال الرضعة الواحدة تحرم وروي أنه لما بلغه أن عبد الله بن الزبير يقول لا تحرم الرضعة والرضعتان فقال قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير وتلا قوله تعالى وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وروى أنه لما بلغه أن عائشة رضي الله عنها تقول لا تحرم المصة والمصتان فقال حكم الله تعالى أولى وخير من حكمها وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد قيل إنه لم يثبت عنها وهو الظاهر فإنه روي أنها قالت توفي النبي وهو مما يتلى في القرآن فما الذي ( نسخه ) ولا نسخ بعد وفاة النبي ولا يحتمل أن يقال ضاع ( ( ( الرضاع ) ) ) شيء من القرآن ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء أن هذا حديث منكر وأنه من صيارفة الحديث ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع الكبير فنسخ العدد بنسخ رضاع الكبير وأما حديث المصة والمصتين فقد ذكر الطحاوي أن في إسناده إضطرابا لأن مداره على عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها وروي أنه سئل عروة عن الرضاعة فقال ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة محرم والراوي إذا عمل بخلاف ما روي أوجب ذلك وهنا في ثبوت الحديث لأنه لو ثبت عنده لعمل به على أنه إن ثبت فيحتمل أن الحرمة لم تثبت لعدم القدر المحرم ويحتمل أنها لم تثبت لأنه لا يعلم أن اللبن وصل إلى جوف الصبي أم لا وما لم يصل لا يحرم فلا يثبت لعدم القدر المحرم ( ( ( المحترم ) ) ) ولا تثبت الحرمة بهذا الحديث بالاحتمال ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما إذا عقي الصبي فقد حرم حين سئل عن الرضعة الواحدة هل تحرم لأن العقي اسم لما يخرج من بطن الصبي حين يولد أسود لزج إذا وصل اللبن إلى جوفه يقال هل عقيتم ( ( ( عقى ) ) ) صبيكم أي هل سقيتموه عسلا ليسقط عنه عقيه إنما ذكر ذلك ليعلم أن اللبن قد صار في جوفه لأنه لا يعقي من ذلك اللبن حتى يصير في جوفه ويحتمل أنه كان ذلك في إرضاع الكبير حين كان محرما ثم نسخ

Bagian V04/P007–V04/P008

وأما قوله إن الرضاع إنما يحرم لكونه منبتا للحم منشرا ( ( ( منشزا ) ) ) للعظم فنقول القليل ينبت وينشر ( ( ( وينشز ) ) ) بقدره فوجب أن يحرم بأصله وقدره على أن هذه الأحاديث إن ثبتت فهي مبيحة وما تلونا محرم والمحرم يقضي على المبيح احتياطا لأن الجرعة الكثيرة عنده لا تحرم ومعلوم أن الجرعة الواحدة الكثيرة في إنبات ( ( ( إثبات ) ) ) اللحم وإنشار ( ( ( وإنشاز ) ) ) العظم فوق خمس رضعات صغار فدل أنه لا مدار على هذا وكذا يستوي فيه لبن الحية والميتة بأن حلب لبنها بعد موتها في قدح فأوجر به صبي يحرم عندنا وقال الشافعي لبن الميتة لا يحرم ولا خلاف في أنه إذا حلب لبنها في حال حياتها في إناء فأوجر به الصبي بعد موتها أنه يثبت به الحرمة وجه قوله أن حكم الرضاع هو الحرمة والمرأة بالموت خرجت من أن تكون محلا لهذا الحكم ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة بوطئها عندكم فصار لبنها كلبن البهائم ولو ارتضع صغيران من لبن بهيمة لا تثبت حرمة الرضاع بينهما كذا هذا وإذا لم تثبت الحرمة في حقها لا تثبت في حق غيرها لأن المرضعة أصل في هذا الحكم فأولا يثبت في حقها ثم يتعدي إلى غيرها فإذا لم يثبت في حقها فكيف يتعدى إلى غيرها بخلاف ما إذا حلب حال حياتها ثم أوجر الصبي بعد وفاتها لأنها كانت محلا قابلا للحكم وقت انفصال اللبن منها فلا يبطل بموتها بعد ذلك وههنا بخلافه ولأن اللبن قد ينجس بموتها لتنجس وعائه وهو الثدي فأشبه البول والدم ولنا الحديث المشهور عن رسول الله أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب واسم الرضاع لا يقف على الارتضاع من الثدي فإن العرب تقول يتيم راضع وإن كان يرضع بلبن الشاة والبقر ولا على فعل الارتضاع منها بدليل أنه لو ارتضع الصبي منها وهي نائمة يسمى ذلك رضاعا حتى يحرم ويقال أيضا أرضع هذا الصبي بلبن هذه الميتة كما يقال أرضع بلبن الحية وقوله الرضاع من المجاعة وقوله الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر ( ( ( وأنشز ) ) ) العظم وقوله الرضاع ما فتق الأمعاء ولبن الميتة يدفع الجوع وينبت اللحم وينشر ( ( ( وينشز ) ) ) العظم ويفتق الأمعاء فيوجب الحرمة ( ( ( الحرية ) ) ) ولأن اللبن كان محرما في حال الحياة والعارض هو الموت واللبن لا يموت كالبيضة كذا روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللبن لا يموت ولأن الموت يحل محل الحياة ولا حياة في اللبن ألا ترى أنها لم تتألم بأخذه في حال حياتها والحيوان يتألم بأخذ ما فيه حياة من لحمه وسائر أعضائه وإذا لم يكن فيه حياة كان حاله بعد موت المرأة كحاله قبل موتها وقبل موتها محرم كذا بعده وأما قوله المرأة بالموت خرجت من أن تكون محلا للحرمة وهي الأصل في هذه الحرمة فنقول الحرمة في حال الحياة ما ثبتت باعتبار الأصالة والتبعية بل باعتبار إنبات اللحم وإنشار ( ( ( وإنشاز ) ) ) العظم وقد بقي هذا المعنى بعد الموت فتبقى الحرمة بخلاف حرمة المصاهرة لأنها تثبت لدفع فساد قطيعة الرحم أو باعتبار الجزئية والبعضية لكون الوطء سببا لحصول الولد وكل واحد من المعنيين لا يتقدر بعد الموت لذلك افتراقا ( ( ( افترقا ) ) ) وقوله اللبن ينجس بالموت ممنوع وهذا شيء بناه على أصله فأما على أصل أصحابنا فاللبن لا ينجس بالموت بل هو طاهر بعد الموت وإن تنجس الوعاء الأصلي له ونجاسة الظرف إنما توجب نجاسة المظروف إذا لم يكن الظرف معدنا للمظروف وموضعا له في الأصل فأما إذا كان في الأصل موضعه ومظانه فنجاسته لا توجب نجاسة المظروف

Bagian V04/P008

ألا ترى أن الدم الذي يجري بين اللحم والجلد في المذكاة لا ينجس اللحم لما كان في معدنه ومظانه فكذلك اللبن والدليل عليه أنه لو حلب لبنها في حال حياتها في وعاء نجس فأوجر به الصبي يحرم ولا فرق بين الوعاءين إذ النجس في الحالين ما يجاور اللبن لا عينه ثم نجاسة الوعاء الذي لبس ( ( ( ليس ) ) ) بمعدن اللبن لما لم يمنع وقوع التحريم فما هو معدن له أولى ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار لأن المؤثر في التحريم مما هو معدن له أولى ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار لأن المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشار ( ( ( وإنشاز ) ) ) العظم وسد المجاعة لأن يتحقق الجزئية وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار لأن السعوط يصل إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي ويسد الجوع والوجور يصل إلى الجوف فيغذي وأما الإقطار في الأذن فلا يحرم لأنه لا يعلم وصوله إلى الدماغ لضيق الخرق في الأذن وكذلك الإقطار في الإحليل لأنه لا يصل إلى الجوف فضلا عن الوصول إلى المعدة وكذلك الإقطار في العين والقبل لما قلنا وكذلك الأقطار في الجائفة وفي الآمة لأن الجائفة تصل إلى الجوف لا إلى المعدة والآمة إن كان يصل إلى المعدة لكن ما يصل إليها من الجراحة لا يحصل به الغذاء فلا تثبت به الحرمة والحقنة لا تحرم بأن حقن الصبي باللبن في الرواية المشهورة وروي عن محمد أنها تحرم وجه هذه الرواية أنها وصلت إلى الجوف حتى أوجبت فساد الصوم فصار كما لو وصل من الفم وجه ظاهر الرواية أن المعتبر في هذه الحرمة هو معنى التغذي والحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء لأن موضع الغذاء هو المعدة والحقنة لا تصل إليها فلا يحصل بها نبات اللحم ونشور ( ( ( ونشوز ) ) ) العظم واندفاع الجوع فلا توجب الحرمة ولو جعل اللبن مخيضا أو رائبا أو شيرازا أو جينا ( ( ( جبنا ) ) ) أو أقطا أو مصلا فتناوله الصبي لا يثبت به الحرمة لأن اسم الرضاع لا يقع عليه وكذا لا ينبت اللحم ولا ينشر ( ( ( ينشز ) ) ) العظم ولا يكتفي به الصبي في الإغتذاء فلا يحرم ولو اختلط اللبن بغيره فهذا على وجوه أما إن اختلط بالطعام أو بالدواء أو بالماء أو بلبن البهائم أو بلبن امرأة أخرى فإن اختلط بالطعام فإن مسته النار حتى نضج لم يحرم في قولهم جميعا لأنه تغير عن طبعه بالطبخ وإن لم تمسه النار فإن كان الغالب هو الطعام لم تثبت الحرمة لأن الطعام إذا غلب سلب قوة اللبن وأزال معناه وهو التغذي فلا يثبت به الحرمة وإن كان اللبن غالبا للطعام وهو طعام يستبين لا يثبت به الحرمة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يثبت وجه قولهما أن اعتبارالغالب وإلحاق المغلوب بالعدم أصل في الشرع فيجب اعتباره ما أمكن كما إذا اختلط بالماء أو بلبن شاة ولأبي حنيفة أن الطعام وإن كان أقل من اللبن فإنه يسلب قوة اللبن لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك في حس البصر فلا تقع الكفاية به في تغذية الصبي فكان اللبن مغلوبا معنى وإن كان غالبا صورة وإن اختلط بالدواء أو بالدهن أو بالنبيذ يعتبر فيه الغالب فإن كان اللبن غالبا يحرم لأن هذه الأشياء لا تحل بصفة اللبن وصيرورته غذاء بل يقدر ( ( ( بقدر ) ) ) ذلك لأنها إنما تخلط باللبن ليوصل اللبن إلى ما كان لا يصل إليه بنفسه لاختصاصها بقوة التنفيذ ثم اللبن بانفراده يحرم فمع هذه الأشياء أولى وإن كان الدواء هو الغالب لا تثبت به الحرمة لأن اللبن إذا صار مغلوبا صار مستهلكا فلا يقع به التغذي فلا تثبت به الحرمة وكذا إذا اختلط بالماء يعتبر فيه الغالب أيضا فإن كان اللبن غالبا يثبت به الحرمة وإن كان الماء غالبا لا يثبت به وهذا عندنا

Bagian V04/P008–V04/P009

وعند الشافعي إذا قطر من الثدي مقدار خمس رضعات في حب ( ( ( جب ) ) ) ماء فسقى منه الصبي تثبت به الحرمة وجه قوله أن اللبن وصل إلى جوف الصبي بقدره في وقته فتثبت الحرمة كما إذا كان اللبن غالبا ولا شك في وقت الرضاع والدليل على أن القدر المحرم من اللبن وصل إلى جوف الصبي أن اللبن وإن كان مغلوبا فهو موجود شائع في أجزاء الماء وإن كان لا يرى فيوجب الحرمة ولنا أن الشرع علق الحرمة في باب الرضاع بمعنى التغذي على ما نطقت به الأحاديث واللبن المغلوب بالماء لا يغذي الصبي لزوال قوته ألا ترى أنه لا يقع الاكتفاء به في تغذية الصبي فلم يكن محرما وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف وذكر الجصاص أن جواب الكتاب ينبغي أن يكون قولهما فأما على قول أبي حنيفة ينبغي أن لا يحرم وإن كان اللبن غالبا وقاس الماء على الطعام وجمع بينهما من حيث أن اختلاطه بالماء يسلب قوته وإن كان الماء قليلا كاختلاطه بالطعام القليل وفي ظاهر الرواية أطلق الجواب ولم يذكر الخلاف ولو اختلط بلبن البهائم كلبن الشاة وغيره يعتبر فيه الغالب أيضا لما ذكرنا ولو اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما في قول أبي يوسف وروي عن أبي حنيفة كذلك وعند محمد يثبت الحرمة منهما جميعا وهو قول زفر وجه قول محمد أن اللبنين من جنس واحد والجنس لا يغلب الجنس فلا يكون خلط الجنس بالجنس استهلاكا فلا يصير القليل مستهلكا في الكثير فيغذى الصبي كل واحد منهما بقدره بإنبات اللحم وإنشار ( ( ( وإنشاز ) ) ) العظم أو سد الجوع لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر والدليل على أن خلط الجنس بالجنس لا يكون استهلاكا له أن من غصب من آخر زيتا فخلطه بزيت آخر اشتراكا ( ( ( اشتركا ) ) ) فيه في قولهم جميعا ولو خلطه بشيرج أو بدهن آخر من غير جنسه يعتبر الغالب فإن كان الغالب هو المغصوب كان لصاحبه أن يأخذه ويعطيه قسط ما اختلط بزيته وإن كان الغالب غير المغصوب صار المغصوب مستهلكا فيه ولم يكن له أن يشاركه فيه ولكن الغاصب يغرم له مثل ما غصبه فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد والجنسين وأبو يوسف اعتبر هذا النوع من الاختلاط باختلاط اللبن بالماء وهناك الحكم للغالب كذا ههنا ولمحمد أن يفرق بين الفصلين فإن اختلاط اللبن بما هو من جنسه لا يوجب الاخلال بمعنى التغذي من كل واحد منهما بقدره لأن أحدهما لا يسلب قوة الآخر وليس كذلك اختلاط اللبن بالماء واللبن مغلوب لأن الماء يسلب قوة اللبن أو يحل ( ( ( يخل ) ) ) به فلا يحصل التغذي أو يختل والله عز وجل أعلم ولو طلق الرجل امرأته ولها لبن من ولد كانت ولدته منه فانقضت عدتها وتزوجت بزوج آخر وهي كذلك فأرضعت صبيا عند الثاني ينظر إن أرضعت قبل أن تحمل من الثاني فالرضاع من الأول بالإجماع لأن اللبن نزل من الأول فلا يرتفع حكم ( ( ( حكمه ) ) ) بارتفاع النكاح كما لا يرتفع بالموت وكما لو حلب منها لبن ( ( ( اللبن ) ) ) ثم ماتت لا يبطل حكم الرضاع من لبنها كذا هذا وإن أرضعت بعدما وضعت من الثاني فالرضاع من الثاني بالإجماع لأن اللبن منه ظاهرا وإن أرضعت بعد ما حملت من الثاني قبل أن تضع فالرضاع من الأول إلى أن تضع في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف إن علم أن هذا اللبن من الثاني بأن ازداد لبنها فالرضاع من الثاني وإن لم يعلم فالرضاع من الأول وروى الحسن بن زياد عنه أنها إذا حبلت فاللبن الثاني ( ( ( للثاني ) ) ) وقال محمد وزفر الرضاع منهما جميعا إلى أن تلد فإذا ولدت فهو من الثاني

Bagian V04/P009–V04/P010

وجه قول محمد أن اللبن الأول باقي ( ( ( باق ) ) ) والحمل سبب لحدوث زيادة لبن فيجتمع لبنان في ثدي واحد فتثبت الحرمة بهما كما قال في اختلاط أحد اللبنين بالآخر بخلاف ما إذا وضعت لأن اللبن الأول ينقطع بالوضع ظاهرا وغالبا فكان اللبن من الثاني فكان الرضاع منه وجه قول أبي يوسف أن الحامل قد ينزل لها لبن فلما ازداد لبنها عند الحمل من الثاني دل أن الزيادة من الحمل الثاني إذ لو لم يكن لكان لا يزداد بل ينقص إذ العادة أن اللبن ينقص بمضي الزمان ولا يزداد فكانت الزيادة دليلا على أنها من الحمل الثاني لا من الأول وجه رواية الحسن عنه أن العادة أن بالحمل ينقطع اللبن الأول ويحدث عند ( ( ( عنده ) ) ) لبن آخر فكان الموجود عند الحمل الثاني من الحمل الثاني لا من الأول فكان الرضاع منه لا من الأول ولأبي حنيفة أن تزول ( ( ( نزول ) ) ) اللبن من الأول ثبت بيقين لأن الولادة سبب لنزول اللبن بيقين عادة فكان حكم الأول ثابتا بيقين فلا يبطل حكمه ما لم يوجد سبب آخر مثله بيقين وهو ولادة أخرى لا الحمل لأن الحامل قد ينزل لها لبن بسبب الحمل وقد لا ينزل حتى تضع والثابت بيقين لا يزول بالشك وأما قول أبي يوسف لما ازداد اللبن دل على حدوث اللبن من الثاني فممنوع أن زيادة اللبن تدل على حدوث اللبن من الحمل فإن لزيادة اللبن أسبابا من زيادة الغذاء وجودته وصحة البدن وإعتدال الطبيعة وغير ذلك فلا يدل الحمل على حدوث الزيادة بالشك فلا ينقطع الحكم عن الأول بالشك وقد خرج الجواب عما قاله محمد والله الموفق للصواب ويستوي في تحريم الرضاع الرضاع المقارن للنكاح والطارىء ( ( ( والطارئ ) ) ) عليه لأن دلائل التحريم لا توجب الفصل بينهما وبيان هذا الأصل في مسائل إذا تزوج صغيرة فأرضعتها أمه من النسب أو من الرضاع حرمت عليه لأنها صارت أختا له من الرضاع فتحرم عليه كما في النسب وكذا إذا أرضعتها أخته أو بنته من النسب أو من الرضاع لأنها صارت بنت أخته أو بنت بنته من الرضاعة وأنها ترحم ( ( ( تحرم ) ) ) من الرضاع كما تحرم من النسب ولو تزوج صغيرتين رضيعتين فجاءت إمرأة أجنبية فأرضعتهما معا أو على التعاقب حرمتا عليه لأنهما صارتا أختين من الرضاعة فيحرم الجمع بينهما في حالة البقاء كما يحرم في حالة الابتداء كما في النسب ويجوز أن يتزوج إحداهما أيتهما شاء لأن المحرم هو الجمع كما في النسب فإن كن ثلاثا فأرضعتهن جميعا معا حرمن عليه لأنهن صرن أخوات من الرضاعة فيحرم الجمع بينهن وله أن يتزوج واحدة منهن أيتهن شاء لما قلنا وإن أرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة حرمت عليه الأولتان وكانت الثالثة زوجته لأنها لما أرضعت الأولى ثم الثانية صارتا أختين فبانتا منه فإذا أرضعت الثالثة فقد صارت أختا لهما لكنهما أجنبيتين فلم يتحقق الجمع فلا تبين منه وكذا إذا أرضعت البنتين معا ثم الثالثة حرمتا والثالثة إمرأته لما قلنا ولو أرضعت الأولى ثم الثنتين معا حرمن جميعا لأن الأولى لم تحرم كذا الارضاع لعدم الجمع فإذا أرضعت الأخرتين معا صرن أخوات في حالة واحدة فيفسد نكاحهن ولو كن أربع صبيات فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة حرمن جميعا لأنها لما أرضعت الثانية فقد صارت أختا للأولى فحصل الجمع بين الأختين من الرضاعة فبانتا ولما أرضعت الرابعة فقد صارت أختا للثالثة فحصل الجمع فبانتا وحكم المهر والرجوع في هذه المسائل نذكره في المسألة التي تليها وهي ما إذا تزوج صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة

Bagian V04/P010–V04/P011

أما حكم النكاح فقد حرمتا عليه لأن الصغيرة صارت بنتا لها والجمع بين الأم والبنت من الرضاع نكاحا حرام كما يحرم من النسب ثم إن كان ذلك بعد ما دخل بالكبيرة لا يجوز له أن يتزوج واحدة منهما أبدا كما في النسب وإن كان قبل أن يدخل بالكبيرة جاز له أن يتزوج الصغيرة لأنها ربيبته من الرضاع لم يدخل بأمها فلا يحرم عليه نكاحها كما في النسب لا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبدا لأنها أم منكوحته من الرضاع فتحرم بمجرد نكاح البنت دخل بها أو لم يدخل بها كما في النسب وأما حكم المهر فأما الكبيرة فإن كان قد دخل بها فلها جميع مهرها سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد لأن المهر قد تأكد بالدخول فلا يحتمل السقوط بعد ذلك فلها مهرها ولها السكنى ولا نفقة لها لأن السكنى حق الله تعالى فلا تسقط بفعلها والنفقة تجب حقا لها بطريقة الصلة وبالإرضاع خرجت عن استحقاق الصلة فإن كان لم يدخل بها سقط مهرها فلا مهر لها ولا سكنى ولا نفقة سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد لأن الأصل أن الفرقة الحاصلة قبل الدخول توجب سقوط كل المهر لأن المبدل يعود سليما إلى المرأة وسلامة المبدل لأحد المتعاقدين يوجب سلامة البدل للآخر لئلا يجتمع المبدل والبدل في ملك واحد في عقد المبادلة كان ينبغي أن لا يجب على الزوج شيء سواء كانت الفرقة بغير طلاق أو بطلاق إلا أن الشرع أوجب عليه في الطلاق قبل الدخول مالا مقدرا بنصف المهر المسمى ابتداء بطريق المتعة صلة لها تطييبا لقلبها لما لحقها من وحشة الفراق بفوات نعمة الزوجية عنها من غير رضاها فإذا أرضعت فقد رضيت بارتفاع النكاح فلا تستحق شيئا وأما الصغيرة فلها نصف المهر على الزوج عند عامة العلماء وقال مالك لا شيء لها وجه قوله أن الفرقة جاءت من قبلها لوجود علة الفرقة منها وهي ارتضاعها لأنه بذلك يحصل اللبن في جوفها فينبت اللحم وينشر ( ( ( وينشز ) ) ) العظم فتحصل الجزئية التي هي المعنى المؤثر في الحرمة وإنما الموجود من المرضعة التمكين من ارتضاعها بإلقامها ثديها فكانت محصلة للشرط والحكم للعلة لا للشرط فلا يجب على الزوج الصغيرة ( ( ( للصغيرة ) ) ) شيء ولا يجب على الزوج للمرضعة شيء أيضا ولنا ما ذكرنا أن الفرقة من أيهما كانت توجب سقوط كل المهر لما ذكرنا وإنما يجب نصف المهر مقدرا بالمسمى ابتداء صلة للمرأة نظرا لها ولم يوجد من الصغيرة ما يوجب خروجها عن استحقاق النظر لأن فعلها لا يوصف بالخطر وليست هي من أهل الرضا لنجعل فعلها دلالة الرضا بارتفاع النكاح فلا تحرم نصف الصداق بخلاف الكبيرة لأن إقدامها على الارضاع دلالة الرضا بارتفاع النكاح وهي من أهل الرضا وإرضاعها جناية فلا تستحق النظر بإيجاب نصف المهر لها ابتداء إذ الجاني لا يستحق النظر على جنايته بل يستحق الزجر وذلك بالحرمان لئلا يفعل مثله في المستقبل فلا يجب لها شيء سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد لأن فعلها جناية في الحالين ويرجع الزوج بما أدى على الكبيرة إن كانت تعمدت الفساد وإن كانت لم تتعمد لم يرجع عليها كذا ذكر المشايخ وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف وروي عن محمد أن له أن يرجع عليها سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد وهو قول زفر وبشر المريسي والشافعي وجه قولهم أن هذا ضمان الاتلاف وأنه لا يختلف بالعمد والخطأ والدليل على أن هذا ضمان الاتلاف أن الفرقة حصلت من قبلها بإرضاعها ولهذا لم تستحق المهر أصلا ورأسا سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد وإذا كان حصول الفرقة من قبلها بإرضاعها صارت بالإرضاع مؤكدة نصف المهر على الزوج لأنه كان محتملا للسقوط بردتها أو تمكينها من ابن الزوج أو تقبيلها إذا كبرت فهي بالإرضاع أكدت نصف المهر بحيث لا يتحمل ( ( ( يحتمل ) ) ) السقوط فصارت متلفة عليه ماله فتضمن

Bagian V04/P011–V04/P012

وجه قول محمد أنها وإن تعمدت الفساد فهي صاحبة شرط في ثبوت الفرقة لأن علة الفرقة هي الارتضاع للصغيرة لما بينا والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط على أن إرضاعها إن كان سبب الفرقة فهو سبب محض لأنه طرأ عليه فعل اختياري وهو ارتضاع الصغيرة والسبب إذا اعترض عليه فعل اختياري يكون سببا محضا والسبب المحض لا حكم له وإن كان صاحب السبب متعمدا في مباشرة السبب كفتح باب الاصطبل والقفص حتى خرجت الدابة وضلت أو طار الطير وضاع ولأن الضمان لو وجب عليها إما أن يجب بإتلاف ملك النكاح أو بإتلاف الصداق أو بتأكيد نصفه على الزوج لا وجه للأول لأن ملك النكاح غير مضمون بالاتلاف على أصلنا ولا وجه للثاني لأنها ما أتلفت الصداق بل أسقطت نصفه الباقي بقي واجبا بالنكاح السابق ولا وجه للثالث لأن التأكيد لا يماثل التفويت فلا يكون اعتداء بالمثل ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الكبيرة وإن كانت محصلة شرط الفرقة وعلة الفرقة من الصغيرة كما ذكره محمد لكن الأصل أن الشرط مع العلة إذا اشتركا في الحظر والإباحة أي في سبب المؤاخذة وعدمه فإضافة الحكم إلى العلة أولى من إضافته إلى الشرط فأما إذا كان الشرط محظورا والعلة غير موصوفة بالحظر فإضافة الحكم إلى الشرط أولى من إضافته إلى العلة كما في حق البئر على قارعة الطريق فالكبيرة إذا لم تكن تعمدت الفساد فقد استوى الشرط والعلة في عدم الحظر فكانت الفرقة مضافة إلى العلة وهي ارتضاعها وإن كانت تعمدت الفساد كان الشرط محظورا وهو إرضاع الكبيرة والعلة غير موصوفة بالحظر وهي ارتضاع الصغيرة فكان إضافة الحكم إلى الشرط أولى وإذا أضيفت الفرقة إلى الكبيرة عند تعمدها الفساد ووجب نصف المهر للصغيرة على الزوج ابتداء ملازما للفرقة صارت الفرقة الحاصلة منها كأنها علة لوجوبه لا أنه بقي النصف بعد الفرقة واجبا بالنكاح السابق لأن ذلك قول بتخصيص العلة لأن قول ببقاء نصف المهر على وجود العلة المسقطة لكله وانه باطل فصارت الكبيرة متلفة هذا القدر من المال على الزوج إذ الأداء مبني على الوجوب فيثبت له حق الرجوع عليها ولهذا المعنى وجب الضمان على شهود الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا بالإجماع بخلاف ما إذا لم تتعمد الفساد لأن عند عدم التعمد لا تكون الفرقة مضافة إلى فعل الكبيرة فلم يوجد منها علة وجوب نصف المهر على الزوج فلا يرجع عليها وأما مسألة فتح باب الإصطبل والقفص فكما يلزمهما ( ( ( يلزمها ) ) ) يلزم محمدا لأن عنده يضمن الفاتح وإن اعترض على الفتح فعل ( ( ( فعلا ) ) ) اختياري ( ( ( اختياريا ) ) ) فقد خرج الجواب عن الباقي فافهم ثم تعمد الفساد يثبت بثلاثة أشياء بعلمها بنكاح الصغيرة وعلمها بفساد النكاح بإرضاعها وعدم الضرورة وهي ضرورة خوف الهلاك على الصغيرة لو لم ترضعها والقول قولها في أنها لم تتعمد الفساد مع يمينها لأن الزوج بدعوى تعمد الفساد يدعي عليها الضمان وهي تنكر فكان القول قولها وعلى هذا حكم المهر والرجوع في المسائل المتقدمة من الاتفاق والاختلاف ولو تزوج كبيرة وصغيرتين فارضعتهما الكبيرة فإن أرضعتهما معا حرمن عليه لأنهما جميعا صارتا بنتين للمرضعة فصار جامعا بينهن نكاحا فحرمن عليه ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبدا سواء كان دخل بها أو لم يدخل بها لأنها أم منكوحته فتحرم بنفس العقد على البنت ولا يجوز له أن يجمع بين الصغيرتين نكاحا أبدا لأنهما صارتا أختين من الرضاع ويجوز أن يتزوج باحداهما إن كان لم يدخل بالكبيرة لأنها ربيبته من الرضاع فلا تحرم بمجرد العقد على الأم كما في النسب وإن كان قد دخل بها لا يجوز كما في النسب وإن أرضعتهما على التعاقب واحدة بعد أخرى فقد حرمت الكبيرة مع الصغيرة الأولى لأنها لما أرضعت الأولى صارت بنتا لها فجعل ( ( ( فحصل ) ) ) الجمع بين الأم والبنت فبانتا منه

Bagian V04/P012

وأما الصغيرة الثانية فإنما أرضعتها بعدما بانت الكبيرة فلم يصر جامعا لكنها ربيبته من الرضاع فإن كان قد دخل بأمها تحرم عليه وإلا فلا ولا يجوز نكاح الكبيرة بعد ذلك ولا الجمع بين الصغيرتين لما ذكرنا ولو تزوج كبيرة وثلاث صبيات فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد أخرى حرمن عليه جميعا لأنها لما أرضعت الأولى صارت بنتا لها فحصل الجمع بين الأم والبنت فحرمتا عليه ولما أرضعت الثانية فقد أرضعتها والكبيرة والصغيرة الأولى مبانتان فلا يحرم بسبب الجمع لعدم الجمع ولكن ينظر إن كان قد دخل بالكبيرة تحرم عليه للحال لأنها ربيبته وقد دخل بأمها وإن كان لم يدخل بأمها لا تحرم عليه للحال حتى ترضع الثالثة فإذا ارتضعت ( ( ( أرضعت ) ) ) الثالثة حرمتا عليه لأنهما صارتا أختين والحكم في تزوج الكبيرة بعد ذلك والجمع بين صغيرتين وتزوج إحدى الصغائر ما ذكرنا ولو تزوج صغيرتين وكبيرتين فعمدت الكبيرتان إلى إحدى الصغيرتين فأرضعتاها إحداهما بعد أخرى ثم أرضعتا الصغيرة الثانية واحدة بعد أخرى بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى والصغيرة الثانية امرأته لأنهما لما أرضعتا الصغيرة الأولى صارت كل واحدة من الكبيرتين أم امرأته وصارت الصغيرة بنت امرأته فصار جامعا بينهن فحرمن عليه فلما أرضعتا الثانية فقد أرضعتاها بعد ثبوت البينونة فلم يصر جامعا فلا تحرم هذه الصغيرة بسبب الجمع ولكنها ابنة منكوحة كانت له فإن كان لم يدخل بها لا تحرم عليه وإن كان قد دخل بها تحرم ولا يجوز له نكاح واحدة من الكبيرتين بعد ذلك بحال والأمر في جواز نكاح الصغيرة الأولى على التفصيل الذي مر ولو كانت إحدى الكبيرتين أرضعت الصغيرتين واحدة بعد الأخرى ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين واحدة بعد الأخرى ينظر إن كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي بدأت بها الكبيرة الأولى بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى والصغيرة الأخرى امرأته وإن كانت بدأت بالتي لم تبدأ بها الأولى حرمن عليه جميعا وإنما كان كذلك لأن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت بنتها فحصل الجمع بين الأم والبنت فحرمتا عليه فلما أرضعت الأخرى أرضعتها وهي أجنبية فلم يتحقق الجمع لكن صارت الأخرى ربيبته فإن كان لم يدخل بأمها لا تحرم وإن كان قد دخل بها تحرم فلما جاءت الكبيرة الأخيرة فأرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت أم منكوحته فحرمت عليه فلما أرضعت الصغيرة الأخرى فقد أرضعتها وهي أجنبية فصارت ربيبته فلا تحرم إذا كان لم يدخل بأمها وإن كان قد دخل بأمها تحرم وإذا كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي لم تبدأ بها الكبيرة الأولى فقد صارت بنتا لها فصار جامعها مع أمها فحرمتا عليه كما حرمت الكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى فحرمن جميعا ولو كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا لأنهما صارتا أختين وكذا إذا أرضعت أخت الكبيرة الصغيرة لأنها صارت بنت أخت إمرأته والجمع بين المرأة وبين بنت أختها لا يجوز في الرضاع كما لا يجوز في النسب ولو أرضعتها عمة الكبيرة أو خالتها لم تبن لأنها صارت بنت عمة امرأته أو بنت خالتها ويجوز للإنسان أن يجمع بين امرأة وبين بنت عمتها أو بنت خالتها في النسب فكذا في الرضاع ولو طلق رجل امرأته ثلاثا ثم أرضعت المطلقة قبل انقضاء عدتها امرأة له صغيرة بانت الصغيرة لأنها صارت بنتا له فحصل الجمع في حال العدة والجمع في حال قيام العدة كالجمع في حال قيام النكاح ولو زوج ابنه وهو صغير امرأة لها لبن فارتدت وبانت من الصبي ثم أسلمت فتزوجها رجل فحبلت منه ثم أرضعت بلبنها ذلك الصبي الذي كان زوجها حرمت على زوجها الثاني كذا روى بشر بن الوليد عن محمد لأن ذلك الصبي صار إبنا لزوجها فصارت هي منكوحة ابنه من الرضاع فحرمت عليه

Bagian V04/P012–V04/P013

ولو زوج رجل أم ولده مملوكا له صغيرا فأرضعته بلبن السيد حرمت على زوجها وعلى مولاها لأن الزوج صار إبنا لزوجها فصارت هي موطوءة أبيه فتحرم عليه ولا يجوز للمولى أن يطأها بملك اليمين لأنها منكوحة إبنه ولو تزوج صغيرة فطلقها ثم تزوج كبيرة لها لبن فأرضعتها حرمت عليه لأنها صارت أم منكوحة كانت له فتحرم بنكاح البنت والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما يثبت به الرضاع أي يظهر به فالرضاع يظهر بأحد أمرين أحدهما الإقرار والثاني البينة أما الإقرار فهو أن يقول لامرأة تزوجها هي أختي من الرضاع أو أمي من الرضاع أو بنتي من الرضاع ويثبت على ذلك ويصبر عليه فيفرق بينهما لأنه أقر ببطلان ما يملك إبطاله للحال فيصدق فيه على نفسه وإذا صدق لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها فلا يكون في إبقاء النكاح فائدة فيفرق بينهما سواء صدقته أو كذبته لأن الحرمة ثابتة في زعمه ثم إن كان قبل الدخول بها فلها نصف المهر إن كذبته لأن الزوج مصدق على نفسه لا عليها بإبطال حقها في المهر وإنه كان بعد الدخول بها فلها كمال المهر والنفقة والسكنى لأنه غير مصدق بإبطال حقها فإن أقر بذلك ثم قال أوهمت أو أخطأت أو غلطت أو نسيت أو كذبت فهما على النكاح ولا يفرق بينهما عندنا وقال مالك والشافعي يفرق بينهما ولا يصدق على الخطأ وغيره وجه قولهما إنه أقر بسبب الفرقة فلا يملك الرجوع كما لو أقر بالطلاق ثم رجع بأن قال لامرأته كنت طلقتك ثلاثا ثم قال وهمت ( ( ( أوهمت ) ) ) والدليل عليه إنه لو قال لأمته هذه امرأتي أو أمي أو أختي أو ابنتي ثم قال أوهمت إنه لا يصدق وتعتق كذا ههنا ولنا أن الإقرار إخبار فقوله هذه أختي إخبار منه أنها لم تكن زوجته قط لكونها محرمة عليه على التأبيد فإذا قال أوهمت صار كأنه قال ما تزوجتها ثم قال تزوجتها وصدقته المرأة ولو قال ذلك يقران على النكاح كذا هذا بخلاف الطلاق لأن قوله كنت طلقتك ثلاثا إقرار منه بإنشاء الطلاق الثلاث من جهته ولا يتحقق إنشاء الطلاق إلا بعد صحة النكاح فإذا أقر ثم رجع عنه لم يصدق وبخلاف قوله لأمته هذه أمي أو ابنتي لأن ذلك لا يقتضي نفي الملك في الأصل ألا ترى أنها لو كانت أمه أو ابنته حقيقة جاز دخولها في ملكه حتى يقع العتق عليها من جهته فتضمن هذا اللفظ منه إنشاء العتق عليها فإذا قال أوهمت لا يصدق كما لو قال هذه حرة ثم قال أوهمت وكذلك إذا أقر الزوج بهذا قبل النكاح فقال هذه أختي من الرضاع أو أمي أو ابنتي وأصر على ذلك وداوم عليه لا يجوز له أن يتزوجها ولو تزوجها يفرق بينهما ولو قال وهمت ( ( ( أوهمت ) ) ) أو غلطت جاز له أن يتزوجها عندنا لما قلنا ولو جحد الإقرار فشهد شاهدان على إقراره فرق بينهما وكذلك إذا أقر بالنسب فقال هذه أمي من النسب أو بنتي ( ( ( ابنتي ) ) ) أو أختي وليس لها نسب معروف وإنها تصلح بنتا له أو أما له فإنه يسئل ( ( ( يسأل ) ) ) مرة أخرى فإن أصر على ذلك وثبت عليه يفرق بينهما لظهور النسب بإقراره مع إصراره عليه وإن قال وهمت ( ( ( أوهمت ) ) ) أو أخطأت أو غلطت يصدق ولا يفرق بينهما عندنا لما قلنا وإن كان لها نسب معروف أو لا تصلح أما أو بنتا له لا يفرق بينهما وإن دام على ذلك لأنه كاذب في إقراره بيقين والله أعلم وأما البينة فهي أن يشهد على الرضاع رجلان أو رجل وامرأتان ولا يقبل على الرضاع أقل من ذلك ولا شهادة النساء بانفرادهن وهذا عندنا

Bagian V04/P013–V04/P014

وقال الشافعي يقبل فيه شهادة أربع نسوة وجه قوله إن الشهادة على الرضاع شهادة على عورة إذ لا يمكن تحمل الشهادة إلا بعد النظر إلى الثدي وأنه عورة فيقبل فيه شهادة النساء على الانفراد كالولادة ولنا ما روى محمد عن عكرمة بن خالد المخزومي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يظهر النكير من أحد فيكون إجماعا ولأن هذا باب مما يطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد كالمال وإنما قلنا ذلك لأن الرضاع مما يطلع عليه الرجال أما ثدي الأمة فلأنه يجوز للأجانب النظر إليه وأما ثدي الحرة فيجوز لمحارمها النظر إليه فثبت أن هذه شهادة مما يطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد لأن قبول شهادتهن بانفرادهن في أصول الشرع للضرورة وهي ضرورة عدم اطلاع الرجال على المشهود به فإذا جاز الاطلاع عليه في الجملة لم تتحقق الضرورة بخلاف الولادة فإنه لا يجوز لأحد فيها من الرجال الاطلاع عليها فدعت الضرورة إلى القبول وإذا شهدت امرأة على الرضاع فالأفضل للزوج أن يفارقها لما روي عن محمد أن عقبة بن الحرث ( ( ( الحارث ) ) ) قال تزوجت بنت أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء فقالت إن ( ( ( إني ) ) ) أرضعتكما فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم فارقها فقلت إنها امرأة سوداء وإنها كيت وكيت فقال صلى الله عليه وسلم كيف وقد قيل وفي بعض الروايات قال عقبة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض ثم ذكرته فأعرض حتى قال في الثالثة أو الرابعة فدعها إذا وقوله فارقها أو فدعها إذا ندب إلى الأفضل والأولى ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بينهما بل أعرض ولو كان التفريق واجبا لما أعرض فدل قوله صلى الله عليه وسلم فارقها على بقاء النكاح وروي أن رجلا تزوج امرأة فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما فسأل الرجل عليا رضي الله عنه فقال هي إمرأتك ليس أحد يحرمها عليك فإن تنزهت فهو أفضل وسأل ابن عباس رضي الله عنهما فقال له مثل ذلك ولأنه يحتمل أن تكون صادقة في شهادتها فكان الاحتياط هو المفارقة فإذا فارقها فالأفضل له أن يعطيها نصف المهر إن كان قبل الدخول بها لاحتمال صحة النكاح لاحتمال كذبها في الشهادة والأفضل لها أن لا تأخذ شيئا منه لاحتمال فساد النكاح لاحتمال صدقها في الشهادة وإن كان بعد الدخول فالأفضل للزوج أن يعطيها كمال المهر والنفقة والسكنى لاحتمال جواز النكاح والأفضل لها أن تأخذ الأقل من مهر مثلها ومن المسمى ولا تأخذ النفقة والسكنى لاحتمال الفساد وإن لم يطلقها فهو في سعة من المقام معها لأن النكاح قائم في الحكم وكذا إذا شهدت امرأتان أو رجل وامرأة أو رجلان غير عدلين أو رجل وإمرأتان غير عدول لما قلنا وإذا شهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان وفرق بينهما فإن كان قبل الدخول بها فلا شيء لها لأنه تبين أن النكاح كان فاسدا وإن كان بعد الدخول بها يجب لها الأقل من المسمى ومن مهر المثل ولا تجب النفقة والسكنى في سائر الأنكحة الفاسدة والله عز وجل أعلم كتاب النفقة النفقة أنواع أربعة نفقة الزوجات ونفقة الأقارب ونفقة الرقيق ونفقة البهائم والجمادات أما نفقة الزوجات فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان وجوبها وفي بيان سبب الوجوب وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان مقدار الواجب منها وفي بيان كيفية وجوبها وبيان سبب الوجوب وفي بيان ما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها دينا في الذمة أما وجوبها فقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول

Bagian V04/P014–V04/P015

أما الكتاب العزيز فقوله عز وجل أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم أي على قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق لأنها لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج والاكتساب وفي حرف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه < أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم > وهو نص وقوله عز وجل ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن أي لا تضاروهن في الإنفاق عليهن فتضيقوا عليهن النفقة فيخرجن أو لا تضاروهن في المسكن فتدخلوا عليهن من غير استئذان فتضيقوا عليهن المسكن فيخرجن وقوله عز وجل وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن وقوله عز وجل وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقوله عز وجل لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله وقوله عز وجل ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف قيل هو المهر والنفقة وأما السنة فما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوار ( ( ( عوان ) ) ) لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحدا ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم كسوتهن ورزقهن بالمعروف ثم قال ثلاثا ألا هل بلغت ويحتمل أن يكون هذا الحديث تفسيرا لما أجمل الحق في قوله ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف فكان الحديث مبينا لما في الكتاب أصله وروي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما حق المرأة على الزوج فقال صلى الله عليه وسلم يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا كسى وأن لا يهجرها إلا في المبيت ولا يضربها ولا يقبح وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهند إمرأة أبي سفيان خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف ولو لم تكن النفقة واجبة لم يحتمل أن يأذن لها بالأخذ من غير إذنه وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على هذا وأما المعقول فهو أن المرأة محبوسة بحبس النكاح حقا للزوج ممنوعة عن الاكتساب بحقه فكان نفع حبسها عائدا إليه فكانت كفايتها عليه كقوله صلى الله عليه وسلم الخراج بالضمان ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسه ممنوعة عن الخروج للكسب بحقه فلو لم يكن كفايتها عليه لهلكت ولهذا جعل للقاضي رزق في بيت مال المسلمين لحقهم لأنه محبوس لجهتهم ممنوع عن الكسب فجعلت نفقته في مالهم وهو بيت المال كذا ههنا فصل وأما سبب وجوب هذه النفقة فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا سبب وجوبها استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها وقال الشافعي السبب هو الزوجية وهو كونها زوجة له وربما قالوا ملك النكاح للزوج عليها وربما قالوا القوامية ( ( ( القوامة ) ) ) واحتج بقوله تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم أوجب النفقة عليهم لكونهم قوامين والقوامية ( ( ( والقوامة ) ) ) تثبت بالنكاح فكان سبب وجوب النفقة النكاح لأن الإنفاق على المملوك من باب إصلاح الملك واستبقائه فكان سبب وجوبه الملك كنفقة المماليك

Bagian V04/P015–V04/P016

ولنا أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر في استحقاق النفقة لها عليه لما بينا فأما الملك فلا أثر له لأنه قد قوبل بعوض مرة وهو المهر فلا يقابل بعوض آخر إذ العوض الواحد لا يقابل بعوضين ولا حجة له في الآية لأن فيها إثبات القوامية ( ( ( القوامة ) ) ) بسبب النفقة لا إيجاب النفقة بسبب القوامية ( ( ( القوامة ) ) ) وعلى هذا الأصل يبني ( ( ( ينبني ) ) ) أنه لا نفقة على مسلم في نكاح فاسد لانعدام سبب الوجوب وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح لأن حق الحبس لا يثبت في النكاح الفاسد وكذا النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة وكذا في عدة منه إن ثبت حق الحبس لأنه لم يثبت بسبب النكاح لانعدامه وإنما يثبت لتحصين الماء ولأن حال العدة لا يكون أقوى من حال النكاح فلما لم تجب في النكاح فلأن لا تجب في العدة أولى وتجب في العدة من نكاح صحيح لوجود سبب الوجوب وهو استحقاق الحبس للزوج عليها بسبب النكاح لأن النكاح قائم من وجه فتستحق النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة بل أولى لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد بحق الشرع وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم فلما وجبت قبل الفرقة فبعدها أولى سواء كانت العدة عن فرقة بطلاق أو عن فرقة بغير طلاق وسواء كانت الفرقة بغير طلاق من قبل الزوج أو من قبل المرأة إلا إذا كانت من قبلها بسبب محظور استحسانا وشرح هذه الجملة أن الفرقة إذا كانت من قبل الزوج بطلاق فلها النفقة والسكن ( ( ( والسكنى ) ) ) سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا وسواء كانت حاملا أو حائلا بعد أن كانت مدخولا بها عندنا لقيام حق حبس النكاح وعند الشافعي إن كانت مطلقة طلاقا رجعيا أو بائنا وهي حامل فكذلك فأما المبتوتة إذا كانت حاملا فلها السكنى ولا نفقة لها لزوال النكاح بالإبانة وكان ينبغي أن لا يكون لها السكنى إلا أنه ترك القياس في السكنى بالنص وعند ابن أبي ليلى لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى لها والمسألة ذكرت في كتاب الطلاق وفي بيان أحكام العدة وسواء كان الطلاق ببدل أو بغير بدل وهو الخلع والطلاق على مال لما قلنا ولو خالعها على أن يبرأ من النفقة والسكنى يبرأ من النفقة ولا يبرأ من السكنى لكنه يبرأ عن مؤنة السكنى لأن النفقة حقها على الخلوص وكذا مؤنة السكنى فتملك الإبراء عن حقها فأما السكنى ففيها حق الله عز وجل فلا تملك المعتدة إسقاطه ولو أبرأته عن النفقة من غير قطع لا يصح الإبراء لأن الإبراء إسقاط الواجب فيستدعي تقدم الوجوب والنفقة تجب شيئا فشيئا على حسب مرور الزمان فكان الإبراء إسقاطا قبل الوجوب فلم يصح بخلاف ما إذا اختلعت نفسها على نفقتها لما ذكرناه في الخلع ولأنها جعلت الإبراء عن النفقة عوضا عن نفسها في العقد ولا يصح ذلك إلا بعد سابقة الوجوب فيثبت الوجوب مقتضى الخلع باصطلاحهما كما لو اصطلحا على النفقة إنها تجب وتصير دينا في الذمة كذا هذا وكذلك الفرقة بغير طلاق إذا كانت من قبله فلها النفقة والسكنى سواء كانت بسبب مباح كخيار البلوغ أو بسبب محظور كالردة ووطء أمها أو ابنتها أو تقبيلهما بشهوة بعد أن يكون بعد الدخول بها لقيام السبب وهو حق الحبس للزوج عليها بسبب النكاح وإذا كانت من قبل المرأة فإن كانت بسبب مباح كخيار الإدراك وخيار العتق وخيار عدم الكفاءة فكذلك لها النفقة والسكنى وإن كانت بسبب محظور بأن ارتدت أو طاوعت ابن زوجها أو أباه أو لمسته بشهوة فلا نفقة لها استحسانا ولها السكنى وإن كانت مستكرهة والقياس أن يكون لها النفقة والسكنى في ذلك كله

Bagian V04/P016

وجه القياس أن حق الحبس قائم وتستحق النفقة كما إذا كانت الفرقة من قبلها بسبب مباح وكما إذا كانت الفرقة من قبل الزوج بسبب مباح أو محظور وللاستحسان وجهان أحدهما أن حق الحبس قد بطل بردتها ألا ترى أنها تحبس بعد الردة جبرا لها على الإسلام لثبوت بقاء حق النكاح فلم تجب النفقة بخلاف ما إذا كانت الفرقة بسبب مباح لأن هناك حبس النكاح قائم فبقيت النفقة وكذا إذا كانت من قبل الزوج بسبب هو معصية لأنها لا تحبس بردة الزوج فيبقى حبس النكاح فتبقى العدة لكن هذا يشكل بما إذا طاوعت ابن زوجها أو قبلته بشهوة إنها لا تستحق النفقة وإن بقي حبس النكاح ما دامت العدة قائمة ولا إشكال في الحقيقة لأن هناك عدم الاستحقاق لانعدام شرط من شرائط الاستحقاق وهو أن لا يكون الفرقة من قبلها خاصة بفعل هو محظور مع قيام السبب وهو حبس النكاح فاندفع الإشكال بحمد الله تعالى والثاني أن حبس النكاح إنما أوجب النفقة عليه صلة لها فإذا وقعت الفرقة بفعلها اللذي ( ( ( الذي ) ) ) هو معصية لم تستحق الصلة إذ الجاني لا يستحق الصلة بل يستحق الزجر وذلك في الحرمان لا في الاستحقاق كمن قتل مورثه بغير حق إنه يحرم الميراث لما قلنا كذا هذا بخلاف ما إذا كانت مستكرهة على الوطء لأن فعلها ليس بجناية فلا يوجب حرمان الصلة وكذا إذا كانت الفرقة بسبب مباح وبخلاف الزوج لأن النفقة حقها قبل الزوج فلا يؤثر فعله الذي هو معصية في إسقاط حق الغير فهو الفرق بين الفصلين وإنما لم تحرم السكنى بفعلها الذي هو معصية لما قلنا أن في السكنى حق الله تعالى فلا يحتمل السقوط بفعل العبد ولو ارتدت في النكاح حتى حرمت النفقة ثم أسلمت في العدة لا تستحق النفقة ولو ارتدت في العدة ثم أسلمت وهي في العدة تعود النفقة ووجه الفرق أن النفقة في الفصل الثاني بقيت واجبة بعد الفرقة قبل الردة لبقاء سبب الوجوب وهو حبس النكاح وقت وجوب العدة ثم امتنع وجوبها من بعد تعارض الردة فإذا عادت إلى الإسلام فقد زال العارض فتعود النفقة وأما في الفصل الأول فالنفقة لم تبق واجبة وقت وجوب العدة لبطلان سبب وجوبها بالردة في حق حبس النكاح لأن الردة أوجبت بطلان ذلك الحبس فلا يعود من غير تجديد النكاح فلا تعود النفقة بدونه والأصل في هذا أن كل امرأة لم تبطل نفقتها بالفرقة ثم بطلت في العدة لعارض منها ثم زال العارض في العدة تعود نفقتها وكل من بطلت نفقتها بالفرقة لا تعود النفقة في العدة وإن زال سبب الفرقة في العدة بخلاف ما إذا نشزت ثم عادت إنها تستحق النفقة لأن النشوز لم يوجب بطلان حق الحبس الثابت بالنكاح وإنما فوت التسليم المستحق بالعقد فإذا عادت فقد سلمت نفسها فاستحقت النفقة ولو طاوعت ابن زوجها أو أباه في العدة أو لمسته بشهوة فإن كانت معتدة من طلاق وهو رجعي فلا نفقة لها لأن الفرقة ما وقعت بالطلاق وإنما وقعت بسبب وجد منها وهو محظور وإن كان الطلاق بائنا أو كانت معتدة عن فرقة بغير طلاق فلها النفقة والسكنى بخلاف ما إذا ارتدت في العدة أنه لا نفقة لها إلى أن تعود إلى الإسلام وهي في العدة لأن حبس النكاح يفوت بالردة ولا يفوت بالمطاوعة والمس ولو ارتدت في العدة ولحقت بدار الحرب ثم عادت وأسلمت أو سبيت وأعتقت أو لم تعتق فلا نفقة لها لأن العدة قد بطلت باللحاق بدار الحرب لأن الردة مع اللحاق بمنزلة الموت ولو طلق امرأته وهي أمة طلاقا بائنا وقد كان المولى بوأها مع زوجها بيتا حتى وجبت النفقة ثم أخرجها المولى لخدمته حتى سقطت النفقة ثم أراد أن يعيدها إلى الزوج ويأخذ النفقة كان له ذلك وإن لم يكن بوأها المولى بيتا حتى طلقها الزوج ثم أراد أن يبوئها مع الزوج في العدة لتجب النفقة فإنها لا تجب

Bagian V04/P016–V04/P017

وجه الفرق أن النفقة كانت واجبة في الفصل الأول لوجود سبب الوجوب وهو الاحتباس وشرطه وهو التسليم إلا أنه لما أخرجها إلى خدمته فقد فوت على الزوج الاحتباس الثابت حقا له والتسليم فامتنع وجوب النفقة حقا له فإذا أعادها إلى الزوج عاد حقه فيعود حق المولى في النفقة فأما في الفصل الثاني فالنفقة ما كانت واجبة في العدة لانعدام سبب الوجوب أو شرط الوجوب وهو التسليم فهو بالبينونة يريد إلزام الزوج النفقة ابتداء في العدة فلا يملك ذلك والأصل في ذلك أن كل امرأة كانت لها النفقة يوم الطلاق ثم صارت إلى حال لا نفقة لها فيها فلها أن تعود وتأخذ النفقة وكل امرأة لا نفقة لها يوم الطلاق فليس لها نفقة أبدا إلا الناشزة وتفسير ذلك والوجه فيه ما ذكرنا ويستوي في نفقة المعتدة عدة الأقراء وعدة الأشهر وعدة الحمل لاستواء الكل في سبب الاستحقاق فينفق عليها ما دامت في العدة وإن تطاولت المدة لعذر الحبل أو لعذر آخر ويكون القول في ذلك قولها لأن ذلك أمر يعرف من قبلها حتى لو ادعت أنها حامل أنفق عليها إلى سنتين منذ طلقها لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين فإن مضت سنتان ولم تضع فقالت كنت أتوهم إني حامل ولم أحض إلى هذه الغاية وطلبت النفقة لعذر امتداد الطهر وقال الزوج إنك ادعيت الحمل فإنما تجب على النفقة لعلة الحمل وأكثر مدة الحمل سنتان وقد مضى ذلك فلا نفقة علي فإن القاضي لا يلتفت إلى قوله ويلزمه النفقة إلى أن تنقضي عدتها بالأقراء وتدخل في عدة الإياس لأن أحد العذرين إن بطل وهو عذر الحمل فقد بقي الآخر وهو عذر امتداد الطهر إذ الممتد طهرها من ذوات الأقراء وهي مصدقة في ذلك فإن لم تحض حتى دخلت في حد الإياس أنفق عليها ثلاثة أشهر فإن حاضت في الأشهر الثلاثة واستقبلت العدة بالحيض فلها النفقة لأنها معتدة وكذلك لو كانت صغيرة يجامع مثلها فطلقها بعدما دخل بها أنفق عليها ثلاثة أشهر فإن حاضت في الأشهر الثلاثة واستقبلت عدة الأقراء أنفق عليها حتى تنقضي عدتها لما قلنا وإن طالبته امرأت ( ( ( امرأة ) ) ) بالنفقة وقدمته إلى القاضي فقال الرجل للقاضي قد كنت طلقتها منذ سنة وقد انقضت عدتها في هذه المدة وجحدت المرأة للطلاق ( ( ( الطلاق ) ) ) فإن القاضي لا يقبل قول الزوج أنه طلقها منذ سنة ولكن يقع الطلاق عليها منذ أقر به عند القاضي لأنه يصدق في حق نفسه لا في إبطال حق الغير فإن أقام شاهدين على أنه طلقها منذ سنة والقاضي لا يعرفهما أمره القاضي بالنفقة وفرض لها عليه النفقة لأن الفرقة منذ سنة لم تظهر بعد فإن أقام بينة عادلة أو أقرت هي أنها قد حاضت ثلاث حيض في هذه السنة فلا نفقة لها على الزوج وإن كانت أخذت منه شيئا ترده عليه لظهور ثبوت الفرقة منذ سنة وانقضاء العدة وإن قالت لم أحض في هذه السنة فالقول قولها ولها النفقة لأن القول في انقضاء العدة قولها فإن قال الزوج قد أخبرتني أن عدتها قد انقضت لم يقبل قوله في إبطال نفقتها لأنه غير مصدق عليها في إبطال حقها ولو طلق امرأته ثلاثا أو بائنا فامتدت عدتها إلى سنتين ثم ولدت لأكثر من سنتين وقد كان الزوج أعطاها النفقة إلى وقت الولادة فإنه يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة لستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد ويسترد نفقة ستة أشهر قبل الولادة وعند أبي يوسف لا يسترد شيئا من النفقة وكذلك إذا طلق امرأته في حال المرض فامتد مرضه إلى سنتين وامتدت عدتها إلى سنتين ثم ولدت المرأة بعد الموت بشهر وقد كان أعطاها النفقة إلى وقت الوفاة فإنها لا ترث ويسترد منها نفقة ستة أشهر عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ترث ولا يسترد شيئا من النفقة وقد مرت المسألتان في كتاب الطلاق

Bagian V04/P017–V04/P018

ولا نفقة في الفرقة قبل الدخول بأي سبب كانت لارتفاع النكاح من كل وجه فينعدم السبب وهو الحبس الثابت بالنكاح وأم الولد إذا أعتقها مولاها ووجبت عليها العدة لا نفقة لها وإن كانت محبوسة ممنوعة عن الخروج لأن هذا الحبس لم يثبت بسبب النكاح وإنما يثبت لتحصين الماء فأشبهت المعتدة من النكاح الفاسد ولأن نفقتها قبل العتق إنما وجبت بملك اليمين لا بالإحتباس وقد زال بالإعتاق ونفقة الزوجة إنما وجبت بالاحتباس وأنه قائم فصل وأما شرط وجوب هذه النفقة فلوجوبها شرطان أحدهما يعم النوعين جميعا أعني نفقة النكاح ونفقة العدة والثاني يخص أحدهما وهو نفقة العدة أما الأول فتسليم المرأة نفسها إلى الزوج وقت وجوب التسليم ونعني بالتسليم التخلية وهي أن تخلى بين نفسها وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة إذا كان المانع من قبلها أو من قبل غير الزوج فإن لم يوجد التسليم على هذا التفسير وقت وجوب التسليم فلا نفقة لها وعلى هذا تخرج ( ( ( يخرج ) ) ) مسائل إذا تزوج بالغة حرة صحيحة سليمة ونقلها إلى بيته فلها النفقة لوجود سبب الوجوب وشرطه وكذلك إذا لم ينقلها وهي بحيث لا تمنع نفسها وطلبت النفقة ولم يطالبها بالنقلة فلها النفقة لأنه وجد سبب الوجوب وهو استحقاق الحبس وشرطه وهو التسليم على التفسير الذي ذكرنا فالزوج بترك النقلة ترك حق نفسه مع إمكان الاستيفاء فلا يبطل حقها في النفقة فإن طالبها بالنقلة فامتنعت فإن كان امتناعها بحق بأن امتنعت لاستيفاء مهرها العاجل فلها النفقة لأنه لا يجب عليها التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم وعلى هذا قالوا لو طالبها بالنقلة بعدما أوفاها المهر إلى دار مغصوبة فامتنعت فلها النفقة لأن امتناعها بحق فلم يجب عليها التسليم فلم تمتنع من التسليم حال وجوب التسليم ولو كانت ساكنة منزلها فمنعته من الدخول عليها لا على سبيل النشوز فإن قالت حولني إلى منزلك أو أكتر لي منزلا أنزله فإني أحتاج إلى منزلي هذا آخذ كراءه فلها النفقة لأن امتناعها عن التسليم في بيتها لغرض التحويل إلى منزله أو إلى منزل الكراء امتناع بحق فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم وإن كان بغير حق بأن كان الزوج قد أوفاها مهرها أو كان مؤجلا فلا نفقة لها لانعدام التسليم حال وجوب التسليم فلم يوجد شرط الوجوب فلا تجب ولهذا لم تجب النفقة للناشزة وهذه ناشزة ولو منعت نفسها عن زوجها بعدما دخل بها برضاها لاستيفاء مهرها فلها النفقة عند أبي حنيفة لأنه منع بحق عنده وعندهما لا نفقة لها لكونه منعا بغير حق عندهما ولو منعت نفسها عن زوجها بعدما دخل بها على كره منها فلها النفقة لأنها محقة في المنع وإن كانت صغيرة يجامع مثلها فهي كالبالغة في النفقة لأن المعنى الموجب للنفقة يجمعهما وإن كانت لا يجامع مثلها فلا نفقة لها عندنا وعند الشافعي لها النفقة بناء على أن سبب الوجوب عنده النكاح وشرطه عدم النشوز وقد وجد أو ( ( ( وشرط ) ) ) شرط الوجوب عندنا تسليم النفس ولا يتحقق التسليم في الصغيرة إلى ( ( ( التي ) ) ) لا يجامع مثلها لا منها ولا من غيرها لقيام المانع في نفسها من الوطء والاستمتاع لعدم قبول المحل لذلك فانعدم شرط الوجوب فلا يجب وقال أبو يوسف إذا كانت الصغيرة تخدم الزوج وينتفع الزوج بها بالخدمة فسلمت نفسها إليه فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها لأنها إذا لم تحتمل الوطء لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فكان له أن يمتنع من القبول فإن أمسكها فلها النفقة لأنه حصل له منها نوع منفعة وضرب من الاستمتاع وقد رضي بالتسليم القاصر وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر فيها على جماعها لانعدام التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاه بالتسليم القاصر

Bagian V04/P018–V04/P019

وإن كان الزوج صغيرا والمرأة كبيرة فلها النفقة لوجود التسليم منها على التفسير الذي ذكرنا وإنما عجز الزوج عن القبض وأنه ليس بشرط لوجوب النفقة وكذلك لو كان الزوج مجبوبا أو عنينا أو محبوسا في دين أو مريضا لا يقدر على الجماع أو خارجا للحج فلها النفقة لما قلنا ولو كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضا يمنع من الجماع فنقلت وهي مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضا فإذا طلبت النفقة فلم ينقلها الزوج وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج وإن كانت تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة كذا ذكر في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا نفقة لها قبل النقلة فإذا نقلت وهي مريضة فله أن يردها وجه رواية أبي يوسف أنه لم يوجد التسليم إذا هو تخلية وتمكين ولا يتحقق ذلك مع المانع وهو تبوؤ ( ( ( تبوء ) ) ) المحل فلا تستحق النفقة كالصغيرة التي لا تحتمل الوطء وإذا سلمت ( ( ( أسلمت ) ) ) نفسها وهي مريضة له أن يردها لأن التسليم الذي أوجبه العقد وهو التسليم الممكن من الوطء لما لم يوجد كان له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد وهكذا قال أبو يوسف في الصغيرة التي لم يجامع مثلها أن له أن يردها لما قلنا وجه ظاهر الرواية أن التسليم في حق التمكين من الوطء إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع وهذا يكفي لوجوب النفقة كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان وإذا امتنعت فلم يوجد منها التسليم رأسا فلا تستحق النفقة وقال أبو يوسف إذا كانت المريضة تؤنسه وينتفع بها في غير الجماع فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها لما ذكرنا في الصغيرة وإن نقلت وهي صحيحة ثم مرضت في بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل نفقتها بلا خلاف لأن التسليم المطلق وهو التسليم الممكن من الوطء والاستمتاع قد حصل بالانتقال لأنها كانت صحيحة كذا الانتقال ثم قصر التسليم لعارض يحتمل الزوال فأشبه الحيض أو نقول التسليم المستحق بالعقد في حق المريضة التي لا تحتمل الجماع قبل الانتقال وبعده هو التسليم في حق الاستمتاع لا في حق الوطء كما في حق الحائض وكذا إذا نقلها ثم ذهب عقلها فصارت معتوهة مغلوبة أو كبرت فطعنت في السن حتى لا يستطيع زوجها جماعها أو أصابها بلاء فلها النفقة لما قلنا ولو حبست في دين ذكر في الجامع الكبير أن لا نفقة لها ولم يفصل بين ما إذا كان الحبس قبل الإنتقال أو بعده وبين ما إذا كانت قادرة على التخلية أو لا لأن حبس النكاح قد بطل بأعراض حبس الدين لأن صاحب الدين أحق بحبسها بالدين وفات التسليم أيضا بمعنى من قبلها وهو مطلها ( ( ( مطلبها ) ) ) فصارت كالناشزة ( ( ( كالناشز ) ) )