Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وقول النبي لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر وعليه إجماع الأمة والأصل أن استقبال القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه بدليل أنه لا يجب الاستقبال فيما هو رأس العبادات وهو الإيمان وكذا في عامة العبادات من الزكاة والصوم والحج وإنما عرف شرطا في باب الصلاة شرعا فيجب اعتباره بقدر ما ورد الشرع به وفيما وراءه يرد إلى أصل القياس ثم جملة الكلام في هذا الشرط أن المصلي لا يخلو إما أن كان قادرا على الاستقبال أو كان عاجزا عنه فإن كان قادرا يجب عليه التوجه إلى القبلة إن كان في حال مشاهدة الكعبة فإلى عينها أي أي جهة كانت من جهات الكعبة حتى لو كان منحرفا عنها غير متوجه إلى شيء منها لم يجز لقوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وفي وسعه تولية الوجه إلى عينها فيجب ذلك وإن كان نائبا ( ( ( نائيا ) ) ) عن الكعبة غائبا عنها يجب عليه التوجه إلى جهتها وهي المحاريب المنصوبة بالأمارات الدالة عليها لا إلى عينها وتعتبر الجهة دون العين كذا ذكر الكرخي والرازي وهو قول عامة مشايخنا بما وراء النهر وقال بعضهم المفروض إصابة عين الكعبة بالاجتهاد والتحري وهو قول أبي عبد الله البصري حتى قالوا إن نية الكعبة شرط وجه قول هؤلاء قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة ولأن لزوم الاستقبال لحرمة البقعة وهذا المعنى في العين لا في الجهة ولأن قبلته لو كانت الجهة لكان ينبغي له إذا اجتهد فأخطأ الجهة يلزمه الإعادة لظهور خطئه في اجتهاده بيقين ومع ذلك لا تلزمه الإعادة بلا خلاف بين أصحابنا فدل أن قبلته في هذه الحالة عين الكعبة بالاجتهاد والتحري وجه قول الأولين أن المفروض هو المقدور عليه وإصابة العين غير مقدور عليها فلا تكون مفروضة ولأن قبلته لو كانت عين الكعبة في هذه الحالة بالتحري والاجتهاد لترددت صلاته بين الجواز والفساد لأنه إن أصاب عين الكعبة بتحريه جازت صلاته وإن لم يصب عين الكعبة لا تجوز صلاته لأنه ظهر خطأه بيقين إلا أن يجعل كل مجتهد مصيبا وأنه خلاف المذهب الحق وقد عرف بطلانه في أصول الفقه أما إذا جعلت قبلته الجهة وهي المحاريب المنصوبة لا يتصور ظهور الخطأ فنزلت الجهة في هذه الحالة منزلة عين الكعبة في حال المشاهدة ولله تعالى أن يجعل أي جهة شاء قبلة لعباده على اختلاف الأحوال وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ولأنهم جعلوا عين الكعبة قبلة في هذه الحالة بالتحري وأنه مبني على تجرد شهادة القلب من غير أمارة والجهة صارت قبلة باجتهادهم المبني على الإمارات الدالة عليها من النجوم والشمس والقمر وغير ذلك فكان فوق الاجتهاد بالتحري ولهذا إن من دخل بلدة وعاين المحاريب المنصوبة فيها يجب عليه التوجه إليها ولا يجوز له التحري وكذا إذا دخل مسجدا لا محراب له وبحضرته أهل المسجد لا يجوز له التحري بل يجب عليه السؤال من أهل المسجد لأن لهم علما بالجهة المبنية على الأمارات فكان فوق الثابت بالتحري وكذا لو كان في المفازة والسماء مصحبة ( ( ( مصحية ) ) ) وله علم بالاستدلال بالنجوم على القبلة لا يجوز له التحري لأن ذلك فوق التحري وبه تبين أن نية الكعبة ليست بشرط بل الأفضل أن لا ينوي الكعبة لاحتمال أن لا تحاذي هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته ولا حجة لهم في الآية لأنها تناولت حالة القدرة والقدرة حال مشاهدة الكعبة لا حال البعد عنها وهو الجواب عن قولهم أن الاستقبال لحرمة البقعة أن ذلك حال القدرة على الاستقبال إليها دون حال العجز عنه
وأما إذا كان عاجزا فلا يخلو إما إن كان عاجزا بسبب عذر من الأعذار مع العلم بالقبلة وأما إن كان عجزه بسبب الاشتباه فإن كان عاجزا لعذر مع العلم بالقبلة فله أن يصلي إلى أي جهة كانت ويسقط عنه الاستقبال نحو أن يخاف على نفسه من العدو في صلاة الخوف أو كان بحال لو استقبل القبلة يثب عليه العدو أو قطاع الطريق أو السبع أو كان على لوح من السفينة في البحر لو وجهه إلى القبلة يغرق غالبا أو كان مريضا لا يمكنه أن يتحول بنفسه إلى القبلة وليس بحضرته من يحوله إليها ونحو ذلك لأن هذا شرط زائد فيسقط عند العجز وإن كان عاجزا بسبب الاشتباه وهو أن يكون في المفازة في ليلة مظلمة أو لا علم له بالإمارات الدالة على القبلة فإن كان بحضرته من يسأله عنها لا يجوز له التحري لما قلنا بل يجب عليه السؤال فإن لم يسأل وتحرى وصلى فإن أصاب جاز وإلا فلا وإن لم يكن بحضرته أحد جاز له التحري لأن التكليف بحسب الوسع والإمكان وليس في وسعه إلا التحري فتجوز له الصلاة بالتحري لقوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله وروي أن أصحاب رسول الله تحروا عند الاشتباه وصلوا ولم ينكر عليهم النبي فدل على الجواز فإذا صلى إلى جهة من الجهات فلا يخلو إما أن صلى إلى جهة ( ( ( الجهة ) ) ) بالتحري أو بدون التحري فإن صلى بدون التحري فلا يخلو من أوجه أما إن كان لم يخطر بباله شيء ولم يشك في جهة القبلة أو خطر بباله وشك في جهة القبلة وصلى من غير تحر أو تحرى ووقع تحريه على جهة فصلى إلى جهة أخرى لم يقع عليها التحري أما إذا لم يخطر بباله شيء ولم يشك وصلى إلى جهة من الجهات فالأصل هو الجواز لأن مطلق الجهة قبلة بشرط عدم دليل يوصله إلى جهة الكعبة من السؤال أو التحري ولم يوجد لأن التحري لا يجب عليه إذا لم يكن شاكا فإذا مضى على هذه الحالة ولم يخطر بباله شيء صارت الجهة التي صلى إليها قبلة له ظاهرا فإن ظهر أنها جهة الكعبة تقرر الجواز فأما إذا ظهر خطأه بيقين بأن انجلى الظلام وتبين أنه صلى إلى غير جهة الكعبة أو تحرى ووقع تحريه على غير الجهة التي صلى إليها إن كان بعد الفراغ من الصلاة يعيد وإن كان في الصلاة يستقبل لأن ما جعل حجة بشرط عدم الأقوى يبطل عند وجوده كالاجتهاد إذا ظهر نص بخلافه وأما إذا شك ولم يتحر وصلى إلى جهة من الجهات فالأصل هو الفساد فإذا ظهر أن الصواب في غير الجهة التي صلى إليها أما بيقين أو بالتحري تقرر الفساد وإن ظهر أن الجهة التي صلى إليها قبله إن كان بعد الفراغ من الصلاة أجزأه ولا يعيد لأنه إذا شك في جهة الكعبة وبنى صلاته على الشك احتمل أن تكون الجهة التي صلى إليها قبلة واحتمل أن لا تكون فإن ظهر أنها لم تكن قبلة يظهر أنه صلى إلى غير القبلة وإن ظهر أنها كانت قبلة يظهر أنه صلى إلى القبلة فلا يحكم بالجواز في الابتداء بالشك والاحتمال بل يحكم بالفساد بناء على الأصل وهو العدم بحكم استصحاب الحال فإذا تبين أنه صلى إلى القبلة بطل الحكم باستصحاب الحال وثبت الجواز من الأصل وأما إذا ظهر في وسط الصلاة روي عن أبي يوسف أنه يبني على صلاته لما قلنا وفي ظاهر الرواية يستقبل لأن شروعه في الصلاة بناء على الشك ومتى ظهرت القبلة إما بالتحري أو بالسؤال من غيره صارت حالته هذه أقوى من الحالة الأولى ولو ظهرت في الابتداء لا تجوز صلاته إلا إلى هذه الجهة فكذا إذا ظهرت في وسط الصلاة وصار كالمومىء ( ( ( كالمومئ ) ) ) إذا قدر على القيام في وسط الصلاة أنه يستقبل لما ذكرنا كذا هذا
وأما إذا تحرى ووقع تحريه إلى جهة فصلى إلى جهة أخرى من غير تحر فإن أخطأ لا تجزيه بالإجماع وإن أصاب فكذلك في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يجوز ووجهه أن المقصود من التحري هو الإصابة وقد حصل هذا المقصود فيحكم بالجواز كما إذا تحرى في الأواني فتوضأ بغير ما وقع عليه التحري ثم تبين أنه أصاب يجزيه كذا هذا وجه ظاهر الرواية أن القبلة حالة الاشتباه هي الجهة التي مال إليها المتحري فإذا ترك الإقبال إليها فقد أعرض عما هو قبلته مع القدرة عليه فلا يجوز كمن ترك التوجه إلى المحاريب المنصوبة مع القدرة عليه بخلاف الأواني لأن الشرط هو التوضأ بالماء الطاهر حقيقة وقد وجد فأما إذا صلى إلى جهة من الجهات بالتحري ثم ظهر خطأه فإن كان قبل الفراغ من الصلاة استدار إلى القبلة وأتم الصلاة لما روي أن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة إلى بيت المقدس استداروا كهيئتهم وأتموا صلاتهم ولم يأمرهم رسول الله بالإعادة ولأن الصلاة المؤداة إلى جهة التحري مؤداة إلى القبلة لأنها هي القبلة حال الاشتباه فلا معنى لوجوب الاستقبال ولأن تبدل الرأي في معنى انتساخ النص وذا لا يوجب بطلان العمل بالمنسوخ في زمان ما قبل النسخ كذا هذا وإن كان بعد الفراغ من الصلاة فإن ظهر أنه صلى يمنة أو يسرة يجزيه ولا يلزمه الإعادة بلا خلاف وإن ظهر أنه صلى مستدبر الكعبة يجزيه عندنا وعند الشافعي لا يجزيه وعلى هذا إذا اشتبهت القبلة على قوم فتحروا وصلوا بجماعة جازت صلاة الكل عندنا إلا صلاة من تقدم على إمامه أو علم بمخالفته إياه وجه قول الشافعي أنه صلى إلى القبلة بالاجتهاد وقد ظهر خطأه بيقين فيبطل كما إذا تحرى وصلى في ثوب على ظن أنه طاهر ثم تبين أنه نجس أنه لا يجزيه وتلزمه الإعادة كذلك ههنا ولنا أن قبلته حال الاشتباه هي الجهة التي تحرى إليها وقد صلى إليها فتجزيه كما إذا صلى إلى المحاريب المنصوبة والدليل على أن قبلته هي جهة التحري النص والمنقول ( ( ( والمعقول ) ) ) أما النص فقوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله قيل في بعض وجوه التأويل ثمة قبلة الله وقيل ثمة رضاء الله وقيل ثمة وجه الله الذي وجهكم إليه إذ لم يجىء ( ( ( يجئ ) ) ) منكم التقصير في طلب القبلة وأضاف التوجه إلى نفسه لأنهم وقعوا في ذلك بفعل الله تعالى من ( ( ( بغير ) ) ) غير تقصير كان منهم في الطلب ونظيره قول النبي لمن أكل ناسيا لصومه تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك وإن وجد الأكل من الصائم حقيقة لكن لما لم يكن قاصدا فيه أضاف فعله إلى الله تعالى وصيره معذورا كأنه لم يأكل كذلك ههنا إذا كان توجهه إلى هذه الجهة من غير قصد منه حيث أتى بجميع ما في وسعه وإمكانه أضاف الرب سبحانه وتعالى ذلك إلى ذاته وجعله معذورا كأنه توجه إلى القبلة وأما المعقول فما ذكرنا أنه لا سبيل له إلى إصابة عين الكعبة ولا إلى إصابة جهتها في هذه الحالة لعدم الدلائل الموصلة إليها والكلام فيه والتكليف بالصلاة متوجه وتكليف ما لا يحتمله الوسع ممتنع وليس في وسعه إلا الصلاة إلى جهة التحري فتعينت هذه قبلة له شرعا في هذه الحالة فنزلت هذه الجهة حالة العجز منزلة عين الكعبة والمحراب حالة القدرة وإنما عرف التحري شرطا نصا بخلاف القياس لا لإصابة القبلة وبه تبين أنه ما أخطأ قبلته لأن قبلته جهة التحري وقد صلى إليها بخلاف مسألة الثوب لأن الشرط هناك هو الصلاة بالثوب الطاهر حقيقة لكنه أمر بإصابته بالتحري فإذا لم يصب انعدم الشرط فلم يجز أما ههنا فالشرط استقبال القبلة وقبلته هذه في هذه الحالة وقد استقبلها فهو الفرق والله أعلم
ويخرج على ما ذكرنا الصلاة بمكة خارج الكعبة أنه إن كان في حال مشاهدة الكعبة لا تجوز صلاته إلا إلى عين الكعبة لأن قبلته حالة المشاهدة عين الكعبة بالنص ويجوز إلى أي الجهات من الكعبة شاء بعد أن كان مستقبلا لجزء منها لوجود تولية الوجه شطر الكعبة فإن صلى منحرفا عن الكعبة غير مواجه لشيء منها لم يجز لأنه ترك التوجه إلى قبلته مع القدرة عليه وشرائط الصلاة لا تسقط من غير عذر ثم إن صلوا بجماعة لا يخلو أما إن صلوا متحلقين حول الكعبة صفا بعد صف وأما إن صلوا إلى جهة واحدة منها مصطفين فإن صلوا إلى جهة واحدة جازت صلاتهم إذا كان كل واحد منهم مستقبلا جزأ من الكعبة ولا يجوز لهم أن يصطفوا زيادة على حائط الكعبة ولو فعلوا ذلك لا تجوز صلاة من جاوز الحائط لأن الواجب حالة المشاهدة استقبال عينها وإن صلوا حول الكعبة متحلقين جاز لأن الصلاة بمكة تؤدى هكذا من لدن رسول الله إلى يومنا هذا والأفضل للإمام أن يقف في مقام إبراهيم صلوات الله عليه ثم صلاة الكل جائزة سواء كانوا أقرب إلى الكعبة من الإمام أو أبعد إلا صلاة من كان أقرب إلى الكعبة من الإمام في الجهة التي يصلي الإمام إليها بأن كان متقدما على الإمام بحذائه فيكون ظهره إلى وجه الإمام أو كان على يمين الإمام أو يساره متقدما عليه من تلك الجهة ويكون ظهره إلى الصف الذي مع الإمام ووجهه إلى الكعبة لأنه إذا كان متقدما على إمامه فلا يكون تابعا له فلا يصح اقتداؤه به بخلاف ما إذا كان أقرب إلى الكعبة من الإمام من غير الجهة التي صلى ( ( ( يصلي ) ) ) إليها الإمام لأنه في حكم المقابل للإمام والمقابل لغيره يصلح أن يكون تابعا له بخلاف المتقدم عليه وعلى هذا إذا قامت امرأة بجنب الإمام في الجهة التي يصلي إليها الإمام ونوى الإمام إمامتها فسدت صلاة الإمام لوجود المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة وفسدت صلاة القوم بفساد صلاة الإمام ولو قامت في الصف في غير جهة الإمام لا تفسد صلاة الإمام لأنها في الحكم كأنها خلف الإمام وفسدت صلاة من على يمينها ويسارها ومن كان خلفها على ما يذكر في موضعه ولو كانت الكعبة منهدمة فتحلق الناس حول أرض الكعبة وصلوا هكذا أو صلى منفردا متوجها إلى جزء منها جاز وقال الشافعي لا يجوز إلا إذا كان بين يديه سترة وجه قوله أن الواجب استقبال البيت والبيت اسم للبقعة والبناء جميعا إلا إذا كان بين يديه سترة لأنها من توابع البيت فيكون مستقبلا لجزء من البيت معنى ولنا إجماع الأمة فإن الناس كانوا يصلون إلى البقعة حين رفع البناء في عهد ابن الزبير حين بنى البيت على قواعد الخليل صلوات الله عليه وفي عهد الحجاج حين أعاده إلى ما كان عليه في الجاهلية وكانت صلاتهم مقضية بالجواز وبه تبين أن الكعبة اسم للبقعة سواء كان ثمة بناء أو لم يكن وقد وجد التوج ( ( ( التوجه ) ) ) إليها إلا أنه يكره ترك اتخاذ السترة لما فيه من استقبال الصورة الصورة وقد نهى رسول الله عن ذلك في الصلاة وروي أنه لما رفع البناء في عهد ابن الزبير أمر ابن عباس بتعليق الأنطاع في تلك البقعة ليكون ذلك بمنزلة السترة لهم وعلى هذا إذا صلى على سطح ( ( ( ظهر ) ) ) الكعبة جازت صلاته عندنا وإن لم يكن بين يديه سترة وعند الشافعي لا تجزيه بدون السترة والصحيح قولنا لما ذكرنا أن الكعبة اسم للعرصة ولأن البناء لا حرمة له لنفسه بدليل أنه لو نقل ( ( ( نفل ) ) ) إلى عرصة أخرى وصلى إليها لا يجوز بل كانت حرمته لاتصاله بالعرصة المحترمة
والدليل عليه أن من صلى على جبل أبي قبيس جازت صلاته بالإجماع ومعلوم أنه لا يصلي إلى البناء بل إلى الهواء دل أن العبرة للعرصة والهواء دون البناء هذا إذا صلوا خارج الكعبة فأما إذا صلوا في جوف الكعبة فالصلاة في جوف الكعبة جائزة عند عامة العلماء نافلة كانت أو مكتوبة وقال مالك لا يجوز أداء المكتوبة في جوف الكعبة وجه قوله أن المصلي في جوف الكعبة إن كان مستقبلا جهة كان مستدبرا جهة أخرى والصلاة مع استدبار القبلة لا تجوز فأخذنا بالاحتياط في المكتوبات فأما في التطوعات فالأمر فيها أوسع وصار كالطواف في جوف الكعبة ولنا أن الواجب استقبال جزء من الكعبة غير عين وإنما يتعين الجزء قبلة له بالشروع في الصلاة والتوجه إليه ومتى صارت قبله فاستدبارها في الصلاة من غير ضرورة يكون مفسدا فأما الأجزاء التي لم يتوجه إليها لم تصر قبلة في حقه فاستدبارها لا يكون مفسدا وعلى هذا ينبغي أن من صلى في جوف الكعبة ركعة إلى جهة وركعة إلى جهة أخرى لا تجوز صلاته لأنه صار مستدبرا عن الجهة التي صارت قبلة في حقه بيقين من غير ضرورة والانحراف ( عن القبلة ) من غير ضرورة مفسد للصلاة بخلاف النائي عن الكعبة إذا صلى بالتحري إلى الجهات الأربع بأن صلى ركعة إلى جهة ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى فصلى ركعة إليها هكذا جاز لأن هناك لم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين لأن الجهة التي تحرى إليها ما صارت قبلة له بيقين بل بطريق الاجتهاد فحين تحول رأيه إلى جهة أخرى صارت قبلته هذه الجهة في المستقبل ولم يبطل ما أدى بالاجتهاد الأول لأن ما أمضى بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله فصار مصليا في الأحوال كلها إلى القبلة فلم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين فهو الفرق ثم لا يخلو إما إن صلوا في جوف الكعبة متحلقين أو مصطفين خلف الإمام فإن صلوا بجماعة متحلقين جازت صلاة الإمام وصلاة من وجهه إلى ظهر الإمام أو إلى يمين الإمام أو إلى يساره أو ظهره إلى ظهر الإمام وكذا صلاة من وجهه إلى وجه الإمام إلا أنه يكره لما فيه من استقبال الصورة الصورة فينبغي أن يجعل بينه وبين الإمام سترة وأما صلاة من كان متقدما على الإمام وظهره إلى وجه الإمام وصلاة من كان مستقبلا جهة الإمام وهو أقرب إلى الحائط من الإمام فلا تجوز لما بينا وهذا بخلاف جماعة تحروا في ليلة مظلمة واقتدوا بالإمام حيث لا تجوز صلاة من علم أنه مخالف للإمام في جهته لأن هناك اعتقد الخطأ في صلاة إمامه لأن عنده أن إمامه غير مستقبل للقبلة فلم يصح اقتداؤه به أما ههنا فما اعتقد الخطأ في صلاة إمامه لأن كل جانب من جوانب الكعبة قبلة بيقين فصح اقتداؤه به فهو الفرق وإن صلوا مصطفين خلف الإمام إلى جهة الإمام فلا شك أن صلاتهم جائزة وكذا إذا كان وجه بعضهم إلى ظهر الإمام وظهر بعضهم إلى ظهره لوجود استقبال القبلة والمتابعة لأنهم خلف الإمام لا قبله ( ( ( أمامه ) ) ) ولهذا قلنا إن الإمام إذا نوى إمامة النساء فقامت امرأة بحذائه مقابلة له لا تفسد صلاة الإمام لأنها في الحكم كأنها خلف الإمام وتفسد صلاة من كان عن يمينها ويسارها وخلفها في الجهة التي هي فيها واختلفت الرواية في أن النبي هل صلى في الكعبة حين دخلها روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنه لم يصل فيه ( ( ( فيها ) ) ) وروى ابن عمر رضي الله عنهما أنه صلى فيها ركعتين بين الساريتين المتقدمتين والله أعلم
ومنها الوقت لأن الوقت كما هو سبب لوجوب الصلاة فهو شرط لأدائها قال الله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي فرضا مؤقتا حتى لا يجوز أداء الفرض قبل وقته إلا صلاة العصر يوم عرفة على ما يذكر والكلام فيه يقع في ثلاث مواضع في بيان أصل أوقات الصلوات المفروضة وفي بيان حدودها بأوائلها وأواخرها وفي بيان الأوقات المستحبة منها وفي بيان الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة أما الأول فأصل أوقاتها عرف بالكتاب وهو قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون وقوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل وقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وقوله تعالى فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم فهذه الآيات تشتمل على بيان فرضية هذه الصلوات وبيان أصل أوقاتها لما بينا فيما تقدم والله أعلم وأما بيان حدودها بأوائلها وأواخرها فإنما عرف بالأخبار أما الفجر فأول وقت صلاة الفجر حين يطلع الفجر الثاني وآخره حين تطلع الشمس لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه قال إن للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وآخره حين تطلع الشمس والتقييد بالفجر الثاني لأن الفجر ( فجران الفجر ) الأول هو البياض المستطيل يبدو في ناحية من السماء وهو المسمى بذنب ( ( ( ذنب ) ) ) السرحان عند العرب ثم ينكتم ولهذا يسمى فجرا كاذبا لأنه يبدو نوره ثم يخلف ويعقبه الظلام وهذا الفجر لا يحرم به الطعام والشراب على الصائمين ولا يخرج به وقت العشاء ولا يدخل به وقت صلاة الفجر والفجر الثاني وهو المستطير المعترض في الأفق لا يزال يزداد نوره حتى تطلع الشمس يسمى ( ( ( ويسمى ) ) ) هذا فجرا صادقا لأنه إذا بدا نوره ينتشر في الأفق ولا يخلف وهذا الفجر يحرم به الطعام والشراب على الصائم ويخرج به وقت العشاء ويدخل به وقت صلاة الفجر وهكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي أنه قال الفجر فجران فجر مستطيل يحل به الطعام وتحرم فيه الصلاة وفجر مستطير يحرم به الطعام وتحل فيه الصلاة وبه تبين أن المراد من الفجر المذكور في حديث أبي هريرة رضي الله عنه هو الفجر الثاني لا الأول وروي عن النبي أنه قال لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل لكن الفجر المستطير في الأفق وروي لا يغرنكم الفجر المستطيل ولكن كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير أي المنتشر في الأفق وقال الفجر هكذا ومد يده عرضا لا هكذا ومد يده طولا ولأن المستطيل ليل في الحقيقة لتعقب الظلام إياه وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال وقت الفجر ما لم تطلع الشمس وروي عنه أنه قال من أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها فدل الحديثان أيضا على أن آخر وقت الفجر حين تطلع الشمس وأما أول وقت الظهر فحين تزول الشمس بلا خلاف لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال أول وقت الظهر حين تزول الشمس وأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا واختلفت الرواية عن أبي حنيفة روى محمد عنه إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال والمذكور في الأصل ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين ولم يتعرض لآخر وقت الظهر وروى الحسن عن أبي حنيفة أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن والشافعي وروى أسد بن عمرو عنه ( ( ( وعنه ) ) ) إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر ما لم يصر ظل كل شيء مثليه
فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت مهمل كما بين الفجر والظهر والصحيح رواية محمد عنه فإنه روى في خبر أبي هريرة وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وهذا ينفي الوقت المهمل ثم لا بد من معرفة زوال الشمس روي عن محمد أنه قال حد الزوال أن يقوم الرجل مستقبل القبلة فإذا مالت الشمس عن يساره فهو الزوال وأصح ما قيل في معرفة الزوال قول محمد بن شجاع البلخي أنه يغرز عودا مستويا في أرض مستوية ويجعل على مبلغ الظل منه علامة فما دام الظل ينتقص من الخط فهو قبل الزوال فإذا وقف لا يزداد ولا ينتقص فهو وقت ( ( ( ساعة ) ) ) الزوال وإذا أخذ الظل في الزيادة فالشمس قد زالت وإذا أردت معرفة فيء الزوال فخط على رأس موضع الزيادة خطا فيكون من رأس الخط إلى العود فيء الزوال فإذا صار ظل العود مثليه من رأس الخط لا من العود خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر عند أبي حنيفة وإذا صار ظل العود مثله ( ( ( مثليه ) ) ) من رأس الخط خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر عندهم وجه قولهم حديث إمامة جبريل عليه السلام فإنه روى عن رسول الله أنه قال أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله وصلى بي المغرب حين غربت الشمس وصلى بي العشاء حين غاب الشفق وصلى بي الفجر حين طلع الفجر الثاني وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله وصلى بي العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه وصلى بي المغرب في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى بي في اليوم الأول وصلى بي العشاء في اليوم الثاني حين مضى ثلث الليل وصلى بي الفجر في اليوم الثاني حين أسفر النهار ثم قال الوقت ما بين الوقتين فالاستدلال بالحديث من وجهين أحدهما أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله فدل أن أول وقت العصر هذا فكان هو آخر وقت الظهر ضرورة والثاني أن الإمامة في اليوم الثاني كانت لبيان آخر الوقت ولم يؤخر الظهر في اليوم الثاني إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه فدل أن آخر وقت الظهر ما ذكرنا ولأبي حنيفة ما روي عن النبي أنه قال إن مثلكم ومثل من قبلكم من الأمم مثل رجل استأجر أجيرا فقال من يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم أنتم فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا فدل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر وإنما يكون أقصر أن لو كان الأمر على ما قاله أبو حنيفة وروي عن النبي أنه قال أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم والإبراد يحصل بصيرورة ظل كل شيء مثليه فإن الحر لا يفتر خصوصا في بلادهم على أن عند تعارض الأدلة لا يمكن إثبات وقت العصر لأن موضع التعارض موضع الشك وغير الثابت لا يثبت بالشك فإن قيل لا يبقى وقت الظهر بالشك أيضا فالجواب أنه كذلك يقول أبو حنيفة في رواية أسد بن عمرو أخذا بالمتيقن فيهما
والثاني أن ما ثبت لا يبطل بالشك وغير الثابت لا يثبت بالشك وخبر إمامة جبريل عليه السلام منسوخ في المتنازع فيه فإن المروي أنه صلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول والإجماع منعقد على تغاير وقتي الظهر والعصر فكان الحديث منسوخا في الفرع ولا يقال معنى ما ورد أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله أي بعد ما صار ومعنى ما ورد أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه أي قرب من ذلك فلا يكون منسوخا لأنا نقول هذا نسبة للنبي ( ( ( النبي ) ) ) إلى الغفلة وعدم التمييز بين الوقتين أو إلى التساهل في أمر تبليغ الشرائع والتسوية بين أمرين مختلفين وترك ذلك مبهما من غير بيان منه أو دليل يمكن الوصول به إلى الافتراق بين الأمرين ومثله لا يظن بالنبي وأما أول وقت العصر فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في آخر وقت الظهر حتى روي عن أبي يوسف أنه قال خالفت أبا حنيفة في وقت العصر فقلت أوله إذا زاد ( ( ( دار ) ) ) الظل على قامة اعتمادا على الآثار التي جاءت وآخره حين تغرب الشمس عندنا وعند الشافعي قولان في قول إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقت العصر ولا يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس فيكون بينهما وقت مهمل وفي قول إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقته المستحب ويبقى أصل الوقت إلى غروب الشمس والصحيح قولنا لما روي في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في وقت العصر وآخرها حين تغرب الشمس وروي عن النبي أنه قال من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك ( ( ( أدركها ) ) ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال من فاته العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر أهله وماله وأما أول وقت المغرب فحين تغرب الشمس بلا خلاف وفي خبر أبي هريرة رضي الله عنه وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس وكذا حديث جبريل صلوات الله وسلامه عليه صلى المغرب بعد غروب الشمس في اليومين جميعا والصلاة في اليوم الأول كانت بيانا لأول الوقت وأما آخره فقد اختلفوا فيه قال أصحابنا حين يغيب الشفق وقال الشافعي وقتها ما يتطهر الإنسان ويؤذن ويقيم ويصلي ثلاث ركعات حتى لو صلاها بعد ذلك كان قضاء لا أداء عنده لحديث إمامة جبريل أنه صلى المغرب في المرتين في وقت واحد ولنا أن في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس وآخره حين يغيب الشفق وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال وقت المغرب ما لم يغب الشفق وإنما لم يؤخره جبريل عن أول الغروب لأن التأخير عن أول الغروب مكروه إلا لعذر وأنه جاء ليعلمه المباح من الأوقات ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب مع بقاء الوقت إليه وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وإن كان بعده وقت العشاء بالإجماع وأما أول وقت العشاء فحين يغيب الشفق بلا خلاف بين أصحابنا لما روي في خبر أبي هريرة رضي الله عنه وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق واختلفوا في تفسير الشفق فعند أبي حنيفة هو البياض وهو مذهب أبي بكر وعمر ومعاذ وعائشة رضي الله عنهم وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي هو الحمرة وهو قول عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة وجه قولهم ما روي عن النبي أنه قال لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء وكان رسول الله يصلي العشاء بعد مضي ثلث الليل فلو كان الشفق هو البياض لما كان مؤخرا لها بل كان مصليا في أول الوقت لأن البياض يبقى إلى ثلث الليل خصوصا في الصيف
ولأبي حنيفة النص والاستدلال أما النص فقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل جعل الغسق غاية لوقت المغرب ولا غسق ما بقي النور المعترض وروي عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال آخر وقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق وبياضه والمعترض نوره وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه وإن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق وإنما يسود بإخفائها بالظلام وأما الاستدلال فمن وجهين لغوي وفقهي أما اللغوي فهو أن الشفق اسم لما رق يقال ثوب شفيق أي رقيق إما من رقة النسج وإما لحدوث رقة فيه من طول اللبس ومنه الشفقة وهي رقة القلب من الخوف أو المحبة ورقة نور الشمس باقية ما بقي البياض وقيل الشفق اسم لرديء الشيء وباقيه والبياض باقي آثار الشمس وأما الفقهي فهو أن صلاتين يؤديان ( ( ( تؤديان ) ) ) في أثر الشمس وهو ( ( ( وهما ) ) ) المغرب مع الفجر وصلاتين تؤديان في وضح النهار وهما الظهر والعصر فيجب أن يؤدي صلاتين في غسق الليل بحيث لم يبق أثر من آثار الشمس وهما العشاء والوتر بعد ( ( ( وبعد ) ) ) غيبوبة البياض لا يبقى أثر للشمس ولا حجة لهم في الحديث لأن البياض يغيب قبل مضي ثلث الليل غالبا وأما آخر وقت العشاء فحين يطلع الفجر الصادق عندنا وعند الشافعي قولان في قول حين يمضي ثلث الليل لأن جبريل عليه السلام صلى في المرة الثانية بعد مضي ثلث الليل وكان ذلك بيانا لآخر الوقت وفي قول قال يؤخر إلى آخر نصف الليل بعذر السفر لأن النبي أخر ليلة إلى النصف ثم قال هو لنا بعذر السفر ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق وآخره حين يطلع الفجر وروي عن النبي أنه قال لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت أخرى وقت عدم دخول وقت الصلاة إلى غاية خروج وقت صلاة أخرى فلو لم يثبت الدخول عند الخروج لم يتوقف ولأن الوتر من توابع العشاء ويؤدى في وقتها وأفضل وقتها السحر دل أن السحر آخر وقت العشاء ولأن أثر السفر في قصر الصلاة لا في زيادة الوقت وإمامة جبريل عليه السلام كان تعليما لآخر الوقت المستحب ونحن نقول إن ذلك ثلث الليل وأما بيان الأوقات المستحبة فالسماء لا تخلو إما إن كانت مصحية أو مغيمة فإن كانت مصحية ففي الفجر المستحب أخر الوقت والإسفار بصلاة الفجر أفضل من التغليس بها في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس إلا في حق الحاج بمزدلفة فإن التغليس بها أفضل في حقه وقال الطحاوي إن كان من عزمه تطويل القراءة فالأفضل أن يبدأ بالتغليس بها ويختم بالإسفار وإن لم يكن من عزمه تطويل القراءة فالإسفار أفضل من التغليس وقال الشافعي التغليس بها أفضل في حق الكل وجملة المذهب عنده أن أداء الفرض لأول الوقت أفضل وحده ما دام في النصف الأول من الوقت واحتج بقوله تعالى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير وذم الله تعالى أقواما على الكسل فقال وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى والتأخير من الكسل وروي أن رسول الله سئل عن أفضل الأعمال فقال الصلاة لأول وقتها وقال أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله أي ينال بأداء الصلاة في أول الوقت رضوان الله وينال بأدائها في آخره عفو الله تعالى واستيجاب الرضوان خير من استيجاب العفو لأن الرضوان أكبر الثواب لقوله تعالى ورضوان من الله أكبر وينال بالطاعات والعفو ينال بشرط سابقية الجناية وروي في الفجر خاصة عن عائشة رضي الله عنها أن النساء كن يصلين مع رسول الله ثم ينصرفن وما يعرفن من شدة الغلس ولنا قول النبي أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر رواه رافع بن خديج
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما صلى رسول الله صلاة قبل ميقاتها إلا صلاتين صلاة العصر بعرفة وصلاة الفجر بمزدلفة فإنه قد غلس بها فسمى التغليس بالفجر صلاة قبل الميقات فعلم أن العادة كانت في الفجر الإسفار وعن إبراهيم النخعي أنه قال ما اجتمع أصحاب رسول الله على شيء كاجتماعهم على تأخير العصر والتنوير بالفجر ولأن في التغليس تقليل الجماعة لكونه وقت نوم وغفلة وفي الإسفار تكثيرها فكان أفضل ولهذا يستحب الإبراد بالظهر في الصيف لاشتغال الناس بالقيلولة ولأن في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج خصوصا في حق الضعفاء وقد قال النبي صل بالقوم صلاة أضعفهم ولأن المكث في مكان صلاة الفجر إلى طلوع الشمس مندوب إليه قال من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل وقلنا ( ( ( وقلما ) ) ) يتمكن من إحراز هذه الفضيلة عند التغليس لأنه قلما يمكث فيها لطول المدة ويتمكن من إحرازها عند الإسفار فكان أولى وما ذكر من الدلائل الجملية ( ( ( الجميلة ) ) ) فنقول بها في بعض الصلوات في بعض الأوقات على ما نذكر لكن قامت الدلائل في بعضها على أن التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير ولهذا قال الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل لئلا يقع في السفر ( ( ( السمر ) ) ) بعد العشاء ثم الأمر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها ألا ترى أن الأداء قبل الوقت لا يجوز وإن كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها وقيل في الحديث أن العفو عبارة عن الفضل قال الله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفضل فكان معنى الحديث على هذا والله أعلم أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه لامتثاله أمره وأدائه ما أوجب عليه ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك وأما حديث عائشة رضي الله عنها فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله بصلاة الفجر لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك في الابتداء حين كن النساء يحضرن الجماعات ثم لما أمرن بالقرار في البيوت انتسخ ذلك والله أعلم وأما في الظهر فالمستحب هو آخر الوقت في الصيف وأوله في الشتاء وقال الشافعي إن كان يصلي وحده يعجل في كل وقت وإن كان يصلي بالجماعة يؤخر يسيرا لما ذكرنا وروي عن خباب بن الأرت أنه قال شكونا إلى رسول الله حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا فدل أن السنة في التعجيل ولنا ما روي عن النبي أنه قال أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ولأن التعجيل في الصيف لا يخلو عن أحد أمرين إما تقليل الجماعة لاشتغال الناس بالقيلولة وإما الإضرار بهم لتأذيهم بالحر وقد انعدم هذان المعنيان في الشتاء فيعتبر فيه معنى المسارعة إلى الخير وروي عن النبي أنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمن إذا كان الصيف فأبرد بالظهر فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى يدركوا وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فإن الليالي طوال وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة أصلا فلم يشكهم لهذا على أن معنى قوله فلم يشكنا أي لم يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها والله أعلم وأما العصر فالمستحب فيها هو التأخير ما دامت الشمس بيضاء نقية لم يدخلها تغيير في الشتاء والصيف جميعا وعند الشافعي التعجيل أفضل لما ذكرنا وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان رسول الله يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي وعن أنس بن مالك رضي الله عنه كان رسول الله يصلي العصر فيذهب الذاهب إلى العوالي وينحر الجزور ويطبخ القدور ويأكل قبل غروب الشمس
ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال كان رسول الله يصلي العصر والشمس بيضاء نقية وهذا منه بيان تأخيره للعصر وقيل سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر ولأن في التأخير تكثير النوافل لأن النافلة بعدها مكروهة فكان التأخير أفضل ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل لأن النافلة قبلها مكروهة ولأن المكث بعد العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه قال النبي من صلى العصر ثم مكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانيا من ولد إسماعيل وإنما يتمكن من إحراز هذه الفضيلة بالتأخير لا بالتعجيل لأنه قلما يمكث وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير وأما حديث أنس رضي الله عنه فقد كان ذلك في وقت الصيف ومثله يتأتى للمستعجل إذ كان ذلك في وقت مخصوص لعذر والله أعلم وأما المغرب فالمستحب فيها التعجيل في الشتاء والصيف جميعا وتأخيرها إلى اشتباك النجوم مكروه لما روي عن النبي أنه قال لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء ولأن التعجيل سبب لتكثير الجماعة والتأخير سبب لتقليلها لأن الناس يشتغلون بالتعشي والاستراحة فكان التعجيل أفضل وكذا هو من باب المسارعة إلى الخير فكان أولى وأما العشاء فالمستحب ( ( ( المستحب ) ) ) فيها التأخير إلى ثلث الليل في الشتاء ويجوز التأخير إلى نصف الليل ويكره التأخير عن النصف وأما في الصيف فالتعجيل أفضل وعند الشافعي المستحب تعجيلها بعد غيبوبة الشفق لما ذكرنا وعن النعمان بن بشير أن النبي كان يصلي العشاء حين يسقط القمر في الليلة الثالثة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون ولنا ما روي أن النبي أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ينتظرونه فقال أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم ولولا سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلى هذا الوقت وفي حديث آخر قال لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل وروي عن عمر رضي الله عنهما أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العشاء حين يذهب ثلث الليل فإن أبيت فإلى نصف الليل فإن نمت فلا نامت عيناك وفي رواية فلا تكن من الغافلين ولأن التأخير عن النصف الأخير تعريض لها للفوات فإن من لم ينم إلى نصف الليل ثم نام فغلبه النوم فلا يستيقظ في المعتاد إلى ما بعد انفجار الصبح وتعريض الصلاة للفوات مكروه ولأنه لو عجل في الشتاء ربما يقع في السمر بعد العشاء لأن الناس لا ينامون إلى ثلث الليل لطول الليالي فيشتغلون بالسمر عادة وأنه منهي عنه ولأن يكون اختتام صحيفته بالطاعة أولى من أن يكون بالمعصية والتعجيل في الصيف لا يؤدي إلى هذا القبيح لأنهم ينامون لقصر الليالي فتعتبر فيه المسارعة إلى الخير والحديث محمول على زمان الصيف أو على حال العذر وكان عيسى بن أبان يقول الأولى تعجيلها للآثار ولكن لا يكره التأخير مطلقا ألا ترى أن العذر لمرض ولسفر يؤخر المغرب للجمع بينها وبين العشاء فعلا ولو كان المذهب كراهة التأخير مطلقا لما أبيح ذلك بعذر المرض والسفر كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس هذا إذا كانت السماء مصحية فإن كانت متغيمة فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب هو التأخير وفي العصر والعشاء هو التعجيل وإن شئت أن تحفظ هذا فكل صلاة في أول اسمها عين تعجل وما ليس في أول اسمها عين تؤخر أما التأخير في الفجر فلما ذكرنا ولأنه لو غلس بها فربما تقع قبل انفجار الصبح وكذا لو عجل الظهر فربما يقع قبل الزوال ولو عجل المغرب عسى يقع قبل الغروب ولا يقال لو أخر ربما يقع في وقت مكروه لأن الترجيح عند التعارض للتأخير ليخرج عن عهدة الفرض بيقين
وأما تعجيل العصر عن وقتها المعتاد فلئلا يقع في وقت مكروه وهو وقت تغير الشمس وليس فيه وهم الوقوع قبل الوقت لأن الظهر قد أخر في هذا اليوم وتعجل العشاء كيلا تقع بعد انتصاف الليل وليس في التعجيل توهم الوقوع قبل الوقت لأن المغرب قد أخر في هذا اليوم والله أعلم وروى الحسن عن أبي حنيفة أن التأخير في الصلوات كلها أفضل في جميع الأوقات والأحوال وهو اختيار الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي وعلل وقال إن في التأخير ترددا بين وجهي الجواز إما القضاء وإما الأداء وفي التعجيل ترددا ( ( ( تردد ) ) ) بين وجهي الجواز والفساد فكان التأخير أولى والله الموفق وعلى هذا الأصل قال أصحابنا إنه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما إلا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة اتفق عليه رواة نسك رسول الله أنه فعله ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر وقال الشافعي يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بعذر السفر والمطر واحتج بما روى ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي كان يجمع بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء ولأنه يحتاج إلى ذلك في السفر كيلا ينقطع به السير وفي المطر كي تكثر الجماعة إذ لو رجعوا إلى منازلهم لا يمكنهم الرجوع فيجوز الجمع بهذا كما يجوز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر وبمزدلفة بين المغرب والعشاء ولنا أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا يباح بعذر السفر والمطر كسائر الكبائر والدليل على أنه من الكبائر ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال من جمع بين صلاتين في وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر وعن عمر رضي الله عنه أنه قال الجمع بين الصلاتين من الكبائر ولأن هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد مع أن الاستدلال فاسد لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها ألا ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة لأن الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي فصلح معارضا للدليل المقطوع به وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير ألا ترى أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به مع أنه غريب ورد في حادثة تعم بها البلوى ومثله غير مقبول عندنا ثم هو مؤول وتأويله أنه جمع بينهما فعلا لا وقتا بأن أخر الأولى منهما إلى آخر الوقت ثم أدى الأخرى في أول الوقت ولا واسطة بين الوقتين فوقعتا مجتمعتين فعلا كذا فعل ابن عمر رضي الله عنهما في سفر وقال هكذا كان يفعل بنا رسول الله دل عليه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي جمع من غير مطر ولا سفر وذلك لا يجوز إلا فعلا وعن علي رضي الله عنه أنه جمع بينهما فعلا ثم قال هكذا فعل بنا رسول الله وهكذا روي عن أنس بن مالك أنه جمع بينهما فعلا ثم قال هكذا فعل بنا رسول الله
وأما الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة فهو وقت تغير الشمس للمغيب لأداء صلاة العصر يكره أداؤها عنده للنهي عن عموم الصلوات في الأوقات الثلاثة منها إذا تضيفت الشمس للمغيب على ما يذكر وقد ورد وعيد خاص في أداء صلاة العصر في هذا الوقت وهو ما روي عن رسول الله أنه قال يجلس أحدكم حتى إذا كانت الشمس بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا تلك صلاة المنافقين قالها ثلاثا لكن يجوز أداؤها مع الكراهة حتى يسقط الفرض عن ذمته ولا يتصور أداء الفرض وقت الاستواء قبل الزوال لأنه لا فرض قبله وكذا لا يتصور أداء الفجر مع طلوع الشمس عندنا حتى لو طلعت الشمس وهو في خلال الصلاة تفسد صلاته عندنا وعند الشافعي لا تفسد ويقول أن النهي عن النوافل لا عن الفرائض بدليل أن عصر يومه جائز بالإجماع ونحن نقول النهي عام بصيغته ومعناه أيضا لما يذكر في قضاء الفرائض في هذه الأوقات وروي عن أبي يوسف أن الفجر لا تفسد بطلوع الشمس لكنه يصبر حتى ترتفع الشمس فيتم صلاته لأنا لو قلنا كذلك لكان مؤديا بعض الصلاة في الوقت ولو أفسدنا لوقع الكل خارج الوقت ولا شك أن الأول أولى والله أعلم والفرق بينه وبين مؤدي العصر إذا غربت عليه الشمس وهو في خلال الصلاة قد ذكرناه فيما تقدم ومنها النية وأنها شرط صحة الشروع في الصلاة لأن الصلاة عبادة والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى قال الله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين والإخلاص لا يحصل بدون النية وقال النبي لا عمل لمن لا نية له وقال الأعمال بالنيات ولكل إمرىء ما نوى والكلام في النية في ثلاث مواضع أحدها في تفسير النية والثاني في كيفية النية والثالث في وقت النية أما الأول فالنية هي الإرادة فنية الصلاة هي إرادة الصلاة لله تعالى على الخلوص والإرادة عمل القلب وأما كيفية النية فالمصلي لا يخلو إما أن يكون منفردا وإما أن يكون إماما وإما أن يكون مقتديا فإن كان منفردا إن كان يصلي التطوع تكفيه نية الصلاة لأنه ليس لصلاة التطوع صفة زائدة على أصل الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها فكان شرط النية فيها لتصير لله تعالى وإنها تصير لله تعالى بنية مطلق الصلاة ولهذا يتأدى صوم النفل خارج رمضان بمطلق النية وإن كان يصلي الفرض لا يكفيه نية مطلق الصلاة لأن الفرضية صفة زائدة على أصل الصلاة فلا بد وأن ينويها فينوي فرض الوقت أو ظهر الوقت أو نحو ذلك ولا تكفيه نية مطلق الفرض لأن غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في الوقت فلا بد من التعيين وقال بعضهم تكفيه نية الظهر والعصر لأن ظهر الوقت هو المشروع الأصلي فيه وغيره عارض فعند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل كمطلق اسم الدرهم أنه ينصرف إلى نقد البلد والأول أحوط وحكي عن الشافعي أنه يحتاج مع نية ظهر الوقت إلى نية الفرض وهذا بعيد لأنه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض إذ الظهر لا يكون إلا فرضا وكذا ينبغي أن ينوي صلاة الجمعة وصلاة العيدين وصلاة الجنازة وصلاة الوتر لأن التعيين يحصل بهذا وإن كان إماما فكذلك الجواب لأنه منفرد فينوي ما ينوي المنفرد وهل يحتاج إلى نية الإمامة أما نية إمامة الرجال فلا يحتاج إليها ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم وأما نية إمامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عند أصحابنا الثلاثة
وعند زفر ليس بشرط حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا خلافا لزفر وهو قاس إمامة النساء بإمامة الرجال وهناك النية ليست بشرط كذا هذا وهذا القياس غير سديد لأن المعنى يوجب الفرق بينهما وهو أنه لو صح اقتداء المرأة بالرجل فربما تحاذيه فتفسد صلاته فيلحقه الضرر من غير اختياره فشرط نية اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه وهذا المعنى منعدم في جانب الرجال ولأنه مأمور بأداء الصلاة فلا بد من أن يكون متمكنا من صيانتها عن النواقض ولو صح اقتداؤها به من غير نية لم يتمكن من الصيانة لأن المرأة تأتي فتقتدي به ثم تحاذيه فتفسد صلاته وأما في الجمعة والعيدين فأكثر مشايخنا قالوا إن نية إمامتهن شرط فيهما ومنهم من قال ليست بشرط لأنها لو شرطت للحقها الضرر لأنها لا تقدر على أداء الجمعة والعيدين وحدها ولا تجد إماما آخر تقتدي به والظاهر أنها لا تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هاتين الصلاتين لازدحام الناس فصح اقتداؤها لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات وإن كان مقتديا فإنه يحتاج إلى ما يحتاج إليه المنفرد ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام لأنه ربما يلحقه الضرر بالاقتداء فتفسد صلاته بفساد صلاة الإمام فشرط نية الاقتداء حتى يكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه ثم تفسير نية الاقتداء بالإمام هو أن ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه أو ينوي الشروع في صلاة الإمام أو ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته ولو نوى الاقتداء بالإمام ولم يعين صلاة الإمام ولا نوى فرض الوقت هل يجزيه عن الفرض اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يجزيه لأن اقتداءه به يصح في الفرض والنفل جميعا فلا بد من التعيين مع أن النفل أدناهما فعند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى ما لم يعين الأعلى وقال بعضهم يجزيه لأن الاقتداء عبارة عن المتابعة والشركة فيقتضي المساواة ولا مساواة إلا إذا كانت صلاته مثل صلاة الإمام فعند الإطلاق ينصرف إلى الفرض إلا إذا نوى الاقتداء به في النفل ولو نوى صلاة الإمام ولم ينو الاقتداء به لم يصح الاقتداء به لأنه نوى أن يصلي مثل صلاة الإمام وذلك قد يكون بطريق الانفراد وقد يكون بطريق التبعية للإمام فلا تتعين جهة التبعية بدون النية من مشايخنا من قال إذا انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء لأن انتظاره تكبيرة الإمام قصد منه الاقتداء به وهو تفسير النية وهذا غير سديد لأن الانتظار متردد قد يكون لقصد الاقتداء وقد يكون بحكم العادة فلا يصير مقتديا بالشك والاحتمال ولو اقتدى بإمام ينوي صلاته ولم يدر أنها الظهر أو الجمعة أجزأه أيهما كان لأنه بنى صلاته على صلاة الإمام وذلك معلوم عند الإمام والعلم في حق الأصل يغني عن العلم في حق التبع والأصل فيه ما روي أن عليا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما قدما من اليمن على رسول الله بمكة فقال بم أهللتما فقالا بإهلال كإهلال رسول الله وجوز ذلك لهما وإن لم يكن معلوما وقت الإهلال فإن لم ينو صلاة الإمام ولكنه نوى الظهر والاقتداء فإذا هي جمعة فصلاته فاسدة لأنه نوى غير صلاة الإمام وتغاير الفرضين يمنع صحة الاقتداء على ما نذكر ولو نوى صلاة الإمام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته لأنه لما نوى صلاة الإمام فقد تحقق البناء فلا يعتبر ما زاد عليه بعد ذلك كمن نوى الاقتداء بهذا الإمام وعنده أنه زيد فإذا هو عمرو كان اقتداؤه صحيحا بخلاف ما إذا نوى الاقتداء بزيد والإمام عمرو ثم المقتدي إذا وجد الإمام في حال القيام يكبر للافتتاح قائما ثم يتابعه في القيام ويأتي بالثناء وإن وجده في الركوع يكبر للافتتاح قائما ثم يكبر أخرى مع الانحطاط للركوع ويتابعه في الركوع ويأتي بتسبيحات الركوع وإن وجده في القومة التي بين الركوع والسجود أو في القعدة التي بين السجدتين يتابعه في ذلك ويسكت ولا خلاف في أن المسبوق يتابع الإمام في مقدار التشهد إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
وهل يتابعه في الزيادة عليه ذكر القدوري أنه لا يتابعه عليه لأن الدعاء مؤخر إلى القعدة الأخيرة وهذه قعدة أولى في حقه وروى إبراهيم بن رستم عن محمد أنه قال يدعو بالدعوات التي في القرآن وروى هشام عن محمد أنه يدعو بالدعوات التي في القرآن ويصلي على النبي وقال بعضهم يسكت وعن هشام من ذات نفسه ومحمد بن شجاع البلخي أنه يكرر التشهد إلى أن يسلم الإمام لأن هذه قعدة أولى في حقه والزيادة على التشهد في القعدة الأولى غير مسنونة ولا معنى للسكوت في الصلاة إلا الاستماع فينبغي أن يكرر التشهد مرة بعد أخرى وأما بيان وقت النية فقد ذكر الطحاوي إنه يكبر تكبيرة الافتتاح مخالطا لنيته إياها أي مقارنا أشار إلى أن وقت النية وقت التكبير وهو عندنا محمول على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب فإن تقديم النية على التحريمة جائز عندنا إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر والقران ليس بشرط وعند الشافعي القران شرط وجه قوله إن الحاجة إلى النية لتحقيق معنى الإخلاص وذلك عند الشروع لا قبله فكانت النية قبل التكبير هدرا وهذا هو القياس في باب الصوم إلا أنه سقط القران هناك لمكان الحرج لأن وقت الشروع في الصوم وقت غفلة ونوم ولا حرج في باب الصلاة فوجب اعتباره ولنا قول النبي الأعمال بالنيات مطلقا عن شرط القرآن وقوله لكل امرىء ما نوى مطلقا أيضا وعنده لو تقدمت النية لا يكون له ما نوى وهذا خلاف النص ولأن شرط القران لا يخلو عن الحرج فلا يشترط كما في باب الصوم فإذا قدم النية ولم يشتغل بعمل يقطع نيته يجزئه كذا روي عن أبي يوسف ومحمد فإن محمدا ذكر في كتاب المناسك أن من خرج من بيته يريد الحج فأحرم ولم تحضره نية الحج عند الإحرام يجزئه وذكر في كتاب التحري أن من أخرج زكاة ماله يريد أن يتصدق به على الفقراء فدفع ولم تحضره نية عند الدفع أجزأه وذكر محمد بن شجاع البلخي في نوادره عن محمد في رجل توضأ يريد الصلاة فلم يشتغل بعمل آخر وشرع في الصلاة جازت صلاته وإن عريته النية وقت الشروع وروي عن أبي يوسف فيمن خرج من منزله يريد الفرض في الجماعة فلما انتهى إلى الإمام كبر ولم تحضره النية في تلك الساعة أنه يجوز قال الكرخي ولا أعلم أحدا من أصحابنا خالف أبا يوسف في ذلك وذلك لأنه لما عزم على تحقيق ما نوى فهو على عزمه ونيته إلى أن يوجد القاطع ولم يوجد وبه تبين أن معنى الإخلاص يحصل بنية متقدمة لأنها موجودة وقت الشروع تقديرا على ما مر وعن محمد بن سلمة أنه إذا كان بحال لو سئل عند الشروع أي صلاة تصلي يمكنه الجواب على البديهة من غير تأمل يجزئه وإلا فلا وإن نوى بعد التكبير لا يجوز إلا ما روى الكرخي أنه إذا نوى وقت الثناء يجوز لأن الثناء من توابع التكبير وهذا فاسد لأن سقوط القران لمكان الحرج والحرج يندفع بتقديم النية فلا ضرورة إلى التأخير ولو نوى بعد قوله الله قبل قوله أكبر لا يجوز لأن الشروع يصح بقول ( ( ( بقوله ) ) ) الله لما يذكر فكأنه نوى بعد التكبير وأما نية الكعبة فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنها شرط لأن التوجه إلى الكعبة هو الواجب في الأصل وقد عجز عنه بالبعد فينويها بقلبه والصحيح أنه ليس بشرط لأن قبلته حالة البعد جهة الكعبة وهي المحرايب ( ( ( المحاريب ) ) ) لا عين الكعبة لما بينا فيما تقدم فلا حاجة إلى النية وقال بعضهم إن أتى به فحسن وإن تركه لا يضره وإن نوى مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو المسجد الحرام ولم ينو الكعبة لا يجوز لأنه ليس من الكعبة
وعن الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي أنه سئل عمن نوى مقام إبراهيم عليه السلام فقال إن كان هذا الرجل لم يأت مكة أجزأه لأن عنده أن البيت والمقام واحد وإن كان قد أتى مكة لا يجوز لأنه عرف أن المقام غير البيت ومنها التحريمة وهي تكبيرة الافتتاح وإنها شرط صحة الشروع في الصلاة عند عامة العلماء وقال ابن علية وأبو بكر الأصم أنها ليست بشرط ويصح الشروع في الصلاة بمجرد النية من غير تكبير فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار حتى أنكر افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدم ولنا قول النبي لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى قبول الصلاة بدون الكبير ( ( ( التكبير ) ) ) فدل على كونه شرطا لكن إنما يؤخذ هذا الشرط على القادر دون العاجز فلذلك جازت صلاة الأخرس ولأن الأفعال أكثر من الأذكار فالقادر على الأفعال يكون قادرا على الأكثر وللأكثر حكم الكل فكأنه قدر على الأذكار تقديرا ثم لا بد من بيان صفة الذكر الذي يصير به شارعا في الصلاة وقد اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومحمد يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير مثل أن يقول الله أكبر الله الأكبر الله الكبير الله أجل الله أعظم أو يقول الحمد لله أو سبحان الله أو لا إله إلا الله وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول الرحمن أعظم الرحيم أجل سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن وهو قول إبراهيم النخعي وقال أبو يوسف لا يصير شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير وهي ثلاثة الله أكبر الله الأكبر الله الكبير إلا إذا كان لا يحسن التكبير أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير وقال الشافعي لا يصير شارعا إلا بلفظين الله أكبر الله الأكبر وقال مالك لا يصير شارعا إلا بلفظ واحد وهو الله أكبر واحتج بما روينا من الحديث وهو قوله لا يقبل الله صلاة امرىء حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر نفى القبول بدون هذه اللفظة فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل إذ التعليل للتعدية لا لإبطال حكم النص كما في الأذان ولهذا لا يقام السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة وبهذا يحتج الشافعي إلا أنه يقول في الأكبر أتى بالمشروع وزيادة شيء فلم تكن الزيادة مانعة كما إذا قال الله أكبر كبيرا فأما العدول عما ورد الشرع به فغير جائز وأبو يوسف يحتج بقول النبي وتحريمها التكبير والتكبير حاصل بهذه الألفاظ الثلاثة فإن أكبر هو الكبير قال الله تعالى وهو أهون عليه أي هين عليه عند بعضهم إذ ليس شيء أهون على الله من شيء بل الأشياء كلها بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد والتكبير مشتق من الكبرياء والكبرياء تنبىء عن العظمة والقدم يقال هذا أكبر القوم أي أعظمهم منزلة وأشرفهم قدرا ويقال هو أكبر من فلان أي أقدم منه فلا يمكن إقامة غيره من الألفاظ مقامه لانعدام المساواة في المعنى إلا أنا حكمنا بالجواز إذا لم يحسن أو لا يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة وأبو حنيفة ومحمد احتجا بقوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى والمراد منه ذكر اسم الرب لافتتاح الصلاة لأنه عقب الصلاة بالذكر ( ( ( الذكر ) ) ) بحرف يوجب التعقيب بلا فصل والذكر الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح فقد شرع الدخول في الصلاة بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر لا من حيث هي ذكر بلفظ خاص وأن الحديث معلول به لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولا به من حيث اشتراط مطلق الذكر ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلا لمخالفته الكتاب فإذا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل
على أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم قال تعالى وكبره تكبيرا أي عظمه تعظيما وقال تعالى فلما رأينه أكبرنه أي عظمنه وقال تعالى وربك فكبر أي فعظم فكان الحديث وارد ( ( ( واردا ) ) ) بالتعظيم وبأي اسم ذكر فقد عظم الله تعالى وكذا من سبح الله تعالى فقد عظمه ونزهه عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدث فصار واصفا له بالعظمة والقدم وكذا إذا هلل لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما وإنما لم يقم السجود على الخد مقام السجود على الجبهة للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد بخلاف الأذان لأن المقصود منه هو الإعلام وأنه لا يحصل إلا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما بين الناس حتى لو حصل الإعلام بغير هذه الألفاظ يجوز كذا روى الحسن عن أبي حنيفة وكذا روى أبو يوسف في الأمالي والحاكم في المنتقى والدليل على أن قوله الله أكبر أو الرحمن أكبر سواء قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولهذا يجوز الذبح باسم الرحمن أو باسم الرحيم فكذا هذا والذي يحقق مذهبهما ما روي عن عبد الرحمن السلمي إن الأنبياء صلوات الله عليهم كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله ولنا بهم أسوة هذا إذا ذكر الاسم والصفة فأما إذا ذكر الاسم لا غير بأن قال الله لا يصير شارعا عند محمد وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصير شارعا وكذا روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة لمحمد أن النص ورد بالاسم والصفة فلا يجوز الاكتفاء بمجرد الاسم ولأبي حنفية ( ( ( حنيفة ) ) ) أن النص معلول بمعنى التعظيم وأنه يحصل بالاسم المجرد والدليل عليه أنه يصير شارعا بقوله لا إله إلا الله والشروع إنما يحصل بقوله الله لا بالنفي ولو قال اللهم اغفر لي لا يصير شارعا بالإجماع لأنه لم يخلص تعظيما لله تعالى بل هو للمسألة والدعاء دون خالص الثناء والتعظيم ولو قال اللهم اختلف المشايخ فيه لاختلاف أهل اللغة في معناه قال بعضهم يصير شارعا لأن الميم في قوله اللهم بدل عن النداء كأنه قال يا الله وقال بعضهم لا يصير شارعا لأن الميم في قوله اللهم بمعنى السؤال معناه اللهم آمنا بخير أي أردنا به فيكون دعاء لا ثناء خالصا كقوله اللهم اغفر لي ولو افتتح الصلاة بالفارسية بأن قال ( خداي بزركنر ) أو ( خداي بزرك ) يصير شارعا عند أبي حنيفة وعندهما لا يصير شارعا إلا إذا كان لا يحسن العربية ولو ذبح وسمى بالفارسية يجوز بالإجماع فأبو يوسف مر على أصله في مراعاة المنصوص عليه والمنصوص عليه لفظة التكبير بقوله وتحريمها التكبير وهي لا تحصل بالفارسية وفي باب الذبح المنصوص عليه هو مطلق الذكر بقوله فاذكروا اسم الله عليها صواف وذا يحصل بالفارسية ومحمد فرق فجوز النقل إلى لفظ آخر من العربية ولم يجوز النقل إلى الفارسية فقال العربية لبلاغتها ووجازتها تدل على معان لا تدل عليها الفارسية فتحتمل الخلل في المعنى عند النقل منها إلى الفارسية وكذا للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الألسنة ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب إلى الإجابة ولذلك خص الله تعالى أهل كرامته في الجنة بالتكلم بهذه اللغة فلا يقع غيرها من الألسنة موقع كلام العرب إلا أنه إذا لم يحسن جاز لمكان العذر وأبو حنيفة اعتمد كتاب الله تعالى في اعتبار مطلق الذكر واعتبر معنى التعظيم وكل ذلك حاصل بالفارسية ثم شرط صحة التكبير أن يوجد في حالة القيام في حق القادر على القيام سواء كان إماما أو منفردا أو مقتديا حتى لو كبر قاعدا ثم قام لا يصير شارعا ولو وجد الإمام في الركوع أو السجود أو القعود ينبغي أن يكبر قائما ثم يتبعه في الركن الذي هو فيه ولو كبر للافتتاح في الركن الذي هو فيه لا يصير شارعا لعدم التكبير قائما مع القدرة عليه
ومنها تقدم قضاء الفائتة التي يتذكرها إذا كانت الفوائت قليلة وفي الوقت سعة هو شرط جواز أداء الوقتية فهذا عندنا وعند الشافعي ليس بشرط ولقب المسألة أن الترتيب بين القضاء والأداء شرط جواز الأداء عندنا وإنما يسقط بمسقط وعنده ليس بشرط أصلا ويجوز أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة فيقع الكلام فيه في الأصل في موضعين أحدهما في اشتراط هذا النوع من الترتيب والثاني في بيان ما يسقطه أما الأول فجملة الكلام فيه أن الترتيب في الصلاة على أربعة أقسام أحدها الترتيب في أداء هذه الصلوات الخمس والثاني الترتيب في قضاء الفائتة وأداء الوقتية والثالث الترتيب في الفوائت والرابع الترتيب في أفعال الصلاة أما الأول فلا خلاف في أن الترتيب في أداء الصلوات المكتوبات في أوقاتها شرط جواز أدائها حتى لا يجوز أداء الظهر في وقت الفجر ولا أداء العصر في وقت الظهر لأن كل واحدة من هذه الصلوات لا تجب قبل دخول وقتها وأداء الواجب قبل وجوبه محال واختلف فيما سوى ذلك أما الترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية فقد قال أصحابنا أنه شرط وقال الشافعي ليس بشرط وجه قوله أن هذا الوقت صار للوقتية بالكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة فيجب أداؤها في وقتها كما في حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان ولنا قول النبي من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها وفي بعض الروايات لا وقت لها إلا ذلك فقد جعل وقت التذكر وقت الفائتة فكان أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة أداء قبل وقتها فلا يجوز وروي عن ابن عمر عن النبي أنه قال من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام وليجعلها تطوعا ثم ليقضي ( ( ( ليقض ) ) ) ما تذكر ثم ليعد ما كان صلاة مع الإمام وهذا عين مذهبنا أنه تفسد الفرضية للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها ويلزمه الإعادة بخلاف حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان لأنا إنما عرفنا كون هذا الوقت وقتا للوقتية بنص الكتاب والسنة المتواترة والإجماع وعرفنا كونه وقتا للفائتة بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد إنما يجب على وجه لا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت إبطال العمل به لأنه تفويت للوقتية عن الوقت وكذا عند كثرة الفوائت لأن الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت فتفوت الوقتية عن وقتها ولأن الشرع إنما جعل الوقت وقتا للفائتة لتدارك ما فات فلا يصير وقتا لها على وجه يؤدي إلى تفويت صلاة أخرى وهي الوقتية ولأن جعل الشرع وقت التذكر وقتا للفائتة على الإطلاق ينصرف إلى وقت ليس بمشغول لأن المشغول لا يشغل كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه وأما النسيان فلأن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة ولا تذكر ههنا فلم يصر الوقت وقتا للفائتة فبقي وقتا للوقتية فأما ههنا فقد وجد التذكر فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد وليس في هذا إبطال العمل بالدليل المقطوع به بل هو جمع بين الدلائل إذ لا يفوته شيء من الصلوات عن وقتها وليس فيه أيضا شغل ما هو مشغول وهذا لأنه لو أخر الوقتية وقضى الفائتة تبين أن وقت الوقتية ما تصل ( ( ( اتصل ) ) ) به الأداء وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتا لها بل كان وقتا للفائتة بخبر الواحد فلا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به فأما عند ضيق الوقت وإن لم يتصل به أداء الوقتية لا يتبين أنه ما كان وقتا له حتى تصير الصلاة فائتة وتبقى دينا عليه وعلى هذا الخلاف الترتيب في الفوائت أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة عندنا يجب مراعاته بين الفوائت إذا كانت الفوائت في حد القلة عندنا أيضا لأن قلة الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الأداء فكذا في القضاء
والأصل فيه ما روي أن النبي لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق قضاهن بعد هوي من الليل على الترتيب ثم قال صلوا كما رأيتموني أصلي ويبني على هذا إذا ترك الظهر والعصر يومين مختلفين ولا يدري أيتهما أولى فإنه يتحرى لأنه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين وهو الترتيب فيصار إلى التحري لأنه عند انعدام الأدلة قام مقام الدليل الشرعي كما إذا اشتبهت عليه القبلة فإن مال قلبه إلى شيء عمل به لأنه جعل كالثابت بالدليل وإن لم يستقر قلبه على شيء وأراد الأخذ بالثقة يصليهما ثم يعيد ما صلى أولا أيتهما كانت إلا أن البداءة بالظهر أولى لأنها أسبق وجوبا في الأصل فيصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت أولا فقد وقعت موقعها وجازت وكانت الظهر التي أداها بعد العصر ثانية نافلة له ولو كانت العصر هي المتروكة أولا كانت الظهر التي أداها قبل العصر نافلة له فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موقعها وجازت ثم إذا أدى الظهر بعدها وقعت موقعها وجازت فيعمل كذلك ليخرج عما عليه بيقين وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا نأمره إلا بالتحري كذا ذكره أبو الليث ولم يذكر أنه إذا استقر قلبه على شيء كيف يصنع عندهما وذكر الشيخ الإمام صدر الدين أبو المعين أنه يصلي كل صلاة مرة واحدة وقيل لا خلاف في هذه المسألة على التحقيق لأنه ذكر الاستحباب على قول أبي حنيفة وهما ما بينا الاستحباب وذكر عدم وجوب الإعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الإعادة وجه قولهما أن الواجب في موضع الشك والاشتباه هو التحري والعمل به لا الأخذ باليقين ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يؤمر ( ( ( يعمل ) ) ) بالتحري ولا يأخذ باليقين بأن يصلي صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات وكذا من شك في صلاة واحدة فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا يتحرى ولا يبني على اليقين وهو الأقل كذا هذا ولأنه لو صلى إحدى الصلاتين مرتين فإنما يصلي مراعاة للترتيب والترتيب في هذه الحالة ساقط لأنه حين بدأ بإحداهما لم يعلم يقينا أن عليه صلاة أخرى قبل هذه لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب ولأبي حنيفة أنه مهما أمكن الأخذ باليقين كان أولى إلا إذا تضمن فسادا كما في مسألة القبلة فإن الأخذ بالثقة ثمة يؤدي إلى الفساد حيث يقع ثلاث من الصلوات إلى غير القبلة بيقين ولا تجوز الصلاة إلى غير القبلة بيقين من غير ضرورة فيتعذر العمل باليقين دفعا للفساد وههنا لا فساد لأن أكثر ما في الباب أنه يصلي إحدى الصلاتين مرتين فتكون إحداهما تطوعا وكذا في المسألة الثانية إنما لا يبني على الأقل لاحتمال الفساد لجواز أنه قد صلى أربعا فيصير بالقيام إلى الأخرى تاركا للقعدة الأخيرة وهي فرض فتفسد صلاته ولو أمر بالقعدة أولا ثم بالركعة لحصلت في الثالثة وإنه غير مشروع وههنا يصير آتيا بالواجب وهو الترتيب من غير أن يتضمن فسادا فكان الأخذ بالاحتياط أولى وصار هذا كما إذا فاتته واحدة من الصلوات الخمس ولا يدري أيتها هي أنه يؤمر بإعادة صلاة يوم وليلة احتياطا وكذا ههنا أما قولهما حين بدأ بإحداهما لا يعلم يقينا أن عليه أخرى قبل هذه فكان الترتيب عنه ساقط ( ( ( ساقطا ) ) ) فنقول حين صلى هذه يعلم يقينا أن عليه أخرى لكنه لا يعلم أنها سابقة على هذه أو متأخرة عنها فإن كانت سابقة عليها لم تجز المؤداة لعدم مراعاة الترتيب وإن كانت المؤداة سابقة جازت فوقع الشك في الجواز فصارت المؤداة أول مرة دائرة بين الجواز والفساد فلا يسقط عنه الواجب بيقين عند وقوع الشك في الجواز فيؤمر بالإعادة والله أعلم
ولو شك في ثلاث صلوات الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ذكر القدوري أن المتأخرين اختلفوا في هذا منهم من قال أنه يسقط الترتيب لأن ما بين الفوائت يزيد على هذا ست صلوات فصارت الفوائت في حد الكثرة فلا يجب اعتبار الترتيب في قضائها فيصلي أية صلاة شاء وهذا غير سديد لأن موضع هذه المسائل في حالة النسيان على ما يذكر والترتيب عند النسيان ساقط فكانت المؤديات بعد الفائتة في نفسها ( ( ( أنفسها ) ) ) جائزة لسقوط الترتيب فبقيت الفوائت في نفسها ( ( ( أنفسها ) ) ) في حد القلة فوجب اعتبار الترتيت ( ( ( الترتيب ) ) ) فيها فينبغي أن يصلي في هذه الصورة سبع صلوات يصلي الظهر أولا ثم العصر ثم الظهر ثم المغرب ثم الظهر ثم العصر ثم الظهر مراعاة للترتيب بيقين والأصل في ذلك أن يعتبر الفائتتين إذا انفردتا فيعيدهما على الوجه الذي بينا ثم يأتي بالثالثة ثم يأتي بعد الثالثة ما كان يفعله في الصلاتين وعلى هذا إذا كانت الفوائت أربعا بأن ترك العشاء من يوم آخر فإنه يصلي سبع صلوات كما ذكرنا في المغرب ثم يصلي العشاء ثم يصلي بعدها سبع صلوات مثل ما كان يصلي قبل الرابعة فإن قيل في الاحتياط ههنا حرج عظيم فإنه إذا فاتته خمس صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أيام مختلفة لا يدري أي ذلك أول يحتاج إلى أن يؤدي إحدى وثلاثين صلاة وفيه من الحرج ما لا يخفى فالجواب أن بعض مشايخنا قالوا إن ما قالاه هو الحكم المراد لأنه لا يمكن إيجاب القضاء مع الاحتمال إلا أن ما قاله أبو حنيفة احتياط لا حتم ومنهم من قال لا بل الاختلاف بينهم في الحكم ( ( ( حكم ) ) ) المراد وإعادة الأولى واجبة عند أبي حنيفة لأن الترتيب في القضاء واجب فإذا لم يعلم به حقيقة وله طريق في الجملة يجب المصير إليه وهذا وإن كان فيه نوع مشقة لكنه مما لا يغلب وجوده فلا يؤدي إلى الحرج ثم ما ذكرنا من الجواب في حالة النسيان بأن صلى أياما ولم يخطر بباله أنه ترك شيئا منها ثم تذكر الفوائت ولم يتذكر الترتيب فأما إذا كان ذاكرا للفوائت حتى صلى أياما مع تذكرها ثم نسي ( الترتيب في الفوائت فعلى قياس قول أبي يوسف ومحمد ينبغي أن سقط ) الترتيب ههنا لأن الفوائت صارت في حد الكثرة لأن المؤديات بعد الفوائت عندهما فاسدة إلى الست فإذا ( ( ( وإذا ) ) ) فسدت كثرت الفوائت فسقط الترتيب فله أن يصلي أية صلاة شاء من غير الحاجة إلى التحري وأما على قياس قول أبي حنيفة لا يسقط الترتيب لأن المؤديات عنده تنقلب إلى الجواز إذا بلغت مع الفائتة ستا وإذا انقلبت إلى الجواز بقيت الفوائت في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها فالحاصل أنه يجب النظر إلى الفوائت فما دامت في حد القلة وجب مراعاة الترتيب فيها وإذا كثرت سقط الترتيب فيها لأن كثرة الفوائت تسقط الترتيب في الأداء فلأن يسقط في القضاء أولى هذا إذا شك في صلاتين فأكثر فأما إذا شك في صلاة واحدة فاتته ولا يدري أية صلاة هي يجب عليه التحري لما قلنا فإن لم يستقر قلبه على شيء يصلي خمس صلوات ليخرج عما عليه بيقين وقال محمد بن مقاتل الرازي أنه يصلي ركعتين ينوي بهما الفجر ويصلي ثلاث ركعات أخر بتحريمة على حدة ينوي بها المغرب ثم يصلي أربعا ينوي بها ما فاتته فإن كانت الفائتة ظهرا أو عصرا أو عشاء انصرفت هذه إليها وقال سفيان الثوري يصلي أربعا ينوي بها ما عليه لكن بثلاث قعدات فيقعد على رأس الركعتين والثلاث والأربع وهو قول بشر حتى لو كانت المتروكة فجرا لجازت لقعوده على رأس الركعتين