Qur'an&Sunnah

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Bagian V05/P080–V05/P081

وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال إنما نهيتكم لأجل الدافة ( ( ( الرأفة ) ) ) دون حضرة الأضحى إلا أن إطعامها والتصدق أفضل إلا أن يكون الرجل ذا عيال وغير موسع الحال فإن الأفضل له حينئذ أن يدعيه ( ( ( يدعه ) ) ) لعياله ويوسع به عليهم ولأن حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره قال النبي عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بغيرك ولا يحل بيع جلدها وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها بشيء لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه من الدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات ولا أن يعطى أجر الجزار والذابح منها لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من باع جلد أضحيته فلا أضحية له وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي رضي الله عنه تصدق بجلالها وخطامها ولا تعطي أجر ( ( ( أجرا ) ) ) الجزار ( ( ( لجزار ) ) ) منها وروي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال إذا ضحيتم فلا تبيعوا لحوم ضحاياكم ولا جلودها وكلوا منها وتمتعوا ولأنها من ضيافة الله عز شأنه التي أضاف بها عباده وليس للضيف أن يبيع من طعام الضيافة شيئا فإن باع شيئا من ذلك نفذ عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا ينفذ لما ذكرنا فيما قبل الذبح ويتصدق بثمنه لأن القربة ذهبت عنه فيتصدق به ولأنه استفاده بسبب محظور وهو البيع فلا يخلو عن خبث فكان سبيله التصدق وله أن ينتفع بجلد أضحيته في بيته بأن يجعله سقاء أو فروا أو غير ذلك لما روي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أنها اتخذت من جلد أضحيتها سقاء ولأنه يجوز الانتفاع بلحمها فكذا بجلدها وله أن يبيع هذه الأشياء بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت كالجراب والمتخل ( ( ( والمنخل ) ) ) لأن البدل الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقوم مقام المبدل فكان المبدل قائما معنى فكان الانتفاع به كالانتفاع بعين الجلد بخلاف البيع بالدراهم والدنانير لأن ذلك مما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فلا يقوم مقام الجلد فلا يكون الجلد قائما معنى والله تعالى عز شأنه أعلم كتاب النذر الكلام في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن النذر وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم النذر أما الأول فركن النذر هو الصيغة الدالة عليه وهو قوله لله عز شأنه علي كذا أو على كذا أو هذا هدي أو صدقة أو مالي صدقة أو ما أملك صدقة ونحو ذلك فصل وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يتعلق بالناذر وبعضها يتعلق بالمنذور به وبعضها يتعلق بنفس الركن أما الذي يتعلق بالناذر فشرائط الأهلية منها العقل ومنها البلوغ فلا يصح نذر المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن حكم النذر وجوب المنذور به وهما ليسا من أهل الوجوب وكذا الصبي العاقل لأنه ليس من أهل وجوب الشرائع ألا ترى أنه لا يجب عليهما شيء من الشرائع بإيجاب الشرع ابتداء فكذا بالنذر إذ الوجوب عند وجود الصيغة من الأهل في المحل بإيجاب الله تعالى لا بإيجاب العبد إذ ليس للعبد ولاية الإيجاب وإنما الصيغة علم على إيجاب الله تعالى ومنها الإسلام فلا يصح نذر الكافر حتى لو نذر ثم أسلم لا يلزمه الوفاء به وهو ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله لأن كون المنذور به قربة شرط صحة النذر وفعل الكافر لا يوصف بكونه قربة

Bagian V05/P081

وأما حرية الناذر فليست من شرائط الصحة فيصح نذر المملوك ثم إن كان المنذور به من القرب الدينية كالصلاة والصوم ونحوهما يجب عليه للحال ولو كان من القرب المالية كالإعتاق والإطعام ونحو ذلك يجب عليه بعد العتاق لأنه ليس من أهل الملك للحال ولو قال إن اشتريت هذه الشاة فهي هدي أو إن اشتريت هذا العبد فهو حر فعتق لم يلزمه حتى يضيفه إلى ما بعد العتق في قياس قول أبي حنيفة وقد ذكرناه في كتاب العتاق وأما الطواعية فليست بشرط عندنا خلافا للشافعي رحمه الله كما في اليمين وكذا الجد والهزل والله عز شأنه أعلم وأما الذي يرجع إلى المنذور به فأنواع منها أن يكون متصور الوجود في نفسه شرعا فلا يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعا كمن قال لله تعالى علي أن أصوم ليلا أو نهارا أكل فيه وكالمرأة إذا قالت لله علي أن أصوم أيام حيضي لأن الليل ليس محل الصوم والأكل مناف للصوم حقيقة والحيض مناف له شرعا إذ الطهارة عن الحيض والنفاس شرط وجود الصوم الشرعي ولو قالت لله علي أن أصوم غدا فحاضت في غد أو قالت لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم حاضت فيه لا شيء عليها عند محمد وعند أبي يوسف عليها قضاء ذلك اليوم وهي من مسائل الصوم وعلى هذا يخرج ما إذا قال لله تعالى علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم في النهار أنه إن قدم قبل الزوال أو قبل أن يتناول شيئا من المفطرات يلزمه صومه وإن قدم بعد الزوال أو بعد ما تناول شيئا من المفطرات لا يلزمه شيء لأنه أوجب على نفسه صوم يوم موصوف بأنه يوجد فيه قدوم فلان ولا علم له بهذا اليوم قبل القدوم ولا دليل العلم ولا وجوب لهذا الصوم بدون العلم أو دليله لأن ما ثبت أداؤه على قصد المؤدي في تحصيله لا يجب أداؤه إلا بعد العلم بوجوبه أو دليل العلم فلم يجب الصوم ما لم يوجد اليوم الموصوف ولا وجود إلا بالقدوم فصار الوجوب على هذا التخريج متعلقا بالقدوم ووجوب صوم يوم لم تزل فيه الشمس ولم يتناول شيئا من المفطرات متصور كما لو أنشأ النذر فوجب عليه للحال ولا تصور له بعد التناول وبعد الزوال فلا يجب عليه شيء بخلاف اليمين بأن قال والله لأصومن اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم بعدما أكل أو بعد الزوال حنث في يمينه والفرق أن في باب النذر يجب الفعل حقا لله تعالى لأن الوجوب بإيجاب الله تعالى عند مباشرة سبب الوجوب من العبد فصار هذا وسائر العبادات المقصودة على السواء وأما في باب اليمين فالفعل في نفسه غير واجب بل الواجب هو الامتناع عن هتك حرمة اسم الله تعالى عز شأنه وإنما وجب الفعل لضرورة حصول البر وحصول البر أيضا لضرورة الامتناع عن الهتك فوجوبه لا يفتقر إلى العلم فكان وجوب تحصيل البر والامتناع ثابتا قبل وجود دليل الوجوب وهو القدوم فوجب عليه البر من أول وجود هذا اليوم الذي حلف أن يصومه وإن لم يكن له به علم فإذا لم يصم بأن أكل أو امتنع من النذر حتى زالت الشمس حنث في يمينه لفوات البر والله عز شأنه أعلم ومنها أن يكون قربة فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأسا كالنذر بالمعاصي بأن يقول لله عز شأنه علي أن أشرب الخمر أو أقتل فلانا أو أضربه أو أشتمه ونحو ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لا نذر في معصية الله تعالى وقوله من نذر أن يعصي الله تعالى فلا يعصه ولأن حكم النذر وجوب المنذور به ووجوب فعل المعصية محال وكذا النذر بالمباحات من الأكل والشرب والجماع ونحو ذلك لعدم وصف القربة لاستوائهما فعلا وتركا وكذا لو قال علي طلاق امرأتي لأن الطلاق ليس بقربة فلا يلزم بالنذر وهل يقع الطلاق به فيه كلام نذكره إن شاء الله تعالى

Bagian V05/P081–V05/P082

ومنها أن يكون قربة مقصودة فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والأذان وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك وإن كانت قربا لأنها ليست بقرب مقصودة ويصح النذر بالصلاة والصوم والحج والعمرة والإحرام بهما والعتق والبدنة والهدى والإعتكاف ونحو ذلك لأنها قرب مقصودة وقد قال النبي من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه وقال من نذر وسمى فعليه وفاؤه بما سمى إلا أنه خص منه المسمى الذي ليس بقربه أصلا والذي ليس بقربة مقصودة فيجب العمل بعمومه فيما وراءه ومن مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال ما له أصل في الفروض يصح النذر به ولا شك أن ما سوى الاعتكاف من الصلاة والصوم وغيرهما له أصل في الفروض والاعتكاف له أصل أيضا في الفروض وهو الوقوف بعرفة وما لا أصل له في الفروض لا يصح النذر به كعيادة المرضى وتشييع الجنازة ودخول المسجد ونحوها وعلل بأن النذر إيجاب العبد فيعتبر بإيجاب الله تعالى ولو قال لله علي أن أصوم يوم النحر أو أيام التشريق يصح نذره عند أصحابنا الثلاثة ويفطر ويقضي وقال زفر رحمه الله والشافعي لا يصح نذره لهما أنه نذر بما هو معصية لكون الصوم في أيام التشريق منهيا عنه لقوله عليه الصلاة والسلام ألا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب والمنهي عنه يكون معصية والنذر بالمعاصي لا يصح لما بينا والدليل عليه أن الصوم في هذه الأيام لا يلزم بالشروع ولا يضمن بالقضاء عند الإفساد بأن أصبح صائما ثم أفطر ولنا أنه نذر بقربة مقصودة فيصح النذر كما لو نذر بالصوم في غير هذه الأيام ودلالة الوصف النص والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام خبرا عن الله تعالى جل شأنه الصوم لي وأنا أجزي به من غير فصل وأما المعقول فهو أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء لأن الصائم في زمان الصوم يتقي الحلال فالحرام أولى ويعرف قدر نعم الله تعالى جل شأنه عليه بما تجشم من مرارة الجوع والعطش فيحمله ذلك على الشكر وعلى الإحسان إلى الفقراء لما عرف قدر مقاساة المبتلي بالجوع والفقر وهذه المعاني موجودة في الصوم في هذه الأيام وأنها معان مستحسنة عقلا والنهي لا يرد عما عرف حسنه عقلا لما فيه من التناقض فيحمل على غير مجاور له صيانة لحجج الله تعالى عن التناقض عملا بالدلائل بقدر الإمكان وأما فصل الشروع والقضاء فممنوع عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وعند أبي حنيفة عليه الرحمة إنما يلزم بالشروع ولا يجب القضاء بالإفطار لأن لزوم الإتمام في صوم التطوع لضرورة صيانة المؤدي عن الإبطال لأن إبطال العمل حرام وههنا صاحب الحق وهو الله تعالى جلت عظمته رضي بإبطال حقه فلا يحرم الإبطال فلا يلزم الإتمام ووجوب القضاء ضرورة لزوم الإتمام فإذا لم يلزم لا يجب ولو قال على المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى بكة فعليه حجة أو عمرة ماشيا وإن شاء ركب وعليه ذبح شاة لركوبه وجملة الكلام فيه أن المكان نوعان مكان يصح الدخول فيه بغير إحرام وهو ما سوى الحرم كمسجد المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ومسجد بيت المقدس وغيرهما من سائر المساجد والأماكن ومكان لا يصح الدخول فيه بغير إحرام وهو الحرم والحرم مشتمل على مكة ومكة على المسجد الحرام والمسجد الحرام على الكعبة فالناذر إما أن يسمى في النذر الكعبة أو بيت الله تعالى أو مكة أو بكة أو الحرم أو المسجد الحرام والأفعال التي يوجبها على نفسه شبه ألفاظ المشي والخروج والسفر والركوب والذهاب والإياب فإن أوجب على نفسه شيئا من هذه الأفعال وأضافه إلى مكان يصح دخوله فيه بغير إحرام لا يصح إيجابه لأنه أوجب على نفسه التحويل ( ( ( التحول ) ) ) من مكان إلى مكان وذا ليس بقربة مقصودة ولا يصح النذر بما ليس بقربة

Bagian V05/P082–V05/P083

والدليل عليه ما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إني نذرت إن فتح لك مكة أن أصلي مائتي ركعة في مائة مسجد فقال عليه الصلاة والسلام صلي في مسجد واحد فلم يصحح عليه الصلاة والسلام نذرها بالصلاة في كل مسجد والنذر بخلاف اليمين فإن اليمين تنعقد بهذه الألفاظ بأن يقول والله لأذهبن إلى موضع كذا أو لأسافرن أو غيرهما من الألفاظ لأن اليمين لا يقف انعقادها على كون المحلوف عليه قربة بل ينعقد على القربة وغيرها بخلاف النذر وإن أضاف إيجاب شيء من هذه الأفعال إلى المكان الذي لا يصح الدخول فيه بغير إحرام ينظر فإن أضاف إيجاب ما سوى المشي إليه لا يصح ولا يلزمه شيء لما ذكرنا أن التحول من مكان إلى مكان ليس بقربة في نفسه وإن أضاف إيجاب المشي إليه فإن ذكر سوى ما ذكرنا من الأمكنة من الكعبة وبيت الله تعالى ومكة وبكة والمسجد الحرام والحرم بأن أوجب على نفسه المشي إلى الصفا والمروة ومسجد الخيف وغيرها من المساجد التي في الحرم لا يصح نذره بلا خلاف وإن ذكر الكعبة وبيت الله عز شأنه أو مكة أو بكة يصح نذره ويلزمه حجة أو عمرة ماشيا وإن شاء ركب وذبح لركوبه شاة وهذا استحسان والقياس أن لا يصح ولا يلزمه شيء وجه القياس أن من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة ولا قربة في نفس المشي وإنما القربة في الإحرام وإنه ليس بمذكور ولهذا لم يصح بسائر الألفاظ سوى لفظ المشي وجه الاستحسان أن هذا الكلام عندهم كناية عن التزام الإحرام يستعملونه لالتزام الإحرام بطريق الكناية من غير أن يعقل فيه وجه الكتابة ( ( ( الكناية ) ) ) بمنزلة قوله لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة كناية عن التزام الصدقة باصطلاحهم والإحرام يكون بالحجة أو بالعمرة فيلزمه أحدهما بخلاف سائر الألفاظ فإنها ما جرت عادتهم بالتزام الإحرام بها والمعتبر في الباب عرفهم وعادتهم ولا عرف هناك فيلزمه ذلك ماشيا لأنه التزم المشي وفيه زيادة قربة قال النبي عليه الصلاة والسلام من حج ماشيا فله بكل خطوة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم قال عليه الصلاة والسلام واحدة بسبعمائة فجاز التزامه بالنذر كصفة التتابع في الصوم فيمشي حتى يطوف طواف الزيارة لأن بذلك يقع الفراغ من أركان الحج إلا أن له أن يركب ويذبح لركوبه شاة لما روي أن أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما نذرت أن تحج ماشية فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي سعيد الخدري إن الله تعالى غني عن تعذيب أختك مرها فلتركب ولترق دما وما روي في بعض الروايات أن عقبة بن عامر الجهني سأل رسول الله فقال إن أختي نذرت أن تحج البيت ماشية غير مختمرة فقال عليه الصلاة والسلام إن الله غني عن تعذيب أختك فلتركب ولتهد شاة وفي بعضها أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله تعالى حافية حاسرة فذكر ذلك عقبة لرسول الله فقال عليه الصلاة والسلام إن الله تعالى غني عن عناء أختك مرها فلتركب ولتهد شاة وتحرم إن شاءت بحجة وإن شاءت بعمرة وروي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال من جعل على نفسه الحج ماشيا حج وركب وذبح لركوبه شاة رواه في الأصل وإنما استوى فيه لفظ الكعبة وبيت الله ومكة وبكة لأن كل واحد من هذه الألفاظ يستعمل عند استعمال الآخر يقال فلان مشى إلى بيت الله وإلى الكعبة وإلى مكة وإلى بكة ولا يقال مشى إلى الصفا والمروة وإن ذكر المسجد الحرام أو الحرم قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح نذره ولا يلزمه شيء وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله يلزمه حجة أو عمرة وجه قولهما أن الحرم مشتمل على البيت وعلى مكة فصار كأنه قال علي المشي إلى بيت الله وإلى مكة

Bagian V05/P083–V05/P084

ولأبي حنيفة رحمه الله أن القياس أن لا يجب شيء بإيجاب المشي المضاف إلى مكان ماء لما ذكرنا أن المشي ليس بقربة مقصودة إذ هو انتقال من مكان إلى مكان فليس في نفسه قربة ولهذا لا يجب بسائر الألفاظ إلا أنا أوجبنا عليه الإحرام في لفظ المشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى بكة للعرف حيث تعارفوا استعمال ذلك كناية عن التزام الإحرام ولم يتعارفوا استعمال غيرها من الألفاظ ألا ترى أنه يقال مشى إلى مكة والكعبة وبيت الله ولا يقال مشى إلى الحرم أو المسجد الحرام كما يقال مشى إلى الصفا والمروة والكناية يتبع فيها عين اللفظ لا المعنى بخلاف المجاز فإنه يراعي فيه المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة لأن الكناية ثابتة بالاصطلاح كالأسماء الموضوعة فيتبع فيها العرف واستعمال اللفظ بخلاف المجاز ولو قال علي المشي إلى بيت الله وهو ينوي مسجدا من مساجد الله سوى المسجد الحرام لم يلزمه شيء لأنه نوى ما يحتمله لفظه لأن كل مسجد بيت الله تعالى فصحت نيته على أن الظاهر أن كانت إرادة الكعبة من هذا الكلام لا غير لكن هذا أمر بينه وبين الله تعالى فيكتفي فيه باحتمال اللفظ إياه في الجملة ولو قال أنا أحرم أو أنا محرم أو أهدي أو أمشي إلى البيت فإنه نوى به الإيجاب يكون إيجابا لأنه يذكر ويراد به الإيجاب كقولنا أشهد أن لا إله إلا الله أنه يكون توحيدا وكقول الشاهد عند القاضي أشهد أنه يكون شهادة فقد نوى ما يحتمله لفظه وإن نوى أن يعد من نفسه عدة ولا يوجب شيئا كان عدة ولا شيء عليه لأن اللفظ يحتمل العدة لأنه يستعمل في العدات وإن لم يكن له نية فهو على الوعد لأنه غلب استعماله فيه فعند الإطلاق يحمل عليه هذا إذا لم يعلقه بالشرط فإن علقه بالشرط بأن قال إن فعلت كذا فأنا أحرم فهو على الوجوه التي بينا أنه إن نوى الإيجاب يكون إيجابا وإن نوى الوعد يكون وعدا لما قلنا وإن لم يكن له نية فهو على الإيجاب بخلاف الفصل الأول لأن العدات لا تتعلق بالشروط وإن الواجبات تتعلق بها فالمعرفة إلى الإيجاب بقرينة التعليق بالشرط ولم توجد القرينة في الفصل الأول فصار الحاصل إن هذا اللفظ في غير المعين بالشرط على الوعد إلا أن ينوي به الإيجاب وفي المعلق يقع على الإيجاب إلا أن ينوي به الوعد ولو قال لله تعالى علي أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي يصح نذره ويلزمه الهدي وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة والأفضل هو الإبل ثم البقر ثم الشاة وإنما ينحر أو يذبح في أيام النحر سواء كان في الحرم أو لا وهذا استحسان وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس أن لا يصح نذره وهو قول أبي يوسف وزفر والشافعي رحمهم الله وجه القياس أنه نذر بما هو معصية والنذر بالمعاصي غير صحيح ولهذا لم يصح بلفظ القتل وجه الاستحسان قول النبي من نذر أن يطيع الله فليطعه وقوله عليه الصلاة والسلام من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى والمراد من الحديثين النذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة وقد نذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة لأنه نذر بذبح الولد تقديرا بما هو خلف عنه وهو ذبح الشاة فيصح النذر بذبح الولد على وجه يظهر أثر الوجوب في الشاة التي هي خلف عنه كالشيخ الفاني إذا نذر أن يصوم رجب أنه يصح نذره وتلزمه الفدية خلفا عن الصوم ودليل ما قلنا الحديث وضرب من المعقول أما الحديث فقول النبي أنا ابن الذبيحين أراد أول آبائه من العرب وهو سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام وآخر آبائه حقيقة وهو عبد الله بن عبد المطلب سماهما عليه الصلاة والسلام ذبيحين ومعلوم أنهما ما كانا ذبيحين حقيقة فكانا ذبيحين تقديرا بطريق الخلافة لقيام الخلف مقام الأصل

Bagian V05/P084–V05/P085

وأما المعقول فلأن المسلم إنما يقصد بنذره التقرب إلى الله تعالى إلا أنه عجز عن القرب ( ( ( التقرب ) ) ) بذبح الولد تحقيقا فلم يكن ذلك مرادا من النذر وهو قادر على ذبحه تقديرا بذبح الخلف وهو ذبح الشاة فكان هذا نذرا بذبح الولد تقديرا بذبح ما هو خلف عنه حقيقة كالشيخ الفاني إذا نذر بالصوم وإنما لا يصح بلفظ القتل لأن التعيين بالنذر وقع للواجب على سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام والواجب هناك بالإيجاب المضاف إلى ذبح الولد بقوله تعالى عز شأنه إني أرى في المنام أني أذبحك على أن هذا حكم ثبت استحسانا بالشرع والشرع إنما ورد بلفظ الذبح لا بلفظ القتل ولا يستقيم القياس لأن لفظ القتل لا يستعمل في تفويت الحياة على سبيل القربة والذبح يستعمل في ذلك ألا ترى أنه لو نذر بقتل شاة لا يلزمه ولو نذر بذبحها لزمه ولو نذر بنحر نفسه لم يذكر في ظاهر الروايات وذكر في نوادر هشام أنه على الاختلاف الذي ذكرنا ولو نذر بنحر ولد ولده ذكر في شرح الآثار أنه على الاختلاف ولو نذر بنحر والديه أو جده أو جدته يصح نذره عند أبي حنيفة رحمه الله وعند الباقين لا يصح ولو نذر بذبح عبده عند محمد رحمه الله يصح وعند الباقين لا يصح وإنما اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما مع اتفاقهما في الولد لاختلافهما في المعنى في الولد فالمعني في الولد عند أبي حنيفة رحمه الله هو أنه نذر بالتقرب إلى الله تعالى بذبح ما هو أعز الأشياء عنده وهذا المعني يوجد في الوالدين ولا يوجد في العبد وعند محمد رحمه الله المعنى في الولد أن النذر بذبحه تقرب إلى الله تعالى بما هو من مكاسبه والولد في معنى المملوك له شرعا قال النبي إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فعدى الحكم إلى المملوك حقيقة وهو العبد وإلى النفس وولد ولده لكونهما في معنى المملوك له ولم يعد إلى الوالدين لانعدام هذا المعنى وعلى هذا القياس ينبغي أن يصح نذر الجد بذبح الحافد وعند محمد لا يصح وإذا أوجب على نفسه الهدي فهو بالخيار بين الأشياء الثلاثة إن شاء أهدى شاة وإن شاء بقرة وإن شاء إبلا وأفضلها أعظمها لأن اسم الهدي يقع على كل واحد منهم ولو أوجب على نفسه بدنة فهو بالخيار بين شيئين الإبل والبقر والإبل أفضل لأن اسم البدانة يقع على كل واحد منهما ولو أوجب جزورا فعليه الإبل خاصة لأن اسم الجزور يقع عليه خاصة ولا يجوز فيهما إلا ما يجوز في الأضاحي وهو الثني من الإبل والبقر والجذع من الضأن إذا كان ضخما ولا يجوز ذبح الهدي الذي أوجب إلا في الحرم لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق ولم يرد به نفس البيت بل البقعة التي هو فيها وهي الحرم لأن الدم لا يراق في البيت والمراد من قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق نفس البيت لأنه هناك ذكر الطواف بالبيت وههنا أضافه إلى البيت لذلك افترقا ولأن الهدي اسم لما يهدي إلى مكان الهدايا ومكان الهدايا هو الحرم ولا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الضرورة فإن اضطر إلى ركوبها ركبها ويضمن ما نقص ركوبه عليها وهذه من مسائل المناسك ولو أوجب على نفسه أن يهدي مالا بعينه فإن كان مما لا يحتمل الذبح يلزمه أن يتصدق به أو بقيمته على فقراء مكة وإن كان مما يذبح ذبحه في الحرم وتصدق بلحمه على فقراء مكة ولو تصدق به على فقراء الكوفة جاز كذا ذكر في الأصل ولو أوجب بدنة فذبحها في الحرم وتصدق على الفقراء جاز بالإجماع ولو ذبح في غير الحرم وتصدق باللحم على الفقراء جاز عن نذره في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف رحمه الله لا يجوز

Bagian V05/P085–V05/P086

ولو أوجب جزورا فله أن ينحره في الحل والحرم ويتصدق بلحمه وهذه من مسائل الحج ولو قال ما أملك هدى أو قال ما أملك صدقة يمسك بعض ماله ويمضي الباقي لأنه أضاف الهدي والصدقة إلى جميع ما يملكه فيتناول كل جنس من جنس أمواله ويتناول القليل والكثير إلا أنه يمسك بعضه لأنه لو تصدق بالكل لاحتاج إلى أن يتصدق عليه فيتضرر بذلك وقد قال عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول فكان له أن يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب فإذا اكتسب ما لا تصدق بمثله لأنه انتفع به مع كونه واجب الإخراج عن ملكه لجهة الصدقة فكان عليه عوضه كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة عليه ولو قال مالي صدقة فهذا على الأموال التي فيها الزكاة من الذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم ولا يدخل فيه ما لا زكاة فيه فلا يلزم أن يتصدق بدور السكنى وثياب البدن والأثاث والعروض التي لا يقصد بها التجارة والعوامل وأرض الخراج لأنه لا زكاة فيها ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه لأنه مال الزكاة ألا ترى أنه إذا انضم إليه غيره تجب فيه الزكاة ويعتبر فيه الجنس لا القدر ولهذا قالوا إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دين محيط أنه يلزمه أن يتصدق به لأنه جنس مال تجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبة فإن قضى دينه به لزمه التصدق بمثله لما ذكرنا فيما تقدم وهذا الذي ذكرنا استحسان والقياس أن يدخل فيه جميع الأموال كما في فصل الملك لأن المال اسم لما يتمول كما أن الملك اسم لما يملك فيتناول جميع الأموال كالملك وجه الاستحسان أن النذر يعتبر بالأمر لأن الوجوب في الكل بإيجاب الله جل شأنه وإنما وجد من العبد مباشرة السبب الدال على إيجاب الله تعالى ثم الإيجاب المضاف إلى المال من الله تعالى في الأمر وهو الزكاة في قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة وقوله عز شأنه في أموالهم حق معلوم ونحو ذلك تعلق بنوع دون نوع فكذا في النذر وقد قال أبو يوسف رحمه الله قياس قول أبي حنيفة عليه الرحمة إذا حلف لا يملك مالا ولا نية له وليس له مال تجب فيه الزكاة يحنث لأن إطلاق اسم المال لا يتناول ذلك وقال أبو يوسف ولا أحفظ عن أبي حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك داره تدخل في نذره لأن اللفظ يحتمله وفيه تشديد على نفسه وقال أبو يوسف ويجب عليه أن يتصدق بما دون النصاب ولا أحفظه عن أبي حنيفة رحمه الله والوجه ما ذكرنا وإذا كانت له ثمرة عشرية أو غلة عشرية تصدق بها في قولهم لأن هذا مما يتعلق به حق الله تعالى وهو العشر وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تدخل الأرض في النذر وقال أبو يوسف يتصدق بها لأبي يوسف أنها من جملة الأموال النامية التي يتعلق حق الله تعالى بها فتدخل في النذر ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن حق الله تعالى لا يتعلق بها وإنما يتعلق بالخارج منها فلا تدخل قال بشر عن أبي يوسف إذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين ولم يسم فعليه ذلك فإن أطعم خمسة لم يجزه لأن النذر يعتبر بأصل الإيجاب ومعلوم أن ما أوجبه ينبغي أن يكون لعدد من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم إلا على التفريق في الأيام فكذا النذر ولو قال لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم على المساكين فتصدق بها على واحد أجزأه لأنه يجوز دفع الزكاة إلى مسكين واحد وإن كان المذكور فيها جميع المساكين لقول الله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين كذلك النذر ولو قال لله علي أن أطعم هذا المسكين هذا الطعام بعينه فأعطى ذلك الطعام غيره أجزأه لأن الصدقة المتعلقة بمال متعين لا يتعين فيها المسكين لأنه لما عين المال صار هو المقصود فلا يعتبر تعيين الفقير والأفضل أن يعطي الذي عينه

Bagian V05/P086

ولو قال لله علي إطعام عشرة مساكين وهو لا ينوي أن يطعم عشرة مساكين إنما نوى أن يطعم واحدا ما يكفي عشرة أجزأه لأن الطعام اسم للمقدار فكأنه أوجب مقدار ما يطعم عشرة فيجوز أن يطعم بعضهم ولو قال لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان ثم قال إن كلمت فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا وقدم فلان أجزأه أن يتصدق بتلك الدراهم عنهما جميعا ولا يلزمه غير ذلك وكذلك الصيام إذا سمى يوما بعينه لأنه علق وجوب شيء واحد بشرطين لكل واحد منهما بحياله فإن وجد الشرطان معا وجبت بالإيجابين جميعا لأن اجتماع سببين على حكم واحد جائز فإن وجدا على التعاقب وجب بالأول ولا يتعلق بالثاني حكم نظيره إذا قال لعبده إن دخل زيد هذه الدار فأنت حر ثم قال إن دخلها عمرو فأنت حر فإن دخلا معا عتق العبد بالإيجابين وإن دخلا على التعاقب عتق بالأول ولا يتعلق بالثاني حكم كذا هذا ولو قال إن كلمت فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا وجب عليه أن يتصدق بها لأنه أوجب على نفسه التصدق بها فيجب عليه ذلك فإن أعطى ذلك من كفارة يمينه أو من زكاة ماله فعليه لنذره مثل ما أعطى لأنه لما أعطى تعين للإخراج بجهة النذر ولم يتعين للإخراج بجهة الزكاة فإذا أخرجه بحق لم يتعين فيه صار مستهلكا له فيضمن مثله كما لو أنفقه بخلاف الفصل الأول لأن مثال الواجب تعين لكل واحد عن النذرين فجاز عنهما ولو قال إن قدم فلان فلله علي أن أصوم يوم الخميس ثم صام يوم الخميس عن قضاء رمضان أو كفارة يمين أو تطوعا فقدم فلان يومئذ بعد ارتفاع النهار فعليه يوم مكانه لقدوم فلان لأنه وجب عليه صوم ذلك اليوم عن جهة النذر لوجود شرط وجوبه وهو قدوم فلان فيه فإذا صام عن غيره فقد منع وقوعه عن النذر فصار كأنه قدم بعدما أكل فيلزمه صوم يوم آخر مكانه لقدوم فلان ولو كان أراد بهذا القول اليمين لم يحنث في يمينه لوجود شرط البر وهو صوم اليوم الذي حلف على صومه وجهات الصوم لم تتناولها اليمين ولو كان قدم فلان بعد الظهر لم يكن عليه قضاؤه لأنه لما قدم بعد الظهر لم يجب الصوم عن النذر كما لو أنشأ النذر بعد الزوال فقال لله علي أن أصوم هذا اليوم فلا يجب قضاؤه وإن قدم فلان قبل الزوال في يوم قد أكل فيه فعليه أن يقضي لأن القدوم حصل في زمان يصح ابتداء النذر فيه وإنما امتنع الصوم لوجود المنافي له وهو الأكل فلا يمنع صحة النذر كما لو أوجب ثم أكل ولو قال لله علي أن أصوم الشهر الذي يقدم فيه فلان فقدم في رمضان فصامه في رمضان أجزأ عن رمضان ولا يلزمه صوم آخر بالنذر لأن شهر رمضان في حال الصحة والإقامة يتعين لصومه لا يحتمل غيره فلم يتعلق بهذا النذر حكم ولا كفارة عليه إن كان أراد به اليمين لتحقق البر وهو الصوم واليمين انعقدت على الصوم دون غيره وقد صام ولو قال لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان شكرا لله تطوعا لقدومه ونوى به اليمين فصامه عن كفارة يمين ثم قدم فلان ذلك اليوم عند ارتفاع النهار فعليه قضاؤه والكفارة أما القضاء فلأنه نذر أن يصوم ذلك اليوم للقدوم وذلك اليوم غير معين ( ( ( متعين ) ) ) لصوم الكفارة فإذا صام عن جهة يتعين الوقت لها لزمه القضاء وأما الكفارة فلأنه لم يحلف على مطلق الصوم بل على أن يصوم عن القدوم فإذا صام عن غيره لم يوجد البر فيحنث ولو كان في رمضان فلا قضاء عليه وعليه الكفارة أما عدم وجوب القضاء فلأن زمان رمضان يتعين لصوم رمضان فلا يصح إيجاب الصوم فيه لغيره

Bagian V05/P086–V05/P087

وأما وجوب الكفارة فيه فلأنه لم يصم لما حلف عليه فلم يوجد البر وإن صامه ينوي الشكر على قدوم فلان ولا ينوي رمضان بر في يمينه وأجزأه عن رمضان أما الجواز عن رمضان فلأن صوم رمضان لا يعتبر فيه تعيين النية لكون الزمان متعينا له فوقع عنه وأما بره في يمينه فلأنه حلف علي الصوم بجهة وقد قصد تلك الجهة إلا أنه وقع عن غيره حكما من غير قصد ولو قال لله على أن أصوم هذا اليوم شهرا فإنه يصوم ذلك اليوم حتى يستكمل منه ثلاثين يوما فإنه تعذر حمله على ظاهره إذ اليوم الواحد لا يوجد شهرا لأنه إذا مضى لا يعود ثانيا فيحمل على التزام صوم اليوم المسمى بذلك اليوم الذي هو فيه من الاثنين أو الخميس كلما تجدد إلى أن يستكمل شهرا ثلاثين يوما حملا للكلام على وجه الصحة ولو قال لله علي أن أصوم هذا الشهر يوما نظر إلى ذلك الشهر أنه رجب أو شعبان أو غيره ويصير كأنه قال لله علي أن أصوم رجب ( ( ( رجبا ) ) ) أو شعبان في وقت من الأوقات إذ الشهر لا يوجد في يوم واحد فلا يمكن حمله على ظاهره وقد قصد تصحيح نذره فيحمل على وجه يصح وهو حمل اليوم على الوقت وقد يذكر اليوم ويراد به مطلق الوقت قال الله تعالى وتلك الأيام نداولها بين الناس وقال تعالى ومن يولهم يومئذ دبره ويقال في العرف يوما لنا ويوما علينا على إرادة مطلق الوقت ولو قال لله علي أن أصوم هذا اليوم غدا فعليه أن يصوم اليوم الذي قال فيه هذا القول إن قال ذلك قبل الزوال وقبل أن يتناول ما ينقض صومه ويبطل قوله غدا لأنه ركب اسما على اسم لا بحرف النسق فبطل التركيب لأنه يكون إيجاب صوم هذا اليوم غدا وهذا اليوم لا يوجد في غد فلا يكون الغد ظرفا له بطل قوله غدا وبقي قوله لله علي أن أصوم هذا اليوم فينظر في ذلك اليوم فإن كان قابلا للإيجاب صح وإلا بطل بخلاف الفصل الأول لأن اليوم قد يعتد به عن مطلق الوقت وأما الغد فلا يصلح عبارة عن مطلق الوقت ولا يعبر به إلا عن عين الغد ولو قال لله علي أن أصوم غدا اليوم فعليه أن يصوم غدا وقوله اليوم حشو من كلامه لأنه أوجب على نفسه صوم الغد وذلك صحيح ولم يصح قوله اليوم لأنه ركبه على الغد لا بحرف النسق فبطل لأن صوم غد لا يتصور وجوده في اليوم فلغى قوله اليوم وبقي قوله لله علي أن أصوم غدا ولو قال لله علي صوم أمس غدا لم يلزمه شيء لأن أمس لا يمكن أن يصام فيه لأنه لا يعود ثانيا فبطل الالتزام فيه فلا يلزمه بقوله غدا لأنه لم يوجب صوم غد وإنما جعل الغد ظرفا للأمس وأنه لا يصح ( ( ( يصلح ) ) ) ظرفا له فلغت ( ( ( فلغيت ) ) ) تسمية الغد أيضا والأصل في هذا النوع أن اللفظ الثاني يبطل في الأحوال كلها لما ذكرنا وإذا بطل هذا ينظر إلى اللفظ الأول فإن صلح صح النذر به وإلا بطل ولو قال لله علي صوم كذا كذا يوما ولا نية له فعليه صوم أحد عشر يوما لأنه جمع بين عددين مفردين مجملين لا بحرف النسق فانصرف إلى أقل عددين مفردين يجمع بينهما لا بحرف النسق وذلك أحد عشر لأن الأقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها وإن نوى شيئا فهو على ما نوى يوما كان أو أكثر لأن حمل هذا اللفظ على التكرار جائز في اللغة يقال صوم يوم يوم ويراد به تكرار يوم وإذا جاز هذا فقد نوى ما يحتمله كلامه فعلمت ( ( ( فعملت ) ) ) نيته

Bagian V05/P087–V05/P088

ولو قال لله علي صوم كذا وكذا يوما فعليه صوم أحد وعشرين يوما إن لم يكن له نية لأنه جمع بين عددين مفردين على الإكمال بحرف النسق فحمل على أقل ذلك وأقله أحد وعشرون يوما وإن كانت له نية فهو على ما نوى واحدا أو أكثر لأن هذا مما يحتمل التكرار يقال صوم يوم يوم ويراد به تكرار يوم واحد ولو قال لله علي صوم بضعة عشر يوما ولا نية له كان عليه صوم ثلاثة عشر يوما لأن البضع عند العرب عبارة عن ثلاثة فما فوقها إلى تمام العقد وهو عشرة وعشرون وثلاثون وأربعون ونحو ذلك فإذا لم يكن له نية صرف إلى أقله وذلك ثلاثة عشر إذ الأقل متيقن ولو قال لله علي صوم سنين فهو على ثلاث سنين لأن الثلاث مستحقة هذا الاسم بيقين ولو قال السنين فهو على عشر سنين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وعندهما على الأبد ولو قال علي صوم الشهور فهو على عشرة أشهر عند أبي حنيفة رحمه الله إذا لم يكن له نية وعندهما على اثني عشر شهرا ولو قال صوم شهر ( ( ( شهور ) ) ) فهو على ثلاثة أشهر بلا خلاف وكذا هذا في الأيام وأياما منكرا ومعرفا وعندهما المعرف يقع على الأيام السبعة وقد ذكرناه في كتاب الإيمان ولو قال لله علي صوم جمع هذا الشهر فعليه صوم كل يوم جمعة في ذلك الشهر إذا لم يكن له نية لأن هذا اللفظ يراد به في ظاهر العادة عين يوم الجمعة ولو قال لله علي صوم أيام الجمعة فعليه صوم سبعة أيام لأن أيام الجمعة سبعة في تعارف الناس ولو قال لله علي صوم جمعة فإن كانت له نية فهو على ما نوى إن نوى عين يوم الجمعة أو نوى أيامها لأن ظاهر لفظه يحتمل كلاهما ( ( ( كليهما ) ) ) وإن لم يكن له نية فهو على أيامها لأنه يراد به في أغلب العادات أيامها والله عز شأنه أعلم ولو نذر بقربة مقصودة من صلاة أو صوم فقال رجل آخر على مثل ذلك يلزمه وكذا إذا قال علي المشي إلى بيت الله عز شأنه وكل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق إذا دخلت الدار فقال رجل آخر على مثل ذلك إن دخلت الدار ثم دخل الثاني الدار فإنه يلزمه المشي ولا يلزمه العتاق والطلاق ثم قال ألا ترى أنه لو قال علي طلاق امرأتي فإن الطلاق لا يقع عليها وهذا يدل على أن من قال الطلاق علي واجب أنه لا يقع طلاقه قال القدوري رحمه الله وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال الطلاق لي لازم يقع الطلاق لعرف الناس أنهم يريدون به الطلاق وكان محمد بن سلمة يقول إن الطلاق يقع بكل حال وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن علي بن أحمد بن نصير ( ( ( نصر ) ) ) بن يحيى عن محمد بن مقاتل رحمهم الله أنه قال المسألة على الخلاف قال أبو حنيفة عليه الرحمة إذا قال الطلاق لي لازم أو علي واجب لم يقع وقال محمد يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب وحكى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف في رجل قال ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا قال إن نوى به الطلاق والعتاق فهو واقع وإلا لم يلزمه وكذلك لو قال ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إن دخلت الدار أو عتق عبدي هذا فدخل الدار وقع الطلاق والعتاق إن نوى ذلك وإن لم ينو فليس بشيء جعله بمنزلة كنايات الطلاق

Bagian V05/P088

وجه قول محمد عليه الرحمة إن الوقوع للعادة والعادة في اللزوم لأنهم يذكرونه على إرادة الإيقاع ولا عادة في الإيجاب فلا يقع شيء ولأبي يوسف رحمه الله أن الظاهر الإلزام والإيجاب للنذر ويحتمل أن يراد به التزام حكم الطلاق الواقع فيقف على النية كسائر كنايات الطلاق ولأبي حنيفة رحمه الله أن الطلاق لا يحتمل الإيجاب والإلزام لأنه ليس بقربة فبطل وروى ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال رجل امرأة زيد طالق ثلاثا ورقيقة أحرار وعليه المشي إلى بيت الله جل شأنه إن دخل هذه الدار فقال زيد نعم كان كأنه قد حلف بذلك كله لأن نعم جواب لا يستقل بنفسه فيتضمن إضمار ما خرج جوابا له كما في قوله عز شأنه فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم تقديره نعم وجدنا ما وعدنا ربنا حقا وكالشهود إذا قرأوا ( ( ( قرءوا ) ) ) على المشهود عليه كتاب الوثيقة فقالوا نشهد عليك بما فيه فقال نعم إن لهم أن يشهدوا لأن تقديره نعم اشهدوا علي بما في الكتاب ولو لم يكن قال نعم ولكنه قال أجزت ذلك فهذا لم يخلف ( ( ( يحلف ) ) ) على شيء لأن قوله أجزت ليس بإيجاب والتزام فلا يلزمه شيء فإن قال قد أجزت ذلك على أن دخلت الدار أو قال قد ألزمت نفسي ذلك إن دخلت الدار كان لازما له لأنه التزم ما قاله فلزمه ولو أن رجلا قال امرأة زيد طالق فقال زيد قد أجزت لزمه الطلاق وكذلك لو قال قد رضيت ما قال أو ألزمته نفسي لأن هذا ليس بيمين بل هو إيقاع فيقف على الإجازة فأما اليمين فيحتاج إلى الالتزام ليجوز على الحالف وينفذ عليه فلا بد من لفظ الالتزام ولو أن رجلا قال إن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر فقال زيد قد أجزت ذلك أو رضيت ذلك ثم اشتراه لم يعتق لأن الحالف أعتق عبده بشرط فوجد الشرط في غير ملكه فلم يحنث ولا يتعلق بالإجازة حكم لأن البائع لم يوقت اليمين وإنما حلف في ملك نفسه ولو كان البائع قال إن اشترى زيد هذا العبد فهو حر فقال نعم ثم اشتراه عتق عليه لأن البائع لم يعقد اليمين في ملك نفسه وإنما أضافها إلى ملك المشتري فصار عاقد ( ( ( عاقدا ) ) ) اليمين ( ( ( ليمين ) ) ) موقوفة وقد أجازها من وقفت عليه فتعلق الحكم بها وقال ابن سماعة عن أبي يوسف لو أن رجلا طلق امرأته فقال آخر علي مثل ذلك فإن هذا لا يلزم الثاني وكذلك لو قال علي مثل هذا الطلاق لأن قوله علي مثل ذلك إيجاب الطلاق على نفسه والطلاق لا يحتمل الإيجاب ولو حلف رجل بطلاق امرأته لا يدخل هذه الدار فقال آخر علي مثل ذلك إن دخلتها فإن دخلها الثاني لم يلزمه طلاق امرأته لأنه أوجب على نفسه الطلاق إن دخل الدار والطلاق لا يحتمل الإيجاب والإلزام لأنه ليس بقربة فإن أراد بهذا الإيجاب اليمين فليست بطلاق حتى تطلق فإن لم يفعل حتى مات أحدهما حنث لأن النذر إذا أريد به اليمين صار كأنه قال لا ( ( ( لأطلقنها ) ) ) طلقتها ولو قال ذلك لا يحنث حتى يموت أحدهما كذا هذا ولو قال عبدي هذا حر إن دخلت هذه الدار فقال آخر علي مثل ذلك إن دخلت هذه الدار فدخل الثاني لم يعتق عبده لأنه أوجب على نفسه بدخول الدار عتقا غير معين فكان له أن يخرج منه بشراء عبد يعتقه فلا يتعلق العتق بعبيده الموجودين لا محالة وإذا لم يتعلق بهم لا يلزمه عتق في ذمته لأنه لو لزمه لم يكن ذلك مثل ما فعله احلالف ( ( ( الحالف ) ) )

Bagian V05/P088–V05/P089

ولو أن رجلا قال لله على نسمة إن دخلت هذه الدار فقال آخر علي مثل ذلك إن دخلت فهذا لازم للأول ولازم للثاني أيهما دخل لزمه نسمة لأن الأول أوجب عتقا في ذمته وذلك مما يجب بالنذر وإذا أوجب آخر مثله وجب عليه بخلاف الفصل الأول لأن ثمة ما أوجب العتق بل علق فلا يكون على الثاني إيجاب لأنه ليس بمثل ولو قال كل مالي هدي وقال آخر وعلي مثل ذلك فعليه أن يهدي جميع ماله سواء كان أقل من مال الأول أو أكثر إلا أن يعني مثل قدره فيلزمه مثل ذلك إن كان مال الثاني أكثر وإن كان مال الثاني أقل يلزمه في ذمته تمام مال الأول لأن مطلق الإيجاب يضاف إلى هدي جميع ماله كما أوجب الأول فإذا أراد القدر فقد نوى ما يحتمله الكلام فيحمل عليه فإن قال رجل كل مال أملك إلى سنة فهو هدي فقال آخر على مثل ذلك لم يلزمه شيء لأن الثاني لم يضف الهدي إلى الملك فلا تثبت الإضافة بالإضمار والله عز شأنه أعلم ومنها أن يكون المنذور به إذا كان مالا مملوك الناذر وقت النذر أو كان النذر مضافا إلى الملك أو إلى سبب الملك حتى لو نذر بهدي ما لا يملكه أو بصدقه مالا يملكه للحال لا يصح لقوله عليه الصلاة والسلام لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم إلا إذا أضاف إلى الملك أو إلى سبب الملك بأن قال كل مال أملكه فيما استقبل فهو هدي أو قال فهو صدقة أو قال كلما اشتريته أو أرثه فيصح عند أصحابنا خلافا للشافعي رحمه الله والصحيح قولنا لقوله عز وجل ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين إلى قوله تعالى فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون دلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف لأن الناذر بنذره عاهد الله تعالى الوفاء بنذره وقد لزمه الوفاء بما عهد والمؤاخذة على ترك الوفاء به ولا يكون ذلك إلا في النذر الصحيح ومنها أن لا يكون مفروضا ولا وجابا ( ( ( واجبا ) ) ) فلا يصح النذر بشيء من الفرائض سواء كان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان أو فرض كفاية كالجهاد وصلاة الجنازة ولا بشيء من الواجبات سواء كان عينا كالوتر وصدقة الفطر والعمرة والأضحية أو على سبيل الكفاية كتجهيز الموتي وغسلهم ورد السلام ونحو ذلك لأن إيجاب الواجب لا يتصور وأما الذي يرجع إلى نفسه ( ( ( نفس ) ) ) الركن فخلوه عن الاستثناء فإن دخله أبطله فصل وأما حكم النذر فالكلام فيه في مواضع الأول في بيان أصل الحكم والثاني في بيان وقت ثبوته والثالث في بيان كيفية ثبوته أما أصل الحكم فالناذر لا يخلو من أن يكون نذر وسمى أو نذر ولم يسم فإن نذر وسمى فحكمه وجوب الوفاء بما سمى بالكتاب العزيز والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب الكريم فقوله عز شأنه وليوفوا نذورهم وقوله تعالى وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا ( ( ( مسئولا ) ) ) وقوله سبحانه وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم والنذر نوع عهد من الناذر مع الله جل وعلا فيلزمه الوفاء بما عهد وقوله جلت عظمته أوفوا بالعقود أي العهود وقوله عز شأنه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن إلى قوله تعالى بما أخلفوا الله ما وعدوه ألزم الوفاء بعهده حيث أوعد على ترك الوفاء وأما السنة فقول النبي من نذر أن يطيع الله تعالى فليطعه وقوله من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى وعلى كلمة إيجاب وقوله المسلمون عند شروطهم والناذر شرط الوفاء بما نذر فيلزمه مراعاة شرطه وعليه إجماع الأمة

Bagian V05/P089–V05/P090

وأما المعقول فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بنوع من القرب المقصودة التي له رخصة تركها لما يتعلق به من المعاقبة الحميدة وهي نيل الدرجات العلى والسعادة العظمى في دار الكرامة وطبعه لا يطاوعه على تحصيله بل يمنعه عنه لما فيه من المضرة الحاضرة وهي المشقة ولا ضرورة في الترك فيحتاج إلى اكتساب سبب يخرجه عن رخصة الترك ويلحقه بالفرائض الموظفة وذلك يحصل بالنذر لأن الوجوب يحمله على التحصيل خوفا من مضرة الترك فيحصل مقصوده فثبت أن حكم النذر الذي فيه تسمية هو وجوب الوفاء بما سمى وسواء كان النذر مطلقا أو مقيدا أو معلقا بشرط بأن قال إن فعلت كذا فعلي لله حج أو عمرة أو صوم أو صلاة أو ما أشبه ذلك من الطاعات حتى لو فعل ذلك يلزمه الذي جعله على نفسه ولم يجز عنه كفارة وهذا قول أصحابنا رضي الله عنهم وقال الشافعي رحمه الله أن علقه بشرط يريد كونه لا يخرج عنه بالكفارة كما إذا قال إن شفى الله مريضي أو إن قدم غائبي فعلي كذا وإن علقه بشرط لا يريد كونه بأن قال إن كلمت فلانا أو قال إن دخلت الدار فلله علي كذا يخرج عنه بالكفارة وهو بالخيار إن شاء وفى بالنذر وإن شاء كفر وأصحاب الشافعي رحمه الله يسمون هذا يمين الغصب وروى عامر عن علي بن معبد عن محمد رحمهم الله أنه رجع عن ذلك وقال يجزي فيه كفارة اليمين وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن أبي حنيفة رحمه الله أنه يجزيه كفارة اليمين وروي أن أبا حنيفة عليه الرحمة رجع عن ( ( ( إلى ) ) ) الكفارة في آخر عمره فإنه روي عن عبد العزيز بن خالد أنه قال قرأت على أبي حنيفة رحمه الله كتاب الأيمان فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال قف فإن من رأيي أن أرجع إلى الكفارة قال فخرجت حاجا فلما رجعت وجدت أبا حنيفة عليه الرحمة قد مات فأخبرني الوليد بن أبان أن أبا حنيفة رجع عن الكفارة والمسألة مختلفة بين الصحابة رضي الله عنهم روي عن علي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أن عليه الوفاء بما سمى وعن سيدنا عمر وعبد الله بن سيدنا عمر وسيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة رضي الله عنهم أن عليه الكفارة احتج ( ( ( واحتج ) ) ) من قال بوجوب الكفارة بقوله جلت عظمته ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وقوله جل شأنه ذلك كفارة أيمانكم وهذا يمين لأن اليمين بغير الله تعالى جل شأنه شرط وجزاء وهذا كذلك وروي عن رسول الله أنه قال النذر يمين وكفارته كفارة اليمينوهذا نص ولأن هذا في معنى اليمين بالله تعالى لأن المقصد من اليمين بالله الامتناع من المحلوف عليه أو تحصيله خوفا من لزوم الحنث وهذا موجود ههنا لأنه إن قال إن فعلت كذا فعلي حجة فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط وإن قال إن لم أفعل كذا فعلي حجة فقد قصد تحصيل الشرط وكل ذلك خوفا من الحنث فكان في معنى اليمين بالله تعالى فتلزمه الكفارة عند الحنث ولنا قوله جل شأنه ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله الآية وغيرها من نصوص الكتاب العزيز والسنة المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر عاما مطلقا من غير فصل بين المطلق والمعلق بالشرط والوفاء بالنذر هو فعل ما تناوله النذر لا الكفارة لأن الأصل اعتبار التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف تنجيزا كان أو تعليقا بشرط والمتصرف أوقعه نذرا عليه عند وجود الشرط وهو إيجاب الطاعة المذكورة لا إيجاب الكفارة واحتج أبو يوسف رحمه الله في ذلك وقال القول بوجوب الكفارة يؤدي إلى وجوب القليل بإيجاب الكثير ووجوب الكثير بإيجاب القليل لأنه لو قال ان فعلت كذا فعلي صوم سنة أو إطعام ألف مسكين لزمه صوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين

Bagian V05/P090–V05/P091

ولو قال إن فعلت كذا فعلي صوم يوم أو إطعام مسكين لزمه اطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة ولا حجة لهم بالآية الكريمة لأن المراد بها اليمين بالله عز شأنه لأن الله تعالى أثبت باليمين المعقودة ما نفاه بيمين اللغو بقوله تعالى جلت كبرياؤه لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان والمراد من النفي اليمين بالله تعالى كذا في الإثبات والحديث محمول على النذر المبهم توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وأما قولهم إن هذا في معنى اليمين بالله تعالى ممنوع بأن النذر المعلق بالشرط صريح في الإيجاب عند وجود الشرط واليمين بالله تعالى ليس بصحيح في الإيجاب وكذا الكفارة في اليمين بالله تعالى تجب جبرا لهتك حرمة اسم الله عز اسمه الحاصل بالحنث وليس في الحنث ههنا هتك حرمة اسم الله تعالى وإنما فيه إيجاب الطاعة فلم يكن في معنى اليمين بالله تعالى ثم الوفاء بالمنذور به نفسه حقيقة إنما يجب عند الإمكان فأما عند التعذر فإنما يجب الوفاء به تقديرا بخلفه لأن الخلف يقوم مقام الأصل كأنه هو كالتراب حال عدم الماء والأشهر حال عدم الأقراء حتى لو نذر الشيخ الفاني بالصوم يصح نذره وتلزمه الفدية لأنه عاجز عن الوفاء بالصوم حقيقة فيلزمه الوفاء به تقديرا بخلفه ويصير كأنه صام وعلى هذا يخرج أيضا النذر بذبح الولد أنه يصح عند أبي حنيفة عليه الرحمة ومحمد رحمه الله ويجب ذبح الشاة لأنه إن عجز عن تحقيق القربة بذبح الولد حقيقة لم يعجز عن تحقيقها بذبحه تقديرا بذبح خلفه وهو الشاة كما في الشيخ الفاني إذا نذر بالصوم وأما وجوب الكفارة عند فوات المنذور به إذا كان متعينا ( ( ( معينا ) ) ) بأن نذر صوم شهر بعينه ثم أفطر فهل هو من حكم النذر فجملة الكلام فيه أن الناذر لا يخلو إما إن قال ذلك ونوى النذر ولم يخطر بباله اليمين أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا أو لم يخطر بباله شيء لا النذر ولا اليمين أو نوى اليمين ولم يخطر بباله النذر أو نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا أو نوى النذر واليمين جميعا فإن لم يخطر بباله شيء لا النذر ولا اليمين أو نوى النذر ولم يخطر بباله اليمين أو نوى النذر ونوى أن لا يكون يمينا يكون نذرا بالإجماع وإن نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا ولا يكون نذرا بالاتفاق وإن نوى اليمين ولم يخطر بباله النذر أو نوى النذر واليمين جميعا كان نذرا ويمينا في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يكون يمينا ولا يكون نذرا والأصل عند أبي يوسف لا يتصور أن يكون الكلام الواحد نذرا ويمينا بل إذا بقي نذرا لا يكون يمينا وإذا صار يمينا لم يبق نذرا وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يجوز أن يكون الكلام الواحد نذرا ويمينا وجه قول أبي يوسف أن الصيغة للنذر حقيقة وتحتمل اليمين مجازا لمناسبة بينهما يكون ( ( ( بكون ) ) ) كل واحد منهما سببا لوجوب الكف عن فعل أو الإقدام عليه فإذا بقيت الحقيقة معتبرة لم يثبت المجاز وإذا انقلب مجازا لم تبق الحقيقة لأن الكلام الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لما بينهما من التنافي إذ الحقيقة من الأسامي ما تقرر في المحل الذي وضع له والمجاز ما جاوز محل وضعه وانتقل عنه إلى غيره لضرب مناسبة بينهما ولا يتصور أن يكون الشيء الواحد في زمان واحد متقررا في محله ومنتقلا عنه إلى غيره

Bagian V05/P091–V05/P092

ولهما أن النذر فيه معنى اليمين لأن النذر وضع لإيجاب الفعل مقصودا تعظيما لله تعالى وفي اليمين وجوب الفعل المحلوف عليه إلا أن اليمين ما وضعت لذلك بل لتحقيق الوعد والوعيد ووجوب الفعل لضرورة تحقق الوعد والوعيد لا أنه يثبت مقصودا باليمين لأنها ما وضعت لذلك وإذا كان وجوب الفعل فيها لغيره لم يكن الفعل واجبا في نفسه ولهذا تنعقد اليمين في الأفعال كلها واجبة كانت أو محظورة أو مباحة ولا ينعقد النذر إلا فيما لله تعالى من جنسه إيجاب ولهذا لم يصح اقتداء الناذر بالناذر لتغاير الواجبين لأن صلاة كل واحد منهما وجبت بنذره فتتغاير الواجبات ولم يصح الاقتداء ويصح اقتداء الحالف بالحالف لأن المحلوف عليه إذا لم يكن واجبا في نفسه كان في نفسه نفلا كأن اقتدى المتنفل بالمتنفل فصح وإذا ثبت أن المنذور واجب في نفسه والمحلوف واجب لغيره فلا شك إن ما كان واجبا في حق نفسه كان في حق غيره واجبا فكان معنى اليمين وهو الوجوب لغيره موجودا في النذر فكان كل نذر فيه معنى اليمين إلا أنه لا يعتبر لوقوع النسبة بوجوبه في حق نفسه عن وجوبه في حق غيره فإذا نواه فقد اعتبره فصار نذرا ويمينا وبه تبين أن ليس هذا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد لأن المجاز ما جاوز محل الحقيقة إلى غيره لنوع مناسبة بينهما وهذا ليس من هذا القبيل بل هو من جعل ما ليس بمعتبر في محل الحقيقة مع وجوده وتقرره معتبرا بالنسبة فلم يكن من باب المجاز والدليل على أنه يجوز اشتمال لفظ واحد على معنيين مختلفين كالكتابة والإعتاق على مال إن كل واحد منهما يشتمل على معنى اليمين ومعنى المعاوضة على ما ذكرنا في كتاب العتاق والمكاتب وأما النذر الذي لا تسمية فيه فحكمه وجوب ما نوى إن كان الناذر نوى شيئا سواء كان مطلقا عن شرط أو معلقا بشرط بأن قال لله على نذر أو قال إن فعلت كذا فلله علي نذر فإن نوى صوما أو صلاة أو حجا أو عمرة لزمه الوفاء به في المطلق للحال وفي المعلق بالشرط عند وجود الشرط ولا تجزيه الكفارة في قول أصحابنا على ما بينا وإن لم تكن له نية فعليه كفارة اليمين غير أنه إن كان مطلقا يحنث للحال وإن كان معلقا بشرط يحنث عند الشرط لقوله عليه السلام النذر يمين وكفارته كفارة اليمين والمراد منه النذر المبهم الذي لا نية للناذر فيه وسواء كان الشرط الذي علق به هذا النذر مباحا أو معصية بأن قال إن صمت أو صليت فلله علي نذر ويجب عليه أن يحنث نفسه ويكفر عن يمينه لقوله عليه الصلاة والسلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه ولو نوى في النذر المبهم صياما ولم ينو عددا فعليه صيام ثلاثة أيام في المطلق للحال وفي المعلق إذا وجد الشرط وإن نوى طعاما ولم ينو عددا فعليه طعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة لأنه لو لم يكن له نية لكان عليه كفارة اليمين لما ذكرنا أن النذر المبهم يمين وإن كفارته كفارة يمين فلما نوى به الصيام انصرف إلى صيام الكفارة وهو صيام ثلاثة أيام وانصرف الاطعام إلى طعام الكفارة وهو إطعام عشرة مساكين ولو قال لله على صدقة فعليه نصف صاع ولو قال لله علي صوم فعليه صوم يوم ولو قال لله علي صلاة فعليه ركعتان لأن ذلك أدنى ما ورد الأمر به والنذر يعتبر بالأمر فإذا لم ينو شيئا ينصرف إلى أدنى ما ورد به الأمر في الشرع

Bagian V05/P092

وأما وقت ثبوت هذا الحكم فالنذر لا يخلو إما أن يكون مطلقا وإما أن يكون معلقا بشرط أو مقيدا بمكان أو مضافا إلى وقت والمنذور لا يخلو إما أن كان قربة بدنية كالصوم والصلاة وإما أن كان مالية كالصدقة فإن كان النذر مطلقا عن الشرط والمكان والزمان فوقت ثبوت حكمه وهو وجوب المنذور به هو وقت وجود النذر فيجب عليه في الحال مطلقا عن الشرط والمكان والزمان لأن سبب الوجوب وجد مطلقا فيثبت الوجوب مطلقا وإن كان معلقا بشرط نحو أن يقول إن شفى الله مريضي أو إن قدم فلان الغائب فلله على أن أصوم شهرا أو أصلي ركعتين أو أتصدق بدرهم ونحو ذلك فوقته وقت الشرط فما لم يوجد الشرط لا يجب بالإجماع ولو فعل ذلك قبل وجود الشرط يكون نفلا لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط وهذا لأن تعليق النذر بالشرط هو إثبات النذر بعد وجود الشرط كتعليق الحرية بالشرط إثبات الحرية بعد وجود الشرط فلا يجب قبل وجود الشرط لانعدام السبب قبله وهو النذر فلا يجوز تقديمه على الشرط لأنه يكون أداء قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب فلا يجوز كما لا يجوز التكفير قبل الحنث لأنه شرط أن يؤديه بعد وجود الشرط فيلزمه مراعاة شرطه لقوله عليه الصلاة السلام ( ( ( والسلام ) ) ) المسلمون عند شروطهم وإن كان مقيدا بمكان بأن قال لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا أو أتصدق على فقراء بلد كذا يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله لا يجوز إلا في المكان المشروط وجه قوله أنه أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص فإذا أدى في غيره لم يكن مؤديا ما عليه فلا يخرج عن عهدة الواجب ولأن إيجاب العبد يعتبر بإيجاب الله تعالى مقيدا بمكان لا يجوز أداؤه في غيره كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة كذا ما أوجبه العبد ولنا أن المقصود والمبتغى من النذر هو التقرب إلى الله عز وجل فلا يدخل تحت نذره إلا ما هو قربة وليس في عين المكان وإنما هو محل أداء القربة فيه فلم يكن بنفسه قربة فلا يدخل المكان تحت نذره فلا يتقيد به فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة وإن كان مضافا إلى وقت بأن قال لله علي أن أصوم رجب ( ( ( رجبا ) ) ) أو أصلي ركعتين يوم كذا أو أتصدق بدرهم في يوم كذا فوقت الوجوب في الصدقة هو وقت وجود النذر في قولهم جميعا حتى يجوز تقديمها على الوقت بلا خلاف بين أصحابنا واختلف في الصوم والصلاة قال أبو يوسف وقت الوجوب فيهما وقت وجود النذر وعند محمد عليه الرحمة وقت مجيء الوقت حتى يجوز تقديمه على الوقت في قول أبي يوسف ولا يجوز في قول محمد رحمه الله وجه قول محمد أن النذر إيجاب ما شرع في الوقت نفلا ألا ترى أن النذر بما ليس بمشروع نفلا وفي وقت لا يتصور كصوم الليل وغيره لا يصح والناذر أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص فلا يجب عليه قبل مجيئه بخلاف الصدقة لأنها عبادة مالية لا تعلق لها بالوقت بل بالمال فكان ذكر الوقت فيه لغوا بخلاف العبادة البدنية وجه قول أبي يوسف أن الوجوب ثابت قبل الوقت المضاف إليه النذر فكان الأداء قبل الوقت المذكور أداء بعد الوجوب فيجوز والدليل على تحقق الوجوب قبل الوقت المعين وجهان أحدهما أن العبادات واجبة على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء الحرج بالنصوص والمعقول أما النصوص فقوله عز شأنه يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير وقوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ونحو ذلك

Bagian V05/P092–V05/P093

وأما المعقول فهو العبادة ليست إلا خدمة المولى وخدمة المولى على العبد مستحقة والتبرع من العبد على المولى محال والعبودية دائمة فكان وجوب العبادة عليه دائما ولأن العبادات وجبت شكرا للنعمة والنعمة دائمة فيجب أن يكون شكرها دائما حسب دوام النعمة إلا أن الشرع رخص للعبد تركها في بعض الأوقات فإذا نذر فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فيعود حكم العزيمة كالمسافر إذا اختار صوم رمضان فصام سقط عنه الفرض لأن الواجب عليه هو الصوم إلا أنه رخص له تركه لعذر السفر فإذا صام فقد اختار العزيمة وترك الرخصة فعاد حكم العزيمة لهذا المعنى كان الشروع في نفل العبادة اللزوم في الحقيقة بما ذكرنا من الدلائل بالشروع إلا أنه لما شرع فقد اختار العزيمة وترك الرخص فعاد حكم العزيمة كذا في النذر والثاني أنه وجه سبب الوجوب للحال وهو النذر وإنما الأجل ترفيه يترفه به في التأخير فإذا عجل فقد أحسن في إسقاط الأجل فيجوز كما في الإقامة في حق المسافر لصوم رمضان وهذا لأن الصيغة صيغة إيجاب أعني قوله لله علي أن أصوم والأصل في كل لفظ موجود في زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه في وضع اللغة ولا يجوز إبطاله ولا تغييره إلى غير ما وضع له إلا بدليل قاطع أو ضرورة داعية ومعلوم أنه لا ضرورة إلى إبطال هذه الصيغة ولا إلى تغييرها ولا دليل سوى ذكر الوقت وأنه محتمل قد يذكر للوجوب فيه كما في باب الصلاة وقد يذكر لصحة الأداء كما في الحج والأضحية وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الإقامة للمسافر والحول في باب الزكاة فكان ذكر الوقت في نفسه محتملا فلا يجوز إبطال صيغة الإيجاب الموجودة ( ( ( الموجود ) ) ) للحال مع الاحتمال فبقيت الصيغة موجبة وذكر الوقت للترفيه والتوسعة كيلا يؤدي إلى إبطال الثابت بيقين إلى أمر محتمل وبه تبين أن هذا ليس بإيجاب صوم رجب عينا بل هو إيجاب صوم مقدر بالشهر أي شهر كان فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين فأي شهر اتصل الأداء به تعين ذلك الشهر للوجوب فيه وإن لم يتصل به الأداء إلى رجب تعين رجب لوجوب الأداء فيه فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الأداء به وتعيين رجب بمجيئه قبل اتصال الأداء بشهر قبله كان ( ( ( كما ) ) ) في باب الصلاة أنها تجب في جزء من الوقت غير عين ( ( ( معين ) ) ) وإنما يتعين الوجوب بالشروع إن شرع فيها وإن لم يشرع إلى آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه وكما في النذر المطلق عن الوقت وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان والكفارة وغيرهما أنها تجب في مطلق الوقت في غير عين ( ( ( تعيين ) ) ) وإنما يتعين الوجوب إما باتصال الأداء به وإما بآخر العمر إذا صار إلى حال لو لم يؤد لفات بالموت وأما كيفية ثبوته فالنذر لا يخلو إما أن أضيف إلى وقت مبهم وإما أن أضيف إلى وقت معين فإن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال لله علي أن أصوم شهرا ولا نية له فحكمه هو حكم الأمر المطلق عن الوقت واختلف أهل الأصول في ذلك أن حكمه وجوب الفعل على الفور أم على التراخي حكى الكرخي رحمه الله عن أصحابنا أنه على الفور وروى ابن شجاع البلخي عن أصحابنا أنه يجب وجوبا موسعا فظهر الاختلاف بين أصحابنا في الحج فعند أبي يوسف يجب على الفور وعند محمد على التراخي وروي عن أبي حنيفة عليه الرحمة مثل قول أبي يوسف

Bagian V05/P093–V05/P094

وقال عامة مشايخنا بما وراء النهر أنه على التراخي وتفسير الواجب على التراخي عندهم أنه يجب في جزء من عمره غير عين ( ( ( معين ) ) ) وإليه خيار التعيين ففي أي وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب وإن لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره إذا بقي من آخر عمره قدر ما يمكنه الأداء فيه بغالب ظنه حتى لو مات قبل الأداء يأثم بتركه وهو الصحيح لأن الأمر بالفعل مطلق عن الوقت فلا يجوز تقييده إلا بدليل فكذلك النذر لأن النصوص المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت فلا يجوز تقييدها إلا بدليل وكذا سبب الوجوب وهو النذر وجد مطلقا عن الوقت والحكم يثبت على وفق السبب فيجب عليه أن يصوم شهرا من عمره غير عين ( ( ( معين ) ) ) وخيار التعيين إليه إلى أن يغلب على ظنه الفوات ( ( ( الفوت ) ) ) لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذ وكذا حكم الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم بأن قال لله علي أن أعتكف شهرا ولا نية له وهذا بخلاف اليمين بالكلام بأن قال والله لا أكلم فلانا شهرا أنه يتعين الشهر الذي يلي اليمين وكذا الإجارة بأن آجر داره أو عبده شهرا فإنه يتعين الشهر الذي يلي العقد لأنه أضاف النذر إلى شهر منكر والصرف إلى الشهر الذي يلي النذر يعين المنكر ولا يجوز تعيين المنكر إلا بدليل هو الأصل وقد قام دليل التعيين في باب اليمين والإجارة لأن غرض الحالف منع نفسه عن الكلام والإنسان إنما يمنع نفسه عن الكلام مع غيره لإهانته والاستخفاف به لداع يدعوه إلى ذلك الحال والإجارة تنعقد للحاجة إلى الانتفاع بالمستأجر والحاجة قائمة عقيب العقد فيتعين الزمان المتعقب للعقد لثبوت حكم الإجارة ويجوز تعيين المبهم عند قيام الدليل المعين ولو نوى شهرا معينا صحت نيته لأنه نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد عليه ثم في النذر المضاف إلى وقت مبهم إذا عين شهرا للصوم فهو بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق بخلاف الاعتكاف أنه إذا عين شهرا للاعتكاف فلا بد وأن يعتكف متتابعا في النهار والليالي جميعا لأن الإيجاب في النوعين حصل مطلقا عن صفة التتابع إلا أن في ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع وهو كونه لبثا على الدوام فكان مبناه على الاتصال والليالي والنهر قابلة لذلك فلا بد من التتابع ومبنى الصوم ليس على التتابع بل على التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح له وهو الليل فبقي له الخيار وإن أضيف إلى وقت معين بأن قال لله علي أصوم غدا يجب عليه صوم الغد وجوبا مضيقا ليس له رخصة التأخير من غير عذر وكذا إذا قال لله علي صوم رجب فلم يصم فيما سبق من الشهور على رجب حتى هجم رجب لا يجوز له التأخير من غير عذر لأنه إذا لم يصم قبله حتى جاء رجب تعين رجب لوجوب الصوم فيه التضييق فلا يباح له التأخير ولو صام رجب ( ( ( رجبا ) ) ) وأفطر منه يوما لا يلزمه الاستقبال ولكنه يقضي ذلك اليوم من شهر آخر بخلاف ما إذا قال لله علي أن أصوم شهرا متتابعا أو قال أصوم شهرا ونوى التتابع فأفطر يوما أنه يستقبل لأن هناك أوجب على نفسه صوما موصوفا بصفة التتابع وصح الإيجاب لأن صفة التتابع زيادة قربة لما يلحقه بمراعاتها من زيادة مشقة وهي صفة معتبرة شرعا ورد الشرع بها في كفارة القتل والظهار الإفطار ( ( ( والإفطار ) ) ) واليمين عندنا فيصح التزامه بالنذر فيلزمه كما التزم فإذا ترك فلم يأت بالملتزم فيستقبل كما في صوم كفارة الظهار والقتل فأما ههنا فما أوجب على نفسه صوما متتابعا وإنما وجب عليه التتابع لضرورة تجاور الأيام لأن أيام الشهر متجاورة فكانت متتابعة فلا يلزمه إلا قضاء ما أفطر كما لو أفطر يوما من رمضان لا يلزمه إلا قضاؤه وإن كان صوم شهر رمضان متتابعا لما قلنا كذا هذا

Bagian V05/P094–V05/P095

ولأنا لو ألزمناه الاستقبال لوقع أكثر الصوم في غير ما أضيف إليه النذر ولو أتم وقضى يوما لكان مؤديا أكثر الصوم في الوقت المعين فكان هذا أولى ولو أفطر رجب ( ( ( رجبا ) ) ) كله قضى في شهر آخر لأنه فوت الواجب عن وقته فصار دينا عليه والدين مقضي على لسان رسول الله ولهذا وجب قضاء رمضان إذا فات عن وقته ولأن الوجوب عند النذر بإيجاب الله عز شأنه فيعتبر بالإيجاب المبتدأ وما أوجبه الله تعالى عز شأنه على عباده ابتداء لا يسقط عنه إلا بالأداء أو بالقضاء كذا هذا والله تعالى عز شأنه أعلم كتاب الكفارات الكلام في الكفارات في مواضع في بيان أنواعها وفي بيان وجوب كل نوع وفي بيان كيفية وجوبه وفي بيان شرط وجوبه وفي بيان شرط جوازه أما الأول فالكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع كفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار وكفارة الإفطار والكل واجبة إلا أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة أما الأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز فكفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار قال الله تعالى عز شأنه في كفارة اليمين لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والكفارة في عرف الشرع اسم للواجب وقال جل شأنه في كفارة الحلق فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك أي فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك وقال تعالى في كفارة القتل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله أي فعليه تحرير رقبة مؤمنة وعليه ذلك وعليه صوم شهرين متتابعين لأن صيغته وإن كانت صيغة الخبر لكن لو حمل على الخبر لأدى إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف فيحمل على الإيجاب والأمر بصيغة الخبر كثير النظير في القرآن قال الله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن أي ليرضعن وقال عز شأنه والمطلقات يتربصن بأنفسهن أي ليتربصن ونحو ذلك وقال الله تعالى في كفارة الظهار والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا إلى قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا أي فعليهم ذلك لما قلنا وأما كفارة الإفطار فلا ذكر لها في الكتاب العزيز وإنما عرف وجوبها بالسنة وهو ما روي أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا صنعت فقال واقعت امرأتي في شهر رمضان متعمدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة قال ليس عندي ما أعتق فقال له صلى الله عليه وسلم صم شهرين متتابعين قال لا أستطيع فقال له عليه الصلاة والسلام أطعم ستين مسكينا فقال لا أجد ما أطعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرق فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال خذها وفرقها على المساكين فقال أعلى أهل بيت أحوج مني والله ما بين لابتي المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي فقال له النبي عليه الصلاة والسلام كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك وفي بعض الروايات أن الأعرابي لما قال ذلك تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال عليه الصلاة والسلام كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك فقد أمر عليه الصلاة والسلام بالإعتاق ثم بالصوم ثم بالإطعام ومطلق الأمر محمول على الوجوب والله عز شأنه أعلم فصل وأما بيان كيفية وجوب هذه الأنواع

Bagian V05/P095–V05/P096

فلوجوبها كيفيتان إحداهما أن بعضها واجب على التعيين مطلقا وبعضها على التخيير مطلقا وبعضها على التخيير في حال والتعيين في حال أما الأول فكفارة القتل والظهار والإفطار لأن الواجب في كفارة القتل التحرير على التعيين لقوله عز شأنه ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله جل شأنه فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين والواجب في كفارة الظهار والإفطار ما هو الواجب في كفارة القتل وزيادة الإطعام إذا لم يستطع الصيام لقوله عز شأنه فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا وكذا الواجب في كفارة الإفطار لما روينا من الحديث وأما الثاني فكفارة الحلق لقوله عز شأنه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وأما الثالث فهو كفارة اليمين لأن الواجب فيها أحد الأشياء الثلاثة باختياره فعلا غير عين وخيار التعيين إلى الحالف يعين أحد الأشياء الثلاثة باختياره فعلا وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في الأمر بأحد الأشياء أنه يكون أمرأ بواحد منها غير عين وللمأمور خيار التعيين وقالت المعتزلة يكون أمرا بالكل على سبيل البدل وهذا الاختلاف بناء على أصل مختلف بيننا وبينهم معروف يذكر في أصول الفقه والصحيح قولنا لأن كلمه أو إذا دخلت بين أفعال يراد بها واحد منها لا الكل في الإخبار والإيجاب جميعا يقال جاءني زيد أو عمرو ويراد به مجيء أحدهما ويقول الرجل لآخر بع هذا أو هذا ويكون توكيلا ببيع أحدهما فالقول بوجوب الكل يكون عدولا عن مقضى ( ( ( مقتضى ) ) ) اللغة ولدلائل أخر عرفت في أصول الفقه فإن لم يجد شيئا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام على التعيين لقوله عز شأنه فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم والثانية أن الكفارات كلها واجبة على التراخي هو الصحيح من مذهب أصحابنا في الأمر المطلق عن الوقت حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان ويكون مؤديا لا قاضيا ومعنى الوجوب على التراخي هو أن يجب في جزء من عمره غير عين وإنما يتعين بتعيينه فعلا أو في آخر عمره بأن أخره إلى وقت يغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه لفات فإذا أدى فقد أدى الواجب وإن لم يؤد حتى مات أثم لتضييق الوجوب عليه في آخر العمر وهل يؤخذ من تركته ينظر إن كان لم يوص لا يؤخذ ويسقط في حق أحكام الدنيا عندنا كالزكاة والنذر ولن تبرع عنه ورثته جاز عنه في الإطعام والكسوة وأطعموا في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم وفي كفارة الظهار والإفطار أطعموا ستين مسكينا ولا يجبرون عليه ولا يجوز أن يعتقوا عنه لأن التبرع بالإعتاق عن الغير لا يصح ولا أن يصوموا عنه لأنه عبادة بدنية محضة فلا تجري فيه النيابة وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد وإن كان أوصى بذلك يؤخذ من ثلث ماله فيطعم الوصي في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة لأنه لما أوصى فقد بقي ملكه في ثلث ماله وفي كفارة القتل والظهار والإفطار تحرير رقبة إن بلغ ثلث ماله قيمة الرقبة وإن لم يبلغ أطعم ستين مسكينا في كفارة الظهار والإفطار ولا يجب الصوم فيها وإن أوصى لأن الصوم نفسه لا يحتمل النيابة ولا يجوز الفداء عنه بالطعام لأنه في نفسه بدل والبدل لا يكون له بدل ولو أوصى أن يطعم عنه عشرة مساكين عن كفارة يمينه ثم مات فغدى الوصي عشرة ثم ماتوا يستأنف فيغدي ويعشي غيرهم لأنه لا سبيل إلى تفريق الغداء والعشاء على شخصين لما نذكر ولا يضمن الوصي شيئا لأنه غير متعد إذ لا صنع له في الموت ولو قال أطعموا عني عشرة مساكين غداء وعشاء ولم يسم كفارة فغدوا عشرة ثم ماتوا يعشوا عشرة غيرهم لأنه لم يأمر بذلك على وجه الكفارة ألا ترى أنه لم يسم كفارة فكان سببه النذر فجاز التفريق والله تعالى عز شأنه أعلم فصل وأما شرائط وجوب كل نوع