Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
وكذلك لو أعطى بالدراهم دنانير أو شيئا من المكيل أو الموزون فإنه يرجع عليه بما كفل لا بما أدى لما ذكرنا بخلاف ما إذا صالح من الألف على خمسمائة أنه يرجع بالخمسمائة لا بالألف لأنه بأداء الخمسمائة ما ملك ما في ذمة الأصيل وهو الألف لأنه لا يمكن إيقاع الصلح تمليكا ههنا لأنه يؤدي إلى الربا فيقع إسقاطا لبعض الحق والساقط لا يحتمل الرجوع به وعن محمد فيمن كفل خمسة ( ( ( بخمسة ) ) ) دنانير فصالح الطالب الكفيل على ثلاثة ولم يقل أصالحك على أن تبرئني فالصلح واقع عن الأصيل والكفيل جميعا وبرئا جميعا ويرجع الكفيل على الأصيل بثلاثة دنانير ولو قال أصالحك على ثلاثة على أن تبرئني فهذا براءة عن الكفيل خاصة ويرجع الطالب على المطلوب بدينارين لأن في الفصل الأول إيقاع الصلح على ثلاثة دنانير تصرف في نفس الحق بإسقاط بعضه فكان الصلح واقعا عنهما جميعا فيبرآن جميعا ويرجع الكفيل على الأصيل بثلاثة دنانير لأنه ملك هذا القدر بالأداء فيرجع به عليه وأما في الفصل الثاني فإضافة الصلح إلى ثلاثة مقرونا بشرط الإبراء المضاف إلى الكفيل إبراء للكفيل عن المطالبة بدينارين وإبراء الكفيل لا يوجب إبراء الأصيل فيبرأ الكفيل ويبقي الديناران على الأصيل فيأخذه الطالب منهما وبالله التوفيق كتاب الحوالة الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الحوالة وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الحوالة وفي بيان ما يخرج به المحال عليه عن الحوالة وفي بيان الرجوع بعد الخروج أنه هل يرجع أم لا أما ركن الحوالة فهو الإيجاب والقبول الإيجاب من المحيل والقبول من المحال عليه والمحال جميعا فالإيجاب أن يقول المحيل للطالب أحلتك على فلان هكذا والقبول من المحال عليه والمحال أن يقول كل واحد منهما قبلت أو رضيت أو نحو ذلك مما يدل على القبول والرضا وهذا عند أصحابنا وقال الشافعي رحمه الله إن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين فكذلك فأما إذا كان له عليه دين فيتم بإيجاب المحيل وقبول المحتال وجه قوله إن المحيل في هذه الصورة مستوف حق نفسه بيد الطالب فلا يقف على قبول من عليه الحق كما إذا وكله بالقبض وليس هو كالمحال لأن الحوالة تصرف عليه بنقل حقه من ذمة إلى ذمة مع اختلاف الذمم فلا يصح من غير رضا صاحب الحق ولنا أن الحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إلى ذمته فلا يتم إلا بقبوله ورضاه بخلاف التوكيل بقبض الدين لأنه ليس تصرفا عليه بنقل الواجب إليه ابتداء بل هو تصرف بأداء الواجب فلا يشترط قبوله ورضاه ولأن الناس في اقتضاء الديون والمطالبة بها على التفاوت بعضهم أسهل مطالبة واقتضاء وبعضهم أصعب فلا بد من قبوله ليكون لزوم ضرر الصعوبة مضافا إلى التزامه فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى المحيل وبعضها يرجع إلى المحال وبعضها يرجع إلى المحال عليه وبعضها يرجع إلى المحال به أما الذي يرجع إلى المحيل فأنواع منها أن يكون عاقلا فلا تصح حوالة المجنون والصبي الذي لا يعقل لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات كلها ومنها أن يكون بالغا وهو شرط النفاذ دون الانعقاد فتنعقد حوالة الصبي العاقل موقوفا نفاذه على إجازة وليه لأن الحوالة إبراء بحالها وفيها معنى المعاوضة بمالها خصوصا إذا كانت مقيدة فتنعقد من الصبي كالبيع ونحوه فأما حرية المحيل فليست بشرط لصحة الحوالة حتى تصح حوالة العبد مأذونا كان في التجارة أو محجورا لأنها ليست بتبرع بالتزام شيء كالكفالة فيملكها العبد غير أنه إن كان مأذونا في التجارة رجع عليه المحال عليه للحال إذا أدى ولم يكن للعبد عليه دين مثله ويتعلق برقبته وإن كان محجورا يرجع عليه بعد العتق وكذا الصحة ليست بشرط لصحة الحوالة لأنها من قبل المحيل ليست بتبرع فتصح من المريض ومنها رضا المحيل حتى لو كان مكرها على الحوالة لا تصح لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات
وأما الذي يرجع إلى المحال فأنواع منها العقل لما ذكرنا ولأن قبوله ركن وغير العاقل لا يكون من أهل القبول ومنها البلوغ وأنه شرط النفاذ لا شرط الانعقاد فينعقد احتياله موقوفا على إجازة وليه إن كان الثاني أملأ من الأول وكذا الوصي إذا احتال بمال اليتيم فلا تصح إلا بهذه الشريطة لأنه منهي عن قربان ماله إلا على وجه الأحسن للآية الشريفة فيه ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ومنها الرضا علي لو احتال مكرها لا تصح لما ذكرنا ومنها مجلس الحوالة وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف شرط النفاذ حتى إن المحتال لو كان غائبا عن المجلس فبلغه الخبر فأجاز لا ينفذ عندهما وعند أبي يوسف ينفذ والصحيح قولهما لأن قبوله من أحد الأركان الثلاثة فكان كلامهما بدون شرط العقد فلا يقف على غائب عن المجلس كما في البيع وأما الذي يرجع إلى المحال عليه فأنواع أيضا منها العقل فلا يصح من المجنون والصبي الذي لا يعقل قبول الحوالة أصلا لما ذكرنا ومنها البلوغ وإنه شرط الانعقاد أيضا فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلا لما ذكرنا وإن كان عاقلا سواء كان محجورا عليه أو مأذونا في التجارة وسواء كانت الحوالة بغير أمر المحيل أو بأمره أما إذا كانت بغير أمره فظاهر لأنه لا يملك الرجوع على المحيل فكان تبرعا بابتدائه وانتهائه وكذلك إذا كانت بأمره لأنه تبرع بابتدائه فلا يملكه الصبي محجورا كان أو مأذونا في التجارة كالكفالة وإن قبل عنه وليه لا يصح أيضا لأنه من التصرفات الضارة فلا يملكه الولي ومنها الرضا حتى لو أكره على قبول الحوالة لا يصح ومنها المجلس وإنه شرط الانعقاد عندهما لما ذكرنا في جانب المحيل وأما الذي يرجع إلى المحال به فنوعان أحدهما أن يكون دينا فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة لأنها نقل ما في الذمة ولم يوجد والثاني أن يكون لازما فلا تصح الحوالة من ( ( ( بدين ) ) ) غير لازم كبدل الكتابة وما يجري مجراه لأن ذلك دين تسمية لا حقيقة إذ المولى لا يجب له على عبده دين والأصل أن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به وأما وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة فليس بشرط لصحة الحوالة حتى تصح الحوالة سواء كان للمحيل على المحال عليه دين أو لم يكن وسواء كانت الحوالة مطلقة أو مقيدة والجملة فيه أن الحوالة نوعان مطلقة ومقيدة فالمطلقة أن يحيل بالدين على فلان ولا يقيده بالدين الذي عليه والمقيدة أن يقيده بذلك والحوالة بكل واحدة من النوعين جائزة لقوله عليه الصلاة والسلام من أحيل على مليء فليتبع من غير فصل إلا أن الحوالة المطلقة تخالف الحوالة المقيدة في أحكام منها إذا أطلق الحوالة ولم يكن له على المحال عليه دين فإن المحال يطلب المحال عليه بدين الحوالة لا غير وإن كان له عليه دين فإن المحال عليه يطالب بدينين دين الحوالة ودين المحيل فيطالبه المحال بدين الحوالة ويطالبه المحيل بالدين الذي له عليه ولا ينقطع حق المطالبة للمحيل بدينه بسبب الحوالة لأن الحوالة لم تتقيد بالدين الذي للمحال عليه لأنها وجدت مطلقة عن هذه الشريطة فيتعلق دين الحوالة بنعته ودين المحيل بقي على حاله وإذا قيدها بالدين الذي عليه ينقطع حق مطالبة المحيل لأنه قيد الحوالة بهذا الدين فيتقيد به ويكون ذلك الدين بمنزلة الرهن عنده وإن لم يكن رهنا على الحقيقة
ومنها أنه لو ظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت به الحوالة بأن كان الدين ثمن مبيع فاستحق المبيع تبطل الحوالة ولو سقط عنه الدين لمعنى عارض بأن هلك المبيع عند البائع قبل التسليم بعد الحوالة حتى سقط الثمن عنه لا تبطل الحوالة عنه لكن إذا أدى الدين بعد سقوط الثمن يرجع بما أدى على المحيل لأنه قضى دينه بأمره ولو ظهر ذلك في الحوالة المطلقة لا يبطل لأنه لما قيد الحوالة به فقد تعلق الدين به فإذا ظهر أنه لا دين فقد ظهر أنه لا حوالة لأن الحوالة بالدين وقد تبين أنه لا دين فتبين أنه لا حوالة ضرورة وهذا لا يوجد في الحوالة المطلقة لأن تعلق الدين به يوجب تقييد الحوالة ولم يوجد فلا يتعلق به الدين فيتعلق بالذمة فلا يظهر أن الحوالة كانت باطلة وكذلك لو قيد الحوالة بألف وديعة عند رجل فهلكت الألف عند المودع بطلت الحوالة ولو كانت الألف على المحال عليه مضمونه لا تبطل الحوالة بالهلاك لأنه يجب عليه مثلها ومنها إنه إذا مات المحيل في الحوالة المقيدة قبل أن يؤدي المحال عليه الدين إلى المحال وعلى المحيل ديون سوى دين المحال وليس له مال سوى هذا الدين لا يكون المحال أحق به من بين سائر الغرماء عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون أحق به من بين سائر الغرماء كالرهن ولنا الفرق بين الحوالة والرهن وهو أن المرتهن اختص بغرم الرهن من بين سائر الغرماء ألا ترى أنه لو هلك يسقط دينه خاصة ولما اختص بغرمه اختص بغنمه لأن الخراج بالضمان فأما المحال في الحوالة المقيدة فلم يختص بغرم ذلك المال ألا ترى أنه لو توى لا يسقط دينه على المحيل والتوى على المحيل دونه فلما لم يختص بغرمه لم يختص بغنمه أيضا بل يكون هو وغرماء المحيل أسوة في ذلك وإذا أراد المحيل أن يأخذ المحال عليه ببقية دينه فليس له ذلك لأن المال الذي قيدت به الحوالة استحق من المحال عليه فبطلت الحوالة ولو كانت الحوالة مطلقة والمسألة بحالها يؤخذ من المحال عليه جميع الدين الذي عليه ويقسم بين غرماء المحيل ولا يدخل المحال في ذلك وإنما يؤخذ من المحال عليه لأن الحوالة لم تتعلق به فذلك ملك المحيل ولا يشاركهم المحال في ذلك لأن حقه ثبت على المحال عليه ولا يعود إلى المحيل ولكن القاضي يأخذ من غرماء المحيل كفيلا لأنه ثبت الرجوع إليهم لأحد رجلين أما المحال إذا توى ما على الآخر وأما المحال عليه إذا أدى الدين فالقاضي نصب ناظرا لأمور المسلمين فيحتاط في ذلك بأخذ الكفيل فصل وأما بيان حكم الحوالة فنقول وبالله تعالى التوفيق الحوالة لها أحكام منها براءة المحيل وهذا عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر الحوالة لا توجب براءة المحيل والحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبلها كالكفالة سواء وجه قوله إن الحوالة شرعت وثيقة للدين كالكفالة وليس من الوثيقة براءة الأول بل الوثيقة في مطالبة الثاني مع بقاء الدين على حاله في ذمة الأول من غير تغيير كما في الكفالة سواء ولنا أن الحوالة مشتقة من التحويل وهو النقل فكان معنى الانتقال لازما فيها والشيء إذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول ضرورة ومعنى الوثيقة يحصل بسهولة الوصول من حيث الملاءة والإنصاف ولو كفل بشرط براءة الأصيل جاز وتكون حوالة لأنه أتى بمعنى الحوالة واختلف مشايخنا المتأخرون في كيفية النقل مع اتفاقهم على ثبوت أصله موجبا للحوالة قال بعضهم إنها نقل المطالبة والدين جميعا وقال بعضهم إنها نقل المطالبة فحسب فأما أصل الدين فباق في ذمة المحيل وجه قول الأولين دلالة الإجماع والمعقول
أما دلالة الإجماع فلأنا أجمعنا على أنه لو أبرأ المحال عليه من الدين أو وهب الدين منه صحت البراءة والهبة ولو أبرأ المحيل من الدين أو وهب الدين منه لا يصح ولولا أن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه وفرغت ذمة المحيل عن الدين لما صح الأول لأن الإبراء عن الدين وهبة الدين ولا دين محال ولصح الثاني لأن الإبراء عن دين ثابت وهبته منه صحيح وإن تأخرت المطالبة كالإبراء عن الدين المؤجل وأما المعقول فلأن الحوالة توجب النقل لأنها مشتقة من التحويل وهو النقل فيقتضي نقل ما أضيف إليه وقد أضيف إلى الدين لا إلى المطالبة لأنه إذا قال أحلت بالدين أو أحلت فلانا بدينه فيوجب انتقال الدين إلى المحال عليه إلا أنه إذا انتقل أصل الدين إليه تنتقل المطالبة لأنها تابعة وجه قول الآخرين دلالة الإجماع والمعقول أما دلالة الإجماع فإن المحيل إذا قضي دين الطالب بعد الحوالة قبل أن يؤدي المحال عليه لا يكون متطوعا ويجبر على القبول ولو لم يكن عليه دين لكان متطوعا فينبغي أن لا يجبر على القبول كما إذا تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرتد برده ولو وهبه منه يرتد برده كما إذا أبرأ الطالب الكفيل أو وهب منه ولو انتقل الدين إلى ذمة المحال عليه لما اختلف حكم الإبراء والهبة ولا ارتدا جميعا بالرد كما لو أبرأ الأصيل أو وهب منه وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرجع على المحيل وإن كانت الحوالة بأمره كما في الكفالة ولو وهب الدين منه له أن يرجع عليه إذا لم يكن للمحيل عليه دين كما في الكفالة ولو كان له عليه دين يلتقيان قصاصا كالكفالة سواء فدلت هذه الأحكام على التسوية بين الحوالة والكفالة ثم إن الدين في باب الكفالة ثابت في ذمة الأصيل فكذا في الحوالة وأما المعقول فهو أن الحوالة شرعت وثيقة للدين بمنزلة الكفالة وليس من الوثيقة إبراء الأول بل الوثيقة في نقل المطالبة مع قيام أصل الدين في ذمة المحيل ومنها ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته أو في ذمة المحيل على حسب ما ذكرنا من اختلاف المشايخ فيه لأن الحوالة أوجبت النقل إلى ذمة المحال عليه بدين في ذمته إما نقل الدين والمطالبة جميعا وإما نقل المطالبة لا غير وذلك يوجب حق المطالبة للمحال على المحال عليه ومنها ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال فكلما لازمه المحال فله أن يلازم المحيل ليتخلص عن ملازمة المحال وإذا حبسه له أن يحبسه إذا كانت الحوالة بأمر المحيل ولم يكن على المحال عليه دين مثله للمحيل لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة فعليه تخليصه منها وإن كانت الحوالة بغير أمره أو كانت بأمره ولكن للمحيل على المحال عليه دين مثله والحوالة مقيدة لم يكن للمحال عليه أن يلازم المحيل إذا لوزم ولا أن يحبسه إذا حبس لأن الحوالة إذا كانت بغير أمر المحيل كان المحال عليه متبرعا وإن كان للمحيل عليه دين مثله وقيد الحوالة به فلو لازمه المحال عليه لكان للمحيل أن يلازمه أيضا فلا يفيد والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة فنقول وبالله التوفيق أنه يخرج من الحوالة بانتهاء حكم الحوالة وحكم الحوالة ينتهي بأشياء منها فسخ الحوالة لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال فكانت محتملة للفسخ ومتى فسخ تعود المطالبة إلى المحيل ومنها التوى عند علمائنا وعن ( ( ( وعند ) ) ) الشافعي رحمه الله حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى ولا تعود المطالبة إلى المحيل واحتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أحيل على مليء فليتبع ولم يفصل عليه الصلاة والسلام ولأن الحوالة مبرئة بلا خلاف وقد عقدت مطلقة عن شريطة السلامة فتفيد البراءة مطلقا
ولنا ما روي عن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحال عليه إذا مات مفلسا عاد الدين إلى ذمة المحيل وقال لا توى على مال امرىء مسلم وعن شريح مثل ذلك ذكره محمد في الأصل ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه فكان إجماعا ولأن الدين كان ثابتا في ذمة المحيل قبل الحوالة والأصل أن الدين لا يسقط إلا بالقضاء قال النبي عليه الصلاة والسلام الدين مقضي إلا أنه ألحق الإبراء بالقضاء في السقوط والحوالة ليست بقضاء ولا إبراء فبقي الدين في ذمته على ما كان قبل الحوالة إلا أن بالحوالة انتقلت المطالبة إلى المحال عليه لكن إلى غاية التوى لأن حياة الدين بالمطالبة فإذا توى لم تبق وسيلة إلى الأحياء فعادت إلى محلها الأصلي ولا حجة له في الحديث لأنه عليه الصلاة والسلام علق الحكم بشريطة الملاءة وقد ذهبت بالإفلاس ثم التوى عند أبي حنيفة رحمه الله بشيئين لا ثالث لهما أحدهما أن يموت المحال عليه مفلسا والثاني أن يجحد الحوالة ويحلف ولا بينة للمحال وقد قال أبو يوسف ومحمد بهما وبثالث وهو أن يفلس المحال عليه حال حياته ويقضي القاضي بإفلاسه بناء على أن القاضي يقضي بالإفلاس حال حياته عندهما وعنده لا يقضي به ومنها أداء المحال عليه المال إلى المحال فإذا أدى المال خرج عن الحوالة إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهاء حكمها ومنها أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله ومنها أن يتصدق به عليه ويقبله لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء ومنها أن يموت المحال فيرثه المحال عليه ومنها أن يبرئه من المال والله عز وجل أعلم فصل وأما بيان الرجوع فجملة الكلام في الرجوع في موضعين في بيان شرائط الرجوع وفي بيان ما يرجع به أما شرائطه فأنواع منها أن تكون الحوالة بأمر المحيل فإن كانت بغير أمره لا يرجع بأن قال رجل للطالب أن لك على فلان كذا وكذا من الدين فاحتل بها علي فرضي بذلك الطالب جازت الحوالة إلا أنه إذا أدى لا يرجع على المحيل لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار المحال مملكا الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال فكان له أن يرجع بذلك على المحيل وإن كانت بغير أمره لا يوجد معنى التمليك فلا تثبت ولاية الرجوع ومنها أداء مال الحوالة أو ما هو في معنى الأداء كالهبة والصدقة إذا قبل المحال عليه وكذا إذا ورثه المحال عليه لأن الإرث من أسباب الملك فإذا ورثه فقد ملكه فكان له حق الرجوع ولو أبرأ المحال المحال عليه من الدين لا يرجع على المحيل لأن الإبراء إسقاط حقه فلا يعتبر فيه جانب التمليك إلا عند اشتغاله بالرد فإذا لم يوجد بقي إسقاطا محضا فلم يملك المحال عليه شيئا فلا يرجع ومنها أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله فإن كان لا يرجع لأن الدينين التقيا قصاصا لأنه لو رجع على المحيل لرجع المحيل عليه أيضا فلا يفيد فيتقاصا الدينين فبطل حق الرجوع وأما بيان ما يرجع به فنقول وبالله التوفيق أن المحال عليه يرجع بالمحال به لا بالمؤدى حتى لو كان الدين المحال به دراهم فنقد المحال عليه دنانير عن الدراهم أو كان الدين دنانير فنقده دراهم عن الدنانير فتصارفا جاز ويراعى فيه شرائط الصرف حتى لو افترقا قبل القبض أو شرطا فيه الأجل والخيار يبطل الصرف ويعود الدين إلى حاله وإذا صحت المصارفة فالمحال عليه يرجع على المحيل بمال الحوالة لا بالمؤدى لأن الرجوع بحكم الملك وأنه يملك دين الحوالة لا المؤدى بخلاف المأمور بقضاء الدين لما ذكرنا في كتاب الكفالة وكذا إذا باعه بالدراهم أو الدنانير عرضا يرجع بمال الحوالة لما ذكرنا وكذا إذا أعطاه زيوفا مكان الجياد وتجوز بها المحال رجع على المحيل بالجياد لما قلنا ولو صالح المحال المحال عليه فإن صالحه على جنس حقه وأبرأه عن الباقي يرجع على المحيل بالقدر المؤدى لأنه ملك ذلك القدر من الدين فيرجع به
وإن صالح على خلاف جنس حقه بأن صالحه من الدراهم على دنانير أو على مال آخر يرجع على المحيل بكل الدين لأن الصلح على خلاف جنس الحق معاوضة والمؤدى يصلح عوضا على كل الدين ولو قبض المحال مال الحوالة ثم اختلفا فقال المحيل لم يكن لك علي شيء وإنما أنت وكيلي في القبض والمقبوض لي وقال المحال لا بل أحلتني بألف كانت لي عليك فالقول قول المحيل مع يمينه لأن المحال يدعي عليه دينا وهو ينكر والقول قول المنكر عند عدم البينة مع يمينه والله عز وجل أعلم كتاب الوكالة الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى التوكيل لغة وشرعا وفي بيان ركن التوكيل وفي بيان شرائط الركن وفي حكم التوكيل وفي بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة أما الأول فالتوكيل إثبات الوكالة والوكالة في اللغة تذكر ويراد بها الحفظ قال الله عز وجل وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل أي الحافظ وقال تبارك وتعالى لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا قال الفراء أي حفيظا وتذكر ويراد بها الاعتماد وتفويض الأمر قال الله تعالى وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الله تعالى عز وجل خبرا عن سيدنا هود عليه الصلاة والسلام إني توكلت على الله ربي وربكم أي اعتمدت على الله وفوضت أمري إليه وفي الشريعة يستعمل في هذين المعنيين أيضا على تقرير الوضع اللغوي وهو تفويض التصرف والحفظ إلى الوكيل ولهذا قال أصحابنا إن من قال لآخر وكلتك في كذا أن يكون وكيلا في الحفظ لأنه أدى ما يحتمله اللفظ فيحمل عليه فصل وأما بيان ركن التوكيل فهو الإيجاب والقبول فالإيجاب من الموكل أن يقول وكلتك بكذا أو افعل كذا أو أذنت لك أن تفعل كذا ونحوه والقبول من الوكيل أن يقول قبلت وما يجري مجراه فما لم يوجد الإيجاب والقبول لا يتم العقد ولهذا لو وكل إنسانا بقبض دينه فأبى أن يقبل ثم ذهب الوكيل فقبضه لم يبرأ الغريم لأن تمام العقد بالإيجاب والقبول وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر كما في البيع ونحوه ثم ركن التوكيل قد يكون مطلقا وقد يكون معلقا بالشرط نحو أن يقول إن قدم زيد فأنت وكيلي في بيع هذا العبد وقد يكون مضافا إلى وقت بأن يقول وكلتك في بيع هذا العبد غدا ويصير وكيلا في الغد فما بعده ولا يكون وكيلا قبل الغد لأن التوكيل إطلاق التصرف والإطلاقات مما يحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت كالطلاق والعتاق وإذن العبد في التجارة والتمليكات كالبيع والهبة والصدقة والإبراء عن الديون والتقييدات كعزل الوكيل والحجر على العبد المأذون والرجعة والطلاق الرجعي لا يحتمل ذلك فصل وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى الموكل وبعضها يرجع إلى الوكيل وبعضها يرجع إلى الموكل به أما الذي يرجع إلى الموكل فهو أن يكون ممن يملك فعل ما وكل به بنفسه لأن التوكيل تفويض ما يملكه من التصرف إلى غيره فما لا يملكه بنفسه كيف يحتمل التفويض إلى غيره فلا يصح التوكيل من المجنون والصبي الذي لا يعقل أصلا لأن العقل من شرائط الأهلية ألا ترى أنهما لا يملكان التصرف بأنفسهما وكذا من الصبي العاقل بما لا يملكه بنفسه كالطلاق والعتاق والهبة والصدقة ونحوها من التصرفات الضارة المحضة ويصح بالتصرفات النافذة كقبول الهبة والصدقة من غير إذن المولى لأنه مما يملكه بنفسه بدون إذن وليه فيلك ( ( ( فيملك ) ) ) تفويضه إلى غيره بالتوكيل وأما التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والإجارة فإن كان مأذونا له في التجارة يصح منه التوكيل بها لأنه يملكها بنفسه وإن كان محجورا ينعقد موقوفا على إجازة وليه وعلى إذن وليه بالتجارة أيضا كما إذا فعل بنفسه لأن في انعقاده فائدة لوجود المجيز للحال وهو الولي ولا يصح من العبد المحجور ويصح من المأذون والمكاتب لأنهما يملكان بأنفسهما فيملكان بالتفويض إلى غيرهما بخلاف المحجور
وأما التوكيل من المرتد فموقوف أن أسلم ينفذ وإن قتل أو مات على الردة أو لحق بدار الحرب يبطل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد هو نافذ بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة عنده لوقوف أملاكه وعندهما نافذة لثبوت أملاكه ويجوز التوكيل من المرتدة بالإجماع لأن تصرفاتها نافذة بلا خلاف وأما الذي يرجع إلى الوكيل فهو أن يكون عاقلا فلا تصح وكالة المجنون والصبي الذي لا يعقل لما قلنا وأما البلوغ والحرية فليسا بشرط لصحة الوكالة فتصح وكالة الصبي العاقل والعبد مأذونين كانا أو محجورين وهذا عند أصحابنا وقال الشافعي رحمه الله وكالة الصبي غير صحيحة لأنه غير مكلف ولا تصح وكالة المجنون ولنا ما روي أن رسول الله لما خطب أم سلمة قالت إن أوليائي غيب يا رسول الله فقال ليس فيهم من يكرهني ثم قال لعمر ( ( ( لعمرو ) ) ) ابن أم سلمة قم فزوج أمك مني فزوجها من رسول الله وكان صبيا والاعتبار بالمجنون غير سديد لأن العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية وقد انعدم هناك ووجد هنا فتصح وكالته كالبالغ إلا أن حقوق العقد من البيع ونحوه ترجع إلى الوكيل إذا كان بالغا وإذا كان صبيا ترجع إلى الموكل لما ذكرنا ( ( ( نذكر ) ) ) في موضعه إن شاء الله تعالى وكذا ردة الوكيل لا تمنع صحة الوكالة فتجوز وكالة المرتد بأن وكل مسلم مرتدا لأن وقوف تصرفات المرتد لوقوف ملكه والوكيل يتصرف في ملك الموكل وأنه نافذ التصرفات وكذا لو كان مسلما وقت التوكيل ثم ارتد فهو على وكالته لما قلنا إلا أن يلحق بدار الحرب فتبطل وكالته لما نذكر في موضعه وأما علم الوكيل فهل هو شرط لصحة الوكالة لا خلاف في أن العلم بالتوكيل في الجملة شرط أما علم الوكيل وأما علم من يعامله حتى أنه لو وكل رجلا ببيع عبده فباعه الوكيل من رجل قبل علمه وعلم الرجل بالتوكيل لا يجوز بيعه حتى يجيزه الموكل أو الوكيل بعد علمه بالوكالة لأن حكم الآمر لا يلزم إلا بعد العلم بالمأمور به أو القدرة على اكتساب سبب العلم بالمأمور به كما في أوامر الشرع وأما علم الوكيل على التعيين بالتوكيل فهل هو شرط ذكر في الزيادات أنه شرط وذكر في الوكالة أنه ليس بشرط فإنه قال إذا قال الموكل لرجل اذهب بعبدي هذا إلى فلان فيبيعه فلان منك فذهب الرجل بالعبد إليه وأخبره أن صاحب العبد أمره ببيعه منه فاشتراه منه صح شراؤه وإن لم يخبره بذلك فالبيع جائز كذا ذكر محمد في كتاب الوكالة وجعل علم المشتري بالتوكيل كعلم البائع الوكيل وذكر في الزيادات أنه لا يجوز البيع وصورة المسألة في الصبي المأذون وذكر في المأذون الكبير ما يدل على جواز اليبع ( ( ( البيع ) ) ) فإنه قال إذا قال المولى لقوم بايعوا عبدي فإني قد أذنت له في التجارة فبايعوه جاز وإن لم يعلم العبد بإذن المولى لهم بالمبايعة وليس التوكيل كالوصاية فإن من أوصى إلى رجل غائب أي جعله وصيا بعد موته ثم مات الموصي ثم أن الوصي باع شيئا من تركة الميت قبل علمه بالوصاية والموت فإن بيعه جائز استحسانا ويكون ذلك قبولا منه للوصاية حتى لا يملك إخراج نفسه منها والقياس أن لا يجوز والفرق أن الوصي خلف عن الموصي قائم مقامه كالوارث يقوم مقام المورث
ولو باع الوارث تركة الميت بعد موته وهو لا يعلم موته جاز بيعه فكذا الوصي بخلاف التوكيل لأنه أمر من الموكل وحكم الأمر لا يلزم إلا بعد العلم أو سببه على ما مر فإذا ثبت أن العلم بالتوكيل شرط فإن كان التوكيل بحضرة الموكل أو كتب الموكل بذلك كتابا إليه فبلغه وعلم ما فيه أو أرسل إليه رسولا فبلغ الرسالة أو أخبره بالتوكيل رجلان أو رجل واحد عدل صار وكيلا بالإجماع وإن أخبره بذلك رجل واحد غير عدل فإن صدقه صار وكيلا أيضا وإن لم يصدقه يبغي ( ( ( ينبغي ) ) ) أن يكون على الاختلاف في العدل عند أبي حنيفة لا يكون وكيلا وعند أبي يوسف ومحمد يكون وكيلا كما في العزل على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وأما الذي يرجع إلى الموكل فإنه يرجع إلى بيان ما يجوز التوكيل به وما لا يجوز والجملة فيه أن التوكيل لا يخلو إما أن يكون بحقوق الله عز وجل وهي الحدود وإما أن يكون بحقوق العباد والتوكيل بحقوق الله عز وجل نوعان أحدهما بالإثبات والثاني بالاستيفاء أما التوكيل بإثبات الحدود فإن كان حدا لا يحتاج فيه إلى الخصومة كحد الزنا وشرب الخمر فلا يتقدر التوكيل فيه بالإثبات لأنه يثبت عند القاضي بالبينة أو الإقرار من غير خصومة وإن كان مما يحتاج فيه إلى الخصومة كحد السرقة وحد القذف فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يجوز ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل وكذلك الوكيل بإثبات القصاص على هذا الخلاف وجه قول أبي يوسف أنه كما يجوز التوكيل فيه بالاستيفاء فكذا بالإثبات لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء ولهما الفرق بين الإثبات والاستيفاء وهو إن امتناع التوكيل في الاستيفاء لمكان الشبهة وهي منعدمة في التوكيل بالإثبات وأما التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة فإن كان المقذوف والمسروق منه حاضرا وقت الاستيفاء جاز لأن ولاية الاستيفاء إلى الأمام وأنه لا يقدر على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال وإن كان غائبا اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يجوز لأن عدم الجواز لاحتمال العفو والصلح وأنه لايحتملهما وقال بعضهم لا يجوز لأنه إن كان لا يحتمل العفو والصلح فيحتمل الإقرار والتصديق وهذا عندنا وقال الشافعي رحمه الله يجوز التوكيل باستيفاء حد القذف كيف ما كان وجه قوله أن هذا حقه فكان بسبيل من استيفائه بنفسه وبنائبه كما في سائر الحقوق ولنا الفرق على قول بعض المشايخ وهو ما ذكرنا أنه يحتمل أنه لو كان حاضر ( ( ( حاضرا ) ) ) الصدق ( ( ( لصدق ) ) ) الرامي فيما رماه أو يترك الخصومة فلا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة والشبهة لا تمنع من استيفاء سائر الحقوق ويجوز التوكيل بالتعزير إثباتا واستيفاء بالاتفاق وللوكيل أن يستوفي سواء كان الموكل غائبا أو حاضرا لأنه حق العبد ولا يسقط بالشبهات بخلاف الحدود والاختصاص ( ( ( والقصاص ) ) ) ولهذا ثبت بشهادة رجل وامرأتين فأشبه سائر الحقوق بخلاف الحد والقصاص وأما التوكيل باستيفاء القصاص فإن كان الموكل وهو المولى حاضرا جاز لأنه قد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه فيحتاج إلى التوكيل وإن كان غائبا لا يجوز لأن احتمال العفو قائم لجواز أنه لو كان حاضرا لعفا فلا يجوز استيفاء القصاص مع قيام الشبهة وهذا المعنى منعدم حالة الحضرة وعند الشافعي رحمه الله يجوز وإن كان غائبا والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في حد القذف وأما التوكيل بحقوق العباد فنقول وبالله التوفيق حقوق العباد على نوعين نوع لا يجوز استيفاؤه مع الشبهة كالقصاص وقد مر حكم التوكيل بإثباته وباستيفائه ( ( ( واستيفائه ) ) ) ونوع يجوز استيفاؤه وأخذه مع الشبهة كالديون والإعتاق وسائر الحقوق سوى القصاص فنقول لا خلاف أنه يجوز التوكيل بالخصومة في إثبات الدين والعين وسائر الحقوق برضا الخصم حتى يلزم الخصم جواب التوكيل
والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن سيدنا عليا رضي الله عنه كان لا يحضر الخصومة وكان يقول إن لها لحما يحضرها الشياطين فجعل الخصومة إلى عقيل رضي الله عنه فلما كبر ورق حولها إلي وكان علي يقول ما قضى لوكيلي فلي وما قضى على وكيلي فعلي ومعلوم أن سيدنا عليا رضي الله عنه لم يكن ممن لا يرضى أحد بتوكيله فكان توكيله برضا الخصم فدل على الجواز برضا الخصم واختلف في جوازه بغير رضا الخصم قال أبو حنيفة عليه الرحمة لا يجوز من غير عذر المرض والسفر وقال أبو يوسف ومحمد يجوز في الأحوال كلها وهو قول الشافعي رحمه الله وذكر الجصاص أنه لا فصل في ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة والبكر والثيب لكن المتأخرين من أصحابنا استحسنوا في المرأة إذا كانت مخدرة غير بريزة فجوزوا توكيلها وهذا استحسان في موضعه وقال ابن أبي ليلى لا يجوز إلا توكيل البكر وهذا غير سديد لما يذكر وجه قولهم إن التوكيل بالخصومة صادف حق الموكل فلا يقف على رضا الخصم كالتوكيل باستيفاء الدين ودلالة ذلك أن الدعوى حق المدعي والإنكار حق المدعي عليه فقد صادف التوكيل من المدعي والمدعى عليه حق نفسه فلا يقف على رضا خصمه كما لو كان خاصمه بنفسه ولأبي حنيفة رحمه الله أن الحق هو الدعوى الصادقة والإنكار الصادق ودعوى المدعي خبر يحتمل الصدق والكذب والسهو والغلط وكذا إنكار المدعى عليه فلا يزداد الاحتمال في خبره بمعارضة خبر المدعي فلم يكن كل ذلك حقا فكان الأصل أن لا يلزم به جواب إلا أن الشرع ألزم الجواب لضرورة فصل الخصومات وقطع المنازعات المؤدية إلى الفساد وإحياء الحقوق الميتة وحق الضرورة يصير مقضيا بجواب الموكل فلا تلزم الخصومة عن جواب الوكيل من غير ضرورة مع ما أن الناس في الخصومات على التفاوت بعضهم أشد خصومة من الآخر فربما يكون الوكيل ألحن بحجته فيعجز من يخاصمه عن إحياء حقه فيتضرر به فيشرط رضا الخصم ليكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه وإذا كان الموكل مريضا أو مسافرا فهو عاجز عن الدعوى وعن الجواب بنفسه فلو لم يملك النقل إلى غيره بالتوكيل لضاعت الحقوق وهلكت وهذا لا يجوز وكذلك إذا كانت المرأة مخدرة مستورة لأنها تستحي ( ( ( تستحيي ) ) ) عن الحضور لمحافل الرجال وعن الجواب بعد الخصومة بكرا كانت أو ثيبا فيضيع حقها وأما في مسألتنا فلا ضرورة ولو وكل بالخصومة واستثنى الإقرار وتزكية الشهود في عقد التوكيل بكلام منفصل جاز ويصير وكيلا بالإنكار سواء كان التوكيل من الطالب أو من المطلوب في ظاهر الرواية وروي عن محمد أنه إذا وكل الطالب واستثنى الإقرار يجوز وإن وكل المطلوب لا يجوز والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن استثناء الإقرار في عقد التوكيل إنما جاز لحاجة الموكل إليه لأن الوكيل بالخصومة يملك الإقرار على موكله عند أصحابنا الثلاثة ولو أطلق التوكيل من غير استثناء لتضرر به الموكل وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين التوكيل من الطالب والمطلوب لأن كل واحد منهما يحتاج إلى التوكيل بالخصومة هذا إذا وكل بالخصومة واستثنى الإقرار في العقد فأما إذا وكل مطلقا ثم استثنى الإقرار في كلام منفصل يصح عند أبي يوسف وعند محمد لا يصح وأما التوكيل بالإقرار فذكر في الأصل إنه يجوز وذكر الطحاوي أنه لا يجوز ويجوز التوكيل بالخصومة من المضارب والشريك شركة العنان والمفاوضة والعبد المأذون والمكاتب لأنهم يملكون الخصومة بأنفسهم فيملكون تفويضها إلى غيرهم بالتوكيل ويجوز من الذمي كما يجوز من المسلم لأن حقوقهم مصونة مرعية عن الضياع كحقوقنا ويجوز التوكيل بقبض الدين لأن الموكل قد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه فيحتاج إلى التفويض إلى غيره كالوكيل بالبيع والشراء وسائر التصرفات إلا أن التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل الصرف إنما يجوز في المجلس لأن الموكل إنما يملك القبض فيه لا في غيره
وإذا قبض الدين من الغريم بريء الغريم لأن القبض الصحيح يوجب البراءة وتجوز الوكابة ( ( ( الوكالة ) ) ) بقضاء الدين لأنه يملك القضاء بنفسه وقد لا يتهيأ له القضاء بنفسه فيحتاج إلى التفويض إلى غيره سواء كان الموكل حرا أو عبدا مأذونا أو مكاتبا لأنهما يملكان القضاء بأنفسهما فيملكان التفويض إلى غيرهما أيضا ويجوز بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة لأن هذه حقوق يتولاها المرء بنفسه فيملك توليتها غيره ويجوز بالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والكتابة والإعتاق على مال والصلح على إنكار لأنه يملك هذه التصرفات بنفسه فيملك تفويضها إلى غيره وتجوز الهبة والصدقة والإعارة والإيداع والرهن والاستعارة والاستيهاب والارتهان لما قلنا ويجوز بالشركة والمضاربة لما قلنا ويجوز بالإقراض والاستقراض إلا أن في التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ما استقرضه الوكيل إلا إذا بلغ على وجه الرسالة بأن يقول أرسلني فلان إليك ليستقرض كذا ويجوز التوكيل بالصلح وبالإبراء ويجوز بالطلاق والعتاق والإجارة والاستئجار لما قلنا ويجوز بالسلم والصرف لأنه يملكهما بنفسه فيملك تفويضهما إلى غيره إلا أن قبض البدل في المجلس شرط بقاء العقد على الصحة والعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لأن حقوق العقد راجعة إليهما لما نذكر فإذا تقابض الوكيلان في المجلس فقد وجد القبض المستحق قبل الافتراق فيبقى العقد على الصحة بخلاف الرسولين إذا تقابضا في المجلس ثم افترقا أنه يبطل العقد لأن حقوق العقد لا ترجع إلى الرسول فلا يقع قبضهما عن المستحق بالعقد فإذا افترقا فقد حصل الافتراق لا عن قبض فيبطل العقد بخلاف الوكيلين على ما مر ولا تعتبر مفارقة الموكل لأن الحقوق لا ترجع إليه بل هو أجنبي عنها فبقاؤه وافتراقه بمنزلة واحدة ويجوز التوكيل بالبيع والشراء لأنهما مما يملك الموكل مباشرتهما بنفسه فيملك التفويض إلى غيره إلا أن لجواز التوكيل بالشراء شرط ( ( ( شرطا ) ) ) وهو الخلو عن الجهالة الكثيرة في أحد نوعي الوكالة دون النوع الآخر وبيان ذلك أن التوكيل بالشراء نوعان عام وخاص فالعام أن يقول له اشتر لي ما شئت أو ما رأيت أو أي ثوب شئت أو أي دار شئت أو ما تيسر لك من الثياب ومن الدواب ويصح مع الجهالة الفاحشة من غير بيان النوع والصفة والثمن لأنه فوض الرأي إليه فيصح مع الجهالة الفاحشة كالبضاعة والمضاربة والخاص أن يقول اشتر لي ثوبا أو حيوانا أو دابة أو جوهرا أو عبدا أو جارية أو فرسا أو بغلا أو حمارا أو شاة والأصل فيه أن الجهالة إن كانت كثيرة تمنع صحة التوكيل وإن كانت قليلة لا تمنع وهذا استحسان والقياس أن يمنع قليلها وكثيرها ولا يجوز إلا بعد بيان النوع والصفة ومقدار الثمن لأن البيع والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة فلا يصح التوكيل بهما أيضا وجه الاستحسان ما روى أن رسول الله دفع دينارا إلى حكيم بن حزام ليشتري له به أضحية ولو كانت الجهالة القليلة مانعة من صحة التوكيل بالشراء لما فعله رسول الله لأن جهالة الصفة لا ترتفع بذكر الأضحية وبقدر الثمن ولأن الجهالة القليلة في باب الوكالة لا تفضي إلى المنازعة لأن مبنى التوكيل على الفسحة والمسامحة فالظاهر أنه لا تجوز المنازعة فيه عند قلة الجهالة بخلاف البيع لأن مبناه على المضايقة والمماكسة لكونه معاونة ( ( ( معاوضة ) ) ) المال بالمال فالجهالة فيه وإن قلت تفضي إلى المنازعة فتوجب فساد العقد فهو الفرق
وإذا ثبت أن الجهالة القليلة غير مانعة ففي كل موضع قلت الجهالة صح التوكيل بالشراء وإلا فلا ينظر ( ( ( فينظر ) ) ) إن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه مما يقع على أنواع مختلفة لا يجوز التوكيل به إلا بعد بيان النوع وذلك نحو أن يقول اشتر لي ثوبا لأن اسم الثوب يقع على أنواع مختلفة من ثوب الإبريسم والقطن والكتان وغيرهما ( ( ( وغيرهم ) ) ) فكانت الجهالة كثيرة فمنعت صحة التوكيل فلا يصح وإن سمى الثمن لأن الجهالة بعد بيان الثمن متفاحشة فلا تقل إلا بذكر النوع بأن يقول اشتر لي ثوبا هرويا فإن سكت عنه كثرت الجهالة فلم يصح التوكيل وكذا إذا قال اشتر لي حيوانا أو قال اشتر لي دابة أو أرضا أو مملوكا أو جوهرا أو حبوبا لأن كل واحد منها اسم جنس يدخل تحته أنواع مختلفة فلا بد من ذكر النوع بأن يقول ثوبا هرويا فإذا سكت عنه كثرت الجهالة فلم يصح التوكيل وكذا إذا قال اشتر لي دارا لا يصح لأن بين الدار والدار تفاوتا فاحشا فإن عين الدار يجوز وإن لم يعين ولكنه بين الثمن جاز أيضا ويقع على دور المصر الذي وقع فيه الوكيل لأن الجهالة تقل بعد بيان الثمن وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح التوكيل بعد بيان الثمن حق ( ( ( حتى ) ) ) يعين مصرا من الأمصار ولو قال اشتر لي دارا في موضع كذا أو حبة لؤلؤ أو ياقوت أحمر ولم يسم الثمن لا يجوز لأن التفاوت متفاحش والصفة لا تصير معلومة بحال الموكل فلا بد من بيان الثمن وإن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه لا يقع إلا على نوع واحد يكتفي فيه بذكر أحد أمرين إما الصفة بأن قال اشتر لي عبدا تركيا أو مقدار الثمن بأن قال اشتر لي عبدا بألف درهم لأن الجهالة تقل بذكر أحدهما وبحال الموكل لأن الصفة تصير معلومة بذكر الثمن وإن لم يذكرها وإذا ذكر الصفة يصير الثمن معلوما بحال الآمر فيما يشتريه أمثاله عادة حتى إنه لو خرج المشتري عن عادة أمثاله لا يلزم الموكل كذا روي عن أبي يوسف فيمن قال اشتر لي خادما من جنس كذا إن ذلك يقع على ما يتعامله الناس من ذلك الجنس فإن كان الثمن كثيرا لا يتعامل الناس به لم يجز على الآمر وكذا البدوي إذا قال اشتر لي خادما حبشيا فهو على ما يعتاده أهل البادية وهذا كله اعتبار حال الموكل فإن لم يذكر أحدهما أصلا فالوكالة باطلة لأن الجهالة فحشت بترك ذكرهما جميعا فمنعت صحة الوكالة ولو قال اشتر لي حمارا أو بغلا أو فرسا أو بعيرا ولم يذكر له صفة ولا ثمنا قالوا إنه يجوز لأن النوع صار معلوما بذكر الحمار والبغل والفرس والبعير والصفة تصير معلومة بحال الموكل وكذا الثمن فينظر إن اشترا ( ( ( اشترى ) ) ) حمارا بمثل قيمته أو بأقل أو بأكثر قدر ما يتغابن الناس في مثله جاز على الموكل إذا كان الحمار مما يشترى مثله الموكل وإن كان مما لا يشتري مثله الموكل لا يجوز على الموكل ويلزم الوكيل وإن اشتراه بمثل قيمته نحو أن يكون الموكل مكاريا فاشترى الوكيل حمارا مصريا يصلح للركوب لأن مثله يشتري الحمار للعمل والحمل لا للركوب ولو قال اشتر لي شاة أو بقرة ولم يذكر صفة ولا ثمنا لا يجوز لأن الشاة والبقرة لا تصير معلومة الصفة بحال الموكل ولا بد وأن يكون أحدهما معلوما لما بينا ولو قال اشتر لي حنطة لا يصح التوكيل ما لم يذكر أحد شيئين إما قدر الثمن وإما قدر المثمن وهو المكيل لأن الجهالة لا تقل إلا بذكر أحدهما وعلى هذا جميع المقدرات من المكيلات والموزونات ولو وكله ليشتري له طيلسانا لا يصح إلا بعد بيان الثمن والنوع لأن الجهالة لا تقل إلا بعد بيان أحدهما والله أعلم فصل وأما بيان حكم التوكيل
فنقول وبالله التوفيق حكم التوكيل صيرورة المضاف إليه وكيلا لأن التوكيل إثبات الوكالة وللوكالة أحكام منها ثبوت ولاية التصرف الذي تناوله التوكيل فيحتاج إلى بيان ما يملكه الوكيل من التصرف بموجب التوكيل بعد صحته وما لا يملكه فنقول وبالله التوفيق الوكيل بالخصومة يملك الإقرار على موكله في الجملة عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا يملك والأب والوصي وأمين القاضي لا يملك الإقرار على الصغير بالإجماع وجه قولهما أن الوكيل بالخصومة وكيل بالمنازعة والإقرار مسالمة فلا يتناوله التوكيل بالخصومة فلا يملكه الوكيل ولنا أن التوكيل بالخصومة وكيل بالجواب الذي هو حق عند الله عز وجل وقد يكون ذلك إنكارا وقد يكون إقرارا فإذا أقر على موكله دل أن الحق هو الإقرار فينفذ على الموكل كما إذا أقر على موكله وصدقه الموكل ثم اختلف أصحابنا الثلاثة فيما بينهم قال أبو حنيفة ومحمد يصح إقراره في مجلس القاضي لا في غيره وقال أبو يوسف يصح فيه وفي غيره وجه قوله أن التوكيل تفويض ما يملكه الموكل إلى غيره وإقرار الموكل لا تقف صحته على مجلس القاضي فكذا إقرار الوكيل ولهما أنه فوض الأمر إليه لكن في مجلس القاضي لأن التوكيل بالخصومة أو بجواب الخصومة وكل ذلك يختص بمجلس القاضي ألا يرى أن الجواب لا يلزم في غير مجلس القاضي وكذا الخصومة لا تندفع باليمين في غير مجلس القاضي فتتقيد بمجلس القاضي إلا أنه إذا أقر في غير مجلس القاضي يخرج عن الوكالة وينعزل لأنه لو بقي وكيلا لبقي وكيلا بالإقرار عينا لأن الإنكار لا يسمع منه للتناقض والإقرار عينا غير موكل به والوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي به يملك قبضه عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يملك وجه قوله أن المطلوب من الوكيل بالخصومة الاهتداء ومن الوكيل بالقبض الأمانة وليس كل من يهتدي إلى شيء يؤتمن عليه فلا يكون التوكيل بالخصومة توكيلا بالقبض ولنا أنه لما وكله بالخصومة في مال فقد ائتمنه على قبضه لأن الخصومة فيه لا تنتهي إلا بالقبض فكان التوكيل بها توكيلا بالقبض والوكيل بتقاضي الدين يملك القبض في ظاهر الرواية لأن حق التقاضي لا ينقطع إلا بالقبض فكان التوكيل به توكيلا بالقبض ولأن التقاضي والاقتضاء والاستيفاء واحد إلا أن المتأخرين من أصحابنا قالوا إنه لا يملك في عرف ديارنا لأن الناس في زماننا لا يرضون بقبض المتقاضي كالوكلاء على أبواب القضاة لتهمة الخيانة في أموال الناس والوكيل بقبض الدين يملك الخصومة في إثبات الدين إذا أنكر الغريم عند أبي حنيفة وعندهما لا يملك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أيضا فيملك إقامة البينة وكذا لو أقام المدعي عليه البينة أن صاحب الدين استوفى منه أو أبرأه عنه قبلت بينته عنده وعندهما لا تقبل ولا يملك وأجمعوا في الوكيل بقبض العين إذا أنكر من في يده أنه لا يملك الخصومة حتى لا يملك إقامة البينة ولو أقام المدعي عليه البينة أنه اشتراها من الذي وكله بالقبض لا تسمع منه بينته في إثبات الشراء ولكنها تسمع لدفع خصومة الوكيل في الحال إلى أن يحضر الموكل وقالوا في الوكيل بطلب الشفعة وبالرد بالعيب وبالقسمة أنه يملك الخصومة
وجه قولهما أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين الحق فلا يتعدى إلى الخصومة كالتوكيل بقبض العين ولأبي حنيفة أن التوكيل بقبض الدين توكيل بالمبادلة والحقوق في مبادلة المال بالمال تتعلق بالعاقد كما في البيع والإجارة ودلالة ذلك أن استيفاء عين الدين لا يتصور لأن الدين إما أن يكون عبارة عن الفعل وهو فعل تسليم المال وإما أن يكون عبارة عن مال حكمي في الذمة وكل ذلك لا يتصور استيفاؤه ولكن استيفاء الدين عبارة عن نوع مبادلة وهو مبادلة المأخوذ العين بما في ذمة الغريم وتمليكه بهذا القدر المأخوذ من المال فأشبه البيع والخصومة في حقوق مبادلة المال بالمال فيملكه الوكيل بخلاف الوكيل بقبض الثمن لأن ذلك توكيل باستيفاء عين الحق لا بالمبادلة لأن عينه مقدور الاستيفاء فلا يملك الخصومة فيها إلا بأمر جديد فهو الفرق بين الفصلين فإذا لم يملك الخصومة لا تسمع بينة المدعي عليه على الشراء من الموكل بالقبض لأنها بينة قامت لا على خصم ولكنها تسمع في دفع قبض الوكيل ويجوز أن تكون البينة مسموعة من وجه دون وجه كمن وكل إنسانا بنقل زوجته إلى حيث هو فطالبها الوكيل بالانتقال فأقامت البينة على أن زوجها طلقها ثلاثا تسمع هذه البينة في اندفاع حق الوكيل في النقل ولا تسمع في إثبات الحرمة كذا هذا وكذلك الوكيل بأخذ الدار بالشفعة وكيل بالمبادلة لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء وكذا الرد بالعيب والقسمة فيها معنى المبادلة فكانت الخصومة فيها من حقوقها فيملكها الوكيل كالوكيل بالبيع والوكيل بالقبض إذا أراد أن يوكل غيره هذا على وجهين إما أن كانت الوكالة عامة بأن قال له وقت التوكيل بالقبض اصنع ما شئت أو ما صنعت من شيء فهو جائز علي أو نحو ذلك وإما إن كانت خاصة بأن لم يقل ذلك عند التوكيل بالقبض فإن كانت عامة يملك أن يوكل غيره بالقبض لأن الأصل فيما يخرج مخرج العموم إجراؤه على عمومه وإن كانت خاصة فليس له أن يوكل غيره بالقبض لأن الوكيل يتصرف بتفويض الموكل فيملك قدر ما فوض إليه فإن فعل ذلك وقبض الوكيل الثاني لم يبرأ الغريم من الدين لأن توكيله بالقبض إذا لم يصح فقبضه وقبض الأجنبي سواء فإن وصل إلى يد الوكيل الأول برىء الغريم لأنه وصل إلى يد من هو نائب الموكل في القبض وإن هلك في يده قبل أن يصل إلى الوكيل الأول ضمن القابض للغريم لأن قبضه بجهة استيفاء الدين والقبض بجهة استيفاء الدين قبض بجهة المبادلة على ما مر والمقبوض بجهة المبادلة مضمون على القابض كالمقبوض على سوم الشراء وكان له أن يرجع بما ضمن على الوكيل الأول لأنه صار مغرورا من جهته بتوكيله بالقبض فيرجع عليه إذ كل غار ضامن للمغرور بما لحقه من العهدة فيرجع عليه بضمان الكفالة ولا يبرأ الغريم من الدين لما قلنا إن توكيله بالقبض لم يصح فكان للطالب أن يأخذ الغريم بدينه وإذا أخذ منه رجع الغريم على الوكيل الثاني لما قلنا ويرجع الوكيل الثاني على الأول بحكم الغرور لما قلنا إن الوكيل بقبض الدين للموكل على إنسان معين أو في بلد معين لا يملك أن يتعدى إلى غيره لأن المتصرف بحكم الآمر لا يملك التعدي عن موضع الأمر وليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ عوضا عن الدين وهو أن يأخذ عينا مكانه لأن هذه معاوضة مقصودة وإنها لا تدخل تحت التوكيل بقبض الدين وهذا لما بينا أن قبض الدين حقيقة لا يتصور لما ذكرنا فلا يتصور التوكيل بقبضه حقيقة إلا أن التوكيل بقبض الدين جعل توكيلا بالمعاوضة ضرورة تصحيح التصرف ودفع الحاجة المعلقة بالتوكيل بقبض الدين وحق الضرورة يصير مقضيا بثبوتها ضمنا للعقد فبقيت المعاوضة المقصودة خارجة عن العقد أصلا فلا يملكها الوكيل ولو كان لرجل على رجل دين فجاء إنسان إلى الغريم وقال إن الطالب أمرني أن أقبضه منك فإن صدقه الغريم وأراد أن يدفع إليه لا يمنع منه وإن أبى أن يدفع إليه يجبر على الدفع في الدين وفي العين لا يجبر عليه
والفرق أن التصديق في الدين إقرار على نفسه فكان مجبورا على التسليم وفي العين إقرار على غيره فلا يصح إلا بتصديق ذلك الغير وإن لم يصدقه لم يجبر على الدفع فإن دفعه إليه ثم جاء الطالب فإن صدقه مضى الأمر وإن كذبه وأنكر أن يكون وكله بذلك فهذا على وجوه ثلاثة أما إن صدقه ودفعه إليه وأما إن كذبه ومع ذلك دفع إليه وأما إن لم يصدقه ولم يكذبه ودفع إليه فإن صدقه في الوكالة ولم يضمنه فجاء الطالب يقال له ادفع الدين إلى الطالب ولا حق لك على الوكيل لأنه لما صدقه في الوكالة فقد أقر بوكالته وإقراره صحيح في حق نفسه فكأنه يقول إن الوكيل كان محقا في القبض وإن الطالب ظالم فيما يقبض مني وإن ظلم على مبطل فلا أظلم على محق وإن صدقه وضمنه ما دفع إليه ثم حضر الطالب فأخذ منه يرجع هو على القابض لأن الغريم وإن أقر أن القابض محق في القبض بتصديقه إياه في الوكالة فعنده أن الطالب مبطل فيه ظالم فيما يقبض منه فإذا ضمنه فقد أضاف الضمان إلى ما يقبضه الطالب عنه بغير حق وإضافة الضمان إلى المقبوض المضمون صحيح كما إذا قال ما غصبك فلان فعلي وإن كذبه في الوكالة ومع ذلك دفع إليه له أن يضمن الوكيل لأن عنده إنه مبطل في القبض وإنما دفعه إليه على رجاء أن يجوزه الطالب وكذا إذا لم يصدق ولم يكذب لأنه لم يوجد منه الإقرار بكونه محقا في القبض فيملك الرجوع عليه الوكيل بقبض الدين إذا قبضه فوجده معيبا فما كان للموكل رده فله رده وأخد ( ( ( وأخذ ) ) ) بدله لأنه قائم مقام الموكل فهو يملك قبض حقه أصلا ووصفا فكذا الوكيل ولو وكل رجلا بقبض دين له على رجل وغاب الطالب فادعى الغريم أنه قد أوفاه الطالب لا يحتاج الوكيل إلى إقامة البينة ولا إلى إحضار الطالب ليحلفه لكن يقال للغريم ادفع الدين إلى الوكيل ثم اتبع الطالب وحلفه إن أردت يمينه فإن حلف وإلا رجعت عليه لأنه مقر بالدين والدين مقضي على لسان رسول الله فلا يحكم بسقوطه بدعوى الإيفاء مع الاحتمال بل يجبر على التسليم إلى الوكيل وكذلك الوكيل بطلب الشفعة إذا ادعى المشتري أن الشفيع قد سلم للشفعة يؤمر بتسليم الدار إلى الوكيل ثم يقال له اتبع الشفيع وحلفه إن أردت يمينه لأن المشتري مقر بثبوت حق الشفعة لأن تسليم الشفعة بعد ثبوتها يكون فلا يبطل الحق الثابت بدعوى التسليم مع الاحتمال فيؤمر بتسليم المشتري إلى الوكيل وهذا بخلاف الوكيل بالرد بالعيب إذا ادعى البائع أن المشتري قد رضي بالعيب أنه لا يكون للوكيل حق الرد حتى يحضر الموكل فيحلف بالله تعالى ما رضي بهذا العيب لأن البائع بقوله رضي المشتري بالعيب لم يقر بثبوت حق الرد بالعيب إذ ليس كل عيب موجبا للرد ألا ترى أنه لو اشتراه وهو عالم بعيبه ليس له حق الرد مع وجود العيب فيتوقف على حضور الموكل ويمينه فإن أراد الغريم أن يحلف الوكيل بالله عز وجل ما يعلم أن الطالب قد استوفى الدين لم يكن له أن يحلفه عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال زفر يحلفه على علمه فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة ولم يبرأ الغريم وكان الطالب على حجته وجه قول زفر أن هذا أمر لو أقر به الوكيل للزمه وسقط حقه من القبض فإذا أنكر يستحلف لجواز أنه ينكل عن اليمين فيسقط حقه
ولنا قول النبي عليه الصلاة والسلام واليمين على المدعى عليه والغريم ما ادعى على الوكيل شيئا وإنما ادعى على الموكل فكانت اليمين عليه واليمين مما لا تجري فيه النيابة فلا يثبت للغريم ولاية استحلاف الوكيل وهذا بخلاف ما إذا مات الطالب فادعى الغريم أنه قد كان استوفاه حال حياته وأنكر الوارث أن له أن يستحلف الوارث على علمه بالله تعالى ما يعلم أن الطالب استوفى الدين لأن هناك الوارث مدعي عليه لأن الغريم يدعي عليه بطلان حقه في الاستيفاء الذي هو حقه فلم يكن استحلافه بطريق النيابة عن المورث إلا أنه يستحلف على علمه لأنه يستحلف على فعل غيره وكل من يستحلف على فعل باشره غيره يستحلف على العلم لا البت لأنه لا علم له به أنه فعل ذلك أو لم يفعل فإن أقام الغريم البينة على الإيفاء سمعت بينته عند أبي حنيفة وعندهما لا تسمع وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة بناء على أن الوكيل بقبض الدين هل يكون وكيلا بالخصومة فيه عنده يكون وعندهما لا يكون لما تقدم وكذلك على هذا الاختلاف إذا أقام الغريم البينة أنه أعطى الطالب بالدراهم الدنانير أو باعه بها عرضا فبينته مسموعة عنده وعندهما غير مسموعة لأن إيفاء الدين بطريقي المبادلة والمقاصة ويستوي فيهما الجنس وخلاف الجنس فكان الخلاف في الكل ثابتا وأما الوكيل بالبيع فالتوكيل بالبيع لا يخلو إما أن يكون مطلقا وإما أن يكون مقيدا فإن كان مقيدا يراعى فيه القيد بالإجماع حتى إنه إذا خالف قيده لا ينفذ على الموكل ولكن يتوقف على إجازته إلا أن يكون خلافه إلى خير لما مر أن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل فيلي من التصرف قدر ما ولاه وإن كان الخلاف إلى خير فإنما نفذ لأنه إن كان خلافا صورة فهو وفاق معنى لأنه آمر به دلالة فكان متصرفا بتولية الموكل فنفذ بيان هذه الجملة إذا قال بع عبدي هذا بألف درهم فباعه بأقل من الألف لا ينفذ وكذا إذا باعه بغير الدراهم لا ينفذ وإن كانت قيمته أكثر من ألف درهم لأنه خلاف إلى شر لأن أغراض الناس تختلف باختلاف الأجناس فكان في معنى الخلاف إلى شر وإن باعه بأكثر من ألف درهم نفذ لأنه خلاف إلى خير فلم يكن خلافا أصلا وكذلك على هذا لو وكله بالبيع بألف درهم حالة فباعه بألف نسيئة لم ينفذ بل يتوقف لما قلنا وإن وكله بأن يبيعه بألف درهم نسيئة فباعه بألف حالة نفذ لما قلنا وإن وكله بأن يبيع ويشترط الخيار للآمر فباعه ولم يشترط الخيار لم يجز بل يتوقف ولو باع وشرط الخيار للآمر ليس له أن يجيز لأنه لو ملك الإجازة بنفسه لم يكن للتقييد فائدة هذا إذا كان التوكيل بالبيع مقيدا فأما إذا كان مطلقا فيراعى فيه الإطلاق عند أبي حنيفة فيملك البيع بالقليل والكثير وعندهما لا يملك البيع إلا بما يتغابن الناس في مثله وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما وجه قولهما أن مطلق البيع ينصرف إلى البيع المتعارف والبيع بغبن فاحش ليس بمتعارف فلا ينصرف إليه كالتوكيل بالشراء ولأبي حنيفة أن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه ولا يجوز تقييده إلا بدليل والعرف متعارض فإن البيع بغبن فاحش لغرض التوصل بثمنه إلى شراء ما هو أربح منه متعارف أيضا فلا يجوز تقييد المطلق مع التعارض مع أن البيع بغبن فاحش إن لم يكن متعارفا فعلا فهو متعارف ذكرا وتسمية لأن كل واحد منهما يسمي بيعا أو هو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب لغة وقد وجد ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف ذكرا وتسمية من غير اعتبار الفعل ألا ترى أن من حلف لا يأكل لحما فأكل لحم الآدمي أو لحم الخنزير يحنث وإن لم يكن أكله متعارفا لكونه متعارفا إطلاقا وتسمية كذا هذا وأما التوكيل بالشراء فالجواب عنه من وجهين أحدهما أن جوازه ثبت على خلاف القياس لكونه أمرا بالتصرف في مال غيره وذكر الثمن فيه تبع
ألا ترى أنه يصح بدون ذكر الثمن إلا أنه جوز باعتبار الحاجة إذ كل أحد لا يتهيأ له أن يشتري بنفسه فيحتاج إلى من يوكل به غيره والحاجة إلى التوكيل بالشراء بثمن جرى التعارف بشراء مثله بمثله فينصرف الأمر بمطلق الشراء إليه البتة الثاني المشتري متهم بهذا الاحتمال أنه يشتري لنفسه فلما تبين فيه الغبن أظهر الشراء للموكل ومثل هذه التهمة في البيع منعدمة فهو الفرق وكذلك يملك البيع بغير الأثمان المطلقة عنده وعندهما لا يملك وهو قول الشافعي رحمه الله ويملك البيع بالنقد والنسيئة عنده وعندهما لا يملك إلا بالنقد والحجج من الطرفين على نحو ما ذكرنا في البيع بغبن فاحش ولو باع الوكيل بعض ما وكل ببيعه فهو على وجهين أما إن كان ذلك مما لا ضرر في تبعيضه كالمكيل والموزون بأن كان وكيلا ببيع عبدين فباع أحدهما جاز بالإجماع وإن كان في تبعيضه ضرر بأن وكله ببيع عبد فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما لا يجوز إلا بإجازة الموكل أو ببيع النصف الباقي ولو كان وكيلا بالشراء فاشترى نصفه لم يلزم الآمر إجماعا إلا أنه يشتري الباقي ويجيزه الموكل وجه قولهما الجمع بين الشراء والبيع بجامع وهو العرف والعادة ووجوب دفع الضرر الحاصل بالشركة في الأعيان ولأبي حنيفة الفرق بين البيع والشراء على ما مر ألا يرى أن عنده لو باع الكل بهذا القدر من الثمن يجوز فلأن يجوز بيع البعض به أولى لأنه نفع موكله حيث أمسك البعض على ملكه وبهذا فارق الشراء لأن الوكيل بالشراء إذا اشترى النصف بثمن الكل لا يجوز والوكيل بالبيع يملك إبراء المشتري عن الثمن وله أن يؤخره عنه وله أن يأخذ به عوضا وله أن يصالح على شيء ويحتال به على إنسان وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد لا يملك شيئا من ذلك وجه قولهما أن الوكيل بالإبراء وإخواته تصرف في ملك الموكل من غير إذنه فلا ينفذ عليه كما لو فعلها أجنبي وجه قوله أنه تصرف في حق نفسه بالإبراء لأن قبض الثمن حقه فكان الإبراء عن الثمن إبراء عن قبضه تصحيحا لتصرفه بقدر الإمكان ولو أسقط حق القبض لسقط الدين ضرورة لأنه لو بقي لبقي دينا لا يحتمل القبض أصلا وهذا مما لا نظير له في أصول الشرع ولأن دينا لا يحتمل القبض والاستيفاء بوجه لا يفيد فيسقط ضرورة ويضمن الثمن للموكل لأنه وإن تصرف في حق نفسه لكنه تعدى إلى ملك غيره بالإتلاف فيجب عليه الضمان وكذا إذا أخذ بالثمن عوضا عن المشتري لأنه ملك منه القبض الذي هو حقه فيصح ومتى ملك ذلك فيملك رقبة الدين ضرورة بما أخذه من العوض ويضمن لما ذكرنا وكذا إذا صالحه على شيء لأن الصلح مبادلة وكذا إذا أحاله المشتري بالثمن على إنسان وقبل الوكيل الحوالة لأنه بقبول الحوالة تصرف في حق نفسه بالإبراء عنه لأن الحوالة مبرئة وذلك يوجب سقوط الدين عن المحيل فيه لما ذكرنا ويضمن لما قلنا وكذلك تأخير الدين من الوكيل تأخير حق المطالبة والقبض وأنه صادف حق نفسه فيصح لكنه تعدى إلى الموكل بثبوت الحيلولة بينه وبين ملكه فيضمن وليس للوكيل بالبيع أن يوكل غيره لأن مبنى الوكالة على الخصوص لأن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل فيملك قدر ما أفاده ولا يثبت العموم إلا بلفظ يدل عليه وهو قوله اعمل فيه برأيك وغير ذلك مما يدل على العموم فإن وكل غيره بالبيع فباع الثاني بحضرة الأول جاز وإن باع بغير حضرته لا يجوز إلا أن يجيزه الأول والموكل وكذا إذا باعه فضولي بلغ ( ( ( فبلغ ) ) ) الوكيل أو الموكل فأجاز يجوز هذا عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يجوز بيع الوكيل الثاني سواء كان بحضرة الوكيل الأول أو لم يكن بحضرته
وقال ابن أبي ليلى يجوز كيف ما كان والصحيح قول أصحابنا الثلاثة لأن عبارة الوكيل ليست مقصود الموكل بل المقصود رأيه فإذا باع الثاني بحضرته فقد حصل التصرف برأيه فنفذ وإذا باعه لا بحضرته أو باع فضولي فقد خلا التصرف عن رأيه فلا ينفذ ولكنه ينعقد موقوفا على إجازة الوكيل أو الموكل لصدور التصرف من أهله في محله وليس للوكيل بالبيع أن يبيع من نفسه لأن الحقوق تتعلق بالعاقد فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلما ومتسلما مطالبا ومطالبا وهذا محال وكذا لا يبيع من نفسه وإن أمره الموكل بذلك لما قلنا ولأنه متهم في ذلك وليس له أن يبيع من أبيه وجده وولده وولد ولده الكبار وزوجته عند أبي حنيفة وعندهما يجوز ذلك بمثل القيمة وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يبيع من عبده ومكاتبه وجه قولهما أن البيع من هؤلاء ومن الأجنبي سواء لأن كل واحد منهما يملكه أجنبي من صاحبه ثم لا يملك البيع من نفسه ولأبي حنيفة أن البيع من هؤلاء بيع من نفسه من حيث المعنى لاتصال منفعة ملك كل واحد منهما بصاحبه ثم لا يملك البيع من نفسه فلا يملكه من هؤلاء بخلاف الأجنبي ولهذا لا يملك البيع من عبده ومكاتبه لأن البيع من عبده بيع من نفسه لأنه لا ملك له وكذا المكاتب لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله كذا هذا يحققه أن اتصال منافع الأملاك بينهما تورث التهمة لهذا لم تقبل شهادة أحدهما لصاحبه بخلاف الأجنبي ولو عمم التوكيل فقال اصنع ما شئت أو بع من هؤلاء أو أجاز ما صنعه الوكيل جاز بيعه بالاتفاق ولا يجوز أن يبيع من نفسه أو من ولده الصغير أو من عبده إذا لم يكن عليه دين بحال ( ( ( يحال ) ) ) الوكيل بالبيع مطلقا يملك البيع الصحيح والفاسد لأن اسم البيع يقع على كل واحد من النوعين إذ هو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب وقد وجد بخلاف الوكيل بالنكاح مطلقا أنه لا يملك النكاح الفاسد لأن المقصود من النكاح الحل والنكاح الفاسد لا يفيد الحل والمقصود من البيع الملك وأنه يثبت بالبيع الفاسد وأما الوكيل بالبيع الفاسد فهل يملك البيع الصحيح قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يملك وقال محمد لا يملك وبه أخذ الشافعي رحمه الله وجه قول محمد أن البيع الفاسد بيع لا يفيد الحكم بنفسه والصحيح يفيد الحكم بنفسه فكانا مختلفين فلا يكون التوكيل بأحدهما توكيلا بالآخر فإذا باع بيعا صحيحا صار مخالفا ولهما أن هذا ليس بخلاف حقيقة لأن البيع الصحيح خير وكل موكل بشيء موكل بما هو خير منه دلالة والثابت دلالة كالثابت نصا فكان آتيا بما وكل به فلا يكون مخالفا وأما الوكيل بالشراء فالتوكيل بالشراء لا يخلو إما إن كان مطلقا أو مقيدا فإن كان مقيدا يراعي فيه القيد إجماعا لما ذكرنا سواء كان القيد راجعا إلى المشتري أو إلى الثمن حتى إنه إذا خالف يلزم الشراء إلا إذا كان خلافا إلى خير فيلزم الموكل مثال الأول إذا قال اشتر لي جارية أطؤها أو استخدمها أو اتخذها أم ولد فاشتري جارية مجوسية أو أخته من الرضاع أو مرتدة أو ذات زوج لا ينفذ على الموكل وينفذ على الموكل ( ( ( الوكيل ) ) ) وكذلك إذا قال اشتر لي جارية تخدمني فاشترى جارية مقطوعة اليدين أو الرجلين أو عمياء لأن الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه إلا قيدا لا يفيد اعتباره واعتبار هذا النوع من القيد مفيد وكذلك إذا قال اشتر لي جارية تركية فاشترى جارية حبشية لا يلزم الموكل ويلزم الوكيل لما ذكرنا ومثال الثاني إذا قال له اشتر لي جارية بألف درهم فاشترى جارية بأكثر من الألف تلزم الوكيل دون الموكل لأنه خالف أمر الموكل فيصير مشتريا لنفسه ولو قال اشتر لي جارية بألف درهم أو بمائة دينار فاشترى جارية بما سوى الدراهم والدنانير لا تلزم الموكل إجماعا لأن الجنس مختلف فيكون مخالفا
ولو قال اشتر لي هذه الجارية بمائة دينار فاشتراها بألف درهم قيمتها مائة دينار ذكر الكرخي أن المشهور من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه لا يلزم الموكل لأن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة فكان التقييد بأحدهما مفيدا وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزم الموكل كأنه اعتبرهما جنسا واحدا في الوكالة كما اعتبرا جنسا واحدا في الشفعة وهو أن الشفيع إذا أخبر أن الدار بيعت بدنانير فسلم الشفعة ثم ظهر أنها بيعت بدراهم وقيمتها مثل الدنانير صح التسليم كذا ههنا فإن اشترى جارية بألف درهم فإن كان مثلها يشتري بألف أو بأكثر من ألف أو بأقل من ألف مقدار ما يتغابن الناس فيه لزم ( ( ( فيلزم ) ) ) الموكل وإن كان النقصان مقدار ما لا يتغابن الناس فيه لزم الوكيل لأن شراء الوكيل المعروف ( ( ( معروف ) ) ) المعروف وإن اشترى جارية بثمانمائة درهم ومثلها يشترى بألف لزم الموكل لأن الخلاف إلى خير لا يكون خلافا معنى وكذا إذا وكله بأن يشتري له جارية بألف نسيئة فاشترى جارية بألف حالة لزم الوكيل لأنه خالف قيد الموكل ولو أمره أن يشتري بألف حالة فاشترى بألف نسيئة لزم الموكل لأنه وإن خالف صورة فقد وافق معنى والعبرة للمعنى لا للصورة ولو وكله أن يشتري ويشترط الخيار للموكل فاشترى بغير خيار لزم الوكيل والأصل أن الوكيل بالشراء إذا خالف يكون مشتريا لنفسه والوكيل بالبيع إذا خالف يتوقف على إجازة الموكل والفرق بينهما قد ذكرناه فيما تقدم أن الوكيل بالشراء متهم لأنه يملك الشراء لنفسه فأمكن تنفيذه عليه حتى أنه لو كان صبيا محجورا أو عبدا محجورا لا ينفذ عليه بل يتوقف على إجازة الموكل لأنهما لا يملكان الشراء لأنفسهما فلا يمكن التنفيذ عليهما فتوقف وكذا إذا كان الوكيل مرتدا أو كان وكيلا بشراء عبد بعينه فاشترى نصفه لعدم إمكان التنفيذ عليه فاحتمل التوقف ومعنى التهمة لا يتعذر من الوكيل بالبيع فاحتمل التوقف على الإجازة ولو وكله بشراء عبد فاشتراه بعين من أعيان مال الموكل توقف على الإجازة لأنه لما اشتراه بعين من أعيان ماله فقد باع العين والبيع يقف على إجازة الموكل هذا إذا كان التوكيل بالشراء مقيدا فأما إذا كان مطلقا فإنه يراعي فيه الإطلاق ما أمكن إلا إذا قام دليل التقييد من عرف أو غيره فيتقيد به وعلى هذا إذا وكل رجلا بشراء جارية وسمى نوعها وثمنها حتى صحت الوكالة فاشترى جارية مقطوعة اليد والرجل من خلاف أو عوراء لزم الموكل وكذا إذا اشترى جارية مقطوعة اليدين أو الرجلين أو عمياء عند أبي حنيفة وعندهما يلزم الوكيل وجه قولهما أن الجارية تشترى للاستخدام عرفا وعادة وغرض الاستخدام لا يحصل عند فوات جنس المنفعة فيتقيد بالسلامة عن هذه الصفة بدلالة العرف ولهذا قلنا لا يجوز تحريرها عن الكفارة وإن كان نص التحرير مطلقا عن شرط السلامة لثبوتها دلالة كذا هذا وجه قول أبي حنيفة أن اسم الجارية بإطلاقها يقع على هذه الجارية كما يقع على سليمة الأطراف فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وقد وجد وأما في باب الكفارة فلأن الأمر تعلق بتحرير رقبة والرقبة اسم لذات مركب من هذه الأجزاء فإذا فات ما يقوم به جنس من منافع الذات انتقض الذات فلا يتناوله مطلق اسم الرقبة فأما اسم الجارية فلا يدل على هذه الذات باعتبار الأجزاء فلا يقدح نقصانها في اسم الجارية بخلاف اسم الرقبة حتى أن التوكيل لو كان بشراء رقبة لا يجوز كما يجوز في الكفارة كذا قالوا
ولو وكله أن يشتري له جارية وكالة صحيحة ولم يسم ثمنا فاشترى الوكيل جارية إن اشترى بمثل القيمة أو بأقل من القيمة أو بزيادة يتغابن في مثلها جاز على الموكل وإن اشترى بزيادة لا يتغابن الناس في مثلها يلزم الوكيل لأن الزيادة القليلة مما لا يمكن التحرز عنها فلو منعت النفاذ على الموكل لضاق الأمر على الوكلاء ولامتنعوا عن قبول الوكالات وبالناس حاجة إليها فمست الحاجة إلى تحملها ولا ضرورة في الكثير لإمكان التحرز عنه والفاصل بين القليل والكثير إن كانت زيادة تدخل تحت تقويم المقومين فهي قليلة وما لا تدخل تحت تقويمهم فهي كثيرة لأن ما يدخل تحت تقويم المقومين لا يتحقق كونه زيادة وما لا يدخل كانت زيادته متحققة وقدر محمد الزيادة القليلة التي يتغابن في مثلها في الجامع بنصف العشر فقال إن كانت نصف العشر أو أقل فهي مما يتغابن في مثلها وإن كانت أكثر من نصف العشر فهي مما لا يتغابن في مثلها وقال الجصاص ما ذكره محمد لم يخرج مخرج التقدير في الأشياء كلها لأن ذلك يختلف باختلاف السلع منها ما يعد أقل من ذلك غبنا فيه ومنها ما لا يعد أكثر من ذلك غبنا فيه وقدر نصر بن يحيى القليل بالده ينم وفي الحيوان بالده يازده وفي العقار بالده دوازده والله تعالى أعلم الوكيل بشراء عبد بعينه إذا اشترى نصفه فالشراء موقوف إن اشترى باقيه قبل الخصومة لزم الموكل عند أصحابنا الثلاثة لأنه امتثل أمر الوكيل وعند زفر يلزم الوكيل ولو خاصم الموكل الوكيل إلى القاضي قبل أن يشتري الوكيل الباقي وألزم القاضي الوكيل ثم إن الوكيل اشترى الباقي بعد ذلك يلزم الوكيل إجماعا لأنه خالف وكذلك هذا في كل ما في تبعيضه ضرر وفي تشقيصه عيب كالعبد والأمة والدابة والثوب وما أشبه ذلك وهذا بخلاف ما إذا وكله ببيع عبده فباع نصفه أو جزء منه معلوما أنه يجوز عند أبي حنيفة سواء باع الباقي منه أو لا والفرق له على نحو ما ذكرنا في التوكيل بالبيع مطلقا ولو أعتقه بعدما اشترى نصفه قبل أن يشتري الباقي قال أبو يوسف إن أعتقه الموكل جاز وإن أعتقه الوكيل لم يجز وقال محمد على القلب من ذلك وجه قول محمد أن الوكيل قد خالف فيما وكل به فلم يكن مشتريا للموكل فكيف ينفذ منه إعتاقه وهو في الظاهر مشتر لنفسه فينفذ إعتاقه ولأبي يوسف أن إعتاق الموكل صادف عقدا موقوفا نفاذه على إجازته فكان الإعتاق إجازة منه كما إذا صرح بالإجازة وإعتاق الوكيل لم يصادف عقدا موقوفا على إجازته لأن الوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك الشراء لنفسه فلم يحتمل التوقف على إجازته فبطل وإن كان وكله بشراء شيء ليس في تبعيضه ضرر ولا في تشقيصه عيب فاشترى نصفه يلزم الموكل ولا يقف لزومه على شراء الباقي نحو إن وكله بشراء كر حنطة بمائة درهم فاشترى نصف الكر بخمسين وكذا لو وكله بشراء عبدين بألف درهم فاشترى أحدهما بخمسمائة لزم الموكل إجماعا وكذا لو وكله بشراء جماعة من العبيد فاشترى واحدا منها والله أعلم الوكيل بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم إذا اشترى عشرين رطلا بدرهم من لحم يباع مثله عشرة أرطال بدرهم لزم الموكل منه عشرة أرطال بنصف درهم عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يلزمه العشرون بدرهم ولو اشترى عشرة أرطال ونصف رطل بدرهم يلزم الموكل استحسانا وجه قول أبي يوسف أن هذا خلاف صورة لا معنى لأنه خلاف إلى خير وذا لا يمنع النفاذ على الموكل كما إذا اشترى عشرة أرطال ونصف ( ( ( ونصفا ) ) ) بدرهم أنه يلزم الموكل كذا هذا وجه قولهما أن الوكيل يتصرف بحكم الأمر فلا يتعدى تصرفه موضع الأمر وقد أمره بشراء عشرة إرطال فلا يلزمه الزيادة على ذلك بخلاف ما إذا اشترى عشرة أرطال ونصف رطل بدرهم لأن الزيادة القليلة لا تتحقق زيادة لدخولها بين الوزنين
ولو وكله بشراء عبد بمائة فاشترى بها عبدين كل واحد منهما يساوي مائة روي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يلزم الموكل واحد منهما وقال أبو حنيفة إذا وكل رجلا بشراء عبدين بأعيانهما بألف درهم وقيمتهما سواء فاشترى أحدهما بستمائة درهم لا يلزم الموكل إلا أن يشتري الثاني ببقية الألف وقال أبو يوسف ومحمد إذا كانت الزيادة مما يتغابن الناس في مثلها يلزمه وهذا لا يتحقق خلافا والله عز وجل أعلم الوكيل ( ( ( والوكيل ) ) ) بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه وإذا اشترى يقع الشراء للموكل لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة وهو لا يملك ذلك إلا بمحضر من الموكل كما لا يملك الموكل عزله إلا بمحضر منه على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وأما الوكيل بشراء شيء بغير عينه إذا اشترى يكون مشتريا لنفسه إلا أن ينويه للموكل وجملة الكلام فيه أنه إذا قال اشتريته لنفسي وصدقه الموكل فالمشتري له وإذا قال الموكل اشتريته لي وصدقه الوكيل فالمشتري للموكل لأن الوكيل بشراء شيء بغير عينه يملك الشراء لنفسه كما يملك للموكل فاحتمل شراؤه لموكله فيحكم فيه التصديق فيحمل على أحد الوجهين بتصادقهما ولو اختلفا فقال الوكيل اشتريته لنفسي وقال الموكل اشتريته لي يحكم فيه الثمن فإن أدى الوكيل الثمن من دراهم نفسه فالمشتري له وإن أداه من دراهم موكله فالمشتري لموكله لأن الظاهر نقد الثمن من مال من يشتري له فكان الظاهر شاهدا للثمن فكان صادقا في حكمه وأما إذا لم تحضره النية وقت الشراء واتفقا عليه يحكم فيه الثمن أيضا عند أبي يوسف وعند محمد يكون الشراء للوكيل وجه قول محمد أن الأصل أن يكون الإنسان متصرفا لنفسه لا لغيره فكان الظاهر شاهدا للوكيل فكان المشتري له وجه قول أبي يوسف أن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن وذلك في تحكيم الثمن على ما مر والله تعالى أعلم الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه لأن الحقوق في باب الشراء ترجع إلى الوكيل فيؤدي إلى الإحالة وهو أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد مسلما ومتسلما مطالبا ومطالبا ولأنه متهم في الشراء من نفسه ولو أمره الموكل بذلك لا يصح لما ذكرنا وكذلك لو اشترى من ولده الصغير لأن ذلك شراء من نفسه وكذلك لو اشترى من عبده الذي لا دين عليه أو مكاتبه وكذا الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من أبيه وجده وولده وولد ولده وزوجته وكل من لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة وعندهما يجوز إذا اشترى بمثل القيمة أو بأقل أو بزيادة يتغابن في مثلها وأجمعوا على أنه لا يملك الشراء من عبده الذي لا دين عليه ومكاتبه وقد مرت المسألة بحججها من قبل ولو كانت الوكالة عامة بأن قال له اعمل ما شئت أو قال له بع من هؤلاء أو أجاز ما صنعه الوكيل جاز لأن المانع من الجواز التهمة وقد زالت بالأمر والإجازة ولو دفع إليه دراهم ووكله أن يشتري له بها طعاما فهو على الحنطة والدقيق لا على الفاكهة واللحم والخبز لأن الطعام في الحقيقة وإن كان اسما لما يطعم لكنه ينصرف إلى الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في العرف ولهذا سمي السوق الذي تباع فيه الحنطة والدقيق سوق الطعام دون غيره إلا إذا كان المدفوع إليه قليلا كالدراهم ونحوه أو كان هناك وليمة فينصرف إلى الخبز وقيل يحكم الثمن إن كان قليلا ينصرف إلى الخبز وإن كان كثيرا ينصرف إليهما