Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bagian V06/P431–V06/P433

قال : وهو قول عمر بن الخطاب وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن العاص وأنس ومعاوية وأبي هريرة وعائشة وأسماء وبكر بن عبد الله المزني وأبي عثمان وابن أبي مريم و طاوس ومطرف ومجاهد فهؤلاء ثمانية من الصحابة وسبعة من التابعين والثانية : لا يجب صومه بل يكره ، إن لم يوافق عادته والثالثة : إن صام الإمام صاموا ، وإلا أفطروا ، وبه قال الحسن وابن سيرين ، قال ابن الفراء : وعلى الرواية الأولى عول شيوخنا أبو القاسم الخرقي وأبو بكر الخلال وأبو بكر عبد العزيز وغيرهم . واحتج بحديث ابن عمر السابق صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له وقد سبق بيانه وأنه من الصحيحين ، وفي رواية لأبي داود زيادة عن ابن عمر أنه إذا كان دون منظره سحاب صام قال : والدلالة في الحديث من وجهين . أحدهما : أن رواية ابن عمر وكان يصبح في الغيم صائما ولا يفعل ذلك إلا وهو يعتقد أنه معنى الحديث وتفسيره . قال : فإن قيل فقد روي عن ابن عمر أنه قال : لو صمت السنة لأفطرت هذا اليوم يعني يوم الشك وروي عنه صوموا مع الجماعة وأفطروا مع الجماعة قلنا : المراد لأفطرت يوم الشك الذي في الصحو ، وكذا الرواية الأخرى عنه ، قال : فإن قيل : يحتمل أنه كان يصبح ممسكا احتياطا لاحتمال قيام بينة في أثناء النهار بأنه من رمضان فنسمي إمساكه صوما ( قلنا ) الإمساك ليس بصوم شرعي فلا يصح الحمل عليه ، ولأنه لو كان للاحتياط لأمسك في يوم الصحو لاحتمال قيام بينة بالرؤية . الوجه الثاني : أن معنى اقدروا له ضيقوا عدة شعبان بصوم رمضان كما قال الله تعالى : ومن قدر عليه رزقه الطلاق : 7 أي ضيق عليه رزقه ، قال : وإنما قلنا : إن التضييق بأن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوما أولى من جعله ثلاثين لأوجه أحدها : أنه تأويل ابن عمر راوى الحديث والثاني : أن هذا المعنى متكرر في القرآن والثالث : أن فيه احتياطا للصيام فإن قيل : فقد روى مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين فيحمل المطلق على المقيد ( قلنا ) ليس هذا بصريح لأنه يحتمل رجوعه إلى هلال شوال لأنه سبق بقوله وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم يعني هلال شوال . فنستعمل اللفظين على موضعين ، وإنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يكن المقيد محتملا ، ويدل عليه رواية أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يوما ثم أفطروا . ويستنبط من الحديث دليل آخر وهو أن معناه اقدروا له زمانا يطلع في مثله الهلال ، وهذا الزمان يصلح وجود الهلال فيه ، ولأن في المسألة إجماع الصحابة روى ذلك عن عمر وابنه وأبي هريرة وعمرو بن العاص ومعاوية وأنس وعائشة وأسماء ، ولم يعرف لهم مخالف في الصحابة . عن سالم بن عبد الله قال : كان أبي إذا أشكل عليه شأن الهلال تقدم قبله بصيام يوم .

Bagian V06/P433–V06/P434

وعن أبي هريرة لأن أتعجل في صوم رمضان بيوم أحب إلي من أن أتأخر ، لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت فاتني وعن عمرو بن العاص أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان وعن معاوية أنه كان يقول : إن رمضان يوم كذا وكذا ونحن متقدمون ، فمن أحب أن يتقدم فليتقدم ، ولأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان وعن عائشة وقد سئلت عن اليوم الذي يشك فيه فقالت : لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان قال الراوي : فسألت ابن عمر وأبا هريرة فقالا : أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك منا وعن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان . قال : فإن قيل : كيف يدعى الإجماع وفي المسألة خلاف ظاهر للصحابة فقد روى منع صومه عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار و حذيفة وابن عباس وأبي سعيد وأنس وعائشة ، ثم ذكر ذلك بأسانيده عنهم من طرق ، وفي الرواية عن علي قال : إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن صيام ستة أيام من السنة يوم الشك والنحر والفطر وأيام التشريق وعن عمر وعلي أنهما كانا ينهيان عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان وعن ابن مسعود لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلى من أن أزيد فيه ما ليس منه وعن ابن عباس لا تصوموا اليوم الذي يشك فيه لا يسبق فيه الإمام وعن أبي سعيد إذا رأيت هلال رمضان فصم وإذا لم تره فصم مع جملة الناس وأفطر مع جملة الناس ونهى حذيفة عن صوم يوم الشك . فهذا كله يخالف ما رويتموه عن الصحابة من صومه . قلنا : يجمع بينهما بأن من نهى عن الصيام أراد إذا كان الشك بلا حائل سحاب ، وكان صيامهم مع وجود الغيم ، ويحتمل أنهم نهوا عن صومه تطوعا وتقدما على الشهر ، ومن صام منهم صام على أنه من رمضان . قال : ( فإن قيل ) فنحن أيضا نتأول ما رويتموه عن الصحابة أن من صام منهم صام مع وجود شهادة شاهد واحد ، وقد روى ذلك مسندا عن فاطمة بنت الحسين أن رجلا شهد عند علي رضي الله عنه برؤية هلال رمضان فصام . واحسبه قال : وأمر الناس بالصيام . وقال : لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ( قلنا ) لا يصح هذا التأويل لأنه إذا شهد واحد خرج عن أن يكون من شعبان ، وصار يوما من رمضان يصومه الناس كلهم ، وفيما سبق عن الصحابة أنهم قالوا ( لأن نصوم يوما من شعبان ) وهذا إنما يقال في يوم شك ، ولأن ابن عمر كان ينظر الهلال ، فإن كان هناك غيم أصبح صائما وإلا أفطر ، وهذا يقتضي العمل باجتهاده لا بشهادة ، ولأنهم سموه يوم الشك ، ولو كان في الشهادة لم يكن يوم شك . قال : ( فإن قيل ) ليس فيما ذكرتم أنهم كانوا يصومونه من رمضان فلعلهم صاموه تطوعا ، وهذا هو الظاهر ، لأنهم قالوا لأن نصوم يوما من شعبان فسموه شعبان ، وشعبان ليس بفرض ( قلنا هذا لا يصح لأن ابن عمر كان يفرق بين الصحو والغيم ، ولأن ظاهر كلامهم أنهم قصدوا الاحتياط لاحتمال كونه من رمضان . وهذا المقصود لا يحصل بنية التطوع ، وإنما يحصل بنية رمضان . ومن القياس إنه يوم يسوغ الإجتهاد في صومه عن رمضان ، فوجب صيامه كما لو شهد بالهلال واحد ، واحترزنا بيسوغ الإجتهاد عن يوم الصحو .

Bagian V06/P434–V06/P436

ولهذا يتناول ما أطلقه الصحابة على الصحو لأنه روي صريحا عن ابن عمر ، ولأنه عبادة بدنية مقصودة فوجبت مع الشك ، كمن نسي صلاة من صلاتين ، واحترزنا ببدنية عن الزكاة والحج وبمقصوده عمن شك هل أحدث أم لا فلا شيء عليه في كل ذلك . قال : واحتج المخالف بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام ، اليوم الذي يشك فيه من رمضان ، ويوم النحر ، ويوم الفطر ، وأيام التشريق . وجوابه من وجهين أحدهما : حمله على من صامه تطوعا أو من نذر أو قضاء والثاني : حمله على الشك إذا لم يكن غيم ، قال : واحتج أيضا بحديث حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة قبله ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة وجوابه أنه محمول على ما إذا لم يكن غيم . واحتج بحديث ابن عباس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حال دونه غمامة فأكملوا العدة ثلاثين . وجوابه : أن معناه أكملوا رمضان ، ودليل هذا التأويل أنه جاء في حديث أبي هريرة فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين ويعود الضمير في رؤيته إلى هلال شوال لأنه أقرب مذكور ، وفي رواية عن أبي هريرة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا ومثله من رواية ابن عباس ، وهكذا الجواب عن حديث ابن عمر في صحيح مسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين معناه غم هلال شوال . قال : واحتج بحديث أبي البختري السابق قال : أهللنا هلال رمضان فشككنا فيه فبعثنا إلى ابن عباس رجلا فقال ابن عباس : عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله عز وجل أمده لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ( قلنا ) هذا محمول على ما إذا كان الإغمام من الطرفين بأن يغم هلال رمضان فنعد شعبان تسعة وعشرين يوما ثم نصوم ثلاثين ، فيحول دون مطلع هلال شوال غيم ليلة الحادي والثلاثين ، فإنا نعد شعبان من الآن ثلاثين ونعد رمضان ثلاثين ونصوم يوما ، فيصير الصوم واحدا وثلاثين ، كما إذا نسي صلاة من يوم فاتته فإنه يلزمه صلوات اليوم . وقد روي عن أنس أنه قال : هذا اليوم يكمل إلى أحد وثلاثين يوما قال : واحتج بحديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا ، فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا إلا أن تروه قبل ذلك وجوابه ما سبق قبله أنه محمول على ما إذا كان الإغمام في طرفي رمضان . قال : ( فإن قيل ) هذا التأويل باطل لوجهين أحدهما : أنه قال : فعدوا شعبان ثلاثين ثم صوموا والصوم إنما هو أول الشهر والثاني : أنه قال بعد ذلك فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا فدل على أن الإغمام في أوله وفي آخره . والذي في أوله يقتضي الاعتداد به في أول رمضان . وعلى هذا التأويل يقتضي أن الاعتداد به في آخر رمضان . قلنا : التأويل صحيح ، لأنا نكمل عدة شعبان في آخر رمضان ، ونصوم يوما آخر ، فيكون قوله : ثم صوموا راجعا إلى هذا اليوم .

Bagian V06/P436–V06/P437

وأما قوله بعده فإن غم عليكم فعدوا رمضان ثلاثين ثم أفطروا فمعناه إذا غم في أوله وغم في آخره ليلة الثلاثين من رمضان فإنا نعد شعبان ثلاثين ثم نصوم يوما وهو الحادي والثلاثين من رمضان ، فنعد رمضان ثلاثين ، ونصوم يوما آخر فقد حصل العددان ، أحدهما بعد الآخر ويتخللها صوم يوم قال : واحتج بأنه لو علق طلاقا أو عتاقا على رمضان لم يقع يوم الشك ، وكذا لا يحل فيه الدين المؤجل إلى رمضان فكذا الصوم . وجوابه : أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك ، فيحتمل أن لا نسلم ذلك ونقول يقع الطلاق والعتق ويحل الدين ، ويحتمل أن نسلمه وهو أشبه ، ونفرق بين المسألة بوجهين أحدهما : أنه قد يثبت الصوم بما لا يثبت الطلاق والعتق والحلول ، وهو شهادة عدل واحد والثاني : إن في إيقاع الطلاق والعتاق وحلول الدين إسقاط حق ثابت لمعين بالشك ، وهذا لا يجوز بخلاف الصوم فإنه إيجاب عبادة مقصودة على البدن فلا يمتنع وجوبها مع الشك كمن نسي صلاة من الخمس ، وكذا الجواب عن قولهم : إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث لا وضوء عليه للأصل ، ولو شك هل طلق لا طلاق عليه ، لأن الطلاق والبضع حق له ، فلا يسقطان بالشك ، وكذا الجواب عن قولهم : لو تسحر الرجل وهو شاك في طلوع الفجر صح صومه لأن الأصل بقاء الليل ، ولو وقف بعرفات شاكا في طلوع الفجر صح وقوفه ، لأن الأصل بقاء الليل ، والفرق أن البناء على الأصل في هاتين المسألتين لم يسقط العبادة لأن الصوم والوقوف وجدا . وأما : في مسألتنا فالبناء على الأصل يسقط الصوم وجواب : آخر ، وهو أن طلوع الفجر يخفى على كثير من الناس فلو منعناهم السحور مع الشك لحقتهم المشقة لأنه يتكرر ذلك ، وليس كذلك في إلزامهم صوم يوم الشك ، لأنه إنما يجب لعارض يعرض في السماء وهو نادر فلا مشقة فيه ، وكذلك الحج لو منعناهم الوقوف مع الشك لفاتهم ، وفيه مشقة عظيمة قال : واحتج بأنه شك فلا يجب الصوم كالصحو وجوابه : أنه يبطل بآخر رمضان إذا حال غيم فإنه يجب الصوم ولأنه إذا كان صحو ولم يروا الهلال ، فالظاهر عدمه بخلاف الغيم ، فوجب صومه احتياطا . قال : واحتج بأن كل يوم صامه في الصحو لا يجب في الغيم كالثامن والعشرين من شعبان وجوابه : أن الفرق بين الصحو والغيم ما سبق ، ولأنا تحققنا في الثامن والعشرين كونه من شعبان بخلاف يوم الثلاثين ، ولهذا لو حال الغيم في آخر رمضان ليلة الثلاثين صمنا ، ولو حال ليلة الحادي والثلاثين لم نصم ، قال : واحتج بأنها عبادة فلا يجب الدخول فيها حتى يعلم وقتها كالصلاة وجوابه : أن هذا باطل في الأصل والفرع . أما الأصل فإنه يجب الدخول في الصلاة مع الشك ، وهو إذا نسي صلاة من الخمس وأما : الفرع فإن الأسير إذا اشتبهت عليه الشهور صام بالتحري وجواب آخر : وهو أن اعتبار اليقين في الصلاة لا يؤدي إلى إسقاط العبادة ، بخلاف مسألتنا ، قال : واحتج أنه لا يصح الجزم بالنية مع الشك ، ولا يصح الصوم إلا بجزم النية وجوابه : أنه لا يمتنع التردد في النية للحاجة كما في الأسير إذا صام بالاجتهاد ، ومن نسى صلاة من الخمس فصلاهن . ( فإن قيل ) لو حلف أن الهلال تحت الغيم ( قلنا ) لا يحنث للشك مع إن الأصل بقاء النكاح ، وكذا لو حلف أنه لم يطلع ، ولا هو تحت الغيم كما لو طار طائر فحلف أنه غراب ، أو أنه ليس بغراب أو تجهلناه .

Bagian V06/P437–V06/P438

( فإن قيل ) لو وطىء في هذا اليوم ( قلنا ) تجب الكفارة ( فإن قيل ) هل يصلي التراويح هذه الليلة ( قلنا ) اختلف أصحابنا فقال أبو حفص العكبري : لا يصلي ، وقال غيره : يصلي وهو ظاهر كلام أحمد ، ولأنه من رمضان ( فإن قيل ) لم لم يحكموا بالهلال تحت الغيم في سائر الشهور ( قلنا ) لا فائدة فيه بخلاف مسألتنا فإن فيه احتياطا للصوم ، ولهذا يثبت هلال رمضان بشاهد واحد بخلاف غيره ( فإن قيل ) لو حلف ليدخلن الدار في أول يوم من رمضان ( قلنا ) لا يبر في يمينه حتى يدخلها في يومين يوم الشك والذي بعده ، كمن نسي صلاة من صلوات يوم وجهلها فحلف ليدخلن الدار بعد أن يصليها فإنه لا يبر حتى يدخل بعد جميع صلوات اليوم ، وإن كنا نعلم أن الذي في ذمته واحدة ، هذا آخر كلام القاضي أبي يعلى ابن الفراء رحمه الله تعالى . قال الخطيب الحافظ أبو بكر البغدادي في الرد عليه : وقفت على كتاب لبعض من ينتسب إليه الفقه من أهل هذا العصر ذكر فيه أن يوم الشك المكمل لعدة شعبان يجب صومه عن أول يوم من رمضان ، قال الخطيب : واحتج في ذلك بما ظهور اعتلاله يغني الناظر فيه عن إبطاله ، إذ الحق لا يدفعه باطل الشبهات ، والسنن الثابتة لا يسقطها فاسد التأويلات ، ومع كون هذه المسألة ليس فيها التباس فربما خفي حكمها عن بعض الناس ، ممن قصر فهمه ، وقل بأحكام الشرع علمه ، وقد أوجب الله على العلماء أن ينصحوا له فيما استحفظهم ، ويبذلوا الجهد فيما قلدهم ، وينهجوا للحق سبل نجاتهم ، ويكشفوا للعوام عن شبهاتهم ، لاسيما فيما يعظم خطره ، ويبين في الدين ضرره ، ومن أعظم الضرر إثبات قول يخالف مذهب السلف من أئمة المسلمين ، في حكم الصوم الذي هو أحد أركان الدين ، وأنا بمشيئة الله تعالى أذكر من السنن المأثورة ، وأورد في ذلك من صحيح الأحاديث المشهور ، عن رسول رب العالمين ، وصحابته الأخيار المرضيين ، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ، وعن خالفيهم من التابعين ، ما يوضح منار الحق ودليله ، ويرد من تنكب سبيله ، ويبطل شبهة قول المخالف وتأويله . ثم روى الخطيب بإسناده حديث أبي هريرة السابق في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تقدموا صوم رمضان بيوم ولا يومين ، إلا أن يكون صوما يصومه رجل فليصم ذلك الصوم ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم ستة أيام ، اليوم الذي يشك فيه ويوم الفطر والنحر ، وأيام التشريق . ثم ذكر الأحاديث الصحيحة السابقة لا تصوموا حتى تروا الهلال وحديث حذيفة الصحيح السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال ، أو تكملوا العدة إذا غم الهلال ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة وحديث ابن عباس السابق في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أمده للرؤية وحديث أحصوا عدة شعبان لرمضان وسبق بيانه . ثم قال : باب الأمر بإكمال العدة إذا غم الهلال ، قال : روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وأبي بكرة وطلق بن علي ورافع بن خديج وغيرهم من الصحابة ، ثم ذكر رواياتهم بأسانيده من طرق وألفاظها كما سبق في الفرع الأول ، وفي جميع روايته صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين .

Bagian V06/P438–V06/P440

ثم قال الخطيب : أجمع علماء السلف على أن صوم يوم الشك ليس بواجب ، وهو إذا كانت السماء متغيمة في آخر اليوم التاسع والعشرين من شعبان ، ولم يشهد عدل برؤية الهلال ، فيوم الثلاثين يوم الشك ، فكره جمهور العلماء صيامه إلا أن يكون له عادة بصوم فيصومه عن عادته ، أو كان يسرد الصوم فيأتي ذلك في صيامه فيصومه . قال : فمن منع صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة ، وتابعهم من التابعين سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو وائل وعبد الله بن عكيم الجهني وعكرمة والشعبي والحسن وابن سيرين و المسيب بن رافع وعمر بن عبد العزيز ومسلم بن يسار وأبو السوار العدوي وقتادة و الضحاك بن قيس وإبراهيم النخعي ، وتابعهم من الخالفين والفقهاء المجتهدين ابن جريج والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق بن راهوية . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز عن رمضان ويجوز تطوعا ، وأما : أحمد بن حنبل فروي عنه كمذهب الجماعة أنه لا يجب صومه ، ولا يستحب ، وروى عنه متابعة الإمام في صومه وفطره ، وروى عنه أنه إن كان غيم صامه وإلا أفطره . قال الخطيب : وزعم المخالف أن الرواية التي عليها التعويل عنده عن أحمد وجوب صوم يوم الشك عن أول يوم من رمضان ، وأراه عول على قول العامة : خالف تعرف ، واحتج لقوله بما سنذكره إن شاء الله تعالى ، فمن ذلك حديث ابن عمر السابق صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له قال الخطيب : قال المخالف : ودلالته من وجهين فذكر الوجهين السابقين في كلام ابن الفراء ومختصرهما أن ابن عمر كان يصوم يوم ليلة الغيم ، وهو الراوي ، فاعتماده أولى والثاني : أن معنى اقدروا له ضيقوا شعبان بصوم رمضان . قال الخطيب : أما حديث ابن عمر فاختلفت الروايات عنه اختلافا يؤول إلى أن يكون حجة لنا ، فإن بعض الرواة قال في حديثه عنه : فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم روى عنه فأكملوا العدة ثلاثين وفي رواية عنه فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين ثم ذكر الخطيب بأسانيده من طرق جميع هذه الألفاظ ، وقد سبق بيانها وأنها صحيحة ، ثم قال الخطيب : لقد ثبت برواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما فسر المجمل ، وأوضح المشكل وأبطل شبهة المخالف ، وكشف عوار تأويله الفاسد ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم فاقدروا له مجمل فسره برواية فعدوا له ثلاثين يوما وفأكملوا العدة ثلاثين وفاقدروا له ثلاثين مع موافقة أبي هريرة ابن عمر على روايته مثل هذه الألفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر الخطيب رواية أبي هريرة من طريقين في بعضها صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين وفي الثانية فإن غم عليكم فاقدروا له . قال الخطيب : وأما تعلق المخالف بما روي عن ابن عمر أنه كان يصوم إذا غم الهلال ، فقد روى أنه كان يفعل ويفتي بخلاف ذلك ، وفتياه أصح من فعله يعني لتطرق التأويل إلى فعله ، ثم روى الخطيب بإسناده عن عبد العزيز بن حكيم قال : سألوا ابن عمر فقالوا : نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء ، فقال ابن عمر : أف أف صوموا مع الجماعة ، وأفطروا مع الجماعة إسناده صحيح إلا عبد العزيز بن حكيم ، فقال يحيى بن معين : هو ثقة ، وقال أبو حاتم : ليس بقوى يكتب حديثه ، وعن ابن عمر قال : لا أتقدم قبل الإمام ولا أصله بصيام .

Bagian V06/P440–V06/P441

وعن عبد العزيز بن حكيم قال : ذكر عند ابن عمر يوم الشك فقال : لو صمت السنة كلها لأفطرته قال الخطيب : وهذا هو الأشبه بابن عمر لأنه لا يجوز الظن به أنه خالف النبي صلى الله عليه وسلم وترك قوله الذي رواه هو وغيره من العمل بالرؤية أو إكمال العدة فيجب أن يحمل ما روي عن ابن عمر من صوم يوم الشك على أنه كان يصبح ممسكا حتى يتبين بعد ارتفاع النهار هل تقوم بينة بالرؤية فظن الراوي أنه كان صائما ، ويدل عليه أنه كان لا يحتسب به ولا يفطر إلا مع الناس ، ويدل عليه أيضا قوله : لا أتقدم قبل الإمام وقوله : لو صمت السنة لأفطرته يعني يوم الشك . قال الخطيب : وهذا تصريح منه بأنه كان لا يعتقد الصيام في ذلك . وإنما كان ممسكا . ( فإن قيل ) فما الفائدة في إمساكه بلا نية للصوم لأنه لو ثبت كونه من رمضان لم يجزه ( قلنا ) فائدته تعظيم حرمة رمضان ، وكيف يظن بابن عمر مخالفة السنة ، وهو المجتهد في اقتفاء آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بأفعاله وطريقة ابن عمر في ذلك مشهورة محفوظة قال الخطيب : وقد تأول المخالف قول ابن عمر لو صمت السنة لأفطرت في يوم الشك على أن معناه لم أصمه تطوعا ، وإن تطوعت بجميع السنة قال : ويحتمل أن يكون يوم الشك في الصحو ، قال : وهكذا قوله صوموا مع الجماعة المراد مع الصحو . قال الخطيب : وهذا تأويل باطل ، لأن المفهوم من هذا الكلام في اللغة والعرف أنه لا يصومه بحال ، وكذا المعروف عندهم من يوم الشك إنما هو مع وجود السحاب لا مع الصحو ، مع أن ما تأوله على ابن عمر لو لم يكن له وجه إلا ما قاله لم يكن فيه حجة لثبوت السنن الراتبة الصريحة ، بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما ادعى المخالف ولا يجوز تركها لفعل ابن عمر ولا غيره . ثم روى بإسناده عن ابن عباس قال : ليس أحد من الناس إلا يؤخذ من قوله ويترك غير النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطيب : وقد جعل المخالف العلة في تفسير الحديث المجمل الذي رواه ابن عمر مجرد فعله مع احتماله غير ما ذهب إليه ، وكان يلزمه ترك رأيه والأخذ بحديث ابن عباس ، ثم ذكره بإسناده عن ابن عباس قال : تمارى الناس في رؤية هلال رمضان فقال بعضهم اليوم . وقال بعضهم غدا ، فجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه رآه ، فقال رسول الله تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال : نعم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فنادى في الناس : صوموا ، ثم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ، ولا تصوموا قبله يوما . قال الخطيب : وهذا الحديث أولى أن يأخذ به المخالف من حديث ابن عمر ، لما فيه من البيان الشافي باللفظ الواضح الذي لا يحتمل التأويل ، ولأن ابن عباس ساق السبب الذي خرج الكلام عليه ، قال الخطيب : والمراء في رؤية الهلال إنما يقع إذا كان في السماء غيم ، فلو كان الحكم ما ادعاه المخالف لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالصوم من غير شهادة الأعرابي على الرؤية .

Bagian V06/P441–V06/P442

قال الخطيب : وقد روى عن عبد الله بن جراد العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا فيه كفاية عما سواه فذكره بإسناده عنه : ثم قال : أصبحنا يوم الإثنين صياما وكان الشهر قد أغمي علينا ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأصبناه مفطرا فقلنا : يا نبي الله صمنا اليوم ، فقال : أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه ، لأن أفطر يوما من رمضان متماريا فيه أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان ليس منه يعني ليس من رمضان . قال الخطيب : وأما ما ذكره المخالف أنه حجة له من جهة الاستبناط . وقوله إن معنى اقدروا له ضيقوا شعبان لصوم رمضان فهو خطأ واضح لأن معناه قدروا شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا في الحادي والثلاثين ، وقدرت الشيء وقدرته بتخفيف الدال وتشديدها بمعنى واحد بإجماع أهل اللغة . ومنه قوله تعالى : فقدرنا فنعم القادرون المرسلات : 32 . ثم روى الخطيب بإسناده عن يحيى بن زكريا الفراء الإمام المشهور فقال في قوله تعالى : فقدرنا فنعم القادرون ذكر عن علي وأبي عبد الرحمن السلمي أنهما شددا وخففها الأعمش وعاصم . قال الفراء : ولا يبعد أن يكون معناهما واحدا ، لأن العرب قد تقول : قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت ، وقدر عليه رزقه ، وقدر عليه رزقه . بالتخفيف والتشديد ثم روى الخطيب عن ابن قتيبة التشديد والتخفيف ، ثم عن ابن عباس و مقاتل بن سليمان ، وكان أوحد وقته في التفسير . ثم الفراء ثم ثعلب أنهم قالوا في تفسير قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه الأنبياء : 78 معناه أن لن نقدر عليه عقوبة . قال : وكذلك قاله غيرهم من النحاة . فهذا قول أئمة اللغة على أن في الحديث ما لا يحتاج معه إلى غيره في وضوح الحجة وإسقاط الشبهة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : فاقدروا له ثلاثين أي فعدوا له ثلاثين ، وهو بمعنى عدوا ، وكله راجع إلى معنى قوله صلى الله عليه وسلم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين قال الخطيب : قال المخالف : وليس في قوله صلى الله عليه وسلم فاقدروا له ما يدل على وجوب تقدير شعبان بثلاثين ، إذ ليس تقديره بثلاثين أولى من تقديره بتسعة وعشرين ، لأن كل واحد من العددين يكون قدرا للشهر لقول صلى الله عليه وسلم حين نزل من الغرفة وقد آلى شهرا فنزل لتسع وعشرين إن الشهر تسع وعشرون وعن ابن مسعود ما صمنا تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين . قال الخطيب : ما أعظم غفلة هذا الرجل ، ومن الذي نازعه في أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين وتارة يكون ثلاثين ، وأي حجة له في ذلك . وقوله : ليس التقدير بثلاثين أولى من التقدير بتسع وعشرين باطل ومحال ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على تقديره في هذه الحالة بتمام العدد والكمال . وهو قوله صلى الله عليه وسلم : فاقدروا له ثلاثين قال الله تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم الأحزاب : 63 . قال الخطيب : قال المخالف ( فإن قيل ) لم كان حمله على تسع وعشرين أولى من حمله على ثلاثين ( قلنا ) لوجوه أحدها : أنه تأويل ابن عمر الراوي ، وهو أعرف والثاني : أنه مشهور في كتاب الله تعالى في غير موضع الثالث : أن فيه احتياطا للصوم . قال الخطيب : أما تأويل ابن عمر فقد ذكرنا ما يفسده من معارضة ابن عباس له بالرواية التي لا تحتمل تأويلا . وذكرنا عن ابن عمر من الروايات ما يوجب تأويل فعله على غير ما ذهب إليه المخالف ، وكذلك تفسير ما ادعاه من الآيات فلا حاجة إلى اعادته .

Bagian V06/P442–V06/P444

وأما قوله إن فيه احتياطا فالاحتياط في اتباع السنن والإقتداء بها ، دون الاعتراض عليها بالآراء ، والحمل لها على الأهواء ، ومنزلة من زاد في الشرع كمنزلة من نقص ، لا فرق بينهما . قال الخطيب : قال المخالف ( فإن قيل ) قد روى مسلم فاقدروا له ثلاثين من رواية ابن عمر ( قلنا ) هذا التفسير ليس بصريح لاحتمال رجوعه إلى هلال شوال . قال الخطيب : لا يجوز لأحد أن يزيل الكلام عن أصله الموضوع وظاهره المستعمل المعروف ، ويعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل ، وحقيقة قوله صلى الله عليه وسلم : فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين راجع إلى الغيم في ابتداء الصوم وفي انتهائه ، وقد بين النص ما اقتضاه ظاهر هذا اللفظ وعمومته وحقيقته وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضبابة فأكملوا شعبان ثلاثين ، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان وعن ابن عباس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا ولا تصوموا قبله بيوم وفي رواية عنه فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين رواه البخاري في صحيحه . + الشرح : قال الخطيب : واستدل المخالف على أنه قوله صلى الله عليه وسلم : فإن غم عليكم فاقدروا له راجع إلى غم هلال شوال بحديث أبي هريرة الآخر فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا قال الخطيب : وليس في هذا أكثر من بيان حكم غم الهلال آخر الشهر وأنه يجب إكمال عدة الصوم ، ونحن قائلون به . فأما بيان حكم غمه في أول رمضان فمستفاد من الأحاديث السابقة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ثم صوموا وفي الرواية الأخرى فعدوا شعبان وفي الأخرى فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا وحديث عائشة رضي الله عنها : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام . قال الخطيب . قال المخالف : هذه الألفاظ محمولة على ما إذا غم هلال رمضان فإنا نعد شعبان تسعة وعشرين يوما ثم نصوم ثلاثين يوما ، فإن حال دون مطلع هلال شوال ليلة الحادي والثلاثين غيم عددنا حينئذ شعبان ثلاثين . ثم نعد رمضان ثلاثين ونصوم يوما آخر فيكون إحدى وثلاثين . قال الخطيب : من خلت يداه من الدليل وعدل عن نهج السبيل لجأ إلى مثل هذا التأويل ومع كونه إحدى العظائم والكبر ، وأعجب ما وقف عليه أهل النظر ، فإن صاحبه لم يسنده إلى أصل يرده إليه ، ولا أورد أمرا يحتمل أن يقفه عليه ، ولو جاز تخصيص الحديث العام بغير دليل لبطلت دلالة الإخبار ، ولم يثبت حكم بظاهر ، وتعلق كل مبطل بمثل هذه العلة ولئن ساغ للمخالف هذا التأويل الباطل ليسوغن لغلاة الرافضة الذين يسبقون الناس في الفطر والصوم أن يتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته أن المراد تقدم الصيام للرؤية وتقدم الفطر للرؤية . قال الخطيب : ومخالفنا يعلم فساد هذا التأويل الذي قاله ، فيقال له : أسمعت هذا التأويل عن أحد فإن زعمه فليأت بخبر واحد يتضمنه ، وأن واحدا من السلف كان إذا غم عليه هلال شوال استأنف عدد شعبان ، فإن لم يجده في خبر ولا أثر ، وهيهات أن يجده ، فليعلم أن ما تأوله خلاف الصواب ، فالحق أحق أن يتبع ( فإن قال ) استخرجته بنظري ( قلنا ) الاستخراج لا يكون إلا من أصل ولا سبيل لك إليه .

Bagian V06/P444–V06/P445

قال الخطيب : وزعم المخالف أن إجماع الصحابة في هذه المسألة على وفق مذهبه ، وهذه دعوى منه ليس عليها برهان . ولا يعجز كل من غلب هواه على شيء أن يدعي إجماع الصحابة عليه . قال الخطيب : وأنا أذكر هنا ما ثبت عند أهل النقل في ذلك عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء الخالفين . فأما الرواية عن عمر بن الخطاب فرواها بإسناده عن عبد الله بن عكيم أنه كان يخطب الناس كلما أقبل رمضان ويقول في خطبته : ألا لا يتقدمن الشهر منكم أحد ، يقولها ثلاثا ، وفي رواية أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد المجندة صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ثم صوموا وأفطروا وبإسناده عن الإمام أحمد بن حنبل قال : كان عثمان لا يجيز شهادة الواحد في رؤية الهلال على رمضان ، فقلت له من ذكره قال ابن جريج عن عمرو بن دينار ، قلت له : من ذكره عن ابن جريج قال : عبد الرزاق وروح . قال الخطيب : فإذا لم يقبل عثمان شهادة الواحد ، فالغيم أولى أن لا يعتمده . وعن مجالد عن الشعبي عن علي أنه كان يخطب إذا حضر رمضان ويقول في خطبته : لا تقدموا الشهر ، إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة وكان يقول ذلك بعد صلاة الفجر وصلاة العصر ، وعن مجالد عن الشعبي أن عمر وعليا كانا ينهيان عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان قلت : مجالد ضعيف ، والله أعلم . قال الخطيب : واحتج المخالف بخبر يروي عن علي أنه قال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان قال الخطيب : ولا حجة فيه ، لأن عليا كان لا يقبل شهادة العدل الواحد في الصوم ، ثم روى بإسناده عن علي أنه كان يقبل شهادة رجلين لهلال رمضان ، ثم رأى على قبول شهادة واحد ، ثم روى عن فاطمة بنت الحسين أن رجلا شهد عند علي على رؤية هلال رمضان ، فصام وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان فصيام علي رضي الله عنه كان بشهادة الرجل الواحد بعد أن كان لا يقبل شهادة الواحد ، فلما بلغه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قبول الواحد صار إليه . قال الخطيب : ويدل على أن عليا كان لا يصوم إلا للرؤية أو إكمال العدد لشعبان ما أخبرناه أحمد وذكر إسناده إلى الوليد بن عتبة قال : صمنا على عهد علي رضي الله عنه ثمانية وعشرين يوما ، فأمرنا علي بقضاء يوم . قال الخطيب : وكان شهر رمضان تلك السنة تسعة وعشرين يوما ، وشعبان تسعة وعشرين وغم الهلال في آخر شعبان ، فأكمل علي والناس العدد لشعبان ثلاثين وصاموا ، فرأوا الهلال عشية اليوم الثامن والعشرين من الصوم ، ولو كان علي يقول في الصوم كقول المخالف من اعتماد الغيم لم ير الناس الهلال بعد صوم ثمانية وعشرين يوما . وأما : ابن مسعود فروى عنه الخطيب بإسناده صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين وفي رواية عنه لأن أفطر يوما من رمضان ثم أقضيه أحب إلي من أن أزيد فيه يوما ليس منه وعن صلة قال كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فأتى بشاة فتنحى بعض القوم فقال عمار : من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم وعن حذيفة أنه كان ينهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان وعن ابن عباس قال : لا تصلوا رمضان بشيء ، ولا تقدموه بيوم ولا يومين وعنه من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى الله ورسوله وعن أبي هريرة إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين .

Bagian V06/P445–V06/P447

قال الخطيب : وأما ما رويناه عن معاوية بن صالح عن أبي مريم قال : سمعت أبا هريرة يقول : لأن أتقدم في رمضان أحب إلي من أن أتأخر لأني إن تقدمت لم يفتني فرواية ضعيفة لا تحفظ إلا من هذا الوجه ، وأبو مريم مجهول فلا يعارض بروايته ما نقله الحفاظ من أصحاب أبي هريرة عنه . قال الخطيب : ومما تعلق به المخالف ما رواه يحيى بن أبي إسحاق قال : رأيت هلال الفطر إما عند الظهر أو قريبا منها ، فأفطر ناس فأتينا أنسا فأخبرناه فقال : هذا اليوم يكمل إلى أحد وثلاثين يوما ، لأن الحكم بن أيوب أرسل إلى قبل صيام الناس إني صائم غدا فكرهت الخلاف عليه فصمت ، وأنا متم يومي هذا إلى الليل قال الخطيب : قال المخالف : ولا يتقدم أنس على صوم الجماعة إلا بصوم يوم الشك . قال الخطيب : فيقال له : قد قال أنس : أنه لم يصمه معتقدا وجوبه وإنما تابع الحكم بن أيوب وكان هو الأمير على الإمساك فيه ، ولعل الأمير عزم عليه في ذلك فكره مخالفته والمحفوظ عن أنس أنه أفطر يوم الشك ، كذا روى عنه محمد بن سيرين وحسبك به فهما وعقلا وصدقا وفضلا ، ومن ذلك عن عائشة لأن أصوم يوما من شعبان أحب لي من أن أفطر يوما من رمضان قال الخطيب : أرادت عائشة صوم الشك إذا شهد برؤية الهلال عدل ، فيجب صومه ، ولو كان قد شهد بباطل في نفس الأمر وأرادت بقولها مخالفة من شرط لصوم رمضان شاهدين ، والدليل على هذا أن مسروقا روى عنها النهي عن صوم يوم الشك ، ثم رواه الخطيب بإسناده ، ومن ذلك عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا غم الهلال تقدمته وصامت ، وتأمر بذلك . قال الخطيب : ليس في هذا أكثر من تقدمها بالصوم ، ويحتمل أنه تطوع لا واجب وإذا احتمل ذلك لم يكن للمخالف فيه حجة ، مع أن الحجة إنما هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله . قال الخطيب : ومما جاء عن التابعين فيه ما رويناه فذكر بإسناده عن عكرمة من صام يوم الشك فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رجلا أن يفطر بعد الظهر وعن القاسم بن محمد لا تصم اليوم الذي تشك فيه إذا كان فيه سحاب وفي رواية عنه لا بأس بصومه إلا أن يغم الهلال . وعن الشعبي أنه سئل عن اليوم الذي يقول الناس : أنه من رمضان قال : لا يصم إلا مع الإمام وفي رواية عنه لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك وعن الضحاك بن قيس لو صمت السنة كلها ما صمت يوم الشك وعن إبراهيم قال : ما من يوم أبغض إلي أن أصومه من اليوم الذي يقال إنه من رمضان ، وعن إبراهيم وأبي وائل والشعبي و المسيب بن رافع أنهم كانوا يكرهون صوم اليوم الذي يقال أنه من رمضان ، وعن الحسن البصري قال : لأن أفطر يوما من رمضان لا أتعمده أحب إلي من أن أصوم يوما من شعبان أصل به رمضان أتعمده ، وعن الحسن وابن سيرين أنهما كرها صوم يوم الشك .

Bagian V06/P447

قال الخطيب : وذكر المخالف شبها من القياس ، ولم يختلف من اعتمد الآثار من العلماء أن كل قياس ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص يخالفه فهو باطل ، ويحرم العمل به ، وقد قال أبو حنيفة وهو إمام أهل العراق مع توسعه في القضاء بالقياس : البول في المسجد أحسن من بعض القياس ، وهذا صحيح ، وهو إذا قابل القياس نص يخالفه ، أو كان فاسدا لنقص ، أو معارضة الفرع للأصل ، كقياس المخالف وجوب صوم يوم الشك على من نسى صلاة من صلوات يوم ، فهذا قياس باطل لثبوت النص بخلافه ، ولأن الصلاة لم تجب بالشك ، بل لأنا تيقنا شغل ذمته بكل صلاة ، وشككنا في براءته منها والأصل بقاؤها بخلاف الصوم ولا طريق له إلى الصلاة المنسية إلا بفعل الجميع ، وإنما نظير مسألة يوم الشك أن يشك هل دخل وقت الصلاة أم لا فلا تلزمه الصلاة بالاتفاق ، بل لو صلى شاكا فيه لم تصح صلاته ، قال المخالف : وقياس آخر وهو القياس على ما إذا غم الهلال في آخر رمضان فإنه يجب صوم ذلك اليوم . قال الخطيب : ليس بهذا المخالف من الغباوة ما ينتهي إلى هذه المقالة لكنه ألزم نفسه أمرا ألجأه إليها ، وكيف استجاز أن يقول : يوم الشك أحد طرفي الشهر مع أن هذا الوصف لا يلزمه ولا يسلم له ( فإن قال ) بنيته على أصل ، قيل له : هو مخالف للنص فيجب إطراحه ، ويقال له : إن قلت : يوم الشك أحد طرفي رمضان فأت بحجة على ذلك وهيهات السبيل إلى ذلك ( وإن قلت ) الشك أحد طرفي شعبان ( قيل ) أصبت ولا يجب صوم شعبان ( ثم يقال ) الأصل بقاء شعبان فلا يزول بالشك . قال الخطيب : قال المخالف : لا يمتنع ترك الأصل للإحتياط كما في مسألة من نسي صلاة من الخمس ، وكما لو شك ماسح الخف في إنقضاء مدته فلا يمسح ، ولو شكت المستحاضة في إنقطاع الحيض تلزمها الصلاة ، قال الخطيب : أما مسألة الصلاة فسبق جوابها وأما : ماسح الخف فشرط مسحه بقاء المدة فإذا شك فيها رجع إلى الأصل وهو غسل الرجلين وأما : المستحاضة فسقطت عنها الصلاة بسبب الحيض ، فإذا شكت فيه رجعت إلى الأصل ، ومقتضى هذا في مسألتنا أن لا يجب صوم يوم الشك ، لأن الأصل بقاء شعبان ، هذا آخر كلام الخطيب رحمه الله تعالى .

Bagian V06/P447–V06/P449

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده ، فإن وصله بيوم قبله أو بيوم بعده لم يكره لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم ، وفي المسألة أحاديث أخر من ذلك حديث محمد بن عباد قال : سألت جابرا أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة قال : نعم رواه البخاري ومسلم . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين سائر الليالي ، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم رواه مسلم . وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة ، فقال : أصمت أمس قالت : لا ، قال : أتريدين أن تصومي غدا قالت : لا ، قال : فأفطري رواه البخاري . وعن ابن مسعود قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام ، وقلما كان يفطر يوم الجمعة رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن ، قال أصحابنا : يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم فإن وصله بصوم قبله أو بعده أو وافق عادة له بأن نذر صوم يوم شفاء مريضه ، أو قدوم زيد أبدا ، فوافق الجمعة لم يكره لحديث أبي هريرة وغيره مما سبق ، هذا الذي ذكرته من كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم هو الصحيح المشهور ، وبه قطع المصنف والجمهور . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : روى المزني في الجامع الكبير عن الشافعي أنه قال : لا أستحب صوم يوم الجمعة لمن كان إذا صامه منعه من الصلاة ما لو كان مفطرا فعله ، هذا نقل القاضي ، وقال صاحب الشامل : وذكر في جامعه قال الشافعي : ولا يبين لي أن أنهى عن صوم يوم الجمعة إلا على اختيار لمن كان إذا صامه منعه عن الصلاة التي لو كان مفطرا فعلها . قال صاحب الشامل : وذكر الشيخ أبو حامد في التعليق أنه يكره صومه مفردا قال : وهذا خلاف ما نقله المزني ، قال : وحمل الشافعي الأحاديث الواردة في النهي على من كان الصوم يضعفه ويمنعه عن الطاعة . هذا كلام صاحب الشامل ، ونقل ابن المنذر عن الشافعي هذا الذي قاله صاحب الشامل مختصرا ، ولم يذكر عنه غيره ، وقد قال صاحب البيان : في كراهة إفراده بالصوم وجهان ( المنصوص ) الجواز ، ويحتج لظاهر ما قاله الشافعي ، واختاره صاحب الشامل بحديث ابن مسعود السابق ، ومن قال بالمذهب المشهور أجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الخميس فوصل الجمعة به ، وهذا لا كراهة فيه بلا خلاف . فرع : قال الأصحاب وغيرهم : الحكمة في كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم أن الدعاء فيه مستحب ، وهو أرجى ، فهو يوم دعاء وذكر وعبادة من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة وإكثار الذكر بعدها ، لقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا الجمعة : 1 ويستحب فيه أيضا الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من العبادات في يومها فاستحب له الفطر فيه ليكون أعون على هذه الطاعات وأدائها بنشاط وانشراح ، والتذاذ بها من غير ملل ولا سآمة ، وهو نظير الحاج بعرفات فإن الأولى له الفطر كما سبق لهذه الحكمة . فإن قيل : لو كان كذلك لم تزل الكراهة بصيام قبله أو بعده لبقاء المعنى الذي نهى بسببه .

Bagian V06/P449–V06/P451

فالجواب : أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه ، فهذا هو المعتمد في كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم . وقيل : سببه خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به كما افتتن قوم بالسبت . وهذا باطل منتقض بصلاة الجمعة وسائر ما شرع في يوم الجمعة مما ليس في غيره من التعظيم والشعائر . وقيل سببه لئلا يعتقد وجوبه ، وهذا باطل ومنتقض بيوم الإثنين فإنه يندب صومه ولا يلتفت إلى هذا الخيال البعيد وبيوم عرفة وعاشوراء وغير ذلك ، فالصواب ما قدمناه ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في إفراد يوم الجمعة بالصوم قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا كراهته . وبه قال أبو هريرة والزهري وأبو يوسف وأحمد و إسحاق وابن المنذر . وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن : لا يكره ، قال مالك في الموطأ : لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة قال : وصامه . قال : وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه فهذا كلام مالك ، وقد يحتج لهم بحديث ابن مسعود السابق ، ودليلنا عليهم الأحاديث الصحيحه السابقة في النهي وسبق الجواب عن حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الخميس والجمعة فلا يفرده . وأما قول مالك في الموطأ : إنه ما رأى من ينهى فيعارضه أن غيره رأى ، فالسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره . وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن إفراده فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها ، ومالك معذور فيها فإنها لم تبلغه . قال الداوودي من أصحاب مالك : لم يبلغ مالكا حديث النهي ولو بلغه لم يخالفه . فرع : يكره إفراد يوم السبت بالصوم ، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا ، منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم ، لحديث عبد الله بن بسر بضم الباء الموحدة والسين المهملة عن أخته الصماء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فيمضغه رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي وغيرهم ، وقال الترمذي : هو حديث حسن ، قال : ومعنى النهي أن يختصه الرجل بالصيام لأن اليهود يعظمونه . وقال أبو داود : هذا الحديث منسوخ . وليس كما قال . وقال مالك : هذا الحديث كذب . وهذا القول لا يقبل ، فقد صححه الأئمة . قال الحاكم أبو عبد الله : هو حديث صحيح على شرط البخاري ، قال : وله معارض صحيح ، وهو حديث جويريه السابق في صوم يوم الجمعة ، قال : وله معارض آخر بإسناد صحيح . ثم روى بإسناده عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس وناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صياما لها قالت : يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فأخبرتهم ، فكأنهم أنكروا ذلك ، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا : إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا ، فقالت : صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد ، وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين ، وأنا أريد أن أخالفهم هذا آخر كلام الحاكم . وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما .

Bagian V06/P451

وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين ، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس رواه الترمذي وقال حديث حسن ، والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له لحديث الصماء . وأما قول أبي داود : إنه منسوخ فغير مقبول ، وأي دليل على نسخه وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت ، وبذا يجمع بين الأحاديث ، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الصماء ( لحاء عنبه ) هو بكسر اللام وبالحاء المهملة وبالمد وهو قشر الشجرة ويمضعه بفتح الضاد وضمها لغتان .

Bagian V06/P451–V06/P452

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر ، فإن صام فيه لم يصح ، لما روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسائكم ، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم . + الشرح : حديث عمر رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم من رواية عمر ، ورويا أيضا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين ، يوم الفطر ويوم النحر ورويا معناه من رواية ابن عمر ، ورواه البخاري من رواية أبي هريرة ومسلم من رواية عائشة ، وأجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين : الفطر والأضحى لهذه الأحاديث ، فإن صام فيهما لم يصح صومه ، وإن نذر صومهما لم ينعقد نذره ولا شيء عليه عندنا وعند العلماء كافة ، إلا أبا حنيفة فقال : ينعقد نذره ويلزمه صوم يوم غيرهما ، قال : فإن صامهما أجزأه مع أنه حرام ، ووافق على أنه يصح صومهما عن نذر مطلق ، دليلنا إنه نذر صوما محرما فلم ينعقد كمن نذرت صوم أيام حيضها .

Bagian V06/P452–V06/P453

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز أن يصوم أيام التشريق صوما غير صوم التمتع ، فإن صام لم يصح صومه ، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام ، يوم الفطر ، ويوم النحر ، وأيام التشريق ، واليوم الذي يشك فيه أنه من رمضان وهل يجوز للمتمتع صومه فيه قولان ، قال في القديم : يجوز ، لما روي عن ابن عمر و عائشة أنهما قالا : لم يرخص في أيام التشريق إلا لمتمتع لم يجد الهدى وقال في الجديد : لا يجوز لأن كل يوم لا يجوز فيه صوم غير المتمتع لم يجز فيه صوم التمتع كيوم العيد . + الشرح : حديث أبي هريرة هذا رواه البيهقي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام قبل رمضان بيوم والأضحى والفطر وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر هذا لفظه وضعف إسناده ، ويغنى عنه حديث نبيشة بضم النون وفتح الباء الموحدة ثم ياء مثناة تحت ساكنة ثم شين معجمة الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى رواه مسلم . وعن كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه وأنس من الحدثان أيام التشريق فنادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ، وأيام التشريق أيام أكل وشرب رواه مسلم . وعن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب رواه أبو داود والترمذي والنسائي . قال الترمذي حديث حسن صحيح . وعن عمرو بن العاص قال : هذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها وينهى عن صيامها . قال مالك : هي أيام التشريق رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وأما ما ذكره المصنف عن ابن عمر وعائشة في صوم المتمتع فصحيح ، رواه البخاري في صحيحه ، ولفظه عن عائشة وابن عمر قالا : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي وفي رواية للبخاري عنهما قالا : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة ، فإن لم يجد هديا ولم يصم صام أيام منى فالرواية الأولى مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها بمنزلة قول الصحابي : أمرنا بكذا ونهينا عن كذا ورخص لنا في كذا وكل هذا وشبهه مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة قوله : قال صلى الله عليه وسلم كذا . وقد سبق بيان هذا في مقدمة هذا الشرح ، ثم في مواضع . وأيام التشريق هي الثلاثة التي بعد النحر ويقال لها أيام منى لأن الحجاج يقيمون فيها بمنى ، واليوم الأول يقال له : يوم القر بفتح القاف لأن الحجاج يقرون فيه بمنى ، والثاني يوم النفر الأول لأنه يجوز النفر فيه لمن تعجل والثالث يوم النفر الثاني . وسميت أيام التشريق لأن الحجاج يشرقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا أي ينشرونها ويقددونها وأيام التشريق هي الأيام المعدودات . أما حكم المسألة : ففي صوم أيام التشريق قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : وهو الجديد لا يصح صومها لا لمتمتع ولا غيره ، هذا هو الأصح عند الأصحاب . والثاني : وهو القديم يجوز للمتمتع العادم الهدي صومها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحج ، فعلى هذا هل يجوز لغير المتمتع أن يصومها فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين وذكرهما جماعات من العراقيين ، منهم القاضي أبو الطيب في المجرد والبندنيجي والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد وآخرون منهم أصحهما : عند جميع الأصحاب لا يجوز ، وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون لعموم الأحاديث في منع صومها ، وإنما رخص للمتمتع والثاني : يجوز .

Bagian V06/P453–V06/P454

قال المحاملي في كتابيه وصاحب العدة : هذا القائل بالجواز هو أبو إسحاق المروزي قال أصحابنا : الذين حكوا هذا الوجه إنما يجوز في هذه الأيام صوم له سبب من قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع له سبب فأما تطوع لا سبب له فلا يجوز فيها بلا خلاف . كذا نقل اتفاق الأصحاب عليه القاضي أبو الطيب و المحاملي والسرخسي وصاحب العدة وآخرون . وأكثر القائلين قالوا : هو نظير الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ، فإنه يصلي فيها مالها سبب دون ما لا سبب لها . قال السرخسي : مبنى الخلاف على أن إباحتها للمتمتع للحاجة ، أو لكونه سببا . وفيه خلاف لأصحابنا من علل بالحاجة ، خصه بالمتمتع فلم يجوزها لغيره ومن علل بالسبب جوز صومها عن كل صوم له سبب دون ما لا سبب له ، قال السرخسي : وعلى هذا الوجه لو نذر صومها بعينها فهو كنذر صوم يوم الشك ، وسبق بيانه ، هذا هو المشهور في المذهب أن الوجه القائل بجواز الصوم في أيام التشريق لغير المتمتع مختص بصوم له سبب ، ولا يصح فيها ما لا سبب له بالإتفاق . وقال إمام الحرمين : اختلف أصحابنا في التفريع على القديم ، فقال بعضهم : لا تقبل هذه غير صوم المتمتع لضرورة تختص به ، وقال آخرون . إنها كيوم الشك ، ثم ذكر متصلا به في يوم الشك أنه إن صامه بلا سبب فهو منهي عنه ، وفي صحته وجهان ، وقد سبق بيان ذلك . واعلم أن الأصح عند الأصحاب هو القول الجديد أنها لا يصح فيها صوم أصلا ، لا للمتمتع ولا لغيره ( والأرجح ) في الدليل صحتها للمتمتع وجوازها له ، لأن الحديث في الترخيص له صحيح كما بيناه وهو صريح في ذلك فلا عدول عنه . وأما قول صاحب الشامل في كتاب الحج : إنه حديث ضعيف فباطل مردود لأنه رواه من جهة ضعيفة وضعفه بذلك السبب ، والحديث صحيح ثابت في صحيح البخاري بإسناده المتصل من غير الطريق الذي ذكره صاحب الشامل ، وإنما ذكرت كلام صاحب الشامل لئلا يغتربه . فرع في مذاهب العلماء في صوم أيام التشريق وأن الجديد أنه لا يصح فيها صوم والقديم صحته لمتمتع لم يجد الهدي ، وممن قال به من السلف العلماء بامتناع صومها لمتمتع ولغيره علي بن أبي طالب وأبو حنيفة وداود وابن المنذر ، وهو أصح الروايتين عن أحمد وحكى ابن المنذر جواز صومها للمتمتع وغيره عن الزبير بن العوام وابن عمر وابن سيرين ، وقال ابن عمر وعائشة والأوزاعي و مالك وأحمد وإسحاق في رواية عنه : يجوز للمتمتع صومها .

Bagian V06/P454–V06/P455

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز أن يصوم في رمضان عن غير رمضان حاضرا كان أو مسافرا ، فإن صام عن غيره لم يصح صومه عن رمضان ، لأنه لم ينوه ، ولا يصح عما نوى لأن الزمان مستحق لصوم رمضان ، فلا يصح فيه غيره . + الشرح : هذه المسألة كما قالها المصنف ، وقد سبق بيانها مبسوطة في أوائل كتاب الصيام في مسائل النية ، وذكرنا هناك وجها شاذا أنه يصح فيه صوم التطوع وذكرنا بعده خلاف أبي حنيفة .

Bagian V06/P455–V06/P456

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب طلب ليلة القدر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ويطلب ذلك في ليالي الوتر من العشر الأخير من شهر رمضان لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : التمسوها في العشر الأخير في كل وتر . قال الشافعي رحمه الله : والذي يشبه أن يكون ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين ، والدليل عليه ما روى أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أريت هذه الليلة ثم أنسيتها ، ورأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين ، قال أبو سعيد : فانصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين وروى عبد الله بن أنيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أريت ليلة القدر ثم أنسيتها ، وأراني أسجد في ماء وطين فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن أثر الماء والطين على جبهته قال الشافعي : ولا أحب ترك طلبها فيها كلها ، قال أصحابنا : إذا قال لامرأته : أنت طالق ليلة القدر ، فإن كان في رمضان قبل مضي ليلة من ليالي العشر حكم بالطلاق من الليلة الأخيرة من الشهر ، وإن كان قد مضت ليلة وقع الطلاق في السنة الثانية في مثل تلك الليلة التي قال فيها ذلك ، والمستحب أن يقول فيها : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ، لما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول قال تقولين : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني . + الشرح : حديث أبي هريرة وأبي سعيد الأول ، وحديثه الثاني رواها كلها البخاري ومسلم ، وحديث عبد الله بن أنيس رواه مسلم ، وهو أنيس بضم الهمزة وحديث عائشة رواه أحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وابن ماجه وآخرون ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وسيأتي فرع مستقل في ذكر جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في ليلة القدر إن شاء الله تعالى ، ومعنى قيامها إيمانا أي تصديقا بأنها حق وطاعة ، واحتسابا أي طلبا لرضى الله تعالى وثوابه لا للرياء ونحوه ، وسبق في مسألة صوم يوم عرفة بيان الذنوب التي تغفر وبيان الأحاديث الصحيحة في ذلك ، الواردة فيه . أما أحكام الفصل : ففيه مسائل : إحداها : ليلة القدر ليلة فاضلة ، قال الله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر القدر : 1 إلى آخر السورة ، قال أصحابنا وغيرهم : وهي أفضل ليالي السنة ، قالوا : وقول الله تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر القدر : 3 معناه خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ، قال أصحابنا : لو قال لزوجته : أنت طالق في أفضل ليالي السنة طلقت ليلة القدر ويكون كمن قال : أنت طالق ليلة القدر ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . الثانية : ليلة القدر مختصة بهذه الأمة زادها الله شرفا ، فلم تكن لمن قبلها وسميت ليلة القدر أي ليلة الحكم والفصل ، هذا هو الصحيح المشهور ، قال الماوردي وابن الصباغ وآخرون وقيل : لعظم قدرها .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 111 · Qur'an & Sunnah