Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bagian V06/P482

لأنه أفضل والثاني : فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره من الخراسانيين أصحهما : هذا والثاني : لا يجزئه ، لأنه خلاف ما سماه ، وإن لم يشرط التتابع ولا التفريق فيجوز متفرقا ومتتابعا على المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، لكن يستحب التتابع وخرج ابن سريج قولا أنه يلزمه التتابع حكاه عنه إمام الحرمين والمتولي وغيرهما وهذا شاذ ضعيف والله أعلم ، ولو نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر بعينه ففاته وخرج الشهر ناقصا لم يلزمه إلا قضاء تسعة أيام بلياليها ، لأن العشر الذي التزمه إنما كان تسعة بلياليها ، صرح به المتولي وغيره وهو ظاهر .

Bagian V06/P482–V06/P483

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر أن يعتكف يوما لزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس ، ليستوفي الفرض بيقين وهل يجوز أن يفرقه في ساعات أيام فيه وجهان أحدهما : يجوز كما يجوز أن يعتكف شهرا من شهور والثاني : لا يجوز لأن اليوم عبارة عما بين طلوع الفجر وغروب الشمس . + الشرح : قال أصحابنا : إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليلة بلا خلاف بل يلزمه أن يدخل فيه قبل طلوع الفجر ، ويخرج منه بعد غروب الشمس لأن حقيقة اليوم ما بين الفجر وغروب الشمس ، هكذا قاله الخليل بن أحمد وغيره من أئمة اللغة وغيرهم ، وإذا كان كذلك وجب الدخول قبل الفجر والمكث إلى ما بعد غروب الشمس ليسقط الفرض كما يجب على الصائم إمساك جزء بعد الغروب لاستكمال اليوم ، وهل يجوز أن يفرق اليوم في ساعات من أيام بأن يعتكف من كل يوم ساعة أو ساعتين أو ساعات حتى يستكمل اليوم فيه هذان الوجهان المذكوران في الكتاب بدليلهما أصحهما : وبه قال أكثر أصحابنا : لا يجوز . وحكى الدارمي وجها ثالثا عن القيصري من أصحابنا أنه إن نوى اليوم متتابعا لم يجزئه وإن أطلق أجزأه تفريق ساعاته . قال أصحابنا : ولو دخل في الاعتكاف في أثناء النهار ، وخرج بعد غروب الشمس ثم عاد قبل الفجر ، ومكث إلى مثل ذلك الوقت ، ففي إجزائه هذان الوجهان ، فلو لم يخرج بالليل فطريقان . أحدهما : وبه قطع الأكثرون ، وهو ظاهر نص الشافعي أو هو نصه أنه يجزئه ، سواء جوزنا التفريق في ساعات من أيام ، أم لا ، لحصول التواصل . والثاني : أنه على الوجهين في تفريق الساعات كما لو خرج في الليل ، وبهذا الطريق قال أبو إسحاق المروزي ، حكاه عنه أصحابنا العراقيون وإمام الحرمين والمتولي وغيرهما من الخراسانيين ، لأنه لم يأت بيوم متواصل الساعات واعتكافه تلك الليلة غير داخل في نذره ، ولا أثر له فكأنه خرج في الليل ثم عاد ، فسواء مكث في المسجد أو خرج ثم عاد ، فبمجرد حصول الليل حصل التفريق . قال إمام الحرمين : وهذا الذي قاله أبو إسحاق منقاس متجه ، وإن كان معظم الأصحاب على خلافه ، قال : وعرض على أبي إسحاق نص الشافعي على تجويز ذلك مع مصيره إلى أن تفريق ساعات اليوم لا يجزىء ، فقال : نصه محمول على ما إذا قال : لله علي أن أعتكف يوما من وقتي هذا ، فإذا قال ذلك فلا وجه إلا الصبر إلى مثله من الغد ، هذا كلام الإمام ، ولو قال : لله علي أن أعتكف يوما من هذا الوقت فقد اتفق أصحابنا في الطرق كلها على أنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوقت إلى مثله من الغد ، ولا يجوز الخروج بالليل ، بل يجب مكثه لتحقق التواصل ، قال الشافعي وهذا فيه نظر لأن الملتزم يوم وليست الليلة منه فلا يمنع التتابع ، قال : والقياس أن يجعل فائدة التقييد في هذه الصورة القطع بجواز التفريق لا غير . ثم حكى إمام الحرمين عن الأصحاب تفريعا على جواز تفريق الساعات أنه يكفيه ساعات أقصر الأيام لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز ، ثم قال : إن فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين فالأمر كذلك ، وإن اعتكف في أيام متباينة في الطول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم بالجزئية إن كان ثلثا ، فقد خرج عن ثلث ما عليه ، وعلى هذا القياس ، نظرا إلى اليوم الذي يقع فيه الاعتكاف ، ولهذا لو اعتكف من يوم طويل بقدر ساعات أقصر الأيام لم يكفه قال الرافعي : وهو استدراك حسن ، وقد أجاب عنه بما لا يشفي ، والله أعلم .

Bagian V06/P483–V06/P484

قال المتولي وغيره : ولو نذر اعتكاف ليلة فهو في معنى اعتكاف اليوم على ما سبق ، فيدخل المسجد قبل غروب الشمس ، ويمكث حتى يطلع الفجر ، فلو أراد تفريقا من ساعات ليالي ففيه الخلاف السابق في تفريق ساعات اليوم من أيام وكذا لو دخل نصف الليل وبقى إلى نصف الليلة الأخرى ففيه الطريقان السابقان أشهرهما : القطع بالإجزاء ، وقال أبو إسحاق : فيه الوجهان ، والله أعلم . فرع : قال المتولي : لو نذر اعتكاف يوم فاعتكف بدله ليلة فإن لم يكن عين الزمان لم يجزئه ، لأنه قادر على الوفاء بنذره على الصفة الملتزمة فهو كمن نذر أن يصلي ركعتين بالنهار ، فصلاهما بالليل ، وإن كان عين الزمان في نذره ففات فاعتكف بدل اليوم ليلة أجزأه ، كما لو فاته صلاة نهار ، إما مكتوبة أو منذورة فقضاها في الليل فإنه يجوز ، وسببه أن الليل صالح للاعتكاف كالنهار وقد فات الوقت فوجب قضاء القدر الفائت ، فأما الوقت فيسقط حكمه بالفوات .

Bagian V06/P484–V06/P485

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر اعتكاف يومين لزمه اعتكافهما ، وفي الليلة التي بينهما ثلاثة أوجه أحدها : يلزمه اعتكافها ، لأنه ليل يتخلل نهار الاعتكاف فلزمه اعتكافها كالليالي العشر . والثاني : إن شرط التتابع لزمه اعتكافها لأنه لا ينفك منها اليومان ، وإن لم يشرط التتابع لم يلزمه اعتكافها ، لأنه قد ينفك منها اليومان فلا يلزمه اعتكافها والثالث : لا يلزمه اعتكافها ، شرط فيه التتابع أم أطلق ، وهو الأظهر ، لأنه زمان لا يتناوله نذره فلا يلزمه اعتكافه كليلة ما قبله وما بعده . وإن نذر اعتكاف ليلتين لزمه اعتكافهما . وفي اليوم الذي بينهما الأوجه الثلاثة . وإن نذر اعتكاف ثلاثين يوما لزمه اعتكاف ثلاثين يوما . وفي لياليها الأوجه الثلاثة . + الشرح : قال أصحابنا : إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليله . هذا هو المذهب وبه قطع الأصحاب في كل الطرق ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه فقال : قال أصحابنا : إذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه ضم الليلة إليه بالاتفاق إلا أن ينويها . قال : ثم اتفقوا على أنه إذا نواها لزمه اعتكافها مع اليوم . ثم استشكله الإمام من حيث أن الليلة لم يذكرها ، والنية المجردة لا يلزم بها النذر ثم أجاب عنه بأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته ، وهذا شائع على الجملة ، وإن لم يكن هو الظاهر من اللفظ فعملت النية فيه . هذا كلامه . وهو كلام نفيس وحكى الرافعي قولا غريبا أن الليلة تلزم في نذر اعتكاف اليوم ، إلا أن ينوي يوما بلا ليلة ، وهذا شاذ ضعيف ولا تفريع عليه ، ولو نذر اعتكاف شهر دخلت الأيام والليالي بلا خلاف . ونقل إمام الحرمين وغيره اتفاق الأصحاب عليه . وقد ذكره المصنف وشرحناه قبل هذا ، لأن الشهر اسم للجميع ، وهو ما بين الهلالين ، ولو نذر اعتكاف يومين لزمه اليومان ، وفي الليلة التي بينهما ثلاث طرق : أحدها : حكاه إمام الحرمين عن المراوزة أنهم قطعوا بأنها لا تجب ، قال : وإنما ذكر المراوزة الخلاف في الليالي المتخللة فيما إذا نذر اعتكاف ثلاثة أيام فصاعدا . والطريق الثاني : طريقة الشيخ أبي حامد وابن الصباغ والمتولي وأكثر أصحابنا المصنفين أنه إن صرح بالتتابع في اليومين أو نواه لزمته الليلة المتخللة وجها واحدا وإلا فوجهان . والطريق الثالث : طريقة المصنف وقليلين أن في المسألة ثلاثة أوجه أحدها : تلزمه الليلة إلا أن يريد بياض النهار فقط والثاني : لا تلزمه إلا إذا نواها والثالث : إن نوى التتابع أو صرح به لزمته الليلة وإلا فلا . قال الرافعي : هذا الوجه الثالث هو الراجح عند الأكثرين ، قال : ورحج صاحب المهذب وآخرون أنها لا تلزمه مطلقا ، قال : والوجه أن يتوسط فيقال : إن كان المراد بالتتابع توالي اليومين ، فالصواب قول صاحب المهذب ، وإن كان المراد تواصل الاعتكاف فالصواب ما قاله الأكثرون ، وهذا الذي اختاره الرافعي جزم الدارمي به فقال : إذا نوى اعتكاف يومين متتابعا لزمته الليلة معهما ، وإن نوى المتابعة في النهار كالصوم لم يلزمه الليل ، وإن لم ينو تتابعا فوجهان : وإن نذر ليالي فإن نوى متتابعة لزمته الأيام ، وإن نوى تتابع الليالي لم تلزمه الأيام ، وإن لم ينو التتابع فعلى الوجهين أصحهما : لا يلزمه . هذا كلام الدارمي . والله أعلم .

Bagian V06/P485

قال أصحابنا : ولو نذر اعتكاف ليلتين ففي النهار المتخلل بينهما هذا الخلاف ولو نذر ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين ففي وجوب اعتكاف الليالي المتخللة هذا الخلاف ، هكذا قطع به الجمهور ، وحكى البغوي هذا وحكى طريقا آخر واختاره أنه يلزمه الليالي هنا وجها واحدا ، والمذهب الأول ، واتفق أصحابنا على أن الخلاف إنما هو في الليالي المتخللة ، وهي تنقص عن عدد الأيام بواحد أبدا ولا خلاف أنه لا يلزمه ليال بعدد الأيام . هكذا صرحوا في جميع الطرق بأنه لا خلاف فيه ، وكذا صرح بنفي الخلاف فيه الرافعي ، وكان ينبغي أن يجىء فيه القول الذي قدمناه عن حكاية الرافعي أن من نذر يوما لزمته ليلته . قال أصحابنا : ولو نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان دخل فيه الليالي والأيام بلا خلاف لأنه اسم لذلك ، وقد سبقت المسألة مشروحة وتكون الليالي هنا بعدد الأيام كما في الشهر ، ولو نذر عشرة أيام من آخر الشهر ففي دخول الليالي الخلاف ، هذا تفصيل مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : إذا نذر اعتكاف يومين لزمه يومان وليلتان ، وحكاه المتولي عن أحمد ، وعندنا لا يلزمه ليلتان ، وفي لزوم ليلة واحدة الخلاف السابق ، وبه قال مالك وأبو يوسف ، وهو المشهور عن أحمد ، واحتج أصحابنا بأن اليومين تثنية لليوم ، وليس في اليوم ليلة ، فكذا في اليومين ، والله أعلم .

Bagian V06/P485–V06/P487

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يصح الاعتكاف إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ، ولكل امرىء ما نوى ولأنه عبادة محضة فلم يصح من غير نية كالصوم والصلاة ، وإن كان الاعتكاف فرضا لزمه تعيين الفرض ليتميز عن التطوع ، فإن دخل في الاعتكاف ثم نوى الخروج منه ففيه وجهان أحدهما : يبطل لأنه قطع شرط صحته فأشبه إذا قطع نية الصلاة والثاني : لا يبطل لأنه قربة تتعلق بمكان ، فلا يخرج منها بنية الخروج كالحج . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وسبق بيانه واضحا أول باب نية الوضوء وقوله : عبادة محضة احتراز من العدة ونحوها مما قدمناه في نية الوضوء وقوله : قربة تتعلق بمكان ، احتراز من الصيام والصلاة . أما الحكم : فلا يصح اعتكاف إلا بنية سواء المنذور وغيره ، سواء تعين زمانه أم لا ، فإن كان فرضا بالنذر لزمته ليتميز عن التطوع ، ثم إذا نوى الاعتكاف وأطلق كفاه ذلك ، وإن طال مكثه شهورا أو سنين ، فإن خرج من المسجد ثم عاد احتاج إلى استئناف النية ، سواء خرج لقضاء الحاجة أم لغيره ، لأن ما مضى عبادة تامة مستقلة ولم يتناول بنية منه غيرها ، فاشتراط الدخول الثاني نية أخرى لأنها عبادة أخرى . قال المتولي وغيره : فلو عزم عند خروجه أن يقضي الحاجة ثم يعود كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية . قال الرافعي : هذا فيه نظر لأن اقتران النية بأول العبادة شرط ، فكيف يكتفي بعزيمة سابقة . قلت : ووجه ما قاله المتولي وغيره وهو الصواب أنه لما أحدث النية عند إرادته الخروج صار كمن نوى المدتين بنية واحدة ، كما قال أصحابنا فيمن نوى صلاة النفل ركعتين ثم نوى في آخرها جعلها أربعا أو أكثر ، فإنه تصح صلاته أربعا بلا خلاف ويصير كمن نوى الأربع في أول دخوله ، والله أعلم . هذا كله إذا لم يعين زمنا ، فإن عينه بأن نوى اعتكاف أول يوم أو شهر ففي اشتراط تجديد النية إذا خرج ثم عاد أربعة أوجه أصحها : وبه قطع المتولي إن خرج لقضاء الحاجة ثم عاد لم يجب التجديد لأنه لا بد منه ، وإن خرج لغرض آخر اشترط التجديد سواء طال الزمان أم قصر والثاني : إن طالت مدة الخروج اشترط التجديد وإلا فلا ، سواء خرج لقضاء الحاجة أم لغيره والثالث : لا يشترط التجديد مطلقا والرابع : وبه قطع البغوي إن خرج لأمر يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع اشترط التجديد ، وإن خرج لما لا يقطعه ولا بد منه كقضاء الحاجة والغسل للاحتلام لم يشترط ، وإن كان منه بد أو طال الزمان ففي اشتراط التجديد وجهان ، وهذه الأوجه جارية في اعتكاف التطوع وفيمن نذر أياما ولم يشترط فيها التتابع ثم دخل المسجد بقصد الوفاء بالنذر ، فأما إذا شرط التتابع أو كانت الأيام المنذورة متواصلة فذكر حكم تجديد النية فيها بعد ذكر ما يقطع الاعتكاف المتتابع ، وما لا يقطعه إن شاء الله تعالى . وإذا شرط في اعتكافه خروجه لشغل وقلنا بالمذهب : إنه يصح شرطه فخرج لذلك ثم عاد ففي وجوب تجديد النية وجهان حكاهما البغوي وغيره أصحهما : على قياس ما سبق وجوب التجديد . أما إذا دخل في اعتكاف بالنية ثم قطع النية ونوى إبطاله فهل يبطل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وغيره وهما مشهوران أصحهما : لا يبطل ، وقد سبق ذكر هذه المسألة مع نظائرها في باب نية الوضوء ثم في أول صفة الصلاة ، والله أعلم .

Bagian V06/P487–V06/P489

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد ( لغير عذر ) لما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى إلى رأسه لأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان فإن خرج من غير عذر بطل اعتكافه لأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد ، فإذا خرج فقد فعل ما ينافيه من غير عذر فبطل ، كما لو أكل في الصوم ، ويجوز أن يخرج رأسه ورجله ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة ، ولأن بإخراج الرأس والرجل لا يصير خارجا . ولهذا لو حلف لا خرجت من الدار وأخرج رأسه أو رجله لم يحنث . + الشرح : حديث عائشة رواه البخاري ومسلم ولفظهما عن عائشة قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل على رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفا هكذا هو في رواية البخاري ومسلم . إلا أن لفظ الإنسان ليس في رواية البخاري وهي ثابتة في رواية مسلم ذكره في أوائل كتاب الطهارة وثبت لفظ الإنسان في سنن أبي داود أيضا وهذا لفظه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدنى إلي رأسه . وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم . وفي رواية للبخاري : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي إلي رأسه وهو مجاور في المسجد فأرجله وأنا حائض رواه مسلم كذلك في كتاب الطهارة إلا أن في روايته يخرج إلي رأسه من المسجد وهو مجاور فأغسله وأنا حائض . وقولها ( مجاور ) أي معتكف ويسمى الاعتكاف جوارا وقد ذكرته في تهذيب اللغات وفي ألفاظ التنبيه ، وفي رواية للبخاري عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشرني وأنا حائض ، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض وقولها ( يباشرني ) أي باليد ونحوها ، والمباشرة في زمن الاعتكاف محمولة على أنها بغير شهوة . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : إذا دخل في اعتكاف منذور شرط فيه التتابع لم يجز أن يخرج من المسجد بغير عذر ، فإن خرج بغير عذر بطل اعتكافه ، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان وهي البول والغائط لم يبطل لما ذكره المصنف ، وإن أخرج يده أو رجله أو رأسه لم يبطل بلا خلاف ، سواء كان لحاجة أم لغيرها . لما ذكره المصنف . هذا مختصر ما يتعلق بشرح كلام المصنف ، ولم يذكر المصنف كون الاعتكاف منذورا ، ولا بد من تصوير المسألة في المنذور كما نقلناه عن الشافعي والأصحاب ، وإلا فالتطوع يجوز الخروج منه متى شاء ، والله أعلم . قال أصحابنا : الذي يقطع الاعتكاف المتتابع ويحوج إلى استئناف المنذور أمران : أحدهما : فقد بعض شروط الاعتكاف ، وهي الأمور التي لا بد منها لصحته ، كالكف عن الجماع ، وكذا عن المباشرة على أحد القولين ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، ويستثنى من هذا طرآن الحيض والإحتلام ، فإنهما لا يقطعانه وإن كانا يمنعان انعقاده أولا . والثاني : الخروج بكل البدن عن كل المسجد بلا عذر فهذه ثلاثة قيود : الأول : الخروج بكل بدنه ، احترزوا به عمن أخرج رأسه أو يديه أو إحدى رجليه أو كليهما ، وهو قاعد مادهما ، فلا يبطل اعتكافه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فإن أخرج رجليه واعتمد عليهما وبقى رأسه داخل المسجد فهو خارج فيبطل اعتكافه . القيد الثاني : الخروج عن كل المسجد ، احترزوا به عن الخروج إلى رحبة المسجد ، فإنه لا يضر بلا خلاف كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، وعن الخروج إلى منارة المسجد ، وسيأتي حكمهما قريبا إن شاء الله تعالى ، والله أعلم .

Bagian V06/P489

القيد الثالث : الخروج بلا عذر ، فأما الخروج لعذر ففيه تفصيل نذكره بعد هذا على ترتيب المصنف إن شاء الله تعالى .

Bagian V06/P489–V06/P490

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن يخرج لحاجة الإنسان ولا يبطل اعتكافه لحديث عائشة رضي الله عنها ، ولأن ذلك خروج لما لا بد منه فلم يمنع منه ، وإن كان للمسجد سقايه لم يلزمه قضاء الحاجة فيها ، لأن ذلك نقصان مروءة وعليه في ذلك مشقة فلم يلزمه وإن كان بقربه بيت صديق له لم يلزمه قضاء الحاجة فيه ، لأنه ربما احتشم وشق عليه فلم يكلف ذلك ، وإن كان له بيتان قريب وبعيد ففيه وجهان أظهرهما : إنه لا يجوز أن يمضي إلى البعيد ، فإن خرج إليه بطل اعتكافه لأنه لا حاجة به إليه فأشبه إذا خرج لغير حاجة . وقال أبو علي ابن أبي هريرة : يجوز أن يمضي إلى الأبعد ولا يبطل اعتكافه لأنه خروج لحاجة الإنسان فأشبه إذا لم يكن له غيره . + الشرح : حديث عائشة سبق بيانه . وفي الفصل مسائل : لحاجة الإنسان . وهي البول والغائط . وهذا لا خلاف فيه . وقد نقل ابن المنذر والماوردي وغيرهما إجماع المسلمين على هذا . قال أصحابنا : وله أيضا الخروج لغسل الاحتلام بلا خلاف ، ودليلهما في الكتاب . الثانية : إذا كان للمسجد سقاية لم يكلفه قضاء الحاجة فيها ، بل له الذهاب إلى داره ، وكذا لو كان بجنبه دار صديق له وأمكنه دخولها لم نكلفه ذلك . لما ذكره المصنف . الثالثة : إذا كان له بيتان أحدهما أقرب وكل واحد منهما بحيث لو انفرد جاز الذهاب إليه فهل يجوز الذهاب إلى الأبعد فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عنده وعند غيره : لا يجوز اتفق الأصحاب على تصحيحه ، والله أعلم . فرع : إذا كانت داره بعيدة بعدا فاحشا فإن لم يجد في طريقه موضعا كسقاية أو بيت صديق يأذن فيه فله الذهاب إلى داره وجها واحدا ، لأنه مضطر إلى ذلك ، وإن وجد وكان لا يليق به دخول غير داره فله الذهاب إلى داره أيضا بلا خلاف ، وإلا فوجهان مشهوران ، حكاهما البندنيجي والدارمي والفوراني وإمام الحرمين والبغوي والسرخسي وصاحب العدة والبيان وآخرون أصحهما : لا يجوز الذهاب إلى غير داره ، لأنه يذهب جملة مقصودة من أوقات الاعتكاف في الذهاب والمجىء ، وهو غير مضطر إليه . والثاني : يجوز لأنه يشق قضاء الحاجة في غير بيته ، وهذا الوجه هو ظاهر نص الشافعي ، فإنه قال في المختصر : ويخرج المعتكف للغائط والبول إلى منزله وإن بعد ، وممن جزم بهذا الوجه المحاملي والماوردي وهو ظاهر كلام المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب ، وممن جزم بالأول الشيخ أبو حامد والصيدلاني ، وهو ظاهر كلام صاحب الشامل وغيره ، وصححه البندنيجي والرافعي وغيره ، قال الشيخ أبو حامد في التعليق : هذه اللفظة التي نقلها المزني وهي قوله : وإن بعد لا أعرفها للشافعي ، وتأولها غير أبي حامد على ما إذا كان المنزل بعيدا بعدا غير متفاحش ، والله أعلم . وذكر المتولي طريقة تخالف ما ذكرناه عن الجمهور في بعضها ، فقال : إن كان المنزل بعيدا عن المسجد أو لم يجد غيره فله الذهاب إليه ، وإن وجد غيره كسقاية مسبلة فإن كان عادة مثله قضاء الحاجة في السقاية المذكورة لم يجز الذهاب إلى منزله ، فإن ذهب بطل اعتكافه المتتابع فإن لم يكن ممن عادة مثله قضاء الحاجة في السقاية فوجهان ، قال : وهما شبيهان بالوجهين فيمن هدد بما يذهب مروءته على فعل شيء ففعله ، هل يكون ذلك إكراها أم لا والله أعلم . فرع : قال أصحابنا لا يشترط في الخروج لقضاء الحاجة شدة الحاجة لأن في اعتباره ضررا بينا ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على هذا . فرع : قال أصحابنا : إذا خرج لقضاء الحاجة لا يكلف الإسراع ، بل له المشي على عادته .

Bagian V06/P490–V06/P492

قال المتولي : ويكره له أن ينقص عن عادة مشيه لأنه لا مشقة في تكليفه المشي على العادة ، فلو خرج في الثاني عن حد عادته من غير عذر بطل اعتكافه على الصحيح ، ذكره المتولي و الروياني في البحر . فرع : لو كثر خروجه للحاجة لعارض يقتضيه ، كإسهال ونحوه ، فوجهان حكاهما إمام الحرمين أصحهما : وهو مقتضى إطلاق الجمهور لا يضره ، نظرا إلى جنسه والثاني : يقطع التتابع لنذوره ، والله أعلم . فرع : أوقات الخروج لقضاء الحاجة لا يجب تداركها ، وقضاؤها في الاعتكاف المنذور لعلتين إحداهما : أن الاعتكاف مستمر فيها على الصحيح من وجهين حكاهما المتولي وغيره ، وبهذا الصحيح قطع آخرون . قالوا : ولهذا لو جامع في أثناء طريقه في الخروج لقضاء الحاجة من غير مكث بطل اعتكافه على الصحيح ويتصور ذلك بأن يذهب لقضاء الحاجة راكبا مع المرأة في هودج ونحوه ، وصوروه أيضا في وقفه لطيفة جدا والعلة الثانية : أن زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنى لأنه ضروري ، والله أعلم . فرع : إذا خرج لقضاء الحاجة في اعتكاف منذور متتابع ثم عاد ففي اشتراط تجديد النية طريقان ( المذهب ) أنه لا يشترط لأن الأولى باقيه حكما ، كما لا يجب تجديد النية في ركعات الصلاة ولا في أعضاء الوضوء وأفعال الحج والطريق الثاني : إن قرب الزمان لم يشترط التجديد وإلا فوجهان . فرع : إذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى فله أن يتوضأ خارج المسجد . لأن ذلك يقع تابعا . ونقل إمام الحرمين الاتفاق على هذا وأما : إذا احتاج إلى الوضوء لغير بول وغائط ومن غير حاجة إلى استنجاء فإن لم يمكنه في المسجد جاز الخروج له ولا يقطع الاعتكاف . وإن أمكنه في المسجد فوجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره أصحهما : لا يجوز الخروج له . ونقله الإمام عن الأكثرين ، ثم قال : ولا شك أن هذا الخلاف في الوضوء الواجب يعني أن التجديد لا يجوز الخروج له وجها واحدا . وقد صرح صاحب الشامل بامتناع الخروج لتجديد الوضوء ولم يذكر فيه خلافا . فرع : قد ذكرنا أن زمن الخروج لقضاء الحاجة لا يقطع التتابع ولا يؤثر في الاعتكاف ، ولكن هل يكون ذلك الزمان محسوبا من الاعتكاف ويعد في حال خروجه للحاجة إلى أن يرجع إلى المسجد معتكفا فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والمتولي وغيرهما . أحدهما : لا يكون في ذلك معتكفا . قال المتولي : لأنه مشغول بضده ، فلا يكون معتكفا ، ولكنه زمن مستثنى من الاعتكاف ، كما أن أوقات الصلوات تكون مستثناة من زمن الإجارة . والثاني : يكون معتكفا تلك الحال ، لأنه لو جامع في تلك الحال أو استمتع بقبلة وأنزل وقلنا بتأثير ذلك بطل اعتكافه على المذهب ، وبه قطع المتولي وغيره ، ولولا أنه معتكف حينئذ لم يبطل ، لأن مفسد العبادة إذا لم يصادفها لا يفسدها ، كوطء الصائم في ليالي رمضان ، هذا معنى كلام المتولي . وأوضح إمام الحرمين هذين الوجهين فقال : اتفق الأصحاب على أن أوقات قضاء الحاجة لا تؤثر في قطع التتابع . وإن بلغت ما بلغت . قال : حتى قال طوائف من المحققين : إن الخارج لقضاء الحاجة معتكف وإن لم يكن في المسجد . واستدلوا بالاعتداد بهذا الزمان وكان يمكن إن لا يعتد به . وإن حكم بأن التتابع لا يقطع . واستدلوا أيضا بأنه لو جامع في حال خروجه لقضاء الحاجة فله اعتكافه وكان من الممكن أن يقال : لا يفسد ويعد الجماع الواقع فيه كالجماع الواقع في ليالي الصيام المتتابع . وقال القائلون : ليس الخارج معتكفا . ولكن زمان خروجه مستثنى وكأنه قال : لله علي اعتكاف عشرة أيام إلا أوقات خروجي لقضاء الحاجة .

Bagian V06/P492

وأجابوا عن الجماع وحملوا كونه مفسدا على اشتعال الخارج بما لا يتعلق بحاجته ، وقد يقولون : لو عاد مريضا ينقطع تتابعه وإن كان خروجه لقضاء الحاجة كما سنفصله حتى لو فرض الجماع مع الاشتغال بقضاء الحاجة على بعد في تصويره لم يفسد الاعتكاف ، وهذا بعيد ، والصحيح أنه يفسد الاعتكاف ، وإن قلنا : إنه غير معتكف فإنه عظيم الموقع في الشريعة ، وهو وإن قرب زمانه أظهر تأثيرا من عيادة المريض . وقد ذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة إن عاد مريضا في طريقه ، ولم يحتج إلى الازورار فلا بأس بذلك ، ولو ازور وعاد المريض انقطع التتابع وإن قرب الزمان على وجه كان يحتمل مثله في الاناة فإن هذا يقدح في القصد المجرد إلى قضاء الحاجة . وذكر الأصحاب أن الخارج لقضاء الحاجة لو أكل لقما فلا بأس إذا لم يجد كل مقصوده ، ولم يظهر طول زمان معتبر ، والجماع في هذا الوقت مؤثر بلا خلاف . ومن تكلف تصويره فرضه في جريانه مع الاشتغال بالذهاب لقضاء الحاجة . هذا آخر كلام إمام الحرمين . فرع : لو جامع الخارج لقضاء الحاجة في مروره بأن كان في هودج أو جامع في وقفه يسيرة أو قبل امرأته بشهوة وأنزل وقلنا بالمذهب أنه يؤثر ففي بطلان اعتكافه وجهان سبقا في كلام إمام الحرمين وذكرهما آخرون أصحهما : بطلان اعتكافه وبه قطع المتولي وآخرون لأنه أشد منافاة للاعتكاف ، ممن أطال الوقوف لعيادة مريض والثاني : لا يبطل لأنه لم يصرف إليه زمنا وليس هو في هذه الحالة معتكفا على أحد الوجهين كما سبق ، والله أعلم .

Bagian V06/P492–V06/P493

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن يمضي إلى البيت للأكل ولا يبطل اعتكافه . وقال أبو العباس : لا يجوز ، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه يمكنه أن يأكل في المسجد فلا حاجة له ( إلى الخروج ) والمنصوص هو الأول لأن الأكل في المسجد ينقص المروءة فلم يلزمه . + الشرح : قال الشافعي في الأم ومختصر المزني : له الخروج من المسجد إلى منزله للأكل وإن أمكنه في المسجد ، فقال بظاهر النص جمهور الأصحاب . وقال ابن سريج : لا يجوز له الخروج للأكل وحكاه الماوردي عنه وعن أبي الطيب بن سلمة ، وحملا نص الشافعي على من أكل لقما إذا دخل بيته مختارا لقضاء الحاجة ولا يقيم للأكل ، وجعلاه كعيادة المريض ، وخالفهما جمهور الأصحاب وقالوا : يجوز الخروج للأكل والإقامة في البيت من أجله على قدر حاجته . وهذا هو الصحيح عند الأصحاب لما ذكره لأصحاب ، واتفق أصحابنا على أنه لا يجوز له الإقامة بعد فراغه من الأكل كما اتفقوا على أنه لا يجوز الإقامة بعد فراغه من قضاء حاجته لعدم الحاجة إلى ذلك ، واتفق أصحابنا على أنه يجوز له الأكل في مروره لقضاء الحاجة . وأما الخروج لشرب الماء فقال أصحابنا : إن عطش فلم يجد الماء في المسجد فله الخروج للشرب ، وإن وجده في المسجد ففي جواز الخروج إلى البيت للشرب وجهان حكاهما الماوردي والشاشي وآخرون أصحهما : لا يجوز . صححه الرافعي وغيره ، لأن في الأكل في المسجد تبذلا بخلاف الشرب . قال الماوردي : ولأن استطعام الطعام مكروه واستسقاء الماء غير مكروه .

Bagian V06/P493–V06/P494

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي الخروج إلى المنارة الخارجة عن رحبة المسجدة ليؤذن ثلاثة أوجه أحدها : يجوز ، وإن خرج لم يبطل اعتكافه لأنها بيت للمسجد فصارت كالمنارة التي في رحبة الجامع والثاني : لا يجوز لأنها خارجة من المسجد فأشبهت غير المنارة ، وقال أبو إسحاق المروزي : إن كان المؤذن ممن يألف الناس صوته جاز أن يخرج ولا يبطل اعتكافه لأن الحاجة تدعو إليه لإعلام الناس بالوقت ، وإن لم يألفوا صوته لم يخرج فإن خرج بطل اعتكافه لأنه لا حاجة إليه . + الشرح : قال الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر : ولا بأس إذا كان مؤذنا أن يصعد المنارة وإن كانت خارجا . هذا نصه . قال أصحابنا : للمنارة حالان أحدهما : أن تكون مبنية في المسجد أو في رحبته . أو يكون بابها في المسجد أو رحبته المتصلة به فلا يضر المعتكف صعودها ، سواء صعدها للأذان أو غيره كسطح المسجد . هكذا قال الجمهور إنه لا فرق بين إن تكون المنارة في المسجد أو رحبته . أو بابها متصلا بالمسجد أو رحبته . وإن كانت خارجة عن سمت البناء وتربيعه فلا يبطل الاعتكاف بصعودها بلا خلاف ، سواء صعدها المؤذن أو غيره ، هكذا صرح به الأصحاب واتفقوا عليه ، ونقله إمام الحرمين عن الأصحاب فقال : لو كانت المنارة خارجة عن سمت المسجد متصلة به وبابها لاط فقد قطع الأصحاب بأن صعودها لا يقطع التتابع ، وإن كانت لا تعد من المسجد ، ولو اعتكف فيها لم يصح ، لأن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في صحة الاعتكاف فيه ، وتحريم المكث فيه على الجنب ولكن النص قاطع بما ذكرته ولم أر فيه خلافا مع الاحتمال الظاهر ، لأن الخارج إليها خارج إلا بقعة لا تصلح للاعتكاف ، هذا كلام الإمام . واختصره الرافعي فقال : وأبدى إمام الحرمين احتمالا في الخارجة عن سمته قال : لأنها حينئذ لا تعد من المسجد ، ولا يصح الاعتكاف فيها ، قال الرافعي : وكلام الأصحاب ينازعه فيما استدل به ، وهذا الذي قاله الرافعي صحيح ، وسيأتي في كلام المحاملي وغيره في فرع بعد هذا التصريح بخلاف ما استدل به إمام الحرمين رحمه الله ، والله تعالى أعلم . الحال الثاني : أن لا يكون بابها في المسجد ولا رحبته المتصلة به بل تكون منفصلة عنهما ، فلا يجوز للمعتكف الخروج إليها لغير الأذان بلا خلاف ، وفي المؤذن أوجه أصحها : لا يبطل في المؤذن الراتب في المسجد ويبطل في غيره والثاني : يبطل فيهما والثالث : لا يبطل فيهما ، وهذا ظاهر النص كما سبق ، وهو مقتضى إطلاق المصنف في التنبيه ، لكن يتأول كلامه على موافقة الأكثرين في الفرق بين المؤذن الراتب وغيره ، فيقال : مراده إذا كان المؤذن راتبا ، وهكذا يحمل قول المحاملي في المجموع ، وقول القاضي أبي الطيب في المجرد ، فإنهما قالا : إذا كانت المنارة خارجة عن المسجد والرحبة فالذي عليه عامة أصحابنا أن له صعودها للأذان ، ولا يضره في اعتكافه ، قالا : وهو ظاهر نص الشافعي ، قال : ومن منعه تأول نص الشافعي على ما إذا كانت المنارة في الرحبة ، فالحاصل أن من قال : لا يبطل الاعتكاف بصعود المنارة المنفصلة أخذ بظاهر نص الشافعي ومن قال : يبطل حمله على المنارة التي في رحبة المسجد . قال المتولي : وهذا القائل يقول : إنما قال الشافعي : وإن كانت خارجا لأن الناس في العادة لا يعدون الرحبة من المسجد ، ومن فرق بين المؤذن الراتب وغيره حمل النص على الراتب ، وقد قدمنا أن الفرق بين الراتب وغيره هو الأصح ، وممن صححه البغوي والرافعي .

Bagian V06/P494–V06/P496

وأعلم : أن صورة المسألة في منارة قريبة من المسجد مبنية له ، فأما غيرها فيبطل اعتكافه بالذهاب إليها بلا خلاف ، وسواء الراتب وغيره ، هكذا صرح به جميع الأصحاب منهم الماوردي والسرخسي وآخرون ، وهو المفهوم من كلام المحاملي وابن الصباغ وصاحب العدة وغيرهم . وأما قول الرافعي : فرض الغزالي المسألة ، والخلاف فيما إذا كان باب المنارة خارج المسجد وهي ملصقة بحريمه ، قال : ولم يشرط الجمهور في صورة الخلاف سوى كون بابها خارج المسجد ، قال : وزاد أبو القاسم الكرخي بالخاء المعجمة فذكر الخلاف فيما إذا كانت المنارة في رحبة منفصلة عن المسجد ، بينها وبينه طريق . فهذا الذي ذكره الرافعي لا يخالف ما نقلته عن اتفاق الأصحاب لأن مراده أنهم لم يشرطوا ما تشرطه الغزالي ، والله أعلم . فرع : قال القاضي أبو الطيب في المجرد قال الشافعي في البويطي ويصح الاعتكاف في المنارة قلت : هذا محمول على منارة في رحبة المسجد أو بابها إليها كما سبق . فرع : قد ذكرنا أن المنارة التي في رحبة المسجد يجوز للمؤذن وغيره صعودها ، ولا يبطل الاعتكاف بذلك ، نص عليه الشافعي ، واتفق الأصحاب عليه . ومن المهم بيان حقيقة هذه الرحبة . قال صاحب الشامل والبيان : المراد بالرحبة ما كان مضافا إلى المسجد محجرا عليه ، قالا : والرحبة من المسجد ، قال صاحب البيان وغيره : وقد نص الشافعي على صحة الاعتكاف في الرحبة . قال القاضي أبو الطيب في المجرد : قال الشافعي : يصح الاعتكاف في رحاب المسجد لأنها من المسجد . وقال المحاملي في المجموع : للمنارة أربعة أحوال : إحداها : أن تكون مبنية داخل المسجد فيستحب الأذان فيها ، لأنه طاعة . المسجد إلا أنها في رحبة المسجد فالحكم فيها كالحكم لو كانت في المسجد ، لأن رحبة المسجد من المسجد ، ولو اعتكف فيها صح اعتكافه . الثالثة : أن تكون خارج المسجد وليست في رحبته ، إلا أنها متصلة ببناء المسجد ولها باب إلى المسجد فله أن يؤذن فيها لأنها متصلة بالمسجد ومن جملته . والرابعة : أن تكون خارج المسجد غير متصلة به ، ففيها الخلاف السابق هذا كلام المحاملي بحروفه وفيه فوائد ، وعبارة شيخه أبي حامد في التعليق نحو هذا وكلام غيرهما نحوه ، وفيه التصريح بخلاف ما استدل بل إمام الحرمين في المنارة المتصل بابها بالمسجد كما قدمناه عنه قريبا ، ووعدنا بذكر التصريح بنقل خلافه . والله تعالى أعلم . فرع : اتفق الأصحاب على أن المأموم لو صلى في رحبة المسجد مقتديا بالإمام الذي في المسجد صحت صلاته ، وإن حال بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة لم يضره ، لأن الرحبة من المسجد كما سبق ، ومما يتعلق بهذا هذا الموضع الذي هو باب جامع دمشق وهو باب الساعات ، فلو صلى المأموم تحت الساعات بصلاة الإمام في الجامع هل تصح صلاته لأن هذا الموضع رحبة المسجد . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح لا يصح لأنه ليس برحبة وإنما الرحبة صحن الجامع ، وطال النزاع بينهما وصفا فيه ، والصحيح قول ابن عبد السلام ، وهو الموافق لما قدمناه من كلام المحاملي وابن الصباغ وصاحب البيان وغيرهم . وقد تأملت ما صنفه أبو عمرو واستدلاله ، فلم أر فيه دلالة على المقصود . والله تعالى أعلم . فرع : لو دخل المؤذن المعتكف إلى حجرة مهيأة للسكنى بجنب المسجد ، وبابها إلى المسجد بطل اعتكافه بلا خلاف ، صرح بالاتفاق عليه إمام الحرمين ، قال : وإنما قلنا ما قلنا في المنارة لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد ، والله أعلم . فرع : المنارة هنا بفتح الميم بلا خلاف ، وكذلك منارة السراج بفتح الميم بلا خلاف وجمعهما مناور ومنائر بهمزة بعد الألف ، والأصل مناور بالواو ، لأنها من النور .

Bagian V06/P496

قال الجوهري : من قال : مناور بالواو لأنه من النور ، ومن قال : منائر بالهمز فقد شبه الأصلي بالزائد ، كما قالوا مصائب وأصله مصاوب ، والمنارة مفعلة من الاستنارة ، وقال صاحب الحكم جمعها مناور على القياس ، ومنائر على غير القياس قال ثعلب : من همز شبه الأصلي بالزائد ، وأما سيبويه فيحمل ما همز من هذا على الغلط . فرع : رحبة المسجد ، قال الجوزي : هي بفتح الحاء وجمعها رحب ورحاب ورحبات كقصبات .

Bagian V06/P496–V06/P497

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن عرضت صلاة جنازة نظرت فإن كان في اعتكاف تطوع فالأفضل أن يخرج لأن صلاة الجنازة فرض على الكفاية فقدمت على الاعتكاف ، وإن كان في اعتكاف فرض لم يخرج ، لأنه تعين عليه فرضه ، فلا يجوز أن يخرج لصلاة الجنازة التي لم يتعين عليه فرضها ، فإن خرج بطل اعتكافه لأنه غير مضطر إلى الخروج لأن غيره يقوم مقامه . + الشرح : قوله : ( فإن كان في اعتكاف مفروض ) هو بتنوين اعتكاف ، ويجوز اضافته إلى مفروض ، قال الشافعي في مختصر المزني : ولا يعود المعتكف المريض ولا يشهد الجنائز إذا كان اعتكافه واجبا ، قال أصحابنا : إن كان الاعتكاف تطوعا وأمكنه الصلاة على الجنازة في المسجد لم يخرج ، لأنه مستغن عن الخروج ، وإن لم يمكنه خرج لما ذكره المصنف ، وهذا لا خلاف فيه ، وإن كان اعتكافا مندوبا فوجهان الصحيح : المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور لأنه لا يجوز الخروج لصلاة الجنازة ، سواء تعينت عليه أم لا ، لأنها إن لم تتعين عليه فغيره يقوم مقامه فيها ، ولا يترك الاعتكاف المتعين لغير متعين ، وإن تعينت عليه أمكن فعلها في المسجد بإحضار الميت فيه ، فلا يجوز الخروج والوجه الثاني : إن تعينت عليه جاز الخروج لها وإلا فلا . حكاه الدارمي والسرخسي وغيرهما ، ونسبه الدارمي إلى ابن القطان . وحكى الماوردي هذا الوجه بعبارة أخرى فقال : إن كان الميت من ذوي أرحامه وليس له من يقوم بدفنه فهو مأمور بالخروج لذلك فيخرج ، وإذا رجع بنى ، وفيه أوجه أنه يستأنف . هذا نقل الماوردي ، وإذا لم نجوز الخروج لصلاة الجنازة فخرج لذلك بطل اعتكافه ، وإن خرج لقضاء الحاجة فصلى في طريقه على جنازة ، فإن وقف لها ينتظرها أو عدل عن طريقه إليها بطل اعتكافه بلا خلاف وإن صلى عليها في طريقه من غير وقوف لها ولا عدول إليها ففيه طرق . أصحها : وبه قطع الجمهور لا يبطل اعتكافه لأنه زمن يسير ولم يخرج له ، وممن قطع بهذا الطريق إمام الحرمين والغزالي وصححه الرافعي . والثاني : فيه وجهان أحدهما : يبطل اعتكافه وأصحهما : لا . وبهذا الطريق قطع المتولي وغيره . قالوا : وهذان الوجهان كوجهين سنذكرهما في عيادة المريض إن شاء الله تعالى إذا وقف لها ولم يطل الزمان والصحيح : فيهما أنه لا يبطل في الموضعين . والطريق الثالث : إن تعينت عليه صلاة الجنازة لم يضر وإلا فوجهان حكاهما الرافعي . والرابع : إن لم يتعين عليه بطل اعتكافه ، وإلا فوجهان ، وبه قطع البغوي وهو غلط أو كالغلط والمذهب الطريق الأول ، وجعل إمام الحرمين والغزالي قدر صلاة الجنازة حدا للوقفة اليسيرة وإلا فهي معفو عنها لكل غرض في حق من خرج لقضاء الحاجة ، ومن ذلك أن يقف ويأكل لقما قدرها إذا لم نجوز الخروج للأكل ، والله أعلم .

Bagian V06/P497–V06/P499

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز أن يخرج من اعتكاف التطوع لعيادة المريض ، لأنها تطوع والاعتكاف تطوع ، فخير بينهما ، فإن اختار الخروج بطل اعتكافه لأنه غير مضطر إليه ، فإن خرج لما يجوز الخروج له من قضاء حاجة الإنسان والأكل ، فسأل عن المريض في طريقه ولم يعرج جاز ولم يبطل اعتكافه ، فإن وقف بطل اعتكافه لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي ولا تقف ولأنه لا يترك الاعتكاف بالمسألة فلم يبطل اعتكافه ، وبالوقوف يترك الاعتكاف فبطل . + الشرح : الأثر المذكور عن عائشة رضي الله عنها صحيح رواه مسلم في صحيحه . وهذا لفظه عن عائشة قالت : إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة ذكره مسلم في كتاب الطهارة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إن كان اعتكاف تطوع جاز أن يخرج لعيادة المريض لما ذكره المصنف ونقل القاضي أبو الطيب في المجرد عن الأصحاب أنهم قالوا : البقاء في الاعتكاف أو عيادة المريض سواء لأنهما طاعتان مندوب إليهما فاستويا وهذا موافق لقول المصنف وآخرين ، حكاه صاحب الشامل ، ثم قال : وهذا مخالف للسنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج من الاعتكاف لعيادة المريض ، وكان اعتكافه نفلا لا نذرا . والمذهب ما قدمناه عن الأصحاب . فأما الاعتكاف المنذور فلا يجوز الخروج منه لعيادة المريض . هكذا نص عليه الشافعي في المختصر والأصحاب في جميع طرقهم لأن الاعتكاف المنذور واجب فلا يجوز الخروج منه إلى سنة . وانفرد صاحب الحاوي فقال : إن خرج لعيادة مريض من غير شرط لذلك في نذره فإن كان من ذوي رحمه وليس له من يقوم به فهو مأمور بالخروج إليه ، وإذا عاد بنى على اعتكافه كالمرأة إذا خرجت لقضاء العدة ثم عادت تبني ، وفيه وجهان ، وفي وجه أن يستأنف . وهذا الذي ذكره صاحب الحاوي غريب . وقد نقله أيضا السرخسي عن صاحب التقريب . قال : وله أن يبقى عند المريض إلى أن يبرأ ثم يعود . وهذا اختيار لصاحب التقريب لم ينقله ، والله أعلم . واتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يستحب له عيادة مريض في المسجد . أما إذا خرج لقضاء الحاجة فعاد في طريقه مريضا فإن لم يقف لسبب العيادة ولا عدل عن طريقه بسببها بل اقتصر على السؤال جاز ولا ينقطع اعتكافه المنذور المتتابع بلا خلاف لحديث عائشة السابق . ولأنه لم يفوت زمانا بسببه . وإن وقف للعيادة وأطال بطل اعتكافه بلا خلاف كما لو خرج للعيادة ، وإن لم يطل فطريقان أصحهما : لا يبطل اعتكافه وجها واحدا ، وبه قطع البغوي والأكثرون . وادعى إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه . ووجهه أنه قدر يسير ولم يخرج بسببه والطريق الثاني : فيه وجهان أحدهما : هذا والثاني : يبطل ، وبهذا الطريق قطع المتولي . ووجه البطلان أنه غير محتاج إليه . قال المتولي : والرجوع في القلة والكثرة في هذا إلى العرف ، حتى إن كان المريض في داره التي يقصد لقضاء الحاجة ، وطريقه في صحفها والمريض في بيت أو حجرة منها فهو قريب ، وإن كان في درب آخر فهو طويل . ولو ازور عن الطريق لعيادة المريض فإن كان كثيرا بطل اعتكافه بلا خلاف ، وإن كان قليلا فوجهان ، حكاهما المتولي وغيره أصحهما : يبطل ، وبه قطع البغوي ، وهو مقتضى كلام الجمهور . قال البغوي : ولو وقف للاستئذان على المريض بطل اعتكافه . هذا كلامه . ويجىء فيما إذا لم يطل الوقوف الخلاف السابق ، والله أعلم . فرع : لو خرج لزيارة القادم من سفر بطل اعتكافه المنذور ، فإن خرج لقضاء الحاجة فزاره في طريقه فحكمه حكم عيادة المريض ، فيجىء ما سبق من التفصيل والخلاف .

Bagian V06/P499–V06/P500

هكذا ذكره المتولي وغيره وهو ظاهر ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في خروج المعتكف من اعتكاف نذر ، لعيادة مريض أو صلاة جنازة قد ذكرنا أنه لا يجوز عندنا ويبطل به الاعتكاف ، وحكاه ابن المنذر عن عطاء ومجاهد وعروة بن الزبير و الزهري ومالك وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ، وهي أصح الروايتين عن أحمد ، واختاره ابن المنذر ، ورواه البيهقي عن سعيد بن المسيب . وقال الحسن البصري وسعيد بن جبير والنخعي : يجوز . قال ابن المنذر : روى ذلك عن علي ولم يثبت عنه . واحتج لهؤلاء بحديث يروى عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض رواه ابن ماجه ، وهو من رواية هياج الخراساني عن عنبسة بن عبد الرحمن وهما ضعيفان متروكا الحديث ، لا يجوز الاحتجاج برواية واحد منهما . واحتج أصحابنا بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان رواه مسلم بهذا اللفظ ، ورواه البخاري ومسلم بألفاظ أخر تقدم بيانها في هذا الباب مجموعة وبحديث عائشة الموقوف عليها قالت : إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه ، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة رواه مسلم كما سبق بيانه ، فهذان هما المعتمدان في هذه المسألة ، واحتج أصحابنا أيضا بأشياء ضعيفة الإسناد منها : حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه رواه أبو داود بإسناد ضعيف فيه ليث بن أبي سليم . وعن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عائشة أنها قالت : السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ، ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما ، وعبد الرحمن بن إسحاق هذا مختلف في الاحتجاج به ، والأكثرون لا يحتجون به ، وقد روى له مسلم ، قال أبو داود : عن عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه : قالت السنة ، وجعله قول عائشة ، وقال الدارقطني : فقال إن قوله : السنة إلى آخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام الزهري ، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم ، وقال البيهقي : ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام إنما هو من قول من دون عائشة ، وأن من أدرجه في الحديث فقد وهم فيه ، والله أعلم .

Bagian V06/P500–V06/P501

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن حضرت الجمعة وهو من أهل الفرض والاعتكاف في غير الجامع ، لزمه أن يخرج إليها ، لأن الجمعة فرض بالشرع ، فلا يجوز تركها بالاعتكاف ، وهل يبطل اعتكافه بذلك أم لا فيه قولان ، قال في البويطي : لا يبطل ، لأنه خروج لا بد منه فلا يبطل الاعتكاف كالخروج لقضاء حاجة الإنسان ، وقال في عامة كتبه : يبطل لأنه يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في الجامع ، فإذا لم يفعل بطل اعتكافه ، كما لو دخل في صوم الشهرين المتتابعين ( في شعبان ) فخرج منه بصوم رمضان . + الشرح : قال أصحابنا : إذا اعتكف في غير الجامع وحضرت الجمعة وهو من أهل وجوبها لزمه الخروج إليها بلا خلاف ، سواء كان اعتكافه نفلا أو نذرا لأنها فرض عين ، وهو مقصر حيث لم يعتكف في الجامع ، فإن كان اعتكافه تطوعا بطل خروجه ، وإن كان نذرا غير متتابع لم يحسب له مدة ذهابه ومكثه في الجامع ورجوعه ، فإذا عاد إلى المسجد بنى على اعتكافه الأول ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وحكى السرخسي قولا إنه يحسب له زمان الخروج ، كما لو خرج لقضاء الحاجة ، وهذا غريب ضعيف ، لأن هذا مقصر بترك الجامع أولا بخلاف قضاء الحاجة ، وإن كان نذرا متتابعا ولم ينقض ففي بطلانه بالخروج خلاف حكاه المصنف والمحاملي في المجموع ، و البغوي والسرخسي وخلائق قولين وحكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي وآخرون وجهين . وغلط صاحب البيان حيث أنكر على صاحب المهذب حكايته الخلاف قولين وقال : إنما يحكيهما أكثر أصحابنا وجهين ، ثم اتفق الأصحاب على أن الأصح انقطاع التتابع وبطلان اعتكافه ، وهو المشهور من نصوص الشافعي كما ذكره المصنف ، وبه قطع الماوردي والمحاملي في التجريد والجرجاني وآخرون والثاني : لا يبطل وتعليلهما في الكتاب . قال أصحابنا : فإن قلنا : إن خروجه للجمعة يبطل اعتكافه ، فإن كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع ابتدأ به من أول الأسبوع في أول مسجد شاء ، ويخرج للجمعة بعد انقضائه ، وإن أراد الاعتكاف في الجامع ابتدأ به متى شاء ، وإن كان أكثر من أسبوع وجب أن يبتدئه في الجامع ، فإن كان قد عين في نذره غير الجامع وقلنا : يتعين لم يمكنه الوفاء بنذره إلا بأن يمرض وتسقط عنه الجمعة أو يتركها عاصيا ويدوم على اعتكافه ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في خروج المعتكف من اعتكاف منذور متتابع لصلاة الجمعة ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا بطلان اعتكافه ، وبه قال مالك ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، وقال سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد وعبد الملك من أصحاب مالك وابن المنذر وداود وأبو حنيفة في رواية عنه : لا يبطل اعتكافه وقد ذكر المصنف دليل المذهبين ، والله أعلم .

Bagian V06/P501–V06/P502

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن تعين عليه أداء شهادة لزمه الخروج لأدائها ، لأنه تعين لحق أدمي ، فقدم على الاعتكاف ، وهل يبطل اعتكافه بذلك ينظر فيه إن كان قد تعين عليه تحملها لم يبطل ، لأنه مضطر إلى الخروج وإلى سببه . وإن لم يتعين عليه تحملها لم يبطل ، لأنه مضطر إلى الخروج وإلى سببه ، وإن لم يتعين عليه تحملها فقد روى المزني أنه قال : يبطل الاعتكاف . وقال في المعتكفة ( إذا طلقت ) تخرج وتعتد ولا يبطل اعتكافها . فنقل أبو العباس جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وجعلهما على قولين . أحدهما : يبطل فيهما . لأن السبب حصل باختياره ، والثاني : لا يبطل . لأنه مضطر إلى الخروج . وحمل أبو إسحاق المسألتين على ظاهرهما فقال : في الشهادة تبطل . وفي العدة لا تبطل . لأن المرأة لا تتزوج لتطلق فتعتد والشاهد إنما يتحمل ليؤدي ، ولأن المرأة محتاجة إلى السبب وهو النكاح للنفسه والعفة ، والشاهد غير محتاج إلى التحمل . + الشرح : قوله : لأن السبب حصل باختياره ، هذا يصح في الشاهد والمعتدة التي زوجته برضاها ، ولا يصح في المجبرة ، وهي البكر في حق الأب والجد ، وكذا الثيب المجنونة ، وكذا الأمة . أما حكم الفصل : فقال أصحابنا : إذا خرج لأداء الشهادة له أربعة أحوال : إحداها : أن لا يتعين عليه التحمل ولا الأداء . والثانية : أن يتعين التحمل دون الأداء فيبطل اعتكافه بالخروج ، لأنه غير مضطر إليه . الثالثة : أن يتعين الأداء دون التحمل ، فيبطل على المذهب ، وهو المنصوص وقول أبي إسحاق وقال أبو العباس ، فيه قولان ، وذكر المصنف دليل الجميع . الرابعة : أن يتعين الأداء والتحمل ، فالمذهب أنه لا يبطل لأنه مضطر إلى الخروج وإلى سببه ، وبهذا قطع المصنف والجمهور ، وقيل : فيه طريقان حكاهما الماوردي و السرخسي وغيرهما أصحهما : هذا والثاني : على وجهين حكاهما الماوردي عن أصحابنا البصريين أحدهما : هذا والثاني : يبطل اعتكافه لأنه يمكنه أداء الشهادة في المسجد بأن يحضره القاضي ، وهذا ضعيف غريب ، هذا كله في اعتكاف منذور متتابع فأما : إذا كان الاعتكاف تطوعا وطلب الشهادة فيكون كغير المعتكف فعليه الإجابة حيث تجب على غيره لأنها أفضل من الاعتكاف المتطوع به ، وإن كان الاعتكاف نذرا غير متتابع ، فإن كانت الشهادة متعينة لزمه الإجابة سواء دعي لأدائها أو لحملها ، لأنه لا ضرر عليه في ذلك ، لأنه يمكنه البناء إذا عاد إلى المسجد ، وفي امتناعه من الشهادة اضرار بالمشهود له ، وإن لم تكن متعينة بأن كان لصاحب الشهادة شهود آخرون ، ففي لزوم الإجابة وجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : لا يلزمه ، لأنه مشتغل بفرض متعين عليه ، وليس بالمشهود له ضرورة إليه لتمكنه من غيره . والثاني : يلزمه ، لأن أداء الشهادة عند طلبها فرض كما أن الاعتكاف فرض ولكن الشهادة آكد لأنها حق آدمي يخاف فوته ، والاعتكاف يمكن تداركه ، وقول القائل الأول لا ضرر على المشهود له يعارضه أن المعتكف لا ضرر عليه أيضا ، لأنه يمكنه البناء ، والله أعلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 113 · Qur'an & Sunnah