Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
قال القاضي أبو الفتوح : فإن قال : أكشف رأسي ووجهي قلنا : فيه ترك للواجب ، قال : ولو قيل يؤمر بكشف الوجه كان صحيحا لأنه إن كان رجلا فكشف وجهه لا يؤثر ولا يمنع منه ، وإن كان أمرأة فهو الواجب قال صاحب البيان : وعلى قياس قول أبي الفتوح إذا لبس الخنثى قميصا أو سراويل أو خفا فلا فدية لجواز كونه امرأة ، ويستحب أن لا يستر بالقميص والخف والسراويل لجواز كونه رجلا ويمكنه ستر ذلك بغير المخيط . هكذا ذكر حكم الخنثى جمهور الأصحاب ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لا خلاف أنا نأمره بالستر ولبس المخيط كما نأمره في صلاته أن يستتر كالمرأة ، قال : وهل تلزمه الفدية فيه وجهان أصحهما : لا ، لأن الأصل براءته والثاني : يلزمه احتياطا كما يلزمه الستر في صلاته احتياطا للعبادة ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء فيمن لم يجد نعلين قد ذكرنا أن مذهبنا أنه قطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يجوز من غير قطعهما ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعروة والنخعي وقال أحمد : يجوز لبسهما من غير قطع ، وروى ذلك عن عطاء وسعيد بن سالم القداح . واحتج أحمد بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول : السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن لم يجد النعلين يعني المحرم ، رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يجد نعلين فليلبس خفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل رواه مسلم . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فذكر الحديث السابق فى أول الفصل إلى قوله صلى الله عليه وسلم : إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين رواه البخاري ومسلم وأجاب الشافعي والأصحاب عن حديثي ابن عباس وجابر بأن حديث ابن عمر فيه زيادة ، فالأخذ به أولى ، ولأنه مفسر ، وخبر ابن عباس مجمل ، فوجب ترجيح حديث ابن عمر قال الشافعي : وابن عمر وابن عباس حافظان عدلان لا مخالفة بينهما ، لكن زاد أحدهما زيادة فوجب قبولها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا لم يجد إزارا جاز له لبس السراويل ولا فدية وبه قال أحمد وداود وجمهور العلماء . وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز له لبسه ، وإن عدم الإزار فإن لبسه لزمه الفدية . وقال الرازي من الحنفية : يجوز لبسه وعليه الفدية . ودليلنا حديث ابن عمر وابن عباس المذكورين في الفرع ، والقياس على من عدم النعلين فإنه ليس له لبس الخفين المقطوعين ولا فدية عليه بالاتفاق ، والفرق بينه وبين ما قاسوا عليه من تحريم لبس القميص إذا لم يجد الرداء لا يجب عليه لبسه فلا ضرورة إليه ، بخلاف الإزار فإنه يجب لبسه لستر العورة فإذا لم يجد عدل إلى السراويل ولأن السراويل لا يمكنه أن يتزر به ويمكنه أن يرتدي بالقميص وإذا قلنا لو أمكنه أن يتزر بالسراويل لم يجز لبسه كما سبق إيضاحه . فرع : قد ذكرنا أنه لا يجوز للمحرم لبس القباء ، سواء أخرج يديه من كميه أم لا ، فإن لبسه لزمه الفدية ، وبه قال مالك وحكاه ابن المنذر بمعناه عن الأوزاعي .
وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة أبو ثور والخرقي من أصحاب أحمد : يجوز لبسه إذا لم يدخل يديه في كميه ، دليلنا على تحريمه حديث ابن عمر أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب قال : لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا القباء ولا ثوبا يمسه ورس أو زعفران رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيح ، قال البيهقي : وهذه الزيادة وهي ذكر القباء صحيحة محفوظة وعن ابن عمر أيضا قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القميص والأقبية والسراويلات والخفين إلا أن لا يجد نعلين رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ولأنه مخيط فكان محرما موجبا للفدية كالجبة وأما تشبيههم إياه بمن التحف بقميص فلا يصح ، لأن ذلك لا يسمى لبسا في القميص ، ويسمى ، لبسا في القباء ، ولأنه غير معتاد في القميص ومعتاد في القباء ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز للمحرم أن يستظل في المحمل بما شاء راكبا ونازلا ، وبه قال أبو حنيفة . وقال مالك وأحمد : لا يجوز فإن فعل فعليه الفدية وعن أحمد رواية أخرى أنه لا فدية ، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز ، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيرا في المحمل فلا فدية ، وكذا لو استظل بيده ، ووافقونا أنه لا فدية . وقد يحتج بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال : صحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فما رأيته مضطربا فسطاطا حتى رجع رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن ، وعن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال : أضح لمن أحرمت له رواه البيهقي بإسناد صحيح . وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه رواه البيهقي وضعفه . ودليلنا حديث أم الحصين رضي الله عنها قالت : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة . رواه مسلم في صحيحه ، ولأنه لا يسمى لبسا وأما حديث جابر المذكور فقد ذكرنا أنه ضعيف مع أنه ضعيف مع أنه ليس فيه نهي وكذا فعل عمر ، وقول ابن عمر ليس فيه نهي ، ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه ولا فدية عليه ، وبه قال جمهور العلماء . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز كرأسه . واحتج لهما بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره : ولا تخمروا وجهه ولا رأسه رواه مسلم وعن ابن عمر أنه كان يقول : ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم رواه مالك والبيهقي وهو صحيح عنه . واحتج أصحابنا برواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن عثمان بن عفان وزيد ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم وهذا إسناد صحيح وكذلك رواه البيهقي ، ولكن القاسم لم يدرك عثمان وأدرك مروان .
واختلفوا في إمكان إداركه زيدا وروى مالك والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : ( رأيت عثمان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ) والجواب عن حديث ابن عباس أنه إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه لا لقصد كشف وجهه فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله لأن مالكا وأبا حنيفة يقولان لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه والشافعي وموافقوه يقولون يباح ستر الوجه دون الرأس فتعين تأويل الحديث وأما قول ابن عمر فمعارض بفعل عثمان وموافقيه والله أعلم فرع قد ذكرنا أن الأصح عندنا تحريم لبس القفازين على المرأة وبه قال عمر وعلي وعائشة رضي الله عنهم وقال الثوري وأبو حنيفة يجوز وحكى ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فرع قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز أن يتقلد السيف وبه قال الأكثرون ونقل القاضي أبو الطيب عن الحسن البصري كراهته وعن مالك أنه لا يجوز
قال المصنف رحمه الله ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران وتجب به الفدية قياسا على الحلق ولا يلبس ثوبا مبخرا بالطيب ولا ثوبا مصبوغا بالطيب وتجب به الفدية قياسا على ما مسه الورس والزعفران وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لأنه ملبوس فهو كالثوب ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا أن يستعط به ولا يحتقن به فإن استعمله في شيء من ذلك لزمته الفدية لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله في الثياب فلأن يجب فيما يستعلمه في بدنه أولى وإن كان الطيب في طعام نظرت فإن ظهر في طعمه أو رائحته لم يجز أكله وتجب به الفدية وإن ظهر ذلك في لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال في المختصر الأوسط من الحج لا يجوز وقال في الأم والإملاء يجوز قال أبو إسحاق يجوز قولا واحدا وتأول قوله في الأوسط على ما إذا كانت له رائحة ومنهم من قال فيه قولان أحدهما لا يجوز لأن اللون إحدى صفات الطيب فمنع من استعماله كالطعم والرائحة والثاني يجوز وهو الصحيح لأن الطيب بالطعم والرائحة + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وقوله : قياسا على الحلق إنما قاس عليه لأنه منصوص عليه في القرآن ، وفي حديث كعب بن عجرة السابق وقوله : وإن علق بخفه طيب ، قال الفارقي : وفرض هذا النعل أولى لأن النعل يجوز له لبسه والخف يحرم لبسه ، قال : ويمكن تصويره بأن يكون قد لبسه ولزمته الفدية ، وعلق به الطيب فيلزمه فدية ، هذا كلامه وهو متصور في النعل وفي الخف كما ذكره ، وفيما لو لبس خفا مقطوعا للعجز عن النعلين ، وفيما لو لبس الخفين جاهلا تحريمها وعلق به طيب وهو يعلم تحريمه . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب وهذا مجمع عليه لحديث ابن عمر قال أصحابنا : واستعمال الطيب هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب ، فلو طيب جزءا من بدنه بغالية أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية ، سواء الإلصاق بظاهر البدن أو باطنه ، بأن أكله أو احتقن به أو استعط أو اكتحل أو لطخ به رأسه أو وجهه أو غير ذلك من بدنة أثم ولزمته الفدية ، ولا خلاف في شيء من ذلك إلا في الحقنة والسعوط ، ففيهما وجه أنه لا فدية فيهما . حكاه الرافعي وهو ضعيف والمشهور وجوب الفدية ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ولو لبس ثوبا مبخرا بالطيب ، أو ثوبا مصبوغا بالطيب أو علق بنعله طيب لزمته الفدية ، لما ذكره المصنف . ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة وهي تبخر ، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية بلا خلاف ، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة لم يكره ، وإن قصد لاشتمامها ففي كرهته قولان للشافعي أصحهما : لا يكره وقطع القاضي حسين بالكراهة ، وقال : إنما القولان في وجوب الفدية والمذهب الأول وبه قطع الأكثرون ، وقطع البندنيجي أنه لا يكره القرب من الكعبة لشم الطيب .
قال : وإنما القولان في غيرها ، وليس كما قال ، بل المذهب طرد الخلاف في الجميع ، ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية بلا خلاف لأنه يعد استعمالا ولو مس طيبا يابسا كالمسك والكافور والذريرة ، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية بلا خلاف لأن استعماله هكذا يكون ، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه لكن عبقت به الرائحة ففي وجوب الفدية قولان : الأصح : عند الأكثرين ، وهو نصه في الأوسط لا تجب لأنها عن مجاورة فأشبه من قعد عند الكعبة وهي تبخر والثاني : تجب ، وصححه القاضي أبو الطيب وهو نصه في الأم و الإملاء والقديم لأنها عن مباشرة . وإن كان الطيب رطبا فإن علم أنه رطب وقصد مسه فعلق بيده لزمته الفدية وإن ظن أنه يابس فمسه فعلق بيده فقولان أحدهما : تجب الفدية لأنه مسه قاصدا ، فصار كمن علم أنه رطب . والثاني : لا . لأنه علق به بغير اختياره ، وذكر الدارمي أن هذا القول أن القول الثاني نصه في الجديد ، والأول هو القديم ، ولذلك ذكره صاحب التقريب . قال الرافعي : رجح إمام الحرمين وغيره الوجوب ، ورجحت طائفة عدم الوجوب ، قلت : هذا أصح لأنه نصه في الجديد ، ولأنه غير قاصد وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر الباب في استعمال الطيب ناسيا والله أعلم . ولو شد مسكا أو كافورا أو عنبرا في طرف ثوبه أو جبته ، أو لبسته المرأة حشوا بشيء منها وجبت الفدية قطعا ، لأنه استعمله ، ولو شد العود فلا فدية ، لأنه لا يعد تطيبا بخلاف شد المسك ، ولو شم الورد فقد تطيب ، ولو شم ماء الورد فلا ، بل استعماله أن يصبه على بدنه أو ثوبه ، ولو حمل مسكا أو طيبا في كيس أو خرقة مشدودا ، أو قارورة مصممة الرأس أو حمل الورد في وعاء فلا فدية ، نص عليه في الأم ، وقطع به الجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه إن كان يشم قصدا لزمته الفدية ، ولو حمل مسكا في قارورة غير مشقوقة فلا فدية في أصح الوجهين ، وبه قطع القاضي أبو الطيب ونقله عن الأصحاب ، ولو كانت القارورة مشقوقة أو مفتوحة الرأس قال الأصحاب : وجبت الفدية ، قال الرافعي : وفيه نظر لأنه لا يعد طيبا ولو جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة أو نام عليها مفضيا إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية ولو فرش فوقه ثوبا ثم جلس عليه أو نام لم تجب الفدية نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق عليه الأصحاب ، لكن إن كان الثوب رقيقا كره وإلا فلا ولو داس بنعله طيبا لزمته الفدية . فرع : لو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب لمرور الزمان أو لغبار وغيره فإن كانت بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله ، وإن بقي اللون لم يحرم على أصح الوجهين . ولو انغمر شيء من الطيب في غيره ، كماء ورد انمحق في ماء كثير ، لم تجب الفدية باستعماله على أصح الوجهين ، فلو انغمرت الرائحة وبقي اللون أو الطعم ففيه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في الطعام المطيب أما إذا أكل طعاما فيه زعفران أو طيب آخر أو استعمل مخلوطا بالطيب لا لجهة الأكل فينظر إن استهلك الطيب فلم يبق له ريح ولا طعم ولا لون فلا فدية بلا خلاف . وإن ظهرت هذه الأوصاف وجبت الفدية بلا خلاف وإن بقيت الرائحة فقط وجبت الفدية لأنه يعد طيبا ، وإن بقي اللون وحده فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب ، ودليلهما في الكتاب أصحهما على قولين أصحهما : لا فدية وهو نصه في الأم و الإملاء و القديم والثاني : يجب نصه في الأوسط والطريق الثاني : لا فدية قطعا .
وإن بقي الطعم فقط ، فثلاث طرق ذكرها صاحب الشامل و البيان وغيرهما أصحهما وجوب الفدية قطعا ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه اتفاق الأصحاب عليه كالرائحة ، والثاني : فيه طريقان ، والثالث : لا فدية وهذا ضعيف أو غلط . وحكى البنديجي طريقا رابعا لا فدية قطعا ، ولو أكل الحليحلتين المربى في الورد نظر في استهلاك الورد فيه وعدمه ، قال الرافعي : ويجيء فيه هذا التفصيل ، أطلق الدارمي أنه إن كان فيه ورد ظاهر وجبت الفدية قال الماوردي والروياني : لو أكل العود لا فدية عليه لأنه لا يعد تطييبا إلا بالتبخر به بخلاف المسك ، والله أعلم . فرع : لو كان المحرم أخشم لا يجد رائحة فاستعمل الطيب لزمته الفدية بلا خلاف ، لأنه وجد استعمال الطيب مع العلم بتحريمه ، فوجبت الفدية ، وإن لم ينتفع به كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها من شعوره التي لا ينفعه نتفها وممن صرح بالمسألة المتولي وصاحبا العدة والبيان . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال الشافعي في الأم وإن لبس إزارا مطيبا لزمته فدية واحدة للطيب ، ولا شيء عليه في اللبس ، لأن لبس الإزار مباح قال : وإن جعل على رأسه الغالية لزمه فديتان إحداهما : للطيب والثانية : لتغطيته رأسه ، وهما جنسان فلا يتداخلان ، هذا نقل القاضي وكذا نقله غيره ، قال الدارمي : لو لبس إزارا غير مطيب ولبس فوقه إزارا آخر مطيبا قال ابن القطان : فيه وجهان ، يعني هل تجب فيه فدية أم فديتان الأصح فدية ، لأن جنس الإزار مباح ، ولو طبق أزرا كثيرا بعضها فوق بعض جاز .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والطيب كا ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب ، كالمسك والكافور والعنبر والصندل والورد والياسمين والورس والزعفران ، وفي الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس قولان ، أحدهما : يجوز شمها لما روى عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم يدخل البستان فقال : نعم ويشم الريحان ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة ، فإذا جفت لم يكن لها رائحة ، والثاني : لا يجوز لأنه يراد للرائحة فهو كالورد والزعفران وأما البنفسج فقد قال الشافعي : ليس هو بطيب ، فمن أصحابنا من قال : هو طيب قولا واحدا لأنه تشم رائحته ويتخذ منه الدهن ، فهو كالورد ، وتأول قول الشافعي على المريب بالسكر ، ومنهم من قال : ليس هو بطيب قولا واحدا لأنه يراد للتداوي ولا يتخذ من يابسه طيب ، ومنهم من قال : هو كالنرجس والريحان ، وفيه قولان لأنه يشم رطبه ولا يتخذ من يابسه طيب . وأما الأترج فليس بطيب لأنه يراد للأكل فهو كالتفاح والسفرجل وأما العصفر فليس بطيب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : وليلبسن ما أحببن من المعصفر لأنه يراد للون فهو كاللون والحناء ليس بطيب ، لما روى : أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يختضبن بالحناء وهن محرمات ، ولأنه يراد للون فهو كالعصفر . ولا يجوز أن يستعمل الأدهان المطيبة كدهن الولد والزنبق ودهن البان المنشوش وتجب بها الفدية ، لأنه يراد للرائحة وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والبان غير المنشوش فإنه يجوز استعمالها في غير الرأس واللحية ، لأنه ليس فيه طيب ولا تزيين ولا يحرم استعمالها في شعر الرأس واللحية ، لأنه يرجل الشعر ويزينه وتجب به الفدية ، فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز ، لأنه ليس فيه تزيين ، وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز ، لأنه يحسن الشعر إذا نبت ويجوز أن يجلس عند العطار ، وفي موضع يبخر لأن في المنع من ذلك مشقة ، ولأن ذلك ليس بتطيب مقصود ، والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر ، فلا يكره ذلك لأن الجلوس عندها قربة ، فلا يستحب تركها لأمر مباح ، وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة ، والمسك في نافجة ولا فدية عليه ، ولأن دونه حائلا . وإن مس طيبا فعبقت به رائحته ففيه قولان ، أحدهما : لا فدية عليه ، لأنه رائحة من مجاورة فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت رائحته بجيفة بقربة ، والثاني : يجب لأن المقصود من الطيب هو الرائحة ، وقد حصل ذلك وإن كان عليه طيب فأراد غسله فالمستحب أن يولي غيره غسله حتى لا يباشره بيده فإن غسله بنفسه جاز ، لأن غسله ترك فلا يتعلق به تحريم كما لو دخل دار غيره بغير إذنه فأراد أن يخرج . وإن حصل عليه طيب ولا يقدر على إزالته بغير الماء ، وهو محدث ، ومعه من الماء ما لا يكفي الطيب والوضوء غسل به الطيب ، لأن الوضوء له بدل ، وغسل الطيب لا بدل له ، وإن كان عليه نجاسة استعمل الماء في إزالة النجاسة لأن النجاسة تمنع صحة الصلاة ، والطيب لا يمنع صحة الحج . + الشرح : أما حديث وليلبسن ما أحببن فسبق بيانه قريبا في فصل تحريم اللباس وأما الأثر المذكور عن عثمان فغريب ، وصح عن ابن عباس معناه ، فذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس معناه تعليقا بغير إسناد أنه قال : يشم المحرم الريحان ويتداوى بأكل الزيت والسمن وروى البيهقي بإسناده الصحيح المتصل عن ابن عباس أيضا أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان .
وروى البيهقي عكسه عن ابن عمر وجابر فروى بإسنادين صحيحين أحدهما : عن ابن عمر أنه كان يكره شم الريحان للمحرم ، والثاني : عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن الريحان أيشمه المحرم والطيب والدهن فقال : لا وأما قوله : إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن يختضبن بالحناء وهن محرمات فغريب ، وقد حكاه ابن المنذر في الإشراف بغير إسناد ، وإنما روى البيهقي في هذه المسألة حديث عائشة أنها سئلت عن الحناء والخضاب فقال : كان خليلي صلى الله عليه وسلم لا يحب ريحه قال البيهقي : فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء . أما ألفاظ الفصل : فالياسمين والياسمون إن شئت أعربته بالياء والواو ، وإن شئت جعلت الإعراب في النون ، لغتان وأما الورس فسبق بيانه في باب زكاة الثمار وأما الريحان الفارسي فهو الضمران وأما المرزنجوش فميم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم نون ساكنة ثم جيم مضمومة ثم واو ثم شين معجمة وهو معروف وهو نوع من الطيب يشبه الغسلة بكسر الغين والعوام يصحفونه وأما اللينوفر فهكذا هو في المهذب بلامين وذكر أبو حفص بن مكي الصقلي الإمام في كتابه تثقيف اللسان أنه إنما يقال نيلوفر بفتح النون واللام ونينوفر بنونين مفتوحتين ولا يقال : نينوفر بكسر النون وجعله من لحن العوام ، قوله : ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة ، فإذا جفت لم يكن لها رائحة ، يعني فلا يكون طيبا هو ما قصد به الطيب رطبا ويابسا ، وهذه الأشياء ليست كذلك ، فإن رائحتها تختص بحال الرطوبة . قوله : ويشم الريحان هو بفتح الياء والشين قوله : الأترج هو بضم الهمزة والراء وإسكان التاء بينهما وتشديد الجيم ويقال : ترنج حكاه الجوهري وآخرون ، والأول أفصح وأشهر ، وأما الحناء فممدود وهو اسم جنس والواحدة حناءة كقثاءة ، قوله : كدهن الورد والزنبق هو بفتح الزاي ثم نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم قاف وهو دهن الياسمين الأبيض ، وقال الجوهري في صحاحه : هو دهن الياسمين فلم يخصه بالأبيض وهو لفظ عربي ، قوله : دهن البان المنشوش هو بالنون والشين المعجمة المكررة ومعناه المغلي بالنار ، وهو يغلي بالمسك وقوله : الكعبة وهي تجمر بالجيم المفتوحة وتشديد الميم أي تبخر ، قوله : المسك في نافجة هي بالنون والفاء والجيم وهي وعاؤه الأصلي الذي تلقيه الظبية ، قوله : عبقت رائحته هو بكسر الباء أي فاحت ، والله أعلم . أما الأحكام : فقال أصحابنا رحمهم الله : يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه الطيب ، واتخاذ الطيب منه ، أو يظهر فيه هذا الغرض ، هذا ضابطه ثم فصلوه فقالوا : الأصل في الطيب المسك والعنبر والكافور والعود والصندل والدرديرة ونحو ذلك ، وهذا كله لا خلاف فيه ، والكافور صمغ شجر معروف ، وأما النبات الذي له رائحة فأنواع منها ما يطلب للتطييب واتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين والخيري والزعفران والورس ونحوها فكل هذا طيب ، وحكى الرافعي وجها شاذا في الورد والياسمين والخيري أنها ليست طيبا والمذهب الأول . قال أصحابنا : نص النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق على الزعفران والورس ، ونبهنا بهما على ما معناهما وما فوقهما كالمسك ومنها ما يطلب للأكل أو للتداوي غالبا كالقرنفل والدارصيني والفلفل والمصطكى والسنبل وسائر الفواكه ، كل هذا وشبهه ليس بطيب ، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه ، سواء قليلة وكثيره ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا القرنفل ، فإن صاحب البيان حكى فيه وجهين أحدهما : وهو قول الصيدلاني أنه ليس بطيب والثاني : قول الصيمري : أنه طيب .
قال : وهو الأصح ، وليس كما قال ، بل الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه ليس بطيب والله أعلم . ومنها ما ينبت بنفسه ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح والمشمش والكمثرى والسفرجل ، وكالشيح والقيصوم وشقائق النعمان والإذخر والخزامى وسائر أزهار البراري ، فكل هذا ليس بطيب ، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه بلا خلاف . ومنها ما يتطيب به ولا يتخذ منه الطيب كالنرجس والمرزنجوش والريحان الفارسي والآس وسائر الرياحين ، ففيهما طريقان حكاهما البندنيجي أصحهما : عنده أنها طيب قولا واحدا والطريق الثاني : وهو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور فيه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : الجديد أنها طيب موجبة للفدية والقديم ليست بطيب ولا فدية . وممن ذكر كل الرياحين في هذا النوع وحكى فيها القولين المحاملي والبندنيجي وصاحب البيان . وأما اللينوفر ففيه طريقان المشهور : أنه كالنرجس فيكون فيه القولان الجديد تحريمه والقديم إباحته . وبهذا الطريق قطع المصنف والأكثرون والثاني : أنه طيب قولا واحدا حكاه الرافعي وقطع به البندنيجي ، وقطع المصنف في التنبيه بأنه ليس بطيب وهو شاذ ضعيف . وأما البنفسج ففيه ثلاث طرق مشهورة ذكرها المصنف أصحها : أنه طيب والثاني : أنه ليس بطيب وبه قطع المصنف في التنبيه والثالث : فيه قولان ، فإذا قلنا بالمذهب : إنه طيب فقد ذكر الماوردي وغيره لنص الشافعي الذي حكاه المصنف تأويلين أحدهما : محمول على المربى بالسكر الذي ذهبت رائحته ، وهذا هو التأويل الذي ذكره المصنف وهو المشهور والثاني : أنه محمول على البنفسج البري ، وحكى الرافعي وجها أنه يعتبر عادة كل بلد فيما يتخذ طيبا ، قال : وهو غلط نبهنا عليه والصواب ما سبق . فرع : الحناء والعصفر ليسا بطيب بلا خلاف عندنا ، ولا فدية فيهما كيف استعملهما . وقال صاحب الإبانة : قال الشافعي ، لو اختضبت المرأة بالحناء ولفت على يدها خرقة فعليها قال : فمنهم من قال : فيه قولان ومنهم من قال : ليس بطيب قولا وإنما القولان في لف الخرقة كالقولين في القفازين هذا كلامه ، وكذا قال شارح الإبانة هو وصاحب العدة : الحناء هل هو طيب أم لا قيل : فيه قولان وقيل : وليس بطيب قطعا ، وهذا الخلاف الذي حكياه غلط ، والمشهور والمعروف في المذهب أنه ليس بطيب قولا واحدا وإنما القولان في الخرق الملفوفة ، وقد سبق بيانه واضحا ، والله أعلم . فرع : في أنواع النبات غريبة ذكرها بعض الأصحاب منها الكاذي بالذال المعجمة نقل القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الشافعي أنه طيب قولا واحدا كالمسك ، قال الشافعي : وهو نبات يشبه السوسن ، وممن قطع بأنه طيب الماوردي وصاحب البيان ومنها : اللفاح ذكر المحاملي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والبغوي والمتولي وصاحب العدة أنه على القولين كالنرجس . قال القاضي أبو الطيب . وكذلك القولان في النمام بفتح النون وتشديد الميم وهو نبت معروف طيب الرائحة . قال : ويجريان في السوسن والبرم ، وقال الدارمي : النمام يحتمل أنه على القولين كالنرجس ، ويحتمل أنه ليس بطيب قطعا كالبقول . قال الدارمي : الأترج والنارنج ليسا بطيب ، قال : وأما قشورهما فقال أبو إسحاق المروزي : ليس بطيب ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : فيه قولان كالريحان . هذا كلامه وهو غريب ، والصواب القطع بأنها ليست طيبا . فرع : حب المحلب قال الدارمي : ليس هو بطيب ، ولم يذكر فيه خلافا ، وفيما قاله احتمال .
فرع : الأدهان ضربان ، أحدهما : دهن ليس بطيب ولا فيه طيب كالزيت والشيرج والسمن والزبد ودهن الجوز واللوز ونحوها فهذا لا يحرم استعماله في جميع البدن إلا في الرأس واللحية ، فيحرم استعماله فيهما بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فلو كان أصلع لا تنبت رأسه شعرا فدهن رأسه أو أمرد فدهن ذقنه فلا فدية ، بلا خلاف وإن كان محلوق الرأس فوجهان مشهوران في طريقة خراسان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين وجوب الفدية لما ذكره المصنف والثاني : لا فدية لأنه لا يزال به شعث وهذا اختيار المزني والفوراني . واتفق أصحابنا على جواز استعمال هذا الدهن في جميع بدنه غير الرأس واللحية ، سواء شعره وبشره وعلى جواز أكله ، ولو كان على رأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من غير أن يمس شعرا فلا فدية بلا خلاف ، صرح به الدارمي والبندنيجي والماوردي وصاحب الشامل وآخرون . قال الماوردي : ولو طلى شعر رأسي ولحيته بلبن جاز ولا فدية ، وإن استخرج منه السمن لأنه ليس بدهن ، ولا يحصل به ترجيل الشعر . قال : وأما الشحم والشمع إذا أذيبا فهما كالدهن يحرم على المحرم ترجيل شعره بهما والله أعلم . الضرب الثاني : دهن هو طيب فمنه دهن الورد ، والمذهب وجوب الفدية فيه ، وبه قطع المصنف والجمهور وقيل : فيه وجهان : حكاه الرافعي وأشار إليه إمام الحرمين ومنه دهن البنفسج ، فإن لم توجب الفدية في نفس البنفسج فدهنه أولى ، وإلا فكدهن الورد . قال الرافعي : ثم اتفق الأصحاب على أن ما طرح فيه الورد والبنفسج فهو دهنهما ، ولو طرحا على السمسم فأخذ رائحته ثم استخرج منه الدهن ، قال الجمهور : لا فدية فيه ، وخالفهم الشيخ أبو محمد الجويني فأوجبها . ومنه البان ودهنه ، قال الرافعي : أطلق الجمهور أن كل واحد منهما طيب ، ونقل إمام الحرمين عن نص الشافعي أنهما ليسا بطيب ، وتابعه الغزالي قال الرافعي : ويشبه أن لا يكون خلافا محققا ، بل هما محمولان على تفصيل حكاه صاحب المهذب و التهذيب ، وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طيب غير المنشوش ليس بطيب ، هذا كلام الرافعي وهو كما قال : وقد قال : بالتفصيل الذي ذكره صاحب المهذب و التهذيب جماعات غيرهما منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي وصاحب البيان وآخرون . ونقله المحاملي عن نص الشافعي ومنه دهن الزنبق والخيري والكاذي . وهذا كله طيب بلا خلاف لما ذكره المصنف والله أعلم . وأما دهن الأترج ففيه وجهان حكاهما الماوردي والروياني أحدهما : أنه طيب ، وبه قطع الدارمي لأن قشره يربى به الدهن كالورد والثاني : ليس بطيب لأن الأترج ليس بطيب ، وإنما هو مأكول مباح للمحرم . فرع : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يجوز أن يجلس المحرم عند عطار ، وهو في موضع يبخر ، والأولى اجتنابه لما ذكره المصنف ، وقد سبق بيان هذا في الفصل الذي قبل هذا ، وسبق فيه أيضا حكم حمل الطيب في قارورة وخرقة ، وحمل نافجة المسك ، وسبق فيه وأيضا بيان القولين فيمن مس طيبا ، فعلقت به رائحته وأن الأصح أنه لا فدية . والله أعلم . فرع : متى لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية بأن كان ناسيا أو ألقته ريح عليه لزمه المبادرة بإزالته بأن ينحيه أو يغسله أو يعالجه بما يقطع ريحه قال الدارمي وغيره لوحته حتى ذهب أثره كفاه قال المصنف والأصحاب : الأولى يأمر غيره بإزالته ولا يباشره بنفسه ، فإن باشره بنفسه جاز بلا خلاف لما ذكره المصنف ، فإن أخر إزالته مع الإمكان لزمته الفدية فإن كان زمنا لا يقدر على إزالته فلا فدية كمن أكره على التطيب ذكره البغوي .
ولو لصق به طيب يوجب الفدية لزمه أيضا المبادرة إلى إزالته فإن أخره عصى ولا تتكرر به الفدية . قال المصنف والأصحاب : ولو كان معه ما يكفيه لوضوئه أو إزالة الطيب ، ولا يكفيه لهما وهو محدث ولم يمكنه إزالة الطيب بغير الماء غسل الطيب ، لأنه لا بدل له ويتيمم . هكذا أطلق المصنف وكثيرون المسألة ، وقال المحققون : هذا إذا لم يمكن أن يتوضأ به ويجمعه ثم يغسل به الطيب ، فإن أمكن ذلك وجب فعله جمعا بين العبادتين ، وقد سبقت المسألة واضحة في باب التيمم في مسألة من وجد بعض ما يكفيه ، ولو كان عليه نجاسة وطيب ولم يمكنه إلا غسل أحدهما غسل النجاسة لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : ولا يكره للمحرم شرى الطيب ، كما لا يكره شرى المخيط والجارية . فرع : يحرم عليه أن يكتحل بما فيه طيب ، فإن احتاج إليه جاز ، وعليه الفدية ، وله الاكتحال بما لا طيب فيه فقد ذكر المصنف في أواخر هذا الباب أنه يكره لأنه زينة . واتفق أصحابنا على أنه لا يحرم وأما الكراهة فنقل المزني عن الشافعي أنه لا بأس به ، ونص في الإملاء على كراهته فقيل : قولان والأصح : أنه على حالين ، فإن لم يكن فيه زينة كالتوتية الأبيض لم يكره ، وإن كان فيه زينة كالأثمد كره إلا لحاجة كرمد . فرع : قد ذكرنا أن الطيب حرام على المحرم . وهذا مجمع عليه ومذهبنا أنه لا فرق بين أن يتبخر أو يجعله في بدنه أو ثوبه سواء كان الثوب مما ينفض الطيب لم يكن ، قال العبدري : وبه قال أكثر العلماء ، وقال أبو حنيفة : يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود والند ولا يجوز أن يجعل شيئا من الطيب في بدنه ، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه ، فإن جعله في باطنه وكان الثوب لا ينفض فلا شيء عليه وإن كان ينفض لزمته الفدية . دليلنا حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران رواه البخاري ومسلم ، وهو عام يتناول ما ينفض وغيره . فرع : الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق ولا فدية ، وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : طيب يوجب الفدية . فرع : إذا لبس ثوبا معصفرا فلا فدية ، والعصفر ليس بطيب هذا مذهبنا وبه قال أحمد وداود وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وجابر وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب وعائشة وأسماء وعطاء ، قال : وكرهه عمر بن الخطاب ، وممن تبعه الثوري ومالك ومحمد بن الحسن وأبو ثور ، وقال أبو حنيفة : إن نفض على البدن وجبت الفدية ، وإلا وجبت صدقة ، دليلنا الحديث الذي ذكره المصنف . فرع : إذا حصل الطيب في مطبوخ أو مشروب فإن لم يبق له طعم ولا لون ولا رائحة فلا فدية في أكله وإن بقيت رائحته وجبت الفدية بأكله عندنا كما سبق ، وقال أبو حنيفة : لا فدية . ودليلنا مقصود الطيب وهو الترفه باق . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن الزيت والشيرج والسمن والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه ، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته . وقال الحسن بن صالح : يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته وقال مالك : لا يجوز دهن الباطنة وهي ما يوارى باللباس . وقال أبو حنيفة كقولنا في السمن والزبد ، وخالفنا في الزيت والشيرج ، فقال : يحرم استعماله في الرأس والبدن ، وقال أحمد : إن ادهن بزيت أو شيرج فلا فدية في أصح الروايتين ، سواء يديه ورأسه وقال داود : يجوز دهن رأسه ولحيته وبدنه بدهن غير مطيب .
واحتج أصحابنا بحديث فرقد السنجي الزاهد رحمه الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادهن بزيت غير مقنت وهو محرم رواه الترمذي : وهو ضعيف غريب لا يعرف إلا من حديث فرقد ، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد وقوله : غير مقتت أي غير مطيب وإذا لم يثبت الحديث تعين المصير إلى حديث آخر ، وهو أن الذي جاء الشرع به استعمال الطيب ، وهذا ليس منه فلا يثبت تحريمه . هذا دليل على من حرمه في جميع البدن أما من أباحه في الرأس واللحية فالدليل عليه ما ذكره المصنف . فرع : ذكرنا أن مذهبنا في تحريم الرياحين قولين الأصح : تحريمه ووجوب الفدية ، وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو ثور وأبو حنيفة إلا أن مالكا وأبا حنيفة يقولان : يحرم ولا فدية قال ابن المنذر : واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد ، وممن جوزه وقال : هو حلال لا فدية فيه عثمان وابن عباس والحسن البصري ومجاهد وإسحاق ، قال العبدري : وهو قول أكثر الفقهاء . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا جواز جلوس المحرم عند العطار ، ولا فدية فيه ، وبه قال ابن المنذر ، قال : وأوجب عطاء فيه الفدية ، وكره ذلك مالك . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والشيرج والسمن ، قال : وأجمع عوام أهل العلم على أنه له دهن بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن ، قال : وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث استعمال الطيب في جميع بدنه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أن يتزوج وأن يزوج غيره بالوكالة وبالولابة الخاصة ، فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل ، لما روى عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولأنه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة ، وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم فيه وجهان أحدهما : لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة ، والثاني : يجوز ، لأن الولاية العامة آكد والدليل عليه أنه يملك بالولاية العامة أن يزوج المسلمة والكافرة ، ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة . ويجوز أن يشهد في النكاح ، وقال أبو سعيد الإصطخري : لا يجوز لأنه ركن في العقد ، فلم يجز أن يكون محرما كالولي والمذهب : أنه يجوز ، لأن العقد هو الإيجاب والقبول ، والشاهد لا صنع له في ذلك . وتكره له الخطبة لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له ، ويجوز له أن يراجع الزوجة في الإحرام ، لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنها تصح من غير ولي ولا شهود ، وتصح من العبد الرجعة بغير إذن الولي ، فلم يمنع الإحرام منه كالبقاء على العقد . + الشرح : حديث عثمان رواه مسلم ، واللفظ الأول : لا ينكح بفتح أوله أي لا يتزوج والثاني : بضم أوله ، أي لا يتزوج غيره ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ولا يخطب معناه لا يخطب المرأة وهو طلب زواجها . هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافة وأما قول أبي على الفارقي في كتابه فوائد المهذب المراد به الخطبة التي بين يدي العقد ، وهي الحمد الله الخ فغلط صريح وخطأ فاحش ولا أدري ما حمله على هذا الذي تعسفه وتجسر عليه ، لولا خوفي من اعتراض بعض المتفقهين به ، لما استجزت حكايته ، والله أعلم . أما أحكام الفصل : فيحرم على المحرم أن يتزوج ، ويحرم عليه أن يزوج موليته بالولاية الخاصة وهي العصوية والولاء ، ويحرم على المحرم أن يتزوج ، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرما فالنكاح باطل بلا خلاف ، لأنه منهي عنه لهذا الحديث الصحيح ، والنهي يقتضي الفساد ، وهل يجوز للإمام والقاضي أن يزوج بالولاية العامة وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يجوز ، وذكر الماوردي وجها ثالثا أنه يجوز للإمام دون القاضي ، وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب والدارمي وآخرون . وهل يجوز كون المحرم شاهدا في العقد وينعقد بحضوره فيه وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : باتفاق المصنفين يجوز ، وينعقد به ، وهذا هو المنصوص في الأم ، وقول عامة أصحابنا المتقدمين ، والثاني : لا يجوز ، ولا ينعقد قاله أبو سعيد الإصطخري برواية جاءت : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يشهد وبالقياس على الولي . وأجاب الأصحاب عن الرواية بأنها ليست ثابتة ، وعن القياس بالفرق من وجهين أحدهما : أن الولي متعين كالزوج بخلاف الشاهد ، والثاني : أن الولي له فعل في العقد بخلاف الشاهد ، والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ويجوز له خطبة المرأة لكن يكره للحديث فإن قيل : كيف قلتم : يحرم التزوج والتزويج وتكره الخطبة وقد قرن بين الجميع في الحديث قلنا : لا يمتنع مثل ذلك كقوله تعالى : كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده والأكل مباح والإيتاء واجب قال الماوردي وغيره : ويكره أيضا للحلال خطبة محرمة ليتزوجها بعد إحلالها ولا نحرم بخلاف خطبة المعتدة وفرق الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما أن المحرمة متمكنة من تعجيل تحللها في وقته والمعتدة لا يمكنها تعجيل ، فربما غلبتها الشهوة فأخبرت بانقضاء عدتها قبل وقتها ، والله أعلم .
قال البندنيجي وغيره : ويكره للمحرم أن يخطب لغيره ، قال : هو وغيره : ويجوز أن تزف إليه امرأة عقد عليها قبل الإحرام ، وتزف المحرمة قال الشافعي والأصحاب : ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلة ، سواء أطلقها في الإحرام أو قبله ، ذكره المصنف . هذا هو الصواب وهو نص الشافعي في كتبه وبه قطع المصنف والعراقيون ، وذكر الخراسانيون وجهين أصحهما : هذا والثاني : أنه لا تصح الرجعة بناء على اشتراط الشهادة على أحد القولين ، والصواب الأول والله أعلم . قال أصحابنا : وفي تأثير الإحرام وجهان أحدهما : سلب الولاية ونقلها إلى الأبعد كما لو جن وأصحهما : مجرد الامتناع دون زوال الولاية لبقاء الرشد والنظر ، فعلى هذا يزوجها السلطان والقاضي كما لو غاب الولي قال أصحابنا : ويستوي في هذا كله الإحرام بالحج أو العمرة ، والإحرام الصحيح والفاسد نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه العراقيون وجماعات من غيرهم جماعة من الخراسانيين أن الفاسد لا يمنع . فرع : من فاته الحج ، هل يصح نكاحه قبل التحلل بعمل غيره فيه وجهان حكاهما الحناطي أصحهما : المنع لأنه محرم . فرع : إذا وكل حلال حلالا في التزويج ثم أحرم أحدهما أو المرأة ففي انعزال الوكيل وجهان أصحهما : لا ينعزل ، فيتزوج بعد التحلل بالوكالة السابقة وهذا هو المنصوص في الأم وفرق الماوردي والقاضي أبو الطيب والأصحاب بينه وبين الصبي إذا وكل في تزويجه ، ثم بلغ فزوجه الوكيل لا يصح لأن المحرم له عبادة وإذن صحيح بخلاف الصبي وليس للوكيل الحلال أن يزوج قبل تحليل الموكل هذا هو الصواب المعروف في المذهب ، ونقل الغزالي في الوجيز فيه وجها أنه يجوز ، وهو غلط قال الرافعي : وهذا الوجه لم أره لغيره ، ولا له في الوسيط أما إذا وكله في حال إحرام الوكيل أو الموكل أو المرأة نظر إن وكله ليعقد في الإحرام لم يصح بلا خلاف ، لأنه إنما أذن له فيما لا يصح منه وإن قال : أتزوج بعد التحلل أو أطلق صح ، لأن الإحرام يمنع انعقاد النكاح دون الإذن . قال الرافعي : ومن ألحق الإحرام بالجنون لم يصححه ولو قال : إذا حصل التحلل فقد وكلتك ، فهذا تعليق الوكالة وفيها خلاف مشهور إن صححناه صح وإلا فلا قال أصحابنا : وإذن المرأة في حال إحرامها على هذا التفصيل المذكور في الوكيل ولو وكل حلال محرما ليوكل حلالا بالتزويج ففي صحته وجهان الأصح الصحة وبه قطع الفوراني وغيره ، لأنه سفير محض ليس إليه من العقد شيء قال أصحابنا ويصح تزويج وكيل المصلي بخلاف وكيل المحرم لأن عبارة المحرم غير صحيحة ، وعبارة المصلي صحيحة ، ولهذا لو زوجها في صلاته ناسيا صح النكاح والصلاة ، والله أعلم . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لو أحرم رجل ثم أذن لعبده في التزويج ، قال أبو الحسن بن المرزبان . قال ابن القطان : الإذن باطل ولا يصح نكاح العبد لأنه لا يصح نكاحه إلا بإذن سيده وسيده لا يصح تزوجه ولا تزويجه في حال إحرامه ، فلم يصح إذنه قيل : لابن القطان : فلو أذنت محرمة لعبدها في النكاح فقال : لا يجوز وهي كالرجل . قال ابن المرزبان : وعندي في المسألتين نظر هذا آخر نقل القاضي أبي الطيب وحكى الدارمي كلام ابن القطان ثم قال : ويحتمل عندي الجواز في المسألتين . فرع : إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة وأسلمن وأحرم ، فله أن يختار في إحرامه أربعا منهن ، لأنه ليس نكاحا هذا هو المنصوص للشافعي ، وهو المذهب وبه قال جمهور الأصحاب ، وقيل : فيه قولان ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب نكاح المشرك وأوضح الخلاف فيها .
فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال ابن القطان : قال منصور بن إسماعيل الفقيه من أصحابنا في كتابه ( المستعمل ) : إذا وكل المحرم رجلا ليزوجه إذا حل من إحرامه صح ذلك وصح تزوجه بعد إحلاله . ولو وكل رجلا ليزوجه إذا أطلق إحدى زوجاته الأربع أو إذا طلق فلان زوجته أن يزوجها له لم يصح ، قال : والفرق بينه وبين وكيل المحرم أن وكيل المحرم ليس بينه وبين العقد مانع سوى الإحرام ، ومدته معلومة وغايته معروفة ، وفي المسألتين الأخيرتين بينه وبين العقد مدة ليس لها غاية معروفة ، قال ابن القطان : ولا فرق بين المسائل الثلاث عندي ، فيصح التوكيل في الجميع أو لا يصح في الجميع . هذا ما نقله القاضي أبو الطيب فأما مسألة الإحرام فقد سبق أن الصحيح فيها الصحة ، وبها قطع الجمهور ، وأما المسألتان الأخيرتان ففيها وجهان سنوضحهما في كتاب الوكالة إن شاء الله تعالى أصحهما : بطلان الوكالة والإذن ، ولا يصح التزويج . فرع : إذا تزوج بنفسه أو تزوج له وكيله وأحرم ، ثم اختلف الزوجان ، هل كان النكاح في حال الإحرام أم قبله فإن كانت بينة عمل بها فإن لم تكن فادعى الزوج أنه وقع قبل الإحرام ، وادعت وقوعه في الإحرام فالقول قول الرجل بيمينه ، لأن الظاهر معه ، وهو ظاهر قوي فوجب تقديمه ، وإن ادعت وقوعه قبل الإحرام وادعى الرجل وقوعه في الإحرام ، فالقول قولها بيمينها في وجوب المهر وسائر مؤن النكاح ، ويحكم لانفساخ النكاح لإقرار الزوج بتحريمها ، فإن كان قبل الدخول وجب نصف المهر وإلا فجميعه ، وهذا كله مشهور في كتب الأصحاب ، صرح به الدارمي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وصاحب الشامل وخلائق . قال صاحبا الشامل و البيان وآخرون : فلو لم يدع الزوجان شيئا ، وشكا هل وقع العقد في الإحرام أم قبله قال الشافعي رحمه الله : النكاح صحيح في الظاهر ، فلهما البقاء عليه لأن الظاهر ، صحته قال : والورع أن يفارقها بطلقة لاحتمال وقوعه في الإحرام ، وإنما قال الشافعي : يطلقها طلقة لتحل لغيره بيقين ، وحكى الدارمي هذا عن نص الشافعي كما ذكره الأصحاب ، ثم قال : وخرج أصحابنا قولا أن النكاح باطل بناء على مسألة من قد ملفوفا ، وفيها قولان في كتاب الجنايات ، قال الدارمي : ولو قال الرجل : وقع العقد في الإحرام فقالت : لا أدري حكم ببطلانه لإقراره ، ولا مهر لها ، لأنها لا تدعيه والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في نكاح المحرم . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح تزوج المحرم ولا تزويجه ، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وسليمان بن بشار والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم . وقال الحكم والثوري وأبو حنيفة : يجوز أن يتزوج ويزوج ، واحتجوا بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : تزوج ميمونة وهو محرم رواه البخاري ومسلم وبالقياس على استدامة النكاح على الخلع والرجعة ، والشهادة على النكاح ، وشراء الجارية ، وتزويج السلطان في إحرامه واحتج أصحابنا بحديث عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح ولا ينكح رواه مسلم . فإن قيل : المراد بالنكاح الوطء فالجواب من والمراد بالنكاح في هذه المواضع وشبهها العقد دون الوطء وأما قوله تعالى : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، وقوله تعالى : الزاني لا ينكح إلا زانية فإنما حملناه على الوطء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : حتى تذوقي عسيلته .
الجواب الثاني : أنه يصح حمل قوله صلى الله عليه وسلم : ولا ينكح على الوطء ، فإن قالوا : المراد لا يطأ ولا يمكن غيره من الوطء قلنا : أجمعنا على أن المحرم يجوز له أن يمكن غيره من الوطء ، وهو إذا زوج بنته حلالا ثم أحرم فإنه يلزمه أن يمكن الزوج من الوطء بتسليمها إليه . الجواب الثالث : أن في هذا الحديث : لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب والخطبة تراد للعقد وكذلك النكاح ، قالوا : يحمل ولا يخطب على أنه لا يخطب الوطء بالطلب والاستدعاء والجواب : أن الخطبة المقرونة بالعقد لا يفهم منها إلا الخطبة المشهورة ، وهي طلب التزويج . والجواب الرابع : أنه ثبت عن قتيبة بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر ابنه شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر ذلك وهما محرمان ، فأنكر ذلك عليه أبان وقال : سمعت عثمان بن عفان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه مسلم في صحيحه ، وهذا السبب والاستدلال منهم وسكوتهم عليه يدل على سقوط هذا التأويل وعن أبي غطفان بن طريف المري أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم ، فرد عمر بن الخطاب نكاحه رواه مالك في الموطأ ، وروى البيهقي بأسناده عن سعيد بن المسيب : أن رجلا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما ولأنه نكاح لا يعقبه استباحة الوطء ولا القبلة ، فلم يصح كنكاح المعتدة ، ولأنه عقد يمنع الإحرام من مقصوده فمنع أصله كشراء الصيد . وأما الجواب عن حديث ابن عباس في نكاح ميمونة فمن أوجه أحدها : أن الروايات اختلفت في نكاح ميمونة ، فروى يزيد بن الأصم عن ميمونة وهو ابن أختها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال رواه مسلم وعن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا وبنى بها حلالا ، وكنت الرسول بينهما رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، قال أصحابنا : وإذا تعارضت الروايات تعين الترجيح ، فرجحنا رواية الأكثرين أنه تزوجها حلالا ، الوجه الثاني : أن الروايات تعارضت فتعين الجمع ، وطريق الجمع تأويل حديث ابن عباس أو قوله : محرما أي في الحرم فتزوجها في الحرم وهو حلال أو تزوجها في الشهر الحرام ، وهذا شائع في اللغة والعرف ، ويتعين التأويل للجمع بين الروايات . الثالث : الترجيح من وجه آخر وهو أن رواية تزوجها حلالا من جهة ميمونة ، وهي صاحبة القصة ، وأبي رافع ، وكان السفير بينها ، فهما أعرف فاعتماد روايتهما أولى . الرابع : أنه لو ثبت أنه تزوجها صلى الله عليه وسلم محرما لم يكن لهم فيه دليل ، لأن الأصح عند أصحابنا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج في حال الإحرام وهو قول أبي الطيب بن سلمة وغيره من أصحابنا والمسألة مشهورة في الخصائص من أول كتاب النكاح . وأما الجواب عن أقيستهم كلها فهو أنها كلها ليست نكاحا وإنما ورد الشرع بالنهي عن النكاح وعن قياسهم على الإمام أن الأصح عندنا أر يصح تزويجه لعموم الحديث ، وقد سبق بيان هذا وإن قلنا بالضعيف : أنه يجوز ، فالفرق بقوة ولايته ، والله أعلم . فرع : إذا تزوج المحرم فنكاحه باطل عندنا وعند الجمهور ، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق . وقال مالك وأحمد : يجب تطليقها لتحل لغيره بيقين ، لشبهة الخلاف في صحة النكاح دليلنا أن العقد الفاسد غير منعقد ، فلا يحتاج في إزالته إلى فسخ كالبيع الفاسد وغيره ، وفي هذا جواب عن دليلهم .
فرع : قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا صحة رجعة المحرم ، وبه قال مالك والعلماء إلا أحمد في أشهر الروايتين عنه دليلنا أنها ليست بنكاح ، وإنما نهى الشرع عن النكاح ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج ، لأنه إذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهى أدعى إلى الوطء أولى ، وتجب به الكفارة ، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما ولأنه فعل محرم في الإحرام فوجبت به الكفارة كالجماع . + الشرح : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يحرم على المحرم المباشرة بشهوة كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد بشهوة قبل التحللين ، وفيما بين التحللين خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف فيما يحل بالتحلل الأول إن شاء الله تعالى . ومتى ثبت التحريم فباشر عمدا بشهوة لزمته الفدية ، وهي شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام ، ولا يلزمه البدنة بلا خلاف ، سواء أنزل أم لا . وإنما تجب البدنة في الجماع ، ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف سواء أنزل أم لا . هذا كله إذا باشر عالما بالإحرام ، فإن كان ناسيا فلا فدية بلا خلاف ، لأنه استمتاع محض تجب فيه الفدية مع النسيان كالطيب واللباس بحلاف جماع الناسي على قول ضعيف ، لأنه في معنى الاستهلاك . ولو باشر دون الفرج ثم جامع هل تندرج الشاة أم يجبان معا فيه وجهان . وأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف وينكر على المصنف كونه لم ينبه عليه كما نبه عليه الأصحاب ، وكما نبه عليه هو في التنبيه . وأما قول الغزالي في الوسيط والوجيز : تحرم كل مباشرة تنقض الوضوء فغلطوه فيه ، واتفقوا على أنه سهو وليس وجها ، وسبب التغليط أنه قال : مباشرة تنقض الوضوء فتدخل فيه المباشرة بغير شهوة ، وليست محرمة بلا خلاف والله أعلم . وأما الاستمناء باليد فحرام بلا خلاف لأنه حرام في غير الإحرام ففي الإحرام أولى . فإن استمنى المحرم فأنزل فهل تلزمه الفدية فيه وجهان الصحيح : المشهور لزومها ، وله قطع الماوردي وقطع به المصنف في الباب الذي بعدها ، وقطع به أيضا المصنف في التنبيه وآخرون ، لأنه مباشرة محرمة فأشبه مباشرة المرأة والثاني : لا فدية حكاه إمام الحرمين عن حكاية العراقيين وحكاه أيضا الفوراني والقاضي حسين والمتولى والبغوي وآخرون ، لأنه استمتاع ينفرد به فأشبه الإنزال بالنظر فإنه لا فدية فيه ، قال البغوي : ويجري الوجهان في تقبيل الغلام بالشهوة الأصح : وجوب الفدية ، والثاني : لا ، قلت : والصواب في الغلام القطع بالوجوب لأنها مباشرة لغيره ، وهي حرام ، فأشبهت مباشرة المرأة بخلاف الاستمناء ، فإنه ليس مباشرة لغيره ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير ، فلا يجوز له أخذه لقول تعالى : وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما . فإن أخذه لم يملكه بالأخذ . لأن ما منع من أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه ، كما لو غصب مال غيره فإن كان الصيد لآدمي وجب رده إلى مالكه ، وإن كان من المباح وجب إرساله في موضع يمتنع على من يأخذه ، لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغضوب ، وإن هلك عنده وجب عليه الجزاء ، لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي ، فإن خلص صيدا من فم سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لأنه قصد الصلاح قال الشافعي رحمه الله ولو قيل : يضمن لأنه تلف في يده كان محتملا ، ويحرم عليه قتله ، فإن قتله عمدا وجب عليه الجزاء لقوله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وإن قتله خطأ وجب عليه الجزاء لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه كمال الآدمي ولأنه كفارة تجب القتل فاستوى فيه الخطأ والعمد ككفارة القتل . وإن كان الصيد مملوكا لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة ، وقال المزني : لا يجب الجزاء في الصيد المملوك ، لأنه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد ، والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ، ويحرم عليه جرحه لأن ما منع من إتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي ، فإن أتلف جزءا منه ضمنه بالجزاء لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمنت أجزاؤه كالآدمي ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة : لا ينفر صيدها وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام ، فإن نفره فوقع في بئر فهلك ، أو نهشته حية ، أو أكله سبع ، وجب عليه الضمان ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طائر فخاف أن ينجسه فطيره ، فنهشته حية فقال : طير طردته حتى نهشته الحية ، فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا بشاة ولأنه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بئرا أو نصب له أحبولة فهلك بها . ويحرم عليه أن يعين على قتله بدلالة أو إعارة آلة ، لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله كالآدمي . وإن أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة فقتل لم يجب عليه الجزاء ، لأن ما لا يلزمه حفظه ، لا يضمنه ، بالدلالة على إتلافه كمال الغير . + الشرح : أما قوله صلى الله عليه وسلم في مكة : ولا ينفر صيدها فرواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فرواه الشافعي والبيهقي . وفي إسناده رجل مستور ، والرجلان اللذان حكما على عمر هما عثمان ونافع بن عبد الحارث الصحابي ، قوله : ما منع من أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه ، قال القلعي : قوله لحق الغير احتراز ممن رأى صيدا في لجة البحر أو في مهلكة أخرى ، بحيث يغلب على ظنه أنه لو كان عالج أخذه لهلك دونه ، فإنه ممنوع من أخذه ، فلو خاطر بنفسه وأخذه ملكه ، قال : ومع هذا فهذه العلة منتقضة بمن سبق إلى معدن ظاهر ، أو إلى شيء من المباحات ، فإنه أحق به فلا يجوز لغيره مزاحمته فيه قبل قضاء وطره ، فإن زاحمه فيه غيره وأخذه ملكه بالأخذ مع كونه ممنوعا من أخذه لحق الغير .
قوله : لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده كالمغصوب قال القلعي : قوله : لحق الغير يحتزز ممن غصب خمرا من مسلم على قصد شربها فإنه يجب عليه أخذها لحق الله تعالى لا لحق الآدمي ، ثم لا يجب ردها على المغصوب منه ، بل تجب إراقتها ، قوله : لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي ، احترز ممن خاطر بنفسه في أخذ صيد من مهلكة يغلب على ظنه الهلاك إذا عالج أخذه بأن كان في مسبعة أو لجة ونحو ذلك فإنه يحرم أخذه لحق نفسه لا لحق غيره فإذا أخذه ملكه ولا يضمنه ومع هذا فهذه العلة منتقضة بالحربي إذا أتلف مال مسلم وبالعبد إذا أخذ مال سيده فأتلفه ، فإنه ما حرم أخذه لحق الغير ولا يضمنه بالبدل فكان ينبغي أن يقول : والأخذ من أهل الضمان في حقه ليحترز من الحربي والعبد كما قال المصنف مثل هذا في أول باب الغضب . قوله : لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه ، احترز بالمال من ضمان القصاص ومع هذا فهذه العلة منتقضة بمن قتل من تترس به المشركون من النساء والصبيان ، فإنه يضمنه بالكفارة إن قتله عمدا ، ولا يضمن إن قتله خطأ . قوله : لأنه كفارة تجب بالقتل فاستوى فيه الخطأ والعمد ، احترز بقوله : بالقتل من الطيب واللباس ، فإن الكفارة تجب في العمد ، ومع هذا فهو منتقض بمن تترس به المشركون كما ذكرناه في الاحتراز الذي قبله ، قوله : لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمنت أجزاؤه ، احترز بالبدل عن الكفارة فإنها تجب بقتل النفس دون قطع الطرف ، ومع هذا فهذا مننتقض بالعارية فإنه يضمن جميعها بالبدل ولا يضمن أجزاءها الناقصة بالاستعمال ، فكان ينبغي أن يقول : وما ضمن جميعه بالبدل ولم يؤذن في إتلاف أجزائه ضمنت أجزاؤه قوله : وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام ، يعني لاشتراكهما في تحريم الاصطياد والإحرام أولى ، لأن حرمته آكد ، ولهذا يحرم فيه الطيب والباس والنكاح وغيرها بخلاف الحرم . قوله : دخل دار الندوة هي بفتح النون وإسكان الدال المهملة وفتح الواو وهي دار معروفة بمكة ، كانت منزل قصي بن كلاب جد جد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، ثم صارت قريش تجتمع فيها للمشاورة ونحوها ، إذا عرض لهم أمر مهم ، قال الأزرقي في تاريخ مكة : سميت بذلك لاجتماع الندي فيها يتشاورون ، ويبرمون أمرهم والندى بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء الجماعة ينتدون أي يتحدثون قال الأزرقي والحازمي وغيرهما : وقد صارت دار الندوة في المسجد الحرام وهي في جانبه الشمال ، قال الماوردي في الأحكام السلطانية : أول دار بنيت بمكة دار الندوة والله أعلم . قوله : نصب أحبولة هي بضم الهمزة والباء وهي المصيدة بكسر الميم والمشهور في اللغة فيها حبالة بكسر الحاء ، وقوله : بدلالة هي بكسر الدال وفتحها ويقال : دلولة بضمها ثلاث لغات سبق بيانهن ، قوله : لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه ، احتراز من الوديعة عنده ، فإنه لو دل عليها ضمنها ، والله أعلم .