Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
واحتج لأبي حنيفة بحديث عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المحرم إذا لم يكن على رأسه شعر يمر الموسى على رأسه قالوا ولأنه حكم تعلق بالرأس ، فإذا فقد الشعر انتقل الوجوب إلى نفس الرأس كالمسح في الوضوء ، ولأنها عبادة تجب الكفارة بإفسادها فوجب التشبيه في أفعالها ، كالصوم فيما إذا قامت بينة في أثناء يوم الشك برؤية الهلال . واحتج أصحابنا بأنه فرض تعلق بجزء من الآدمي فسقط بفوات الجزء ، كغسل اليد في الوضوء فإنه يسقط بقطعها . فإن قيل الفرض هناك متعلق باليد ، وقد سقطت ، وهنا متعلق بالرأس وهو باق قلنا : بل الفرض متعلق بالشعر فقط ولهذا لو كان على بعض رأسه شعر دون بعض لزمه الحلق في الشعر ولا يكفيه الاقتصار على إمرار الموسى على ما لا شعر عليه ، ولو تعلق الفرض عليه لأجزأه . والجواب عن حديث ابن عمر أنه ضعيف ظاهر الضعف ، قال الدارقطني وغيره : لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو مروي موقوفا على ابن عمر قلت : وهو موقوف ضعيف أيضا كما سبق بيانه ، ولو صح لحمل على الندب ، والجواب عن قياسهم على المسح في الوضوء من وجهين أحدهما : أن الفرض هناك تعلق بالرأس . قال الله تعالى : وامسحوا برؤوسكم وهنا تعلق بالشعر بدليل ما قدمناه قريبا . والثاني : أنه إذا مسح بشعر الرأس سمي ماسحا فلزمه ، وإذا أمر الموسى لا يسمى حالقا . وأما الجواب عن قياسهم على الصوم فهو أنه مأمور بإمساك جميع النهار فبقيته بعض ما تناوله الأمر ، وهنا إنما هو مأمور بإزالة الشعر ، ولم يبق شيء منه . والله تعالى أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الواجب من الحلق أو التقصير عندنا ثلاث شعرات وبه قال أبو ثور . وقال مالك وأحمد : يجب أكثر الرأس . وقال أبو حنيفة يجب ربعه ، وقال أبو يوسف : نصفه . احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق جميع رأسه . وقال صلى الله عليه وسلم : لتأخذوا عني مناسككم وهو حديث صحيح كما سبق مرات . قالوا : ولأنه لا يسمى حالقا بدون أكثره . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : محلقين رؤوسكم والمراد شعور رءوسكم ، والشعر أقله ثلاث شعرات ، ولأنه يسمى حالقا ، يقال حلق رأسه وربعه وثلاث شعرات منه فجاز الاقتصار على ما يسمى حلق شعر ، وأما حلق النبي صلى الله عليه وسلم جميع رأسه فقد أجمعنا على أنه للاستحباب ، وأنه لا يجب الاستيعاب ، وأما قولهم : لا يسمى حلقا بدون أكثره فباطل ، لأنه إنكار للحس واللغة والعرف والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه يستحب في الحلق أن يبدأ بالشق الأيمن من رأس المحلوق وإن كان على يسار الحالق . وقال أبو حنيفة : يبدأ بالشق الأيسر ليكون على يمين الحالق ، وهذا منابذ لحديث أنس الذي ذكره المصنف وبيناه . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه لو قدم الحلق على الذبح جاز ولا دم عليه ولو قدم الحلق على الرمي فالأصح أيضا أنه يجوز ولا دم عليه ، وقال أبو حنيفة : إذا قدم الحلق على الذبح لزمه دم إن كان قارنا أو متمتعا ولا شيء على المفرد ، وقال مالك إذا قدمه على الذبح فلا دم عليه ، وإن قدمه على الرمي لزمه الدم .
وقال أحمد : إن قدمه على الذبح أو الرمي جاهلا أو ناسيا فلا دم ، وإن تعمد ففي وجوب الدم روايتان عنه ، وعن مالك روايتان فيمن قدم طواف الإفاضة على الرمي إحداهما : يجزئه الطواف ، وعليه دم والثانية : لا يجزئه ، وقال سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وقتادة ورواية ضعيفة عن ابن عباس عليه الدم متى قدم شيئا على شيء من هذه ، دليلنا الأحاديث الصحيحة السابقة ( لا حرج ) ولم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين عالم وجاهل ( فإن قالوا ) المراد لا إثم لكونه ناسيا قلنا : ظاهره لا شيء عليه مطلقا ، وأجمعوا على أنه لو نحر قبل الرمي لا شيء عليه والله أعلم . فرع : ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن من لبد رأسه ولم ينذر حلقه لا يلزمه حلقه ، بل يجزئه التقصير كما لو لم يلبد ، وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة . وأوجب الحلق عمر بن الخطاب وابنه والثوري ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء . فرع : قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه قلم أظفاره ، قال : وكان ابن عمر يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره إذا رمي الجمرة ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والسنة أن يخطب الإمام يوم النحر بمنى ، وهي إحدى الخطب الأربع ، يعلم الناس الرمي والإفاضة وغيرهما من المناسك لما روى ابن عمر قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد رمية الجمرة ، فكان في خطبته : إن هذا يوم الحج الأكبر ولأن في هذا اليوم وما بعده مناسك يحتاج إلى العلم بها فسن فيها الخطبة لذلك . + الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري بمعناه ، وقد سبق بيانه مع أحاديث كثيرة صحيحة في إثبات خطبة يوم النحر ، ذكرناها عند ذكر خطبة اليوم السابع ، وذكرنا هناك أدلة الخطب الأربع مبسوطة وفروعها ومذاهب العلماء فيها ، وهذا الذي قاله المصنف في هذا الفصل متفق عليه . ولم يبين متى تكون هذه الخطبة من يوم النحر وقد سبق أنها تكون بعد صلاة الظهر ، هكذا قاله الشافعي والأصحاب ، واتفقوا عليه ، وهو مشكل لأن المعتمد في هذه الخطبة الأحاديث الواردة فيها ، والأحاديث مصرحة بأن هذه الخطبة كانت ضحوة يوم النحر لا بعد الظهر وجوابه : قال أصحابنا ويستحب لكل أحد من الحجاج حضور هذه الخطبة ، ويستحب لهم وللإمام الاغتسال لها ، والتطيب إن كان قد تحلل التحللين أو الأول منهما ، والله أعلم . وهذه الخطبة تكون بمنى هكذا نصه عليه الشافعي والمصنف والأصحاب في جميع الطرق ، وحكى الرافعي وجها شاذا أن هذه الخطبة تكون بمكة ، وهذا فاسد مخالف للنقل والدليل .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يفيض إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة ، لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمي الجمرة ثم ركب وأفاض إلى البيت وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به ، والأصل فيه قوله عز وجل : وليطوفوا بالبيت العتيق وروت عائشة أن صفية رضي الله عنهما حاضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أحابستنا هي قلت : يا رسول الله إنها قد أفاضت ، قال : فلا إذا فدل على أنه لا بد من فعله ، وأول وقته إذا انتصفت ليلة النحر ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة ( رض ) يوم النحر فرمت قبل الفجر ثم أفاضت والمستحب أن يطوف يوم النحر لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم النحر فإن أخره إلى ما بعده وطاف جاز ، لأنه أتى به بعد دخول الوقت . + الشرح : حديث جابر رواه مسلم ، وحديث عائشة الأول في قصة صفية رواه البخاري ومسلم وأما : حديثها الآخر في قصة أم سلمة وأما : قوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم النحر فصحيح رواه مسلم من رواية ابن عمر ، ومن رواية جابر والله أعلم . أما أحكام الفصل : فالسنة إذا رمى وذبح وحلق أن يفيض إلى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة ، وقد سبق في أوائل الباب أنه له خمسة أسماء وقد سبقت كيفية الطواف ، وسبق بيان التفصيل والخلاف في أنه يرمل ويضطبع في هذا الطواف أم لا وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به بإجماع الأمة ، قال الأصحاب : ويدخل وقت هذا الطواف من نصف ليلة النحر ، ويبقى إلى آخر العمر ، ولا يزال محرما حتى يأتي به ، والأفضل طوافه يوم النحر وأن يكون قبل الزوال في الضحاء بعد فراغه من الأعمال الثلاثة وهي الرمي والذبح والحلق . قال أصحابنا : ويستحب أن يعود إلى منى قبل صلاة الظهر فيصلي الظهر بمنى قال أصحابنا : ويكره تأخير الطواف عن يوم النحر وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة ، وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة ، ومن لم يطف لا يحل له النساء وإن مضت عليه سنون . قال أصحابنا : ولو طاف للوداع ، ولم يكن طاف الإفاضة وقع عن طواف الإفاضة وأجزأه ، وقد سبقت المسألة واضحة في فصل طواف القدوم ، قال أصحابنا : فإذا طاف فإن لم يكن سعي بعد طواف القدوم لزمه السعي بعد طواف الإفاضة ، ولا يزال محرما حتى يسعى ، ولا يحصل التحلل الثاني بدونه وإن كان سعي بعد طواف القدوم لم يعده بل تكره إعادته كما سبق في فصل السعي ، والله تعالى أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه لا آخر لوقت طواف الإفاضة ، بل يصح ما دام حيا لكن يكره تأخيره عن يوم النحر ، فإذا أخره عن أيام التشريق ، قال المتولي : يكون قضاء ، قال الرافعي : ومقتضى كلام الأصحاب أنه لا يكون قضاء ، بل يقع أداء لأنهم قالوا : ليس هو بمؤقت ، وهذا كما قاله الرافعي .
فرع : قد ذكرنا أنه يدخل وقت طواف الإفاضة بنصف ليلة النحر ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، قال القاضيان أبو الطيب وحسين في تعليقهما وصاحب البيان وغيرهم : ليس للشافعي في ذلك نص إلا أن أصحابنا ألحقوه بالرمي في إبتداء وقته وأما : وقت الفضيلة لطواف الإفاضة فقد ذكرنا أنه ضحوة يوم النحر ، وهذا هو الصحيح المشهور الذي تظاهرت به الأحاديث الصحيحة ، وقطع به جمهور الأصحاب ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : في الوقت المستحب وجهان لأصحابنا أحدهما : ما بين طلوع الشمس يوم النحر وزوالها ، لحديث ابن عمر وجابر اللذين سنذكرهما إن شاء الله تعالى في الفرع بعده والثاني : ما بين طلوعها وغروبها . فرع : قال الشافعي والماوردي والأصحاب : إذا فرغ من طوافه استحب أن يشرب من سقاية العباس ، لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعد الإفاضة إليهم وهم يسقون على زمزم فناولوه دلوا فشرب منه رواه مسلم . فرع : قد ذكرنا أن الأفضل أن يطوف الإفاضة قبل الزوال ، ويرجع إلى منى فيصلي بها الظهر ، هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الجمهور ، ونقله الروياني في البحر عن نص الشافعي في الإملاء . وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه فيه وجهين أحدهما : هذا والثاني : الأفضل أن يمكث بمنى حتى يصلي بها الظهر مع الإمام ، ويشهد الخطبة ثم يفيض إلى مكة فيطوف ، واستدل هذا القائل بحديث عائشة الذي سنذكره إن شاء الله تعالى ، واختار القاضي أبو الطيب بعد حكايته هذين الوجهين وجها ثالثا أنه إن كان في الصيف عجل الإفاضة لاتساع النهار ، وإن كان شتاء أخرها إلى ما بعد الزوال لضيقه ، هذا كلامه ، والصواب الأول . وقد صح في هذه المسألة أحاديث متعارضة يشكل على كثير من الناس الجمع بينها حتى إن ابن حزم الظاهري صنف كتابا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأتى فيه بنفائس واستقصى وجمع بين طرق الأحاديث في جميع الحج ، ثم قال : ولم يبق شيء لم يبن لي وجهه إلا الجمع بين هذه الأحاديث ، ولم يذكر شيئا في الجمع بينها وأنا أذكر طرقها ثم أجمع بينها إن شاء الله تعالى فمنها : حديث جابر الطويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر إلى البيت فصلى بمكة الظهر رواه مسلم . وعن نافع عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى . قال نافع : وكان ابن عمر يفيض يوم النحر ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى رواه مسلم . وعن عبد الرحمن بن مهدي قال : حدثنا سفيان يعني الثوري عن ابن الزبير عن عائشة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر إلى الليل رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن . وذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم فقال : وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبي صلى الله عليه وسلم الطواف إلى الليل . قال البيهقي : وقد سمع أبو الزبير من ابن عباس وفي سماعه من عائشة نظر .
قاله البخاري قال البيهقي : وقد روينا عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت وحججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضنا يوم النحر قال وروى محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى ورواه عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأصحابه فزاروا البيت ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وإلى هذا ذهب عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف على ناقته ليلا قال البيهقي وأصح هذه الروايات حديث ابن عمر وحديث جابر وحديث أم سلمة عن عائشة . هذا كلام البيهقي . قلت : فالظاهر أنه صلى الله عليه وسلم أفاض قبل الزوال وطاف وصلى بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى إماما لأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين ، مرة بطائفة ومرة بطائفة أخرى ، فروى جابر صلاته بمكة وابن عمر بمنى ، وهما صادقان ، وحديث أم سلمة عن عائشة محمول على هذا . وأما حديث أبي الزبير وغيره فجوابه من وجهين أحدهما : أن روايات جابر وابن عمر وأم سلمة عن عائشة أصح وأشهر وأكثر رواة ، فوجب تقديمها ولهذا رواها مسلم في صحيحه دون حديث أبي الزبير وغيره . والثاني : أنه يتأول قوله أخر طواف يوم النحر إلى الليل ، أي طواف نسائه ، ولا بد من التأويل للجمع بين الأحاديث فإن قيل : هذا التأويل يرده رواية القاسم عن عائشة في قوله وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا فجوابه لعله عاد للزيارة لا لطواف الإفاضة ، فزار مع نسائه ثم عاد إلى منى فبات بها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا لطواف الإفاضة خمسة أسماء منها : طواف الزيارة ولا كراهة في تسميته طواف الزيارة . هذا مذهبنا ، وبه قال أهل العراق . وقال مالك : يكره . دليلنا حديث عائشة في صحيح مسلم وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد من امرأته صفية مثل ما يريد الرجل ، فقالوا إنها حائض ، فقال إنها لحابستنا قالوا : يا رسول الله إنها قد زارت يوم النحر ، قال : فلتنفر معكن ومعناه قد طافت طواف الزيارة . وعن ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر طواف الزيارة إلى الليل رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ودلالته ظاهرة ، ودلالة الأول أنه لم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم ولأن الأصل عدم الكراهة حتى يثبت دليلها الشرعي . فرع : اختلف العلماء في يوم الحج الأكبر متى هو فقيل يوم عرفة ، والصحيح الذي قاله الشافعي وأصحابنا وجماهير العلماء وتظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة أنه يوم النحر ، وإنما قيل الحج الأكبر للاحتراز من الحج الأصغر وهو العمرة . هكذا أثبت في الحديث الصحيح . ومما يستدل به حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة يعني حجة أبي بكر الصديق رضي الله عنه سنة تسع من الهجرة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، ثم أردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمره أن يؤذن ليراه .
قال أبو هريرة : فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ليراه ، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، وكان حميد يقول : النحر يوم الحج الأكبر من أجل قول أبي هريرة رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ، ومعنى قول حميد إن الله أمر بهذا الأذان يوم الحج الأكبر فأذنوا به يوم النحر ، فدل على أنهم علموا أنه يوم الحج الأكبر المأمور بالأذان فيه في قوله تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر الآية ولأن معظم المناسك تفعل فيه ومن قال يوم عرفة احتج بالحديث السابق الحج عرفة ولكن حديث أبي هريرة يرده . ونقل القاضي عياض أن مذهب مالك أنه يوم النحر ، وأن مذهب الشافعي أنه يوم عرفة . وليس كما قال ، بل مذهب الشافعي وأصحابه أنه يوم النحر ، كما سبق ، والله أعلم . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن طواف الإفاضة لا آخر لوقته ، بل يبقى ما دام حيا ولا يلزمه بتأخيره دم ، قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا بينهم في أن من أخره وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم ، فإن أخره عن أيام التشريق فقد قال جمهور العلماء كمذهبنا : لا دم . ممن قاله عطاء وعمرو بن دينار وابن عيينة وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر ، وهو رواية عن مالك . وقال أبو حنيفة : إن رجع إلى وطنه قبل الطواف لزمه العود للطواف ، فيطوف وعليه دم للتأخير ، وهو الرواية المشهورة عن مالك ، دليلنا أن الأصل عدم الدم حتى يرد الشرع به ، والله أعلم ، وقد قدمنا في فصل طواف القدوم أنه لو طاف الإفاضة وترك من الطوافات السبع واحدة أو بعضها لا يصح طوافه ، حتى يكمل السبع بلا خلاف عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وسبق فيه بيان مذهب أبي حنيفة .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا رمي وحلق وطاف حصل له التحلل الأول والثاني ، وبأي شيء حصل له التحلل إن قلنا : إن الحلق نسك حصل له ( التحلل ) الأول باثنين من ثلاثة وهي الرمي والحلق والطواف ، وحصل له ( التحلل ) الثاني بالثالث . وإن قلنا : إن الحلق ليس بنسك حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين الرمي والطواف وحصل له التحلل الثاني بالثاني . وقال أبو سعيد الإصطخري : إذا دخل وقت الرمي حصل له التحلل الأول وإن لم يرم ، كما إذا فات وقت الرمي حصل له التحلل الأول وإن لم يرم ، والمذهب الأول لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء فعلق التحلل بفعل الرمي ، ولأن ما تعلق به التحلل لم يتعلق بدخول وقته كالطواف ، ويخالف إذا فات الوقت ، فإن بفوات الوقت يسقط فرض الرمي كما يسقط بفعله ، وبدخول الوقت لا يسقط الفرض فلم يحصل به التحلل . وفيما يحل بالتحلل الأول والثاني قولان أحدهما : وهو الصحيح ( أنه ) يحل بالأول جميع المحظورات إلا الوطء : وبالثاني يحل الوطء لحديث عائشة رضي الله عنها ( والقول الثاني أنه ) يحل بالأول كل شيء إلا الطيب والنكاح والاستمتاع بالنساء وقتل الصيد لما روى مكحول عن عمر ( رضي الله عنه ) لأنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب والصيد والصحيح هو الأول ، لأن حديث عمر مرسل ، ولأن السنة مقدمة عليه . هذا إذا كان قد سعى عقيب طواف القدوم ، فأما إذا لم يسع وقف التحلل على الطواف والسعي ، لأن السعي ركن كالطواف . + الشرح : أما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه أبو داود بإسناد ضعيف جدا من رواية الحجاج بن أرطأة وقال : هو حديث ضعيف . وقد روى النسائي بإسناده عن الحسن بن عبد الله القرني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ) هكذا رواه النسائي وابن ماجه مرفوعا وإسناده جيد إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا : يقال إن الحسن القرني لم يسمع ابن عباس ، ورواه البيهقي موقوفا عن ابن عباس . والله تعالى أعلم . وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فهو مرسل كما قال المصنف ، لأن مكحولا لم يدرك عمر ، فحديثه عنه منقطع ومرسل ، والله أعلم . أما أحكام الفصل : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : للحج تحللان أول وثان يتعلقان برمي جمرة العقبة والحلق وطواف . وأما النحر فلا مدخل له في التحلل فإن قلنا : الحلق نسك حصل التحلل الأول باثنين من الثلاثة ، فأي اثنين منها أتى بهما حصل التحلل الأول ، سواء كانا رميا وحلقا ، أو رميا وطوافا ، أو طوافا وحلقا ، ويحصل التحلل الثاني بالعمل الباقي من الثلاثة . وإن قلنا : الحلق ليس بنسك لم يتعلق به التحلل بل يحصل التحللان بالرمي والطواف أيهما فعله حصل به التحلل الأول ، ويحصل الثاني بالثاني . ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق فقد فات الرمي ولزمه بفواته الدم يصير كأنه رمي بالنسبة إلى حصول التحلل به وهل يتوقف تحلله على الإتيان يبدل الرمي فيه ثلاثة أوجه حكاها إمام الحرمين وغيره وأصحها : نعم لأنه قائم مقامه والثاني : لا إذ لا رمي والثالث : إن افتدى بالدم توقف ، وإن افتدى بالصوم فلا لطول زمنه . وأما إذا لم يرم ولم تخرج أيام التشريق فلا يجعل دخول وقت الرمي كالرمي في حصول التحلل .
هذا هو المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب ، وفيه وجه للأصطخري حكاه المصنف والأصحاب أن دخول وقت الرمي في حصول التحلل ، وقد ذكرنا المصنف دليله مع دليل المذهب . وحكى الرافعي وجها شاذا ضعيفا للداركي أنه إن قلنا الحلق نسك حصل التحللان جميعا بالحلق مع الطواف من غير رمي ، أو بالطواف والرمي ، ولا يحصل بالرمي والحلق إلا أحد التحللين . وحكى الرافعي وجها شاذا ضعيفا أنه يحصل التحلل الأول بالرمي فقط أو الطواف فقط ، وإن قلنا الحلق نسك . وحكى إمام الحرمين عن حكاية صاحب التقريب وجها أنا إذا لم نجعل الحلق نسكا حصل التحلل الأول بمجرد طلوع الفجر يوم النحر لوجود اسم اليوم . وهذه الأوجه كلها شاذة ضعيفة والمذهب ما قدمنا أولا . والحاصل أن المذهب الذي يفتي به أن التحلل يحصل باثنين من الثلاثة والثاني والثالث ، والله أعلم . قال أصحابنا : ولا بد من السعي مع الطواف إن لم يكن سعي بعد طواف القدوم . قال إمام الحرمين والأصحاب : فيعد الطواف والسعي سببا واحدا من أسباب التحلل ، فلو لم يرم ولكن طاف وحلق ولم يسع لم يحصل التحلل الأول لأن السعي كالجزء فكأنه ترك بعض المرات من الطواف ، وهذا لا خلاف فيه والله تعالى أعلم . وأما العمرة فليس لها إلا تحلل واحد بلا خلاف ، وهو بالطواف والسعي ويضم إليهما الحلق إن قلنا هو نسك ، وإلا فلا . قال أصحابنا : وإنما كان في العمرة تحلل ، وفي الحج تحللان ، لأن الحج يطول زمنه وتكثر أعماله ، بخلاف العمرة فأبيح بعض محرماته في وقت وبعضها في وقت . والله أعلم . قال أصحابنا : ويحل بالتحلل الأول في الحج اللبس والقلم وستر الرأس والحلق إن لم نجعله نسكا بلا خلاف ، ولا يحل الجماع إلا بالتحللين بلا خلاف ، والمستحب أن لا يطأ حتى يرمي أيام التشريق . وفي عقد النكاح والمباشر فيما دون الفرج بشهوة كالقبلة والملامسة قولان مشهوران . قال القاضي أبو الطيب : نص عليهما الشافعي في الجديد أصحهما : عند أكثر الأصحاب لا يحل إلا بالتحللين وأصحهما : عند المصنف والروياني يحل بالأول وقال الماوردي لا يحل بالأول المباشرة ، ويحل الصيد والنكاح والطيب في أصح القولين ، قال : وهو الجديد ، ويحل الصيد بالأول على الأصح من القولين باتفاقهم وأما : الطيب فالمذهب القطع بحله بالتحلل الأول ، بل قال أصحابنا هو مستحب بين التحللين للحديث الذي سنذكره إن شاء الله تعالى ، وبهذا الطريق قطع المصنف والجمهور وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجي والماوردي والروياني وإمام الحرمين وآخرون فيه طريقين أصحهما : حله والثاني : على قولين كالصيد وعقد النكاح . وهذا باطل منابذ للسنة ، فقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت رواه البخاري ومسلم . فرع : في بيان حديث مشكل مخالف لما ذكرناه .
وهو ما رواه أبو داود في سننه قال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا : حدثنا ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق قال : حدثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه ، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة قالت كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فصار إلي فدخل على وهب بن زمعة ومعه رجل متقمصين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب : أفضت أبا عبد الله قال : لا والله يا رسول الله ، قال : انزع عنك القميص ، فنزعه من رأسه ، ونزع صاحبه قميصه من رأسه ، ثم قال : ولم يا رسول الله قال : إن هذا يوم رخص فيه لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا ( يعني من كل ما حرمتم منه ) إلا النساء ، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما كمبيتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به هذا لفظه ، وهذا الإسناد صحيح ، والجمهور على الإحتجاج بمحمد بن إسحاق إذا قال : حدثنا ، وإنما عابوا عليه التدليس ، والمدلس إذا قال : حدثنا احتج به ، وإذا ثبت أن الحديث صحيح فقد قال البيهقي : لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به ، هذا كلام البيهقي قلت : فيكون الحديث منسوخا ، دل الإجماع على نسخه ، فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ ، لكن يدل على ناسخ والله تعالى أعلم . فرع : ذكرنا أن في الحج تحللين ، هكذا قاله الأصحاب في جميع الطرق ، قال : القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال الشيخ أبو حامد : ليس فيه إلا تحلل واحد قال . وقولنا تحللان مجاز ، بل إذا رمي جمرة العقبة زال إحرامه ، وبقى حكمه ، فلا يجوز حتى يحلق ويطوف ، كما أن الحائض إذا انقطع دمها زال الحيض وبقي حكمه وهو تحريم وطئها حتى تغتسل ، قال أبو الطيب : هذا غلط لأن الطواف أحد أركان الحج ، فكيف يزول الإحرام وبعض الأركان باق والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا تحلل التحللين صار حلالا في كل شيء ، ويجب عليه الإتيان بما بقي من الحج وهو الرمي في أيام التشريق والمبيت لياليها بمنى مع أنه غير محرم كما يسلم التسليمة الثانية وإن كان قد خرج من الصلاة بالأولى .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا فرغ من الطواف رجع إلى منى ، وأقام بها أيام التشريق يرمي في كل يوم الجمرات الثلاث ، كل جمرة بسبع حصيات ، فيرمي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف ، ويقف قدر سورة البقرة يدعو الله عز وجل ، ثم يرمي الجمرة الوسطى ويقف ويدعو الله تعالى كما ذكرنا ، ثم يرمي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة ولا يقف عندها ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة حتى صلى الظهر ، ثم رجع إلى منى فأقام بها أيام التشريق الثلاث يرمي الجمار فرمى الجمرة الأولى إذا زالت الشمس بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، ثم يقف فيدعو الله تعالى ثم يأتي الجمرة الثانية فيقول مثل ذلك ، ثم يأتي جمرة العقبة فيرميها ، ولا يقف عندها . ولا يجوز أن يرمي الجمار في هذه الأيام الثلاثة إلا مرتبا يبدأ بالأولى ثم بالوسطى ثم بجمرة العقبة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمي هكذا ، وقال خذوا عني مناسككم فأن نسي حصاة ولم يعلم من أي الجمار تركها جعلها من الجمرة الأولى ، ليسقط الفرض بيقين ، ولا يجوز الرمي في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال ، لأن عائشة رضي الله عنها قالت أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام التشريق الثلاثة يرمي الجمار الثلاث حين تزول الشمس فإن ترك الرمي في اليوم الثالث سقط الرمي ، لأنه فات أيام الرمي ، ويجب عليه دم لقوله صلى الله عليه وسلم : من ترك نسكا فعليه دم . فإن ترك الرمي في اليوم الأول إلى اليوم الثاني أو ترك الرمي في اليوم الثاني إلى الثالث فالمشهور من المذهب أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد ، فما ترك في الأول يرميه في اليوم الثاني ، وما تركه في اليوم الثاني يرميه في اليوم الثالث والدليل عليه أنه يجوز لرعاة الإبل أن يؤخروا رمي إلى يوم بعده ، فلو لم يكن اليوم الثاني وقتا لرمي اليوم الأول لما جاز الرمي فيه ، وقال في الإملاء رمي كل يوم مؤقت بيومه ، والدليل عليه أنه رمى مشروع في يوم ، ففات بفواته كرمي اليوم الثالث ، فإن تدارك عليه رمي يومين أو ثلاثة أيام . فإن قلنا : بالمشهور بدأ ورمي عن اليوم الأول ثم عن اليوم الثاني ثم عن اليوم الثالث ، فإن نوى بالرمي الأول عن اليوم الثاني ففيه وجهان أحدهما : أنه لا يجزئه ، لأنه ترك الترتيب والثاني : أنه يجزئه عن الأول لأن الرمي مستحق عن اليوم الأول ، فانصرف إليه كما لو طاف بنية الوداع ، وعليه طواف الفرض فإن قلنا : بقوله في الإملاء : إن رمي كل يوم مؤقت بيومه وفات اليوم ولم يرم ففيه ثلاثة أقوال ، أحدها : أن الرمي يسقط ، وينتقل إلى الدم كاليوم الأخير والثاني : أنه يرمي ويريق دما للتأخير ، كما لو أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر ، فإنه يصوم ويفدي والثالث : أنه يرمي ولا شيء عليه ، كما لو ترك الوقوف بالنهار فإنه يقف بالليل ولا دم عليه ، فعلى هذا إذا رمي عن اليوم الثاني قبل اليوم الأول جاز ، لأنه قضاء فلا يجب فيه الترتيب كالصلاة الفائتة . فأما : إذا نسي رمي يوم النحر ففيه طريقان من : أصحابنا من قال : هو كرمي أيام التشريق ، فيرمي رمي يوم النحر في أيام التشريق . وتكون أيام التشريق وقتا له ، وعلى قوله في الإملاء يكون على الأقوال الثلاثة ، ومن أصحابنا من قال : يسقط رمي يوم النحر قولا واحدا ، لأنه لما خالف رمي أيام التشريق في المقدار والمحل خالفه في الوقت .
ومن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم لزمه دم لقوله صلى الله عليه وسلم : من ترك نسكا فعليه دم فإن ترك ثلاث حصيات فعليه دم لأنه يقع اسم الجمع المطلق عليه فصار كما لو ترك الجميع وإن ترك حصاة ففيه ثلاثة أقوال أحدها : يجب عليه ثلث دم والثاني : مد والثالث : درهم ، وإن ترك حصاتين لزمه في أحد الأقوال ثلثا دم ، وفي الثاني مدان ، وفي الثالث درهمان . وإن ترك الرمي في أيام التشريق وقلنا بالقول المشهور : إن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد لزمه دم كاليوم الواحد فإن قلنا : بقوله في الإملاء إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه ثلاثة دماء ، وإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق فإن قلنا : إن رمي يوم النحر كرمي أيام التشريق لزمه على القول المشهور دم واحد وإن قلنا : إنه ينفرد عن رمي أيام التشريق فإن قلنا : إن رمي أيام التشريق كرمي اليوم الواحد لزمه دمان وإن قلنا : إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء . + الشرح : حديث عائشة رضي الله عنها رواه أبو داود والبيقهي ، ولكنه من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بلفظه ، ولكن محمد بن إسحاق مدلس ، والمدلس إذا قال عن : لا يحتج بروايته ، ويغنى عنه حديث سالم عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على أثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يستهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ، ويدعو ويرفع يديه ، ثم يرمي الوسط ، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل ، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ، ويرفع يديه ويقوم طويلا ، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ، ولا يقف عندها ، ثم ينصرف فيقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله رواه البخاري في صحيحه في ثلاثة أبواب متوالية ، ورواه مالك والبيهقي وغيرهما وفي روايتهم فيقف عند الجمرتين الأوليين طويلا يكبر الله تعالى ويسبحه ، ويحمده ويدعو الله تعالى . وأما : حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رمي الجمار مرتبا فهو صحيح مشهور من رواية ابن عمر التي ذكرتها الآن ، ومن غيرها ، وأما حديث خذوا عني مناسككم فصحيح رواه مسلم من رواية جابر ، وسبق بيانه في هذا الباب مرات ، وأما حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام أيام التشريق يرمي الجمار إذا زالت الشمس فرواه أبو داود بإسناده الذي فيه محمد بن إسحاق وقد بينته الآن ، ويغني عنه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمي الجمرة أول يوم ضحى ، ثم لم يرم بعد ذلك حتى زالت الشمس رواه مسلم . وعن ابن عمر قال كنا نتحين ، فإذا زالت الشمس رمينا رواه البخاري . وأما حديث من ترك نسكا فعليه دم فسبق بيانه . وأما ألفاظ الفصل : فقوله : مسجد الخيف هو بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت قال أهل اللغة : الخيف ما انحدر عن غلط الجبل وارتفع عن مسيل الماء ، وبه يسمى مسجد الخيف ، وهو مسجد عظيم واسع جدا فيه عشرون بابا . وذكر الأزرقي جملا تتعلق به قوله : رمي مشروع في يوام احتراز من رجم الزاني . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : قال الشافعي والأصحاب : إذا فرغ الحاج من طواف الإفاضة والسعي إن كان لم يسع بعد طواف القدوم ، فالسنة أن يرجع إلى منى عقب فراغه ، فإذا رجع صلى بها الظهر وحضر الخطبة ثم يقيم في منى لرمي أيام التشريق ومبيت لياليها ، وقد سبق أن اليوم الأول من أيام التشريق يسمى يوم القر بفتح القاف وتشديد الراء لأنهم قارون بمنى ، واليوم الثاني يسمى النفر الأول ، واليوم الثالث يوم النفر الثاني .
ومجموع حصى الرمي سبعون حصاة ، سبع منها لجمرة العقبة يوم النحر والباقي لرمي أيام التشريق ، فيرمي كل يوم الجمرات الثلاث ، كل جمرة سبع حصيات كما سبق وصفه في رمي جمرة العقبة ، فيأخذ كل يوم إحدى وعشرين حصاة ، فيأتي الجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف ، وهي أولهن من جهة عرفات ، وهي في نفس الطريق الجادة ، فيأتيها من أسفل منها فيصعد إليها ويعلوها حتى يكون ما عن يساره أقل مما عن يمينه ، ويستقبل الكعبة ثم يرمي الجمرة بسبع حصيات واحدة واحدة ، يكبر عقب كل حصاة كما سبق في رمي جمرة العقبة يوم النحر ، ثم يتقدم عنها ، وينحرف قليلا ويجعلها في قفاه ، ويقف في موضع لا يصيبه المتطاير من الحصى الذي يرمى ، فيستقبل القبلة ويحمد الله تعالى ويكبر ويهلل ويسبح ويدعو مع حضور القلب وخضوع الجوارح ، ويمكث كذلك قدر سورة البقرة ، ثم يأتي الجمرة الثانية وهي الوسطى ، ويصنع فيها كما صنع في الأولى ، ويقف للدعاء كما وقف في الأولى إلا أنه لا يتقدم عن يسارها بخلاف ما فعل في الأولى ، لأنه لا يمكنه ذلك فيها ، بل يتركها عن يمينه ويقف في بطن المسيل منقطعا عن أن يصيبه الحصى . ثم يأتي الجمرة الثالثة وهي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر فيرميها من بطن الوادي ولا يقف عندها للذكر والدعاء . وهذه الكيفية هي المسنونة والواجب منها أصل الرمي بصفته السابقة في رمي جمرة العقبة ، وهو أن يرمي بما يسمى حجرا ويسمى رميا . وأما الدعاء والذكر وغيرهما مما زاد على أصل الرمي فمستحب لا شيء عليه في تركه لكن فاتته الفضيلة . ويرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق كما رمى في الأول ، ويرمي في الثالث كذلك إن لم ينفر في اليوم الثاني . والله أعلم . ودليل استحباب الوقوف للدعاء والذكر عند الجمرتين الأوليين مذكور في الكتاب وأما : كونه قدر سورة البقرة ، فرواه البيهقي من فعل ابن عمر والله تعالى أعلم . والثانية : يستحب أن يغتسل كل يوم للرمي . الثالثة : لا يجوز الرمي في هذه الأيام إلا بعد زوال الشمس ويبقى وقتها إلى غروبها ، وفيه وجه مشهور أنه يبقى إلى الفجر الثاني من تلك الليلة والصحيح هذا : فيما سوى اليوم الآخر . وأما اليوم الآخر فيفوت رميه بغروب شمسه بلا خلاف . وكذا جميع الرمي يفوت بغروب شمس الثالث من التشريق لفوات زمن الرمي ، والله أعلم . قال أصحابنا : ويستحب إذا زالت الشمس أن يقدم الرمي على صلاة الظهر ثم يرجع فيصلي الظهر ، نص عليه الشافعي رحمه الله . واتفق عليه الأصحاب ، ويدل عليه حديث ابن عمر السابق قريبا . الرابعة : العدد شرط في الرمي ، فيرمي في كل يوم إحدى وعشرين حصاة إلى كل جمرة سبع حصيات كما ذكرنا ، وتكون كل حصاة برمية مستقبلة ، كما سبق في جمرة العقبة . الخامسة : يشترط في الترتيب بين الجمرات ، فيبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ولا خلاف في اشتراطه ، فلو ترك حصاة من الأولى أو جهل فلم يدرك من أين تركها جعلها من الأولى ، فيلزمه أن يرمي إليها حصاة ثم يرمي الجمرتين الأخريين ليسقط الفرض بيقين . السادسة : ينبغي أن يوالي بين الحصيات في الجمرة الواحدة وأن يوالي بين الجمرات ، وهذه الموالاة سنة ليست بشرط على المذهب ، وبه قطع الأكثرون وقيل شرط ، وقد سبق بيانه في رمي جمرة العقبة .
السابعة : إذا ترك شيئا من رمي يوم القر عمدا أو سهوا ، هل يتداركه في اليوم الثاني أو الثالث أو ترك رمي اليوم الثاني أو رمي اليومين الأولين ، هل يتدارك في الثالث منه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : عند الأصحاب يتدارك والثاني : نصه في الإملاء لا يتدارك فإن قلنا : لا يتدارك في بقية الأيام فهل يتدارك في الليلة الواقعة بعده من ليالي التشريق إذا قلنا : بالأصح إن وقته لا يمتد في تلك الليلة ، فيه وجهان حكاهما المتولي وآخرون وإن قلنا : بالتدارك فتدارك فهل هو أداء أم قضاء فيه قولان أصحهما : أداء كما في حق أهل السقاية والرعاة . فإن قلنا : أداء فجملة أيام منى في حكم الوقت الواحد ، فكل يوم للقدر المأمور به وقت اختيار ، كأوقات اختيار الصلوات ، ويجوز تقديم رمي يوم التدارك على الزوال . ونقل إمام الحرمين أن على هذا القول لا يمتنع تقديم رمي يوم إلى يوم . قال الرافعي : لكن يجوز أن يقال : إن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول ، ولا يجوز التقديم على كلام الرافعي وهو كما قال ، فالصواب الجزم بمنع التقديم ، وبه قطع الجمهور تصريحا ومفهوما . وإذا قلنا إنه قضاء فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق ولا سبيل إلى تقديم رمي يوم إلى يوم ولا تقديمه على الزوال ، وهل يجوز بالليل فيه وجهان أصحهما : الجواز لأن القضاء لا يتأقت والثاني : لا يجوز لأن الرمي عبادة النهار كالصوم ، وهل يجب الترتيب بين الرمي المتروك ورمي يوم التدارك فيه قولان ، ومنهم من حكاهما وجهين أصحهما : نعم كالترتيب في المكان ، وهما مبنيان على أن التدارك قضاء أم أداء إن قلنا : أداء وجب الترتيب وإلا فلا ، فإن لم نوجب الترتيب فهل يجب على أهل العذر كالرعاة وأهل السقاية فيه وجهان . قال المتولي : نظيره إن فاتته الظهر لا يلزمه الترتيب بينها وبين العصر ، ولو أخرها للجمع فوجهان ، ولو رمي إلى الجمرات كلها عن يوم قبل أن يرمي إليها عن أمسه أجزأه إن لم نوجب الترتيب ، فإن أوجبناه فوجهان أصحهما : يجزئه ويقع عن القضاء والثاني : لا يجزئه أصلا . قال الإمام : ولو صرف الرمي إلى غير النسك بأن رمي إلى شخص أو دابة في الجمرة ففي انصرافه عن النسك الخلاف المذكور في صرف الطواف ، والأصح الإنصراف ، فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغا قصده ، وإن انصرف فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغا قصده ، وإن انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزه أصلا ، وإن لم نشترط أجزأه عن يومه . ولو رمي إلى كل جمرة أربع عشرة حصاة سبعا عن يومه وسبعا عن أمسه جاز إن لم نشترط الترتيب ، وإن شرطناه لم يجز ، وهو نصه في المختصر . هذا كله في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق . أما إذا ترك رمي يوم النحر ففي تداركه في أيام التشريق طريقان أصحهما : أنه على القولين والثاني : القطع بعدم التدارك للمغايرة بين الرميين قدرا ووقتا وحكما . فإن رمي يوم النحر يؤثر في التحلل بخلاف أيام التشريق . فرع : لو ترك رمي بعض الأيام وقلنا يتدارك فتدارك فلا دم على المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه قول ضعيف حكاه المصنف والأصحاب أنه يجب دم مع التدارك كمن أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر ، فإنه يقضيه ويفدي . ولو نفر يوم النحر أو يوم النفر قبل أن يرمي ثم عاد ورمى قبل الغروب أجزأه ولا دم ، ولو فرض ذلك يوم النفر الأول فكذا على الأصح ، وفيه وجه ضعيف أنه يلزمه الدم ، لأن النفر في هذا اليوم جائز في الجملة ، فإذا نفر فيه خرج عن الحج فلا يسقط الدم بعوده .
وحيث قلنا : لا يتدارك أو قلنا به فلم يتدارك وجب الدم وكم قدره فيه صور . فإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق والصورة فيمن توجه عليه رمي اليوم الثالث من التشريق ففيما يلزمه ثلاثة أقوال . أحدها : دم والثاني : دمان والثالث : أربعة دماء ، ودليلهما في الكتاب وهذا الثالث أظهرها عند البغوي . قال الرافعي : لكن مقتضي كلام الجمهور ترجيح الأول . وحكى الدارمي عن حكاية ابن القطان وجها أنه يجب عشرة دماء يجعل كل جمرة مفردة ، وهذا شاذ باطل . ولو ترك يوم النحر أو رمى يوم من التشريق وجب دم . وإن ترك رمي بعض التشريق فطريقان أحدهما : الجمرات الثلاث كالشعرات الثلاث فلا يكمل الدم في بعضها ، بل إن ترك جمرة ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة فيمن حلق شعره أظهرها : مد والثاني : درهم والثالث : ثلث دم . وإن ترك جمرتين فعلى هذا القياس . وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة قال صاحب التقريب إن قلنا : في الجمرة ثلث دم ففي الحصاة جزء من أحد وعشرين جزءا من دم وإن قلنا : في الجمرة مد أو درهم قال الرافعي : فيحتمل أن نوجب سبع مد أو سبع درهم ، ويحتمل أن لا نبعضهما . والطريق الثاني : تكميل الدم في وظيفة الجمرة الواحدة ، كما يكمل في جمرة النحر في الحصاة والحصاتين الأقوال الثلاثة ، هذا في الحصاة والحصاتين من آخر أيام التشريق . فأما إذا تركها من الجمرة الآخرة يوم القر أو النفر الأول ولم ينفر فإن قلنا : لا يجب الترتيب بين التدارك ورمي الوقت صح رميه . لكن ترك حصاة ففيه الخلاف وإن أوجبنا الترتيب ففيه الخلاف السابق في أن لارمي بنية اليوم هل يقع عن الماضي إن قلنا : نعم تم المتروك بما أتى به في اليوم الذي بعده ، لكن يكون تاركا للجمرة الأولى والثاني في ذلك اليوم فعليه دم وإن قلنا : لا ، كان تاركا رمي حصاة ووظيفة يوم ، فعليه دم إن لم نفرد كل يوم بدم ، وإن أفردنا فعليه لوظيفة اليوم دم ، وفيما يجب لترك الحصاة الخلاف ، وإن تركها من إحدى الجمرتين الأوليين من أي يوم كان فعليه دم ، لأن ما بعدها غير صحيح لوجوب الترتيب في المكان هذا كله إذا ترك بعض يوم من التشريق ، فإن ترك بعض رمي النحر فقد ألحقه البغوي بما إذا ترك من الجمرة الآخرة من اليوم الآخر . وقال المتولي : يلزمه دم ولو ترك حصاة فقط لأنها من أسباب التحلل ، فإذا ترك شيئا منها لم يتحلل إلا ببدل كامل . وحكى إمام الحرمين وجها غريبا ضعيفا أن الدم يكمل في حصاة واحدة مطلقا وحكاه الدارمي ، وهو شاذ متروك ، والله أعلم . قال المتولي : لو ترك ثلاث حصيات من جملة الأيام لم يعلم موضعها أخذ بالأسوأ ، وهو أنه ترك حصاة من يوم النحر وحصاة من الجمرة الأولى يوم القر وحصاة من الجمرة الثانية يوم النفر الأول ، فإن لم يحسب ما يرميه بنية وظيفة اليوم عن الفائت فالحاصل ست حصيات من رمي يوم النحر ، سواء شرطنا الترتيب بين التدارك ورمي الوقت أم لا ، وإن حسبناه فالحاصل رمي يوم النحر وأحد أيام التشريق لا غير ، سواء شرطنا الترتيب أم لا ، ودليله يعرف مما سبق من الأصول والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يستحب أن يكون رميه في اليومين الأولين من التشريق ماشيا ، وأن يكون راكبا في اليوم الآخر فيرمي بعد الزوال ، وقبل صلاة الظهر راكبا ، وينفر عقب الرمي ، كما أنه يرمي يوم النحر راكبا ثم ينزل ، هكذا قاله جماهير الأصحاب في كل الطرق ، ونص عليه الشافعي في الإملاء .
وشذ المتولي عن الأصحاب فحكى عن نص الشافعي في الإملاء ما ذكرناه ، ثم قال والصحيح أنه يرمي ماشيا في أيام التشريق الثلاثة ، لحديث عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيا ذاهبا وراجعا ، ويخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما ، وهو حديث ضعيف ، لأن عبد الله العمري ضعيف عند أهل الحديث ، وإنما الصحيح من هذا رواية ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمار مشى إليه ذاهبا وراجعا رواه الترمذي بإسناد على شرط البخاري ومسلم ، قال : هذا حديث حسن صحيح والله أعلم . فرع : لا يفتقر الرمي إلى نية على المذهب ، وفيه وجه حكاه الدارمي والقاضي أبو الطيب وغيرهما ، وقد سبق في فصل طواف القدوم عند ذكر نية الطواف ثلاثة أوجه في النية في جميع أعمال الحج والله أعلم . فرع : في الحكمة في الرمي ، قال العلماء : أصل العبادة الطاعة وكل عبادة فلها معنى قطعا لأن الشرع لا يأمر بالعيب ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف وقد لا يفهمه فالحكمة في الصلاة التواضع والخضوع وإظهار الإفتقار إلى الله تعالى ، والحكمة في الصوم كسر النفس وقمع الشهوات ، والحكمة في الزكاة مواساة المحتاج ، وفي الحج إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله الله ، كإقبال العبد إلا مولاه ذليلا ومن العبادات التي لا يفهم معناها السعي والرمي فكلف العبد بهما ليتم انقياده ، فإن هذا النوع لاحظ للنفس فيه ولا للعقل به ، ولا يحمل عليه إلا مجرد امتثال الأمر وكمال الإنقياد ، فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في جميع العبادات ، والله أعلم . وقد سبق في أواخر فصل طواف القدوم في المسألة الخامسة حديث عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما جعل الطواف بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، لإقامة ذكر الله وروينا في سنن البيهقي وغيره مرفوعا وموقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم لما أتى المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ، ثم عرض له عند الجمرة الثانية فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له في الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ، قال ابن عباس : الشيطان ترجمون ومكة بينكم تبتغون .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن عجز عن الرمي بنفسه لمرض مأيوس أو غير مأيوس ، جاز أن يستنيب من يرمي عنه ، لأن وقته مضيق ، وربما مات قبل أن يرمي بخلاف الحج فإنه على التراخي ، ولا يجوز لغير المأيوس أن يستنيب لأنه قد يبرأ فيؤديه بنفسه ، والأفضل أن يضع كل حصاة في يد التأئب ويكبر ، ويرمي التأئب ، فإن رمى عن التأئب ثم برىء من المرض فالمستحب أن يعيد بنفسه ، وإن أغمي فرمى عنه غيره فإن كان بغير إذنه لم يجزه ، وإن كان ( قد ) أذن له فيه قبل أن يغمى عليه جاز . + الشرح : فيه مسألتان إحداهما : قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : العاجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ونحوهما يستنيب من يرمي عنه لما ذكره المصنف ، وسواء كان المرض مرجو الزوال أو غيره لما ذكره المصنف ، وسواء استناب بأجرة أو بغيرها ، وسواء استناب رجلا أو امرأة . قال الشافعي والأصحاب . ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر . ويكبر العاجز . ويرمي النائب ، ولو ترك المناولة مع قدرته صحت الإستنابة وأجزأه رمي النائب لوجود العجز عن الرمي قال أصحابنا في الطريقتين : ويجوز للمحبوس الممنوع من الرمي الإستنابة فيه سواء كان محبوسا . بحق أو بغيره ، وهذا متفق عليه ، وعللوه بأنه عاجز . ثم إن جمهور الأصحاب في طريقتي العراق وخراسان أطلقوا جواز الإستنابة للمريض سواء كان مأيوسا من برئه أم لا ، وقال إمام الحرمين والرافعي وغيره من متابعي الإمام : إنما تجوز النيابة لعاجز بعلة لا يرجى زوالها قبل خروج وقت الرمي . قالوا : ولا يضر رجاء الزوال بعد فوات الوقت . وهذا الذي قاله الإمام ومتابعوه متعين ، وإطلاق الأصحاب محمول عليه . ولا يمنع من هذا قولهم فلو زال العجز في أيام الرمي لزمه رمي ما بقي ، لأنه قد لا يرجى زواله في أيام الرمي ثم يزول نادرا ، والله أعلم . المسألة الثانية : لو أغمى على المحرم قبل الرمي ولم يكن أذن في الرمي عنه لم يصح الرمي عنه في إغمائه بلا خلاف ، وإن كان أذن فيه جاز الرمي عنه . هذا هو المذهب ، وبه قطع الجماهير في الطريقتين . ونقل الرافعي فيه وجها شاذا ضعيفا أنه لا يجوز . وحكى إمام الحرمين الجواز عن العراقيين فقال : قال العراقيون : لو استناب العاجز عن الرمي وصححنا الإستنابة فأغمى على المستنيب دامت النيابة وإن كان مقتضى الإغماء الطارىء على إذن انقطاع إذنه إذا كان أصل الإذن جائزا للوكالة ، ولكن الغرض هنا إقامة النائب مقام العاجز ، قال : وما ذكروه محتمل جدا ولا يمتنع خلافه . قال : وقد قالوا : لو استناب المعضوب في حياته من يحج عنه ثم مات المعضوب لم تنقطع الإستنابة . هكذا ذكروه في الإذن المجرد ، وهو بعيد ، ولكن لو فرض في الإجارة فالإجارة تبقى ولا تنقطع ، لأن الإستئجار عن الميت بعد موته ممكن فلا منافاة . وقد استحق منفعة الأجير ، قال : والذي ذكروه في الإذن جائز وهو محتمل في الإغماء بعيد في الموت . هذا كلام الإمام . ثم إن الأصحاب في الطريقتين أطلقوا أنه إذا استناب قبل الإغماء جاز رمي النائب عنه في الإغماء . كما ذكرنا . وقال الماوردي : إن كان حين أذن مطيقا للرمي لم يصح الرمي عنه في الإغماء لأن المطيق لا تصح النيابة عنه فلم يصح إذنه ، وإن كان حين الإذن عاجزا بأن كان مريضا فأذن ثم أغمي عليه صحت النيابة ، وصح رمي النائب . هذا كلام الماوردي ، ونقله الروياني في البحر عن الأصحاب ، وأشار إليه أبو علي البندنيجي وآخرون . وفي كلام إمام الحرمين الذي حكيته عنه الآن موافقته ، فليحمل إطلاق الأصحاب على من استناب في حال العجز ثم أغمي عليه .
والله أعلم . واتفق الأصحاب على أنه لو أذن في حال إغمائه لم يصح إذنه ، وإن رمى عنه بذلك الإذن لم يصح ، لأن إذنه ساقط في كل شيء والله أعلم . والمجنون كالمغمى عليه في كل هذا ، صرح به المتولي وغيره . فرع : استدل أصحابنا على جواز الإستنابة في الرمي بالقياس على الإستنابة في أصل الحج . قالوا : والرمي أولى بالجواز . فرع : قال أصحابنا : وينبغي أن يستنيب العاجز حلالا أو من قد رمى عن نفسه ، فإن استناب من لم يرم عن نفسه ، فينبغي أن يرمي النائب عن نفسه ، ثم عن المستنيب فيجزئهما الرميان بلا خلاف ، فلو اقتصر على رمي واحد وقع عن الرامي لا عن المستنيب . هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور . وقال الماوردي وئالروياني : إذا رمى النائب عن المستنيب ثم عن نفسه رميا آخر أجزأه الرمي عن نفسه ، وفي الرمي المحسوب عن نفسه وجهان أحدهما : أنه الرمي الثاني ، لأنه الذي قصده عن نفسه والثاني : الأول ، لأن من علمه نسك إذا فعله عن غيره وقع عن نفسه كأصل الحج والطواف . قالا : وفي رميه عن المستنيب وجهان . أحدهما : لا يجزئه عنه ، لأنا إن جعلنا الرمي الأول عن النائب فلم يقصد بالثاني ، وإن جعلنا الثاني عن النائب فقد رمى عن غيره قبل الرمي عن نفسه فلا يصح . والوجه الثاني : أنه يجزىء الرمي عن المريض ، لأن المريض أخف من أصل الحج وأركانه ، فجاز فعله عن غيره مع بقائه على نفسه . فرع : إذا رمى النائب ثم زال عذر المستنيب وأيام الرمي باقية فطريقان أصحهما : وهو المنصوص وبه قطع المصنف والجمهور لا يلزمه إعاة الرمي بنفسه لكن يستحب له ، وإنما لم يلزمه لأن رمي النائب وقع عنه فسقط به الفرض . والطريق الثاني : فيه قولان أحدهما : يلزمه إعادة الرمية بنفسه ولا يجزئه فعل النائب والثاني : لا يلزمه . قالوا : وهما كالقولين في المعضوب إذا أحج عنه ثم برأ . وممن حكى هذا الطريق وجزم به الفوراني والبغوي ووالده وصاحب البحر وحكاه أيضا طائفة وضعفته . ثم إن الخلاف في الرمي الذي فعله النائب قبل زوال العذر . أما الرمي الذي يدركه المستنيب بعد زوال عذره فيلزمه فعله بلا خلاف صرح به الماوردي والأصحاب ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويبيت بمنى ليال الرمي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وهل يجب ذلك أو يستحب فيه قولان أحدهما : أنه مستحب لأنه مبيت فلم يجب كالمبيت ليلة عرفة والثاني : أنه يجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس في ترك المبيت لأجل السقاية فدل على أنه لا يجوز لغيره تركه . فإن قلنا إنه يستحب لم يجب بتركه دم . وإن قلنا : يجب وجب بتركه الدم ، فعلى هذا إذا ترك المبيت في الليالي الثلاث وجب دم ، وإن ترك ليلة ففيه ثلاثة أقوال على ما ذكرناه في الحصاة ، ويجوز لرعاة الإبل وأهل سقاية العباس رضي الله عنه أن يدعوا المبيت ليالي منى ويرموا يوما ويدعوا يوما ثم يرموا ما فاتهم ( والدليل عليه ) ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته وروى عاصم بن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الإبل في ترك البيتوتة يرمون يوم النحر ، ثم يرمون يوم النفر فإن أقام الرعاة إلى أن تغرب الشمس لم يجز لهم ترك المبيت . وإن أقام أهل السقاية إلى أن تغرب الشمس جاز لهم ترك المبيت ، لأن حاجة أهل السقاية بالليل موجودة ، وحاجة الرعاة لا توجد بالليل ، لأن الرعي لا يكون بالليل ، ومن أبق له عبد ومضى في طلبه أو خاف أمرا بفوته ، ففيه وجهان أحدهما : أنه لا يجوز له ما يجوز للرعاة وأهل سقاية العباس لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعي وأهل السقاية والثاني : أنه يجوز لأنه صاحب عذر . فأشبه الرعاة وأهل السقاية . + الشرح : أما حديث مبيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ليالي التشريق فصحيح مشهور . وأما حديث ابن عمر فصحيح رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن العباس بن عبد المطلب استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له وفي رواية في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته . وأما حديث عاصم بن عدي فرواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وأما ألفاظ الفصل : فالسقاية بكسر السين وهي موضع في المسجد الحرام يستقى فيه الماء ويجعل في حياض ويسبل للشاربين ، وكانت السقاية في يد قصى بن كلاب ثم ورثها منه ابنه عبد مناف ، ثم منه ابنه هاشم ، ثم منه ابنه عبد المطلب ، ثم منه العباس رضي الله عنه ، ثم منه عبد الله ، ثم منه ابنه علي ، ثم واحد بعد واحد ، وقد بسطت بيانها شافيا في تهذيب اللغات . قوله ( رعاء الإبل ) هو بكسر الراء وبالمد ، جمع راع كصاحب وصحاب ، ويجوز رعاة بضم الراء وهاء بعد الألف بغير مد ، كقاض وقضاة . قوله ومن أبق له عبد يجوز فيه فتح الباء وكسرها ، لغتان كضرب وشرب ، والأول أفصح وبها جاء القرآن . قال الله تعالى : إذ أبق ويجوز لعبد آبق بمد الألف وكسر الباء . أما الأحكام : ففيها مسائل مختصرها أنه ينبغي أن يبيت بمنى ليالي أيام التشريق وهل المبيت بها واجب أم سنة فيه طريقان أصحهما وأشهرهما : وبه قطع المصنف والجمهور فيه قولان أصحهما : واجب والثاني : سنة ، ودليلهما في الكتاب والطريق الثاني : سنة قولا واحدا . حكاه الرافعي ، فإن ترك المبيت جبره بدم بلا خلاف . فإن قلنا : المبيت واجب كان الدم واجبا ، وإن قلنا سنة فسنة . ويؤمر بالمبيت في الليالي الثلاث ، إلا أنه إذا نفر النفر الأول سقط مبيت الليلة الثالثة . والأكمل أن يبيت بها كل الليل .
وقد قدر الواجب قولان حكاهما صاحب التقريب والشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين ومتابعوه أصحهما : معظم الليل والثاني : المعتبر أن يكون حاضرا بها عند طلوع الفجر الثاني . وأما قدر المبيت بالمزدلفة وحكمه فسبق بيانه ، فإن ترك مبيت ليلة المزدلفة وحدها جبرها بدم كامل ، وإن ترك ليالي التشريق الثلاث لزمه دم فقط ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجماهير . وحكى إمام الحرمين وغيره عن صاحب التقريب أنه حكى قولا غريبا أنه يجب في كل ليلة دم ، وليس بشيء ، وإن ترك إحدى الليالي الثلاث فثلاثة أقوال مشهورة ذكرها المصنف والأصحاب كالأقوال في ترك حصاة ، وفي حلق شعرة أصحهما : في الليلة مد والثاني : درهم والثالث : ثلث دم . وإن ترك ليلتين فعلى الأصح يجب مدان وعلى الثاني درهمان وعلى الثالث ثلثا دم . ولو ترك ليلة المزدلفة وليالي التشريق كلها فقولان أصحهما : يجب دمان دم لليلة المزدلفة ودم لليالي منى والثاني : يجب دم واحد لليالي الأربع ، هذا من كان بمنى وقت غروب الشمس ، فإن لم يكن حينئذ ولم يبت وقلنا : تفرد ليلة المزدلفة بالدم فوجهان لأنه لم يترك إلا ليلتين أحدهما : يلزمه مدان أو درهمان أو ثلثا دم على حسب الأقوال الثلاثة . والوجه الثاني : يلزمه دم كامل لتركه جنس المبيت بمنى ، وهذا هو الأصح وبه قطع جماعات ، وهذان الوجهان جاريان فيما لو ترك ليلة المزدلفة وليلتين من الثلاث ، والله أعلم . هذا كله فيمن لا عذر له في ترك المبيت ، أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر فلا دم ، وهم أصناف أحدها : رعاء الإبل وأهل سقاية العباس فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى ليالي التشريق ، وللصنفين جميعا أن يدعوا رمي يوم القر وهو الأول من التشريق ، ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم ، وليس لهم ترك يومين متواليين ، فإن تركوا رمي اليوم الثاني من أيام التشريق بأن نفروا اليوم الأول بعد الرمي عادوا في اليوم الثالث ، وإن تركوا رمي الأول بأن نفروا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة عادوا في الثاني ، ثم لهم أن ينفروا مع الناس . هذا هو الصحيح المشهور ، وفيه وجه أنه ليس لهم ذلك ، حكاه الرافعي . وإذا غربت الشمس والرعاء بمنى لزمهم المبيت تلك الليلة ورمي الغد ، ويجوز لأهل السقاية أن ينفروا بعد الغروب على الصحيح ، لأن عملهم بالليل بخلاف الرعي ، وفيه وجه أنه لا يجوز لهم ذلك ، حكاه الرافعي ، وهذا الوجه غلط مخالف لنص الشافعي والجمهور ، بل للحديث الصحيح السابق . وقال أصحابنا : ورخصة السقاية لا تختص بالعباسية . هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يختص بهم ، حكاه البندنيجي وآخرون . وفي وجه ثالث يختص ببني هاشم ، حكاه الشيخ أبو حامد والروياني قال أصحابنا : ولو أحدثت سقاية للحجاج جاز للمقيم بشأنها ترك المبيت ، ذكره البغوي ، قال ابن كج وغيره : ليس له . وذكر الدارمي والبندنيجي وجهين حكاهما الروياني ، ثم قال : والمنصوص في كتاب الأوسط أنه ليس له ، والصحيح ما ذكره البغوي ، والله أعلم . ومن المعذورين من انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن مبيت المزدلفة فلا شيء عليه ، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون ، ذكره إمام الحرمين وغيره ، ولو أفاض من عرفة إلى مكة فطاف للإفاضة بعد نصف الليل ففاته المبيت قال القفال : لا شيء عليه لاشتغاله بالطواف ، قال الإمام : وفيه احتمال .