Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bagian V02/P357–V02/P359

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليها قراءة القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن . + الشرح : هذا الحديث رواه الترمذي والبيهقي من رواية ابن عمر رضي الله عنهما وضعفه الترمذي والبيهقي ، وروي لا يقرأ بكسر الهمزة على النهي وبضمها على الخبر الذي يراد به النهي وقد سبق بيانه في آخر باب ما يوجب الغسل ، وهذا الذي ذكره من تحريم قراءة القرآن على الحائض هو الصحيح المشهور وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين وحكى الخراسانيون قولا قديما للشافعي : أنه يجوز لها قراءة القرآن . وأصل هذا القول أن أبا ثور رحمه الله قال : قال أبو عبد الله : يجوز للحائض قراءة القرآن . فاختلفوا في أبي عبد الله فقال بعض الأصحاب : أراد به مالكا وليس للشافعي قول بالجواز ، واختاره إمام الحرمين والغزالي في البسيط . وقال جمهور الخراسانيين : أراد به الشافعي وجعلوه قولا قديما . قال الشيخ أبو محمد : وجدت أبا ثور جمعهما في موضع فقال : قال أبو عبد الله ومالك . واحتج من أثبت قولا بالجواز اختلفوا في علته على وجهين أحدهما : أنها تخاف النسيان لطول الزمان بخلاف الجنب . والثاني : أنها قد تكون معلمة فيؤدي إلى انقطاع حرفتها فإن قلنا بالأول جاز لها قراءة ما شاءت إذ ليس لما يخاف نسيانه ضابط ، فعلى هذا هي كالطاهر في القراءة . وإن قلنا بالثاني لم يحل إلا ما يتعلق بحاجة التعليم في زمان الحيض ، هكذا ذكر الوجهين وتفريعهما إمام الحرمين وآخرون . هذا حكم قراءتها باللسان فأما إجراء القراءة على القلب من غير تحريك اللسان والنظر في المصحف وإمرار ما فيه في القلب فجائز بلا خلاف . وأجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء وقد تقدم إيضاح هذا مع جمل من الفروع المتعلقة به في باب ما يوجب الغسل والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في قراءة الحائض القرآن . قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور تحريمها وهو مروي عن عمر وعلي وجابر رضي الله عنهم وبه قال الحسن البصري وقتادة وعطاء وأبو العالية والنخعي وسعيد بن جبير والزهري وإسحاق وأبو ثور . وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد روايتان إحداهما : التحريم والثانية : الجواز وبه قال داود . واحتج لمن جوز بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ القرآن وهي حائض ولأن زمنه يطول فيخاف نسيانها . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر المذكور ، ولكنه ضعيف وبالقياس على الجنب فإن من خالف فيها وافق على الجنب إلا داود . والمختار عند الأصوليين أن داود لا يعتد به في الإجماع والخلاف ، وفعل عائشة رضي الله عنها لا حجة فيه على تقدير صحته ، لأن غيرها من الصحابة خالفها وإذا اختلفت الصحابة رضي الله عنهم رجعنا إلى القياس . وأما خوف النسيان فنادر فإن مدة الحيض غالبا ستة أيام أو سبعة ولا ينسى غالبا في هذا القدر ولأن خوف النسيان ينتفي بإمرار القرآن على القلب والله أعلم .

Bagian V02/P359

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم حمل المصحف ومسه لقوله تعالى : لا يمسه إلا المطهرون الواقعة : 79 ويحرم اللبث في المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض فأما العبور فيه فإنها إذا استوثقت من نفسها ( بالشد واللجم ) جاز ، لأنه حدث يمنع اللبث فلا يمنع كالجنابة . + الشرح : يحرم على الحائض والنفساء مس المصحف وحمله واللبث في المسجد وكل هذا متفق عليه عندنا ، وتقدمت أدلته وفروعه الكثيرة مبسوطة في باب ما يوجب الغسل . والحديث المذكور رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما من رواية عائشة رضي الله عنها وإسناده غير قوي وسبق بيانه هناك . وأما عبورها بغير لبث فقال الشافعي رضي الله عنه في المختصر : أكره ممر الحائض في المسجد قال أصحابنا : إن خافت تلويثه لعدم الاستيثاق بالشد أو لغلبة الدم حرم العبور بلا خلاف . وإن أمنت ذلك فوجهان الصحيح منهما جوازه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي ، وبه قطع المصنف والنبدنيجي وكثيرون ، وصححه جمهور الباقين كالجنب وكمن على بدنه نجاسة لا يخاف تلويثه . وانفرد إمام الحرمين فصحح تحريم العبور وإن أمنت لغلظ حدثها بخلاف الجنب والمذهب الأول . هذا حكم عبورها قبل انقطاع الحيض فإذا انقطع ولم يغتسل فالمذهب القطع بجواز عبورها في المسجد ، وطرد صاحب الحاوي وإمام الحرمين فيه الوجهين ، والحائض الذمية كالمسلمة فتمنع من المكث في المسجد بلا خلاف بخلاف الكافر الجنب فإن في تمكينه من المكث فيه وجهين مشهورين . قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق في مسائل شروط الصلاة : والفرق أن المنع لخوف التلويث والكافرة كالمسلمة في هذا . قال أصحابنا : والمستحاضة وسلس البول ومن به جرح سائل ونحوهم إن خافوا التلويث حرم العبور وقد سبق هذا في آخر باب ما يوجب الغسل والله أعلم .

Bagian V02/P359–V02/P362

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم الوطء في الفرج لقوله تعالى : ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ ي ] ( البقرة : 222 ) فإن وطئها مع العلم بالتحريم ففيه قولان . قال في القديم : إن كان في أول الدم لزمه أن يتصدق بدينار ، وإن كان في آخره لزمه أن يتصدق بنصف دينار لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي إمرأته وهي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقال في الجديد : لا يجب ( عليه الكفارة ) لأنه وطء محرم للأذى ، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر . + الشرح : أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض للآية الكريمة والأحاديث الصحيحة . قال المحاملي في المجموع : قال الشافعي رحمه الله : من فعل ذلك فقد أتى كبيرة . قال أصحابنا وغيرهم : من استحل وطء الحائض حكم بكفره . قالوا : ومن فعله جاهلا وجود الحيض أو تحريمه ، أو ناسيا أو مكرها فلا أثم عليه ولا كفارة ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما . وحكى الرافعي عن بعض الأصحاب أنه يجىء على القديم قول أنه يجب على الناسي كفارة كالعامد . وهذا ليس بشيء . وأما إذا وطئها عالما بالحيض وتحريمه مختارا ففيه قولان ، الصحيح الجديد لا يلزمه كفارة بل يعزر ويستغفر الله تعالى ويتوب ، ويستحب أن يكفر الكفارة التي يوجبها القديم ، والثاني وهو القديم يلزمه الكفارة . وذكر المصنف دليلهما ، والكفارة الواجبة في القديم دينار إن كان الجماع في إقبال الدم ، ونصف دينار إن كان في إدباره ، والمراد بإقبال الدم زمن قوته واشتداده ، وبإدباره ضعفه وقربه من الإنقطاع ، هذا هو المشهور الذي قطع به الجمهور . وحكى الفوراني وإمام الحرمين وجها عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرايني أن إقباله ما لم ينقطع وإدباره ما بعد انقطاعه وقبل اغتسالها ، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب في تعليقه فعلى قول الجمهور : لو وطىء بعد الانقطاع وقبل الاغتسال لزمه نصف دينار ، قاله البغوي وغيره ، واستدلوا لهذا القول القديم بحديث ابن عباس المذكور ، وحملوا قوله بدينار أو بنصف دينار على التقسيم ، وأن الدينار في الإقبال والنصف في الإدبار : وحكى المتولي والرافعي قولا قديما شاذا أن الكفارة الواجبة عتق رقبة بكل حال ، لأنه روي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهذا شاذ مردود . وقال صاحب الحاوي : قال الشافعي في القديم : إن صح حديث ابن عباس قلت به . قال فكان أبو حامد الاسفرايني وجمهور البغداديين يجعلونه قولا قديما ، وكان أبو حامد المروزي وجمهور البصريين لا يجعلونه قولا قديما ولا يحكونه مذهبا للشافعي ، لأنه علق الحكم على صحة الحديث ولم يصح ، وكان ابن سريج يقول : لو صح الحديث لكان محمولا في القديم على الإستحباب لا على الإيجاب . هذا كلام صاحب الحاوي . وقال إمام الحرمين : من أصحابنا من أوجب الكفارة ، وهو بعيد غير معدود من المذهب بل هي مستحبة . قلت : واتفق المحدثون على ضعف حديث ابن عباس هذا واضطرابه ، وروي موقوفا ، وروي مرسلا وألوانا كثيرة . وقد رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، ولا يجعله ذلك صحيحا ، وذكره الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين ، وقال : هو حديث صحيح ، وهذا الذي قاله الحاكم خلاف قول أئمة الحديث ، والحاكم معروف عندهم بالتساهل في التصحيح .

Bagian V02/P362–V02/P363

وقد قال الشافعي في أحكام القرآن : هذا حديث لا يثبت مثله ، وقد جمع البيهقي طرقه وبين ضعفها بيانا شافيا ، وهو إمام حافظ متفق على إتقانه وتحقيقه ، فالصواب أنه لا يلزمه شيء والله أعلم . ومن أوجب دينارا أو نصفه فهو على الزوج خاصة ، وهو مثقال الإسلام المعروف من الذهب الخالص ويصرف إلى الفقراء والمساكين . قال الرافعي : ويجوز صرفه إلى فقير واحد والله أعلم . وأما قول المصنف : فإن وطئها مع العلم بالتحريم فكان ينبغي أن يضم إليه : والعلم بالحيض والاختيار . وقوله : لأنه وطء محرم للأذى إحتراز من الوطء في الإحرام ونهار رمضان . فرع : في مذاهب العلماء فيمن وطىء في الحيض عامدا عالما قد ذكرنا أن المشهور في مذهبنا أنه لا كفارة عليه ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد في رواية ، وحكاه أبو سليمان الخطابي عن أكثر العلماء ، وحكاه ابن المنذر عن عطاء وابن أبي مليكه والشعبي والنخعي ومكحول والزهري وأيوب السختياني وأبي الزناد وربيعة وحماد بن أبي سليمان وسفيان الثوري والليث بن سعد . وقالت طائفة من العلماء : يجب الدينار ونصفه على التفصيل المتقدم ، واختلاف منهم في اعتبار الحال حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وقتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وعن سعيد ابن جبير أن عليه عتق رقبة ، وعن الحسن البصري عليه ما على المجامع في نهار رمضان ، هذا هو المشهور عن الحسن ، وحكى ابن جرير عنه قال : يعتق رقبة أو يهدي بدنه أو يطعم عشرين صاعا ، ومعتمدهم حديث ابن عباس وهو ضعيف باتفاق المحدثين فالصواب أن لا كفارة عليه والله أعلم .

Bagian V02/P363–V02/P365

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم الإستمتاع فيما بين السرة والركبة ، وقال أبو بكر إسحاق : لا يحرم غير الوطء في الفرج لقوله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء غير النكاح ولأنه وطء حرم للأذى فاختص به ( الفرج ) كالوطء في الدبر ، والمذهب الأول لما روى عمر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال : ما فوق الإزار . + الشرح : أما الحديث الأول فبعض حديث ، روى أنس رضي الله عنه : أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ، ولم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيت فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله البقرة : 222 الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح رواه مسلم . وأما حديث عمر رضي الله عنه فرواه ابن ماجه والبيهقي بمعناه وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت إحدانا إذا كانت حائضا فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباشرها أمرها أن تتزر ثم يباشرها ، قالت : وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وعن ميمونة رضي الله عنها نحوه رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية : كان يباشر نساءه فوق الإزار يعني في الحيض ، والمراد بالمباشرة هنا إلتقاء البشرتين على أي وجه كان . أما حكم المسألة : ففي مباشرة الحائض بين السرة والركبة ثلاثة أوجه أصحها عند جمهور الأصحاب أنها حرام ، وهو المنصوص للشافعي رحمه الله في الأم و البويطي وأحكام القرآن ، قال صاحب الحاوي وهو قول أبي العباس وأبي علي ابن أبي هريرة وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات . واحتجوا له بقوله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض وبالحديث المذكور ، ولأن ذلك تحريم للفرج ، ومن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى . وأجاب القائلون بهذا عن حديث أنس المذكور بأنه محمول على القبلة ولمس الوجه واليد ونحو ذلك مما هو معتاد فغالب الناس ، فإن غالبهم إذا لم يستمتعوا بالجماع استمتعوا بما ذكرناه لا بما تحت الإزار . والوجه الثاني : أنه ليس بحرام ، وهو قول أبي إسحاق المروزي وحكاه صاحب الحاوي عن أبي علي بن خيران ورأيته أنا مقطوعا به في كتاب اللطيف لأبي الحسن ابن خيران من أصحابنا وهو غير أبي علي بن خيران ، واختاره صاحب الحاوي في كتابه الإقناع والروياني في الحلية وهو الأقوى من حيث الدليل لحديث أنس رضي الله عنه فإنه صريح في الإباحة . وأما مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار فمحمولة على الاستحباب جمعا بين قوله صلى الله عليه وسلم وفعله ، وتأول هؤلاء الإزار في حديث عمر رضي الله عنه على أن المراد به الفرج بعينه ونقلوه عن اللغة ، وأنشدوا فيه شعرا ، وليست مباشرة النبي صلى الله عليه وسلم فوق الإزار تفسيرا للإزار في حديث عمر رضي الله عنه بل هي محمولة على الاستحباب كما سبق . والوجه الثالث : إن وثق المباشر تحت الإزار بضبط نفسه عن الفرج لضعف شهوة أو شدة ورع جاز ، وإلا فلا ، حكاه صاحب الحاوي ومتابعوه عن أبي الفياض البصري وهو حسن ونقل أبو علي السنجي والقاضي حسين والمتولي في المسألة قولين بدل الوجهين الأولين . قال القاضي : الجديد التحريم والقديم الجواز ثم على قول من لا يحرمه هو مكروه ، وصرح به المتولي وغيره . هذا حكم الاستمتاع بما بين السرة والركبة .

Bagian V02/P365–V02/P366

أما ما سواه فمباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد والمحاملي في المجموع وابن الصباغ والعبدري وآخرون ، وأما ما حكاه صاحب الحاوي عن عبيدة السلماني الإمام التابعي وهو بفتح العين وكسر الباء من أنه لا يباشر شيء من بدنه شيئا من بدنها فلا أظنه يصح عنه ولو صح فهو شاذ مردود بالأحاديث الصحيحة المشهورة في مباشرته صلى الله عليه وسلم فوق الإزار ، وإذنه في ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح وبإجماع من قبله ومن بعده والله أعلم . ثم لا فرق بين أن يكون على الموضع الذي يستمتع به فوق الإزار شيء من دم الحيض أو لا ، وحكى المحاملي في التجريد وجماعة من المتأخرين وجها أنه إن كان عليه شيء من دم الحيض حرم لأنه أذى ، وهذا الوجه شاذ وغلط والصواب الأول ، وبه قطع الأصحاب في جميع الطرق لعموم الأحاديث ، ولأن الأصل الإباحة حتى يثبت دليل ظاهر في التحريم وقياسا على ما لو كان عليها نجاسة أخرى . وأما الإستمتاع بنفس السرة والركبة وما حاذاهما فلم أر فيه نصا لأصحابنا والمختار الجزم بجوازه لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح ويحتمل أن يخرج على الخلاف في كونهما عورة ، إن قلنا عورة كانتا كما بينهما ، وإن قلنا بالمذهب إنهما ليستا عورة أبيحا قطعا كما وراءهما والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في المباشرة فيما بين السرة والركبة بغير وطء ، وقد ذكرنا الخلاف في مذهبنا ودلائله ، وممن قال بتحريمها أبو حنيفة ومالك ، وحكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب وطاوس وشريح وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة وحكاه البغوي عن أكثر أهل العلم . وممن قال بالجواز عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي ومحمد بن الحسن وأحمد وأصبغ المالكي وأبو ثور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر وداود ، ونقله عنهم العبدري وغيره وتقدم دليل الجميع والله أعلم . فرع : إذا قلنا : تحرم المباشرة بين السرة والركبة ففعله متعمدا مختارا عالما بالتحريم أثم ولا كفارة عليه بلا خلاف ، صرح به الماوردي وغيره وهو ظاهر ، فإن إيجاب الكفارة على القديم إنما كان لذلك الحديث الضعيف وليس هنا حديث ولا هو في معناه ، فإن الوطء حرام بالإجماع ويكفر مستحله وهذا بخلافه ، والله أعلم .

Bagian V02/P366–V02/P367

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا طهرت من الحيض حل لها الصوم ، لأن تحريمه بالحيض ، وقد زال ، ولا تحل الصلاة والطواف وقراءة القرآن وحمل المصحف لأن المنع منها للحدث والحدث باق ، ولا يحل الإستمتاع بها حتى تغتسل لقوله تعالى : ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن البقرة : 222 . قال مجاهد : حتى يغتسلن ، فإن لم تجد الماء فتيممت حل لها ما يحل بالغسل ، لأن التيمم قائم مقام الغسل فاستبيح به ما يستباح بالغسل ، فإن تيممت وصلت فريضة لم يحرم وطؤها ، ومن أصحابنا من قال : يحرم وطؤها بفعل الفريضة ، كما يحرم فعل الفريضة بعدها ، والأول أصح ، لأن الوطء ليس بفرض فلم يحرم بفعل الفريضة كصلاة النفل . + الشرح : قال أصحابنا : يتعلق بالحيض أحكام : أحدها : يمنع صحة الطهارة إلا أغسال الحج ونحوها مما لا يفتقر إلى الطهارة الثاني : تحرم الطهارة بنية العبادة إلا ما استثنينا من أغسال الحج ونحوها الثالث : يمنع وجوب الصلاة الرابع : يحرمها الخامس : يمنع صحتها السادس : يمنع وجوب الصوم السابع : يحرمه الثامن : يمنع صحته التاسع : يحرم مس المصحف وحمله وقراءة القرآن والمكث في المسجد ، وكذا العبور على أحد الوجهين العاشر : يحرم سجود التلاوة والشكر ويمنع صحته الحادي عشر : يحرم الإعتكاف ويمنع صحته . الثالث عشر : يمنع وجوب طواف الوداع الرابع عشر : يحرم الوطء وكذا المباشرة بين السرة والركبة على أحد الأوجه الخامس عشر : يحرم الطلاق السادس عشر : تبلغ به الصبية السابع عشر : تتعلق به العدة والإستبراء الثامن عشر : يوجب الغسل ، وهل يجب بخروجه أم بإنقطاعه أم بهما فيه أوجه سبقت في باب ما يوجب الغسل . ومعظم هذه الأحكام مجمع عليه . قال أصحابنا : فإذا طهرت من الحيض ارتفع من هذه الأمور المحرمة تحريم الصوم والطلاق والظهار ، وارتفع أيضا تحريم العبور في المسجد على الأصح إذا قلنا بتحريمه في زمن الحيض ، وقد سبق حكاية وجه عن حكاية صاحب الحاوي وإمام الحرمين أن العبور يبقى تحريمه حتى تغتسل وليس بشيء ، ولا يرتفع ما حرم للحدث كالصلاة والطواف ، والسجود والقراءة ، والاعتكاف ومس المصحف والمكث في المسجد ، ولا يرتفع أيضا تحريم الجماع والمباشرة بين السرة والركبة فإن لم تجد الماء فتيممت استباحت جميع ذلك لأن التيمم كالغسل . قال أصحابنا : إذا تيممت ثم أحدثت لم يحرم وطؤها بلا خلاف ، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا القاضي أبو الطيب ، لأنها استباحت الوطء بالتيمم ، والحدث لا يحرم الوطء كما لو اغتسلت ثم أحدثت . قال القاضي ولأنا لو قلنا يحرم الوطء بعد الحدث لأدى إلى تحريمه ابتداء بعد التيمم لأنه ينتقض الوضوء بالتقاء البشرتين قبل الوطء . أما إذا تيممت ثم رأت الماء فيحرم الوطء على المذهب ، وبه قطع الأصحاب في الطريقتين لأن طهارتها بطلت برؤية الماء وعادت إلى حدث الحيض . وحكى الدرامي وجها شاذا أنه يحل الوطء بعد رؤية الماء ، والصواب الأول . قال القاضي أبو الطيب : فلو رأت الماء في خلال الجماع نزع في الحال واغتسلت ، وأما إذا تيممت وصلت فريضة فهل يصح الوطء بعد الفريضة بذلك التيمم أم لا يحل إلا بتيمم جديد فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، وقد ذكر دليلهما ، الصحيح جوازه . ولو تيممت فوطئها ثم أراد الوطء ثانيا بذلك التيمم ففي جوازه وجهان حكاهما صاحب الحاوي وغيره ، الصحيح جوازه لإرتفاع حدث الحيض بالتيمم ، وبهذا قطع الجمهور ، والثاني : لا يجوز إلا بتيمم جديد كما لا يجمع بين فريضتين بتيمم ، وهذا ليس بشء .

Bagian V02/P367–V02/P369

ولو تيممت وصلت فريضة وقلنا : يجوز الوطء بعدها فلم يطأ حتى خرج وقت تلك الفريضة فهل يحل الوطء بذلك التيمم فيه وجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والمحاملي في كتابيه والفوراني وغيرهم في آخر باب التيمم ، وحكاهما أيضا صاحب الحاوي وآخرون ، الصحيح جوازه لأن خروج الوقت لا يزيد على الحدث . والثاني : لا يجوز الوطء إلا بتيمم جديد قال صاحب الحاوي : وبه قال ابن سريج واختاره الشيخ أبو حامد لأن دخول الوقت رفع حكم التيمم ، ولهذا تجب إعادته للصلاة الأخرى ، وهذا الاستدلال ضعيف أو باطل لأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت ، ولهذا له أن يصلي به ما شاء من النوافل على المذهب كما سبق ، ولو عدمت الماء والتراب صلت الفريضة لحرمة الوقت كما سبق ولا يجوز الوطء حتى تجد أحد الطهورين . هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور ، وحكى الجرجاني في المعاياة وصاحب البيان والرافعي وجها شاذا أنه يجوز الوطء كالصلاة ، وهذا ليس بشيء . قال أصحابنا : والمقيمة في هذا كالمسافرة فإذا عدمت المقيمة الماء أو كانت مريضة أو جريحة فتيممت حل الوطء ، وإن كان صلاتها يجب قضاؤها لأن طهارتها صحيحة والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وطء الحائض إذا طهرت قبل الغسل قد ذكرنا أن مذهبنا تحريمه حتى تغتسل أو تتيمم حيث يصح التيمم وبه قال جمهور العلماء . كذا حكاه الماوردي عن الجمهور ، وحكاه ابن المنذر عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة ومالك والثوري والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، ثم قال ابن المنذر : وروينا بإسناد فيه مقال عن طاوس وعطاء ومجاهد أنهم قالوا : إن أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ ثم أصابها إن شاء . قال ابن المنذر : وأصح من هذا عن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول ، قال : ولا يثبت عن طاوس خلاف قول سالم ، قال : فإذا بطل أن يصح عن هؤلاء قول ثان كان القول الأول كالإجماع . هذا كلام ابن المنذر . وقال أبو حنيفة : إن انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده حل الوطء في الحال ، وإن انقطع لأقله لم يحل حتى تغتسل أو تتيمم ، فإن تيممت ولم تصل لم يحل الوطء حتى يمضي وقت صلاة . وقال داود الظاهري : إذا غسلت فرجها حل الوطء . وحكى عن مالك تحريم الوطء إذا تيممت عند فقد الماء هكذا نقل أصحابنا وغيرهم هذا الخلاف مطلقا كما ذكرته . وقالابن جرير : أجمع على تحريم الوطىء حتى تغسل فرجها ، وإنما الخلاف بعد غسله ، واحتج لأبي حنيفة بأنه يجوز الصوم والطلاق وكذا الوطء ولأن تحريم الوطء هو للحيض وقد زال وصارت كالجنب ، واحتج أصحابنا بقوله الله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن البقرة : 222 وقد روى حتى يطهرن بالتخفيف والشتديد ، والقراءتان في السبع ، فقراءة التشديد صريحة في اشتراط الغسل ، وقراءة التخفيف يستدل بها من وجهين أحدهما : معناها أيضا يغتسلن ، وهذا شائع في اللغة فيصار إليه جمعا بين القراءتين والثاني : أن الإباحة معلقة بشرطين أحدهما : إنقطاع دمهن . والثاني : تطهرهن وهو اغتسالهن ، وما علق بشرطين لا يباح بأحدهما ، كما قال الله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء : 6 فإن قيل ليستا شرطين بل شرط واحد ، ومعناه حتى ينقطع دمهن ، فإذا انقطع فأتوهن ، كما يقال : لا تكلم زيدا حتى يدخل الدار فإذا دخل فكلمه ، فالجواب من أوجه أحدها : أن ابن عباس والمفسرين وأهل اللسان فسروه فقالوا : معناه فإذا اغتسلن .

Bagian V02/P369–V02/P371

فوجب المصير إليه والثاني : أن ما قاله المعترض فاسد من جهة اللسان فإنه لو كان كما قال لقيل : فإذا طهرن ، فأعيد الكلام ، كما يقال : لا تكلم زيدا حتى يدخل ، فإذا دخل فكلمه ، فلما أعيد بلفظ آخر دل على أنهما شرطان ، كما يقال : لا تكلم زيدا حتى يأكل فإذا أكل فكلمه . الثالث : إن فيما قلنا جمعا بين القراءتين فتعين ، واحتج أصحابنا بأقيسة كثيرة ومناسبات ، أحسنها ما ذكره إمام الحرمين في الأساليب ، فقال : أولى متمسك من طريق المعنى اعتبار صورة الإتفاق ، فنقول : اتفقنا على التحريم إذا طهرت لدون العشرة فاستمرار التحريم بعد إنقطاع الدم إن علل بوجوب غسل الحيض لزم التحريم إذا طهرت لأكثر الحيض ، وإن علل بإمكان عود الدم فهو منتقض بما إذا اغتسلت أو تيممت أو خرج وقت الصلاة ، ثم ذكر معاني أخر ، ثم قال : فالوجه اعتماد ما ناقضوا فيه وكل ما ذكروه منتقض بما سلموه فإن قيل : تحريم الوطء بالحيض غير معلل ، قلنا وجوب الغسل بالانقطاع غير معلل ، ولا يمكن أن يقال عادت إلى ما كانت فإن الغسل واجب ، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن لانسداد طريق النظر ، فظاهر القرآن تحريم الوطء حتى تغتسل ، وأما الجواب عن جواز الصوم أن الشرع ورد بتحريم الصوم على الحائض ، وهذه ليست بحائض وهنا حرم الوطء حتى تغتسل . وعن الطلاق أن تحريمه لتطويل العدة ، وذلك يزول بمجرد الانقطاع . وعن قولهم : التحريم للحيض من أوجه . أحدها : لا نسلم ، بل هو لحدث الحيض وهو باق الثاني : أنه ينتقض بالإنقطاع لدى أكثر الحيض الثالث : أن الجنابة لا تمنع الوطء ، وكذا غسلها بخلاف الحيض ، والله أعلم . فرع : قال أبو العباس الجرجاني في المعاياة : ليست امرأة تمنع من الصلاة بحكم الحيض إلا ويحرم وطؤها إلا واحدة وهي من انقطع دمها وعدمت الماء فتيممت ثم أحدثت فإنها تمنع من الصلاة دون الوطء هذا كلامه . وقد ينازع فيه ويقال : المنع من الصلاة هنا للحدث قال : وانقطاع الدم إذا أباح الصلاة أباح الوطء إلا في حق من عدمت الماء والتراب فتصلي ولا يحل وطؤها على الصحيح . فرع : لو أراد الزوج أو السيد الوطء فقالت : أنا حائض فإن لم يمكن صدقها لم يلتفت إليها وجاز الوطء . وإن أمكن صدقها ولم يتهمها بالكذب حرم الوطء ، وإن أمكن الصدق ولكن كذبها ، فقال القاضي حسين في تعليقه و فتاويه وصاحب التتمة : يحل الوطء لأنها ربما عاندته ومنعت حقه ، ولأن الأصل عدم التحريم ولم يثبت سببه . وقال الشاشي : ينبغي أن يحرم وإن كانت فاسقة ، كما لو علق طلاقها على حيضها فيقبل قولها والمذهب الأول ، وفرق القاضي بينه وبين تعليق الطلاق بأن الزوج مقصر في تعليقه بما لا يعرف إلا من جهتها . قال القاضي وغيره : ولو اتفقا على الحيض وادعى انقطاعه وادعت بقاءه في مدة الإمكان فالقول قولها بلا خلاف للأصل . فرع : لو طهرت زوجته أو أمته المجنونة من الحيض حرمت عليه حتى يغسلها فإذا صب الماء عليها ونوى غسلها عن الحيض حلت ، وإن لم ينو فوجهان سبقا في باب نية الوضوء . ولو شك هل حاضت المجنونة أو العاقلة أم لا لم يحرم لأن الأصل عدم التحريم وعدم الحيض . فرع : إذا ارتكبت المرأة من المحرمات المذكورة أثمت وتعزر وعليها التوبة ولا كفارة عليها بالإتفاق . صرح به الماوردي وغيره لأن الأصل البراءة .

Bagian V02/P371–V02/P372

فرع : يجوز عندنا وطء المستحاضة في الزمن المحكوم بأنه طهر وإن كان الدم جاريا ، وهذا لا خلاف فيه عندنا ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والعبدري : وهو قول أكثر العلماء ، ونقله ابن المنذر في الإشراف عن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد الله المزني والأوزاعي ومالك والثوري وإسحاق وأبي ثور . قال ابن المنذر : وبه أقول . وحكى عن عائشة والنخعي والحكم وابن سيرين منع ذلك ، وذكر البيهقي وغيره أن نقل المنع عن عائشة ليس بصحيح عنها بل هو قول الشعبي أدرجه بعض الرواة في حديثها . وقال أحمد : لا يجوز الوطء إلا أن يخاف زوجها العنت ، واحتج للمانعين بأن دمها يجري فأشبهت الحائض ، واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي في الأم ، وهو قول الله تعالى : فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن البقرة : 222 وهذه قد تطهرت من الحيض . واحتجوا أيضا بما رواه عكرمة عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها رواه أبو داود وغيره بهذا اللفظ بإسناذ حسن ، وفي صحيح البخاري قال : قال ابن عباس المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت ، الصلاة أعظم ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة والصوم والاعتكاف والقراءة وغيرها فكذا في الوطء ولأنه دم عرق فلم يمنع الوطء كالناسور ، ولأن التحريم بالشرع ولم يرد بتحريم ، بل ورد بإباحة الصلاة التي هي أعظم كما قال ابن عباس . والجواب عن قياسهم على الحائض : أنه قياس يخالف ما سبق من دلالة الكتاب والسنة فلم يقبل ، ولأن المستحاضة لها حكم الطاهرات في غير محل النزاع فوجب إلحافه بنظائره لا بالحيض الذي لا يشاركه في شيء .

Bagian V02/P372–V02/P373

قال المصنف رحمه الله تعالى : أقل سن تحيض فيه المرأة تسع سنين ، قال الشافعي رحمه الله : أعجل من سمعت من النساء تحيض ، نساء تهامة يحضن لتسع سنين . فإذا رأت الدم لدون ذلك فهو دم فساد ، ولا تتعلق به أحكام الحيض . + الشرح : تهامة بكسر التاء وهو اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ، ومكة من تهامة ، قال ابن فارس : سميت تهامة من التهم يعني بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح ، وقال صاحب المطالع : سميت بذلك لتغير هوائها ، يقال : تهم الدهن إذا تغير . أما حكم المسألة : ففي أقل سن يمكن فيه الحيض ثلاثة أوجه الصحيح استكمال تسع سنين ، وبه قطع العراقيون وغيرهم . والثاني : بالشروع في التاسعة . والثالث : بمضي نصف التاسعة ، والمراد بالسنين القمرية . والمذهب الذي عليه التفريع استكمال تسع وهل هي تحديد أم تقريب وجهان حكاهما صاحب الحاوي والدارمي في كتاب المتحيرة والمتولي والشاشي وغيرهم . أحدهما : تحديد ، فلو نقص عن التسع ما نقص فليس بحيض وهذا مقتضى إطلاق كثيرين وأصحهما : تقريب صححه الروياني والرافعي وغيرهما ، فعلى هذا قال صاحب الحاوي : لا يؤثر نقص اليوم واليومين ، قال الدارمي : لا يؤثر الشهر والشهران . قال المتولي والرافعي : إن كان بين رؤية الدم واستكمال التسع ما لا يسع حيضا وطهرا كان ذلك الدم حيضا وإلا فلا . قال المتولي : وإذا قلنا تحديد فرأته قبل التسع متصلا باستكمالها نظر إن رأت قبل التسع أقل من يوم وليلة وبعد التسع يوما وليلة جعل الجميع حيضا وإذا رأت قبل التسع يوما وليلة وبعدها دون يوم وليلة فليس لها حيض وإن كان الجميع يوما وليلة بعضه قبل التسع وبعضه بعدها فهل يجعل حيضا فيه وجهان ، قال الدارمي بعد أن ذكر الإختلافات : كل هذا عندي خطأ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود ، فأي قدر وجد في أي حال وسن كان ، وجب جعله حيضا والله أعلم . ثم إن الجمهور لم يفرقوا في هذا بين البلاد الحارة والباردة وفيه وجه حكاه إمام الحرمين عن حكاية والده أنه إذا وجد الدم لتسع سنين في البلاد الباردة التي لا يعهد في أمثالها مثل ذلك فليس بحيض والمذهب الأول . قال أصحابنا : قال الشافعي رحمه الله : رأيت جدة بنت إحدى وعشرين سنة وقيل : إنه رآها بصنعاء اليمن قالوا : هذا رآه واقعا ويتصور جدة بنت تسع عشرة سنة ولحظة فتحمل لتسع وتضع لستة أشهر بنتا ، وتحمل تلك البنت لتسع سنين ، وتضع لستة أشهر ، هذا ما يتعلق بأقل سن الحيض ، وأما آخره فليس له حد بل هو ممكن حتى تموت كذا قاله صاحب الحاوي وغيره وهو ظاهر . قال أصحابنا : فالمعتمد في هذا الوجود ، وقد وجد من تحيض لتسع سنين ، فوجب المصير إليه كما يرجع إلى العادة في أقل مدة الحمل وأكثرها ، وفي القبض في المبيع إحياء الموات والحرز في السرقة وغيرها ، أما إذا رأت الدم لدون أقل سن الحيض المذكور فليس بحيض ، بل هو حدث ينقض الوضوء ولا يوجب الغسل ولا يمنع الصوم ولا يتعلق به شيء من أحكام الحيض ويسمى دم فساد . وهل يسمي استحاضة فيه خلاف قدمناه في أول الباب . وإذا ادعت المرأة الحيض في سن الإمكان قبل قولها بغير يمين كما يقبل قول الغلام في إنزال المني لسن الإمكان والله أعلم .

Bagian V02/P373

فرع : قال أصحابنا : أقل سن يجوز أن تنزل المرأة فيه المني هو سن الحيض وفيه الأوجه الثلاثة السابقة ، الصحيح استكمال تسع سنين ، قال إمام الحرمين : وعلى الجملة هي أسرع بلوغا من الغلام ، وأما الغلام فاختلفوا فيه وحاصل المنقول فيه ثلاثة أوجه ، أصحها : عند العراقيين : استكمال تسع سنين ، وبهذا قطع جماعة منهم هنا في باب الحيض كالشيخ أبي حامد والنبدنيجي والقاضي أبي الطيب وابن الصباغ . والثاني : مضي تسع سنين ونصف ، وهو ظاهر نص الشافعي رحمه الله في كتاب اللعان . والثالث : استكمال عشر سنين ، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى في باب الحجر وما يلحق من النسب والله أعلم .

Bagian V02/P373–V02/P376

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأقل الحيض يوم وليلة ، وقال في موضع ( آخر ) : يوم ، فمن أصحابنا من قال : هما قولان ، ومنهم من قال : ( هو ) يوم وليلة قولا واحدا وقوله : يوم أراد بليلته ، ومنهم من قال : يوم قولا واحدا وإنما قال : يوم وليلة قبل أن يثبت عنده اليوم فلما ثبت عنده ( اليوم ) رجع إليه والدليل على ذلك أن المرجع في ذلك إلى الوجود ، وقد ثبت الوجود في هذا القدر . قال الشافعي رحمه الله : رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه . وقال الأوزاعي رحمه الله : عندنا امرأة تحيض غدوة وتطهر عشية . وقال عطاء رحمه الله : رأيت من النساء من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما وقال أبو عبد الله الزبيري رحمه الله كان في نسائنا من تحيض يوما وتحيض خمسة عشر يوما وأكثره خمسة عشر يوما ، لما رويناه عن عطاء وأبي عبد الله الزبيري وغالبه ست أو سبع لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش رضي الله عنها : وتحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة أيام كما تحيض النساء ويطهرن ميقات حيضهن وطهرهن وأقل طهر فاصل بين الدمين خمسة عشر يوما لا أعرف فيه خلافا ، فإن صح ما يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : في النساء نقصان دينهن إن إحداهن تمكث شطر دهرها لا تصلي دل ذلك على أن أقل الطهر خمسة عشر يوما ، لكني لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقه . + الشرح : في الفصل مسائل : إحداها : في أقل الحيض ، نص الشافعي رحمه الله في العدد أن أقله يوم ، ونص في باب الحيض من مختصر المزني وفي عامة كتبه أقله يوم وليلة ، واختلف الأصحاب فيه على ثلاث طرق ذكرها المصنف بدليلها ، أحدها : يوم بلا ليلة ، والثاني : قولان أحدهما : يوم بلا ليلة والثاني : يوم وليلة . والطريق الثالث : وهو أصحها باتفاق الأصحاب أن أقله يوم وليلة قولا واحدا وهذا الطريق قول المزني وأبي العباس بن سريج وجماهير أصحابنا المتقدمين وقطع به كثيرون من المتأخرين ونقله المحاملي وابن الصباغ عن الأكثرين . قال الشيخ أبو حامد وآخرون : ولا يصح قول من قال : فيه قولان : لأن الاعتبار بالوجود ، فإن صح الوجود في يوم تعين ، قالوا : ولأنه إذا أمكن حمل كلاميه على حالين كان أولى من الحمل على قولين ، كذا كل مجتهد ، كما إذا أمكن حمل حديثي النبي صلى الله عليه وسلم على حالين ، والجمع بينهما كان مقدما على النسخ والتعارض ، وضعف الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين وغيرهما طريقة القطع بيوم لأن الشافعي رحمه الله إنما قال يوم في مسائل العدد إختصارا أو حين أراد تحديد أقل الحيض في بابه ، والرد على من قال أقله ثلاثة أيام ، قال الشافعي : أقله يوم وليلة ، فوجب إعتماد ما حققه في موضع التحديد هذا هو المشهور في مذهبنا ، والموجود في كتب أصحابنا . وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه اختلاف الفقهاء : حدثني الربيع عن الشافعي أن الحيض يكون يوما وأقل وأكثر ، قال : وحدثني الربيع أن آخر قول الشافعي أن أقل الحيض يوم وليلة ، وهذا النص الذي نقله ابن جرير عن الشافعي غريب جدا ، ولكن تأويله على ما سأذكره في الفرع بعد هذا إن شاء الله تعالى ، والصواب عند الأصحاب أن أقل الحيض يوم وليلة وعليه التفريع والعمل وما سواه متأول عليه . ودليله من نص الشافعي رحمه الله شيئان ، أحدهما : أنه ذكره في معظم كتبه وفي مظنته ، والثاني : أنه آخر قوله كما نقله الثقة ابن جرير .

Bagian V02/P376–V02/P378

المسألة الثانية : أكثر الحيض خمسة عشر بإتفاق أصحابنا ، وذكر المصنف دليله . المسألة الثالثة : غالب الحيض ست أو سبع بالإتفاق . المسألة الرابعة : أقل طهر فاصل بين حيضتين خمسة عشر يوما باتفاق أصحابنا ، لأنه أقل ما ثبت وجوده ولا حد لأكثره بالإجماع . قال أصحابنا : وقد تبقى المرأة جميع عمرها لا تحيض وحكى القاضي أبو الطيب أن امرأة كانت في زمنه تحيض في كل سنة يوما وليلة وهي صحيحة تحبل وتلد وكان نفاسها أربعين يوما . وأما غالب الطهر ، فقال أصحابنا : هو ثلاثة وعشرون يوما أو أربعة وعشرون ، بناء على أن غالب الحيض ماذا ، فالغالب أن في كل شهر حيضا وطهرا فغالب الحيض ستة أو سبعة وباقيه طهر . هذا ما يتعلق بإيضاح أصل المذهب . وأما قوله طهر فاصل بين الدمين خمسة عشر يوما فاحترز به عن شيئين أحدهما : الطهر الذي بين الحيض والنفاس إذا قلنا بالأصح : إن الحامل تحيض فإنه يجوز أن يكون دون خمسة عشر ولو يوما على المذهب الصحيح ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، الثاني : أيام النقاء المتخللة ، بين أيام الحيض في حق التلفيق إذا قلنا بالتلفيق وأراد المصنف بقوله : بين الدمين : بين الحيضتين ، ولو قال : بين الحيضتين كما قال في التنبيه لكان أحسن ليحترز عن الشيئين المذكورين والله أعلم . وأما قوله : لا أعرف فيه خلافا ، فمحمول على نفي الخلاف في مذهبنا ، وإلا فالخلاف فيه للعلماء مشهور ، سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما قول المحاملي في كتابيه : أقل الطهر خمسة عشر يوما بالإجماع ، ونحوه في التهذيب وقول القاضي أبي الطيب في مسألة التلفيق : أجمع الناس أن أقل الطهر خمسة عشر يوما فمردود غير مقبول ، فلا يحمل كلام المصنف عليه ، وإن كان لو حمل عليه لم يكن غلطا في اللفظ فإنه قد قال : لا أعرف فيه خلافا ولا يلزم من عدم معرفته عدم الخلاف والله أعلم . وأما حديث : تمكث شطر دهرها فحديث باطل لا يعرف ، وإنما ثبت في الصحيحين تمكث الليالي ما تصلي كما سبق بيانه في مسألة تحريم الصوم ، وأما حديث حمنة فصحيح ، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من رواية حمنة ، قال الترمذي : هو حديث حسن قال : وسألت البخاري عنه فقال : هو حديث حسن قال : وكذا قال أحمد بن حنبل : هو حديث حسن صحيح ، قال الخطابي : وقد ترك بعض العلماء الإحتجاج بهذا الحديث لأن راويه عبد الله بن محمد بن عقيل ليس بذاك . قلت : هذا الذي قال هذا القائل لا يقبل فإن أئمة الحديث صصحوه كما سبق ، وهذا الراوي وإن كان مختلفا في توثيقه وجرحه فقد صحح الحفاظ حديثه هذا ، وهم أهل هذا الفن ، وقد علم من قاعدتهم في حد الحديث الصحيح والحسن ، أنه إذا كان في الراوي بعض الضعف أجيز حديثه بشواهد له أو متابعة وهذا من ذلك . وقوله صلى الله عليه وسلم : تحيضي في علم الله أي التزمي الحيض وأحكامه فيما أعلمك الله من عادة النساء ، هكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، والعلم هنا بمعنى المعلوم . وقال الخطابي : معناه فيما علم الله من أمرك من ستة أو سبعة وقوله صلى الله عليه وسلم كما تحيض النساء المراد غالب النساء لاستحالة إرادة كلهن لاختلافهن وقوله صلى الله عليه وسلم : ميقات حيضهن وهو بنصب التاء على الظرف أي في وقت حيضهن ، واختلفوا في حال حمنة فقيل : كانت مبتدأة فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غالب عادة النساء ، وقيل : كانت معتادة ستة أو سبعة فردها إليها ذكر هذا الخلاف فيها الخطابي وجمهور أصحابنا في كتب المذهب وذكرهما الشافعي رحمه الله في الأم إحتمالين .

Bagian V02/P378–V02/P379

واختار المصنف بعد هذا أنها كانت مبتدأة وكذا اختار إمام الحرمين وابن الصباغ والشاشي وآخرون ورجحه الخطابي قال : ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم كما تحيض النساء ويطهرن . واختار الشافعي رحمه الله في الأم أنها كانت معتادة وأوضح دليله وقال : هذا أشبه معانيه . قال صاحب التتمة : من قال كانت معتادة ذكروا في ردها إلى الستة والسبعة ثلاث تأويلات أحدها معناه ستة إن كانت عادتك ستة أو سبعة إن كان عادتك سبعة . الثاني : لعلها شكت هل عادتها ستة أو سبعة فقال : تحيضي ستة إن تذكري عادتك أو سبعة إن ذكرت أنها عادتك . الثالث : لعل عادتها كانت تختلف ، ففي بعض الشهور ستة وفي بعضها سبعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ستة في شهر الستة وسبعة في شهر السبعة فتكون لفظة ( أو ) للتقسيم ، وبسطت الكلام في هذا الحديث لأنه من الأحاديث التي عليها مدار كتاب الحيض وتدخل في كل مصنفات الحيض ، والله أعلم . فرع : ذكر المصنف في هذا الفصل حمنة بنت جحش وعطاء والأوزاعي ، والزبيري ، فأما حمنة فبحاء مهملة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم نون ثم هاء أبوها جحش بجيم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم شين معجمة وهي أخت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأما عطاء فهو محمد عطاء بن أبي رباح ، واسم أبي رباح أسلم وعطاء من كبار أئمة التابعين في الفقة والزهد والورع وغير ذلك وهو أحد شيوخنا في سلسلة التفقه ، فهو شيخ ابن جريج الذي هو شيخ مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي كما سبق بيانه في مقدمة الكتاب . توفي عطاء رحمه الله سنة أربع عشرة ومائة وقيل : خمس عشرة وقيل سبع عشرة . وأما الأوزاعي فهو أبو عمر من كبار تابعي التابعين وأئمتهم البارعين كان إمام أهل الشام في زمنه أفتى في سبعين ألف مسألة وقيل ثمانين ألفا توفي في خلوته في حمام بيروت مستقبل القبلة متوسدا بيمينه سنة سبع وخمسين ومائة قيل : هو منسوب إلى الأوزاع قرية كانت بخارج باب الفراديس من دمشق ، وقيل قبيلة من اليمن ، وقيل غير ذلك . وأما الزبيري ، فهو من أصحابنا أصحاب الوجوه منسوب إلى الزبير بن العوام أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنه وهو أبو عبد الله الزبيري بن أحمد بن عبد الله بن عاصم بن الزبير ابن العوام وللزبيري كتب نفيسة وأحوال شريفة فهذه أحرف في تعريف هذه الأسماء وقد بسطت أحوال أصحابها ومناقبهم في تهذيب الأسماء وبالله التوفيق . فرع : قد ذكرنا أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما وكذا أقل الطهر والمراد خمسة عشرة بلياليها وهذا القيد لا بد منه لتدخل الليلة الأولى . فرع : لو وجدنا امرأة تحيض أقل من يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر أو تطهر أقل من خمسة عشر ، واشتهرت عادتها كذلك متكررة ففيها ثلاثة أوجه حكاها إمام الحرمين والغزالي وغيرهما ، أحدها : لا يعتبر حال هذه بل الحكم على ما عهد لأن بحث الأولين أوفى والثاني : يعتبر ليكون هذا حيضها وطهرها لأن الإعتماد على الوجود وقد حصل قال إمام الحرمين : هذا قول طوائف من المحققين منهم الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني والقاضي حسين . قلت : واختار الدارمي في الإستذكار وصاحب التتمة . والثالث : إن كان قدرا يوافق مذهب السلف الذين يقولون باعتماد الوجود اعتمدناه وعملنا به ، وإن لم يوافق مذهب أحد لم يعتمد . قال إمام الحرمين : والذي أختاره ولا أرى العدول عنه الاكتفاء بما استقرت عليه مذاهب الماضين من أئمتنا في الأقل والأكثر ، فإنا لو فتحنا باب إتباع الوجود في كل ما يحدث وأخذنا في تغيير ما يمهد تقليلا وتكثيرا لأختلطت الأبواب وظهر الاضطراب ، والوجه اتباع ما تقرر للعلماء الباحثين قبلنا .

Bagian V02/P379–V02/P380

وذكر الرافعي نحو ما ذكره إمام الحرمين ثم قال : فالأظهر أنه لا اعتبار بحال هذه المرأة . بل الاعتبار بما تقرر ، لأن احتمال عروض دم الفساد لهذه المرأة أقرب من إنخرام العادة المستمرة . قال : ويدل عليه الإجماع على أنها لو كانت تحيض يوما وتطهر يوما على الاستمرار لا يجعل كل نقاء طهرا مستقلا كاملا . قال : فهذا الوجه هو المذهب المعتمد وعليه تفريع الباب ، واختار الشيخ أبو عمرو بن الصلاح قول الأستاذ أبي إسحاق فقال : الصحيح إتباع ذلك فإنه نص الشافعي ، نقله عنه صاحب التقريب فيه ، وناهيك إتقانا وتحقيقا وإطلاعا ، وكأن الأصحاب لم يطلعوا على النص . قال : وفي المحيط للشيخ أبي محمد الجويني عن الأستاذ أبي إسحاق قال : كانت امرأة تستفتيني بإسفرايين وتقول : إن عادتها في الطهر مستمرة على أربعة عشر يوما على الدوام فجعلت ذلك طهرها على الدوام . قلت : وهذا النص الذي نقله أبو عمرو واختاره موافق لما قدمته عن ابن جرير عن الربيع عن الشافعي ، فإن ذلك النص وإن كان مطلقا فهو محمول على هذه الصورة والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء في أقل الحيض والطهر وأكثرهما أجمع العلماء على أن أكثر الطهر لا حد له ، قال ابن جرير : وأجمعوا على أنها لو رأت الدم ساعة وانقطع لا يكون حيضا . وهذا الإجماع الذي ادعاه غير صحيح فإن مذهب مالك أن أقل الحيض يكون دفعة فقط ، واختلفوا فيما سوى ذلك ، فمذهبنا المشهور أن أقل الحيض يوم وليلة وأكثره خمسة عشر . قال ابن المنذر : وبه قال عطاء وأحمد وأبو ثور . وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : أكثر الحيض عشرة أيام وأقله ثلاثة أيام . قال : وبلغني عن نساء الماجشون أنهن كن يحضن سبع عشرة . قال أحمد : أكثر ما سمعناه سبع عشرة . قال ابن المنذر وقال طائفة : ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام ، بل الحيض إقبال الدم المنفصل عن دم الاستحاضة . والطهر إدباره ، وقال الثوري : أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يوما ، قال أبو ثور : وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم ، وأنكر أحمد وإسحاق التحديد في الطهر . قال أحمد : الطهر ما بين الحيضتين على ما يكون ، وقال إسحاق : توقيتهم الطهر بخمسة عشر باطل ، هذا نقل ابن المنذر ، وحكى أصحابنا عن أبي يوسف أقل الحيض يومان وأكثره الثالث ، وعن مالك لاحد لأقله وقد يكون دفعة واحدة . وحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض إحداها : خمسة عشر ، والثانية : سبعة عشر ، والثالثة : غير محدود ، وعن مكحول أكثره سبعة أيام ، قال العبدري : واختلف أصحاب مالك في أقل الطهر ، فروى ابن القاسم أنه غير محدود وأنه ما يكون مثله طهرا في العادة ، وروى عبد الملك بن الماجشون أنه خمسة أيام وقال سحنون : ثمانية أيام ، وقال غيره : عشرة أيام ، وقال محمد بن سلمة : خمسة عشر وهو الذي يعتمده أصحابه البغداديون ، وقال أحمد في رواية الأثرم وأبي طالب : أقل الطهر ثلاثة عشر يوما ، وقال الماوردي : قال أكثر العلماء : أقل الطهر خمسة عشر . وقال مالك : أقله عشرة ، وحكى ابن الصباغ عن يحيى بن أكثم بالثاء المثلثة أن أقل الطهر تسعة عشر يوما . فأما أدلة هذه المذاهب فمنها مسألة الإجماع أن أكثر الطهر لا حد له ودليلها في الإجماع ، ومن الاستقراء أن ذلك موجود مشاهد ، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال : أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يوما وليلة ، وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يوما .

Bagian V02/P380–V02/P382

وأما أقل الحيض فاحتج لمن قال : أقله ثلاثة أيام بحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها ، فقالت : إني أستحاض فقال : ليس ذلك الحيض إنما هو عرق ، لتقعد أيام أقرائها ثم لتغتسل ولتصل رواه أحمد بن حنبل ، قالوا : وأقل الأيام ثلاثة ، وبحديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة أيام رواه الدارقطني ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام ولا أقل من ثلاثة أيام . وعن أنس رضي الله عنه قال : الحيض ثلاث ، أربع ، خمس ، ست ، سبع ، ثمان ، تسع ، عشر قالوا : وأنس لا يقول هذا إلا توقيفا . قالوا : ولأن هذا تقدير والتقدير لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق ، وإنما حصل الإتفاق على ثلاث ، واحتج أصحابنا بقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها : دم الحيض أسود يعرف ، فإذا كان ذاك فأمسكي عن الصلاة رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة . قال أصحابنا : وهذه الصفة موجودة في اليوم والليلة ، ولأن أقل الحيض غير محدود شرعا فوجب الرجوع فيه إلى الوجود ، وقد ثبت الوجود في يوم وليلة كما ذكره المصنف عن عطاء والأوزاعي والشافعي والزبيري . وروينا بالإسناد الصحيح في سنن البيهقي عن الإمام عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله قال : كانت امرأة يقال لها أم العلا قالت : حيضتي منذ أيام الدهر يومان قال إسحاق بن راهويه : وصح لنا عن غير امرأة في زماننا أنها قالت : حيضتي يومان وعن يزيد بن هرون قال : عندي امرأة تحيض يومين ، وروي في هذا المعنى غير ما ذكرنا . قال أصحابنا ولا مجال للقياس في هذه وأما الجواب عن حديث أيام أقرائها لو ثبت فمن وجهين : أحدهما : ليس المراد بالأيام هنا الجمع بل الوقت . الثاني : أنها مستحاضة معتادة ردها إلى الأيام التي أعتادتها ، ولا يلزم من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة أيام ، وأما حديث واثلة وأبي أمامة وأنس فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين ، وقد أوضح ضعفها الدارقطني ثم البيهقي في كتاب الخلافيات ثم السنن الكبيرة . وقولهم : التقدير لا يصح إلا بتوقيف ، جوابه أن التوقيف ثبت فيما ذكرناه لأن مداره على الوجود ، وقد ثبت ذلك على ما قدمناه . وأما من قال : أقل الحيض ساعة ، فاعتمدوا ظواهر النصوص المطلقة ، والقياس على النفاس ، واحتج أصحابنا بأن الاعتماد على الوجود ، ولم يثبت دون ما قلناه . والجواب عن النصوص أنها مطلقة فتحمل على الوجود ، وعن النفاس أنه وجد لحظة ، فعملنا بالوجود فيهما ، وأما من قال أكثر الحيض عشرة ، فاحتجوا بحديث واثلة وأبي أمامة وأنس وكلها ضعيفة واهية كما سبق ، وليس لهم حديث ولا أثر يجوز الإحتجاج به . واحتج أصحابنا بما ثبت مستفيضا عن السلف من التابعين فمن بعدهم أن أكثر الحيض خمسة عشر ، وأنهم وجدوه كذلك عيانا ، وقد جمع البيهقي أكثر ذلك في كتابه في الخلافيات وفي السنن الكبير ، فممن رواه عنه عطاء والحسن وعبيد الله بن عمر ويحيى بن سعيد وربيعة وشريك والحسن بن صالح وعبد الرحمن ابن مهدي رحمهم الله . وأما قول يحيى بن أكثم : أقل الطهر تسعة عشر ، فاستدل له ابن الصباغ قال : أكثر الحيض عنده عشرة ، والشهر يشتمل على حيض وطهر ، وقد يكون الشهر تسعة وعشرين منها عشرة للحيض والباقي طهر ، ودليلنا بثبوت الوجود في خمسة عشر .

Bagian V02/P382–V02/P383

وأما قوله : فبناه على أن أكثر الحيض عشر وقد بينا بطلانه فإن قيل روى إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يوما ، وعن ميمون بن مهران أن بنت سعيد ابن جبير كانت تحته وكانت تحيض من السنة شهرين فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه ( النكت ) أن هذين النقلين ضعيفان ، فالأول : عن بعضهم وهو مجهول وقد أنكره بعضهم ، وقد أنكره الإمام مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة ، والثاني : رواه الوليد بن مسلم عن رجل عن ميمون ، والرجل مجهول والله أعلم .

Bagian V02/P383–V02/P384

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي الدم الذي تراه الحامل قولان ، أحدهما : أنه حيض لأنه دم لا يمنعه الرضاع فلا يمنعه الحمل كالنفاس ، والثاني : أنه دم فساد ، لأنه لو كان ذلك حيضا لحرم الطلاق وتعلق به إنقضاء العدة . + الشرح : يقال : الرضاع والرضاع بفتح الراء وكسرها فيهما ، وامرأة حامل وحاملة ، والأول أشهر وأفصح ، فإن حملت على رأسها أو ظهرها فحاملة لا غير ، والدم مخفف الميم على اللغة المشهورة ، وفيه لغية شاذة بتشديدها . أما حكم المسألة : فإذا رأت الحامل دما يصلح أن يكون حيضا فقولان مشهوران قال صاحب الحاوي والمتولي والبغوي وغيرهم : الجديد أنه حيض ، والقديم : ليس بحيض ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح أنه حيض ، فإن قلنا ليس بحيض فهو دم فساد كما ذكر المصنف ، وهل يسمى استحاضة فيه خلاف سبق ، وسواء قلنا إستحاضة أو دم فساد هو حدث ينقض الوضوء ، فإن لم يستمر فهو كالبول ، فلها أن تصلي بالوضوء الواحد صلوات ، وإن استمر فلها حكم الاستحاضة المستمرة وسيأتي بيانها في آخر الباب إن شاء الله تعالى . قال الدارمي في الاستذكار : اختلف أصحابنا في محل القولين فمنهم من قال : هما إذا رأت الدم في أيام عادتها وعلى صفة دم الحيض ، فإن رأته في غير أيام الحيض أو رأت صفرة أو كدرة فليس بحيض قولا واحدا ، ومنهم من قال : لا فرق ، بل الخلاف جار في كل ما يجوز أن يكون حيضا لغير الحامل ، وقال أبو علي ابن أبي هريرة : القولان إذا قلنا للحمل حكم ، فإن قلنا : لا حكم له فهو حيض قولا واحدا ، وقال أبو إسحاق : القولان جاريان سواء قلنا له حكم أم لا ، قال : واختلفوا أيضا فمنهم من قال : القولان إذا مضي للحمل أربعون يوما وما رأته قبل ذلك حيض قولا واحدا ، ومنهم من قال : القولان في الجميع ، هذا آخر كلام الدارمي وقال الشاشي : إذا قلنا : الحامل لا تحيض فمن متى ينقطع حيضها وجهان الصحيح بنفس العلوق ، والثاني : من وقت حركة الحمل . قلت : الصحيح المشهور جريان القولين بنفس العلوق ، وفي جميع الأحوال التي ذكرها الدارمي وأما قول المصنف : أحدهما أنه حيض لأنه دم لا يمنعه الرضاع ولا يمنعه الحمل كالنفاس فمعناه أن المرضع لا تحيض غالبا وكذا الحامل ، فلو اتفق رؤية الدم في حال الرضاع كان حيضا بالاتفاق فكذا في حال الحمل فهما سواء في الندور ، فينبغي أن يكونا سواء في الحكم بأنهما حيض . وأما قوله : كالنفاس فمراده إذا ولدت ولدين بينهما دون ستة أشهر ورأت الدم بينهما وقلنا : إنه نفاس فهذه حامل ومرضع ودمها نفاس ، ومعناه أن النفاس لا يمنعه الرضاع والحمل ، والحيض لا يمنعه الرضاع ، فينبغي أن لا يمنعه الحمل كما قلنا في النفاس ، قال صاحب البيان في مشكلات المهذب : مراده الاستدلال على أبي حنيفة رحمه الله لأنه يقول : دم الحامل ليس بحيض والدم بين الولدين نفاس ، فقاس على ما وافق عليه ، قال القلعي : وقوله : لا يمنعه الرضاع ليس باحتراز بل للدلالة على الحكم والتقريب من الأصل والله أعلم .

Bagian V02/P384–V02/P385

فرع : إذا قلنا : دم الحامل حيض فقد ذكر المصنف أنه لا تنقضي به العدة وكذا قاله أصحابنا في هذا الباب ، ونقل الغزالي والمتولي وغيرهما الإتفاق على هذا ، ومرادهم أن الحامل إذا كان عليها عدة واحدة وحملها لصاحب العدة وحاضت أدوارا فلا تنقضي بها العدة ولا يحسب شيء من الأطهار المعجلة قرءا ، أما إذا كان الحمل بحيث لا تنقضي به العدة بأن لا يكون لصاحب العدة مثل إن مات صبي عن زوجته أو فسخ نكاحه بعينه أو غيره بعد دخوله وامرأته حامل من الزنا أو تزوج الرجل حاملا من الزنا وطلقها بعد الدخول وهي ترى الدم على الأدوار فإن قلنا : الحامل تحيض ففي إنقضاء عدتها بهذه الأطهار المتخللة في مدة الحمل وجهان مشهوران سيأتي إيضاحهما في كتاب العدد إن شاء الله تعالى . ولو كان عليها عدتان بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها بشبهة فوجبت العدة الثانية فهل تتداخل العدتان فيه خلاف معروف . فإن قلنا : لا تتداخل كانت معتدة عن الطلاق فلو حاضت على الحمل فهل يحسب أطهارها في الحمل عن عدة الشبهة فيه وجهان ، أصحهما : يحسب ، فعلى هذا يكون حيض الحامل مؤثرا في إنقضاء العدة ولا يحسن إطلاق القول بأنه لا تنقضي به العدة إلا أن يقيد بما قيدناه به أولا والله أعلم . فرع : إذا قلنا : دم الحامل حيض فانقطع ثم ولدت بعد انقطاعه بخمسة عشر يوما فصاعدا فلا شك في كونه حيضا ، وإن ولدت قبل مضي خمسة عشر ففي كونه حيضا وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في فصل النفاس ، أصحهما : بالاتفاق أنه حيض ، لأنه دم بصفة الحيض ، وإنما يشترط أن يكون بين الدمين خمسة عشر إذا كانا دمي حيض ، ولهذا قال المصنف والأصحاب . أقل طهر فاصل بين الحيضتين خمسة عشر . قال المتولي : وعلى هذا لو رأت النفاس ستين يوما ثم انقطع ثم عاد الدم ، فإن عاد بعد خمسة عشر فهو حيض ، وإن عاد قبلها فهل يجعل الثاني حيضا فيه هذان الوجهان ، أحدهما : لا ، لنقصان ما بينهما عن طهر كامل ، وأصحهما : نعم لاختلافهما . فرع : إذا قيل إذا جعلتم دم الحامل حيضا لم يبق وثوق بإنقضاء العدة ، والاستبراء بالحيض لاحتمال الحيض على الحمل ، فالجواب أن الغالب أنها لا تحيض ، فإذا حاضت حصل ظن براءة الرحم ، وذلك كاف في العدة والإستبراء ، فإن بان خلافه على الندور عملنا بما بان والله أعلم . فرع : في مذاهب السلف في حيض الحامل ، وقد ذكرنا أن الأصح عندنا أن الدم الذي تراه حيض . وبه قال قتادة ومالك والليث ، وقال ابن المسيب والحسن وعطاء ومحمد بن المنكدر وعكرمة وجابر بن زيد والشعبي ومكحول والزهري والحكم وحماد والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر : ليس بحيض ، ودليل المذهبين في الكتاب ، ومما يستدل به للصحيح في كونه حيضا أنه دم بصفات دم الحيض وفي زمن إمكانه ولأنه متردد بين كونه فسادا لعلة أو حيضا ، والأصل السلامة من العلة . وأما قول القائل الآخر : لو كان حيضا لانقضت العدة به ففاسد ، لأن العدة لطلب براءة الرحم ، ولا تحصل البراءة بالأقراء مع وجود الحمل ، ولأن العدة تنقضي به في بعض الصور كما سبق بيانه ، وأما قوله : لو كان حيضا لحرم الطلاق ، فجوابه أن تحريم طلاق الحائض إنما كان لتطويل العدة ولا تطويل هنا ، لأن عدتها بالحمل والله أعلم .