Qur'an&Sunnah

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

Bagian V05/P077–V05/P078

وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الاستسقاء : اللهم أغثنا بالألف رباعي . قال القاضي عياض : قال بعضهم هذا المذكور في الحديث هو من الإغاثة . بمعنى المعونة . وليس من طلب الغيث ، إنما يقال في طلب الغيث غثنا . قال القاضي : ويحتمل أن يكون من طلب الغيث ، أي هب لنا غيثا أو ارزقنا غيثا كما يقال : سقاه الله وأسقاه ، أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما . قوله : هنيئا هو الذي لا ضرر فيه ولا تعب ، وقيل ، هو الطيب الذي لا ينقصه شيء ، قوله : مريئا مهموز هو المحمود العاقبة مسمنا للحيوان منميا له . قوله : مريعا ضبطناه في المهذب بفتح الميم وكسر الراء وبعدها مثناة تحت ساكنة وهو من المراعة وهي الخصب ، قال الأزهري : المريع ذو المراعة ، وأمرعت الأرض أخصبت ، وقيل : المريع الذي يمرع الأرض أي تنبت عليه ، وروى مريعا بضم الميم وإسكان الراء وكسر الياء الموحدة . وروي مرتعا مثله إلا أنه بالتاء المثناة فوق ، وهما بمعنى الأول . قوله : غدقا هو بفتح الدال . قال الأزهري : هو الكثير الماء والخير ، وقيل : الذي قطره كبار . قوله : مجللا هو بكسر اللام . قال الأزهري : هو الذي يجلل البلاد والعباد نفعه ويتغشاهم خيره ، وقال غيره : يجلل الأرض أن يعمها ، كجل الفرس . قوله : طبقا بفتح الطاء والباء . قال الأزهري : وهو الذي يطبق البلاد مطره فيصير كالطبق عليها ، وفيه مبالغة . ووقع في هذا الحديث فيما ذكره الشافعي والأصحاب والمصنف في التنبيه عاما طبقا . قالوا : بدأ العام ثم أتبعه الطبق لأنه صفة زيادة في العام فقد يكون عاما وهو طل يسير . قوله : سحا هو شديد الوقع على الأرض ، يقال : سح الماء يسح بضم السين في المضارع إذا سال من فوق إلى أسفل ، وساح يسيح إذا جرى على وجه الأرض والقنوط : اليأس . اللأواء بالهمز والمد شدة المجاعة ، قاله الأزهري الجهد بفتح الجيم وقيل يجوز ضمها : قلة الخير والهزال وسوء الحال ، وأرض جهاد أي لا تنبت شيئا . والضنك : الضيق ما لا نشكو إلا إليك بالنون وبركات السماء كثرة مطرها مع الريع والنماء وبركات الأرض ما يخرج منها من زرع ومرعى . ولم يذكر المصنف هنا بركات الأرض ، وذكره في التنبيه ، وذكره الشافعي والأصحاب وهو في الحديث المذكور . قوله : فارسل السماء علينا مدرارا كذا وقع في المهذب وفي الحديث وفي التنبيه وسائر كتب الأصحاب : فأرسل . قال الأزهري والسماء هنا السحاب وجمعها سمى وأسمية ، وقال الزمخشري في تفسير : يجوز أن يكون المراد بالسماء هنا المطر أو السحاب ويجوز أن يكون السماء المظلة ، لأن المطر ينزل منها إلى السحاب ، والمدرار الكثير والدر والقطر ، قاله الأزهري ، وقيل معناه غيثا مغيثا . قوله : فإن كان الرداء مربعا نكس ) هو بتخفيف الكاف ، هذه اللغة المشهورة ويجوز بتشديدها ، ومن الأول قوله تعالى : ناكسو رؤوسهم السجدة : 21 وقرىء قوله تعالى : ننكسه في الخلق يس : 86 بالتخفيف والتشديد ، والخميصة كساء أسود له علمان في طرفيه ، وهذا منقول عن أهل الحجاز وغيرهم ، وقال أبو عبيد : كساء مربع ، وقال الأصمعي : كساء من صوف وخز ، وقيل : كساء رقيق أصفر أو أحمر أو أسود وهذا يوافق مقتضى هذا الحديث ، فإن قوله : خميصة سوداء يقتضى أنها قد تكون غير سوداء .

Bagian V05/P078–V05/P079

وقوله : بمجاديح : واحدها مجدح بكسر الميم وإسكان الجيم وفتح الدال وقال أبو عبيد : يجوز كسر الميم وضمها ، قال أهل اللغة : المجدح كل نجم كانت العرب تقول يمطر به ، فأخبر عمر رضي الله عنه أن الاستغفار هو المجاديح الحقيقية التي يستنزل بها القطر لا الأنواء ، وإنما قصد التشبيه ، وقيل : مجاديحها مفاتيحها ، وقد جاء في رواية بمفاتيح السماء . وقوله : ( كان لا يرفع يده في شيء من الدعاء إلا عند الاستسقاء ) وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم : رفع يديه في الدعاء وهي قريب من ثلاثين حديثا سبق ذكر أكثرها في باب صفة الصلاة من هذا الشرح . وحينئذ يتعين تأويل حديث أنس هذا ، وفيه تأويلان مشهوران أحدهما : أن مراد أنس لم أره يرفع ، وقد رآه غيره يرفع ، والزيادة من الثقة مقبولة والإثبات مقدم على النفي والثاني : معناه لم يرفع كما يرفع في الاستسقاء ، فإنه صلى الله عليه وسلم رفع فيه رفعا بليغا ، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم : أشار بظهور كفيه إلى السماء والله أعلم . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : يستحب أن يخطب بعد صلاة الاستسقاء خطبتين أركانهما وشروطهما وهيئاتهما كما سبق في العيدد وفي استحباب الجلوس إذا صعد المنبر الوجهان السابقان في العيد ، والصحيح المنصوص استحبابه ، لكن يخالفها في ثلاثة أشياء أحداها : يستحب أن يبدل التكبيرات المشروعة في أول خطبتي العيد بالاستغفار ، فيستغفر الله تعالى في افتتاح الأولى تسع مرات ، وفي الثانية سبعا ولا يكبر . وقال بعض أصحابنا : يقول : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ويختم كلامه بالاستغفار ويكثر منه في الخطبة ومن قوله تعالى : استغفروا ربكم إنه كان غفارا نوح : 01 الآية . وذكر المحاملي في المجموع أنه يكبر في افتتاح الخطبة كما في خطبة العيد ، وحكاه عنه أيضا صاحب البيان وغيره ، وهو ظاهر نص الشافعي في الأم فإنه قال : ويخطب الإمام في الاستسقاء خطبتين كما يخطب في صلاة العيدين ، يكبر الله فيهما ويحمده ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويكثر فيهما الاستغفار ، حتى يكون أكثر كلامه . هذا نصه . ومقتضى إطلاق المصنف أنه لا يأتي بالاستغفار ، والمشهور استحباب الاستغفار تسعا في افتتاح الخطبة الأولى ، وسبعا في الثانية . وقد ذكره المصنف في التنبيه والأصحاب في جميع طرقهم . الثاني : يستحب أن يدعو في الخطبة الأولى بهذا الدعاء المذكور في الكتاب وإن عدل إلى دعاء غيره جاز لكن هذا أفضل ، ومن الدعاء المستحب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اسقنا غيثا مغيثا نافعا غير ضار ، عاجلا غير آجل اللهم اسق عبادك وبهائمك ، وانشر رحمتك وأحيي بلدك الميت ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين . الثالث : يستحب أن يكون في الخطبة الأولى وصدر الثانية مستقبل الناس مستدير القبلة ، ثم مستقبل القبلة ، ويبالغ في الدعاء سرا وجهرا ، وإذا أسر دعا الناس سرا ، وإذا جهر أمنوا ، ويرفعون كلهم أيديهم في الدعاء ، وثبت في صحيح مسلم ، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء قال الرافعي وغيره : قال العلماء : السنة لكل من دعا لدفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء ، وإن دعا لطلب شيء جعل بطن كفيه إلى السماء .

Bagian V05/P079–V05/P081

قال الشافعي : وليكن من دعائهم في هذه الحالة : اللهم أنت أمرتنا بدعائك ، ووعدتنا إجابتك ، وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا ما وعدتنا ، اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفنا ، وإجابتك في سقيانا ، وسعة رزقنا فإذا فرغ من الدعاء أقبل بوجهه على الناس وحثهم على طاعة الله تعالى ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا للمؤمنين والمؤمنات ، وقرأ آية من القرآن أو آيتين ، ويقول : أستغفر الله لي ولكم . هذا لفظ الشافعي . قال الشافعي والأصحاب : ويكثر من الاستغفار ومن قول استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) . قال الشافعي : ويكثر الاستغفار حتى يكون أكثر كلامه . ثم روى عن عمر رضي الله عنه أنه استسقى : فكان أكثر دعائه الاستغفار . قال الشافعي : فيكون أكثر دعائه الاستغفار يبدأ به دعاءه ، ويفصل به بين كلامه ، ويختم به ويكون هو أكثر كلامه حتى ينقطع الكلام . قلت : ويكثر من دعاء الكرب الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله عند الكرب : لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ، رب العرش الكريم ويستحب أيضا : ( اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ) الحديث الصحيحين فيه ، ويستحب للإمام عند تحوله في صدر الخطبة الثانية إلى القبلة أن يحول رداءه للأحاديث الصحيحة السابقة ، وهل يستحب أن ينكسه مع التحويل قال المصنف والأصحاب : إن كان مدورا ، ويقال له المقور والمثلث لم يستحب ، بل يقتصر على التحويل بالاتفاق ، وإن كان مربعا ففيه قولان حكاهما الخراسانيون ( الجديد الصحيح ) وبه قطع المصنف وآخرون : يستحب نكسه ، نص عليه في الأم وغيره ، والقديم لا يستحب ، ودليل الجميع يعرف مما سبق . قال الأصحاب : التحويل أن يجعل ما على عاتقه الأيمن على عاتقه الأيسر وبالعكس ، والنكس أن يجعل أعلاه أسفله ، ومتى جعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيسر على عاتقه الأيمن ، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على عاتقه الأيسر ، حصل التحويل والنكس جميعا . قال الشافعي والأصحاب : ويفعل الناس بأرديتهم كفعل الإمام قالوا : والحكمة في التحويل والنكس التفاؤل بتغير الحال إلى الخصب والسعة ، قال الشافعي والأصحاب : ويتركونها محولة حتى ينزعوا الثياب ، وقال جماعة : يتركونها محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم ، وليس هذا اختلافا ، بل يستحب تركها محولة حتى يرجعوا إلى منازلهم ، وتبقى كذلك في منازلهم حتى ينزعوا ثيابهم تلك ، سواء نزعوها أول وصولهم المنازل أم بعده .

Bagian V05/P081–V05/P082

قال المصنف رحمه الله تعالى : قال في الأم : فإن صلوا ولم يسقوا عادوا من الغد ، وصلوا واستسقوا وإن سقوا قبل أن يصلوا صلوا شكرا وطلبا للزيادة . + الشرح : في هذا مسألتان إحداهما : قال أصحابنا : إذا استسقوا بالصلاة فسقوا لم يشرع صلاة ثانية ، وإن لم يسقوا استحب أن يستسقوا ثانيا وثالثا وأكثر حتى يسقوا ، وهل يخرجون من الغد للاستسقاء أم يتأهبون بالصيام وغيره مرة أخرى فيه للشافعي نصان أحدهما : نص عليه في مختصر المزني والبويطي : يخرجون من الغد ، ويصلون ويستسقون . وقال في القديم والأم : يأمرهم الإمام بصيام ثلاثة أيام أخر ، ثم يخرج بهم إلى الاستسقاء ، ولفظه في الأم : وأحب كلما أراد الإمام العود إلى الاستسقاء أن يأمر الناس أن يصوموا قبل عوده ثلاثا ، هذا نصه في الأم ذكره في باب كيف يبتدىء الاستسقاء ، وإنما نبهت عليه لأن الأكثرين يضيفون هذا النص إلى القديم فقط . فهذا كلام الشافعي . وللأصحاب فيه ثلاثة طرق أحدها : نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه وآخرون عن أبي الحسين بن القطان في المسألة قولان أصحهما : وهو الجديد : يخرجون من الغد والثاني : يتأهبون بالصيام ثلاثة أيام وغيره . والطريق الثاني : أن المسألة على حالين ، فإن لم يشق على الناس الخروج من الغد ولم ينقطعوا عن معايشهم خرج من الغد ، وإلا أخره وتأهبوا ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد الاسفرايني والمحاملي والبندنيجي وآخرون ، ونقله السرخسي في الأمالي عن الأصحاب مطلقا . والطريق الثالث : نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه عن عامة الأصحاب أن المسألة على قول واحد ، نقل المزني الجواز ، والقديم الاستحباب . واعلم : أن الشافعي وجماهير الأصحاب قطعوا باستحباب الاستسقاء ثانية وثالثة وأكثر حتى يسقوا ، لكن قال الشافعي والأصحاب . الاستحباب في المرة الأولى آكد ، وحكى الرافعي وجها أنهم لا يفعلون ذلك إلا مرة وهذا الوجه غلط مخالف نص الشافعي والأصحاب ، والدليل . واعلم : أن ابن القطان قال : ليس في باب الاستسقاء مسألة فيها قولان غير هذه ، وأنكر عليه الأصحاب من وجهين أحدهما : ما قاله الجمهور أن هذه المسألة ليست على قولين ، بل على حالين كما سبق والثاني : أن للشافعي قولين في مسألة تحويل الرداء كما سبق ، والله أعلم المسألة الثانية : إذا تأهبوا للصلاة والاستسقاء فسقوا قبل ذلك استحب لهم الخروج إلى موضع الاستسقاء للوعظ والدعاء والشكر بلا خلاف . وأما الصلاة فقد نص الشافعي والأصحاب كما ذكر المصنف أنهم يصلون شكرا لله تعالى على هذه النعمة ، وطلبا للزيادة ، قال الشافعي في الأم : سواء سقوا قليلا أو كثيرا ، وتكون هذه الصلاة بصفة صلاة الاستسقاء ، وذكر إمام الحرمين والغزالي في استحباب الصلاة وجهين أصحهما : الاستحباب والثاني : لا ، قال الرافعي : وأجرى الوجهان : فيما إذا لم تنقطع المياه ، وأرادوا الصلاة للاستزادة ، والصواب الجزم بالصلاة كما نص عليه الشافعي والمصنف والأصحاب . ولا تغتر بما وقع في كلام بعض المتأخرين من أن الأشهر ترك الصلاة فإنه غلط فاحش ، وسبق قلم أو غباوة ، وإلا فكتب الأصحاب متظاهرة على استحباب الصلاة ، وممن ذكرها الشافعي والشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي في كتبه والقاضي أبو الطيب وسليم الرازي وصاحب العدة والبغوي والشيخ نصر المقدسي في كتبه وخلائق لا يحصون . قال الشافعي في الأم : فلو كانوا يمطرون في الوقت الذي يريد الخروج بهم فيه استسقى في المسجد أو أخر ذلك إلى انقطاع المطر .

Bagian V05/P082–V05/P084

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة ، لحديث عمر رضي الله عنه ، ويستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب ، ويستحب إذا جاء المطر أن يقولوا : اللهم صيبا هنيئا ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا رأى المطر قال ذلك ويستحب أن يتمطر لأول مطر ، لما روى أنس رضي الله عنه قال : أصابنا مطر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصابه المطر ، فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا فقال : إنه حديث عهد بربه ويستحب إذا سال الوادي أن يغتسل فيه ، ويتوضأ منه لما روى أنه جرى الوادي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اخرجوا بنا إلى هذا الذي سماه الله طهورا حتى نتوضأ منه ونحمد الله عليه ويستحب لمن سمع الرعد أن يسبح لما روى ابن عباس قال : كنا مع عمر رضي الله عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق وبرد فقال لنا كعب : من قال حين يسمع الرعد : سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثا عوفى من ذلك ، فقلنا فعوفينا . + الشرح : حديث عمر سبق ، وحديث عائشة رواه البخاري ، وحديث أنس رواه مسلم ، وحديث الوادي رواه الشافعي في الأم بإسناد منقطع ضعيف مرسلا والخصب بكسر الخاء ، والجدب بإسكان الدال المهملة ، وهو القحط ، قوله : اللهم صيبا ، هو بفتح الصاد وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة ثم باء موحدة ، هكذا صوابه وهكذا هو في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ، ووقع في المهذب اللهم صبا بحذف المثناة وبباء موحدة مشددة ، ولكل واحد منهما وجه ، فالصيب الذي في البخاري وغيره هو المطر ، قاله البخاري عن ابن عباس . وقال الواحدي : الصيب المطر الشديد من قولهم : صاب يصوب إذا نزل من علو إلى أسفل ، وقيل الصيب السحاب ، وأما الذي في المهذب فمعناه اللهم صبه علينا صبا ، وجاء في رواية لابن ماجه : اللهم سيبا نافعا مرتين أو ثلاثا ذكره في كتاب الدعاء ، والسيب بفتح السين وإسكان الياء وهو العطاء . وقوله : يتمطر يتفعل من المطر ومعناه يتطلب ويتحرى نزول المطر عليه ببروزه عليه . وقوله : حسر بفتح الحاء والسين المهملتين والسين مخففة أي كشف وفيه محذوف أي حسر بعض بدنه . وقوله صلى الله عليه وسلم : حديث عهد بربه أي بتكوين ربه أو تنزيله ، والحديث القريب . وقوله : ( رعد وبرق وبرد ) فالبرد هنا بفتح الباء والراء وهو معروف وإنما ذكرته لئلا يصحف ببرد بإسكان الراء . أما الأحكام : ففيما ذكره مسائل : إحداها : يستحب الاستسقاء في الدعاء من غير صلاة بالاتفاق ، وقد سبق في أول الباب أن الاستسقاء ثلاثة أضرب هذا أحدها ، ودليل هذا حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : استسقى يوم الجمعة على المنبر بالدعاء من غير صلاة الاستسقاء رواه البخاري ومسلم ، قال الشافعي وكذلك آمر بالدعاء لكل نازلة تنزل بأحد من الملسمين . الثانية : يستحب لأهل الخصب يدعوا لأهل الجدب ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، وهكذا عبارة الأصحاب : يستحب لأهل الخصب أن يدعوا لأهل الجدب ، ولم يتعرضوا للصلاة ، وظاهر كلامهم أنه لا تشرع الصلاة . وقال في الأم : يستسقى أهل الخصب لأهل الجدب . الثالثة : السنة أن يدعو عند نزول المطر بما سبق في الحديث ، ويستحب أن يجمع بين روايتي البخاري وابن ماجه فيقول : اللهم صيبا هنيا وسيبا نافعا ويكرره . الرابعة : السنة أن يكشف بعض بدنه ليصيبه أول المطر للحديث السابق ، والمراد أول مطر يقع في السنة ، كذا نص عليه الشافعي وقاله الأصحاب .

Bagian V05/P084–V05/P086

قال سليم الرازي والشيخ نصر المقدسي وصاحب العدة : يستحب إذا جاء المطر في أول السنة أن يخرج الإنسان إليه ويكشف ما عدا عورته ليصيبه منه ، ولفظ الشافعي : في أول مطرة ، وكذا لفظ المحاملي وصاحب الشامل والباقين . وذكر الشافعي في الأم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لغلامه وقد مطرت السماء : أخرج فراشي ورحلي يصيبه المطر ، فقيل له : لم تفعل هذا فقال أما تقرأ كتاب الله ونزلنا من السماء ماء مباركا ، فأحب أن تصيب البركة فراشي ورحلي . الخامسة : يستحب إذا سال الوادي أن يتوضأ منه ويغتسل فإن لم يجمعهما فليتوضأ . السادسة : يستحب لسامع الرعد أن يسبح لما روى مالك في الموطأ بإسناده الصحيح عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما إنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . فرع في مسائل تتعلق بباب الاستسقاء إحداها : ذكرنا أنه يخطب للاستسقاء بعد الصلاة ، فلو خطب قبلها صحت خطبته وكان تاركا للأكمل ، صرح به صاحب التتمة وغيره ، وأشار ابن المنذر إلى استحباب تقديم الخطبة ، وحكاه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره ، وحكاه العبدري عن عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والليث بن سعد ، قال : ومذهب العلماء كافة سوى هؤلاء تقديم الصلاة على الخطبة . ودليل جواز تقديم الخطبة حديث عبد الله بن زيد قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه حين استقبل القبلة ، ثم صلى ركعتين رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : شكا الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ، ووعد الناس يوما يخرجون فيه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس ، فقعد على المنبر . وذكرت الخطبة والدعاء ، وأنه صلى الله عليه وسلم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب أو حول رداءه وهو رافع يديه ، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين رواه أبو داود بإسناد صحيح قال الشيخ أبو حامد : قال أصحابنا : تقديم الخطبة في هذه الأحاديث محمول على بيان الجواز في بعض الأوقات . الثانية : قال الشافعي والأصحاب : إذا ترك الإمام الاستسقاء لم يتركه الناس وقال الشافعي في الأم : إذا كان جدب أو قلة ماء في نهر أو عين أو بئر في حاضر أو باد من المسلمين لم أحب للإمام التخلف عن الاستسقاء ، فإن تخلف فقد أساء في تخلفه وتركه السنة ولا قضاء عليه ولا كفارة . وقال في الأم أيضا : إذا خلت الأمصار من الولاة قدموا أحدهم للجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء كما قدم الناس أبا بكر رضي الله عنه حين ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بين بني عمرو بن عوف ، وقدموا عبد الرحمن ابن عوف في غزوة تبوك حين تأخر النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته ، وكان ذلك في الصلاة المكتوبة وهذان الحديثان في الصحيحين . قال الشافعي : فإذا جاز ذلك في المكتوبة فغيرها أولى . الثالثة : قال الشافعي في الأم في باب المطر قبل الاستسقاء : لو نذر الإمام أن يستسقي ثم سقى الناس وجب عليه أن يخرج فيوفي نذره ، فإن لم يفعل فعليه قضاؤه ، قال : وليس عليه أن يخرج بالناس لأنه لا يملكهم ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم ، وليس له أن يكرههم على الاستسقاء من غير جدب ، قال : ولو نذر رجل أن يخرج ليستسقي كان عليه أن يخرج بنفسه ، فإن نذر أن يخرج بالناس كان عليه أن يخرج بنفسه ولم يكن عليه أن يخرج بالناس ، قال : وأحب أن يخرج ممن أطاعه منهم من ولده وغيرهم .

Bagian V05/P086–V05/P087

قال : فإن كان في نذر أن يخطب خطب وذكر الله تعالى ، وله أن يدعو جالسا لأنه ليس في قيامه إذا لم يكن واليا ولا معه جماعة بالذكر طاعة ، قال : وإن نذر أن يخطب على منبر فله أن يخطب جالسا ، وليس عليه أن يخطب على منبر ، لأنه لا طاعة في ركوبه المنبر ، وإنما يؤمر بهذا الإمام ليسمع الناس . قال : فإن كان إماما ومعه ناس لم يحصل الوفاء بنذره إلا بالخطبة قائما لأن الطاعة فيها إذا كان معه ناس أن يخطب قائما ، فإذا وقف على منبر أو جدار أو قائما أجزأه عن نذره . قال : ولو نذر أن يخرج ويستسقي أحببت له أن يستسقي في المسجد ، ولو استسقى في بيته أجزأه . هذا آخر نصه . وقال صاحب التهذيب في هذا الباب : لو نذر الإمام أن يستسقي لزمه أن يخرج بالناس ويصلي بهم ، قال : ولو نذره واحد من الناس لزمه أن يصلي منفردا وأن نذر أن يستسقي بالناس لم ينعقد نذره لأنهم لا يطيعونه ، قال : ولو نذر أن يخطب وهو من أهله لزمه ، وهل له أن يخطب قاعدا مع القدرة فيه خلاف مبنى على أن النذر يسلك به مسلك جائز الشرع أم مسلك واجبه . الرابعة : قال الشافعي والأصحاب : وإذا كثرت الأمطار وتضرر الناس بها فالسنة أن يدعو برفعها : اللهم حوالينا ولا علينا . قال الشافعي في الأم والأصحاب : ولا يشرع لذلك صلاة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل لذلك . ودليل هذه المسألة حديث أنس قال : دخل رجل المسجد يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال : اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا قال أنس : والله وما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا بيننا وبين سلع ، يعني الجبل المعروف بقرب المدينة ، من بيت ولا دار فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا ، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فقال : يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : الامام حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ، فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس رواه البخاري ومسلم . وأما قول المصنف في التنبيه في أثناء دعاء الاستسقاء لطلب المطر : اللهم حوالينا ولا علينا . مما أنكروه عليه ، وإنما يقال هذا عند كثرة الأمطار وحصول الضرر بها ، كما صرح به في الحديث ونص عليه الشافعي والأصحاب رحمهم الله . الخامسة : ثبت في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ، فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا : الله ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب .

Bagian V05/P087–V05/P089

قال الشافعي في الأم وأصحابنا وغيرهم من العلماء : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا لأنه كان في بلاد الكفار الملحدين في دين الله تعالى ، فأخبر أن العباد قسمان ، قالوا فيسن أن يقول في أثر المطر : مطرنا بفضل الله ورحمته ، فإن قال : مطرنا بنوء كذا وأراد أن النوء هو الفاعل حقيقة وليس لله فيه صنع فهو كافر مرتد خارج من الملة ، وإن أراد أن النوء وقت يوقع الله المطر فيه فهو كافر من غير أثر للنوء ، وإنما الفعل لله تعالى فليس بكافر كفر جحود بل هو لفظ مكروه وليس بحرام ، ويصح أن يطلق عليه كفر النعمة والله أعلم . السادسة : يستحب الدعاء عند نزول المطر ، نص عليه الشافعي في الأم ، وروى فيه حديثا ضعيفا مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش وإقامة الصلاة ونزول الغيث . قال الشافعي : وحفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث وإقامة الصلاة . السابعة : قال الشافعي في الأم : لم تزل العرب تكره الإشارة إلى البرق والمطر . قال الشافعي : أخبرني الثقة أن مجاهدا كان يقول : الرعد ملك والبرق أجنحته يسقن السحاب قال الشافعي : ما أشبه ما قال مجاهد بظاهر القرآن . الثامنة : يكره سب الريح قال الشافعي في الأم : ولا ينبغي لأحد أن يسب الرياح فإنها خلق لله تعالى مطيع ، وجند من أجناده يجعلها رحمة ونقمة إذا شاء . والسنة أن يقول عند هبوب الريح ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت له ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به رواه مسلم في صحيحه . وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الريح من روح الله تعالى تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب ، فإذا رأيتموها فلا تسبوها ، واسألوا الله خيرها ، واستعيذوا بالله من شرها رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن ( قوله صلى الله عليه وسلم ) من روح الله بفتح الراء قال العلماء معناه من رحمة الله بعباده . وعن أبي كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الريح ، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا : اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح ، وخير ما فيها وخير ما أمرت به ، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها ، وشر ما أمرت به رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، قال : وفي الباب عن عائشة وعثمان بن أبي العاصي وأبي هريرة وأنس وابن عباس وجابر . وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتدت الريح يقول : اللهم لقحا لا عقيما رواه ابن السني بإسناد صحيح ، ومعنى لقحا حامل للماء فالماقحة من الإبل والعقيم التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوان لا ولد فيها ، وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا وقعت كبيرة أو هاجت ريح عظيمة فعليكم بالتكبير فإنه يجلي العجاج الأسود رواه ابن السني . وقال الشافعي في الأم : أخبرني من لا أتهم وذكر إسناده إلى ابن عباس قال : ما هبت ريح إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه وقال : اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا ، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا . قال ابن عباس : في كتاب الله تعالى : إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا القمر : أرسلنا عليهم الريح العقيم الذاريات : 14 وقال الله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح الحجر : 22 يرسل الرياح مبشرات الروم : 64 .

Bagian V05/P089–V05/P091

وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . رواه البخاري ومسلم . التاسعة : روى ابن السني بإسناد ليس بثابت عن ابن مسعود قال : أمرنا أن لا نتبع أبصارنا الكواكب إذا انقض وأن نقول عند ذلك : ما شاء الله لا قوة إلا بالله وروى الشافعي في الأم بإسناد ضعيف مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء وبإسناد له ضعيف عن كعب : أن السيول ستعظم في آخر الزمان قال الشافعي أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن المسيب عن أبيه عن جده قال : جاء مكة سيل طبق ما بين الجبلين هذا إسناد صحيح . العاشرة : قال صاحب الحاوي : زعم بعضهم أنه يكره أين يقال : اللهم أمطرنا لأن الله تعالى لم يذكر الأمطار في كتابه إلا للعذاب ، قال الله تعالى : وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين قال وهذا عندنا غير مكروه . هذا كلام صاحب الحاوي ، والصواب أنه لا يكره كما اختاره ، فقد ثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه في حديثه المتقدم في المسألة الرابعة . قوله : ثم أمطرت هكذا هو : أمطرت بالألف في صحيح مسلم ، وفي ثلاثة أبواب من صحيح البخاري في كتاب الاستسقاء . وأما قول المخالف إنه لم يأت في كتاب الله تعالى أمطر إلا في العذاب ، فليس كما زعم ، بل قد جاء في القرآن العزيز أمطر في المطر الذي هو الغيث ، وهو قوله عز وجل : قالوا هذا عارض ممطرنا الشعراء : 371 وهو من أمطر ، ومعلوم أنهم أرادوا الغيث ، ولهذا رد الله تعالى قولهم ، فقال تعالى : بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم الأحقاف : 42 . فرع في مذاهب العلماء في صلاة الاستسقاء قد ذكرنا أن مذهبنا أنها سنة متأكدة ، وبهذا قال الأئمة كافة إلا أبا حنيفة فإنه قال ليس في الاستسقاء صلاة . قال القاضي أبو الطيب وغيره : قال أصحاب أبي حنيفة : مراده ليس فيه صلاة مسنونة كما قال : ليس سجود الشكر بشيء ، أي ليس مسنونا ، وكما قال دعاء الناس ليلة عرفة بالأمصار وليس بشيء . واحتج له بقوله تعالى : استغفروا ربكم إنه كان غفارا نوح : 01 ولم يذكر صلاة ، ولحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم : استسقى يوم الجمعة على المنبر وبأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : استسقى بالعباس رضي الله عنه ولم يذكر صلاة وبالقياس على الزلازل ونحوها . دليلنا الأحاديث الصحيحة المشهورة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : صلى في الاستسقاء ركعتين منها حديث عباس بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم : خرج إلى المصلى فاستسقى وصلى ركعتين رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية للبخاري : خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى ، فتوجه إلى القبلة يدعو ، وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : شكوا إليه قحوط المطر فذكرت الحديث إلى قولها : فخطب ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين . وذكرت الحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن ابن عباس قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعا متبذلا متخشعا متضرعا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة . قال الترمذي حديث حسن صحيح . وفي المسألة أحاديث كثيرة غير هذه . وعن القياس أنه معنى سن له الاجتماع والخطبة فسن له الصلاة كالعيد والكسوف . والجواب عن الآية من وجهين أحدهما : ليس فيها نفي الصلاة وإنما فيها الاستغفار .

Bagian V05/P091–V05/P093

ونحن نقول بالاستغفار وبالصلاة بالأحاديث الصحيحة ، فلم تخالف الآية الثاني : أن الآية إخبار عن شرع من قبلنا وللأصوليين من أصحابنا وغيرهم خلاف في الاحتجاج به إذا لم يرد شرعنا بمخالفته ، أما إذا ورد بخلافه فلا حجة فيه بالاتفاق . وقد ثبت الأحاديث الصحيحة بالصلاة . والجواب عن الحديث وفعل عمر رضي الله عنه أنه لبيان الجواز ، وفعل لأحد أنواع الاستسقاء الثلاثة التي قدمنا بيانها ، وليس فيه نفي للصلاة ، ففي هذا بيان نوع ، وفيما ذكرناه بيان نوع آخر ، فلا تعارض . وقد روى عن عمر أيضا الصلاة والجواب : عن قياسهم على الزلازل أنها لم يسن لها الاجتماع والخطبة بخلاف الاستسقاء فإنهم أجمعوا على أنه يسن فيه الاجتماع والخطبة ، ولأن السنة بينت الصلاة في الاستسقاء دون الزلازل ، فوجب اعتمادها دون القياس . والله أعلم . فرع في مذاهبهم في كيفية صلاة الاستسقاء قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يكبر في افتتاح الركعة الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمسا كالعيد ، وحكاه ابن المنذر عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم . وقال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور : لا يكبر ، وحكاه العبدري عن المزني أيضا ، ومذهبنا استحباب تحويل الرداء في الخطبة للإمام والمأمومين كما سبق وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وداود . وقال أبو حنيفة لا يستحب . وقال محمد بن الحسن يحول الإمام دون المأمومين وحكاه العبدري عن الطحاوي عن أبي يوسف . قال : ورورى عن ابن المسيب وعروة والثوري . ومذهبنا استحباب خطبتين للاستسقاء بينهما جلسة وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد . وحكى ابن المنذر عن عبد الرحمن بن مهدي أنها خطبة واحدة . وعن أحمد أنه لا خطبة ، وإنما يدعو ويكثر الاستغفار ، ومذهبنا أنه يستحب الاستسقاء بالدعاء ولكن الأفضل الاستسقاء بالصلاة ، كما سبق ، وحكى ابن المنذر عن الثوري كراهة الاستسقاء بدعاء من غير صلاة . = كتاب الجنائز = & باب ما يفعل بالميت & الجنازة بكسر الجيم وفتحها لغتان مشهورتان ، وقيل بالفتح للميت وبالكسر للنعش وعليه الميت ، وقيل عكسه ، حكاه صاحب مطالع الأنوار ، والجمع جنائز بفتح الجيم لا غير ، وهو مشتق من جنز بفتح الجيم بجنز بكسر النون إذا ستر قاله ابن فارس ، والموت مفارقة الروح الجسد ، وقد مات الإنسان يموت ويمات بفتح الياء وتخفيف الميم فهو ميت ، وميت بتشديد الياء وتخفيفها ، وقوم موتى وأموات وميتون ، بتشديد الياء وتخفيفها ، قال الجوهري : ويستوى في ميت وميت المذكر والمؤنث . قال الله تعالى : لنحيي به بلدة ميتا الفرقان : 94 ولم يقل ميتة ، ويقال أيضا م كما قال تعالى : الأرض الميتة يس : 33 ويقال أماته الله وموته .

Bagian V05/P093–V05/P094

قال المصنف رحمه الله تعالى : المستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : أنا نستحيى يا نبي الله والحمد لله ، قال : ليس كذلك ، ولكن من استحيى من الله حق الحياء ، فليحفظ الراس وما وعى ، وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، ومن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء وينبغي أن يستعد للموت بالخروج من المظالم والإقلاع عن المعاصي والإقبال على الطاعات لما روى البراء بن عازب : إن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبرا ، فبكى حتى بل الثرى بدموعه ، وقال : إخواني لمثل هذا فأعدوا . + الشرح : حديث ابن مسعود رواه الترمذي بإسناد حسن في كتاب الزهد من جامعه ، وحديث البراء رواه ابن ماجه في كتاب الزهد من سننه بإسناد حسن . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكثروا من ذكر هادم اللذات ، يعني الموت رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة كلها على شرط البخاري ومسلم ، ومعنى فاعدوا أي تأهبوا واتخذوا له عدة ، وهي ما يعد للحوادث ، وقوله : الخروج من المظالم والإقلاع عن المعاصي ، المراد بالأول المظالم التي للعباد عليه ، وبالثاني المعاصي التي بينه وبين الله تعالى . أما الأحكام : فيستحب لكل أحد أن يكثر ذكر الموت . قال الشيخ أبو حامد وغيره : وحالة المرض أشد استحبابا لأنه إذا ذكر الموت رق قلبه وخاف فيرجع عن المظالم والمعاصي ، ويقبل على الطاعات ويكثر منها . قال الشيخ أبو حامد : ويستحب الإكثار من ذكر حديث : استحيوا من الله حق الحياء . وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال : كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر يقول : إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ، ومن حياتك لموتك .

Bagian V05/P094–V05/P096

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن مرض استحب له أن يصبر لما روي : أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يشفيني فقال : إن شئت دعوت الله فشفاك ، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك ، قالت : أصبر ولا حساب علي ويستحب أن يتداوى لما روى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى أنزل الداء والدواء ، وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بالحرام ويكره أن يتمنى الموت لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا فليقل : اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي . + الشرح : حديث المرأة التي طلبت رواه البغوي بلفظه من رواية أبي هريرة ورواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس : إن امرأة سوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة أصرع ، وإني أنكشف فادع الله لي ، فقال : إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك فقالت : أصبر . وأما حديث أنس فرواه البخاري ومسلم . وأما حديث أبي الدرداء فرواه أبو داود في سننه في كتاب الطب بإسناد فيه ضعف ، ولم يضعفه أبو داود ، وقد قدمنا أن ما لم يضعفه فهو عنده صحيح أو حسن . قال أصحابنا وغيرهم : يستحب للمريض ومن به سقم وغيره من عوارض الأبدان أن يصبر ، وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة على فضل الصبر ، وقد جمعت جملة من ذلك في باب الصبر في أول كتاب رياض الصالحين ويكفي في فضيلته قوله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب الزمر : 93 . ويستحب التداوي لما ذكره المصنف مع غيره من الأحاديث المشهورة في التداوي وإن ترك التداوي توكلا فهو فضيلة ، ويكره تمنى الموت لضر في بدنه أو ضيق في دنياه ونحو ذلك للحديث المذكور ، ولا يكره لخوف فتنة في دينه ، ذكره البغوي في شرح السنة وآخرون ، وهو ظاهر مفهوم من حديث أنس المذكور ، وقد جاء عن كثيرين من السلف تمنى الموت للخوف على دينه . فرع في جملة من الأحاديث الواردة في الدواء والتداوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء رواه البخاري ، وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برىء بإذن الله عز وجل رواه مسلم . وعن أسامة بن شريك قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير فسلمت ثم قعدت فجاء الأعراب من ههنا وههنا فقالوا : يا رسول الله نتداوى قال : تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير الهرم رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة . قال الترمذي حديث حسن صحيح . وعن أبي سعيد أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن بطن أخي قد استطلق فقال اسقه العسل ، فأتاه فقال : قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا ، فقال : اسقه عسلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة أو الرابعة : صدق الله وكذب بطن أخيك ، اسقه عسلا رواه البخاري ومسلم .

Bagian V05/P096–V05/P097

وعن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للشونيز : عليكم بهذه الحبة السوداء فإن فيها شفاء من كل داء إلا السام ، يريد به الموت رواه البخاري ومسلم ، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين رواه البخاري ومسلم ، وعن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : التلبينة مجمة فؤاد المريض وتذهب بعض الحزن رواه البخاري ومسلم التلبينة حساء من دقيق ، ويقال له التلبين أيضا لأنه يشبه بياض اللبن . وأما حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم فضعيف ضعفه البخاري والبيهقي وغيرهما وضعفه ظاهر ، وادعى الترمذي أنه حسن . وسنذكر في آخر باب الأطعمة إن شاء الله تعالى جملا تتعلق بالتداوي ونحوه .

Bagian V05/P097–V05/P099

قال المصنف رحمه الله تعالى : وينبغي أن يكون حسن الظن بالله تعالى ، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى . + الشرح : حديث جابر رواه مسلم ، وفيه زيادة في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام ، ومعنى يحسن الظن بالله تعالى أن يظن أن الله تعالى يرحمه ، ويرجو ذلك ، ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله سبحانه وتعالى ، وعفوه ورحمته وما وعد به أهل التوحيد ، وما ينشره من الرحمة لهم يوم القيامة كما قال سبحانه وتعالى في الحديث الصحيح : أنا عند ظن عبدي بي هذا هو الصواب في معنى الحديث ، وهو الذي قاله جمهور العلماء وشذ الخطابي فذكر معه تأويلا آخر أن معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم ، فمن حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه ، وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يفتر به . واتفق أصحابنا وغيرهم على أنه يستحب للمريض ومن حضرته أسباب الموت ومعاناته أن يكون حسن الظن بالله تعالى ، بالمعنى الذي ذكرناه ، راجيا رحمته ، وأما في حال الصحة ففيه وجهان لأصحابنا حكاهما القاضي حسين وصاحبه المتولي وغيرهما أحدهما : يكون خوفه ورجاؤه سواء والثاني : يكون خوفه أرجح ، قال القاضي : هذا الثاني هو الصحيح هذا قول القاضي والأظهر : أن الأول أصح ، ودليله طواهر القرآن العزيز ، فإن الغالب فيه ذكر الترغيب والترهيب مقرونين كقوله تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه آل عمران : 601 . 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 بأبيه وكله في الصحيح .

Bagian V05/P099–V05/P101

قال المصنف رحمه الله تعالى : وتستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز ، وعيادة المريض فإن رجاه دعا له ، والمستحب أن يقول : ( أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ) سبع مرات لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله من ذلك المرض وأن رآه منزولا به فالمستحب أن يلقنه قول : لا إله إلا الله ، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وروى معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله وجبت له الجنة ويستحب أن يقرأ عنده سورة يس ، لما روى معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اقرأوا على موتاكم يعني يس ويستحب أن يضجع على جنبه الأيمن ، مستقبل القبلة ، لما روت سلمى أم ولد رافع قالت : قالت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها : ضعي فراشي ها هنا واستقبلي بي القبلة ، ثم قامت فاغتسلت كأحسن ما يغتسل ولبست ثيابا جددا ، ثم قالت : تعلمين أني مقبوضة الآن ، ثم استقبلت القبلة وتوسدت يمينها . + الشرح : حديث البراء رواه البخاري ومسلم ، وأما حديث : أسأل الله العظيم فحديث صحيح رواه أبو داود والحاكم أبو عبد الله في كتاب الجنائز ، والترمذي في الطب ، والنسائي في اليوم والليلة وغيرهم من رواية ابن عباس ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري . وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي : يزيد بن عبد الرحمن بن أبي خالد الدالاني ، وهو مختلف في الاحتجاج به ولم يرو له البخاري ، وينكر على الحاكم كونه قال في روايته عنه : إنه على شرط البخاري ولكنه رواه من طريق آخر فيه عبد ربه بن سعيد بدل ابن أبي خالد الدالاني ، وعبد ربه على شرط البخاري . وأما حديث أبي سعيد فرواه مسلم من رواية أبي سعيد ، ورواه أيضا من رواية أبي هريرة ، وأما حديث معاذ فرواه أبو داود بإسناد حسن ، والحاكم في المستدرك وقال : هو صحيح الإسناد ، ولفظهما دخل الجنة : بدل ( وجبت له الجنة ) وأما حديث معقل فرواه أبو داود وابن ماجه بإسناد فيه مجهولان ، ولم يضعفه أبو داود وأما : حديث سلمى فغريب ، لا ذكر له في هذه الكتب المعتمدة ، وأما ألفاظ الفصل فالبراء بن عازب ممدود على المشهور ، وحكى قصره ، وعازب صحابي وقوله : أمرنا أي أمر ندب ، وهذا الحديث بعض حديث طويل مشهور في الصحيحين : أمرنا بسبع ونهانا عن سبع فذكر منها اتباع الجنازة وعيادة المريض وقوله : منزولا به أي قد حضره الموت . وقوله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم أي من قرب موته ، وهو من باب تسمية الشيء بما يصير إليه ، ومنه ( إني أراني أعصر خمرا ) ومعقل بفتح الميم وإسكان العين المهملة ، وأبوه يسار بياء ثم سين ، ومعقل من أهل بيعة الرضوان كنيته أبو علي . وقيل أبو عبد الله وأبو يسار ، وسلمى بفتح السين . وقوله : أم ولد رافع هكذا هو في نسخ المهذب وهو غلط ، وصوابه أم رافع أو أم ولد أبي رافع ، وهي سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل مولاة صفية بنت عبد المطلب ، والصحيح المشهور هو الأول . وكانت سلمى قابلة بني فاطمة .

Bagian V05/P101–V05/P102

وقابلة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي امرأة أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم ولده . وقولها : ثيابا جددا هو بضم الدال جمع جديد . هذا هو المشهور في كتب اللغة وغيرها ، ويجوز فتح الدال عند محققي العربية وحذاق أهل اللغة ، وكذلك الحكم في كل ما كان مشددا من هذا الوزن مما ثانيه وثالثه سواء ، الأجود ضم ثاني جمعه ويجوز فتحه كسور ، وذلل ونظائرهما ، وقد بسطت القول في تحقيق هذا بشواهده من كلام أهل العربية واللغة ونقلهم فيه في تهذيب الأسماء واللغات . وأما الأحكام : ففيه مسائل : إحداها : عيادة المريض سنة متأكدة والأحاديث الصحيحة مشهورة في ذلك . قال صاحب الحاوي وغيره : ويستحب أن يعم بعيادته الصديق والعدو ومن يعرفه لعموم الأحاديث ، وأما الذمي فقد أشار صاحب الشامل إلى أنه لا يستحب عيادته فقال : يستحب عيادة المريض إن كان مسلما . وذكر صاحب المستظهري قول صاحب الشامل ، ثم قال : والصواب عندي أن عيادة الكافر جائزة ، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة يقترن بها من جواز أو قرابة وهذا الذي قاله صاحب المستظهري متعين ، وقد جزم به الرافعي ، وفي صحيح البخاري عن أنس قال : كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقعد عند رأسه فقال له : أسلم ، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له : أطع أبا القاسم فأسلم . فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمد لله الذي أنقذه من النار . قال صاحب الحاوي وغيره : ينبغي أن تكون العيادة غبا لا يواصلها كل يوم إلا أن يكون مغلوبا . قلت : هذا لآحاد الناس ، أما أقارب المريض وأصدقاؤه ونحوهم ممن يأتنس بهم أو يتبرك بهم أو يشق عليهم إذا لم يروه كل يوم فليواصلوها ما لم ينه أو يعلم كراهة المريض لذلك ، قال صاحب الحاوي وغيره : وإذا عاده كره إطالة القعود عنده لما فيه من إضجاره والتضييق عليه ، ومنعه من بعض تصرفاته . ويستحب العيادة من وجع العين برمد أو غيره ، لحديث زيد بن أرقم قال : عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان يعينى رواه أبو داود بإسناد صحيح والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم . وممن صرح بالمسألة القاضي أبو الطيب رحمه الله . المسألة الثانية : يستحب للعائد إذا طمع في حياة المريض أن يدعو له سواء رجا حياته أو كانت محتملة . وهذه العبارة أحسن من قول المصنف ( إن رجاه ) وجاء في الدعاء للمريض أحاديث كثيرة جمعتها في كتاب الاذكار ، منها الحديث المذكور في الكتاب . وعن أبي سعيد الخدري : أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا على حي من أحياء العرب فلدغ سيدهم ، فجعل بعض الصحابة يقرأ الفاتحة ، ويجمع بزاقه ويتفل ، فبرأ الرجل رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان ينفث على نفسه في المرض الذي توفي فيه بالمعوذات وفي رواية : قل هو الله أحد و قل أعوذ برب الفلق ، و قل أعوذ برب الناس رواه البخاري ومسلم وعن أنس أنه قال لثابت : ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بلى ، قال اللهم رب الناس مذهب البأس ، اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت ، شفاء لا يغادر سقما رواه البخاري .

Bagian V05/P102–V05/P104

وعن عثمان بن أبي العاص أنه : شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل : بسم الله ثلاثا ، وقل سبع مرات : أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر رواه مسلم . وعن سعد بن أبي وقاص قال : عادني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا ، اللهم اشف سعدا رواه مسلم ، وعن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على من يعوده قال : لا بأس ، طهور إن شاء الله رواه البخاري . وعن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد اشتكيت قال نعم . قال : باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك ، باسم الله أرقيك رواه مسلم . الثالثة : إذا رآه منزولا به قد أيس من حياته استحب أن يلقن قول لا إله إلا الله للحديث المذكور في الكتاب ، هكذا قال المصنف والجمهور : يلقنه لا إله إلا الله . وقال جماعات يلقنه الشهادتين : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ممن صرح به القاضي أو الطيب في تعليقه ، وصاحب الحاوي وسليم الرازي ونصر المقدسي في الكافي ، والجرجاني في التحرير ، والشاشي في المعتمد وغيرهم ، ودليلهم أن المقصود تذكر التوحيد ، وذلك يقف على الشهادتين ، ودليل الجمهور أن هذا موحد ويلزم من قوله : لا إله إلا الله الاعتراف بالشهادة الأخرى ، فينبغي الاقتصار على لا إله إلا الله لظاهر الحديث . قال أصحابنا وغيرهم من العلماء : وينبغي أن لا يلح عليه في ذلك ، أن لا يقول له قل : لا إله إلا الله خشية أن يضجر فيقول : لا أقول أو يتكلم بغير هذا من الكلام القبيح ، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضا له ليفطن فيقولها . وقال بعض أصحابنا : أو يقول : ذكر الله تعالى مبارك فنذكر الله تعالى جميعا ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . قالوا : وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر . هكذا قال الجمهور : لا يزاد على مرة . وقال جماعة من أصحابنا : يكررها عليه ثلاثا ولا يزاد على ثلاث . ممن صرح بهذا سليم الرازي في الكفاية والمحاملي وصاحب العدة وغيرهم . قال أصحابنا وغيرهم : ويستحب أن يكون الملقن غير وارث ، لئلا يتهمه ويخرج من تلقينه ، فإن لم يحضره إلا الورثة لقنه أشفقهم عليه ، هكذا قالوه . وينبغي أن يقال : لا يلقنه من يتهمه لكونه وارثا أو عدوا أو حاسدا أو نحوهم ، والله أعلم . الرابعة : يستحب أن يقرأ عند المحتضر سورة يس . هكذا قاله أصحابنا واستحب بعض التابعين سورة الرعد أيضا . الخامسة : يستحب أن يستقبل به القبلة ، وهذا مجمع عليه ، وفي كيفيته المستحبة وجهان أحدهما : على قفاه وأخمصاه إلى القبلة ، ويرفع رأسه قليلا ليصير وجهه إلى القبلة ، حكاه جماعات من الخراسانيين وصاحبا الحاوي والمستظهري من العراقيين ، وقطع به الشيخ أبو محمد الجويني والغزالي وغيرهما ، قال إمام الحرمين : وعليه عمل الناس . والوجه الثاني : وهو الصحيح المنصوص للشافعي في البويطي . وبه قطع جماهير العراقيين ، وهو الأصح عند الأكثرين من غيرهم ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة : يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة كالموضوع في اللحد ، فإن لم يمكن لضيق المكان أو غيره فعلى جنبه الأيسر إلى القبلة ، فإن لم يمكن فعلى قفاه ، والله أعلم .

Bagian V05/P104–V05/P106

واحتج للمسألة الحاكم والبيهقي بحديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم : حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه ، فقالوا : توفي وأوصى أن يوجه إلى القبلة لما احتضر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب الفطرة ، وقد رددت ثلثه على ولده ، ثم ذهب فصلى عليه ، وقال : اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت قال الحاكم هذا حديث صحيح . قال : ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره . فرع : يستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفق به واحتمال الصبر على ما يشق من أمره ، وكذلك من قرب موته بسبب حد أو قصاص ونحوهما . ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك لحديث عمران بن حصين أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال : أحسن إليها فإذا وضعت فأتنى بها ، ففعل ، فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ، ثم صلى عليها . فرع : يستحب طلب الموت في بلد شريف ، لحديث حفصة رضي الله عنها قالت : قال عمر رضي الله عنه : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم فقلت أنى يكون هذا فقال : يأتيني به الله إذا شاء رواه البخاري . فرع : ويستحب أن لا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام . فرع : يستحب طلب الدعاء من المريض ، لحديث عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك ، فإن دعاءه كدعاء الملائكة رواه ابن ماجه بإسناد صحيح . فرع : يستحب وعظ المريض بعد عافيته وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى عليه من التوبة وغيرها من الخير ، وينبغي له هو المحافظة على ذلك قال الله تعالى : وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا الإسراء : 43 . فرع : ينبغي للمريض أن يحرص على تحسين خلقه ، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا ، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير ، وأن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله وغلمانه وجيرانه وأصدقائه وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصاحبة أو تعلق ، ويرضيهم وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت ، وأن يحافظ على الصلوات واجتناب النجاسة وغيرهما من وظائف الدين ، ولا يقبل قول من يخذله عن ذلك فإن هذا مما يبتلى به ، وهذا المخذل هو الصديق الجاهل ، العدو الخفي . وأن يوصي أهله بالصبر عليه وبترك النوح عليه وكذا إكثار البكاء ، ويوصيهم بترك ما جرت العادة به من البدع في الجنائز ، ويتعاهده بالدعاء له ، وبالله التوفيق .

Bagian V05/P106–V05/P107

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإذا مات تولى أرفقهم به إغماض عينيه لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة فاغمض بصره ثم قال : إن الروح إذا قبض تبعه البصر ولأنها إذا لم تغمض بقيت مفتوحة ، فيقبح منظره ، ويشد لحييه بعصابة عريضة ) تجمع جميع لحييه ، ثم يشد العصابة على رأسه لأنه إذا لم يفعل ذلك استرخى لحيه وانفتح فمه ، فقبح منظره ، وربما دخل إلى فيه شيء من الهوام ، وتلين مفاصله لأنه أسهل في الغسل ، ولأنها تبقى جافية فلا يمكن تكفينه ، وتخلع ثيابه ، لأن الثياب تحمي الجسم فيسرع إليه التغير والفساد ، ويجعل على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره ، ويجعل على بطنه حديدة ، لما روى أن مولى أنس مات فقال رضي الله عنه : ضعوا على بطنه حديدة لأنه ينتفخ ، فإن لم يمكن حديدة جعل عليه طين رطب ، ويسجى بثوب ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : سجي بثوب حبرة ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى ويبادر إلى تجهيزه ، لما روى علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاث لا تؤخروهن الصلاة والجنازة والأيم إذا وجدت كفؤا فإن مات فجأة ترك حتى يتيقن موته . + الشرح : حديث أم سلمة رواه مسلم ، وحديث مولى أنس رواه البيهقي وحديث عائشة رواه البخاري ومسلم ، وحديث أبي هريرة رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح أو حسن ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وحديث علي رواه الترمذي في آخر كتاب الجنائز والبيهقي في كتاب النكاح وأشار إلى تضعيفه ويقال : أغمض عينيه وغمضها بتشديد الميم وفي الروح لغتان ، التذكير والتأنيث وقوله : يسجى أي يغطى وقوله : بثوب حبرة ، هو بإضافة ثوب إلى حبرة ، وهي بكسر الحاء وفتح الباء نوع من البرد ( قوله صلى الله عليه وسلم ) : نفس المؤمن قال الأزهري في تفسير هذا الحديث : نفس الإنسان لها ثلاثة معان . أحدها : بدنه قال الله تعالى : النفس بالنفس المائدة : 54 الثاني : الدم في جسد الحيوان الثالث : الروح الذي إذا فارق البدن لم يكن بعده حياة ، قال : وهو المراد بالنفس في هذا الحديث ، قال : كأن نفس المؤمن تعذب بما عليه من الدين حتى يؤدى هكذا قاله الأزهري ، والمختار أن معناه أن نفسه مطالبة بما عليه ومحبوسة عن مقامها الكريم حتى يقضى لا إنه يعذب ، لا سيما إن كان خلفه وفاء وأوصى به ، وقوله : الأيم هي التي لا زوج لها ، بكرا كانت أم ثيبا . وقوله : فجأة أي بغتة من غير مرض ولا نزع ونحوه ، وفيها لغتان أفصحهما وأشهرهما بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد ، الثانية فجأة بفتح الفاء وإسكان الجيم .

Bagian V05/P107–V05/P109

أما الأحكام : فقال الأصحاب : يستحب إذا مات أن يغمض عيناه وتشد لحياه بعصابة عريضة تجمعهما ، ثم يربط فوق رأسه ويلين مفاصله ، فيمد ساعده إلى عضده ثم يرده ويرد ساقه إلى فخذه ، وفخذه إلى طنه ، ويردهما ويلين أصابعه ويخلع ثيابه التي مات فيها بحيث لا يرى بدنه ، ثم يستر جميع بدنه بثوب خفيف ولا يجمع عليه أطباق الثياب ، ويجعل طرف هذا الثوب تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف ويوضع على شيء مرتفع كسرير ولوح ونحوهما على بطنه شيء ثقيل كسيف أو مرآة أو غيرهما من الحديد ، فإن عدم فطين رطب ، ولا يجعل عليه مصحف ، ويستقبل به القبلة كالمحتضر ، ويتولى هذه الأمور أرفق محارمه بأسهل ما يقدر عليه . قال صاحب الحاوي وغيره : ويتولاها الرجل من الرجل ، والمرأة من المرأة ، فإن تولاه أجنبي أو محرم من النساء ، أو تولاها أجنبيه أو محرم من الرجال جاز ويسارع إلى قضاء دينه والتوصل إلى إبرائه منه . هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب . وقال الشيخ أبو حامد : وإن كان للميت دراهم أو دنانير قضى الدين منها ، وإن كان عقارا أو غيره مما يباع سأل غرماءه أن يحتالوا عليه ليصير الدين في ذمة وليه وتبرأ ذمة الميت ، هذا لفظ الشيخ أبي حامد ونحوه في المجموع والتجريد للمحاملي ، والعدة للطبري ، وغيرها من كتب أصحابنا . وقال الشافعي في الأم في آخر باب القول عند الدفن إن كان الدين يستأخر سأل غرماءه أن يحللوه ويحتالوا به عليه وارضاؤهم منه بأي وجه كان ، هذا نصه وهو نحو ما قاله أبو حامد ومتابعوه ، وفيه إشكال لأن ظاهره أنه بمحرد تراضيهم على مصيره في ذمة الولي يبرأ الميت . ومعلوم أن الحوالة لا تصح إلا برضاء المحيل والمحتال ، وإن كان ضمانا فكيف يبرأ المضمون عنه ثم يطالب الضامن وفي حديث أبي قتادة لما ضمن الدين عن الميت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الآن بردت جلدته حين وفاه لا حين ضمنه ، ويحتمل أن الشافعي والأصحاب رأوا هذه الحوالة جائزة مبرئة للميت في الحال للحاجة والمصلحة والله أعلم . قال الأصحاب : ويبادر أيضا بتنفيذ وصيته وبتجهيزه . قال الشافعي في الأم المبادرة في جميع أمور الجنازة ، فإن مات فجأة لم يبادر بتجهيزه لئلا يكون به سكتة ولم يمت ، بل يترك حتى يتحقق موته ، وذكر الشافعي والأصحاب للموت علامات ، وهي أن تسترخي قدماه وينفصل زنداه ، ويميل أنفه وتمتد جلدة وجهه ، زاد الأصحاب وأن ينخسف صدغاه ، وزاد جماعة منهم ، وتتقلص خصياه مع تدلي الجلدة ، فإذا ظهر هذا علم موته ، فيبادر حينئذ إلى تجهيزه . قال الشافعي : فأما إذا مات مصعوقا أو غريقا أو حريقا ، أو خاف من حرب أو سبع أو تردى من جبل ، أو في بئر فمات ، فإنه لا يبادر به حتى يتحقق موته . قال الشافعي فيترك اليوم واليومين والثلاثة ، حتى يخشى فساده لئلا يكون مغميا عليه أو انطبق حلقه أو غلب المرار عليه ، قال الشيخ أبو حامد : هذا الذي قاله الشافعي صحيح ، فإذا مات من هذه الأسباب أو أمثالها فلا يجوز أن يبادر به ، ويجب تركه والتأني به اليوم واليومين والثلاثة ، لئلا يكون مغميا عليه ، أو غيره مما قاله الشافعي ، ولا يجوز دفنه حتى يتحقق موته . هذا آخر كلام أبي حامد في تعليقه ، قال غيره : تحقق الموت يكون بتغير الرائحة وغيره ، والله أعلم .

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) · 79 · Qur'an & Sunnah