Qur'an&Sunnah

İbn Cevzî — Sıfatü's-Safve

Bagian V02/P179–V02/P181

قال غسان: وحدثنا سعيد بن عامر عن يونس بن عبيد قال: إنك تكاد تعرف ورع الرجل في كلامه إذا تكلم. مبارك بن فضالة عن يونس بن عبيد قال: لا تجد شيئا من البر واحدا يتبعه البر كله غير اللسان فإنك تجد الرجل يكثر الصيام ويفطر على الحرام، ويقوم الليل ويشهد بالزور، وذكر شيئا نحو هذا، ولكن لا تجده لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك علمه أبدا. غسان بن المفضل قال: حدثني بعض أصحابنا من البصريين قال: جاء رجل إلى يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقا من حاله ومعاشه واغتماما منه بذلك فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فسمعك الذي تسمع به يسرك به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فؤادك الذي تعقل به يسرك به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فيداك يسرك بهما مائة ألف؟ قال: لا. فرجلاك؟ قال: فذكره نعم الله عز وجل عليه. فأقبل عليه يونس فقال: أرى لك مئين ألوفا وأنت تشكو الحاجة. عن حماد بن زيد قال: شكا رجل إلى يونس بن عبيد وجعا يجده في بطنه فقال له يونس: يا عبد الله هذه دار لا توافقك، فالتمس دارا توافقك. عن جسر قال: دخلت على يونس بن عبيد فقال: منذ دخلت علينا قد مضى من آجالنا. أمية بن بسطام قال: جاءت يونس بن عبيد امرأة بجبة خز فقالت له: اشترها فقال: بكم تبيعينها؟ قالت: بخمس مائة. قال: هي خير من ذلك. قالت: بستمائة. قال: هي خير من ذلك. فلم يزل يقول: هي خير من ذلك حتى بلغت ألفا وقد بذلتها بخمس مائة. قال أمية: وكان يونس بن عبيد يشتري الابرسيم من البصرة فيبعث به إلى وكيله بالسوس. فكان وكيله يبعث إليه بالخز. فإن كتب وكيله إليه: أن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم أبدا حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد. أمية قال: كان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع أرسل وكيله بالسوس أن أعلم من تشتري منه أن المتاع يطلب. وكلاما ذا معناه. أحمد بن سعيد الدارمي قال: سمعت النضر بن شميل وسعيد بن عامر يقولان: غلا الحرير. وقال أحدهما: بالخز في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة. وكان يونس بن عبيد خزازا علم بذلك فاشترى من رجل متاعا بثلاثين ألفا فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه: هل كنت قد علمت أن المتاع قد غلا بأرض كذا وكذا؟ قال: لا ولو علمت لم أبع قال: هلم هلم إلى مالي وخذ مالك. ورد عليه الثلاثين ألفا. عبيد الله بن سلام الباهلي قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: لو أصبت درهما حلالا من تجارة لاشتريت به برا ثم صيرته سويقا ثم سقيته المرضى. ضمرة عن ابن شوذب قال: اجتمع يونس بن عبيد وعبد الله بن عون فتذاكروا الحلال. فكلاهما يقول ما أرى في بيتي درهما حلالا. سليمان بن المغيرة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما أعلم شيئا أقل طيب ينفقه صاحبه في حق، أو أخ يسكن إليه في الإسلام وما يزدادان إلا قلة. عن هشام بن حسان قال: ما رأيت أحدا يطلب بالعلم وجه الله عز وجل إلا يونس بن عبيد. عن ضمرة عن ابن شوذب قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: خصلتان إذا صلحتا من العبد صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه. حماد بن زيد قال: مرض يونس بن عبيد فقال أيوب السخيتاني: ما في العيش بعدك من خير. سكن الحرشي قال: جاءني يونس بن عبيد بشاة فقال: بعها وابرأ من أنها تقلب العلف وتنزع الوتد ولا تبرأ بعد ما تبيع بل قل لمن تبيع. حماد بن سلمة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما أهم رجلا كسبه إلا أهمه أين يضعه. قال ابن عائشةك وثنا سعيد بن عامر قال: قال يونس بن عبيد: ما لي تضيع لي الدجاجة فأجد لها وتفوتني الصلاة فلا أجد لها.

Bagian V02/P181–V02/P183

منصور بن بشر قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما من الناس أحد يكون لسانه منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحا في سائر عمله. عن معاذ بن الأعلم عن يونس ابن عبيد قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذا انتبه. بشر بن الحارث قال: قال يونس بن عبيد: إني لأعرف مائة خصلة من البر ما في منها واحدة. حماد بن زيد قال: قال لنا يونس بن عبيد: احفظوا عني ثلاثا مت أو عشت: لا يدخلن أحدكم على سلطان يعظه، ولا يخل بامرأة شابة وإن أقرأها القرآن، ولا يمكن سمعه من ذي هوى. أسند يونس بن عبيد عن أنس بن مالك وروى كثيرا عن الحسن وابن سيرين وعطاء وعكرمة ونظرائهم، وتوفي في سنة تسع وثلاثين ومائة. قيل سنة أربع وثلاثين. 532- عبد الله بن عون بن أرطبان يكنى أبا عون مولى عبد الله بن ذرة المزني. بكار قال: ما رأيت ابن عون بمازح أحدا ولا يماري أحدا. وكان مشغولا بنفسه. وكان إذا صلى الغداة مكث مستقبلا القبلة في مجلسه يذكر الله عز وجل فإذا طلعت الشمس صلى ثم أقبل على أصحابه وما رأيته شاتما أحدا قط عبدا ولا أمة ولا دجاجة ولا شاة ولا رأيت أحدا أملك للسانه منه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما حتى مات. وكان إذا توضأ لا يعينه أحد وكان طيب الريح لين الكسوة وكان إذا خلا في منزله إنما هو صامت لا يزيد على الحمد لله ربنا وما رأيته دخل حماما قط وكان إن وصل إنسانا بشيء وصله سرا، وإن صنع شيئا صنعه سرا يكره أن يطلع عليه أحد وكان له سبع يقرؤه كل ليلة فإذا لم يقرأه بالليلة أتمه بالنهار وكان لا يحفي شاربه وكان يأخذه أخذا وسطا. سعيد بن عامر قال: لم تر بعينيك كوفيا ولا بصريا مثل ابن عون يحيى القطان قال: ما ساد ابن عون الناس أن كان أتركهم للدنيا ولكن ابن عون إنما ساد الناس بحفظ لسانه. معاذ بن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد قال: إني لأعرف رجلا منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون فلا يقدر عليه، وليس ذلك أن يسكت رجل يوما لا يتكلم، ولكن يتكلم فيسلم كنا يسلم ابن عون. بكار بن محمد قال: صحبت ابن عون دهرا من الدهر حتى مات وأوصى إلى أبي، فما سمعته حالفا على يمين برة ولا فاجرة حتى فرق بيننا الموت. ابن مهدي قال: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون. أبو بكر بن أصرم قال: قيل لابن المبارك ابن عون بما ارتفع؟ قال: بالاستقامة. عن خارجة، يعني ابن مصعب، قال: صحبت عبد الله يعني ابن عون أربعا وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت محمد بن عبيد الله المنادي يقول: سمعت روحا يعني اب عبادة يقول: ما رأيت رجلا أعبد من ابن عون. بكار بن محمد قال: كان ابن عون لا يغضب وإذا أغضبه الرجل قال: بارك الله فيك. الأصمعي عن ابن عون قال: لو أن رجلا انقطع إلى هؤلاء الملوك في الدنيا لانتفع فكيف بمن ينقطع إلى من له السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟. أبو مالك بشر بن الحسن قال: نازع ابن عون رجل فقال: لولا أن يكتب علي لقلت. حماد بن زيد عن ابن عون قال: كانت له حوانيت يكريها. فكان لا يكريها من المسلمين. فقيل له في ذلك فقال: إن لهذا إذا جاء رأس الشهر روعة وإني أكره أن أروع المسلم. هشام بن حسان قال: حدثني من لم تر عيناي مثله فقلت في نفسي اليوم يستبين فضل الحسن وابن سيرين. قال: فأشار بيده إلى ابن عون وهو جالس. قال الربالي: فذكرته للخليل بن شبان فقال: سمعت عمر بن حبيب يقول: عثمان البتي يقول: ما رأت عيناي مثل ابن عون.

Bagian V02/P183–V02/P186

محمد بن عمر بن حرب قال: قال لنا بعض أصحابنا عن ابن عون أن نادته أمه فأجابها فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين. قرة بن خالد قال: كنا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون. أبو عاصم قال: سألت ابن عون فقلت: حدثني بهذا الحديث إن خف عليك. فقال: لا تقل: إن خف. فقلت له: لمه؟ قال: أكره أن أحدثك ولا يخف علي فيكون على خلاف ما سألت. أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ابن عون، فقال: كان لا يكري دوره من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروعهم. قال: وكان لابن عون جمل يستقي الماء فإذا غلام ابن عون قد ضرب الجمل فذهب بعينه فجاء الغلام وقد أرعب وظن أنهم قد شكوه. فلما رآه قد أرعب قال: اذهب فأنت حر لوجه الله عز وجل. أشعث بن سعيد قال: قال ابن عون: لن يصيب العبد حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى، كيف تستقضي الله في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفا لهواك ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك فيه هلكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا. محمد بن عيسى قال: قدم ابن المبارك قدمة فقيل له: إلى أين تريد؟ قال: إلى البصرة. قيل له: من بقي؟ قال: ابن عون آخذ من أخلاقه، آخذ من آدابه. أدرك ابن عون أنس بن مالك وصحبه ويقال إنه أسند عنه وروى عن الحسن وابن سيرين وأبي رجاء العطاردي والقاسم بن محمد ومجاهد ونافع في آخرين. محمد بن سعد قال: أخبرنا بكار قال: كان ابن عون في مرضه أصبر من أنت راء، ما رأيته يشكو شيئا من علته حتى مات، ومات في رجب سنة إحدى وخمسين ومائة. 533- هشام بن حسان أبو عبد الله القردوسي من الأزد. حماد بن زيد قال: حدثتني فارسية كانت تكون مع هشام في الدار قالت: أي ذنب عمل هذا، من قتل هذا؟ الليل كله يبكي. روى هشام عن عطاء وغيره وقال: جاورت الحسين عشر سنين، وتوفي في أول يوم من صفر سنة ثمان وأربعين ومائة. وقيل سنة سبع وأربعين ومائة. 534- عمران بن مسلم القصير أبو معاوية الغلابي قال: حدثني رجل قال: كان عمران القصير يقول لجلسائه: ألا حر كريم يصبر أياما قلائل؟ عبد الله بن مغيث بن سعدان اليشكري قال: حدثتني أمينة بنت عمران من أبيها، وكان قد عاهد الله أن لا ينام بليل أبدا إلا مستغلبا، قالت: قال إني حببت إلي طاعة الله تعالى طول الحياة ولولا الركوع والسجود وقراءة القرآن ما باليت أن لا أعيش في الدنيا فواقا. قالت: فلم يزل مجهودا على ذلك حتى مات رحمه الله. قالت: فرأيته في منامي فقلت: يا أبت إنه لا عهد لي بك منذ فارقتنا قال: يا بنية وكيف تعهدين من فارق الحياة وصار إلى ضيق القبور وظلمتها؟ قالت: فقلت: يا أبت كيف حالك منذ فارقتنا؟ قال: خير حال بؤئنا المنال ومهدت لنا المضاجع ونحن ها هنا يغدى ويراح برزقنا من الجنة. قالت: فقلت: فما الذي بلغك هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى. ذكر هذه الحكاية أبو نعيم في ترجمة عمران القصير، وقد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب المنامات عن عمران ابن زيد. عبد الله بن مغيث اليشكري قال: حدثتني أمينة بنت عمران بن زيد عن أبيها. فذكر الحكاية. وهذا عمران بن زيد هو أبو يحيى الملائي الطويل، وهذا أليق بالصواب. أسند عمران القصير عن أنس بن مالك وعن كبار التابعين كالحسن وابن سيرين وأبي رجاء العطاردي ونافع ونظرائهم. 535- كهمس بن الحسن القيسي يكنى أبا عبيد الله. الهيثم بن معاوية عن شيخ من أصحابه قال: كان كهمس يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فإذا مل قال لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فوالله ما رضيتك لله ساعة قط.

Bagian V02/P186–V02/P187

عبد الملك بن قريب قال: كان كهمس يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا أمسى اشترى به فاكهة فأتى بها إلى أمه. يحيى بن كثير صاحب البصري قال: اشترى كهمس دقيقا بدرهم فأكل منه، فلما طال عليه كاله فإذا هو كما وضعه فجعل بعد لا يأخذ منه شيئا إلا نقص حتى فني. موسى بن هلال العبدي قال: قال لي كهمس بمكة: كان لي جار يشتري هذا التمر والرطب ويسأل لي عن الحوائط فمذ مات تركت التمر. أحمد بن الفتح قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: خرج يوما كهمس ومعه دينار فسقط منه وطلبه فوجده. قال: فتركه وقال: لعل هذا الدينار غير ذاك الدينار، وأكل ذات يوم سمكا فأخذ من حائط جاره طينا فغسل به يده فقال: أنا اليوم منذ أربعين سنة أبكي على ذاك الطين لم أخذته بغير علمه؟. عمارة بن زازان قال: قال لي كهمس بن الحسن: يا أبا سلمة أذنبت ذنبا وأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي فاشتريت له سمكا بدانق فلما أكل قمت إلى حائط جار لي فأخذت منه قطعة طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة. أبو عطاء الرملي قال: كان كهمس يقول في جوف الليل: أتراك معذبي وأنت قرة عيني يا حبيب قلباه؟. أحمد بن الفتح قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: كان كهمس يصلي حتى يغشى عليه. عن إسحاق بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد فقرب إلينا إحدى عشرة بسرة حمراء وقال: هذا الجهد من أخيكم والله المستعان. أسند كهمس عن خلق كثير من التابعين منهم: عبد الله بن شقيق العقيلي وعبد الله بن بريدة ومحمد بن عمر ومصعب بن ثابت. وكان مشغولا بخدمة أمه مع تعبده، فلما ماتت خرج إلى مكة فأقام إلى أن مات هناك. 536- حبيب أبو محمد الفارسي كان مجاب الدعوى حضر مجلس الحسن فتأثر بموعظته فخرج عما كان يملك. يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة يقولون: وكان الحسن يجلس في مجلسه الذي يذكر فيه في كل يوم، وكان حبيب أبو محمد يجلس في مجلسه الذي يأتيه فيه أهل الدنيا والتجار وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من مقالته. إلى أن التفت إليه يوما فذكره الحسن بالجنة وخوفه من النار فانصرف من عنده فلم يزل في تبديد ماله حتى لم يبق له شيء ثم جعل بعد يستقرض على الله. قال يونس: وجاء رجل إلى أبي محمد فشكا إليه دينا عليه فقال: اذهب فاستقرض وأنا أضمن. فأتى رجلا فأقرضه خمس مائة درهم وضمنها أبو محمد. ثم جاء الرجل فقال: يا أبا محمد دراهمي، فقد أضر بي حبسها. فقال: نعم غدا. فتوضأ أبو محمد ودخل المسجد ودعا الله تعالى. وجاء الرجل فقال له: اذهب فإن وجدت في المسجد شيئا فخذه. فذهب فإذا في المسجد صروة فيها خمس مائة درهم فذهب فوجدها تزيد على خمس مائة فرجع إليه فقال: يا أبا محمد تلك الدراهم تزيد. فقال اذهب فهي لك، من وزنها وزنها راجحة. جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيبا يقول: أتانا سائل وقد عجنت عمرة وذهبت تجيء بنار تخبزه فقلت للسائل: خذ العجين فاحتمله. فجاءت عمرة فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا به يخبزونه. قال: فلما أكثرت علي أخبرتها فقالت: سبحان الله لا بد لنا من شيء نأكله قال: فإذا رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزا ولحما. فقالت عمرة: ما أسرع ما ردوه عليك قد خبزوه وجعلوا معه لحما. جعفر قال: كان حبيب أبو محمد رقيقا من أكثر الناس بكاء. فبكى ذات ليلة كثيرا فقالت عمرة بالفارسية: لم تبكي يا أبا محمد؟ فقال لها حبيب: دعيني فإني أريد أن أسلك طريقا لم أسلكه قبل.

Bagian V02/P187–V02/P188

قال: وسمعت حبيبا يقول والله إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب الصبيان بالجوز. ولو أن الله دعاني يوم القيامة فقال: يا حبيب فقلت: لبيك، فقال: جئني بصلاة يوم أو صوم يوم أو ركعة أو سجدة أو تسبيحة اتقيت عليها من إبليس أن يكون طعن فيها طعنة فأفسدها، ما استطعت. وسمعت حبيبا يقول: لا تقعدوا فراغا فإن الموت يليكم. جميل أبو علي قال: قال حبيب: إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبه. خلف بن الوليد قال: اشترى حبيب الفارسي نفسه من ربه أربع مرات بأربعين ألف درهم. أخرج بدرة فقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه. ثم أخرج بدرة أخرى فقال: إلهي إن كنت قبلت تلك فهذه شكر لها. ثم أخرج الثالثة فقال: إلهي إن كنت لم تقبل الأولى والثانية فاقبل هذه. ثم أخرج الرابعة فقال: إلهي إن كنت قبلت الثالثة فهذه شكر لها. أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان حبيب أبو محمد يأخذ متاعا من التجار يتصدق به فأخذ مرة فلم يجد شيئا يعطيهم فقال: يا رب كأنه، أي ينكسر وجهي عندهم فدخل فإذا هو بجوالق من شعر كأنه نصب من أرض البيت إلى قريب السقف مملوءا دراهم فقال: يا رب ليس أريد هذا، فأخذ حاجته وترك البقية. مسلم بن إبراهيم قال: إن رجلا أتى حبيبا فقال: إن لي عليك ثلاثمئة درهم قال: من أين؟ قال: لي عليك ثلاثمئة درهم. قال حبيب: اذهب إلى غد. فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: اللهم إن كان صادقا فأد إليه وإن كان كاذبا فابتله في بدنه. قال: فجيء بالرجل من غد قد حمل وقد ضرب شقه الفالج. فقال: ما لك؟ قال: أنا الذي جئتك بالأمس، لم يكن لي عليك شيء وإنما قلت يستحيي من الناس فيعطيني. فقال له: تعود؟ قال: اللهم إن كان صادقا فألبسه العافية. فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء. عن السري بن يحيى قال: اشترى أبو محمد حبيب طعاما في مجاعة أصابت الناس فقسمه على المساكين ثم خاط أكيسة فجعلها تحت فراشه ثم دعا الله فجاء أصحاب الطعام يتقاضونه فأخرج تلك الأكيسة فإذا هي مملوءة دراهم فوزنها فإذا هي حقوقهم فدفعها إليهم. عن السري بن يحيى قال: كان حبيب أبو محمد يرى يوم التروية بالبصرة ويرى يوم عرفة بعرفات. عن حماد قال: شهدت حبيبا الفارسي يوما فجاءته امرأة فقالت: يا أبا محمد. كأنها طلبت منه شيئا. فقال لها: كم لك من العيال؟ فقالت: كذا وكذا. فقام حبيب أبو محمد إلى وضوئه فتوضأ ثم جاء إلى مصلاه فصلى بخضوع وسكون. فلما فرغ قال: يا رب إن الناس يحسنون ظنهم بي وذاك من سترك علي فلا تخلف ظنهم بي، ثم رفع حصيره فإذا بخمسين درهما فأعطاه إياها. ثم قال: يا حماد اكتم ما رأيت حياتي. عبد الواحد بن زيد قال: كنا عند مالك بن دينار ومعنا محمد بن واسع وحبيب أبو محمد. فجاء رجل فكلم مالكا فأغلظ في قسمة قسمها وقال: وضعتها في غير حقها وتتبعت بها أهل مجلسك ومن يغشاك لتكثر غاشيتك وتصرف وجوه الناس إليك. قال: فبكى مالك وقال: والله ما أردت هذا. قال: بلى والله لقد أردت هذا. فجعل مالك يبكي والرجل يغلظ له. فلما كثر ذلك عليهم رفع حبيب يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك فأرحنا منه كيف شئت. قال: فسقط والله الرجل على وجهه ميتا فحمل إلى أهله على سرير، وكان يقال: إن أبا محمد مستجاب الدعوة. أبو قرة محمد بن ثابت قال: قال حبيب أبو محمد: لا قرة عين لمن لم تقر عينه بك، ولا فرح لمن لم يفرح بك. وعزتك إنك لتعلم أني أحبك. عبيد الله بن محمد التيمي قال: أصحابنا قالوا: كان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت، ومن لم يأنس بك فلا أنس.

Bagian V02/P188–V02/P190

إسماعيل بن زكريا. وكان جارا لحبيب أبي محمد، قال: كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه. فأتيت أهله فقلت: ما شأنه يبكي إذا أمسى ويبكي إذا أصبح. قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح، وإذا أصبح أن لا يمسي. أبو زكريا قال: قالت امرأة حبيب أبي محمد كان يقول: إن مت اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني وافعلي كذا واصنعي كذا. فقيل لامرأته أرأى رؤيا؟ قالت: هذا يقوله كل يوم. عن عبد الواحد بن زيد أن حبيبا أبا محمد جزع جزعا شديدا عند الموت فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط، أريد أن أسلك طريقا ما سلكته قط، أريد أن أزور سيدي ومولاي وما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد أن أدخل تحت التراب فأبقى تحته إلى يوم القيامة. ثم أوقف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: يا حبيب هات تسبيحة واحدة سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء. فماذا أقول وليس لي حيلة أقول: يا رب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي. قال عبد الواحد: هذا عبد الله ستين سنة مشتغلا به ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط فأي شيء حالنا؟ واغوثاه بالله. أحمد بن عبد الله قال: كان حبيب مشغولا بالتعبد ولا نعرف له حديثا مسندا. قال: وقد قيل أنه أسند عن الحسن وابن سيرين وهو وهم من قائله، فإن حبيبا الذي أسند عنهما حبيب المعلم ويحفظ له حكاية عن الفرزدق. 537- عبد الواحد بن زيد حاتم بن سليمان قال: شهدت عبد الواحد بن زيد في جنازة حوشب فلما دفن قال: رحمك الله يا أبا بشر فلقد كنت حذرا من مثل هذا اليوم رحمك الله يا أبا بشر فلقد كنت من الموت جزعا أما والله لئن استطعت لأعملن رجلي بعد مصرعك هذا. قال: ثم شمر بعد واجتهد. الحارث بن عبيد قال: كان عبد الواحد بن زيد يجلس إلى جنبي عند مالك بن دينار فكنت لا أفهم كثيرا من موعظة مالك لكثرة بكاء عبد الواحد. زيد بن عمر قال: شهدت مجلس عبد الواحد بن زيد بعد العصر فكنت أنظر إلى منكبيه ترتعد ودموعه تتحدر على لحيته وهو ساكت والناس يبكون فقال: ألا ستتحيون من طول ما لا تستحيون؟ وفي القوم فتى فغشي عليه فما أفاق حتى غربت الشمس. فأفاق هو يقول: ما لي ما لي؟ كأنه يعمي على الناس أمره. ثم خرج فتوضأ. مسمع بن عاصم قال: شهدت عبد الواحد ذات يوم وهو يعظ. قال: فمات يومئذ في ذلك المجلس أربعة أنفس قبل أن يقوم. قال مسمع: فأنا شهدت جنازة بعضهم. مالك بن ضيغم قال: سمعت بكر بن مصاد يقول: عبد الواحد بن زيد يقول: إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى الله عز وجل؟ ألا إنه من بكي شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه، يا إخوتاه ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا إنه من بكى خوفا من النار أعاذه الله منها. يا إخوتاه ألا تبكون؟ بلى فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله يسقيكموه في حظائر العرش مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. قال: ثم جعل يبكي حتى غشي عليه. حصين بن القاسم الوزان يقول: لو قسم بث عبد الواحد بن زيد على أهل البصرة لوسعهم فإذا أقبل سواد الليل فطرت إليه كأنه فرس رهان مضمر متحزم. ثم يقوم إلى محرابه كأنه رجل مخاطب.

Bagian V02/P190–V02/P192

حبان الأسود قال: حدثني عبد الواحد بن زيد قال: أصابتني علة في ساقي فكنت أتحامل عليها للصلاة. قال: فقمت عليها من الليل فأجهدت وجعا فجلست ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه فنمت فبينما أنا كذلك إذا بجارية تفوق الدمى حسنا تخطر بين جوار مزينات حتى وقفت علي وهن خلفها. فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا تهجنه فأقبلن نحوي فاحتملنني عن الأرض وأنا أنظر إليهن في منامي. ثم قالت لغيرهن من الجواري اللائي معها: افرشنه ومهدنه ووطئن له ووسدنه. قال: ففرشن تحتي سبع حشايا لم أر لهن في الدنيا مثلا ووضعن تحت رأسي مرافق خضرا حسانا. ثم قالت للائي حملنني: اجعلنه على الفرش رويدا لا تهجنه. قال: فجعلت على تلك الفرش وأنا أنظر إليها وما تأمر به من شأني. ثم قالت: احففنه بالريحان قال: فأتي بياسمين فحفت به الفرش. ثم قامت إلي فوضعت يدها على علتي التي كنت أجد في ساقي فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت: قم شفاك الله إلى صلاتك غير مضرور. وقال: فاستيقظت والله كأني قد أنشطت من عقال فما اشتكيت تلك العلة ليلتي تلك ولا ذهبت حلاوة منطقها من قلبي: قم شفاك الله إلى صلاتك غير مضرور. أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان الداراني: أصاب عبد الواحد بن زيد الفالج فسأل الله أن يطلقه في وقت الوضوء. فإذا أراد أن يتوضأ انطلق وإذا رجع إلى سريره عاد عليه الفالج. محمد بن عبد الله الخزاعي قال: صلى عبد الواحد بن زيد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة. قال أبو سليمان الداراني: ذكر لي عن عبد الواحد بن زيد قال: نمت عن وردي ليلة فإذا أنا بجارية لم أر أحسن وجه منها عليها ثياب حرير خضر وفي رجليها نعلان والنعلان يسبحان والزمامان يقدسان، وهي تقول: يا ابن زيد جد في طلبي فإني في طلبك ثم جعلت تقول: من يشتريني ومن يكن سكني يأمن في ربحه من الغبن فقلت: يا جارية ما ثمنك؟ فأنشأت تقول: تودد الله مع محبته وطول فكر يشاب بالحزن فقلت: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: لمالك لا يرد لي ثمنا من خاطب قد أتاه بالثمن فانتبه وآلى على نفسه أن لا ينام الليل. أسند عبد الواحد عن الحسن البصري وأسلم الكوفي. 538- عطاء السليمي أبو عبد الله بن أبي عبيدة قال: سمعت عفيرة تقول: لم يرفع عطاء رأسه إلى السماء ولم يضحك أربعين حجة. فرفع رأسه مرة ففتق في بطنه فتق. بشر بن منصور قالف: كنت أوقد بين يدي عطاء السليمي في غداة باردة. فقلت له: يا عطاء أيسرك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار ولا تبعث إلى الحساب؟ فقال لي: إي ورب الكعبة قال: والله مع ذلك لو أمرت به لخشيت أن تخرج نفسي فرحا قبل أن أصل إليها. نعيم بن مورع قال: كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا فقيل له فقيل له في ذلك فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، إني أريد أن أقوم بين يدي الله تعالى. عن صالح المري قال: كان عطاء السليمي قد أضر بنفسه حتى ضعف قال: قلت له: إنك قد أضررت بنفسك وأنا متكلف لك شيئا فلا ترد كرامتي، قال: افعل؛ قال: فاشتريت له سويقا من أجود ما وجدت وسمنا فجعلت له شريبة ولينتها وحليتها وأرسلتها مع ابني وكوزا من ماء وقلت له لا تبرح حتى يشربها. فرجع فقال: قد شربها. فلما كان من الغد جعلت له نحوها ثم سرحت بها مع ابني فرجع بها لم يشربها.

Bagian V02/P192–V02/P194

قال فأتيته فلمته فقلت: سبحان الله رددت علي كرامتي؟ إن هذا مما يعينك ويقويك على الصلاة وعلى ذكر الله. قال: فلما رآني قد وجدت من ذلك قال: يا أبا بشر لا يسوءك الله قد شربتها أول ما بعثت بها فلما كان الغد راودت نفسي على أن تسيغها فما قدرت على ذلك، إذا أردت أن أشربها ذكرت هذه الآية: {يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ} إبراهيم فبكى صالح عند هذا وقال: قلت لنفسي: ألا أراني في واد وأنت في آخر؟. العلاء بن محمد قال: دخلت على عطاء السليمي وقد غشي عليه فقلت لامرأته أم جعفر: ما شأن عطاء؟ فقالت: سجرت جارتنا التنور فنظر إليه فخر مغشيا عليه. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثتني عفيرة العابدة وكانت قد ذهب بصرها من العبادة قالت: كان عطاء إذا بكى بكى ثلاثة أيام وثلاث ليال. قالت عفيرة: وحدثني إبراهيم المحلمي قال: أتيت عطاء السليمي فلم أجده في بيته. قال: فنظرت فإذا هو في ناحية الحجرة جالس وإذا حوله بلل، قال: فظننت أنه أثر وضوء توضأه. فقالت: لي عجوز معه في الدار: أثر دموعه. سوار أبو عبيدة قال: قالت لي امرأة عطاء السليمي: عاتب عطاء في كثرة البكاء، فعاتبته فقال لي: يا سوار كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي؟ إني إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه تمثلت لي نفسي بهم فكيف لنفس تغل يدها إلى عنقها وتسحب في النار؟ ألا تصيح فتبكي؟ وكيف لنفس تعذب ألا تبكي؟ ويحك يا سوار وما أقل غناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله. بشر بن منصور قال: قلت لعطاء السليمي: يا عطاء لماذا الحزن؟ قال: ويحك الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، وربي لا أدري ما يصنع بي، ثم تنفس فغشي عليه. فترك خمس صلوات. فلما أفاق أخبرته فقال: ويحك إذا ذهب عقلي تخاف علي شيئا؟ ثم تنفس فغشي عليه فترك صلاتين. العلاء بن محمد البصري قال: شهدت عطاء السليمي خرج في جنازة فغشي عليه أربع مرات حتى صلي عليه كل ذلك يغشى عليه ثم يفيق فإذا نظر إلى الجنازة خر مغشيا عليه. بشر بن منصور قال: كنت أسمع عطاء السليمي كل عشية بعد العصر يقول: غدا عطاء في القبر. عن إبراهيم بن أدهم قال: كان عطاء يمس جسده بالليل خوفا من ذنوبه مخافه أن يكون قد مسخ. معاوية الكندي قال: كان عطاء عند حجام والمحاجم على عنقه فمر صبي معه شعلة نار فأصابت النار الريح فسمع ذلك منها فخر مغشيا عليه فحمل إلى منزله ما يعقل. عبد الخالق قال: قال رجل لعطاء يوما: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ قتلت نفسا؟ أي شيء صنعت؟ قال: اصطدت حماما لجار لي منذ أربعين سنة، قال: ثم قال: أما إني قد تصدقت بثمنه. كأنه لم يعرفه صاحبه. عبد الخالق بن عبد الله العبدي قال: كان عطاء إذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر فوقف على أهل القبور ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه. ثم يبكي ويقول: يا أهل القبور عاينتم ما عملتم فواعملاه. فلا يزال كذلك حتى يصبح. عن حماد بن زيد قال: رجعنا من جنازة فدخلنا على عطاء السليمي فلما رآنا كأنه خائف أن يدخله شيء أي لكثرتنا. فقال: اللهم لا تمقتنا أو اللهم لا تمقتني. ثم قال: سمعت جعفر بن زيد يقول: مر رجل بمجلس فأثنوا عليه خيرا. فلما جاوزهم قام وقال: اللهم إن كان هؤلاء لا يعرفونني فأنت تعرفني. علي بن بكار قال: مكث عطاء السليمي أربعين سنة على فراشه لا يقوم من الخوف ولا يخرج. أبو جعفر بن الطباع قال: سمعت مخلدا يقول: ما رأيت أحدا كان أفضل من عطاء السليمي، ولقد كانت الفاكهة تمر لا يعلم سعرها ولا يعرفها.

Bagian V02/P194–V02/P196

عن أبي جعفر السائح قال: كان عطاء السليمي يقول: التمسوا لي هذه الأحاديث في الرخص عسى الله أن يروح عني بعض ما أنا فيه من الغم. محمد بن معاوية الأزرق قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قيل لعطاء السليمي ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر على أن أبكي. قال: وكان يبكي الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه. أبو يزيد الهدادي قال: انصرفت ذات يوم من الجمعة فإذا عطاء السليمي وعمر بن درهم يمشيان، وكان عطاء قد بكى حتى عمش، وكان عمر قد صلى حتى دبر، فقال عمر لعطاء: حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يكف؟ قال: فصاح عطاء صيحة خر مغشيا عليه فأنشج موضحة واجتمع الناس وعقد عمر عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب. ثم أفاق فحمل. سوار أبو عبيدة قال: انقطع عطاء السليمي قبل موته بثلاثين سنة. قال: وما رأيت عطاء إلا وعيناه تفيضان. قال: وما كنت أشبه عطاء إذا رأيته إلا بالمرأة الثكلى. قال: وكأن عطاء لم يكن من أهل الدنيا. عن صالح المري قال: كان عطاء السليمي لا يكاد يدعو إنما يدعو بعض أصحابه ويؤمن هو، قال: فحبس بعض أصحابه. فقيل له: ألك حاجة؟ قال: دعوة من عطاء أن يفرج الله عني، قال صالح: فأتيته فقلت: يا أبا محمد أما تحب أن يفرج الله عنك؟ قال: بلى والله إني لأحب ذلك، قلت: فإن جليسك فلانا قد حبس فادع الله أن يفرج عنه. فرفع يديه وبكى وقال: إلهي قد تعلم حاجتنا قبل أن نسألكها قاقضها لنا، قال صالح: والله ما برحنا من البيت حتى دخل الرجل. صالح المري قال: قلت لعطاء السليمي ما تشتهي؟ فبكى وقال: أشتهي والله يا أبا بشر أن أكون رمادا لا تجتمع منه سفة أبدا في الدنيا ولا في الآخرة. قال صالح: فأبكاني والله وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر الحساب. بشر بن منصور قال: كان عطاء السليمي يقول: رب ارحم في الدنيا عربتي، وفي القبر وحدتي وطول مقامي غدا بين يديك. أدرك عطاء السليمي أيام أنس بن مالك. ولقي الحسن ومالك بن دينار وخلقا من تلك الطبقة، وشغلته العبادة عن الرواية. صالح بن بشير المري قال: لما مات عطاء السليمي حزنت عليه حزنا شديدا فرأيته في منامي فقلت: يا أبا محمد ألست في زمرة الموتى؟ قال: بلى، قلت: فماذا صرت إليه بعد الموت؟ قال: صرت والله إلى خير كثير ورب غفور شكور. قال: فقلت أما والله لقد كنت طويل الحزن في دار الدنيا. فتبسم فقال: أما والله يا أبا بشر لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحا دائما. قلت: ففي أي الدرجات أنت؟ قال: أنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. 539- أبو جهير مسعود الضرير صالح المري، وساق الحديث للحراز قال: قال مالك بن دينار. اغد علي يا أبا صالح إلى الجبان فإني قد وعدت نفرا من إخواني بأبي جهير مسعود الضرير نسلم عليه. قال صالح المري: وكان أبو جهير هذا رجلا قد انقطع إلى زاوية يتعبد فيها ولم يكن يدخل البصرة إلا يوم الجمعة في وقت الصلاة ثم يرجع من ساعته. قال فغدوت لموعد مالك إلى الجبان فانتهيت إلى مالك وقد سبقني وإذا معه محمد بن واسع. وإذا ثابت البناني وحبيب فلما رأيتهم قد اجتمعوا قلت: هذا والله يوم سرور. قال: فانطلقنا نريد أبا جهير. قال: فكان مالك إذا مر بموضع نظيف قال: يا ثابت صل ههنا لعله أن يشهد لك غدا. فكان ثابت يصلي، قال: ثم انطلقنا حتى أتينا موضعه فسألنا عنه فقالوا: الآن يخرج إلى الصلاة. فانتظرناه قال: فخرج علينا رجل إن شئت قلت قد نشر من قبره. قال: فوثب رجل فأخذ بيده حتى أقامه عند باب المسجد ثم أمهل يسيرا ثم دخل المسجد فصلى ما شاء ثم أقام الصلاة فصلينا معه.

Bagian V02/P196–V02/P198

فلما قضى صلاته جلس كهيئة المهموم فتوامر القوم في السلام عليه. فتقدم محمد بن واسع فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت لا أعرف صوتك؟ قال: أنا من أهل البصرة. قال: ما اسمك يرحمك الله؟ قال: أنا محمد بن واسع. قال: مرحبا بك وأهلا، أنت الذي يقول هؤلاء القوم - وأومأ بيده إلى البصرة - إنك أفضلهم، لله أنت إن قمت بشكر ذلك. اجلس فجلس. فقام ثابت البناني فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا ثابت البناني. قال: مرحبا بك يا ثابت البناني، أنت الذي يزعم أهل هذه القرية أنك من أطولهم صلاة؟ اجلس فقد كنت أتمناك على ربي. قال: فقام إليه حبيب أبو محمد فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت رحمك الله؟ قال أنا حبيب أبو محمد. قال: مرحبا بك يا أبا محمد أنت الذي يزعم هؤلاء القوم أنك لم تسأل الله شيئا إلا أعطاك فهلا سألته أن يخفي لك ذلك؟ اجلس يرحمك الله. قال: وأخذ بيده فأجلسه إلى جنبه: قال: فقام إليه مالك بن دينار فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن دينار. قال: بخ بخ أبو يحيى، إن كنت كما يقولون، أنت الذي يزعم هؤلاء القوم أنك أزهدهم؟ اجلس فالآن تمت أمنيتي على ربي في عاجل الدنيا. قال صالح: فمت إليه لأسلم عليه فأقبل علي القوم فقال: انظروا كيف تكونون غدا بين يدي الله في مجمع القيامة. قال: فسلمت عليه فرد علي وقال: من أنت يرحمك الله؟ قلت أنا صالح المري، قال: أنت الفتى القارئ، أنت أبو بشر؟ قلت: نعم، قال: اقرأ يا صالح فابتدأت فقرأت فما استتممت الاستعاذة حتى خر مغشيا عليه. ثم أفاق إفاقة فقال عد في قراءتك يا صالح، فعدت فقرأت: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} الفرقان قال: فصاح صيحة ثم انكب لوجهه وانكشف بعض جسده فجعل يخور كما يخور الثور ثم هدأ فدنونا منه ننظر فإذا هو قد خرجت نفسه كأنه خشبة. قال: فخرجنا فسألنا: هل له أحد؟ قالوا: عجوز تخدمه تأتيه الأيام فبعثنا إليها فجاءت فقالت: ما له؟ قرئ عليه القرآن فمات قالت: حق له والله، من ذا الذي قرأ عليه؟ لعله صالح القارئ؟ قلنا: نعم وما يدريك من صالح؟ قالت: لا أعرفه غير أني كثيرا ما كنت أسمعه يقول: إن قرأ علي صالح قتلني. قلنا: فهو الذي قرأ عليه قالت: هو الذي قتل حبيبي فهيأناه ودفناه. رحمه الله. 540- عبد الله بن غالب الحداني المغيرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن غالب الحداني لما برز للعدو: على ما آسى من الدنيا فوالله ما فيها للبيب جذل، والله لولا محبتي لمباشرة السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء في ظلم الليل رجاء ثوابك وحلول رضوانك لقد كنت متمنيا لفراق الدنيا وأهلها. قال: ثم كسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فحمل من المعركة وإن به لرمقا فمات دون العسكر، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال: فرآه رجل من إخوانه في منامه فقال: يا أبا فراس ما صنعت؟ قال: خير الصنيع قال: إلى ما صرت؟ قال: إلى الجنة. قال: ثم قال: بحسن اليقين وطول التهجد وظمأ الهواجر. قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من قبرك؟ قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. قال: قلت أوصني. قال: اكسب لنفسك خيرا لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلا. عن مالك بن دينار قال: نزلت في قبر عبد الله بن غالب فأخذت من ترابه فإذا هو مسك. وقال: فتن الناس به فبعث إلى قبره فسوي. 541- أشعث الحداني

Bagian V02/P198–V02/P199

حزم قال: قال لنا أشعث الحداني: انطلقوا إلى حبيب أبي محمد نسلم عليه، قال: وذاك عند ارتفاع النهار. فانطلقنا معه فسلم فخرج حبيب أبو محمد فأخذ في البكاء فما زالوا يبكون حتى حضرت الظهر. قال: فصلينا. فأخذوا في البكاء فما زالوا يبكون حتى حضرت العصر. فما زالوا يبكون حتى حضرت المغرب. ثم أدنينا حماره فركب فقال لنا: إن ناسا ينهون عن هذا فأطيعهم؟ قلنا: أنت أعلم. قال: إذا والله لا أطيعهم. 542- الحجاج بن فرافصة عن سفيان: قال: بت عند الحجاج بن فرافصة اثنتي عشرة ليلة ما رأيته أكل ولا شرب ولا نام. عن سفيان الثوري قال: بت عند الحجاج بن الفرافصة إحدى وعشرين يوما فما أكل ولا شرب ولا نام. هكذا في حديث أبي نعيم أحد وعشرين. وفي رواية أخرى إحدى عشرة ليلة. إبراهيم بن فراسة يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: بت عند الحجاج بن فرافصة إحدى عشرة ليلة فلا أكل ولا شرب ولا نام. أبو موسى الأنصاري قال: سمعت النضر بن شميل يقول: مكث الحجاج بن الفرافصة أربعة عشر يوما لا يشرب ماء. قال أبو موسى: قد سمع النضر منه ورآه. عن ابن شوذب قال: رأيت الحجاج بن فرافصة واقفا في السوق عند أصحاب الفاكهة فقلت: ما تصنع ههنا؟ قال: انظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة. أسند الحجاج عن أنس وغيره. 543- حسان بن أبي سنان محمد بن عبد الله الزراد قال: خرج حسان إلى العيد فقيل له لما رجع: يا أبا عبد الله ما رأينا عيدا أكثر نساء منه. فقال: ما تلقتني امرأة حتى رجعت. غسان بن المفضل قال: أنبأ شيخ لنا يقال له أبو حكيم قال: خرج حسان يوم العيد فلما رجع قالت له امرأته: كم امرأة حسنة قد نظرت إليها اليوم؟ فلما أكثرت قال: ويحك ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك. عبد الله قال: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك. قال: فاشتراه من رجل، فلم يأت عليه إلا القليل فإذا اشترى ربح ثلاثين ألفا. قال فأتى صاحب السكر فقال: يا هذا إن غلامي كان كتب إلي ولم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك - قال الآخر: قد أعلمتني الآن وطيبته لك. قال: فرجع فلم يحتمل قلبه. قال: فأتاه فقال: يا هذا إني لم آت الأمر من وجهه فأحب أن تسترد هذا البيع. قال: فما زال به حتى رد عليه. عبد المؤمن بن عباد قال: لقي حسان بن أبي سنان رجل به رهق وكان مع حسان رجل قال: فسأله حسان مساءلة لطيفة، فقال له الرجل: تساءل هذا مثل هذه المساءلة حتى يظن في نفسه أي شيء؟ قال: وما يدريك لعله تكون في هذا خصلة يحبها الله وفيك خصلة يبغضها الله عز وجل قال: فقال يا أبا عبد الله وما هذه الخصلة التي فيه يحبها الله عز وجل؟ وما الخصلة التي في يبغضها الله عز وجل؟ قال: لعله أن يكون حين رآك حدثته نفسه أنك خير منه ولعلك حين رأيته حدثتك نفسك أنك خير منه. عن جعفر بن سليمان أن رجلا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: "لو أن حسانا دعا أن يتحول جبل لحول". الوليد بن بشار قال: جاءت امرأة فسألت حسان بن أبي سنان. فقال لشريكه هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. فذهب شريكه يزن لها درهمين فوزن لها مائتين، فقالوا: يا أبا عبد الله كنت ترضي بهذا كذا وكذا من سائل. فقال: إني ذهبت في شيء لم تذهبوا فيه، إني رأيت بها بقية من الشباب وخشيت أن تحملها الحاجة على بعض ما أكره. قال مهدي بن ميمون: رأيت حسان بن أبي سنان، أحسبه قال في مرضه، فقيل له: كيف تجدك؟ قال: بخير عن نجوت من النار. فقيل له: فما تشتهي؟ قال: ليلة بعيدة ما بين الطرفين أحيي ما بين طرفيها. أبو يحيى الزراد قال: كنت أسمع حسان بن أبي إسحاق يتمثل كثيرا:

Bagian V02/P199–V02/P201

لا صحة المرء في الدنيا تؤخره ولا يقدم يوما موته الوجع قال ابن شوذب: كان حسان بن أبي سنان رجلا من تجار أهل البصرة له شريك بالبصرة وهو مقيم بالأهواز يجهز على شريكه بالبصرة ثم يجتمعان على رأس كل سنة يتحاسبان ثم يقتسمان الربح. فكان يأخذ قوته من ربحه ويتصدق بما بقي، وكان صاحبه يبني الدور ويتخذ الأرضين. قال: فقدم حسان البصرة قدمة ففرق ما أراد أن يفرق فذكر له أهل بيت لم تكن حاجتهم ظهرت. فقال: أما تخبرونا؟ فاستقرض لهم ثلاث مائة درهم فبعث بها إليهم. موسى بن هلال قال: حدثني رجل كان جليسا لنا وكانت امرأة حسان مولاة له قال: حدثتني امرأة حسان بن أبي سنان قالت: كان يجيء فيدخل معي في فراشي، قالت: ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني قد نمت سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي، قالت: فقلت له يا أبا عبد الله: كم تعذب نفسك؟ أرفق بنفسك، فقال: اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها زمانا. عبد الله بن عيسى قال: أخبرني أبي قال: كان حسان بن أبي سنان يحضر مسجد مالك بن دينار فإذا تكلم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يديه ولا يسمع له صوت. عن عبد الجبار بن النضر السلمي قال: مر حسان بن أبي سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصوم سنة فصامها. عمارة بن زاذان قال: كان حسان يفتح باب حانوتة فيضع الدواة وينشر حسابه، ويرخي ستره، ثم يصلي، فإذا أحس بإنسان قد جاء يقبل على الحساب يريه أنه كان في الحساب. قال أبو داود: وثنا سلام بن أبي مطيع قال: كان حسان بن أبي سنان يقول: لولا المساكين ما اتجرت. يحيى بن سطام الأصفر التميمي - وكان جارا لحسان بن أبي سنان قال: وكان حسان يصوم الدهر، ويفطر على قرص ويتسحر بآخر، فنحل وسقم جسمه جدا حتى صار كهيئة الخيال. فلما مات فأدخل مغتسله ليغسل، كشف الثوب عنه فإذا هو كهيئة الخيط الأسود قال: وأصحابه حوله يبكون. قال حريث: فحدثني يحيى بن مسلم البكاء وإبراهيم بن محمد القيسي قال: لما نظرنا إلى حسان وما قد أبلاه الدؤوب أكبرنا ذلك جدا واستدمع أهل البيت وعلت أصواتهم. ثم هدؤوا. فإنا لكذلك إذ سمعنا قائلا يقول من ناحية البيت: تجوع للإله لكي يراه نحيل الجسم من طول الصيام قال: فوالله ما رأيناه في البيت إلا باكيا. قال حريث: كانوا يرون أن بعض الجن بكاه. كان حسان كثير الرواية عن الحسن وثابت البناني. ويقال: أنه أسند عن أنس، غير أنه اشتغل بالعبادة عن الرواية. 544- شميط بن عجلان أبو عبد الله، ويقال أبو همام. عن سيار قال: أنبأ عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: بادروا بالصحة السقم وبالفراغ الشغل، وبادروا بالحياة الموت. وسمعته يقول لي: بئس العبد عبد خلق للعاقبة فصدته العاجلة عن العاقبة فزالت عنه العاجلة وشقي في العاقبة. وسمعته يقول: أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك؟ لا بقليل تقنع ولا بكثير تشبع، كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته؟ العجب العجب كل العجب لمصدق بدار الحق وهو يسعى لدار الغرور. وسمعته يقول: إن الله عز وجل جعل قوة المؤمن في قلبه ولم يجعلها في أعضائه. ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفا يصوم الهواجر ويقوم الليل والشاب يعجز عن ذلك. وسمعته يقول: يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره وحملها على رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا لو ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا. فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وسمعته يقول: من رضي بالفسق فهو من أهله، ومن رضي أن يعصى الله عز وجل لم يرفع له عمل.

Bagian V02/P201–V02/P203

أبو معاوية الغلابي قال: حدثني رجل قال: قالت امرأة شميط: يا أبا همام إنا نعمل الشيء فيبرد فنشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجيء حتى يفسد ويبرد. فقال: والله إن أبغض ساعاتي إلي الساعة التي آكل فيها. جعفر قال: سمعت شميطا يقول: رأس مال المؤمن دينه حيثما زال معه لا يخلفه في الرجال ولا يأمن عليه الرجال. جعفر بن سليمان قال: سمعت شميطا يقول: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا ولا بسعتها. إبراهيم بن عبد الملك قال: قال شميط بن عجلان: إن الله عز وجل وسم الدنيا بالوحشة ليكون أنس المطيعين به. عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه أنه كان يقول في مواعظه: إذا أصبحت آمنا في سربك معافى في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء وعلى من يحزن عليها، إن المؤمن يقول لنفسه: إنما هي ثلاثة أيام فقد مضى أمس بما فيه وغدا أمل لعلك لا تدركيه، إنما هو يومك هذا فإن كنت من أهل غد برزق غد إن دون غد يوما وليلة تخترم فيه أنفس كثيرة فلعلك المخترم فيه. كفى كل يوم همه ثم حملت على قلبك الضعيف هم السنين والدهور والأزمنة وهم الغلاء والرخص وهم الشتاء قبل أن تجيء وهم الصيف قبل أن يجيء، فماذا أبقيت من قلبك الضعيف للآخرة؟ ما تطلب الجنة بهذا، متى تهرب من النار؟ كل يوم ينقص من أجلك ثم لا تحزن. أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع، فكيف لا يستبين للعالم جهله، وقد عجز عن شكر ما هو فيه، وهو مفتن في طلب الزيادة؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع عنها رغبته فالعجب كل العجب لمن صدق بدار الحيوان كيف يسعى لدار الغرور. وكان يقول: إن أولياء الله آثروا رضا ربهم تعالى على هوى أنفسه، فأرغموا أنفسهم كثيرا في رضا ربهم فأفلحوا والله وأنجحوا، وإن المنافق عبد هواه وعبد بطنه وعبد فرجه وعبد جلده، عبد الدنيا وعبد أهل الدنيا. وكان يقول: الناس رجلان، فمتزود من الدنيا ومتنعم فيها فانظر أي الرجلين أنت. إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا فلأي شيء تحبه؟ أن تطيع الله عز وجل وتحسن عبادته وتتقرب إليه بالأعمال الصالحة؟ فطوبى لك، أم لتأكل وتشرب وتلهو تلعب وتجمع الدنيا وتثمرها وتنعم زوجتك وولدك؟ فلبئس ما أردت له البقاء. وكان يقول إذا وصف المؤمنين: أتاهم عن الله تبارك وتعالى أمر وقذهم عن الباطل فأسهروا الأعين وأجاعوا البطون وأظمأوا الأكباد وأنفقوا الأموال واهتضموا التالد والطارف في طلب ما يقربهم إلى الله عز وجل وفي طلب النجاة مما خوفهم به. وكان يقول: إن المؤمن اتخذ كتاب الله عز وجل مرآة فمرة ينظر إلى ما نعت الله عز وجل به المؤمنين، ومرة ينظر إلى ما نعت الله عز وجل به المغترين، ومرة ينظر إلى الجنة وما وعد الله عز وجل فيها، ومرة ينظر إلى النار وما أعد الله عز وجل فيها. تلقاه حزينا كالسهم المرمى به شوقا إلى ما شوقه الله عز وجل إليه وهربا مما خوفه الله عز وجل منه. وكان يقول: بلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام، يا داود ألا ترى إلى المنافق كيف يخدعني وأنا أخدعه؟ يسبحني ويوقر بلسانه وقلبه مني بعيد، يا داود قل للملأ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا في أضبانهم. ليضعوها ثم ليدعوني أستجب لهم. وكان يقول: اللهم اجعل القليل من الدنيا يكفينا كما يكفي الكثير أهله، اللهم ارفع رغبتنا إليك واقطع رجاءنا ممن سواك، اللهم اجعل طاعتك ألذ عندنا من الطعام عند الجوع، ومن الشراب عند الظمأ، اللهم اجعل غفلة الناس لنا ذكرا ومرح الناس لنا شكرا، اللهم إذا تنعم المتنعمون بالدنيا فاجعلنا نتنعم بذكرك. وكان يقول: بالدراهم والدنانير أزمة المنافقين تقودهم إلى السوءات.

Bagian V02/P203–V02/P205

وكان يقول: تلقى أحدهم عنده فضول يغلق بابه دون جاره وذوي رحمه، ثم يخرج على القوم يحدثهم بما أكل وشرب ولعل جاره الفقير وذا رحمه المحتاج يكون في القوم يسمع ما يقول، ويحك ما كفاك أن غلقت بابك دونه فلم تواسه ولم تذكره حتى قعدت فأخبرته بما أكلت وشربت؟ فإذا أنت قد جمعت إساءة بعد إساءة. وكان يقول: إن المؤمن أبصر الدنيا فأنزلها فإن هي أقبلت عليه قال: لا مرحبا ولا أهلا والله ما أراك جئت بخير وما فيك من خير إلا أن تطلب بك الجنة، ويفتدى بك من النار، فإن هي أدبرت عنه قال: عليك العفاء وعلى من يتبعك، الحمد لله الذي خار لي وصرف عني فتنتك وشغلك. وكان يقول إذا وصف أهل الدنيا: حيارى سكارى فارسهم يركض ركضا وراجلهم يسعى سعيا، لا غنيهم يشبع، ولا فقيرهم يقنع. وكان يقول إذا وصف المقبل على الدنيا: دائب البطنة قليل الفطنة إنما همه بطنه وفرجه وجلده، حتى أصبح فآكل وأشر وألهو وألعب، متى أمسى فأنام، جيفة بالليل بطال بالنهار ويحك ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ أم بهذا تطلب الجنة وتهرب من النار؟. وكان يقول: إن العافية سترت البر والفاجر، فإذا جاءت البلايا استبان عندها الرجلان فجاءت البلايا إلى المؤمن فأذهبت ماله وخادمه ودابته حتى جاع بعد الشبع ومشى بعد الركوب وخدم نفسه بعد أن كان مخدوما فصبر ورضي بقضاء الله عز وجل، وقال: هذا نظر من الله عز وجل لي، هذا أهون لحسابي غدا. وجاءت البلايا إلى الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته فجزع وهلع وقال: والله ما لي بهذا طاقة، والله لقد عودت نفسي عادة ما لي عنها صبر من الحلو والحامض والحار والبارد ولين العيش، فإن هو أصابه من الحلال وإلا طلبه من الحرام والظلم ليعود إليه ذلك العيش. وكان يقول: إنسانان معذبان في الدنيا: غني أعطي دنيا فهو بها مشغول، وفقير زويت عنه فهو يتبعها نفسه فنفسه تقطع عليها حسرات. وكان يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا المقرب. ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم راجع توبة، فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب شمال. أبو عمر الضرير قال: أنبأنا عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: أيها المغتر بطول صحته أما رأيت ميتا قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة، أبالصحة تغترون؟ أم بطول العافية تمرحون؟ أم بالموت تأمنون؟ أم على ملك تجترئون؟ إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك ولا كثرة احتشادك. أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب شديد وغصص وندامة على التفريط؟ ثم يقول: رحم الله عبدا عمل لساعة الموت. رحم الله عبدا عمل لما بعد الموت، رحم الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت. أسند شميط عن جماعة من التابعين. 545- خويل بن محمد الأزدي عن الهيثم بن عدي قال: سمعت خويل بن محمد، وكان عابدا يقول: كأن خويلا قد وقف للحساب فقيل له: يا خويل قد عمرناك ستين سنة، فما صنعت فيها فجمع نوم سنة مع قائلة النهار فإذا قطعة من عمري نوم وجمعت ساعات أكلي فإذا قطعة من عمري قد ذهبت في الأكل وجمعت ساعات وضوئي فإذا قطعة من عمري قد ذهبت فيه، ثم نظر في صلاتي فإذا صلاتي منقوصة وصوم مخرق. فما هو إلا عفو الله أو الهلكة. ومن الطبقة الخامسة من أهل البصرة: 546- هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر الدستوائي مولى لبني سدوس. سعيد بن عامر قال: كان هشام بن أبي عبد الله قد أظلم بصره من طول البكاء، وكنت تراه ينظر إليك فلا يعرفك إلا أن تكلمه. شاذ بن فياض قال: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه فكانت مفتوحة وهو لا يكاد يبصر بها.

Bagian V02/P205–V02/P208

محمد بن حفص التيمي قال: كان هشام إذا فقد السراج من بيته تململ على فراشه. وكانت امرأته تأتيه بالسراج فقالت له في ذلك فقال: إذا فقدت السراج ذكرت ظلمة القبر. عبد الصمد قال: مات هشام بن عبد الله سنة ثنتين وخمسين. زيد بن الحباب قال: دخلت على هشام الدستوائي سنة ثلاث وخمسين يعني ومائة ومات بعد ذلك بأيام. 547- شعبة بن الحجاج بن ورد من الأزد: مولى للأشاقر عتاقة. يكنى أبا بسطام، وهو أكبر من الثوري بعشر سنين. عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت أبا بحر البكراوي يقول: ما رأيت أعبد من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم. قال عمرو بن هارون: كان شعبة يصوم الدهر كله لا يرى عليه. وكان سفيان الثوري يصوم ثلاثة من الشهر ترى عليه. أبو قطن قال: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه قد نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه قد نسي. مسلم بن إبراهيم قال: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته يصلي. سليمان بن حرب قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تساوي عشرة دراهم: إزاره وقميصه ورداءه، وكان كثير الصدقة. أبو قطن قال: كانت ثياب شعبة لونها لون التراب، وكان كثير الصلاة، كثير الصيام سخي النفس. أبو حميد عبد الله بن محمد المصيصي قال: سمعت حجاجا يقول: ركب شعبة حمارا له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه شعبة، والله ما أملك إلا هذا الحمار. ثم نزل عنه ودفعه إليه. قراد أبو نوح قال: رأى شعبة علي قميصا فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت بثمانية دراهم. قال لي: ألا اشتريت قميصا بأربعة دراهم وتصدقت بأربعة. رأى شعبة الحسن وابن سيرين، وسمع من قتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالد الحذاء وخلق كثير من التابعين. وتوفي بالبصرة في أول سنة ستين ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة. 548- صالح بن بشير أبو بشر المرئي كان مملوكا لامرأة من بني مرة بن الحارث من بني عبد القيس فأعتقته. قال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أذكر صالحا المري لسفيان فيقول القصص القصص، كأنه يكرهه. فكان إذا كانت له حاجة بكر فيها. فبكر يوما وبكرت معه فجعلت طريقنا على مسجد صالح المري فقلت: يا أبا عبد الله ندخل فنصلي في هذا المسجد. فدخل فصلينا وكان يوم مجلس صالح، فلما صلوا ازدحم الناس فبقينا لا نقدر أن نقوم، وتكلم صالح فرأيت سفيان يبكي بكاء شديدا، فلما فرغ وقام قلت له: يا أبا عبد الله كيف رأيت هذا الرجل؟ فقال: ليس هذا بقاص هذا نذير قوم. عفان بن مسلم قال: كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص، وكان إذا أخذ في قصصه كأنه رجل مذعور يفزعك أمره، من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى، وكان شديد الخوف من الله كثير البكاء. أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: سمعت صالحا المري يقول: للبكاء دواع: الفكرة في الذنوب فإن أجابت على تلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت على ذلك وإلا فاعرض عليها التقلب في أطباق النيران. قال: ثم صاح وغشي عليه وتصايح الناس من نواحي المسجد. الأصمعي قال: شهدت صالحا المري عزى رجلا على ابنه فقال: لئن كانت مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك فمصيبتك بابنك جلل في مصيبتك في نفسك، فإياها فابك. أسند صالح عن الحسن وابن سيرين وثابت وقتادة وبكر بن عبد الله في خلق كثير من التابعين. وتوفي سنة ست وسبعين ومائة. 549- الربيع بن عبد الرحمن ويعرف بالربيع بن برة.

Bagian V02/P208–V02/P210

محمد بن سنان قال: سمعت الربيع بن برة يقول: ابن آدم إنما أنت جثة منتنة طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة فلو قد نزع منك روحك ألقيت جثة ملقاة وجيفة منتنة وجسدا خاويا. قد جيف بعد طيب رائحة واستوحش منه بعد الأنس بقربه أي الخليفة منك أعجب إذ كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن التراب مقيلك ثم أنت بعد هذا الطول جهلك تقر بالدنياعينا. أسمعته يقول: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} "سبأ" أما والله ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظم ثوابهما عنده لأوليائه فمن أعظم منك غفلة أو من أطول في القيامة منك حسرة إذ كنت ترغب عما رغب لك فيه مولاك وأنت تقرأ في الليل والنهار {نعم المولى ونعم النصير} . عباد بن الوليد القرشي قال: قال الربيع بن برة: عجبت للخلائق كيف ذهلوا عن أمر حق تراه عيونهم وتشهد عليه معاقد قلوبهم إيمانا وتصديقا بما جاء به المرسلون؟ ثم ها هم في غفلة عنه سكارى يلعبون. ثم يقول: وأيم الله ما تلك الغفلة إلا رحمة من الله لهم ونعمة من الله عليهم. ولولا ذلك لألفي المؤمنون طائشة عقولهم طائرة أفئدتهم منخلقة علوبهم لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبدا. داود بن المحبر عن أبيه قال: مر بنا الربيع بن برة ونحن نسوي نعشا لميت فقال: من هذا الغريب الذي بين أظهركم؟ قلنا ليس بغريب بل هو قريب حبيب. قال: فبكى وقال: من أغرب من الميت بين الأحياء؟ قال: فبكى القوم جميعا. عن محمد بن سلام قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: رضيت لنفسك، وأنت الحول القلب، أن تعيش عيش البهائم، نهارك هائم وليلك نائم والأمر أمامك جد. محمد بن سلام الجمحي قال: كان الربيع بن برة يقول: نصب المتقون الوعيد من الله أمامهم فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق فهم والله في الدنيا منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك فمتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال تشوقت القلوب وارتاحت إلى حلول ذلك، فهم والله إلى الآخرة متطلعون بين وعيد هائل ووعد حق صادق لا ينفكون من خوف وعيد إلا رجعوا إلى شوق موعود. فهم كذلك وعلى ذلك في الموت جعلت لهم الراحة. ثم بكى. عاصم الخلقاني قال: قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عبادا أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام رجاء أن ينير لهم قلوبهم إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب الله فازدادوا لله بذلك جدا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم. قال: ثم يبكي حتى يبل لحيته بالدموع. محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول في كلامه: قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال فنحن في الدنيا حيارى لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا في أثرها غفلة، فيا إخوتاه نشدتكم بالله هل تعلمون مؤمنا بالله أغر ولنقمته أقل حذرا من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين فطاشت عقولهم وضلت حلومهم مما رأوا العبر والأمثال، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة؟ فبالله لتبلغن من طاعة الله ورضاه أو لتنكرن به ماتعرفون من حسن بلائه وتواتر نعمائه - إن تحسن أيها المرء يحسن إليك وإن تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع فقد بين وحذر وأعذر فما للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما. زعم بعض نقلة الحديث أن الربيع بن برة أسند عن الحسن، وذكر له حديثا. وإنما الربيع المذكور في ذلك الحديث هو الربيع بن صبيح، وأما ابن برة فلا نعلم له مسندا. 550- الحجاج العابد

Bagian V02/P210–V02/P211

محمد بن صالح التميمي قال: قال أبو عبد الله مؤذن مسجد بني جدار: جاورني شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وأقمت كأنه في نقرة قفاي. فإذا صليت صلى ثم لبس نعليه فدخل منزله. فكنت أتمنى أن يكلمني أو يسألني حاجة. فقال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله عندك مصحف تعيرني أقرأ فيه؟ فأخرجت إليه مصحفا فدفعته إليه فضمه إلى صدره ثم قال: ليكونن اليوم لي ولك شأن. ففقدته ذلك اليوم فلم أره يخرج. فأقمت المغرب فلم يخرج. وأقمت العشاء الآخرة فلم يخرج. فساء ظني فلما صليت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي هو فيها فإذا فيها دلو ومطهرة وإذا على بابه ستر فدفعت الباب فإذا به ميت والمصحف في حجرة. فأخذت المصحف من حجرة واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره. وبقيت ليلتي أفكر من أكلم حتى أكفنه فأذنت الفجر بوقت ودخلت المسجد لأركع، فإذا بضوء في القبلة فدنوت منه فإذا كفن ملفوف في القبلة فأخذته وحمدت الله عز وجل وأدخلته البيت وخرجت فأقمت الصلاة فلام سلمت إذا عن يميني ثابت البناني ومالك بن دينار وحبيب الفارسي وصالح المري، فقلت لهم يا إخواني ما غدا بكم؟ قالوا: مات في جوارك الليلة أحد؟ قلت: مات شاب كان يصلي معي الصلوات. فقالوا لي: أرناه. فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار الثوب عن وجهه قبل موضع سجوده ثم قال: بأبي أنت يا حجاج إذا عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره حتى لا تعرف، خذوا في غسله. وإذا مع كل واحد منهم كفن، فقال كل واحد منهم: أنا أكفنه، فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إني فكرت في أمره هذه الليلة فقلت: من أكلم حتى يكفنه. فأتيت المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه؟ فقالوا: يكفن في ذلك الكفن فكفناه وأخرجناه، فما كدنا نرفع جنازته، من كثرة من حضره من الجمع. 551- ضيغم بن مالك أبو مالك العابد. أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك قال: قال لي ضيغم ليلة: لو أعلم أن رضاه أن أقرض لحمي لدعوت بالمقراض فقرضته. قال: قال سيار رأيت ضيغما صلى نهاره أجمع وليله حتى بقي راكعا لا يقدر أن يسجد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قرة عيني، ثم خر ساجدا فسمعته يقول وهو ساجد: إلهي كيف عزفت قلوب الخليقة عنك؟ قال: وربما أصابته الفترة فإذا وجد ذلك اغتسل ثم دخل بيتا فأغلق بابه وقال: إلهي إليك جئت. قال: فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود. قال: وسمعت سيار بن حاتم يقولك كان ورد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة. عبيد الله بن عمر قال: أتيت صاحبا لي يقال له عمران بن مسلم فأراني موضعين مبتلين في مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت: ما هذا؟ قال: هذا والله من دموع ضيغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع. أزهر بن مروان الرقاشي قال: رأيت ضيغما العابد وكنت إذا رأيته رأيت رجلا لا يشبه الناس من الخشوع والضر وطول الحزن. قال القرشي: وحدثني شيخ يكنى بأبي يعقوب عن سعيد البكاء قال: قال رجل لأم ضيغم: ما أطول حزن ضيغم. فبكت وقالت: لمثل ما ندب إليه فليحزن، ذهب الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت يا بني محزونا. محمد بن الحسين قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: قالت أمه، يعني ضيغما، ذات يوم: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: كيف فرحك بالقدوم على الله؟ قال: فحدثني غير واحد من أهله أنه صاح صيحة لم يسمعوه صاح مثلها قط وسقط مغشيا عليه، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول: بأبي أنت ما نستطيع أن نذكر بين يديك شيئا من أمر ربك. قال: وقالت له يوما: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟ قال: نعم يا أماه. قالت: ولم يا بني؟ قال: رجاء خير ما عند الله قال: فبكت العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون لبكائهم.

Bagian V02/P211–V02/P213

قال: وقالت له يوما آخر: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟ قال: لا أماه. قالت: لم يا بني؟ قال: لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي، قال: فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون، وكانت أمه عربية كأنها من أهل البادية. مالك بن ضيغم قال: حدثني الحكم بن نوح قال: بكى أبوك ليلة من أول الليل إلى آخره لم يسجد فيها سجدة ولم يركع فيها ركعة ونحن معه في البحر، فلما أصبحنا قلنا: يا مالك لقد طالت ليلتك لا مصليا ولا داعيا، قال: فبكى ثم قال: لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غدا ما لذوا بعيش أبدا، والله إني لما رأيت الليل وهوله وشدة سواده ذكرت به الموقف وشدة الأمر هناك، وكل امرئ يومئذ تهمه نفسه: {لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا} قال: ثم شهق ولم يزل يضطرب ما شاء الله. مالك بن ضيغم قال: حدثتني خالتي حبابة بنت ميمون العتكية قالت: رأيت أباك ضيغما نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز وقد برد له حتى صبه ثم اكتاز من الحب ماء حارا فشرب فقلت له بعد ذلك: بأبي أنت قد رأيت الذي صنعت فمم ذاك؟ قال: حانت مني مرة نظرة إلى امرأة فجعلت على نفسي أن لا تذوق الماء البارد أيام الدنيا. فقلت: أنغص عليها الحياة. محمد بن مالك بن ضيغم قال: حدثني مولانا أيوب قال: قال لي أبو مالك يوما: يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وأيم الله لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة. قال قلت: بأبي أنت وكيف لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به وجهه. يحبى بن بسطام قال: قلت لجار ضيغم: هل سمعت أبا مالك يذكر من الشعر شيئا؟ قال: ما سمعته يذكر إلا بيتا واحدا. قلت: ما هو؟ قال: قد يخزن الورع التقي لسانه حذر الكلام وإنه لمفوه سعيد الوراق قال: حدثني ابن ثعلبة، وكان من العابدين، قال: رأيت ضيغما في منامي بعد موته فقال لي: يا ابن ثعلبة أما صليت علي؟ قال: فذكرت علة كانت، فقال: أما لو كنت صليت علي لقد كنت ربحت رأسك. 552- حماد بن سلمة يكنى أبا سلمة مولى لبني تميم، وهو ابن أخت حميد الطويل. عبد الرحمن بن مهدي قال: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غدا ما قدر أن يزيد في العمل شيئا. مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة فإذا ليس في البيت إلا حصير، وهو جالس عليه، ومصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا عنده جالس إذ دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده. فدخل فناوله كتابا فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته: وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام. قال: يا صبية هلمي الدواة. ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد وأنت فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدا فإن كانت وقعت مسألة فإتنا واسألنا عما بدا لك وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك، ولا أنصح نفسي والسلام.

Bagian V02/P213–V02/P216

فبينا أنا عنده دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ فقالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له ليدخل وحده، فدخل فسلم ثم جلس بين يديه فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعبا فقال حماد: سمعت ثابتا البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله عز وجل هابه كل شيء، وإذا أراد أن يكتنز به الكنوز هاب من كل شيء" 1 فقال: أربعون ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه؟ قال: قال ارددها على من ظلمته بها. قال: والله ما أعطيتك إلا ما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها ازوها عني زوى الله عنك أوزارك. قال: فتقسمها. قال: فلعلي إن عدلت في قسمتها أن يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل، ازوها عني زوى الله عنك أوزارك. موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم إني رأيت حماد بن سلمة ضاحكا قط صدقتكم كان مشغولا بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح، وإما أن يصلي. كان قد قسم النهار على هذه الأعمال. سوار بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين شد جونته فلم يبع شيئا. فكنت أظن أن ذلك يقوته. فإذا وجد قوته لم يزد عليه شيئا. يونس بن محمد قال: مات حماد بن سلمة في المسجد وهو يصلي. أسند حماد بن سلمة عن خلق لا يحصون من التابعين. وتوفي في سنة ثمان وستين ومائة. أبو عبد الله التميمي عن أبيه قال: رأيت حماد بن سلمة في النوم فقلت: ما فعل بك ربك؟ قال: خيرا. قلت: وماذا؟ قال: قيل لي طال ما كددت نفسك فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعوبين في الدنيا، بخ بخ ماذا أعددت لهم. 553- الحسن بن أبي جعفر أبو سعيد الجفري. واسم أبي جعفر عجلان. أبو عمران التمار قال: غدوت يوما قبل الفجر إلى مسجد الجفري فإذا باب المسجد مغلق وإذا حسن جالس يدعو، وإذا ضجة في المسجد وجماعة يؤمنون على دعائه وحسن يدعو. قال: فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه فقام فأذن وفتح باب المسجد فلم أر في المسجد أحدا، فلما أصبح وتفرق عنه الناس قلت له: يا أبا سعيد إني والله رأيت عجبا. قال: ما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت. فقال: أولئك جن من أهل نصيبين يجيئون فيشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون. أسند الجفري عن أبي الزبير وثابت البناني وغيرهما. وتوفي سنة ستين وقيل سنة سبع وستين ومائة. 554- شداد المجذوم عن مخلد بن الحسين قال: كان بالبصرة رجل يقال له شداد، أصابه الجذام فتقطع فدخل عليه عواده من أصحاب الحسن فقال: كيف تجدك؟ قال: بخير: أما إنه ما فاتني جزئي بالليل، وقد سقطت وما بي إلا أني لا أقدر أن أحضر صلاة الجماعة. ومن الطبقة السادسة من أهل البصرة: 555- حماد بن زيد بن درهم يكنى أبا إسماعيل. عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحدا أعرف بالسنة من حماد بن زيد. أمية بن بسطام قال: سمعت يزيد بن زريع يقول يوم مات حماد بن زيد: مات اليوم سيد المسلمين. أسند حماد بن زيد عن خلق كثير من التابعين، وتوفي لعشر ليال خلون من رمضان سنة تسع وسبعين ومائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة. 556- يزيد بن زريع أبو معاوية العيشي، من بني عائش وهم من ولد بكر بن وائل. أبو بكر المروزي قال: سمعت عبد الوهاب يقول: سمعت أبا سليمان الأشقر، وكفاك بأبي سليمان، يقول: تنزه يزيد بن زريع عن خمس مائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه. وقال المروزي: وسمعت أمية بن بسطام ابن عم يزيد بن زريع يقول: كان يزيد يعمل الخوص، وكان يكون في هذا البيت، وأشار إلى بيت لطيف في المسجد، وسمعت أبا الخطاب يذكر أن زريعا كان واليا.

Bagian V02/P216–V02/P218

قال أحمد بن حنبل: يزيد بن زريع كان يعمل الخوص وكان أبوه زريع والي البصرة، ولم يكن يأكل من ماله شيئا وما أتقنه وما أحفظه، وصدوق متقن. سمع يزيد من أيوب ومن ابن عروبة وغيرهما. وتوفي بالبصرة سنة اثنتين وثمانين وقيل سنة سبع وسبعين ومائة. 557- يحيى بن سعيد القطان يكنى أبا سعيد. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان: وما رأت عيناي مثله. سفيان قال: قال علي: كان يحيى يختم القرآن في يوم وليلة ما بين المغرب والعشاء. يحيى بن معين قال: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وما رئي يطلب جماعة قط. عمرو بن علي قال: قلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه، يعاقبك الله. فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل. علي بن عبد الله قال: كنا عند يحيى بن سعيد فقال لرجل: اقرأ. فقرأ {حم} الدخان فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحيى بن سعيد يتغير فلما بلغ: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} الدخان صعق يحيى وغشي عليه وارتفع صدره من الأرض وتقوص وانقلب فأصاب الباب فقار ظهره وسال الدم وصرخ النساء. فخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا. ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} قال علي: فما زالت به تلك القرحة حتى مات رحمه الله. أسند يحيى بن سعيد عن كبار الأئمة كالأعمش وابن جريج والثوري ومالك وغيرهم. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة. علي بن المديني قال: سنح لي ليلة خالد بن الحارث فقلت له: ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي، إن الأمر شديد. قلت: فما فعل يحيى بن سعيد القطان؟ قال: نراه كما ترون، الكوكب الدري في أفق السماء. 558- رياح بن عمرو القيسي يكنى أبا المعاصر. يحيى بن راشد قال: حدثني محمد بن الحرب بن عبد ربه القيسي، وكان ذا قرابة لرياح، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي وأدخل عليه البيت وهو يبكي وآتيه في الجبان وهو يبكي، فقلت له يوما: أنت دهرك في مأتم، فبكى ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا. معاذ بن عون الضرير قال: كنت أكون قريبا من الجبان فكان يمر بي رياح القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء وهو يقول: إلى كم يا ليل يا نهار تحطان من أجلي وأنا غافل عم يراد بي؟ إنا لله إن الله. فهو كذلك حتى يغيب عن وجهه. علي بن الحسين بن أبي مريم قال: قال رياح القيسي: لي نيف وأرعون ذنبا قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة. عن محمد بن يحيى قال: قال رياح القيسي، كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبدا. مالك بن ضيغم قال: جاء رياح القيسي يسال عن أبي بعد العصر فقلنا هو نائم. فقال: أنوم في هذه الساعة؟ أهذا وقت نوم؟ ثم ولى منصرفا. فأتبعناه رسولا فقلنا: قل له ألا نوقظه لك؟ قال: فأبطأ علينا الرسول. ثم جاء وقد غربت الشمس فقلنا: أبطأ جدا. فهل قلت له؟ قال: هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئا، أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول: قلت: نوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء. وقلت: هذا وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟ تسألين عما لا يعنيك وتتكلمين بما لا يعنيك، أما إن لله علي عهدا لا أنقضه أبدا. ألا أوسدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل، سوءة لك سوءة لك، أما تستحيين؟ كم توبخين وعن غيك لا تنتهين. قال وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته.