Qur'an&Sunnah

İbn Kayyim el-Cevziyye — Medâricü's-Sâlikîn

Bagian V02/P231–V02/P233

لا يفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر أي ليس بها أرنب فتفزع لهولها ولا ضب فينجحر وقال الفراء : نفى الإلحاف عنهم وهو يريد نفي جميع السؤال فصل و المسألة في الأصل حرام وإنما أبيحت للحاجة والضرورة لأنها ظلم في حق الربوبية وظلم في حق المسئول وظلم في حق السائل أما الأول : فلأنه بذل سؤاله وفقره وذله واستعطاءه لغير الله وذلك نوع عبودية فوضع المسألة في غير موضعها وأنزلها بغير أهلها وظلم توحيده وإخلاصه وفقره إلى الله وتوكله عليه ورضاه بقسمه واستغنى بسؤال الناس عن مسألة رب الناس وذلك كله يهضم من حق التوحيد ويطفىء نوره ويضعف قوته وأما ظلمه للمسئول : فلأنه سأله ما ليس عنده فأوجب له بسؤاله عليه حقا لم يكن له عليه وعرضه لمشقة البذل أو لوم المنع فإن أعطاه أعطاه على كراهة وإن منعه منعه على استحياء وإغماض هذا إذا سأله ما ليس عليه وأما إذا سأله حقا هو له عنده : فلم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله وأما ظلمه لنفسه : فإنه أراق ماء وجهه وذل لغير خالقه وأنزل نفسه أدنى المنزلتين ورضي لها بأبخس الحالتين ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزة تعففه وراحة قناعته وباع صبره ورضاه وتوكله وقناعته بما قسم له واستغناءه عن الناس بسؤالهم وهذا عين ظلمه لنفسه إذ وضعها في غير موضعها وأخمل شرفها ووضع قدرها وأذهب عزها وصغرها وحقرها ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول ويده تحت يده ولولا الضرورة لم يبح ذلك في الشرع وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله : من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله قال : والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره فيتصدق به على الناس : خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه وفي صحيح مسلم عنه أيضا قال : قال رسول الله : لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس : خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول زاد الإمام أحمد : ولأن يأخذ ترابا فيجعله في فيه : خير له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه وفي صحيح البخاري عن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي قال : لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه : خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه وفى الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه : أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده : ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف والمسألة : اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد العليا : هي المنفقة واليد السفلى : هي السائلة رواه البخارى ومسلم

Bagian V02/P233–V02/P235

وعن حكيم بن حزام رضى الله عنه قال : سألت رسول الله فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى قال حكيم : فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا وكان أبو بكر رضي الله عنه يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه ثم إن عمر رضي الله عنه دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا فقال عمر : إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم : أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم رضي الله عنه أحدا من الناس بعد رسول الله حتى توفي + متفق على صحته + وروي عن الشعبى قال : حدثني كاتب المغيرة بن شعبة قال : كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة : أن اكتب إلي شيئا سمعته من رسول الله فكتب إليه : سمعت النبي يقول : إن الله كره لكم ثلاثا قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال رواه البخاري ومسلم وعن معاوية رضي الله عنه قال : قال رسول الله : لا تلحفوا فى المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته وفي لفظ : إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع رواه مسلم وعن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه قال : حدثنى الحبيب الأمين أما هو : فحبيب إلي وأما هو عندي : فأمين عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال : ألا تبايعون رسول الله وكنا حديثي عهد ببيعته فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ثم قال : ألا تبايعون رسول الله فقلنا : قد بايعناك يا رسول الله ثم قال : ألا تبايعون رسول الله قال : فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا الله وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه رواه مسلم وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن المسئلة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه رواه الترمذى وقال : + حديث حسن صحيح + وفى مسند الإمام أحمد عن زيد بن عقبة الفزاري قال : دخلت على الحجاج ابن يوسف الثقفي فقلت : أصلح الله الأمير ألا أحدثك حديثا سمعته من سمرة بن جندب عن رسول الله قال : بلى قال سمعته يقول : المسائل كد يكد بها الرجل وجهه فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل رجل ذا سلطان أو يسأل في أمر لابد منه وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من يتقبل لى بواحدة وأتقبل له بالجنة قال : قلت : أنا قال : لا تسأل الناس شيئا فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد : ناولنيه حتى ينزل هو فيتناوله رواه الإمام أحمد و أهل السنن وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس : لم تسد فاقته ومن أنزلها بالله : أوشك الله له بالغنى : إما بموت عاجل أو غنى عاجل رواه أبو داود والترمذي وقال : + حديث حسن صحيح +

Bagian V02/P235–V02/P237

وعن سهل بن الحنظلية قال : قال : قدم على رسول الله عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس فسألاه فأمر لهما بما سألاه وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا فأما الأقرع : فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق وأما عيينة : فأخذ كتابه فأتى النبي بكتابه فقال : يا محمد أراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمس فأخبر معاوية بقوله رسول الله فقال رسول الله : من سأل وعنده ما يغنيه : فإنما يستكثر من النار وفي لفظ : من جمر جهنم قالوا : يا رسول الله وما يغنيه وفي لفظ : وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة قال : قدر ما يغديه وما يعشيه وفي لفظ : أن يكون له شبع يوم وليلة رواه أبو داود والإمام أحمد وعن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله : أسأل يا رسول الله قال : لا وإن كنت سائلا لا بد فسل الصالحين رواه النسائي وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : تحملت حمالة فأتيت النبي أسأله فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها ثم قال : يا قبيضة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال : سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتا رواه مسلم وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي فسأله فأعطاه فلما وضع رجله على أسكفة الباب قال رسول الله : لو يعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا رواه النسائى وعن مالك بن نضلة رضي الله عنه قال : قال رسول الله الأيدي ثلاثة فيد الله : العليا ويد المعطي : التي تليها ويد السائل : السفلى فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك رواه الإمام أحمد وأبو داود وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله قال : من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شينا في وجهه يوم القيامة رواه الإمام أحمد وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله قال ثلاث والذي نفس محمد بيده إن كنت لحالفا عليهن : لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفو عبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا رفعه الله بها ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر رواه الإمام أحمد وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : سرحتني أمى إلى رسول الله أسأله فأتيته فقعدت قال : فاستقبلني فقال : من استغنى أغناه الله ومن استعف أعفه الله ومن استكفى كفاه الله ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف فقلت : ناقتي هي خير من أوقية ولم أسأله رواه الإمام أحمد وأبو داود

Bagian V02/P237–V02/P239

وعن خالد بن عدي الجهني رضي الله عنه عن رسول الله قال من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف ولا مسألة فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه رواه الإمام أحمد فهذا أحد المعنيين في قوله : إن من شرط الرضى : ترك الإلحاح في المسألة وهو أليق المعنيين وأولاهما لأنه قرنه بترك الخصومة مع الخلق فلا يخاصمهم في حقه ولا يطلب منهم حقوقه والمعنى الثاني أنه لا يلح في الدعاء ولا يبالغ فيه فإن ذلك يقدح في رضاه وهذا يصح في وجه دون وجه فيصح إذا كان الداعي يلح في الدعاء بأغراضه وحظوظه العاجلة وأما إذا ألح على الله في سؤاله بما فيه رضاه والقرب منه : فإن ذلك لا يقدح في مقام الرضى أصلا وفي الأثر : إن الله يحب الملحين فى الدعاء وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم بدر للنبي يا رسول الله قد ألححت على ربك كفاك بعض مناشدتك لربك فهذا الإلحاح عين العبودية وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من لم يسأل الله يغضب عليه فإذا كان سؤاله يرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيا لرضاه وحقيقة الرضى : موافقته سبحانه فى رضاه بل الذي ينافي الرضى : أن يلح عليه متحكما عليه متخيرا عليه ما لم يعلم : هل يرضيه أم لا كمن يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه أو قضاء حاجته فهذا ينافي الرضى لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك فإن قيل : فقد يكون للعبد حاجة يباح له سؤاله إياها فيلح على ربه في طلبها حتى يفتح له من لذيذ مناجاته وسؤاله والذل بين يديه وتملقه والتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده وتفريغ القلب له وعدم تعلقه في حاجته بغيره : ما لم يحصل له بدون الإلحاح فهل يكره له هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظا من حظوظه قيل : ها هنا ثلاثة أمور أحدها : أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراده ورضاه ويجعل الرب تعالى وسيلة إلى مطلوبه بحيث يكون أهم إليه منه فهذا ينافي كمال الرضى به وعنه الثاني : أن يفتح على قلبه حال السؤال من معرفة الله ومحبته والذل له والخضوع والتملق : ما ينسيه حاجته ويكون ما فتح له من ذلك أحب إليه من حاجته بحيث يحب أن تدوم له تلك الحال وتكون آثر عنده من حاجته وفرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته ذلك فهذا لا ينافي رضاه وقال بعض العارفين : إنه لتكون لي حاجة إلى الله فأسأله إياها فيفتح علي من مناجاته ومعرفته والتذلل له والتملق بين يديه : ما أحب معه أن يؤخر عني قضاءها وتدوم لي تلك الحال وفي أثر : إن العبد ليدعو ربه عز وجل فيقول الله عز وجل لملائكته : اقضوا حاجة عبدي وأخروها فإني أحب أن أسمع دعاءه ويدعوه آخر فيقول الله لملائكته اقضوا حاجته وعجلوها فإني أكره صوته وقد روى الترمذي وغيره عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله : إن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء وروى أيضا من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال : ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وفيه أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : ما سئل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية وإن الدعاء لينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء

Bagian V02/P239–V02/P241

وإذا كان هذا محبة الرب تعالى للدعاء فلا ينافي الإلحاح فيه الرضى الثالث : أن ينقطع طمعه من الخلق ويتعلق بربه في طلب حاجته وقد أفرده بالطلب ولا يلوي على ما وراء ذلك فهذا قد تنشأ له المصلحة من نفس الطلب وإفراد الرب بالقصد والفرق بينه وبين الذي قبله : أن ذلك قد فتح عليه بما هو أحب إليه من حاجته فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه وبالله التوفيق فصل قال : الدرجة الثالثة : الرضى برضى الله فلا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضى فيبعثه على ترك التحكم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو أدخل النار إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها من الدرجات عنده : لأنها درجة صاحب الجمع الفاني بربه عن نفسه وعما منها قد غيبه شاهد رضى الله بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو فيشهد الرضى لله ومنه حقيقة ويرى نفسه فانيا ذاهبا مفقودا فهو يستوحش من نفسه ومن صفاتها ومن رضاها ومن سخطها فهو عامل على التغيب عن وجوده وعما منه مترام إلى العدم المحض قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الملك الحق وصفاته وأفعاله كما يتلاشى ضوء السراج الضعيف في جرم الشمس فغاب برضى ربه عن رضاه هو وعن ربه في أقضيته وأقداره وغاب بصفات ربه عن صفاته وبأفعاله عن أفعاله فتلاشي وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربه وصفاته بحيث صار كالعدم المحض وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضى ولا سخطا فيوجب له هذا الفناء : ترك التحكم على الله بأمر من الأمور وترك التخير عليه فتذهب مادة التحكم وتفنى وتنحسم مادة الاختيار وتتلاشى وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى هذا تقدير كلامه وبعد فههنا أمران : أحدهما : أن هذا حال يعرض لا مقام يطلب ويشمر إليه فإن هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزه ولا يمكن أن يدوم له ذلك بل يقصر زمنه ويطول ثم يرجع إلى تمييزه وعقله وصاحب هذه الحال مغلوب : إما سكران بحاله وإما فان عن وجوده والكمال وراء ذلك وهو أن يكون فانيا عن إرادته بإرادة ربه منه فيكون باقيا بوجود آخر غير وجوده الطبيعي وهو وجود مطهر كائن بالله ولله ومع الله وصاحب هذا في مقام : فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش قد فني عن وجوده الطبيعي والنفسي وبقي بهذا الوجود العلوي القدسي فيعود عليه تمييزه وفرقانه ورضاه عن ربه تعالى ومقامات إيمانه وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران فإن قلت : فهل يمكن وصوله إلى هذا المقام من غير درب الفناء وعبوره إليه على غير جسره قلت : اختلف في ذلك فطائفة ظنت أنه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود المطهر إلا بعد عبوره على جسر الفناء فعدوه لازما من لوازم السير إلى الله وقالت طائفة : بل يمكن الوصول إلى البقاء على غير درب الفناء والفناء عندهم عارض من عوارض الطريق لا لازم وسببه : قوة الوارد وضعف المحل واستجلابه بتعاطي أسبابه والتحقيق : أنه لا يصل إلى هذا المقام إلا بعد عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيده فما دام لم يحصل له هذا الفناء فلا سبيل له إلى ذلك البقاء وأما فناؤه عن وجوده : فليس شرطا لذلك البقاء ولا هو من لوازمه وصاحب هذا المقام : هو في رضاه عن ربه بربه لا بنفسه كما هو في توكله وتفويضه وتسليمه وإخلاصه ومحبته وغير ذلك من أحواله بربه لا بنفسه فيرى ذلك كله من عين المنة والفضل مستعملا فيه قد أقيم فيه لا أنه قد قام هو به فهو واقف بين مشهد لمن شاء منكم أن يستقيم [ التكوير : 28 ] ومشهد وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين [ التكوير : 29 ] والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الشكر وهي من أعلى المنازل وهي فوق منزلة الرضى وزيادة فالرضى مندرج في الشكر إذ يستحيل وجود الشكر بدونه

Bagian V02/P241–V02/P243

وهو نصف الإيمان كما تقدم والإيمان نصفان : نصف شكر ونصف صبر وقد أمر الله به ونهى عن ضده وأثنى على أهله ووصف به خواص خلقه وجعله غاية خلقه وأمره ووعد أهله بأحسن جزائه وجعله سببا للمزيد من فضله وحارسا وحافظا لنعمته وأخبر أن أهله هم المنتفعون بآياته واشتق لهم اسما من أسمائه فإنه سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره بل يعيد الشاكر مشكورا وهو غاية الرب من عبده وأهله هم القليل من عباده قال الله تعالى : واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون [ البقرة : 172 ] وقال : واشكروا لي ولا تكفرون [ البقرة : 152 ] وقال عن خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه [ النحل : 120121 ] وقال عن نوح عليه السلام : إنه كان عبداشكورا [ الإسراء : 3 ] وقال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون [ النحل : 78 ] وقال تعالى : واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون [ العنكبوت : 17 ] وقال تعالى : وسيجزي الله الشاكرين [ آل عمران : 144 ] وقال تعالى : وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [ إبراهيم : وقال تعالى : إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [ لقمان : 31 ] وسمى نفسه شاكرا وشكورا وسمى الشاكرين بهذين الاسمين فأعطاهم من وصفه وسماهم باسمه وحسبك بهذا محبة للشاكرين وفضلا وإعادته للشاكر مشكورا كقوله : إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا [ الإنسان : 22 ] ورضى الرب عن عبده به كقوله : وإن تشكروا يرضه لكم [ الزمر : 7 ] وقلة أهله في العالمين تدل على أنهم هم خواصه كقوله : وقليل من عبادي الشكور [ سبأ : 13 ] وفي الصحيحين عن النبي : أنه قام حتى تورمت قدماه فقيل له : تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال : أفلا أكون عبدا شكورا وقال لمعاذ : والله يا معاذ إني لأحبك فلا تنس أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وفي المسند و الترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله : كان يدعو بهؤلاء الكلمات : اللهم أعني ولا تعن علي وانصرنى ولا تنصر علي وامكر لي ولا تمكر بي واهدني ويسر الهدى لي وانصرني على من بغى علي رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لكرهابا لك مطاوعا لك مخبتا إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي واغسل حوبتي وأجب دعوتي وثبت حجتي واهد قلبي وسدد لساني واسلل سخيمة صدري فصل وأصل الشكر في وضع اللسان : ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورا بينا يقال : شكرت الدابة تشكر شكرا على وزن سمنت تسمن سمنا : إذا ظهر عليها أثر العلف ودابة شكور : إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل وتعطى من العلف

Bagian V02/P243–V02/P245

وفي صحيح مسلم : حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم أي لتسمن من كثرة ما تأكل منها وكذلك حقيقته في العبودية وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده : ثناء واعترافا وعلى قلبه : شهودا ومحبة وعلى جوارحه : انقيادا وطاعة و الشكر مبني على خمس قواعد : خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره فهذه الخمس : هي أساس الشكر وبناؤه عليها فمتى عدم منها واحدة : اختل من قواعد الشكر قاعدة وكل من تكلم في الشكر وحده فكلامه إليها يرجع وعليها يدور فقيل : حده الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع وقيل : الثناء على المحسن بذكر إحسانه وقيل : هو عكوف القلب على محبة المنعم والجوارح على طاعته وجريان اللسان بذكره والثناء عليه وقيل : هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة وما ألطف ما قال حمدون القصار : شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا وقال أبو عثمان : الشكر معرفة العجز عن الشكر وقيل : الشكر إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له وقال الجنيد : الشكر أن لا ترى نفسك أهلا للنعمة هذا معنى قول حمدون : أن يرى نفسه فيها طفيليا وقال رويم : الشكر استفراغ الطاقة وقال الشبلي : الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة قلت : يحتمل كلامه أمرين أحدهما : أن يفنى برؤية المنعم لا رؤية نعمه والثاني : أن لا تحجبه رؤية نعمه ومشاهدتها عن رؤية المنعم بها وهذا أكمل والأول أقوى عندهم والكمال : أن تشهد النعمة والمنعم لأن شكره بحسب شهود النعمة فكلما كان أتم كان الشكر أكمل والله يحب من عبده : أن يشهد نعمه ويعترف له بها ويثني عليه بها ويحبه عليها لا أن يفنى عنها ويغيب عن شهودها وقيل : الشكر قيد النعم الموجوده وصيد النعم المفقودة وشكر العامة : على المطعم والمشرب والملبس وقوت الأبدان وشكر الخاصة : على التوحيد والإيمان وقوت القلوب وقال داود عليه السلام : يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة على من عندك تستوجب بها شكرا فقال : الآن شكرتني يا داود وفي أثر آخر إسرائيلي : أن موسى قال : يارب خلقت آدم بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك وعلمته أسماء كل شيء وفعلت وفعلت فكيف أطاق شكرك قال الله عز وجل : علم أن ذلك مني فكانت معرفته بذلك شكرا لي وقيل : الشكر التلذذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه وقال الجنيد وقد سأله سري عن الشكر وهو صبي الشكر : أن لا يستعان بشيء من نعم الله على معاصيه فقال : من أين لك هذا قال : من مجالستك وقيل : من قصرت يداه عن المكافآت فليطل لسانه بالشكر والشكر معه المزيد أبدا لقوله تعالى : لئن شكرتم لأزيدنكم [ إبراهيم : 7 ] فمتى لم تر حالك في مزيد فاستقبل الشكر وفي أثر إلهي : يقول الله عز وجل : أهل ذكري أهل مجالستي وأهل شكري أهل زيادتي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب وقيل : من كتم النعمة فقد كفرها ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها وهذا مأخوذ من قوله : إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته على عبده وفي هذا قيل : ومن الرزية : أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق وأرى الصنيعة منك ثم أسرها إني إذا لندى الكريم لسارق فصل وتكلم الناس في الفرق بين الحمد و الشكر أيهما أعلى وأفضل وفي الحديث : الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره والفرق بينهما : أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته و الحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب

Bagian V02/P245–V02/P248

ومعنى هذا : أن الشكر يكون : بالقلب خضوعا واستكانة وباللسان ثناء واعترافا وبالجوارح طاعة وانقيادا ومتعلقه : النعم دون الأوصاف الذاتية فلا يقال : شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله والشكر يكون على الإحسان والنعم فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس فإن الشكر يقع بالجوارح والحمد يقع بالقلب واللسان فصل قال صاحب المنازل : الشكر : اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم ولهذا سمى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن : شكرا فمعرفة النعمة : ركن من أركان الشكر لا أنها جملة الشكر كما تقدم : أنه الاعتراف بها والثناء عليه بها والخضوع له ومحبته والعمل بما يرضيه فيها لكن لما كان معرفتها ركن الشكر الأعظم الذي يستحيل وجود الشكر بدونه : جعل أحدهما اسما للآخر قوله : لأنه السبيل إلى معرفة المنعم يعني أنه إذا عرف النعمة توصل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها وهذا من جهة معرفة كونها نعمة لا من أي جهة عرفها بها ومتى عرف المنعم أحبه وجد في طلبه فإن من عرف الله أحبه لا محالة ومن عرف الدنيا أبغضها لا محالة وعلى هذا : يكون قوله : الشكر اسم لمعرفة النعمة مستلزما لمعرفة المنعم ومعرفته تستلزم محبته ومحبته تستلزم شكره فيكون قد ذكر بعض أقسام الشكر باللفظ ونبه على سائرها باللزوم وهذا من أحسن اختصاره وكمال معرفته وتصوره قدس الله روحه قال : ومعاني الشكر ثلاثة أشياء : معرفة النعمة ثم قبول النعمة ثم الثناء بها وهو أيضا من سبل العامة أما معرفتها : فهو إحضارها في الذهن ومشاهدتها وتمييزها فمعرفتها : تحصيلها ذهنا كما حصلت له خارجا إذ كثير من الناس تحسن إليه وهو لا يدري فلا يصح من هذا الشكر قوله : ثم قبول النعمة قبولها : هو تلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها وأن وصولها إليه بغير استحقاق منه ولا بذل ثمن بل يرى نفسه فيها كالطفيلي فإن هذا شاهد بقبولها حقيقة قوله : ثم الثناء بها الثناء على المنعم المتعلق بالنعمة نوعان : عام وخاص فالعام : وصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء ونحو ذلك والخاص : التحدث بنعمته والإخبار بوصولها إليه من جهته كما قال تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث [ الضحى : 11 ] وفي هذا التحديث المأمور به قولان أحدهما : أنه ذكر النعمة والإخبار بها وقوله : أنعم الله علي بكذا وكذا قال مقاتل : يعني اشكر ما ذكر من النعم عليك في هذه السورة : من جبر اليتيموالهدى بعد الضلال والإغناء بعد العيلة والتحدث بنعمة الله شكر كما في حديث جابر مرفوعا : من صنع إليه معروف فليجز به فإن لم يجد ما يجزي به فليثن فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره وإن كتمه فقد كفره ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور فذكر أقسام الخلق الثلاثة : شاكر النعمة المثني بها والجاحد لها والكاتم لها والمظهر أنه من أهلها وليس من أهلها فهو متحل بما لم يعطه وفي أثر آخر مرفوع : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب والقول الثاني : أن التحدث بالنعمة المأمور به في هذه الآية : هو الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته وتعليم الأمة قال مجاهد : هي النبوة قال الزجاج : أي بلغ ما أرسلت به وحدث بالنبوة التي آتاك الله وقال الكلبي : هو القرآن أمره أن يقرأه والصواب : أنه يعم النوعين إذ كل منهما نعمة مأمور بشكرها والتحدث بها وإظهارها من شكرها قوله : وهو أيضا من سبل العامة يا ليت الشيخ صان كتابه عن هذا التعليل إذ جعل نصف الإسلام والإيمان من أضعف السبل

Bagian V02/P248–V02/P250

بل الشكر سبيل رسل الله وأنبيائه صلى الله عليهم وسلم أجمعين أخص خلقه وأقربهم إليه ويا عجبا أي مقام أرفع من الشكر الذي يندرج فيه جميع مقامات الإيمان حتى المحبة والرضى والتوكل وغيرها فإن الشكر لا يصح إلا بعد حصولها وتالله ليس لخواص أولياء الله وأهل القرب منه سبيل أرفع من الشكر ولا أعلى ولكن الشيخ وأصحاب الفناء كلهم يرون أن فوق هذا مقاما أجل منه وأعلى لأن الشكر عندهم يتضمن نوع دعوى وأنه شكر الحق على إنعامه ففي الشاكر بقية من بقايا رسمه لم يتخلص عنها ويفرغ منها فلو فني عنها بتحققه أن الحق سبحانه هو الذي شكر نفسه بنفسه وأن من لم يكن كيف يشكر من لم يزل علم أن الشكر من منازل العامة ولو أن السلطان كسا عبدا من عبيده ثوبا من ثيابه فأخذ يشكر السلطان على ذلك : لعد مخطئا مسيئا للأدب فإنه مدع بذلك مكافأة السلطان بشكره فإن الشكر مكافأة والعبد أصغر قدرا من المكافأة والشهود للحقيقة يقتضي اتحاد نسبة الأخذ والعطاء ورجوعها إلى وصف المعطي وقوته فالخاصة يسقط عندهم الشكر بالشهود وفي حقهم ما هو أعلى منه هذا غاية تقرير كلامهم وكسوته أحسن عبارة لئلا يتعدى عليهم بسوء التعبير الموجب للتنفير ونحن معنا العصمة النافعة : أن كل أحد غير المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك وكل سبيل لا يوافق سبيله فمهجور غير مسلوك فأما تضمن الشكر لنوع دعوى فإن أريد بهذه الدعوى إضافة البعد الفعل إلى نفسه وأنه كان به وغاب بذلك عن كونه بحول الله وقوته ومنته على عبده : فلعمر الله هذه علة مؤثرة ودعوى باطلة كاذبة وإن أريد : أن شهوده لشكره شهوده لنعمة الله عليه به وتوفيقه له فيه وإذنه له به ومشيئته عليه ومنته فشهد عبوديته وقيامه بها وكونها بالله فأي دعوى في هذا وأي علة نعم غايته : أنه لا يجامع الفناء ولا يخوض تياره فكان ماذا فأنتم جعلتم الفناء غاية فأوجب لكم ما أوجب وقدمتموه على ما قدمه الله ورسوله فتضمن ذلك تقديم ما أخر وتأخير ما قدم وإلغاء ما اعتبر واعتبار ما ألغى ولولا منة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرسالة والتقيد بالشرع لكان أمرا غير هذا كما جرى لغير واحد من السالكين على هذه الطريق الخطرة فلا إله إلا الله كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد وأما قولكم : إن الشاكر فيه بقية من بقايا رسمه فيقال : إذا كانت هذه البقية محض العبودية ومركبها والحاملة لها : فأي نقص في هذا فإن العبودية لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بهذا الرسم فلا نقص في حمل العبودية عليه والسير به إلى الله عز وجل نعم النقص كل النقص : في حمل النفس والشهوة والحظ المخالف لمراد الرب تعالى الديني بني على هذا الرسم والسير به إلى النفس ولعل العامل على الفناء بهذه المثابة وهو ملبوس عليه فالعارف يستقصى التفتيش عن كمائن النفس

Bagian V02/P250–V02/P252

وأما قولكم : من لم يكن كيف يشكر من لم يزل فهذا بالشطح أليق منه بالمعرفة فإن من لم يزل إذا أمر من لم يكن بالشكر ورضيه منه وأحبه وأثنى عليه به واستدعاه واقتضاه منه وأوجب له به المزيد وأضافه إليه واشتق منه له الاسم وأوقع عليه به الحكم وأخبر أنه غاية رضاه منه وأمره مع ذلك أن يشهد أن شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه : فهذا شكر من لم يكن لمن يزل وهو محض العبودية وأما ضربكم مثل كسوة السلطان لعبده وأخذه في الشكر له مكافأة : فهذا من أبطل الأمثلة عقلا ونقلا وفطرة وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال : إن شكر المنعم لا يجب عقلا ما قال ذلك حتى زعم أن شكره قبيح عقلا ولولا الشرع لما حسن الإقدام عليه وضرب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه وهذا من القياس الفاسد المتضمن قياس الخالق على المخلوق وبمثله عبدت الشمس والقمر والأوثان إذ قال المشركون : جناب العظيم لا يهجم عليه بغير وسائل ووسائط وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبد وأهل النظر والبحث والمعصوم من عصمه الله فيقال : الفرق من وجوه كثيرة جدا تفوت الحصر منها : أن الملك محتاج فقير إلى من أنعم عليه لا يقوم ملكه إلا به فهو محتاج إلى معاوضة بتلك الكسوة مثلا خدمة له وحفظا له وذبا عنه وسعيا في تحصيل مصالحه فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة فإذا أخذ في شكره فكأنه جعل ذلك ثمنا لنعمته وليس بثمن لها وأما إنعام الرب تعالى على عبده : فإحسان إليه وتفضل عليه ومجرد امتنان لا لحاجة منه إليه ولا لمعاوضة ولا لاستعانة به ولا ليتكثر به من قلة ولا ليتعزر به من ذلة ولا ليقوى به من ضعف سبحانه وبحمده وأمره له بالشكر أيضا : إنعام آخر عليه وإحسان منه إليه إذ منفعة الشكر ترجع إلى العبد دنيا وآخرة لا إلى الله والعبد هو الذي ينتفع بشكره كما قال تعالى : ومن شكر فإنما يشكر لنفسه [ لقمان : 12 ] فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى فلا يذم ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به ولا يستطيع شكره فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر لا أنه مكافىء به لنعم الرب فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافىء نعمه أبدا ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه فإنه تعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه فلا يستطيع أحد أن يحصى ثناء عليه فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه تحتاج إلى شكر آخر وهلم جرا ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم بره وكرمه وجوده : محبته له على هذا الشكر ورضاه منه به وثناؤه عليه به ومنفعته وفائدته مختصة بالعبد لا تعود منفعته على اللهوهذا غاية الكرم الذى لا كرم فوقه ينعم عليك ثم يوزعك شكر النعمة ويرضى عنك بذلك ثم يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببا لتوالي نعمه واتصالها إليك والزيادة على ذلك منها وهذا الوجه وحده يكفي اللبيب ليتنبه به على ما بعده وأما كون الشهود يسقط الشكر : فلعمر الله إنه إسقاط لحق المشكور بحظ الشاهد نعم بحظ عظيم متعلق بالحق عز وجل لا حظ سفلي متعلق بالكائنات ولكن صاحبه قد سار من حرم إلى حرم وكان يقع لي هذا القدر منذ أزمان ولا أتجرأ على التصريح به لأن أصحابه يرون من ذكرهم به بعين الفرق الأول فلا يصغون إليهم ألبتة لا سيما وقد ذاقوا حلاوته ولذته ورأوا تخبيط أهل الفرق الأول وتلوثهم بنفوسهم وعوالمها وانضاف إلى ذلك : أن جعلوه غاية فتركب من هذه الأمور ما تركب وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : الشكر على المحاب

Bagian V02/P252–V02/P254

وهذا شكر تشاركت فيه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ومن سعة رحمة الباري سبحانه : أن عده شكرا ووعد عليه الزيادة وأوجب فيه المثوبة إذا علمت حقيقة الشكر وأن جزء حقيقته : الاستعانة بنعم المنعم على طاعته ومرضاته : علمت اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة وأن حقيقة الشكر على المحاب ليست لغيرهم نعم لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها كالاعتراف بالنعمة والثناء على المنعم بها فإن جميع الخلق في نعم الله وكل من أقر بالله ربا وتفرده بالخلق والإحسان فإنه يضيف نعمته إليه لكن الشأن في تمام حقيقة الشكر وهو الاستعانة بها على مرضاته وقد كتبت عائشة رضي الله عنها إلى معاوية رضي الله عنه إن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه : أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلا إلى معصيته وقد عرف مراد الشيخ وهو أن هذا الشكر مشترك وهو الاعتراف بنعمه سبحانه والثناء عليه بها والإحسان إلى خلقه منها وهذا بلا شك يوجب حفظها عليهم والمزيد منها فهذا الجزء من الشكر مشترك وقد تكون ثمرته في الدنيا بعاجل الثواب وفي الآخرة : بتخفيف العقاب فإن النار دركات في العقوبة مختلفة فصل قال : الدرجة الثانية : الشكر في المكاره وهذا ممن تستوى عنده الحالات : إظهارا للرضى وممن يميز بين الأحوال : لكظم الغيظ وستر الشكوى ورعاية الأدب وسلوك مسلك العلم وهذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة يعني أن الشكر على المكاره : أشد وأصعب من الشكر على المحاب ولهذا كان فوقه في الدرجة ولا يكون إلا من أحد رجلين : إما رجل لا يميز بين الحالات بل يستوي عنده المكروه والمحبوب فشكر هذا : إظهار منه للرضى بما نزل به وهذا مقام الرضى الرجل الثانى : من يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله به فإذا نزل به مكروه شكر الله تعالى عليه فكان شكره كظما للغيظ الذي أصابه وسترا للشكوى ورعاية منه للأدب وسلوكا لمسلك العلم فإن العلم والأدب يأمران بشكر الله على السراء والضراء فهو يسلك بهذا الشكر مسلك العلم لأنه شاكر لله شكر من رضي بقضائه كحال الذي قبله فالذي قبله أرفع منه وإنما كان هذا الشاكر أول من يدعى إلى الجنة : لأنه قابل المكاره التي يقابلها أكثر الناس بالجزع والسخط وأوساطهم بالصبر وخاصتهم بالرضى فقابلها هو بأعلى من ذلك كله وهو الشكر فكان أسبقهم دخولا إلى الجنة وأول من يدعى منهم إليها وقسم أهل هذه الدرجة إلى قسمين : سابقين ومقربين بحسب انقسامهم إلى من يستوي عنده الحالات من المكروه والمحبوب فلا يؤثر أحدهما على الآخر بل قد فني بإيثاره ما يرضى له به ربه عما يرضاه هو لنفسه وإلى من يؤثر المحبوب ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشكر فصل قال : الدرجة الثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم فإذا شهد المنعم عبودية : استعظم منه النعمة وإذا شهده حبا : استحلى منه الشدة وإذا شهده تفريدا : لم يشهد منه نعمة ولا شدة هذه الدرجة يستغرق صاحبها بشهود المنعم عن النعمة فلا يتسع شهوده للمنعم ولغيره وقسم أصحابها إلى ثلاثة أقسام : أصحاب شهود العبودية وأصحاب شهود الحب وأصحاب شهود التفريد وجعل لكل منهم حكما هو أولى به فأما شهوده عبودية : فهو مشاهدة العبد للسيد بحقيقة العبودية والملك له فإن العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي اختصوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبودية وحقها وملاحظتهم لسيدهم خوفا أن يشير إليهم بأمر فيجدهم غافلين عن ملاحظته وهذا أمر يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصهم فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديته له واستغراقه عن الإحسان بما حصل له منه من القرب الذي تميز به عن غيره

Bagian V02/P254–V02/P256

فصاحب هذا المشهد : إذا أنعم عليه سيده في هذه الحال مع قيامه فى مقام العبودية يوجب عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيده غاية الاستصغار مع امتلاء قلبه من محبته فأي إحسان ناله منه في هذه الحالة رآه عظيما والواقع شاهد بهذا في حال المحب الكامل المحبة المستغرق في مشاهدة محبوبه إذا ناوله شيئا يسيرا فإنه يراه في ذلك المقام عظيما جدا ولا يراه غيره كذلك القسم الثاني : يشهد الحق شهود محبة غالبة قاهرة له مستغرق في شهوده كذلك فإنه يستحلي في هذه الحال الشدة منه لأن المحب يستحلي فعل المحبوب به وأقل ما في هذا المشهد : أن يخف عليه حمل الشدائد إن لم تسمح نفسه باستحلائها وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها كحال الذي كان يضرب بالسياط ولا يتحرك حتى ضرب آخر سوط فصاح صياحا شديدا فقيل له في ذلك فقال : العين التي كانت تنظر إلي وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم فلما فقدتها وجدت ألم الضرب وهذه الحال عارضة ليست بلازمة فإن الطبيعة تأبى استحلاء المنافي كاستحلاء الموافق نعم قد يقوى سلطان المحبة حتى يستحلى المحب ما يستمره غيره ويستخف ما يستثقله غيره ويأنس بما يستوحش منه الخلي ويستوحش مما يأنس به ويستلين ما يستوعره وقوة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبة وغلبته على قلب المحب القسم الثالث : أن يشهده تفريدا فإنه لا يشهد معه نعمة ولا شدة يقول : إن شهود التفريد : يفني الرسم وهذه حال الفناء المستغرق فيه الذي لا يشهد نعمة ولا بلية فإنه يغيب بمشهوده عن شهوده له ويفنى به عنه فكيف يشهد معه نعمة أو بلية كما قال بعضهم في هذا : من كانت مواهبه لا تتعدى يديه فلا واهب ولا موهوب وذلك مقام الجمع عندهم وبعضهم يحرم العبارة عنه وحقيقته : اصطلام يرفع إحساس صاحبه برسمه فضلا عن رسم غيره لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عما سواه وهذا هو مطلوب القوم وقد عرفت أن فوقه مقاما أعلى منه وأرفع وأجل وهو أن يصطلم بمراده عن غيره فيكون في حال مشاهدته واستغراقه : منفذا لمراسيمه ومراده ملاحظا لما يلاحظ محبوبه من المرادات والأوامر فتأمل الآن عبدين بين يدي ملك من ملوك الدنيا وهما على موقف واحد بين يديه أحدهما مشغول بمشاهدته فإن استغراقه في ملاحظة الملك ليس فيه متسع إلى ملاحظة شيء من أمور الملك ألبتة وآخر مشغول بملاحظة حركات الملك وكلماته وإيشأمره ولحظاته وخواطره ليرتب على كل من ذلك ما هو مراد للملك وتأمل قصة بعض الملوك : الذي كان له غلام يخصه بإقباله عليه وإكرامه والحظوة عنده من بين سائر غلمانه ولم يكن الغلام أكثرهم قيمة ولا أحسنهم صورة فقالوا له في ذلك فأراد السلطان أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فيوما من الأيام كان راكبا في بعض شئونه ومعه الحشم وبالبعد منه جبل عليه ثلج فنظر السلطان إلى ذلك الثلج وأطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم القوم لماذا ركض فلم يلبث أن جاء ومعه شيء من الثلج فقال السلطان : ما أدراك أني أريد الثلج فقال الغلام : لأنك نظرت إليه ونظر الملوك إلى شيء لا يكون عن غير قصد فقال السلطان : إنما أخصه بإكرامي وإقبالي لأن لكل واحد منكم شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي يعني في تحصيل مرادي

Bagian V02/P256–V02/P259

وسمعت بعض الشيوخ يقول : لو قال ملك لغلامين له بين يديه مستغرقين في مشاهدته والإقبال عليه : اذهبا إلى بلاد عدوي فأوصلا إليهم هذه الكتب وطالعاني بأحوالهم وافعلا كيت وكيت فأحدهما : مضى من ساعته لوجهه وبادر ما أمره به والآخر قال : أنا لا أدع مشاهدتك والاستغراق فيك ودوام النظر إليك ولا أشتغل بغيرك : لكان هذا جديرا بمقت الملك له وبغضه إياه وسقوطه من عينه إذ هو واقف مع مجرد حظه من الملك لا مع مراد الملك منه بخلاف صاحبه الأول وسمعته أيضا يقول : لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب فحضرا بين يديه فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها فقال لهما : ما تريدان فقال أحدهما : أريد دوام مشاهدتك والاستغراق في جمالك وقال الآخر : أريد تنفيذ أوامرك وتحصيل مراضيك فمرادي منك ما تريده أنت مني لا ما أريده أنا منك والآخر قال : مرادي منك تمتعي بمشاهدتك أكانا عنده سواء فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة الناقصة النفسانية وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة أهذا أم هذا وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكى عن بعض العارفين أنه قال : الناس يعبدون الله والصوفية يعبدون أنفسهم أراد هذا المعنى المتقدم وأنهم واقفون مع مرادهم من الله لا مع مراد الله منهم وهذا عين عبادة النفس فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل فإنه محك وميزان والله المستعان فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الحياء قال الله تعالى : ألم يعلم بأن الله يرى [ العلق : 14 ] وقال تعالى : إن الله كان عليكم رقيبا [ النساء : 1 ] وقال تعالى : يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [ غافر : 1 وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله : مر برجل وهو يعظ أخاه في الحياء فقال : دعه فإن الحياء من الإيمان وفيهما عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول اللهالحياء لا يأتي إلا بخير وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال : الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها : قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان وفيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال : كان رسول اللهأشد حياء من العذراء في خدرها فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه وفى الصحيح عنه : إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت وفي هذا قولان أحدهما : أنه أمر تهديد ومعناه الخبر أي من لم يستح صنع ما شاء والثاني : أنه أمر إباحة أي انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله فإن كان مما لا يستحيى منه فافعله والأول أصح وهو قول الأكثرين وفي الترمذي مرفوعا : استحيوا من الله حق الحياء قالوا : إنا نستحيي يا رسول الله قال : ليس ذلكم ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق الحياء فصل و الحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم قال الجنيد رحمه الله : الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق

Bagian V02/P259–V02/P261

ومن كلام بعض الحكماء : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيي منه وعمارة القلب : بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق وقال السري : إن الحياء والأنس يطرقان القلب فإن وجدا فيه الزهد والورع وإلا رحلا وفي أثر إلهي يقول الله عز وجل : ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك ومحوت من أم الكتاب زلاتك وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة وفي أثر آخر : أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه الصلاة والسلام : عظ نفسك فإن اتعظت وإلا فاستحي مني : أن تعظ الناس وقال الفضيل بن عياض : خمس من علامات الشقوة : القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل وفي أثر إلهي ما أنصفني عبدي يدعوني فأستحيي أن أرده ويعصيني ولا يستحيي مني وقال يحيى بن معاذ : من استحيى من الله مطيعا استحيى الله منه وهو مذنب وهذا الكلام يحتاج إلى شرح ومعنا : أن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستح خجل : فإنه إذا واقع ذنبا استحيى الله عز وجل من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه فيستحيي أن يرى من وليه ومن يكرم عليه : ما يشينه عنده وفي الشاهد شاهد بذلك فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه من صاحب أو ولد أو من يحبه وهو يخونه فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياء عجيب حتى كأنه هو الجاني وهذا غاية الكرم وقد قيل : إن سبب هذا الحياء : إنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي الله عز وجل فيستحيي منه في تلك الحال ولهذا شرع الاستغفار عقيب الأعمال الصالحة والقرب التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل وقيل : إنه يمثل نفسه خائنا فيلحقه الحياء كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له أو من أحصر على المنبر عن الكلام فإنه يخجل أيضا تمثيلا لنفسه بتلك الحال وهذا قد يقع ولكن حياء من اطلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا فإنه لو اطلع على غيره ممن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه وإنما يلحقه مقته وسقوطه من عينه وإنما سببه والله أعلم شدة تعلق قلبه ونفسه به فينزل الوهم فعله بمنزلة فعله هو ولا سيما إن قدر حصول المكاشفة بينهما فإن عند حصولها يهيج خلق الحياء منه تكرما فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء هذا في حق الشاهد وأما حياء الرب تعالى من عبده : فذاك نوع آخر لا تدركه الأفهام ولا تكيفه العقول فإنه حياء كرم وبر وجود وجلال فإنه تبارك وتعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ويستحيي أن يعذب ذا شيبة شابت في الإسلام وكان يحيى بن معاد يقول : سبحان من يذنب عبده ويستحيى هو وفي أثر : من استحيى من الله استحيى الله منه وقد قسم الحياء على عشرة أوجه : حياء جناية وحياء تقصير وحياء إجلال وحياء كرم وحياء حشمة وحياء استصغار للنفس واحتقار لها وحياء محبة وحياء عبودية وحياء شرف وعزة وحياء المستحيي من نفسه

Bagian V02/P261–V02/P263

فاما حياء الجناية : فمنه حياء آدم عليه السلام لما فر هاربا في الجنة قال الله تعالى : أفرارا مني يا آدم قال : لا يا رب بل حياء منك وحياء التقصير : كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فإذا كان يوم القيامة قالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك وحياء الإجلال : هو حياء المعرفة وعلى حسب معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه وحياء الكرم : كحياء النبيمن القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب وطولوا الجلوس عنده فقام واستحيى أن يقول لهم : انصرفوا وحياء الحشمة : كحياء علي بن طالب رضى الله عنه أن يسأل رسول اللهعن المذي لمكان ابنته منه وحياء الاستحقار واستصغار النفس : كحياء العبد من ربه عز وجل حين يسأله حوائجه احتقار الشأن نفسه واستصغارا لها وفي أثر إسرائيلي إن موسى عليه السلام قال : يارب إنه لتعرض لى الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك هي يا رب فقال الله تعالى : سلنى حتى ملح عجينتك وعلف شاتك وقد يكون لهذا النوع سببان أحدهما : استحقار السائل نفسه واستعظام ذنوبه وخطاياه والثاني : استعظام مسؤله وأما حياء المحبة : فهو حياء المحب من محبوبه حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته هاج الحياء من قلبه وأحس به في وجهه ولا يدرى ما سببه وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومناجاته له روعة شديدة ومنه قولهم : جمال رائع وسبب هذا الحياء والروعة مما لا يعرفه أكثر الناس ولا ريب أن للمحبة سلطانا قاهرا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ولذلك تعجبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق وقهر المحبوب لهم وذلهم له فإذا فاجأ المحبوب محبه ورآه بغتة : أحس القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف وسألنا يوما شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه عن هذه المسألة فذكرت أنا هذا الجواب فتبسم ولم يقل شيئا وأما الحياء الذي يعتريه منه وإن كان قادرا عليه كأمته وزوجته فسببه والله أعلم أن هذا السلطان لما زال خوفه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه فتولد منها الحياء وأما حصول ذلك له في غيبة المحبوب : فظاهر لاستيلائه على قلبه فوهمه يغالطه عليه ويكابره حتى كأنه معه وأما حياء العبودية : فهو حياء ممتزج من محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده وأن قدره أعلى وأجل منها فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة وأما حياء الشرف والعزة فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل أو عطاء وإحسان فإنه يستحي مع بذله حياء شرف نفس وعزة وهذا له سببان أحدهما : هذا والثاني : استحياؤه من الآخذ حتى كأنه هو الآخذ السائل حتى إن بعض أهل الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياء منه وهذا يدخل في حياء التلوم لأنه يستحيي من خجلة الآخذ وأما حياء المرء من نفسه : فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيا من نفسه حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن العبد إذا استحيى من نفسه فهو بأن يستحيي من غيره أجدر فصل قال صاحب المنازل : الحياء : من أول مدارج أهل الخصوص يتولد

Bagian V02/P263–V02/P265

من تعظيم منوط بود إنما جعل الحياء من أول مدارج أهل الخصوص : لما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه وأول سلوك أهل الخصوص : أن يروا الحق سبحانه حاضرا معهم وعليه بناء سلوكهم وقوله : إنه يتولد من تعظيم منوط بود يعني : أن الحياء حالة حاصلة من امتزاج التعظيم بالمودة فإذا اقترنا تولد بينهما الحياء والجنيد يقول : إن تولده من مشاهدة النعم ورؤية التقصير ومنهم من يقول : تولده من شعور القلب بما يستحيي منه فيتولد من هذا الشعور والنفرة حالة تسمى الحياء ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن للحياء عدة أسباب قد تقدم ذكرها فكل أشار إلى بعضها والله أعلم فصل قال : وهو على ثلاث درجات الدرجة الأولى : حياء يتولد من علم العبد بنظر الحق إليه فيجذبه إلى تحمل هذه المجاهدة ويحمله على استقباح الجناية ويسكته عن الشكوى يعني : أن العبد متى علم أن الرب تعالى ناظر إليه أورثه هذا العلم حياء منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيده فإنه يكون نشيطا فيه محتملا لأعبائه ولا سيما مع الإحسان من سيده إليه ومحبته لسيده بخلاف ما إذا كان غائبا عن سيده والرب تعالى لا يغيب نظره عن عبده ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبيد فإن القلب إذا غاب نظره وقل التفاته إلى نظر الله تبارك وتعالى إليه : تولد من ذلك قلة الحياء والقحة وكذلك يحمله على استقباح جنايته وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدر زائد على استقباح ملاحظة الوعيد وهو فوقه وأرفع منه درجة : الاستقباح الحاصل عن المحبة فاستقباح المحب أتم من استقباح الخائف ولذلك فإن هذا الحياء يكف العبد أن يشتكي لغير الله فيكون قد شكا الله إلى خلقه ولا يمنع الشكوى إليه سبحانه فإن الشكوى إليه سبحانه فقر وذلة وفاقة وعبودية فالحياء منه فى مثل ذلك لا ينافيها فصل قال : الدرجة الثانية : حياء يتولد من النظر في علم القرب فيدعوه إلى ركوب المحبة ويربطه بروح الأنس ويكره إليه ملابسة الخلق النظر في علم القرب : تحقق القلب بالمعية الخاصة مع الله فإن المعية نوعان : عامة وهى : معية العلم والإحاطة كقوله تعالى : وهو معكم أينما كنتم [ الحديد : 4 ] وقوله : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا [ المجادلة : 7 ] وخاصة : وهى معية القرب كقوله تعالى : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ النحل : 128 ] وقوله : إن الله مع الصابرين [ البقرة : 153 ] وقوله : وإن الله لمع المحسنين [ العنكبوت : 69 ] فهذه معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة ف مع في لغة العرب تفيد الصحبة اللائقة لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا مجانبة فمن ظن شيئا من هذا فمن سوء فهمه أتي وأما القرب : فلا يقع في القرآن إلا خاصا وهو نوعان : قربه من داعيه بالإجابة وقربه من عابده بالإثابة فالأول : كقوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان [ البقرة : 186 ] ولهذا نزلت جوابا للصحابة رضي الله عنهم وقد سألوا رسول الله : ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى هذه الآية والثاني : قوله : أقرب ما يكون العبد من ربه : وهو ساجد وأقرب ما يكون الرب من عبده : في جوف الليل فهذا قربه من أهل طاعته

Bagian V02/P265–V02/P267

وفى الصحيح : عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كنا مع النبيفي سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه واستواءه على عرشه بل يجامعه ويلازمه فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ولكنه نوع آخر والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز تتقطع فيها أعناق المطي ويجده أقرب إليه من جليسه كما قيل ألا رب من يدنو ويزعم أنه يحبك والنائي أحب وأقرب وأهل السنة أولياء رسول اللهوورثته وأحباؤه الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحب إليهم منها : يجدون نفوسهم أقرب إليه وهم في الأقطار النائية عنه من جيران حجرته في المدينة والمحبون المشتاقون للكعبة والبيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها هذا مع عدم تأتي القرب منها فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه وأهل الذوق لا يلتفتون فى : ذلك إلى شبهة معطل بعيد من الله خلى من محبته ومعرفته والقصد : أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة وكلما ازداد حبا ازداد قربا فالمحبة بين قربين : قرب قبلها وقرب بعدها وبين معرفتين : معرفة قبلها حملت عليها ودعت إليها ودلت عليها ومعرفة بعدها هي من نتائجها وآثارها وأما ربطه بروح الأنس : فهو تعلق قلبه بروح الأنس بالله تعلقا لازما لا يفارقه بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة ولا ريب أن هذا يكره إليه ملابسة الخلق بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربه وقرة عينه بحبه وقربه منه فإنه ليس مع الله غيره فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سره وروحه وقلبه فقلبه وروحه في ملأ وبدنه ورسمه في ملأ فصل قال : الدرجة الثالثة : حياء يتولد من شهود الحضرة وهي التي لا تشوبها هيبة ولا تقارنها تفرقة ولا يوقف لها على غاية شهود الحضرة : انجذاب الروح والقلب من الكائنات وعكوفه على رب البريات فهو في حضرة قربه مشاهدا لها وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة وزالت عنه التفرقة إذ ما مع الله سواه فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده وهذا مقام الجمعية وأما قوله : ولا يوقف لها على غاية فيعني أن كل من وصل إلى مطلوبه وظفر به : وصل إلى الغاية إلا صاحب هذا المشهد فإنه لا يقف بحضرة الربوبية على غاية فإن ذلك مستحيل بل إذا شهد تلك الروابى ووقف على تلك الربوع وعاين الحضرة التى هي غاية الغايات شارف أمرا لا غاية له ولا نهاية والغايات والنهايات كلها إليه تنتهي وأن إلى ربك المنتهى [ النجم : 42 ] فانتهت إليه الغايات والنهايات وليس له سبحانه غاية ولا نهاية : لا في وجوده ولا في مزيد جوده إذ هو الأول الذي ليس قبله شيء و الآخر الذي ليس بعده شىء ولا نهاية وحمده وعطائهبل كلما ازداد له العبد شكرا زاده فضلا وكلما ازداد له طاعة زاده لمجده مثوبة وكلما ازداد منه قربا لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك وهكذا أبدا لا يقف على غاية ولا نهاية ولهذا جاء : إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه ولا لمزيده ولا لأوصافه فتبارك الله ذو الجلال والإكرام إن هذا لرزقنا ماله من نفاد [ ص : 54 ] ياعبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته : ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الصدق

Bagian V02/P267–V02/P269

وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان وسكان الجنان من أهل النيران وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه من صال به لم ترد صولته ومن نطق به علت على الخصوم كلمته فهو روح الأعمال ومحك الأحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين ومن مساكنهم في الجنات : تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان : أن يكونوا مع الصادقين وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين [ التوبة : 119 ] وقال تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [ النساء : 69 ] فهم الرفيق الأعلى وحسن أولئك رفيقا ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا ولهم مرتبة المعية مع الله فإن الله مع الصادقين ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له فقال : فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرالهم [ محمد : 21 ] وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم : من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق فقال : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون [ البقرة : 177 ] وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقال : ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم [ الأحزاب : 24 ] والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر وأخبر سبحانه أنه فى يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى : هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم [ المائدة وقال تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون [ الزمر : 34 ] فالذي جاء بالصدق : هو من شأنه الصدق فى قوله وعمله وحاله فالصدق : فى هذه الثلاثة فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها والصدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد والصدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص واستفراغ الوسع وبذل الطاقة فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به : تكون صديقيته ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضى الله عنه وأرضاه : ذروة سنام الصديقية سمي الصديق على الإطلاق و الصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق فأعلى مراتب الصدق : مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل

Bagian V02/P269–V02/P271

وقد أمر الله تعالى رسوله : أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق فقال : وقل : رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [ الإسراء : 80 ] وأخبر عن خليله إبراهيم أنه سأله أنه يهب له لسان صدق في الآخرين فقال : واجعل لي لسان صدق في الآخرين [ ] وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق فقال تعالى : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم [ يونس : 2 ] وقال : إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر [ القمر : 5455 ] فهذه خمسة أشياء : مدخل الصدق ومخرج الصدق ولسان الصدق وقدم الصدق ومقعد الصدق وحقيقة الصدق في هذه الأشياء : هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة فمدخل الصدق ومخرج الصدق : أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا بالله وفي مرضاته بالظفر بالبغية وحصول المطلوب ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها ولا له ساق ثابتة يقوم عليها كمخرج أعدائه يوم بدر ومخرج الصدق كمخرجههو وأصحابه في تلك الغزوة وكذلك مدخلهالمدينة : كان مدخل صدق بالله ولله وابتغاء مرضاة الله فاتصل به التأييد والظفر والنصر وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب فإنه لم يكن بالله ولا لله بل كان محادة لله ورسوله فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول اللهحصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب : أصابه معهم ما أصابهم فكل مدخل معهم ومخرج كان بالله ولله وصاحبه ضامن على الله فهو مدخل صدق ومخرج صدق وكان بعض السلف إذا خرج من داره : رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك يريد : أن لا يكون المخرج مخرج صدق ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه : بخروجهمن مكة ودخوله المدينة ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل فإن هذا المدخل والمخرج من أجل مداخله ومخارجه وإلا فمداخله كلها مداخل صدق ومخارجه مخارج صدق إذ هي لله وبالله وبأمره ولابتغاء مرضاته وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو مدخلا آخر إلا بصدق أو بكذب فمخرج كل واحد ومدخله : لا يعدو الصدق والكذب والله المستعان وأما لسان الصدق : فهو الثناء الحسن عليهمن سائر الأمم بالصدق ليس ثناء بالكذب كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل عليهم صلوات الله وسلامه : وجعلنا لهم لسان صدق عليا [ مريم : 50 ] والمراد باللسان ههنا : الثناء الحسن فلما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقا وعبر به عنه فإن اللسان يراد به ثلاثة معان : هذا واللغة كقوله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [ إبراهيم : 4 ] وقوله : واختلاف ألسنتكم وألوانكم [ الروم : 22 ] وقوله : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ النحل : 103 ] ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى : لا تحرك به لسانك لتعجل به [ القيامة : 16 ] وأما قدم الصدق : ففسر بالجنة وفسر بمحمد وفسر بالأعمال الصالحة وحقيقة القدم ما قدموه وما يقدمون عليه يوم القيامة وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك

Bagian V02/P271–V02/P274

فمن فسره بها أراد : ما يقدمون عليه ومن فسره بالأعمال وبالنبي : فلأنهم قدموها وقدموا الإيمان به بين أيديهم فالثلاثة قدم صدق وأما مقعد الصدق : فهو الجنة عند الرب تبارك وتعالى ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم ثبوته واستقراره وأنه حق ودوامه ونفعه وكمال عائدته فإنه متصل بالحق سبحانه كائن به وله فهو صدق غير كذب وحق غير باطل ودائم غير زائل ونافع غير ضار وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل ومن علامات الصدق : طمأنينة القلب إليه ومن علامات الكذب : حصول الريبة كما في الترمذي مرفوعا من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عنهما عن النبيقال : الصدق طمأنينة والكذب ريبة وفي الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبيقال : إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عندالله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عندالله كذابا فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته فلا ينال درجتها كاذب ألبتة لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله ولا سيما كاذب على الله في أسمائه وصفاته ونفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه فليس في هؤلاء صديق أبدا وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه بتحليل ما حرمه وتحريم ما لم يحرمه وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه كل ذلك مناف للصديقية وكذلك الكذب معه في الأعمال : بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين وليس في الحقيقة منهم فلذلك كانت الصديقية : كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرا وباطنا حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما وكذبهما يمحق بركة بيعهما كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما : محقت بركة بيعهما فصل في كلمات في حقيقة الصدق قال عبدالواحد بن زيد : الصدق الوفاء لله بالعمل وقيل : موافقة السر النطق وقيل : استواء السر والعلانية يعني أن الكاذب علانيته خير من سريرته كالمنافق الذي ظاهره خير من باطنه وقيل : الصدق القول بالحق في مواطن الهلكة وقيل : كلمة الحق عند من تخافه وترجوه وقال الجنيد : الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وقد يسبق إلى الذهن خلافه وأن الكاذب متلون لأن الكذب ألوان فهو يتلون بتلونه والصادق مستمر على حالة واحدة فإن الصدق واحد في نفسه وصاحبه لا يتلون ولا يتغير لكن مراد الشيخ أبي القاسم صحيح غير هذا فإن المعارضات والواردات التي ترد على الصادق لاترد على الكاذب المرائي بل هو فارغ منها فإنه لا يرد عليه من قبل الحق موارد الصادقين على الكاذبين المرائين ولا يعارضهم الشيطان كما يعارض الصادقين فإنه لا أرب له في خربة لا شيء فيها وهذه الواردات توجب تقلب الصادق بحسب اختلافها وتنوعها فلا تراه إلا هاربا من مكان إلى مكان ومن عمل إلى عمل ومن حال إلى حال ومن سبب إلى سبب لأنه يخاف في كل حال يطمئن إليها ومكان وسبب : أن يقطعه عن مطلوبه فهو لا يساكن حالة ولا شيئا دون مطلوبه فهو كالجوال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء والأحوال والأسباب تتقلب به وتقيمه وتقعده وتحركه وتسكنه حتى يجد فيها ما يعينه على مطلوبه وهذا عزيز فيها فقلبه في تقلب وحركة شديدة بحسب سعة مطلوبه وعظمته وهمته أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسم أو حال أو يساكن شيئا غيره فهو كالمحب الصادق الذي همته التفتيش على محبوبه وكذا حال الصادق في طلب العلم وحال الصادق في طلب الدنيا فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار ولا يدوم على حالة واحدة