Qur'an&Sunnah

Şa'rânî — Levâkıhu'l-Envâr fî Tabakāti'l-Ahyâr (et-Tabakātü'l-Kübrâ; evliya ve mertebeleri)

Bagian V02/P148–V02/P149

ثم قال: وقال لي لولا الشوني في مصر لهوى بأهلها ما هوى ومناقبه رضي الله كثيرة، وإن شاء الله تعالى نفردها بالتأليف إن كان في الأجل فسحة، والله أعلم. ومنهم أخي وصاحبي سيدي الشيخ أبو الفضل الأحمدي رضي الله تعالى صاحب الكشوفات الربانية، والاتفاقات السماوية، والمواهب اللدنية سمعت الهواتف تفول في الأسحار ما صحبت مثل الشيخ أبي الفضل، ولا تصحب مثله، كان رحمه الله تعالى أكابر أولياء الله، وما رأيت أعرف منه بطريق الله عز وجل، ولا بأحوال الدنيا، والآخر له نفوذ البصر في كل شيء لو أخذ يتكلم في أفراد الوجود لضاقت الدفاتر. صحبته رضي الله عنه نحو خمس عشرة سنة، ووقع بيني وبينه اتحاد لم يقع لي قط مع غيره، وهو أنه كان يرد على الكلام من الحكمة في الليل فأكتبه فإذا جاء عرضته عليه فيخرج لي ورقة من عمامته، ويقول وأنا الآخر، وقع لي ذلك فنف بل الكلام على الآخر فلا يزيد أحدهما على الآخر حرفا، وربما يقول بعض الناس إن أحدنا كتب ذلك من الآخر، وكان رضي الله يحرك تطور الأعمال الليلية، والنهارية، ويرى معارجها، وهذا أمر ما رأيته لأحد قط الأشياخ الذين كتبت مناقبهم في هذه الطبقات، وقد سألني مرة الأمير محيي الدين بن أصبغ أسبغ الله عليه نعم الدارين أن أدعو له بالخلاص من سجن السلطان فسألتا لله تعالى في الأسحار فجاءني سيدي الشيخ أبو الفضل، وقال لي ضحكت الليلة عليك في دعائك لابن أبي أصبغ بالخلاص من السجن، وقد بقي له من المدة خمسة شهور، وسبعة أيام كنت شاطر مصر لم تقدر على إخراجه حتى تنقضي هذه المدة. قال ورأيت دعاءك، وهو يصعد إلى السماء نحو قامة، ويرجع إليك وربما كان يأتيني فيخبرني بجميع ما وقع لي في الليل، وكان من شأنه تحمل هموم الناس حتى صار ليس عليه أوقية لحم، وكان رضي الله عنه يقول لي منذ سنين، وأنا أحس بلحمي كأنه في صحن نحاس على النار يطشطش، وكان من شأنه التقشف في المكل، والملبس، وخدمته جميع إخوانه، وكنا إذا خرجنا لمثل أهرام الجيزة أو غيرها من التنزهات يحمل نعال الجماعة كلهم في خرج على عنقه، ومن أبي أقسم عليه بالله تعالى حتى يمكنه من حمل نعله، وشكوت له مرة مرضا نزل بي فقال: والله العظيم لي منذ عشر سنين، وأنا أحس أنني في صحن نحاس على النار من غير ماء يطشطش فيه فحط مرضك بجنب هذا تجده، ولاش. وكان رضي الله عنه لا ينام من الليل إلا نحو عشر درج صيفا، وشتاء، وكان رضي الله عنه من أعظم الناس تعظيما للمساجد لم يتجرأ قط أن يدخل مسجدا إلا تبعا لغيره فكان يمكث واقفا على باب المسجد حتى إذا دخل أحد دخل في ذراه، ويقول: مثلنا لا ينبغي له أن يدخل المساجد إلا تبعا لعامة المسلمين لعجزنا عن القيام بآدابها، ورأيت مرة في ثوبه أثرا فقلت له دعني أغسله لك فقال: أنت ما تعرف حالي، والله إني لأستحي من لبس الثوب النظيف على ذاتي هذه القذرة، وكان رضي الله عنه يقول أعطاني الله تعالى أن لا أنظر قط إلى شيء من الحبوب نظرة واحدة، ويسوس أو يتلف أبدا، وجربنا ذلك في مخزن القمح الذي كان يسوس عندنا.

Bagian V02/P149–V02/P150

وكان رضي الله عنه يعرف أصحاب النوبة في سائر أقطار الأرض، ويعرف من تولى ذلك اليوم منهم، ومن عزل، وكان لونه أصفر نحيفا لا تكاد تجد عليه أوقية لحم. وحج رضي الله عنه مرات على التجريد فلما كان آخر حجة كان ضعيفا فقلت له في هذه الحالة تسافر فقال لترابي فإن نطفتي مرغوها في تربة الشهداء ببدر فكان كما قال فمرض مرضا شديدا قبل بدر بيومين ثم توفي، ودفن ببدر كما قال، وذلك في سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة فلما حججت سنة سبع، وأربعين مضيت إلى قبره فقلت له أقسم عليك بالله إلا ما نطقت لي من القبر، وعرفتني بقبرك فناداني تعال فإني ها هنا فعرفت قبره بتعريفه لي رضي الله عنه، ومدحت له مرة بعض الفقراء فقال أجمعني عليه فدخلنا فوجدناه في الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رحمه الله تعالى يا هو بهمة فتخبط ذلك الفقير من صياحه عليه حتى كاد يذهل فقال سيدي أفضل الدين رضي الله عنه وعزة ربي لولا الشفقة عليه لشققت قلبه بالصوت ثم قال لي هذا يكل مهما وجد لا يتورع فهذا الذي تركه يتخبط كما قال الله تعالى: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " " البقرة: 275 "، فذاكره مذاكرة في حقائق اليقين ودقق عليه الكلام حتى قال له ذلك الفقير تنزل لنا في العبارة، والمقام ثم رأى عنده رجلا مختليا وصوته ضعيف في الذكر فقال له أخرج هذا الفقير، وأطعمه وإلا مات، ودخل النار فقال الفقير هذا من شرط الخلوة فقال له سيدي أفضل الدين رضي الله عنه: وماذا يطلب بالخلوة هذه فإن العبد إذا كان وليا لله فلا يحتاج إلى هذا العلاج وإن كان غير ولي لله فلا يصير وليا بالعلاج وشجرة السنط لا تكون تفاحا بالعلاج فأخذ سيدي أبو الفضل رغيفا. وقال اسمع مني واخرج، وما وعدك الله به يحصل إن شاء الله تعالى فلم يخرج فقال الله يبتليك بالموت فمات بعد يوم وليلة، وكان رضي الله عنه يقول بواطن هذه الخلائق كالبلور الصافي أرى ما في بواطنهم كما أرى ما ظواهرهم، وكان إذا انحرف من إنسان يذوب ذلك الإنسان، ولا يفلح في شيء من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة، وكان رضي الله عنه يعرف من أنف الإنسان جميع ما يفعله في داره ويقول هذا ما هو باختياري، وسألت الله تعالى الحجاب فلم يحجبني؛ والله تعالى في ذلك حكم، وأسرار وكان له كلام عال في الطريق، والمقامات، وأحوال الكمل، وكان يقول من وراثي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. ومن كلامه رضي الله عنه: اعلم يا أخي المراد من الإيجاد الإلهي الإنسان، والتكوين الطبيعي الناري ليس إلا معرفه الربوب وأوصافها، والعبودية، وأخلاقها فأما أوصاف الربوبية فكيفيك يا أخي منها ما وصل إليك علمه إلهاما، وتقليدا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير تشبيه، ولا تعطيل، وأما أخلاق العبودبة فهي مقابلة الأوصاف الربوبية على السواء فكل صفة استحقتها الألوهية طلبت العبودية حقها من مقابلة ذلك الوصف، ومن هذا المقام كان استغفاره صلى الله عليه وسلم فكل عن مقامه يتكلم، وعما وصف به يترجم، وسمعته رضي الله عنه يقول من نظر إلى ثواب في أعماله عاجلا أو آجلا فقد خرج عن أوصاف العبودية التي لا ثواب لها إلا وجه الله تعالى.

Bagian V02/P150

وكان يقول عليك بحسن الظن في شأن ولاة أمور المسلمين، وإن جاروا فإن الله لا يسأل أحدا قط في الآخرة لم حسنت ظنك بالعباد، وكان يقول لا تسب أحدا من خلق تعالى على التعيين بسبب معصية، وإن عظمت فإنك لا تدري بم يختم لك، وله ولا تسبب من أحد إذا سببت إلا فعله لا عينه فإن عينك، وعينه واحد فلا تسب إلا الفعل الرديء المذموم لقوله صلى الله عليه وسلم في الثوم " إنها شجرة أكره ريحها "، فلم، يقل أكرهها وإنما أكره ريحها الذي هو بعض صفاتها، وكان رضي الله عنه يقول لا يخلو المنقص لأعراض الناس عن ثلاثة أحوال إما أن يرى نفسه أفضل منهم فهو حينئذ أسوأ حالا منهم كما وقع لإبليس مع آدم عليه السلام، وإما أن يرى نفسه مثلهم فما أنكر إلا على حال نفسه حقيقة، وإما أن يرى نفسه دونهم فلا يليق به تنقيص من هو خير منه. سمعته مرة يقول هؤلاء المنقصون لأعراضنا فلاحون لنا يزنون لنا الخراج فقلت له كيف؟ فقال لأنهم ينقلون في صحائفنا جميع أعمالهم الصالحة الخالصة، وثم ذنوب لا يكفرها إلا كلام الناس في عرض الإنسان، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بحسن الاعتقاد فإنه ربط القلب مع الله تعالى بواسطة المعتقد فيه، ولو كان غير أهل لذلك فإنكم لم تربطوا قلبكم إلا مع الله تعالى لا مع الواسطة، والله يستحي من طلب عبده له أن يفقده عندما طلبه، وكان رضي الله عنه يقول كونوا عبيد الله لا عبيد أنفسكم، ولا عبيد ديناركم، ودرهمكم فإن كل ما تعلق به خاطركم من محمود أو مذمم أخذ من عبوديتكم بقدر حبكم له، وأنتم له تخلقوا للسكون، ولا لأنفسكم بل خلقكم له فلا تهربوا منه فإنكم حرام على أنفسكم فكيف لا تحرموا على غيركم، وكان رضي الله عنه يقول كفوا غضبكم عمن يسيء إليكم لأنه مسلط عليكم بإرادة ربكم، وكان يقول افعلوا كل ما أمركم به الشرع إن استطعتم، ولكن من حيث مشروعيته والأمر به لا من حيث علة أخرى، واتركوا العلل كلها في جميع أحوالكم، وأعمالكم، واقطعوا الكل بقوله: " يمحو الله ما يشاء ويثبت "، " الرعد: 39، " وكان رضي الله عنه يقول لا تقطعوا بما علمتموه من الكتاب، والسنة ولو كان حقا في نفسه، وكان يقول لا تركن إلى شيء، ولا تأمن نفسك في شيء، ولا تأمن مكر الله لشيء، ولا تختر لنفسك حالة تكون عليها فإنك لا تدري أتصل إلى ما اخترته أم لا ثم إن وصلت إليه فلا تعلم ألك فيه خير أم لا، وإن لم تصل إليه فاشكر الذي منعك فإنه لم يمنعك عن بخل، وكان رضي الله عنه يقول إذا خيرك الحق تعالى في شيء فاختر عدم الاختيار، ولا تقف مع شيء، ولا تر لنفسك شيئا، ولا تحزن على شيء خرج عنك فإنه لو كان لك ما خرج عنك ولا تفرح قط بما حصل لك من أمور الدنيا، والآخرة دون الله تعالى فإن ما سوى الله عدم. وكان رضي الله عنه يقول إذا نقل إليكم أحد كلاما في عرضكم من أحد فازجروه، ولو كان من أعز إخوانكم في العادة، وقولوا له إن كنت تعتقد هذا الأمر فينا فأنت، ومن نقلت عنه سواء بل أنت أسوأ حالا لأنه لم يسمعنا ذلك، وأنت أسمعته لنا، وإن كنت تعتقد أن ذلك لأمر باطل في حقنا وبعيد منا أن نقع في مثله فما فائدة نقله لنا.

Bagian V02/P150

وسمعته رضي الله عنه يقول لا تتكلموا قط مع من فتى في التوحيد فإنه مغلوب وكلوه لمشيئة الله تعالى، ولا تشتغلوا بإكثار من مطالعة كتب التوحيد فإنها توقفكم عما أنتم مخلوقون له فكل تكلم بحسب علمه، وذوقه، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بحفظ لسانكم مع أهل الشرع فإنهم بوابون لحضرة الأسماء، والصفات، وعليكم بحفظ قلوبكم من الإنكار على أحد من الأولياء فإنهم بوابون لحضرة الذات، وإياكم، والانتقاد على عقائد الأولياء بما علمتموه من أقوال المتكلمين فإن عقائد الأولياء مطلقة متجردة في كل آن على حسب الشئون الإلهية، وكان رضي الله عنه يقول لا تقربوا من الأولياء إلا بالأدب، ولو باسطوكم فان قلوبهم مملوكة، ونفوسهم مفقودة، وعقولهم غير معقولة فيمقتون على أقل من القليل، وينفذ الله مرادهم فيكم، وكان رضي الله عنه يقول إذا صحبتم كاملا فلا تؤولوا له كلاما إلى غير مفهومه الظاهر فإن الكمل لا يسترون لهم كلاما، ولا حالا إذ التدبير من بقايا تدبير النفس، وحفظها، وكان رضي الله عنه يقول اسألوا الله العفو، والعافية وألحوا عليه، ولو كان أحدكم صبورا، وكان رضي الله عنه يقول الحقيقة، والشريعة كفتا الميزان

Bagian V02/P150–V02/P151

وأنت قلبها فكل كفة حصل منك ميل إليها كنت لها. ت قلبها فكل كفة حصل منك ميل إليها كنت لها. وكان رضي الله عنه يقول عليكم بتنظيف باطنكم من الحرص، والغل، والحقد ونحو ذلك فإن الملك لا يرضى أن يسكن بجواركم، وأنتم على هذا الحال فكيف يسكن الله تعالى قلوبكم يا داود طهر لي بيتا أسكنه. وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإخراج كل علقت به نفوسكم ولم تسمح بإظهاره من علم أو حال أو غيرهما، ولا تتركوا النصح لإخوانكم، ولو ذموكم لأجل ذلك، وكان رضي الله عنه يقول عليكم بإصلاح الطعمة استطعتم فإنها أساسكم الذي يتم لكم به بناء دينكم، وجميع أعمالكم الصالحة فإن كنتم متجردين عن الأسباب فاقبلوا كل ما أرسله الحق تعالى إليكم من غير سؤال ما عدا الذهب والفضة، والثياب الفاخرة فإذا بلغ أحدكم مبلغ الرجال عرف كل لقمة من أين جاءت وعرف من يستحق أكلها كالبناء يعرف مكان كل طوبة يضعها، وكان رضي الله عنه يقول إذا غضب شيخك على أحد فعليك أن تجتنبه فإن علمت أن غضب شيخك لغير الله فأمسك عن الاجتناب كأحوال المشايخ القاصرين الآن.

Bagian V02/P151

وكان رضي الله عنه يقول إذا فاجأك في حال الذكر شيء من حال أو غيره فلا تدفعه عن نفسك، ولا تستجلب ذلك بجميع باطنك، وتفعلك فإن ذلك سوء أدب، وكان رضي الله عنه يقول لا تأنفوا من التعلم ممن خصه الله تعالى من فضله كائنا من كان لا سيما أهل الحرف النافعة فإن عندهم من الأدب ما لا يوجد عند خصوص الناس، وكان يقول إياكم أن تظهر، والكم حالا أو وصفا دون أن يتولى الله ذلك من غير اختياركم، وكان رضي الله عنه يقول احذروا من قربه تعالى لكم أن يفتنكم بالقرب مع أنه لا خصوصية، لكم فيه، وإذا علم أحدكم ما هو عليه من القرب فهو بعيد من القرب فإن حقيقة القرب الغيبية بالقرب عن القرب حتى لا تشهد حالك في القرب إلا بعد، ولا في العلم إلا جهلا ولا في التواضع إلا كبر فإن شهود القرب يمنع العلم بالقرب " ونحن أقرب إليه منكم، ولكم لا تبصرون " وكان رضي الله عنه يقول: احذروا من الاغترار بصحبته لكم أن يستدرجكم بحبكم له فيشغلكم بكم عنه وإذا كشف لكم عن حقائقكم حسبتم أنكم هو، ومن هنا يفع الاستدراج، ولا خلاص لكم إلا إن شهدتموه به تعالى لا بكم. وسئل رضي الله عنه مرة عن قوله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " " هود: 113 " الآية هل يدخل في ذلك الركون إلى النفس فقال رضي الله عنه نعم، ثم قال رضي الله عنه: وإيضاح ذلك أن هذه الآية أيضا متضمنة لعدم اختيار العباد مع ربهم، ومتضمنة أيضا لمعرفة أقرب الطرق إلى الحق وهو أصل جامع لجميع الطرق الظاهرة، والباطنة فإن في باطنها الحث على الآمر بالتخلق بالمقام الإبراهيمي الذي نحن مكلفون باتباعه، وذلك أن الأركان صفة من صفات النفس والظلم أيضا من صفاتها، وهي موصوفة بالظلم والأركان في نفسها لاعتمادها على نفسها ودعواها بأنها أفضل وأعلم من غيرها، ولو لم تعلم هي ذلك من نفسها، ولولا أنها موصوفة بالظلم ما ظهر عنها قط فعل ولا أمر قبيح، وهذا أيضا أقوى دليل على جهلها بمعرفة نفسها، وربما حيث لم تسند إلى ربها جميع أفعالها وأقوالها، وحركاتها، وسكناتها الظاهرة والباطنة، ومعلوم أن الظالم نفسه إنما هو معذب في هذه الدار بنار نفسه، وشهواته لا بالنار المحسوسة التي تقع له في الدار الآخرة. وانظر يا أخي إلى إبراهيم عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة، والسلام لما لم تؤثر فيه نار الشهوة لم تؤثر فيه نار الحس بل، وجدها بردا لأجل صفة البرد الذي في باطنه عليه الصلاة، والسلام من حر التدبير المفضي إلى الشرك الأكبر المشار إليه بقول لقمان لابنه " إن الشرك لظلم عظيم " فعلم أن الظالم لحق ربه معذب بنار البعد عنه، ومتقرب إلى هواه الذي جعله معبوده، ووجهته قال تعالى: " أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم " " الجاثية: 23 " وإنما وصفه هنا بالعلم لأنه لم يتخذ له إلها خارجا عنه بعيدا منه، والإله من شأنه القرب، وما ثم أقرب إلى الإنسان من نفسه لنفسه لأن هواه المعبود عالم بما يظهر في سره، ونجراه بخلاف الإله المجعول في الظاهر فإنه غير عالم بمصالح تلك النفس، وأحوالها لبعده، وعدم علمه، ومن هنا قالوا ألطف الأوثان الهوى، وكثفها الحجارة، وأيضا فإن النفس العابدة لهواها هي المعبودة لهذا فإن صفاتها عابدة لذاتها، ولذلك وقع علينا التوبيخ الإلهي في قوله تعالى: " وفى أنفسكم أفلا تبصرون " " الذاريات: 21 "، وفي حديث من " عرف نفسه عرف ربه " فإن المعرفة هنا تكررت وهي لم تقبل تكرارا، والنفس، والرب قبلا التكرار فاعلم ما تحته تصب التحقيق إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على معلم الخير، ومظهر التوحيد.

Bagian V02/P151–V02/P152

وكان رضي الله عنه يقول ثم ثلاث مرات لثلاث رجال زاحم عليها متصوفة زمامنا بغير حق وهي تلقين الذكر للمريدين، سهم وإلباسهم الخرقة وإخاؤهم لهم العذبة، فأما تلقين الذكر فشرطه عندي أن يعطيه الله تعالى من القوة، والتمكين وكمال الحال ما يمنح المريد عند قوله قال لا إله إلا الله جميع

Bagian V02/P152

علوم الشرائع المنزلة إذ هي كلها أحكام لا إله إلا الله فلا يحتاج بعد ذلك المجلس إلى تعليم شيء من الشرائع كما وقع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى كان يقول عندي من العلم الذي أسره إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عند جبريل ولا ميكائيل فيقول له ابن عباس كيف؟ فيقول إن جبريل عليه السلام تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وقال: " وما منا إلا له مقام معلوم " فلا يدري ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. هذا هو التلقين الحقيقي، ولا يكون إلا لمن اتحد بشيخه حتى صار كأنه هو. لإسراء، وقال: " وما منا إلا له مقام معلوم " فلا يدري ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. هذا هو التلقين الحقيقي، ولا يكون إلا لمن اتحد بشيخه حتى صار كأنه هو. وأما إلباس الخرقة فشرطه عندي أيضا أن يعطي الله ذلك الشيخ من القوة ما ينزع به عن المريد حال قوله له اخلع قميصك أو قلنسوتك مثلا جميع الأخلاق المذمومة فيتعطل عن استعمال شيء منها إلى أن يموت ذلك المريد ثم يخلع على المريد مع إلباسه تلك الخرقة جميع الأخلاق المحمودة التي هي غاية درجة المريد في علم الله عز وجل فلا يحتاج ذلك المريد بعد إلباس شيخه له الخرقة إلى علاج خلق من الأخلاق فمن لم يعطه الله تعالى ذلك ففعله كالاستهزاء بطريق العارفين، ولبسها على هذا الشرط سيدي الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه من الخضر عليه السلام عند الحجر الأسود وأخذ عليه العهد بالتسليم لمقامات الشيوخ؛ وأما إرخاء العذبة فشرطه عندي أيضا أن يقدر الله ذلك الشيخ على أن يخلع على المريد حال إرخائها له سر النمو، والزيادة لكل شيء مسه ذلك المريد أو نظر إليه لتكون تلك الزيادة المرخاة من العمامة علامة، وإشارة إلى التحقيق لتلك المرتبة من باب التحدث بالنعم. ولما أرخاها معروف الكرخي رضي الله عنه للسري السقطي رضي الله عنه سقف بيتا له فقصر خشبة عن الوصول إلى الجدار الآخر فمطها فطالت، ومن قال من متصوفة هذا الزمان ليس ما قلته في هذه الثلاثة الأمور شرطا لكونه هو عاريا عن تلك الشروط فقد أساء الظن، وكذب بكرامات السلف الصالح فلا حول، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " " الأنعام: 2 " الأجل الأول هو أجل الجسم بموته في الحياة الدنيا والأجل المسمى عنده هو أجل الروحانية التي خلقت قبل الأجسام بألفي عام فإنها مستمرة الحياة إلى الصعق الأخروي حين تصعق الأرواح فتخمد، وذلك أعني خمودها هو حظها من الموت، والفناء اللازم لصفة الحدث فلا تبقى روح على وجه الأرض، ولا في البرزخ إلا ماتت يعني خمدت فقل له فهل للطائفة الذين لا يصعقون عند النفخة أجل مسمي كذلك يخصهم؟ فقال ذهب قوم إلى أنهم لا يصعقون أبدا لأن الله تعالى أنشأهم على حقائق لا تقبل الموت. والذي تذهب إليه أنهم يموتون لكنهم اشتغلوا بحضرة الشهود عن سماع النفخة فلم يدركهم حس النفخة فلم يصعقوا إذ ذاك ثم إنهم يموتون بعد ذلك بأمر الله تحقيقا لوعده وتمييزا لصفة القدم عن الحدوث قال، وعليه يحمل قوله تعالى: " لمن الملك اليوم " " غافر: 16 " فلا يجيبه أحد وعلى ما ذهب إليه غيرنا يخصص عدم الإجابة بمن صعق يعني فلا يجيبه أحد ممن صعق ويكون الاستثناء منقطعا، وما ذهبنا إليه أولي فقل له فما المراد بالصور الذي ينفخ فيه.

Bagian V02/P152–V02/P153

فقال المراد به الحضرة البرزخية التي ننقل إليها بعد الموت ونشهد نفوسنا فيها، وهو المسمى أيضا بالناقور، وإنما اختلف عليه الأسماء لاختلاف الصفات فصارت أسماؤه كهو فجميع أرواح الأجسام الطبيعية، والعنصرية التي قبضها الله تعالى مودعة في صورة جسدية في مجموع الصور المكنى عنه بالقرن، وجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين الصورة التي هو فيها في القرن، وكان رضي الله عنه يقول: كل رؤيا فهي صادقة، وإذا أخطأت الرؤية فالمراد أن من عبرها هو المخطئ حيث لم يعرف ما المراد بتلك الصورة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي رأى في منامه كأنه ضربت عنقه إن الشيطان لعب بك، وما قال له خيالك فاسد فالخيال كله صحيح عند المحقق والسلام، وكان رضي الله عنه يقول من صفي جوهرة نفسه علم أن الحياة إما هي لعين الجوهر وعلم أن الموت إنما هو لتبدل الصور، وحينئذ يشهد موته كلا موت. فالشهيد المقتول في سبيل الله ينقله الله تعالى إلى البرزخ لا عن موت فهو مقتول لا ميت. ومن هنا قالوا العارفون لا يموتون وإنما ينقلون من دار إلى دار لأنهم أماتوا نفوسهم في دار الدنيا بالمجاهدة، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: من " أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه " وكان رضي الله عنه يقول: لا بد للموت من الموت لأنه مخلوق قال الله تعالى: " خلق الموت والحياة " " الملك: 2 " ولكن موته في الظاهر حياته في الباطن، والمتولي لقبض روحه الحياة الأبدية التي مظهرها يحيى عليه السلام كما ورد " إن الموت يمثل في صورة كبش، ويذبحه يحيى عليه السلام " بشارة لأهل الجنة بالحياة التي لا موت بعدها، وكان رضي الله عنه يقول: موازين الآخرة تدرك بحاسة البصر كموازين أهل الدنيا لكنها ممثلة غير محسوسة عكس الدنيا فهي كتمثل الأعمال سواء فإن الأعمال في الدنيا أعراض وفي الآخرة تكون أشخاصا، وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بالموت في صورة كبش " ولم يقل يؤتى به كبشا لأن الحقائق لا تنقلب، فإذا وضعت الموازين لوزن الأعمال جعلت فيها كتب الخلائق الحاوية لجميع أعمالهم لكن أعمالهم الظاهرة دون الباطنة لأن الأعمال الباطنة لا تدخل الميزان المحسوس لكن يقام فيها العدل، وهو الميزان الحكمي المعنوي فمحسوس لمحسوس، ومعنى لمعنى يقابل كل بمثله، وآخر ما يوضع في الميزان في قول العبد الحمد لله، ولهذا ورد " والحمد لله تملأ الميزان " وإنما لم تكن لا إله إلا الله تملأ الميزان كالحمد لله لأن كل عمل خير له مقابل من ضمه هذا الخير في موازينه ولا يقابل لا إله إلا الله إلا الشرك، ولا يجتمع توحيد، وشرك في ميزان واحد بخلاف المعاصي غير الشرك إذ العاصي لم يخرج عن الإسلام بمعصيته. وإيضاح ما لناه أن الإنسان إن كان يقول لا إله إلا الله معتقدا لها فما أشرك، وإن أشرك فما اعتقد لا إله إلا الله فلما لم يصح الجمع بينهما لم تدخل لا إله إلا الله الميزان لعدم ما يعادلها في الكفة الأخرى، وإنما دخلت لا إله إلا الله ميزان صاحب السجلات التسعة والتسعين من السيئات لأن صاحب السجلات كان يقول: لا إله إلا الله معتقدا لها إلا أنه لم يعمل معها خيرا قط فكان وضع لا إله إلا الله في مقابلة التسعة والتسعين سجلا من السيئات فترجح كفة لا إله إلا الله بالجميع، وتطيش السجلات فلا يثقل مع اسم الله شيء. وكان رضي الله عنه يقول: لا نور للصراط في نفسه لأنه منصوب على ظهر جهنم وهي مظلمة، وإنما النور الذي يكون على الصراط من نور الماشين عليه قال تعالى: " يسعى نورهم بين أيديهم، وبأيمانهم " فقلت له: لم لم يقل تعالى، وبشمائلهم؟ فقال رضي الله عنه لأن المؤمن في الآخرة لا شمال له كما أن أهل النار لا يمين لهم.

Bagian V02/P153–V02/P154

وكان رضي الله عنه يقول: ثم من تشتاق إليه الجنة كما يشتاق إليها، وهم المطيعون، وثم من لا تشتاق إليه الجنة، وهم يشتاقون إليها، وهم عصاة المؤمنين، وثم من تشتاق إليه الجنة، وهو لا يشتاقها، وهم أرباب الأحوال، وثم من لا تشتاق إليه الجنة، ولا يشتاق هو إليها، وهم المكذبون بيوم الدين، والقائلون بنفي الجنة المحسوسة وكان رضي الله عنه يقول يقع التمني في الجنة لأهلها فيتنعمون بذلك أشد التنعم، وذلك لأنه تمن محقق لوجود ما يتمناه حال التمني فلا يتوهم أحد من أهل الجنة نعيما فوق نعيمه أو يتمناه إلا حصل له بحسب ما توهمه إن توهمه معنى كان معنى، وإن توهمه حسا كان حسا. وسئل رحمه الله تعالى عن المراد بقوله تعالى في فاكهة الجنة: " لا مقطوعة ولا ممنوعة " " الواقعة: 33 " هل المراد لا مقطوعة صيفا، ولا شتاء أو أنها لا تقطع حين تقطف؟ فقال رضي الله عنه جميع فاكهة الجنة تؤكل من غير قطع؟ فمعنى لا مقطوعة أنها لا تقطع حال القطع بل يقطف الإنسان، ويأكل من غير قطع، فالأكل موجود، والعين باقية في غصن الشجرة هذا أعطاه الكشف فعين ما يأكله هو عين ما يشهده في غصن الشجرة، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول الذي عليه المحققون أن أجسام أهل الجنة تنطوي في أرواحهم فتكون الأرواح ظروفا للأجسام بعكس ما كانت في الدنيا فيكون الظهور، والحكم في الدار الآخرة للروح لا للجسم، ولهذا يتحولون في أي صورة شاءوا كما هم اليوم عندنا الملائكة، وعالم الأرواح، وكان رضي الله عنه يقول: يتناسل أهل الجنة فيها إذا شاءوا فيجامع الرجل زوجته الآدمية أو الحوراء فيوجد الله تعالى عند كل دفعة ولذا وذلك لأن الله تعالى جعل النوع الإنساني غير متناهي الأشخاص دنيا، وأخرى لشرفه عنده، وكان رضي الله عنه يقول ليس لأهل الجنة دبر مطلقا لا الرجل، ولا المرأة لأن الله تعالى إنما جعل الدبر في دار الدنيا مخرجا للغائط، ولا غائط هناك، وإنما يخرج الأكل، والشرب رشحا من أبدانهم، ولولا أن ذكر الرجل، وقبل المرأة محتاج إليهما في جماع أهل الجنة ما كان وجدا في الجنة لعدم البول هناك، وكان رضي الله عنه يقول لذة جماع أهل الجنة تكون من خروج الريح لا من خروج المني إذ لا مني هناك فيخرج من كل الزوجين ريح مثيرة كرائحة المسك فتلقى في الرحم فتتكون من حينه فيها ولدا وتكمل نشأته ما بين الدفعتين. فيخرج ولد مصور مع النفس الخارج من المرأة، ويشاهد الأبوان كل من ولدا لهما من ذلك النكاح في كل دفعة ثم يذهب ذلك الولد فلا يعود

Bagian V02/P154

إليهما أبدا كالملائكة المتطورين من أنفاس بني آدم في دار الدنيا، وكالملائكة الذين يدخلون البيت المعمور ثم إن هؤلاء الأولاد ليس لهم حفظ في النعيم المحسوس، ولا المعنوي إنما نعيمهم برزخي كنعيم صاحب الرؤيا، وكان رضي الله عنه يقول، تتوالد الأرواح مع الأرواح في الجنة فينكح الولي من حيث روحه زوجته من حيث روحها فيتولد بينهما أولاد روحانيون بأجسام، وصور محسوسات وكان يقول شجرة طوبي في منزل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي حجاب مظهر نور فاطمة الزهراء رضي الله عنها فما من جنة، ولا درجة، ولا بيت، ولا مكان إلا وفيه فرع من شجرة طوبي وذلك ليكون سر نعيم كل درجة ونصيب كل ولي فيها من نورانية فاطمة في حجاب ذلك الفرع وكان رضي الله عنه يقول في قوله تعالى: " أكلها دائم " " الرعد: 35 " معناه أن الأكل لا ينقطع عنهم متى طلبوه لا أنهم يأكلون دائما فالدوام في الأكل هو عين التنعيم بما به يكون الغذاء للجسم فإذا أكل الإنسان حتى شبع فليس ذلك بغذاء، ولا يأكل على الحقيقة، وإنما هو كالجابي الجامع للمال في خزانته والمعدة جامعة لما جمعه هذا الآكل من الأطعمة، والأشربة فإذا اختزن ذلك في معدته، ورفع يده فحينئذ تتولاه الطبيعة بالتدبير، وينتقل ذلك الطعام من حال إلى حال، ويغذيه بها في كل نفس فهو لا يزال في غذاء دائم، ولولا ذلك لبطلت الحكمة في ترتيب نشأة كل متغذ ثم إذا خلت الخزانة من الأكل حرك الطبع الجابي إلى تحصيل ما يملؤها به وهكذا على الدوام هذا معنى أكلها دائم. وسمعته يقول: الناس في رؤية ربهم عز وجل على أقسام: منهم من يراه بباصر العين فقط، ومنهم من يراه بكلها، ومنهم من يراه بجميع، وجهه، ومنهم من يراه بجميع جسده، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ورثهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه، وكرمه آمين. وفي هذا القدر كفاية من كلامه رضي الله عنه، والحمد لله رب العالمين. ومنهم الشيخ ناصر الدين النحاس رضي الله تعالى عنه ورحمه صحبته نحو خمس عشرة سنة، كان من رجال الله المستورين، وكان على قدم التعب لا يذيق نفسه راحة، ولا شهوة، وكان يذهب كل يوم إلى المذبح يأتي بكروش البهائم، وطحالاتها، وشغتها في قفة عظيمة على رأسه يطعمها للكلاب العاجزين، والقطط، والحدادي، والغربان، وكانت داره مأواهم في غالب الأوقات، ورأيت حدأة عجوزا مقيمة في داره يوم موته فلما غسلناه، وحملناه خرجت معه طائرة على نعشه حتى دفناه في زاوية الشيخ على الخواص رضي الله عنه خارج باب الفتوح بمصر المحروسة، وسافر على التجريد من مصر ماشيا من غير زاد، ولا راحلة، ولا قبول شيء من أحد إلى مكة، وأخبرني بموت أخي أفضل الدين رحمه الله يوم مات، وقال مات أخونا أفضل الدين هذا اليوم، وغدا يدفن ببدر فلما جاء الحجاج أخبرونا أنه مات قبل دخول بدر بمرحلة، وحمل إلى بدر، ودفن بها رضي الله عنه بجوار قبور الشهداء، وكراماته كثيرة، ولكنا تركنا ذكرها لكونه كان يحب الخمول، وعدم الشهرة. مات سنة خمس، وأربعين وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ الكامل العارف بالله تعالى سيدي علي الكازروني رحمه الله

Bagian V02/P154–V02/P155

أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون شيخ سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه، كان رضي الله عنه كثير المجاهدة، والرياضة أخبرني رضي الله عنه أنه ربما يمكث الخمسة الشهور أو أكثر لا يضع جنبه بالأرض لا ليلا، ولا نهارا صحبته مدة إقامة الحج بمكة المشرفة نحو عشرين يوما سنة سبع، وأربعين، وتسعمائة وكذلك في حجتي سنة ثلاث وخمسين، وتسعمائة مدة الموسم، وانتفعت بكلامه، وإشاراته، ومواعظه، ودقائقه في علم التوحيد، وله رسائل نافعة في الطريق أطلعني على بعضها، وكان ذا تمكين، ومحبة لستر مقامه بين الناس حتى إن أهل مكة غالبهم ينكر عليه، ويقول هذا رجل محب للدنيا، وسبب ذلك ما أسره إلي، وقال لي هذه بلد الله، وحضرته الخاصة، وكل من تظاهر فيها بصلاح أقبل عليه الناس، وشغلوه عن ربه عز وجل فلما دخلت مكة على حالتي التي كنت عليها في الشام اعتقدوني، وأقبلوا علي فتظاهرت بحب الدنيا، وسؤالي لهم من الصدقات فنفروا عني فاسترحت رضي الله عنه. ومن كلامه رضي الله عنه الإرشاد على ثلاثة أقسام: إرشاد العوام إلى معرفة ما يجب على المكلف معرفته من الحدود، والأحكام من فروض العين والكفاية، وإرشاد الخواص إلى معرفة النفس، وهو معرفة الداء، والدواء فيما يرد على النفس، وعلى الضمائر من الخواطر. وإرشاد خواص الخواص، وهو معرفة ما يجب لله وما يجوز وما يستحيل، وتنزيه صفاته، وأسمائه، وذاته، وأفعاله. وقال رضي الله عنه الطريق إلى الله كمال الشهود ولزوم الحدود، وقال من ثبت له الاستقامة فقد أذن له في الكلام، وقال الوقوف مع المظاهر حجاب ظاهر، والترقي عن المظاهر كشف ظاهر، وقال من صدق ما يقال فيه من المذموم فقد سلك، ومن صدق ما يقال فيه من المحمود فقد هلك، وقال من كان مجاهدا فحقيق أن يكون مشاهدا، وقال من صدق في طلب الله لم يبال بترك ما سواه، ومن بالغ في مدح نفسه فقد بالغ في ذم غيره، ومن بالغ في ذم غيره فقد بالغ في مدح نفسه، وكان يقول فسق العارف في نهايته أن يتوسع، وينعم نفسه بالمباح فوق الكفاية وكان يقول من نفي فقد أثبت، ومن أثبت فقد نفي، ومن أثبت ونفي ثبت، وكان يقول ذكر منك إليه وذكر منه إليك، وذكر منه إليه لا منك، ولا إليك، وكان يقول من ادعى كمال الطريقة بغير أدب الشريعة فلا برهان له، ومن ادعى، وجود الحقيقة بغير كمال آداب الطريقة فلا برهان له، وكان يقول من زهد في فضول الثياب كان من الأحباب. وكان يقول إذا طلعت شمس المعرفة على وجود العارف لم يبق نجوم، ولا قمر، وإن وجد الأثر. وأن يقول من ترقي عن الخواطر الشيطانية قطع حجب العنصر الناري ومن ترقي عن الخواطر النفسانية قطع حجب العنصر الترابي، ومن ادعي الطاعة، وأخلص فيها ولم يقف مع حظوظ نفسه فيها قطع حجب العنصر المائي، ومن عرف الله في كل شيء، وبكل شيء، وعند كل شيء، ولم يقف مع شيء قطع حجب الهوائي، ومن ترقي عن الحجب النورانية فقد ترقي عن ملاحظة روحه القائم بصورته الجثمانية، وكان يقول من تفقه، ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف، ولم يتفقه فقد تزندق ومن تفقه، وتصوف فقد تحقق، وكان يقول كل ما خفي عن المظاهر ظهر إشراقه في الباطن، وكان يقول إذا تجاهل العارف قوي في الإخلاص، والسلامة من القواطع، وكان يقرر من غلب نفسه فلا غالب له ومن غلبته نفسه غلبه كل أحد، وكان يقول الفرق المجرد شرك خفي، والجمع المجرد جحود جلي، وشهود الجمع في الفرق كمال علي، وكان يقول البعيد في عين القرب، والقريب في عين البعد، وأجر القياس " والله يعصمك من الناس " وكان يقول في باطن الزهد طمع، وفي باطن الطمع زهد، وفي باطن الكبر تواضع وفي باطن التواضع كبر، وفي باطن الفقر غني، وفي باطن الغني فقر، وفي باطن العز ذل، وفي باطن الذل عز، وفي باطن الإيمان بالله كفر بغيره، وفي باطن الكفر بغيره إيمان به وأجر القياس " والله يعصمك من الناس ":

Bagian V02/P155–V02/P156

فكن كافر، وكن مؤمن ... ولا مؤمن، ولا كافر وكن باطن، وكن ظاهر ... ولا باطن، ولا ظاهر وكن أول، وكن آخر ... ولا أول، ولا آخر وكن حامد، وكن شاكر ... ولا حامد، ولا شاكر قلت: معناه الفناء عن شهود الكمالات على سبيل الافتخار بالله، والله أعلم: القصد رمز فكن ذكيا ... والرسم سر على الأشاير فلا تقف مع حروف رسمي ... كل المظاهر لنا ستاير وكان يقول كل مقام أو كل معنى يتعسر على السالك فإنما هو لبقية في، وجوده، ومن الإلباس أن يسأل عن ذلك المقام أو يكرر فيه النظر الفكري فان أراد أن يتضح له المعنى من غير طلب فليجتهد في إزالة تلك البقية، وكان يقول الهواء إذا مر على الجيفة حمل رائحتها، وإذا مر على المسك حمل رائحته وكذلك الماء يكتسب قيدا بواسطة مقره أو ممره فافهم، وكان يقول إنما خلق الإنسان أولا في أحسن تقويم لأنه كان عند الفطرة بلا شهوة فلما ابتلى بالشهوات رد إلى أسفل سافلين. وكان يقول: من نظر بعين الجمع كانت له الحقائق، والأسرار أفلاكا، ومن نظر بعين الفرق كانت المظاهر له أشراكا ومن عرف الواحد عند كل موجود في كل زمان فقد هدى إلى صراط مستقيم، وكان يقول: الحجاب بصورة الفعل عن ملاحظة الفاعل، ولو بقدر نفس واحد جحود خفي، وأجر القياس على سائر الحواس وكان يقول: الوقوف مع صورة الشيء من كل وجه شرك خفي، والاعراض عن الشيء من كل وجه جحود خفي فانف، ولا تنف، وأثبت، ولا تثبت آه آه آه، وكان يقول: الكمال في شهود الجمع إعطاء كل ذي حق حقه في مقام الفرق، وكأنه يقول: كل ذرة من الوجود معراج، والمربي جبريل السالك انتهى كلامه رضي الله عنه. مات سنة ستين، وتسعمائة رضي الله تعالى عنه. ومنهم الشيخ الإمام الكامل الراسخ الأمين على الأسرار العارف بالله تعالى، والداعي إليه الوارث الرباني النوراني الفرقاني العياني ذو المؤلفات الجليلة، والصفات الحميدة، والألفاظ الرشيقة والمعاني الدقيقة من شاع علمه في أقاليم مصر، وذاع. ومن كراماته، وصفاته قد شرفت البقاع، ومن يكل لسان، واصفه في بيان أوصافه الزكية، وشيمه المرضية الشيخ محمد الجاولي رضي الله عنه صحبته رضي الله عنه مدة فما رأيت عليه شيئا يشينه في دينه بل تربي في حجر الأولياء على وجه اللطف، والدلال كما قال الأستاذ سيدي علي بن وفا رضي الله عنه: فما عرفنا، ولا ألفنا ... سوى الموافاة، والوصال مات بمكة سنة نيف، وثلاثين، وتسعمائة رضي الله عنه آمين. ومنهم شيخنا، وقدوتنا إلى الله تعالى الإمام الصالح الورع الزاهد شمس الدين الديروطي ثم الدمياطي الواعظ

Bagian V02/P156–V02/P157

كان في الجامع الأزهر أيام السلطان قانصوه الغوري كان رضي الله عنه مهابا عند الملوك، والأمراء، ومن دونهم زاهدا، ورعا مجاهدا صائما قائما آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وقد حضرت مجلس، وعظه في الجامع الأزهر مرات فرأيته مجلسا تفيض فيه العيون، وكان إذا تكلم أنصتوا بأجمعهم، وكان يحضرها أكابر الدولة، وأمراء الألوف فكان كل واحد يقوم من مجلسه متخشعا صغيرا ذليلا رضي الله عنه، وكان إذا مر في شوارع مصر يتزاحم الناس على رؤيته، وكان من لم يحصل ثوبه رمي بردائه من بعيد على ثيابه ثم يأخذ رداءه فيمسح به على وجهه رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه يختفي إذا شاء في بيته أو غيره، وذكرت، والدته أنها كانت تضع ما يأكل، وما يشرب فيأكل وهي لا تراه إنما تسمع كلامه فقط، وكان شجاعا مقداما في كل أمر مهم، وخرج عليه مرة قطاع الطريق وهو في بحر دمياط فخاف أهل المركب فقال لهم الشيخ لا تخافوا ثم أشار إليها فتسمرت في الماء فلم يقدروا أن يحركوها فاستغفروا وتابوا، وقالوا للريس من معك فقال الشيخ شمس الدين الدمياطي فقالوا أخبروه أنا تبنا إلى الله تعالى فقال ميلوا إلى جانب البر، وأنتم تخلصون فمالوا فخلصوا رضي الله عنه. وحط مرة على السلطان الغوري في ترك الجهاد فأرسل السلطان خلفه فلما وصل إلى مجلسه مال للسلطان السلام عليكم، ورحمة الله وبركاته فلم يرد عليه فقال إن لم ترد السلام فسقت، وعزلت فقال، وعليكم السلام، ورحمة الله، وبركاته ثم قال علام تحط علينا بين الناس في ترك الجهاد، وليس لنا مراكب نجاهد فيها فقال عندك المال الذي تعمر به قطال بينهما الكلام فقال: الشيخ للسلطان قد نسيت نعم الله عليك، وقابلتها بالعصيان أما تذكر حين كنت نصرانيا ثم أسروك، وباعوك من يد إلى يد ثم من الله عليك بالحرية، والإسلام، ورقاك إلى أن صرت سلطانا على الخلق، وعن قريب يأتيك المرض الذي لا ينجع فيه طب ثم تموت، وتكفن ويحفرون لك قبرا مظلما ثم يدس أنفك هذا في التراب ثم تبعث عريانا عطشانا جيعان ثم توقف بين يدي الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ثم ينادي المنادي من كان له حق أو مظلمة على الغوري فليحضر فيحضر خلائق لا يعلم عدتها إلا الله تعالى فتغير وجه السلطان من كلامه فقال كاتب السر وجماعة السلطان الفاتحة يا سيدي الشيخ خوفا على السلطان أن يختل عقله فلما ولي الشيخ، وأفاق السلطان قال ائتوني بالشيخ فعرض عليه عشرة آلاف دينار يستعين بها على بناء البرج الذي في دمياط فردها عليه، وقال أنا رجل ذو مال لا أحتاج إلى مساعدة أحد، ولكن إن كنت أنت محتاجا أقرضتك، وصبرت عليك فما رؤى أعز من الشيخ في ذلك المجلس، ولا أذل من السلطان في هكذا كان العلماء العاملون، وقد صرف على عمارة البرج بدمياط نحو أربعين ألف دينار، ولم يساعده فيها أحد إنما كان يعقد الأشربة، ويتاجر في الخيار شنبر، ونحوه رضي الله عنه، ولم يأخذ قط معلوم وظيفة من وظائف الفقهاء، وكان ينفر طلبته من أكل أوقاف الناس، قبول صدقاتهم، ويخبرهم أنها تسود وجه قلوبهم رضي الله عنه. وله من المصنفات شرح منهاج النووي في الفقه، وشرح الستين مسألة، وكتاب القاموس في الفقه، وشرح قطعة من الإرشاد لابن المقري رضي الله عنه، وكان متواضعا مع من قرأ عليهم القرآن، وهو صغير ولم يصده ما وصل إليه من العلوم، والمعارف، والشهرة عن ذلك، ولقد رأيته مرة راكبا فنزل، وقبل يد أعمى تقوده ابنته فقلت له من هذا؟ فقال هذا أقرأني، وأنا صغير حزبين من القرآن رضي الله عنه فما أقدر قط أن أمر عليه، وأنا راكب، وأخبر زوجته أن، ولدها حمزة يقتل شهيدا، وأنه يأتيه مدفع فيطير رأسه معه فكان كما قال، وأخبر أن ولده سريا يعيش صالحا،

Bagian V02/P157

ويموت على ذلك، ولما حضرته الوفاة أخبر، والدته أنه يموت في تلك الرقدة فقالت له من أين لك علم هذا؟ فقال أخبرني بذلك الخضر عليه السلام فكان كما قال فكانت، والدته تخبر أنها لما حملت به رأت النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها كتابا فكان الكتاب هو الشيخ. وأخبرني، ولده سيدي سري فسح الله في أجله أن والدته رأت الشيخ بعد مماته فقالت له ما وقع لك مع منكر، ونكير فقال كلمونا بكلام مليح، وأجبناهم بجواب فصيح. توفي رضي الله عنه في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وتسعمائة وله من العمر نيف، وخمسون سنة رضي الله عنه، ودفن بزاويته بدمياط، ودفن عنده الأخ العزيز العارف بالله تعالى سيدي أبو العباس الحريثي رضي الله عنه. ومنهم الأخ الصالح الشيخ محمد السندناوي المحلي رحمه الله تعالى كان شابا صواما قواما قليل الكلام حسن السمت كريم النفس يحب الوحدة لا يمل منها، أحب إليه يجلس في المساجد المهجورة، والخرائب. اجتمع رحمه الله تعالى بالشيخ العارف بالله تعالى سيدي علي الدويب بالبحر الصغير بنواحي دمياط، وحصل له منه نفحات، وكساه جبته، وقال يا محمد ما فرح مني بذلك قط أحد غيرك وكانت له، والدة يبرها، ولا يكاد يرفع صوته عليها، وكان يقول لها هبيني الله عز وجل، والميعاد بيننا في الآخرة ليقطع طمعها منه، ومكث رضي الله عنه سنين عديدة يحج على التجريد ماشيا حافيا لا يسأل أحدا شيئا، ولا يقبله منه، وكان الغالب عليه السذاجة في أمور الدنيا، والحذق في أمور الآخرة، وكان كثير التوجه إلى الله تعالى قليل الكلام حسن المعاشرة لين الجانب لعامة المسلمين واسع الأخلاق لا يكاد أحد يغضبه، ولو فعل معه ما فعل، أخذ عنه جماعة من أهل الطريق، وانتفعت بمواعظ، وآدابه رضي الله عنه، وصحبته نحو خمس عشر سنة ما رأيت عليه شيئا يشينه في دينه رضي الله عنه. مات سنة ثلاث، وثلاثين، وتسعمائة، ودفن بسندفا بالمحلة الكبرى رحمه الله تعالى. ومنهم الشيخ الكامل المحقق سيدي أحمد الرومي رضي الله تعالى عنه المقيم بمصر العتيق تجاه مقياس نيل مصر المحروسة. صحبته رضي الله عنه نحو عشرين سنة، وكان كثير المجاهدات والرياضات أخبرني أن له سبع عشرة سنة لم يقرب من عياله اشتغالا بالله تعالى، وكان يقول: قد فعلنا السنة، وولدنا أولادا كثيرة، وحصل المقصود، وكان رضي الله عنه حسن السمت على الهمة كثير العزلة يحب الخمول، ويأخذ في أسباب الخفاء، ويقول ما بقي للظهور الآن فائدة فإن الفقير لا ينبغي له الظهور إلا لمصلحة الناس من أخذهم الطريق عنه، وقبول شفاعاته فيهم عند الملوك والأمراء، وما بقي عند الأمراء اعتقاد في أحد، ولا عند أحد من الفقراء همة يطلب بها السلوك في طريق الله عز وجل وكان له كل يوم من الجوالي، وغيرها نحو كذا كذا دينارا فينفقها كل يوم، ويتظاهر بجمع الدنيا ويقول نظهر الشمم على أركان الدولة صيانة للخرقة عن الانتهاك جهدنا رضي الله عنه، وكان محققا في علوم النظر غواصا في بحار التوحيد هينا لينا بشوشا غالب أيامه صائما، وربما طوى لأربعين يوما لا يأكل كل يوم غير تمرة أو زبيبة رضي الله عنه. مات سنة نيف وتسعين رضي الله عنه. ومنهم الشيخ الصالح العابد شاهين المحمدي رضي الله عنه

Bagian V02/P157–V02/P158

أحد أصحاب سيدي الشيخ العارف بالله تعالى سيدي عمر روشني بناحية توريز العجم رضي الله عنه، كان من جند السلطان الأعظم قايتباي رحمه الله، وكان مقربا عنده فسأله أن يتركه، ويخليه لعبادة ربه ففعل، وأعتقه فساح إلى بلاد العجم، وأخذ عن شيخه المذكور ثم رجع إلى مصر فسكن الجبل المقطم، وبنى له فيه معبدا، وحفر له فيه قبرا، ولم يزل مقيما فيه لا ينزل إلى مصر نحو ثلاثين سنة، وكان له الشهرة العظيمة بالصلاح في دولة السلطان ابن عثمان، وتردد الأمراء، والوزراء إلى زيارته، ولم يكن ذلك في مصر لأحد في زمنه وكان كثير المكاشفة قليل الكلام جدا تجلس عنده اليوم كاملا لا تكاد تسمع منه كلمة، وكان كثير السهر متقشفا في اللبس معتزلا عن الناس إلى أن توفاه الله تعالى سنة نيف، وتسعمائة رضي الله عنه. ومنهم الشيخ الصالح عبد القادر السبكي رحمه الله تعالى أحد رجال الله تعالى: كان من أصحاب التصريف بقرى مصر رضي الله عنه، وكان رضي الله عنه كثير التلاوة للقرآن كثير الشطح لا يصبر على معاشرته إلا أكابر الفقراء. وكان كثير التشعيث لمن عرف منه أنه يعتقده، وكان كثير الكشف لا يحجبه الجدران، والمسافات البعيدة من اطلاعه على ما يفعله الإنسان في قعر بيته وكان ليله كله تارة يقرأ، وتارة يضحك، وتارة يكلم نفسه إلى الصباح، وكان إذا ذهب إلى السوق يسخره أهل الحارة في قضاء حوائجهم فيقضيها لهم على أتم الوجوه، وكان له في خرجه وعاء واحد يشتري قيه جميع ما يطلبه الناس من المائعات فكان يضع فيه الشيرج، والعسل، والزيت الحار، وغير ذلك ثم يرجع فيعصر من الإناء لكل أحد حاجته من غير اختلاط، وكان له حمارة يجعل لها ولأولادها براقع على وجوهها، ويقول إنما أفعل ذلك خوفا من العين، وكان إذا لم يجد مركبا يعدي فيه يركبها ويسوقها على وجه الماء إلى ذلك البر، وكان يتكلم بالكلام الذي يستحي منه عرفا، وخطب مرة عروسا فرآها فأعجبته فتعرى لها بحضرة أبيها. وقال انظري أنت الآخرى حتى لا تقولي بعد ذلك بدنه خشن أو فيه برص أو غير ذلك ثم مسك ذكره، وقال انظري هل يكفيك هذا، وإلا فربما تقولي هذا ذكره كبير لا أحتمله أو يكون صغيرا لا يكفيك فتقلقي مني وتطلبي زوجا أكبر آلة مني، وكان له بنت يحملها على ظهره أي موضع ذهب حتى كبرت، وهو يحملها على كتفه، وهو يقول: خوفا من أولاد الزنا، وكان ربما ذهب ليغسل لها ثوبها في البركة فيحفر لها في الأرض، ويردم التراب عليها حتى ينشف ثوبها، وركب آخر عمره الخيول المسومة، ولبس لباس الأمراء، ووضع الريش في عمامته كالجاويش فكان كل من رآه يعتقد أنه جاويش، وكان الباشا داود لا يرد له كلمة، وكذلك الدفتردار وابن بغداد، وغيرهم من قضاة الشرع، وربما ادعى على بعض المنكرين عليه دعاوي باطلة في ظاهر الشرع، وحكم له القضاة بها لا يستطيعون مخالفته قهرا عليهم، وأخرب دورا كثيرة من المنكرين عليه رضي الله عنه لكونه كان كثير العطب. مات سنة نيفة، وتسعمائة. ومنهم الشيخ الصالح العابد أحمد الكعكي رضي الله عنه

Bagian V02/P158–V02/P159

كان عابدا زاهدا كثير الغوص في علم التوحيد لكن لسانه مغلق لا يكاد يفهم عنه، وكان أول ما يبلي من ثوبه موضع ركبتيه من كثرة السجود، والجلوس، وكان ورده في اليوم، والليلة نحو أربعين ألف صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واثني عشر ألف تسبيحة، وأحزابا، وأسماء، وربما دخل في ورده من اصفرار الشمس فما يقوم منه إلى ضحوة النهار، وكان كثير الشطح تبعا لشيخه سيدي الشيخ محمد الكعكي المدفون بالقلعة بزاويته بالقرب من سيدي سارية صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر على صحبته كل أحد، وكان الغالب عليه محبة الخمول، وعدم الشهرة، وكان لا يسكن إلا في الربوع بين السوقة، والمحترفين وينهي عن سكني الزوايا، والربط، ويقول: ما بقي أهل القرن العاشر يقدرون على القيام بحق الظهور. صحبته رضي الله عنه أكثر من عشرين سنة، وكان يخبرني بما يقع في بيتي وبما يخطر لي، وكان غالب الناس لا يعتقده لكثرة تشعيثه قولا لا فعلا تسترا لحاله رضي الله عنه. مات رضي الله عنه خامس عشر رجب سنة اثنتين، وخمسين، وتسعمائة، ودفن ببولاق في مقام العارف بالله تعالى سيدي حسين أبي علي رضي الله عنه. ومنهم الشيخ الكامل سيدي علي الهندي رضي الله تعالى عنه نزيل مكة اجتمعت به فيها سنة سبع، وأربعين، وتسعمائة، وترددت إليه، وتردد إلي، وكان عالما ورعا، وزاهدا نحيف البدن لا تكاد تجد عليه أوقية لحم من كثرة الجوع، وكان كثير الصمت كثير العزلة لا يخرج من بيته إلا لصلاة الجمعة في الحرم فيصلي في أطراف الصفوف ثم يرجع بسرعة، وأدخلني داره فرأيت عنده جماعة من الفقراء الصادقين في جوانب حوش داره كل فقير له خص يتوجه فيه إلى الله تعالى منهم التالي، ومنهم الذاكر، ومنهم المراقب، ومنهم المطالع في العلم ما أعجبني في مكة مثله، وله عدة مؤلفات منها ترتيب الجامع الصغير للحافظ السيوطي، ومنها مختصر النهاية في اللغة، وأطلعني على مصحف بخطه كل سطر ربع حزب في ورقة واحد، وأعطاني نصفي فضة، وقال لك المعذرة في هذا البلد فوسع الله علي الحج ببركته حتى أنفقت مالا عظيما من حيث لا أحتسب، رضي الله عنه. ومنهم الشيخ شعبان المجذوب رضي الله عنه كان من أهل التصريف بمصر المحروسة وأقعد آخر عمره في زاويته بسويقة اللبن إلى أن مات، وكان يخبر بوقائع الزمان المستقبل، وأخبرني سيدي على الخواص رضي الله عنه أن الله تعالى يطلع الشيخ شعبان على ما يقع في كل سنة من رؤية هلالها فكان إذا رأى الهلال عرف جميع ما فيه مكتوبا على العباد، وكان إذا اطلع على موت البهائم يلبس صبيحة تلك الليلة جلد البهائم البقر أو الغنم أو تسخير الجمال الجهة السلطنة يلبس الشليف الليف فيقع الأمر كما نوه به. وكان سيدي على الخواص إذا أشكل عليه أمر يبعث يسأله عنه، وكان رضي الله عنه يرسل يخبرني مع النقيب عن أحوالي الواقعة في الليل. وجاءني مرة امرأة من الريف تريد أن تفسخ نكاح ابنتها لكون زوجها غاب عنها مدة طويلة فباتت عندي من غير علمي فأرسل نقيبه لي من الفجر يقول لي يقول لك الشيخ لا تفرق بين رأسين في الحلال فعلمت أن زوجها سيرجع فأخبرت المرأة فرجعت عن ذلك، وجاء الأمر كما قاله، هذا، والمرأة لم تخاطبني بكلام، وإنما كانت مضمرة في نفسها أنها تحبرني بذلك بكرة النهار فعلم الشيخ بخاطرها رضي الله عنه.

Bagian V02/P159–V02/P160

وكان يقرأ سورا غير السور التي في القرآن على كراسي المساجد يوم الجمعة، وغيرها فلا ينكر عليه أحد، وكان العامي يظن أنها من القرآن لشبهها بالآيات في الفواصل، وقد سمعته مرة يقرأ على باب دار على طريقة الفقهاء الذين يقرءون في البيوت فصغيت إلى ما يقول فسمعته يقول، وما أنتم في تصديق هود بصادقين، ولقد أرسل الله لنا قوما بالمؤتفكات يضربوننا، ويأخذون أموالنا، وما لنا من ناصرين، ثم قال اللهم اجعل ثواب ما قرأناه من الكلام العزيز في صحائف فلان، وفلان إلى آخر ما قال؛ وكان رضي الله عنه عريانا لا يلبس إلا قطعة جلد أو بساط أو حصير أو لباد يغطي قبله، ودبره فقط، وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب، وكانت الخلائق تعتقله اعتقادا زائدا لم أسمع قط أحدا ينكر عليه شيئا من حاله بل يعدون رؤيته عيدا عندهم تحنينا عليه من الله تعالى رضي الله عنه، مات رضي الله عنه سنة نيف، وتسعمائة. ومنهم الشيخ الصالح المعتزل عن الناس بجامع آل ملك إبراهيم كان رضي الله عنه مقيما بالجامع المذكور نحو أربعين سنة صابرا على الوحدة حين خربت حارة الجامع ليلا، ونهارا شتاء وصيفا، وكانت الأكابر تتردد إليه تتبرك به، وكان يلبس العمامة أو الثوب لا يخلعها حتى تذوب عليه، صحبته نحو ثلاثين سنة. مات رضي. الله عنه سنة نيف، وتسعمائة. ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى محمد الصوفي رحمه الله تعالى نزيل مدينة الفيوم: كان رضي الله عنه من أكابر العارفين يأكل من عمل يده بالحياكة، وغيرها، ولا يقبل من أحد شيئا، وكان يحل مشكلات الشيخ محيي الدين بن العربي بأفصح عبارة، ومن كلامه رضي الله عنه: اعلم أن السير في الطريق سيران: سير إلى الله، وسير في الله فما دام السالك في المسالك الفانية التي هي طريق العدم فهو في السير إلى الله فإذا قطع كرة الوجود صار إلى المعبود، ولم تكن هذه الرتبة إلا من طريق الأسماء كما أشار إلى ذلك سيدي عمر بن الفارض رضي الله عنه بقوله: على سمة الأسماء تجري أمورهم ... وإن لم تكن أفعالهم بالسديدة ففي البداية أنت أنت، والاسم الاسم، وفي وسط الطريق تارة أنت، وتارة الاسم وفي النهاية أنت، ولا اسم فإن التخلق به يظهر فعله على ناسوتك لقوته فلا يرى منك إلا فعل الاسم فالمرئي أنت لا الاسم لقصور نظر الرائين، وأما النافذ البصر فهو يعرف قوة الإكسير يرجع صاحب هذا المقام به من غير مفارقة، ولا بعد مسافة، ولا قربها قال، وثم مقام يدخل به العبد إلى حضرة الرب من غير واسطة أسماء، وأطال في ذلك بكلام يدق على العقول رضي الله عنه، وكان يقول طي المعاني مجال أهل العلم الأكبر، وطي المحسوسات مجال أهل العلم الأصغر، وكان يقول الصفات، وإن كانت راجعة لعين واحدة فبعضها متوقف على بعض توقف ظهور لا توقف إيجاد لأنها زمام الباطن من حيث الظاهر، والباطن زمام لها من حيث إن الفيض لها لا تكون إلا منه، وانظر كم شخص يقول لا إله إلا الله فلا يحصل له فتوح أهلها، وكان يخبر أنه يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، يقظة أي، وقت أراد، وهو صادق لأنه صلى الله عليه وسلم، سائر في كل مكان وجدت فيه شريعته وما منع الناس من رؤيته إلا غلظ حجابهم، صحبته نحو خمس، وثلاثين سنة، وانتفعت بكلامه، وإشارته، رضي الله عنه. ومنهم الشيخ عبد العال المجذوب رضي الله تعالى عنه كان رضي الله عنه يلبس قميصا إنما كان يلبس إزارا صيفا، وشتاء، وكان مكشوف الرأس لم يزل محافظا على الطهارة، وكانت صلاته تامة بطمأنينة، وذيول كأنه جذع نخلة، وكان يمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيحصل للناس من إنشاده عبرة، ويبكون، وكان يطوف البلاد، والقرى ثم يرجع إلى مصر، وكان سواكه مربوطا في إزاره، وكفنه لم يزل مربوطا على بطنه إلى أن توفي، وكان يحمل إبريقا عظيما فيه ماء ويمر على الناس في شوارع مصر يسقيهم.

Bagian V02/P160

ولما دنت، وفاته دخل لنا الزاوية، وقال الفقراء يدفنون في أي بلد فقلت الله أعلم فقال في قليوب فكان الأمر كما قال بعد ثلاثة أيام، ودفن قريبا من القنطرة التي في وسط قليوب وبنوا عليه في سنة ثلاثين وتسعمائة، رضي الله عنه. ومنهم الشيخ خليل المجذوب رضي الله عنه أصله من قرية يقال لها المنيتين قريب من مليج، وشيبين، وكان عريانا، ولم يزل بالمنيتين إلى سنة أربعين، وتسعمائة فانتقل إلى شيبين فلما سافرنا إليها لعمارة الجامع بها، وجدناه مقيما بالبقعة التي عملنا فيها الجامع، وأخبرنا أهل شيبين أن له مدة سنة وهو يحفر حفرا في تلك البقعة، ويقول: الجامع الجامع فكان الناس لا يعرفون معنى كلامه حتى عمرنا الجامع في ذلك الموضع، ولما وصلنا في المركب إلى ساحل البحر خرج من شيبين، وتلقانا، وهو يضحك، وأظهر السرور، ولم يزل حولنا حتى عمرنا الجامع، وظهرت له كرامات خارقة، وكشوفات صادقة رضي الله عنه، وكان له طونس ساقية لم يزل خارقه في عنقه ليلا، ونهارا نحو قنطار، وكان يطوف حول بلده طول النهار، ويزغرت، وتارة يصيح، وتارة يصمت، ورأيته مرة من بعيد، وهو صاعد كوم بلده فقلت في سري يا ترى هل هو أحمدي أم برهامي فصاح يا دائم يا دائم يشير إلى أنه برهامي رضي الله عنه. مات رضي الله عنه سنة نيف، وتسعمائة، ودفن ببلده بشيبين رضي الله عنه. ومنهم الشيخ عامر المجذوب رضي الله تعالى عنه أصله من قرية يقال لها البيجور ثم انتقل إلى ناحية سرس، ومنوف، وكان شأنه الصمت ليلا ونهارا، وكان عامة نهاره، وليله واقفا على كوم عال ومعه طوق حجر طاحون يحركه بين رجليه، وهما مفرقتان، وكانت له عمامة نحو قنطار لا يستطيع أحد أن يضعها على رأسه من ثقلها يجمعها من شراميط الكيمان، وقد أخبرني الشيخ الصالح أحمد السطيحة أنه لما سافر إلى صعيد مصر عارضة فقراء الصعيد من أهل الباطن، وأنه استنجد بسائر الأولياء فما أجابه، وخلصه سوى الشيخ عامر هذا رضي الله عنه، وكان لا يأكل إلا إذا وضعوا له الأكل، وإن لم يطعمه أحد يصبر، ولو شهرا. مات رضي الله عنه في سنة نيف، وتسعمائة. ومنهم الشيخ عمر المجذوب رضي الله عنه كان رضي الله عنه مقيما بسوق أمير الجيوش بمصر المحروسة، وكان كثير المكاشفات، ومن جملة ما وقع لي معه أنني لما سافر السلطان قانصوه الغوري إلى مرج دابق سنة قتل في معركة ابن عثمان قلت له يا شيخ عمر هل يدخل السلطان ابن عثمان مصر قال نعم، ويمر من هذا المكان، وهنا موضع حافر فرسه فحفظنا عليه ذلك القول حتى دخل السلطان سليم مصر، ووقع حافر فرسه في ذلك الموضع الذي عينه رضي الله عنه، وكان يخبر بالأمور المستقبلة، ومن يتولى من الولاة أو يعزل أو يموت، وكان إذا نام لا يضع رأسه عن الأرض إلى الصباح، وكان ليله كله سهران، كان إذا لبس القميص لا ينزعه حتى يذوب، وكان على رأسه عرقية بيضاء فقط من غير قلنسوة، ولا عمامة، صحبته نحو ثلاثين سنة. مات رضي الله عنه سنة نيف، وتسعمائة. ومنهم الأخ الصالح الورع الزاهد الشيخ سلمان الحانوتي رضي الله عنه مكث نحوا من سبعة وثلاثين سنة لا يضع جنبه الأرض كما أخبر بذلك على سبيل التحدث بالنعم، كان أكثر إقامته في المساجد المهجورة، والبساتين الخراب ليلا، ونهارا، وكانت ثيابه تارة رثة، وتارة كثياب القضاة التجار، ولونه تارة، تجده أحمر كالقرمزي، وتارة أصفر متحولا، تارة تجده أسمن ما يكون، وتارة أهزل ما يكون، وكان يخبرني بوقائعي في الليل واحدة كأنه جالس معي فيها، وكان يحب الخمول وعدم الشهرة فكل مكان عرف فيه انتقل منه وكان تارة تجده في بركة الحبش وتارة في الريدانية وتارة، في الجزيرة الوسطانية، وكان يدخل مصر أبدا إنما هو حواليها ينتقل من ناحية إلى ناحية وبني خصه بالطوب من غير طبن فكان كل ساعة ينهدم، ويبنيه ثانيا، وثالثا، وهكذا، ولا يمكن أحدا يبنيه بالطين. مات رضي الله عنه سنة نيف، وتسعمائة.

Bagian V02/P160–V02/P161

ومنهم الشيخ الصالح السني المحمدي شهاب الدين بن داود بن المنزلاوي رضي الله عنه كان رضي الله عنه ملازما للعمل بالكتاب، والسنة، ما رأت يعني بعد الشيخ محمد بن عنان أضبط للسنة منه، وكان يقول من أراد حفظ السنة فليعمل بها فإنها تتقيد عنده، ولا ينساها، وكان يدرس العلم، ويقرأ كتب التصوف في زاويته على بحيرة دمياط، وكان موردا للضيوف الواردين من دمياط، والصادرين، وكان ربما لم يجد شيئا للضيف غير الأرز فيعلق الدست، ويضع الماء يغليه، ويطعمه للضيف فيقول له ما أطيب لبن هذا الرز فيقول الشيخ سبحان الستار، صحبته رضي الله تعالى عنه نحوا من أربعين سنة ما رأيته قط زاغ عن السنة في شيء من أحواله. مات سنة إحدى وخمسين وتسعمائة عن نيف وثمانين سنة رضي الله تعالى عنه. ومنهم الشيخ الصالح العابد الزاهد الشيخ علي العياشي رضي الله عنه كان من أجل أصحاب سيدي أبي العباس الغمري رضي الله عنه، ومكث رضي الله عنه نحو نيف، وسبعين شنة لا يضع جنبه الأرض إلا من مرض شديد، وكان اشتغاله دائما ليلا، ونهارا، من قراءة إلى ذكر إلى صلاة، وكان ينظر إبليس، ويضربه بالعصا فقال يوما إني لا أخاف من العصا، وإنما أخاف من نور القلب، وجلس معنا ليلة في مجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجمعة فأخذ عصاه، وضرب بها إنسانا في المجلس فقال: لم ضربتني فقال له؛ إنما ضربت الشيطان الذي رأيته راكبا على عنقك، ورجلاه مدلاتان على صدرك، وكانت الأولياء الأموات يزورونه كثيرا لا سيما الإمام الشافعي رضي الله عنه فكان يخبر كل قليل أنه كان عنده يقظة لا نوما، وكان من لا يعرف حاله يقول هذا خراف، ورأيته مرة افتتح القرآن من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر فقرأ خمسة أحزاب فقط بترتيل، وتكرارا، وكنا ونحن شباب نقوم من الليل فنجده قائما يصلي هكذا على الدوام، وما رأيت له قط فروة يجلس عليها، ولا مخدة، ولم يزل على ذلك إلى أن كف بصره أواخر عمره فلم ينقص من أوراده شيئا، وكان إذا لم يجد من يوضئه تأتيه الأولياء فيوضئونه فيقول وضأني الإمام الشافعي رضي الله عنه هذا الوقت وضأني فلان وضأني فلان ويصلي بذلك الوضوء، وكان يعض الناس ينكر ذلك حيث لم ير من يوضئه، ويقول هذا خف عقله رضي الله عنه، مات رضي الله عنه سنة نيف، وتسعمائة. وليكن ذلك آخر الطبقات، وقد أحببت أن ألحقها بذكر نبذة صالحة من أحوال العلماء العاملين من أهل مذهبنا فقط تبركا بذكرهم، ونشرا لعبير مسكهم رضي الله عنهم فأقول، وبالله التوفيق كان أبو بكر بن إسحاق الضبعي لا يترك قط قيام الليل في سفر، ولا حضر، ولا صيف، ولا شتاء، وكان إماما في جميع الحلوم، وكان ابن الصباغ رضي الله عنه حافظ للمذهب صائم الدهر، وكان القمولي رضي الله عنه لا يفتر قط عن قول لا إله إلا الله. وكان أبو العباس الدبيلي رضي الله عنه يصوم دائما، ويدرس القرآن دائما، ويخيط بالنهار فإذا أمسى صلى المغرب واشتغل بالفقه رضي الله عنه. وكان أبو زيد المروزي رضي الله عنه متقشفا زاهدا، وكان أصحابه رضي الله عنهم يقولون خالطناه إلى أن مات فما نظن أن الملائكة كتبت عليه خطيئة رضي الله عنه. وكان الإمام ابن الحداد يختم كل يوم، وليلة ختمة، ويصوم يوما، ويفطر يوما، ويختم كل جمعة ختمة أخرى في ركعتين في الجامع قبل الصلاة سوى التي يختمها كل يوم رضي الله عنه. وكان الإمام أبو جعفر الترمذي رضي الله عنه نفقته أربعة دراهم في كل شهر، وكان لا يسأل أحدا قط رضي الله عنه وربما كان رضي الله عنه يتقوت بحبة زبيب كل يوم، وكان مع ذلك شجاعا رضي الله عنه، وكان الإمام ابن خزيمة رضي الله عنه يضرب به المثل في الأدب لا سيما مع شيخه البوشنجي حتى إنه سئل عن مسألة وهو في جنازة فقال لا أفتي حتى أواري أستاذي التراب رضي الله عنه.