İbn Abbâd er-Rundî — Gaysü'l-Mevâhib (Şerhu'l-Hikemi'l-Atâiyye)
فقال : أخاف أن تشغلنى حلاوتهما عن الله سبحانه » وقال سيدي أبو العباس المرسي ؛ رضي الله عنه : اللطف حَجاب عن اللطيف « يعني : السكون إليه والوقوف عنده وشدة الفرح به» ١ وكذلك قال سرى السقطي » رضي الله عنه : « لو أن رجلا دخل إلى بستان فيه من جميع ما خلق الله تعالى من الأشجار ء عليها من جميع ما خلق الله من الأطيار » فخاطبه كل طائر منها بلغته وقال : السلام عليك يا وليّ الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان في أيديها أسيرا » . وقال بعضهم : « لا يكون الصوفيّ صوفيا حتى لا تقلّه أرض ولا تظله سماء » ولا يكون له قبول عند الخلق » ويكون مرجعه في جميع أموره إلى الحق » . وقيل : « الفقير : من لا دنيا له ولا آخرة ؛ فإن عرض على مالك قال : ليس من رجالي . وإن سلم إلى رضوان قال : لا أهتدى أليه وليس من رجالي . وإن قلت : من هو ؟ 1 » بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج شاب قد أحرقه السموم « 1 » والرياح » فلما نظر إلي ولى هاربا » فتبعته » وقلت له : عظني بكلمة . فقال : احذره ؛ لأنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبد سواه » . ١ وكتب الجنيد » رضي الله تعالى عنه » إلى بعض إخوانه : من أشار إلى الله وسكن إلى غيره ابتلاه الله وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه » فإن انتبه وانقطع ممن سكن إليه ورجع إلى ما أشار إليه كشف الله ما به من المحن والبلوى » وإن دام على سكونه نزع الله من قلوب الخلق حدصي وألبس لباس الطمع فتزداد رغبته فيهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فتصير حياته عجزا » وموته كمذا . ومعاده اهنا ؛ وعرة دنه من السكرن لغيرة” 4 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده » جعله لك عدوا ليحوشك به إليه» و حرك عليك النفس لتديم إقبالك عليه ). الشيطان عدرٌ مسلط على الإنسان » ومقتضى ذلك أن لا يوجد منه غفلة ولا فترة عن التزيين والإغواء والإضلال . قيل لبعضهم : أينام إبليس ؟ فقال : لو نام لوجدنا راحة . امت ا 0 ل 2 313 تفيل انك عدن تافايتك 21 رلته مز وك وذلك : بتحقيق عبوديتك له وتوكلك عليه . وافتقارك في كل أحوالك إليه » واستعاذتك به من شرٌ عدوّك وعدوٌه » فبذلك تخرج من سلطنته » وتنجو من غائلته » قال الله تعالى :إِنَّ 003 154 » 294 « عِبادِي لَيِسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطانٌ وَكفى بِرَبّكَ وَكِيلّا [ الإسراء : 65 ] وقال عز وجل 0 : 99 ]. فمن تحقق بهذا الصفات العليّة » ومن : الإيمان باللّه تعالى » والعبودية له » والتوكل عليه » اللجاء و الافتار اليه ء و الاستعاذة و الاستجار : يه ؛ كيفك يكون لغدر الله عليه ملطان ؟ 1 الله حبيبه وولي حفظه ونصره . ١ ولولا ما أمرهم الله تعالى بالاستعاذة منه ما استعاذوا منه » ومن هو حتى يستعاذ بالله منه ! ! قال سيدي أبو العباس المرسي » رضي اله تعالى عنه . فر ذرله تعالى إنَّ التتيُطان لَكُمْ عَدُوٌ فَانَخِدُوهُ عَدُوَا[ فاطر 6د قوم فهموا من هذا الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب . وقوم فهموا من ذلك أن الشيطان لكم عدوٌ أي وأنا لكم حبيب فاشتغلوا بمحبته فكفاهم من دونه. وقال أبو حازم » رضي الله تعالى عنه : ومن الشيطان حتى يهاب ؟ ! واللّه لقد أطيع فما نفع .
ا ل 0 وقال بعضهم : الشيطان منديل هذه الدار » يعني : يمسح به أقذار النسب » وهي نسبة الشرور ل وهذا سر إيجاده » كما قال الله تعالى :وما أَنْسانِية إِلّا الشَئِطانُ أن أَذْكْرَهُ [ الكهف : 63 ] . وقوله تعالى :هذا مِنْ عَمَلِ الشَيْطانٍ وأما أن له حولا وقوّة يضر بها أو ينفع فلا . قال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : ما خلق الله عرّ وجل خلقا أهون عليه من إبليس » ولولا أن الله أمرني أن أتعوّذ منه ما تعوّذت منه أبدا . وقيل لبعض العارفين : كيف مجاهدتك للشيطان ؟ فقال : « وما الشيطان ! ! نحن قوم صرفنا هممنا إليه فكفانا من دونه » وسئل بعضهم : بم تدفع إبليس فقال : لا أدفع من لا أعرف . بالوسوسة إليك . قال أهل العلم : إن لكل أحد من الناس وسواسا موكلا به » مستبطنا قلبه » واضعا رأسه [ أو قال : خرطومه ] فإذا غفل العبد وسوس » وإذا ذكر الله خنس : أي تأخرٌ واستتر . وقال يحيى بن معاذ » رضي الله تعالى عنه : « الشيطان قديم وأنت حديث » والشيطان كسير وأنت سليم الناحية » والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه » وله من نفسك عليك عون 1 0055 » 285 « وقيل : صدر ابن آدم مسكن له » ومجراه من ابن آدم مجرى الدم . رات ار ا يمرن انيما ! وقال مالك بن دينار » رضي الله عنه : « إنّ عدوًا يراك ولا تراه لشديد المؤنة » إلا من عصمه الله » « 1 » وفيه يقول القائل : أشكو عدوًا كيده براني ولا أراه حيثما يراني < 2 » وعندما أنساه لا ينساني يا سيدي إن لم تغث سباني وقال ذو النون المصري » رضي اللّه عنه 7550 حيت 1 يرى الله فاستكن باش عليه وعن أبي سعيد الخدري » رضي الله تعالى عنه » قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « قال إبليس لربّه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوى بني آدم ما دامت الأرواح فيهم » قال له ربّه : وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني » « 3 » . جعله لك عدوا ليحوشك « 4 » به إليه » وحرّك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه . ل ل ا ار لا لم ا ل ا 1 ا ل لك وأن يبذل جهده في محاربتك ومقاتلتك بنفسه وبجنده » وبخيله وبرجله » ولا طاقة لك على مقاتلته لدت سك فض احص المدر تارك تن ل عيالة إلى اناب يه سريت القوى المتين » فيوجد منك حينئذ الالتجاء إليه والانتصار به » والتوكل عليه في دفعه عنك . فعداوة الشيطان هي التي ردّك الحمد تعالى بها إليه » وجمعك بها عليه 0000 وكذلك حركة النفس عليك بالحمل على متابعة الهوى والشهوة » بما جعل فيها من الطبع والجبلّة بعنة عطارية ايضيا : وان كات اهدي الأعداء لك ؛ ١ بو اسطتيها بتو صاون اليك ؛ بعر ها يعملواق فيما يعود بالضرر عليك من قبل أنك لا تقدر على مجاهدتها وقمع هواها الممتزج : بلحمك ودمك ا بمن هو أقوى منك » وليس ذلك إلا مولاك » فقد دعاك بهذا إلى دوام الإقبال عليه » والعكىوف بالهمٌ عليه . (1 ) أخرجه الترمذي ( قيامة » 21 ) . (2 ) براني : أضعفي وهزلني . ((3 ) أخرجه أحمد بن حنبل ( 3 ٠» 29 ١» 41 ) . ( 4 ) حاش القوم الصيد : جاؤوه من حواليه ليصرفوه إلى الحبالة .
006 44 « 296 » وكأن المؤلف - رحمه الله تعالى - قصد في هذه الكلمات إلى ذكر الأعداء الأربعة المذكورين في قول الشاعر : لس إبليس » والدنيا » ونفسي » والهوى يا رب أنت على الخلاص قدير وبيّن في كلامه وجود عداوتهم ووجوه الاحتراز منها » وتمم ذلك ببيان أن تلك العداوات » وإن عظمت ٠؛ من أعظم الوسائل إلى أسنى المطالب لمن أريد بذلك ووفق له . وأتى بجميع ذلك في ألفاظ بديعة مختصرة » وجيزة محرّرة » فاعرف قدر هذا الفصل ؛. واعترف لواضعه يكمال الثيل و الفضيل , 5 - ثم ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبر حقا إذ ليس التواضع إلا عن رفعة » فمتى أثبتَ لنفسك تواضعا فأنت المتكبر حقا . ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع » ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع ). إثبات التواضع يقتضي وجود الرفعة لا محالة ؛ إذ لو كانت معدومة لكان ضدّها وهو الضّعة »؛ ثابتا موجودا ولا ينتفي عن العبد التكبر إلا بوجود الضعة » ووجود الضعة لا يحتاج إلى إثبات من العبد ؛ لأنه ثابت في نفسه » فالتواضع الذي أثبته العبد لنفسه لا ينفي عنه وجود التكبّر بالضرورة . وأيضا ء فإن لفظة « التواضع » تؤذن بذلك ؛ فإن التواضع تفاعل من « الضّعة » وأكثر باب وغير ذلك . فصيغة التواضع لا تقتضي حقيقة الضعة وعدم الرفعة » ولا يلزم من وجودها ذلك . والمطلوب من العبد إنما هو أن يتصف بذلك حقيقة لا إظهارا فقط » بأن ينتفي عنه وجود الرفعة بالكلية » وحينئذ يبرأ العبد من التكبّر ولا يكون له وجود البتة . ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه فوق ما صنع » ولكن المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنه دون ما صنع. هذا بيان آخر لما ذكره من أن العبد المتواضع حقيقة لا يثبت التواضع لنفسه حقيقة ؛ لأنه يشاهد من ضعة قدره وخمول ذكره وذلته ومهانته ما يمنعه من ذلك . وهذا هو التواضع الحقيقي » وهو : شهوده لذلك » ووجده به وظهور آثاره على ظاهره » بل شهوده لذلك ووجده به مما يقدح في حقيقة تواضعه » كما قال الشيخ أبو عبد الله القرشي » رضي الله تعالى عنه : « من وجد ذوق ذلّه في ذلّه فهو متعزز » وفيه بقية » . 008 009 « 297 » بذلك لنفسه تواضعا ؛ لأنه يرى نفسه دون ما صنع من ذلك لغلبة ذلك الشهود والوجد عليه » فإن أثبته لنفسه » ورأى أن نفسه فوق ما صنع مما يقتضي وجود صفة التواضع له بزعمه فهو متكبر ذلى عطل ذل البهرد »” وقال : « من رأى لنفسه قيمة فليس له من التواضع نصيب » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لا يتواضع العبد لله حتى يعرف نفسه » . وقال أبو يزيد » رضي الله تعالى عنه : « ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبّر » قيل : فمتى يكون متواضعا ؟ قال : إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا » وتواضع كل أحد على قدر معرفته بربه وبنفسه » . وقال أبو سليمان الداراني » رضي الله تعالى عنه : « لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما قدروا عليه » . وقال أبو يونس بن عبيد الله » رضي الله تعالى عنه » وقد انصرف من عرفات : « لم أشك في الرحمة لولا أني كنت فيهم » . وقيل لمحمد بن مقاتل :119 © > <زاادخ الله لنا". فبكى » وقال : يآ ليتني لم أكن أنا سَبب اهلاككم ».
ومن علامات التحقق بهذا الخلق أن لا يغضب إذا عيب أو تنقص », ولا يكره أن يدم ويقذدف بالكبائر . ومن علامات تحققه به أيضا أن يشتد حرصه على أن لا يكون له جاه وقدر عند الناس ويلتزم الصدق في حاله بأن لا يرى لنفسه موضعا في قلوبهم » وقد تقدّم هذا المعنى عند قوله : [ ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ] . ل ا ار ا اال ا ل م بن م ا ته مرات إلى طعامه وهو يطرده ثم يردّه فيرجع إليه بعد ذلك » حتى أدخله داره في المرّة الرابعة فقال : قد ريّضت نفسي على الذلٌ عشرين سنة حتى صارت بمنزلة الكلب يطرد فينطرد » ثم يدعى فيعود » ويرمى له عظم فيجيب ولو رددتني (1 ) محمد بن مقاتل ٠ أبو جعفر العباداني » أحد المشهورين بالصلاح والفضل والسنة » روى عن حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك » وروى عنه موسى بن هارون الحافظ وغيره . مات ل ا ل 258117 0100 » 298 « خمسين مرة ثم دعوتني بعد ذلك لأجبتك ! ! » . قال أبو طالب المكّي » رضي الله تعالى عنه ل ا 0 وهو يأكل » فمدٌ يده وقال : إن كان ثمّ شيء لله تعالى ؟ فقال : اجلس فكل . "اعظ دراك . فأعطاه في كفه . فقعد في مكانه يأكل » فسأله عن امتناعه من الجلوس ل 00 : إن حالى مع الله الال فكرهت أن أفارق حالي ؛ قال : وكان هذا ربما مذ يده إلى الهرّاس « 1 » فيجعل فيها هريسته . ومن أغرب ما رأيت في التواضع ما ذكره صاحب كتاب « عوارف المعارف » قال : « رأيت شيخنا ضياء الدين أبا النجيب » وكنت معه في سفره إلى الشام » وقد بعث بعض أبناء الدنيا له طعاما على رؤوس الأسارى من الإفرنج وهم في قيودهم » فلما مدت السفرة والأسارى ينتظرون ا له السفرة ل ل ان 0 » وظهر لنا على وجهه ما نازل باطنه من التواضع لله تعالى والانكسار في نفسه » وانسلاخه من التكّر عليهم بإيمانه وعلمه وعمله » . وأغرب من هذا ما ذكره صاحب كتاب « بغية الطالب ومنية الراغب » أبو الحسن علي بن عتيق بن يوسف القرطبي « 2 » » رحمه اللّه تعالى » عن أبيه أنه رأى الشيخ الفقيه أبا محمد بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن مفيد » وكان من الفقهاء العلماء » وهو يمشي في يوم شات كثير . الل و سسه كي ني ع الطرين الك كار عه قال : فرأيته قد لصق بالحائط وعمل للكلب طريقا ووقف ينتظره ليجوز » وحينئذ يمشي هو ء فلما قرب منه الكلب قال : فرأيته قد ترك مكانه الذي كان فيه ونزل أسفل وترك الكلب يمشي فوقه . قال : فلما جاوزه الكلب وصلت إليه فوجدته وعليه كابة فقلت له : يا سيدي » إني رأيتك صنعت الآن شيئا استغربته » كيف رميت بنفسك في الطين وتركت الكلب يمشي في الموضع النقيّ ؟ , ْ فقال لي : بعد ان عملت له طريقا تحتي تفكرت », فقلت : ترفعت على الكلب وجعلت نفسي أرفع منه » بل هو واللّه أرفع مني وأولى بالكرامة ؛ لأني عصيت اله تعالى وأنا كثير الذنوب » والكلب لا ذنب له » فنزلت له عن موضعي وتركته يمشي عليه » وأنا الآن أخاف المقت من الله إلا أن يعفو عني ؛ لأني رفعت نفسي على من هو خير مني . (1 ) الهرّاس : صانع الهريسة وبائعها والهريسة : نوع من الحلوى يصنع من الدقيق والسمن والسكر . (2 ) انظر ترجمته في الأعلام 4 / 310 .
1601 002 ا 299 » 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( التواضع الحقيقي هو ما كان ناشئا من شهود عظمته » وتجلي صفته ). شهود عظمة الله تعالى » وتجلّي صفته هو الذي يوجب للعبد وجود التواضع الذي ذكرناه ؛ لأ ا ا ال ا تنقلع من القلب شجرة حب الرياسة والكبر إلا به » لا بما يتكلّفه العبد ويتعاطاه بنفسه من أعمال وأحوال . 1 قال الجنيد » رضي الله تعالى عنه : « التواضع عند أهل التوحيد تكبّر » . وقال الشيخ أبو حامد الغزالي » رضي الله تعالى عنه : « ولعل مراده : أن المتواضع يثبت نفسه ثم يضعها » والموحد لا يثبت نفسه ولا يراها شيئا حتى يضعها أو يرفعها » . وقال ذو النون المصري » رضي الله تعالى عنه : « من أراد التواضع فليوجّه نفسه إلى عظمة. الله ؛ فإنها تذوب وتصغر , ومن نظر إلى سلطان الله تعالى ذهب سلطان نفسه ؛ لآن النفوس كلها حقيرة عند هيبته » ومن أشرف التواضع أن لا ينظر إلى نفسه دون الله تعالى » . وفي كتاب « عوارف المعارف » : « ا ل ا ا فك لك غش الكبر والعجب فتلين وتنطبع للحق وللخلق بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها . 7 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يخرجك عن الوصف إلا شهود الوصف . المؤمن يشغله الشاغل لله عن أن يكون لنفسه شاكراء و تشغله حقوق الله عن أن يكون لحظوظه ذاكرا ). هذه عبارة مليحة موافقة لمعنى ما تقدم الآن » فالوصف المذكور أوّلا وصف العبد » والوصف المذكور ثانيا وصف الرب تبارك وتعالى . المؤمن يشغله الثناء على الله تعالى عن أن يكون لنفسه شاكرا وتشغله حقوق الله عن أن يكون لحطوطة زاكر ا , شكر النفس رؤية نسبة الأفعال الجميلة والأحوال الحميدة إليها » وذلك ثناء عليها » وهو مضادّ الشاء على الله تعالى رذكر حطها در اغتداد إن لها حذا على ما ينكله من اللاغات ؛ وهر مضا للقيام بحقوق الله تعالى . 000 قيقي لا يلتفد” إلى نفسه في نسبة شيء من المحاسن إليها » وفي طلب حظ عليه لها . بل يشغله الثناء الله تعالى والحرص على توفية حقوقه عن جميع ذلك . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : 003 164 » 300 « المحبة تقتضي من المحبّ بذل كلياته وجزئياته في مرضاة محبوبه من غير طلب حظ يناله منه ؛ فهذا مما يلزم وجود المحبة » كما قيل : إن المحبّ إذا أحب حبيبه تلقاه يبذل فيه مالا يبذل بل يرى ما فعل من ذلك غاية الحظ . وموافقة رضا محبوبه نهاية السعادة والبخت ؛ كما قال أبو حفص عمر بن الفارض « 1 » »: رحنةاه ددالى : مالي سوى روحي ؛, وباذل روحه في حب من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني يا خيبة المسعى إذا لم تسعف ولالك قن المحة : الإيثار » وهو أن لا يدع لمحبوبه ميسورا إلا بذله » ولا ممكنا إلا استعمله » در ا ل ل ل ل وأنشدوا ” لنن بقيت في العين مني قطرة فإني إذن في العاشقين ذليل وقال أبو عبد الله القرشي » رضي الله تعالى عنه : " حقيقة المحبّة أن تهب كلك لمن أحببته حتى ليد اك م لا وقال أبو يعقوب السوسي ؛ رضي ! الله تعالى غن2 7" حقيقة المحتّة أن يندس العبد حظة من الله تعالى وينسى حوائجه إليه " . وقيل لبعض المحبّين » وكان قد بلغ المجهود في بذل ماله ونفسه حتى لم يبق منه بقية : ما كان و ل ل ع د 5 00 فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأيّ شيء تنفق عليّ ؟
فقال : يا سيدي » أملّكك ما أملك ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك » ؛ فقلت : هذا خلق لخلق » وعبد لعبد » فكيف بخلق لخالق » وعبد لمعبود ؟ فكان هذا سببه » فهذا الذي ذكرناه من لوازم المحبّة الحقيقية . اي 100 (1 ) عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل . المصري المولد والدار والوفاة ( 576 - 32 ه - 1181 - 1235 م ) أبو حفص وابو القاسم شرف الدين بن الفارض » أشعر المتصوفين يلقب بسلطان العاشقين » في شعره فلسفة تتصل بما يسمى « وحدة الوجود » . ( الأعلام 5 / 55 » وشذرات الذهب 5 / 149 - 153 ) . 005 « 301 » كو الم 1713 الاك : من لم يكن بك فانيا عن حظه وعن الهوى وعن الأنس بالأحباب فاديه بين لمر اتيب واقي 7 مال حار لحس با قال آخر : وما أنا بالباغي على الحبٌ رشوة ضعيف هوى يرجو عليه ثوابا قال أبو محمد رويم : " من أحبّ العوض بعْض العوض إليه محبوبه " . وقيل : أوحى الله عز وجل إلى عيسى » على نبينا وعليه الصلاة والسلام : « إني إذا اطلعت على قلب عبد فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبّي " وقال بعض المحبين : « كوشفت بأربعين حوراء ٠ رأيتهنٌ يتساعين في الهواء عليهنٌ ثياب من ذهب وفضة وجوهر يتخشخشن ويتثنين » فنظرت إليهن نظرة » فعوقبت أربعين يوما » قال : ثم كوشفت بعد ذلك بثمانين حوراء فوقهنٌ في الحسن والجمال . رقفل لى : انظر إليهنّ . قال : فسجدت وغمضت عيني في سجودي لثلا أنظر إليهنّ . وقلت : أعوذ بك مما سواك لا حاجة لي بِهِنّ » فلم أزل أتضرع إلى الله تعالى حتى صر فهنٌ عني وذكر الشيخ الحافظ أبو نعيم رضي الله عنه قال : « قال « ميسرة » « 1 » الخادم غزونا في بعض الغزوات فإذا فتى إلى جانبي » وإذا هو مقنْع بالحديد » فحمل على الميمنة حتى ثناها : وعلى الميسرة « 2 » حتى ثناها » وحمل على القلب حتى ثناه » ثم أنشد يقول : أحسن بمولاك سعيد ظنا هذا الذي كنت له أتمنى تنح يا حور الجنان عنا مالك قاتلنا ولا قتلنا كن إلى سديد كن اشتقدا 8" قا لعل ال وها 1 56 قال : فحمل » فقاتل حتى قتل منهم عددا كثيرا » ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدوٌ فإذا هو قد حمل على الناس » وأنشأ يقول : قد كنت أرجو ورجاتي لم يخب أن لا يضيع اليوم كدي والطلب يا من ملا تلك القصور باللعب لولاك ما طابت ولا طاب الطرب فحمل وقاتل فقتل منهم عددا كثيرا » ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدوٌ فحمل (1 ) ميسرة بن مسروق العبسي ( توفي بعد 20 ه - بعد 641 م ) قائد من شجعان الصحابة » كان أحد التسعة الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم من بني عبس » وشهد حجة الوداع » ولما كانت الردة ثبت مع قومه » وتولى قيادة جيش عدده نحو أربعة آلاف زحف به من الشام إلى أرض الروم » فظفر وغنم » وهو أول جيش دخل بلاد الروم . ( الأعلام 7 / 339 » وأسد الغابة 4 / 426 ) . 4066 ج10 » 302 « القائقة 8 انناو اق النقنا يور ” يا كعبة الخلد قفي ثم اسمعي مالك قاتلنا فكفي وارجعي ثم ارجعي إلى الجنان واسرعي لا تطمعي لا تطمعي لااتطيني ل للا را ”!
ولأجل ما ذكرناه من اقتضاء مقام المحبّة بذل كلية البذل من المحبّ لزم وقوع الابتلاآت والمطالبات به حتى يحصل له توفية حقوق هذا المقام على التمام ؛ ولهذا قال بعضهم : « أوَّل ما يقول الله عز وجل للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ٠ فإن قال : لا ما أريد إلا أنت » قال له : من دخل معي في هذا إنما يدخل بإسقاط الحظوظ . ورفع الحدوث » وثبوت القدم » وذلك يوجب له العدم . وقال بعض العلماء : " إذا رأيتك تحبّه » ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك " . وقال بعض المريدين لأستاذه : طولعت بشيء من المحبّة : فقال له : "ايا بن » هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرته عليه ؟ ! فقال : 5 . قال : لا تطمع نفسك في المحبة ؛ فإنه لا يعطيها أحدا حتى يبلوه " . وقال بعض علمائنا » رضي الله عنهم : « كل أهل المقامات يرجون أن يعفو عنهم » ويسمح لهم » إلا من ادعى المعرفة ا يطلبون بكل شعرة مطالبة » وفي كل حركة وسكون ونظرة وخطوة لله » ومع الله " وقال إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » وكان له مقامات في المحبة رفيعة : "قلت ذات يوم : يا رب » إن كنت أعطيت أحدا من المحبين لك ما تسكن به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك ؛ فقد أضرٌّ بي القلق . قال : فرأيت في النوم أنه أوقفني بين يديه فقال : يا إبراهيم » أما استحييت مني أن تسألني ما يسكن به قلبك قبل لقائي » وهل يسكن المشتاق دون لقاء حبيبه » أم هل يستريح المحب إلى غير معشوقه » قال : فقلت : يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني كيف أقول » فقال : قل اللهم رضّني بقضائك » وصبّرني على بلائك وأوزعني شكر نعمائك » انتهى . فللمحبين دقائق خطرات » ولطائف ملاحظات يظهر لهم بذلك الشوق في صفاء حبهم » والبعد في مواطن قربهم » فهم يفرّون منها » ويخرجون عنها مخافة أن تسترقٌ بشيء من ذلك قلوبهم بأدنى ميل أو مساكنة » فموجب لهم ذلك السقوط من مقامهم الرفيع الذي أهلّ لهم وأهلّوا له ؛ للك قال ا ب لي 128 ا رت ارق 2 رو ا ناتعكر اومن معصية العامي » وهو أن يسكن إلى غير الله » أو يستأنس بسواه . 108 9 - 210 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) (إذلا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطيعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك ). السير إلى الله تعالى هو قطع عقبات النفس ومحو آثارها ودواعيها » وغلبة أحكام طبيعتها وجبلتها حنى تظطهر من ذلك + وتحصل ليها أهلية القآرب من الله تعالى + , تضل إلى سعادة لقانه + ولولا معاناة هذه الأشياء لم يتحقق السير والسلوك كيف , والحق تعالى أقرب إلى العبد من نفسه » فالبعد الحسي وهو المسافة التي تطويها رحلته » والبعد المعنوي وهي القطيعة التي تمحوها وصلته محالان في حقه تعالى » لنفي المثلية في الأول » وعدم العندية في الثاني . هذه الألفاظ التي عبّر عنها المؤلف رحمه الله تعالى من : السير » والميادين » والرحلة » والوصلة معنوية تجوزوا بها عن أمور حسيّة » ومرجع جميع ذلك كله إلى علوم ومعاملات يتصف بها العبد لا غير . وهذا الكلام الذي ذكره المؤلف هاهنا وما تقدم له » ولنا » غير ما مرّة » من أن النفس هي الحجاب الأعظم للعبد عن الله تعالى » وأن بمجاهدتها وقمعها » وموتها » تنال سعادة لقاء الله قال بعضهم : ما الحياة إلا في الموت » أي : ما حياة القلب إِلّا في إماتة النفس .
0109 » 304 « وقيل : النعمة العظمى الخروج عن النفس ؛ لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين الله تعالى . وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : « من لم يمت لم ير الحق » . وقال سيدي أبو العباس » رضي الله عنه : « لا يدخل على الله إلا من بابين : من باب الفناء الأكبر » وهو الموت الطبيعي » ومن باب الفناء الذي تعنيه هذه الطائفة » . وعن حاتم الأصمّ « 1 » » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت : موت أحمر » وموت أسود » وموت أبيض » وموت أخضر » فالموت الأبيض الجوع ؛ والموت الأسود احتمال أذى الناس » والموت الأحمر مخالفة النفس » والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض . وقال سهل بن عبد الله ه رضي الله تعالى عنه : « للنفس سرّ ما ظهر ذلك السرّ على أحد من خلقه إلا على فرعون فقال : أنا ربّكم الأعلى » ولها سبعة حجب سماوية » وسبعة حجب أرضية ؛ فكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء » فإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش ٠ يعني : إذا خالفتها وفارقتها . وسبيل المريد إلى الوصول إلى موت النفس إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء والرغبة إلى مولاه في أن يعينه ويقوّيه على أمر نفسه » ويسهل عليه طريق سلوكه » ويستعمل هذا في كل حال ووقت » وليجعله عمدته فيما هو بسبيله . وقد تقدم من كلام المؤلف ٠ رحمه الله ( ما توقف مطلب أنت طالبه بربك ) . وقال بعض العارفين : لا يمكن الخروج من النفس بالنفس وإنما يكون الخروج من النفس بالله » ثم يشتغل بمراعاة حدود الشريعة والطريقة في ظاهره وباطنه » والتزام آدابهما . ولكل عبد عمل مخصوص يقتضى لا محالة حكما مخصوصا يقوم بحقّه » وذلك مختلف باختلاف أحرال الذاس ١ فشر كات العية وسكناتة فى اعمالة الظاهر: و مقصوده ١ و هيه رإرادته فى اأغداله الاطنة ! 1 1 وكل واحد من القسمين ينبغي أن يأخذ فيه بعزائم الأمور ويجتنب الرخص التي هي من شأن العامة والجمهور حسبما تقدم عند قوله : "من جهل المريد ان يسيء الآدب فتؤخر العقوبة عنه". (1 ) حاتم بن عنوان ( توفي سنة 237 ه - 851 م ) أبو عبد الرحمن المعروف بالأصم » زاهد » اشتهر بالورع والتقشف . له كلام مدون في الزهد والحكم » من أهل بلخ » زاد بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل وشهد بعض معارك الفتوح . مات بواشجرد . ( الأعلام 2 / 152 » وتاريخ بغداد 8 / 241 . 40 41 » 305 « فعمل الظاهر إن كان واجبا فليبادر إلى فعله » ولا يتوان عنه » وليقم بجميع آدابه اللازمة له . ويلتحق بذلك ما كان مندوبا إليه إذا علم في أي مرتبة هو . وإنما اشترطنا هذا الشرط » لأن المندوبات التي تعترضه يحتاج فيها إلى تقديم الأولى فالأولى » والأهم فالأهم منها » فإن لم يعمل على هذا وقدم ما ليس بأهم كان متبعا للهوى » لا لموجب العلم وليأخذ في ذلك بالقصد من غير إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير » وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أكلفوا من العمل ما تطيقون فإن اللّه تعالى لا يمل حتى تملوا وإن أفضل العمل أدومه وإن قل » « . »1 وعن أبي هريرة رضي الله عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الدين يسر ولن يشا الذين أحد إلا غلبه فسددوا وقاريوا وأبشروا » « 2 » .
وإن كان حراما فليبادر إلى تركه واجتنابه » وليقطع عن نفسه جميع أسبابه ويلتحق بذلك ما يكون مكروها . وإن كان مباحا فهذا هو محل نظر المريد ؛ فعليه أن يأخذ بالعزيمة فيه » وليقف على حدود الضرورة منه » وليكن اجتنابه لما يشتد ميل النفس إليه » ويعظم حرصها عليه أكثر من اجتنابه لما فقد منه ذلك . ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص ؛ فربٌ شخص تميل نفسه إلى ما لا تميل إليه نفس شخص آخر . فليشتغل المريد بقطع ذلك وزوال علاقته من قلبه بالرياضة والمجاهدة ؛ وليستمر على ذلك حتى يكون وقوفه على ما لا بد منه على وجه الطاعة والقربة » لا على سبيل الهوى والشهوة . وفيما يشتدّ ميل نفوس أكثر الناس إليه ما يكون سبب تناوله واستعماله مراعاة نظر الخلق . والجرىء على عوائدهم السيئة ومراسمهم المذمومة . ومجاهدة النفس في مثل هذا عسيرة جدا » لا سيما على من ابتلي بحبّ الجاه والرياسة وقبول الخلق في ولاية حكم » أو نشر علم » أو غير ذلك فإنها أشدّ الشهوات علاقة بالقلب وأضرّها بالمريد ؛ فيجب عليه أن يعتني بذلك » ويبالغ في تطهير ظاهره وباطنه مما يتعاطاه من أعمال وأحوال . وقد نبهنا على هذا المعنى فى أوّل الكتاب عند قول المؤلف رحمه الله تعاك : ١ ( ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ) . (1 ) أخرجه البخاري ( إيمان ؛ 32 ) ٠ ( تهجد ء 18 ) » ( صوم ء 52 ) » ( لباس » 43 ) ومسلم ( مسافرين 215 ٠ 221 ) » ( صيام » 177 ) » وأبو داود ( تطوع » 27 ) » والنسائي ( قبلة » 13 ) » ( قيام الليل » 17 ) ٠ ( إيمان » 29 ) ٠ وابن ماجة ( زهد : 28 ) » والموطأً ( صلاة الليل » 4 ) » وأحمد بن حنبل ( 6 » 40 ٠» 199 » 189 ٠» 122 ٠ 84 ٠» 61 ٠ 51 ٠» . ) 268 ١ 250 . 244. ٠ 241١233: 72 02 03 » 306 « ويتعين على المريد في رياضته ومجاهدته أن يمنع حواسه ويكف جوارحه عن التطلّع والجولان في مظان « 1 » وجدان شهواته وسيىء عاداته » وأن لا يجامعها ولا يتفق معها ؛ إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تمر - على حال - بواديها فليراقب ربّه » وليحفظ جوارحه وقلبه ؛ فإن الإنسان قد يتحرك مثلا في طلب الخير والعمل من أعمال البرّ فيتفق أن يقع بصره على شيء له فيه هوى وشهوة » فتميل نفسه إليه بالشره والمحبة ٠ فيتكدّر عليه وقته » ويظلم قلبه » ويختلٌ عليه في لحظة ما كابد أمرّه في سنة مثلا » وكذلك سائر حواسه . وقد شبّه العلماء رضي الله عنهم النفس في مثل هذا بدابة استعارها رجل من ربّها ومالكها ليتصرف بها في حاجاته » وكانت دابة جموحة صعبة المراس « 2 » » فجاز بها المستعير في بعض تصرفاته على دار مولاها فنزعت إلى دار سيّدها » فإنه لا محالة - يحتاج إلى صرف عنانها » فإن تقاعست « 3 » ضربها بالسوط والعصا حتى يصرفها بذلك عما نزعت إليه » وقد يكون عليه في ذلك تعب ومؤونة .
وسبب ذلك إنما هو خطوره بها على دار مولاها الذي ألفته واعتادته » ولو لم يمر بها عليه لسلم » ولم يحتج إلى معاناة ولا مكابدة » فإن تغافل عنها حتى أدخلت يديها في عتبة الباب واستمكنت منها » ثم أراد منعها من الدخول لم تطعه بوجه بل ديد إل كرها اج د ا الت وسبب ذلك إنما هو تمكينها من العمل بمقتضى طبيعتها » وموافقة جبلتها » فكذلك حال النفس » قال : فالنفس إن أعطيتها هواها فاغرة نحو هواها فاها " 4 " فللقا كنك الخارة الدزلة كب الراحيات على 7 2 1373331313قاك تكرن براكنة هاددة قد نسيت عوائدها وفترت دواعيها » وبمداومته على ذلك يحصل له من : التزكية » والتخلية والاستقامة » والطمأنينة ما هو المقصود بالرياضة والمجاهدة » فإن اعتراه شيء مما ذكرناه اختل عليه حاله واحتاج من أجل ذلك إلى المجاهدة الشاقة والرياضة الصعبة » وأنى له مع ذلك تلافي ما فاته ! وقد قالوا « وقفة المريد شرّ من فترته " . قال الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله تعالى عنه : والفرق بين الوقفة والفترة أن (1 ) مظنة الشيء : موضعه ومألفه الذي يظن وجوده فيه . (2 ) صعبة المراس : أي صعبة المأخذ والمعالجة . 44 415 » 307/7 « الفترة رجوع عن الإرادة » وخروج منها . والوقفة خروج عن السير باستحلاء حالات الكسل » وكلّ مريد وقف في ابتداء إرادته لا يجيء منه شيء « انتهى كلامه رحمه الله . فبدايات الأمور هي التي يجب أن يراعيها المريد » واللّه ولي التوفيق والتسديد . ولا غنى للمريد في هذا القسم عن تحصيل ما يحتاج إليه من العلوم الشرعية على ما ينبغي . وعمل الباطن يرجع حاصله إلى أمر واحد وهو إخلاص التوحيد لله عز وجل باعتقاد العبودية له » وذلك بأن يحمل نفسه على الاستسلام لأحكام الله تعالى » وترك المنازعة والتدبير والاختيار بين يديه . وهذا المعنى هو الذي ضمّنه المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه « التنوير في إسقاط التدبير » فليستعن المريد على ذلك به ولا يقصد برياضته ومجاهدته التوصّل إلى شيء من الكرامات وخرق العوائد وأنواع الإجابات ؛ فإن ذلك فتنة وبليّة قاطعة عليه طريق العبودية . قال أبو عثمان المغربي » رضي الله عنه : « من اختار الخلوة على الصحبة ينبغي أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربّه » وخاليا من جميع الإرادات إلا رضا ربّه » وخاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب » وإن لم يكن بهذه الصفة فإن خلوته توقعه في فتنة أو بلية » . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي » رضي الله عنه : « من عمل ليجد أو يرى لم يفتح له بشيء حتى يكون قصده تحقيق العبودية والقيام بما يجب عليه من حقوق الربوبية » . قال صاحب كتاب « عوارف المعارف » : " من دخل الخلوة معتلا في دخوله دخل عليه قال : وقد دخلت الفتنة على قوم دخلوا الخلوة بغير شروطها وأقبلوا على ذكر من الأذكار واستجمعوا نفوسهم بالعزلة عن الخلق » ومنعوا الشواغل من الحواس كفعل الرهاب » والبراهمة « 1 » » والفلاسفة والوحدة في جمع الهم لها تأثير في صفاء الباطن مطلقا » فكل ما كان من ذلك بحسن سياسة الشرع وصدق المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنتج تنوير القلب والزهد في الدنيا وحلاوة الذكر » والمعاملة لله بالإخلااص من الصلاة والتلاوة وغير ذلك . ما كان من ذلك من غير سياسة الشرع ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتج صفاء في النفس (1 ) البراهمة : قوم لا يجوّزون على الله بعثة الرسل . 46 « 308 » يستعان به على اكتساب علوم رياضية مما يعتني به الفلاسفة والدهريون ٠ وكلما أكثر من ذلك كثر البعد من الله تعالى .
ولا يزال المقبل على ذلك يستغويه الشيطان بما يكتسب من العلوم الرياضية » أو بما قد يتراءى له من صدق الخاطر وغير ذلك حتى يركن إليه كل الركون ويظنّ أنه قد فاز بالمقصود من الخلوة . ولا يعلم أن هذا الفنٌ من الفائدة غير ممنوع من النصارى والبراهمة وليست هي المقصودة من الخلوة ؛ لقول بعضهم « الحقّ يطلب منك الاستقامة وأنت تطالبه بالكرامة » . وقد يفتح على الصادقين بشيء من خرق العادات وصدق الفراسة وتبيّن ما سيحدث في ١ لمستقبل الاستقامة , وما يفتح من ذلك على الصادقين يصير سبب مزيد انتفاعهم والداعي لهم إلى صدق المجاهدة والمعاملة والزهد في الدنيا والتخلق بالأخلاق الحميدة . وما يفتح من ذلك على من ليس تحت سياسة الشرع يصير سببا لمزيد بعده » وغروره » وحماقته » واستطالته على الناس » وازدرائه بالخلق ؛ ولا يزال به حتى يخلع ربقة الإسلام من عنقه » وينكر الحدود والأحكام » والحلال والحرام ؛ 567 : : ثم يتدرج من ذلك إلى الإلحاد والزندقة » نعوذ باللّه من الضلال . وقد يلوح لأقدام خيالات يظنونها وقائع ويسمّونها بوقائع المشايخ من غير علم بحقيقة ذلك » انتهى كلامه رحمه الله وهو في غاية الحسن ونهاية التحقيق فبمداومة العبد على مثل هذه الأساليب التي ذكرناها » مشاهدا لتوفيق ربّه عز وجل » وتأييده له يحصل له من الله مزيد كثير » وعند ذلك يتطهّر باطنه من جميع الآفات وخبائث الصفات » وتستنير سريرته بأنوار المكاشفات والملاطفات . وقد عبّر الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الله عنه » عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : « قتل النفس في الحقيقة : التبرري من حولها وقوتها » أو شهود شيء منها وردّ دواعيها إليها » وتشويش تدبيرها عليها » وتسليم الآمور إلى الحق سبحانه بجملتها » وانسلاخها من اختيارها وإرادتها » وانمحاء آثار بشريتها عنها . فأمّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ولا عبرة » انتهى . فهذه هي السبيل إلى موت النفس المفضي إلى حضرة القدس ؛ لكونه جاريا على مقتضى الشريعة ولا بد للمريد في هذه الطريقة من صحبة شيخ محقق مرشد قد فرغ من تهذيب نفسه » وتخلص من هواه » فليسلم نفسه إليه وليلتزم طاعته والانقياد إليه في كل ما يشير 47 54 « 309 » به عليه » من خ غير ارتياب ولا تأويل ولا تردد ؛ فقد قالوا : من لم يكن له شيخ فالشيطان شيخه . وقد قال أبو علي الثقفي » رضي الله تعالى عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها » وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام » أو مؤدب ناصح » ومن لم يأخذ أدبه من أمر له وناه يرويه عيوب نفسه ورعونات أعماله لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات. وقال سيدي أبو مدين » رضي الله تعالى عنه : «من لم يأخذ الأدب من المتأدبين أفسد من يتبعه». وقال المؤلف - رحمه الله - في « لطائف المنن » : « إنما يكون الاقتداء بوليّ دلّك الله عليه , وأطلعك على ما أودعه من الخصوصية لديه » فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته » فألقيت إليه القياد » فسلك بك سبيل الرشاد » يعرّفك برعونات نفسك في كمائنها ودقائقها » ويدّك على الجمع على الله » ويعلّمك الفرار عمّا سوى الله » ويسايرك في طريقك حتى تصل إلى الله » يوقفك على إساءة نفسك » ويعرّفك بإحسان الله إليك » فيفيدك معرفة إساءة نفسك الهرب عنها » وعدم الركون إليها » ويفيدك العلم بإحسان الله إليك الإقبال عليه » والقيام بالشكر إليه » والدوام على ممرّ الساعات بين يديه . قال : فإن قلت : فأين من هذا وصفه ؟ ! لقد دللتني على أغرب من عنقاء مغرب « 1 » !
فاعلم أنه لا يعوزك وجدان الدالين » وإنما يعوزك وجدان الصدق في طلبهم » جدّ صدقا تجد مرشدا » وتجد ذلك في آيتين من كتاب الله تعالى قال الله سبحانه :أَمّنْ يُجِيبْ الْمُضْطْرٌ إذا دَعاه[ النمل : 62 ] وقال سبحانه :لو صَّدَقُوا الله لكان خَيْراً لَهُمْزِ محمد 21 ] فلو اضطررت إلى من يوصلك إلى الله اضطرار الظمآن إلى الماء » والخائف إلى الأمن لوجدت ذلك أقرب إليك من وجود طلبك » ولو اضطررت إلى الله اضطرار الأم لولدها إذا فقدته لوجدت الحقّ منك قريبا » ولك مجيبا » ولوجدت الوصول غير متعذر عليك ولتوجّه الحق بتيسير ذلك عليك » انتهى . وفي كلامه رحمه اللَّه تنبيه على أن الشيخ من منح الله وهداياه للعبد المريد الصادق إذا صدق في إرادته » وبذل في منا صحة مولاه جهد استطاعته لا على ما قد يتوهمه من لا علم عنده » وعند ذلك يوفقه الله تعالى لاستعمال الأدب معه لما أشهده من عالي مرتبته ورفيع درجته . (1 ) عنقاء مغرب : طائر عظيم أغرب في طيرانه وابتعد فلم يره الناس بعد ذلك » وهو من الأساطير ومثل يضرب للشيء لا وجود له . 09 » 310 « قال سيدي أبو مدين : « الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم » وسرّك بالتعظيم » الشيخ من هذبك بأخلاقه » وأدبّك بإطراقه » وأنار باطنك بإشراقه » الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه » . وقال المؤلف » رحمه الله » في « لطائف المنن » : « وليس شيخك من سمعت منه » إنما شيخك شيخك من دعاك إلى الباب » إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب » وليس شيخك من واجهك مقاله إنما شيخك الذي نهض بك حاله » شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى » فإن شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تحلّت فيه أنوار ربك » نهض بك إلى لله فنهضت إليه » وسار بك حتى وصلت إليه » ولا زال محاذيا لك حتى ألقاك بين يديه فزجٌ « 1 » بك في أنوار الحضرة وقال : ها أنت وربك » . انتهى . وآداب المريد مع الشيخ » والشيخ مع المريد كثرة مذكورة في كتب الأئمة الصوفية رضي الله عنهم » ومن أبلغ ذلك وأوجزه ما ذكره الإمام أبو القاسم القشيري » رضي الَّه تعالى عنه » قال : « فشروط المريد أن لا يتنفس نفسا إلا بإذن شيخه » ومن خالف شيخه في نفسه سرا أو جهرا فسوف يرى غبّه « 2 » من غير ما يحبه سريعا . ومخالفة الشيوخ فيما يسرّونه منهم أشد مما يكابدونه بالجهر وأكثر » لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومن خالف شيخه لم يشم رائحة الصدق » فإن برز منه شيء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفضاح عنا حصل منه من المخالفة والحيانة لبهديه شيخه إلى ما فيه كثارة جرهه + ولد قي الغرامة ما يحكم به عليه » فإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمّته ؛ فإن المريدين عيال على شيوخهم » فرض عليهم أن ينفقوا من قوت أحوالهم ما يكون جبرانا لتفصيرهم » انتهى . وقال الشيخ العارف محيي الدين أبو العباس البوني « 3 » » رحمه الله تعالى » إياك أن تحقر فعلا يخطر لك أن لا تلقيه إلى الشيخ طاعة كان أو معصية على أيّ نوع برز لك » ولو اختلف عليك ألف مرة في ساعة اختلف إليه ألف ساعة في الخاطر ليعلمك الدواء اادج ازرفى. (2 ) الغب : العاقبة . ( 3 ) هو أحمد بن علي بن يوسف ( توفي 622 ه - 1225 م ) أبو العباس البوني » صاحب المصنفات في علم « الحروف » متصوف مغربي الأصل نسبته إلى بونة . توفي بالقاهرة . له « شمس المعارف الكبرى » وغيره .
( الأعلام 1 / 174 ٠ وكشف الظنون 2 / 1062 » وهدية العارفين 1 / 90 ) . 0100 « 311 » الذي تزعجه به » ويحمل عنك همّة » قال « ولقد رأيت تلميذا من أصحاب شيخنا الإمام تاج العارفين أبي محمد عبد العزيز بن أبي بكر القرشيّ ّ المهدوي » رحمه الله تعالى » وكنت جالسا عنده فدخل عليه فقير وفي يده « باقلاة » فقال له : يا سيدي » إن وجدت هذه الباقلاة » فما أصنع بها ؟ فقال له : اتركها حتى نفطر عليها . فقلت : يا سيدي حتى الباقلاة يعلم بها ! قال : يا ولدي ٠ لو خالفني في لحظة من خطراته لم يفلح أبدا » , فإذا جوهدت النفس بهذه المجاهدات وقوتلت بهذه المقاتتلات رجعت عن جميع مألوفاتها الدنيئة وعاداتها الرديئة » وزال عنها النفور والاستكبار » ودانت لمولاها بالعبودية والافتقار » وتزكت أعمالها ء وصفت أحوالها . وهذه هي خاصيتها التي خلقت لأجلها » ومزيّتها التي شرفت من قبلها ل ل ا ال ل 2 5ك التي تزول وتفنى » حتى امتنع عليها ما خلقت لأجله من موجب سعادتها وغاية شرفها وإفادتها . فلما تعالجت بما ذكرناه عادت إلى الصحة وإلى طبعها الأصلي فألفت العبودية والتزمتها وصارت بذلك مطمئنة صالحة لأن يقال لهايا أينُهَا النَُ الْمُطْمَئِنَةَ ازجعي إلى رَبْكِ راضِيّة مَرْضِيَةَ فَادْخُلِي فِي عِبِادِي وَادْخْلِي جَنَّتِي [ الفجر : 28 ] قال الشيخ العارف أبو محمد عبد العزيز المهدوي رضي الله تعالى عنه : « النفس المطمئنة هي التي تخلصت من السوء ولم يبقى بينها وبين السوء نسبة » وكانت مبادئها في الاكتساب : الإيمان ؛ والرضا المكتسب ؛ فلما صفت وتطهرت من جهة المخلوقات وزال عنها الحجاب الذي هو صفة الخلق سمعت النداء من مكان قريب فأجابت لعدم الحجاب » فخرجت للمواهب والرضا الوضعي الوهبي الذي قال الله فيه :رَضِيّ اللَهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ[ المائدة : 119 ] فدخلت في رضا الله المطلوب الموهوب » وفي عباده » وجنّته » لا في جِنّتها بوصف كسبها وأعمالها ) انتهى وعلامة وصول المريد إلى هذا المقام الحميد أن تستوي عنده الأحوال » ولا يتأثر باطنه بما يواجه به من قبيح الأفعال والأقوال ؛ لاستغراق قلبه في مطالعة حضرة الكمال . قال أبو عثمان الحيري « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « لا يكمل الرجل حتى يستوى قلبه في أربعة أشياء » في : المنع » والعطاء » والعز والذلٌ » وقال محمد بن حنيف » رضي الله 1 ) قر ابو عتمان سعيد ين إسماعيل الحيري [ توفي 0201072-5-298 5 21 ويقيم في نيسابور » صحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي » ثم ورد نيسابور مع شاه 101 002 » 312 « عنه : « قدم علينا بعض أصحابنا فاعتلٌ » وكان به علّة بالبطن » » فكنت أخدمه » وآخذ منه الطشت « 1 » طول مرضه . فغفوت مرّة » فقال لي : نمت » لعنك الله . فقيل لي : كيف وجدت نفسك عند قوله : « لعنك الله » فقلت : كقوله : « رحمك الله » .
وحكى عن إبراهيم بن أدهم » رضي الله تعالى عنه » أنه قال : « ما سررت في الإسلام إِلّا مرات معدودات » كنت في مركب يوما » وكان به رجل يحكي الحكايات المضحكة » فيضحك منه الناس » وكان يقول : رأيت وقتا في معركة الترك « علجا » فقلت هكذا وكان يأخذ بلحيتي » ويمر يده على حلقي هكذا » والناس يضحكون منه » ولم يكن في ذلك المركب عنده أحد أصغر مني ولا أحقر » فسررت بذلك » وكان يوم آخر » كنت جالسا » فجاء إنسان وصفعني من غير سبب » ويوم آخر كنت جالسا فجاء إنسان « وبال عليّ » وكان في وقت حاتم الأصمّ » رضي الله عنه » رجل يسيء القول فيه , وفي أصحابه » ويواجههم كل يوم بالقبيح » فوقع عليه جذع من السقف في بعض الأيام في حال مواجهته القوم بالسبّ والشتم » فمات » فقال حاتم : الحمد لله . فقيل له : هذا خلاف ما تأمرنا به ! فقال : ما حمدت الله شماتة بموته » بل حمدت الله إذ لم أسرٌ بنكبته » . هذا وأشباهه من أحوالهم معلوم ضرورة . وأبلغ من هذا كلّه محبّة الموت وكراهية البقاء في الدنيا ؛ شوقا إلى لقاء المولى قال بعضهم : حقيقة الزوال الهوى من القلب حب لقاء الله تعالى في كل نفس من غير اختيار حالة يكون المرء عليها » فإذا وجد المريد هذه العلامات في نفسه فقد خرج من عالم حسّه ووصل إلى حضرة قدسه وكان كما قال الشاعر : فلك الدهر طوع والأنام عبيد فعش كل يوم من زمانك عيد وكما قال سيدي أبو العباس العريف « 2 » » رضي الله تعالى عنه في هذا المعنى : بدا لك سر طال عنك اكتتامه ولاح صباح كنت أنت ظلامه 2 فأنت حجاب القلب عن سرّ عيبه ولولاك لم يطلب عليه ختامه فإن غبت عنه حل فيه وطنبت على موكب الكشف المصون خيامه « 3 » (1 ) الطشت : إناء كبير مستدير من نحاس أو نحوه لغسل الأيدي . (2 ) هو أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي المري ( 481 - 526 ه - 1088 - 1 م) أبو العباس . له شعر ومشاركة في العلوم » وصنف كتاب « محاسن المجالس » نسبته إلى المرية ووفاته بمراكش . ( الأعلام 1 / 215 » ووفيات الأعيان 1 / 168 - 169 ) . الطنب : حبل طويل تشد به الخيمة والسرادق ونحوهما . 003 « 313 » وجاء حديث لا يملّ سماعه شهيّ إلينا نثره ونظامه إذا سمعته النفس طاب نعيمها وزال القلب عن المعنىّ غرامه وأنشدوا في معناه أيضا » رضي الله عنهم أجمعين : قولي لآمالي ألا فابعدي قد أنجز الأحباب لي موعدي قد كنت قبل اليوم مستأنسا منك بخلٌ مشفق مسعد إذا نسيم الوصل من نحوهم هب فلي عندك ظل ندى وحيث إن لاحت لي أعلامهم فليس لي فقر إلى مرشدي وإن لم يجدها في نفسه فليستمر على سلوكه ومجاهداته » ولا يغتر بما قد يتراءى له من سني حالته ؛ فإنه لم يصل بعد » ولم يحصل له من هوى نفسه فقد » وليس طريق موت النفس بقطع جميع الإرفاق عنها » وردّها إلى الاجتزاء بالخشن والنخالة والمبالغة في التقشف ,٠ والتقأل مع قطع النظر عن أحوال القلب » وهممه » وقصوره ». وإراداته » وترك الالتفات إلى ما يحمد منها ومايدمٌ » فذلك كله غلو وبدعة » وقد غلط في ذلك طوائف من الناس عملوا عليه في رياضاتهم ومجاهداتهم » ولم يقصدوا بذلك إخلاص العبودية لربّهم » فأدذاهم ذلك إلى اختلال عقولهم » وانحلال قوى أبدانهم » ولم يحصلوا من أمرهم على فائدة » وذلك لجهلهم بالسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة .
164 405 » 314 « المراتب السامية اللائقة به » وذلك بإخلاص العبودية لربّه عر وجل » وقطع النظر عن كل ما سواه » و ينظر فى هدارالمعنى إلى ما قاله التداهر ” ير ل ل 1 دكت من الشر المعيو رن سيره 2284 و ادر كت هد بالحففة ناكا ففيم التأني في الحضيض تثبطا مقيما مع الأسرى أما حان إسراكا كان الشيخ أبو العباس المرسي » رضي الله عنه » يقول : « الأكوان كلّها عبيد مسخرة لك » وأنت عبد الحضرة » . وقد ورد في بعض الكتب المنزلة : « يا ابن آدم أنا بدك اللازم فالزم بدك » . وفي بعض الآثار المرويّة عن الله عرّ وجل : « يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من لجلك 5 وخلقتك من أجلى » فلا تشتغل بما هو لك عن ما أنت له » . وقال الواسطي » رحمه الله تعالى » في معنى قوله تعالى :ِوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] قال : بأن سخرنا لهم الكون وما فيه ؛ لئلا يكونوا في تسخير شيء » ويتفرغوا إلى عبادة ربّهم » . إنما وسعك الكون من حيث جسمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك . ذكرناه » إنما هو باكتفائك به » وقضاء أوطارك منه » ووقوف أملك في نيل حاجاتك عليه . ولا خاصيّة لك في ذلك أيها الإنسان ؛ لأن مرتبتك أجل من ذلك . ا ا 0 التاق بالمكرن ١ و هده خاصيتك التى فييها يمر لك و عارك رده كارك فلم نيملها ب 523 ا قال أبو عبد اللَّه بن الجلاء « 1 » » رضي الله تعالى عنه : « من علت همته عن الأكوان وصل إلى مكونها » ومن وقف بهمته على شيء سوى الحق فاته الحق لانه أعز من أن يرضى معه 0 وسئل أحمد بن خضرويه عن أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : رعاية السرّ عن الالتفات إلى شيء سوى الله » . (1 ) هو أبو عبد الله أحمد بن يحيى الجلاء » بغدادي الأصل » أقام بالرملة ودمشق » وكان من أكابر مشايخ الشام » صحب أبا تراب وذو النون المصري ( الرسالة القشيرية ص 403 ) . 406 « 315 » 212 ار الله رضي الله عنه : ( الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ). فمن لازم الكون ؛ وبقي معه » وقصر همته عليه » ولم تفتح له ميادين الغيوب الملكوتية » ولا خلص سيره إلى فضاء مشاهدة الوحدانية فهو مسجون بمحيطاته » ومحصور في هيكل ذاته . وهذه هي صفات أصحاب النار كما قال الله تعالى :أحاطٌ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] وليس في جهنم عذاب أعظم من السجن والحصر والضيق والقهر » كما قال الله تعالى :وَإذا ألْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيّقاً مُقَرَنِينَ دَعَوَا هُنالِكَ تُبُوراً[ الفرقان : 13 ] وما ذكرناه هو حال من بقي مع نفسه » وعمل على نيل حظه كائنا ما كان . وفي بعض الآثار المروية عن الله عرٍّ وجل : ( عبدي : إجعلني مكان همّك أكفك كلّ هم . ما كنت بك فأنت في محل البعد » وما كنت بي فأنت في محل القرب ؛ فاختر لنف 0055 3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك ). فرق بين كونك وكون الأكوان معك ؛ فإن كونك مع الأكوان يقتضى تقييدك بها » وحاجتك إليها » فأنت بذلك عبد لها » ل مر وهذه حالة خسيسة يقتضيها عدم شهودك للمكوّن ٠» وكون الأكوان معك يقتضي ملكك لها » ل ا ما ل ا ا ل الجمادانة و الحيوانات: وقال الشبلي » رضي اله عنه : « ليس يخطر الكون ببال من عرف المكون » .
وهذه حالة نفيسة يقتضيها شهودك للمكون . . حر » . وعن المرّين الكبير » رضي الله تعالى عنه » قال : كنت مع إبراهيم الخوّاص في بعض أسفاره » فإذا عقرب تسعى على فخذه » فقمت لأقتلها » فمنعني » وقال : دعها كل شيء مفتقر إلينا » ولسنا مفتقرين إلى شيء » . وقال محمد بن المبارك الصوفي » رحمه الله تعالى : « كنت مع إبراهيم بن أدهم في طريق بيت المقدس » فنزلنا فى وقت القائلة تحت شجرة رمان » فصلينا ركعتين » فسمعت صوتا من أصل شجرة الرّمان : يا أبا إسحق أكرمنا بأن تأكل منا شيئا . قطاصا إبر اهيمر نهنا 4107 408 » 316 « فقلت : يا أبا إسحق لقد سمعت . . فقام » فأخذ منها رمّانتين » فأكل واحدة » وناولني الأخرى » فأكلتها . وفي غير هذا الحكاية أن الشجرة كانت قصيرة » ورمانها حامض » وأنها تطعم في كل عام مرّة » فعلت . وارتفعت وحلا رمانها » وصارت تطعم في كل عام مرتين » . وكانت السباع « 1 » تجيء إلى سهل بن عبد الله رضي الله تعالى عنه » فيدخلهم بيتا عنده ؛ ويضيفهم » ويطعمهم اللحم . . وقال إبراهيم الخواص » رضي الله تعالى عنه : « كنت في البادية مرّة » فسرت في وسط النهار » فوصلت إلى شجرة » وبالقرب منها ماء فنزلت » فإذا أنا بسبع عظيم قد أقبل » فلما قرب مني إذ هو يعرج » فحمحم « 2 » » وبرك بين يديّ » ووضع يده في حجري » فنظرت فإذا يده منتفخة فيها قيح ودمّ » فأخذت خشبة وشققت الموضع الذي فيه القيح » ومسحته » وشددت على يده خرقة فمضى ؛ فإذا أنا به بعد ساعة جاء ومعه شبلان يبصبصان « 3 » لي » وحمل إليّ رغيفا » . وقال بعضهم : أشرفت على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان يحفظه » وقد أخذه النوم » وإذا حيّة في فمها طاقة نرجس تروحه بها . وحكى عن ابن إسحاق الصعلوكي » رحمه الله تعالى » قال : خرجت مرّة إلى الحج » فبينما أنا فى النادية إد فيثك ). فلم بحن اللي على وكات ليله قمر اء : فسميعت اصيرك خفن ضعينة لوالا : يا أبا إسحق . ١ قد انتظرتك من الغداة فدنوت منه » فإذا هو شاب نحيف قد أشرف على الموت وحوله رياحين كثيرة » منها ما عرفته » ومنها ما لم أعرفه » فقلت : من أين أنت ؟ فقال : من مدينة « سميساط » « 4 » كنت فى عز وثروة . فطالبتني نفسي بالعزلة » فخرجت وقد أشرفت على الموت فسألت الله تعالى أن يقيَّضِ لي وليا من أوليائه » فأرجوا أنك هو . قال : فقلت له : ألك والدان ؟ قال : نعم » وإخوة وأخوات . السباع والبهائم وبكين معي وحملن إليّ هذه الرياحين » قال : فبينما أنا في تلك الحالة يرق قلبي له إذا بحية أفلك فى فمها ظافة ترزحين نقاله دح شرك هذه : (1 ) السبع : كل ما له ناب ويغدو على الناس والدواب فيفترسها كالأسد والذئب والنمر . 4 لط ملينه عل طق ع ادر ساق طعا ف ارو لو لخر لتر ا 22157137 في شق منها يسكنها الأرمن . ( معجم البلدان 3 / 258 ) . 0109 « 317 » فإن اللّه تعالى يغار على أوليائه .
قال : فغشى عليّ فما أفقت حتى خرجت نفسه » رحمة الله تعالى عليه ورضوانه » ثم وقع علىّ سنات من النوم فانتبهت وأنا على الجادة قال : فدخلت مدينة « سميساط » بعدما حججت فاستقبلتني امرأة فما رأيت أشبه بالشاب منها » فلما رأتني قالت : يا أبا إسحق كيف رأيت الشاب “فإن انتطرك بمنة قلات ' فذكرت لها الفضة إلى أن قلت ؛ قال اردت أن أشم ريحيه فصناحخك ١ وقالت : آه بلغ الشمٌ الشمّ . وخرجت نفسها » فخرجت أتراب « 1 » لها عليهن المرقعات والفوط » فتكفلن أمرها » وتولين شأنها . رضي الله عنهم أجمعين » . فيك يجان امن بكررن مطبي الي ار 1 يوطن نفسه على شيء من المصنوعات فيتكفل الله تعالى بأمره » ويجعل الكون خادما له بأسره . رزقنا الله تعالى وإياكم ما رزقهم » ووفقنا » كما وفقهم » بجوده وكرمه . 4 - 215 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية , إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه ). ( تارة ت تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك . وتارة يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك » فالنهار ليس منك إليك . ولكنه وارد عليك ). ثبوت الخصوصية للعبد لا يلزم منه عدم وصف البشرية » لأن الوصف البشريّ أمر ذاتي » لازم للعبد . والأمور الذاتية اللازمة يستحيل عدمها وانقلابها . وإنما اللازم من ذلك عدم غلبة أحكام ذلك الوصف على العبد فقط لأجل الوارد الغالب فإن قدّر ذهاب هذا الوارد الغالب بقي وصف البشرية غالبا قاهرا » وكان العبد في يديه أسيرا . ومثال ذلك من المحسوسات إشراق شمس النهار على الآفاق المظلمة لتزيل آثار ظلمانيتها » فتستنير بذلك وتشرق » فإذا غابت الشمس رجعت إلى حالها من الظلمة ؛ لأن النور ليس بذاتي لها ء وهو معنى قوله ( وليست منه ) ومعنى الخصوصية المذكورة هو : ما يخص الحق تعالى به أولياءه من ظهور أوصافه العلية » ونعوته القدسية عليهم ؛ ليغطي بذلك أوصاف نفوسهم الدنيئة الرديئة عنهم ؛ لثلا تظره آثار كدوراتها في صفاء أوقاتهم . كما تقدم من قوله : ( إذا أراد أن يوصلك إليه ستر وصفك بوصفه » وغطى نعتك بنعته ؛ فإذا والقربة » من غير حول منهم ولا قوّة ) وهو معنى قوله ( فالنهار ليس منك إليك ) وإن غابت القطيعة والححية كما كانوا قل ذلك . 000 0101 « 318 » والشركن من هذا : الرة عل طوائك غلطت فى" هذا الأمر و تكالت: : ور عمك أن القرف عن الل تعالى والوصول إليه إنما يكون بعدم أوصاف البشرية وزوالها بالكلية » واتصافه بصفات الربوبية بدلا منها . وفسرت بهذا ما عبّر به المشايخ من « الفناء » و « البقاء » فوقعوا من ذلك في ضلال وتزندق . نعوذ بالله من ذلك . والمعنى الصحيح من ذلك إنما هو ما ذكره المؤلف » رحمه الله تعالى » ورضى عنه » هاهنا . 6 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( دل بوجوده آثاره على وجود أسمائه » وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه . وبثبوت أوصافه على وجود ذات » إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه . فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته » ثم يردهم إلى شهود صفاته . ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه » ثم يردهم إلى شهود آثاره . والسالكون على عكس هذا . نهاية السالكين بداية المجذوبين . وبداية السالكين نهاية المجذوبين . لكن لا بمعنى واحد ء فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه » وهذا في تدليه ). عباد الله المخصوصون بالقرب منه » والوصول إليه ينقسمون إلى قسمين : سالكين ومجذوبين .
ْ ْ 58 فشأن السالكين الاستدلال بالأشياء عليه » وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا ورأينا الله بعده . وشأن المجذوبين الاستدلال به على الأشياء » وهم الذين يقولون ما رأينا شيئا إلا رأينا الله قبله . ولا شك أن الدليل أبذا أظهر من المدلول". فأما ما ظهر للسالكين الآثار » وهي الأفعال » فاستدلوا بها على الأسماء » وبالأسماء على الصفات » وبالصفات على وجود الذات » فكان حالهم الترقي والصعود من أسفل إلى أعلى . مر ا للا ل 1ت 3 امك 1ه رجعوا إلى التعلق بالأسماء ثم أنزلوا إلى شهود الآثار . فكان حالهم القدلى والتنزل من أعلى إلى أسفل. فما بدأ به السالكون من شهود الآثار إليه انتهاء المجذوبين . 0 000 لكن لا بمعنى 002 « 319 » واحد ؛ فإن مراد السالكين شهود الأشياء لله . يمراد المتحذو بين شهوة الأتقاء يانية (الددالكرن عاملون على ظريق الذذاء و المكد؛ والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو . ولما كان شأن الفريقين النزول في تلك المنازل المذكورة لزم التقاؤهما في طريق سفرهما : السالك مترقٌ » والمجذوب متدل . 7 ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : (لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت . كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك ). أنوار القلوب والأسرار المشرقة عليها من سماء التوحيد والمعرفة » لا يعرف قدرها إلا في غيب الملكوت وهو : عالم الآخرة . وهناك يحصل لهم تمام هذه الأنوار » فمن آمن بالغيب كان له ذلك الحظّ الأوفر » كما أن أنوار السماء المشرقة على ظواهر الأجرام لا تظهر إلا في شهادة الملك » وعالم الدنيا ؛ وذلك لحصول المناسنة بين هذه الأشياء . 8 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( وجد ان ثمرات الطاعات بشائر العاملين بوجود الجزاء عليها آجلا ). ما يجده العاملون بطاعة الله تعالى في أعمالهم عاجلا من مزيد الإيمان واليقين وتنسّم روح الأنس » ولذيذ القرب ولطيف الوصل بشائر من الله تعالى عاجلة بوجود الجزاء عليها في الدان الآخرة ؛ لأنها مقبولة :عند الله تعالى : وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : ( من وجد ثمرة عمله عاجلا فهو دليل على وجود القبول ) . 9 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( كيف تطلب العوض على عمل هو متصدق به عليك , أم كيف تطلب الجزاء على صدق هو مهديه إليك ). العمل الذي يصمّ طلب العوض والجزاء عليه هو : ما عملته لينتفع به غيرك ولم يحصل لك بذلك منفعة » ولم يندفع عنك بسببه مضرة . والأعمال الدينية المطلوبة منك ظاهرا وباطنا بخلاف هذا كله ؛ إذ هى مسلوبة عنك منسوبة إلى ربك خلقها واختراعها » عائد ثمرة ذلك ومنفعته عليك في ظاهرك وباطنك » وهو غنيّ عنك وعنها . ولذلك عبّر عنها بالتصدق والإهداء تنبيها على أن ذلك لم يكن إلا لمنفعتك . فطلب العوض والجزاء إذن - على عمل هذا صفته - في غاية القبح » ولذلك صدّر المؤلف رضى الله تعالى عنه كلامه ب « كيف » ؛ ليعجّبك من ذلك الوصف . قال الواسطي ء رضي الله تعالى عنه : « مطالبة الأعواض على الطاعات من نسيان الفضل » . 003 1404 « 320 » واستعمال المؤلف » رحمه الله تعالى » لفظ « الصدقة » في الأعمال الظاهرة » ولفظ « الهدية » في الصدق وعليه مدار الأعمال الباطنة إشعار بتباينهما في الشرف ٠ كتباين الهدية والصدقة . 2221-0 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( قوم تسبق أنوارهم أذكارهم » وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم » وقوم لا أذكار ولا أنوار ). ( ذاكر ذكر ليستنير قلبه فكان ذاكرا » .
وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا ٠ والذي استوت أذكاره وأنواره فبذكره يهتدى وبنوره يقتدى ). سبقية الأذكار للأنوار هو حال المريدين السالكين » وذلك ؛ لأن شأنهم المجاهدة والمكابدة » فهم يأتون بالأذكار في حال تكلّف منهم وتعمّل » ليحصل لهم بذلك زوائد الأنوار وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِيَنْهُمْ سُبْلّنا [ العنكبوت ؛ 69 وسبقية الأنوار للأذكار هو حال المريدين المجذوبين ؛ لأنهم مقامون في السهولة والخفة » فهم لما قال في « لطائف المنن » حاكيا عن شيخه أبي العباس المرسي : « . . وقال رضي الله تعالى عنه : الناس على قسمين : قوم وصلوا بكرامة الله تعالى إلى طاعة الله » وقوم وصلوا بطاعة الله إلى كرامة اللّه » اقل لامكا وحعاين اله يَْتَبِي إلَنْه مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي له مَن يِيبُ[ الشورى : 13]. ميامة 1ع للساو داك 20 > لبها + إلى إن رعييل إلى خصار ناريا 8 يصبدق على فا قري سبحانه وتعالى :وَالّذِينَ جاهَدُوا فينا لَنَهْدِينْهُْ سُبُلَنا[ العنكيوت 097 ومن الناس من فاحاقه غناية الله من عبن طلف ولا استعداد + ويشية لذلك فول تعالن :يختض بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشْاءْ[ آل عمران : 74 ] » فالأول حال السالكين » والثاني حال المجذوبين » فمن كان مبدؤه المعاملة فنهايته المواصلة » ومن كان مبدؤه المواصلة رد إلى وجود المعاملة ؛ ولا تظنّ أن المجذوب لا طريق له » بل له طريق طوتها عناية الله تعالى » فسلكها مسرعا إلى الله تعالى عاجلا » وكثيرا ما تسمع عند مراجعة المنتسبين للطريق أن السالك أتمّ من المجذوب ؛ لأن السالك عرف طريقا بها توصّل إليه والمجذوب ليس كذلك ء وهذا بناء على أن المجذوب لا طريق له » وليس الأمر كما (1 ) المهمة : المفازة البعيدة ( ج ) مهامه (:2 ) النيداء ؟ الفلاة , 005 « 321 » زعموا ؛ فإن المجذوب طويت الطريق له ولم تطو عنه » ومن طويت له الطريق لم تفته ولم تغب عنه و إنها قاقة فتاهي كلو المدها” والمجذوب كمن طويت له الطريق إلى مكة . والسالك كالسائر إليها على أكوار « 1 » المطايا » اتقين نا دكرة فى حال الحذي و اسار كين وهو حسن قل أن يوجد لغيره » فلذلك أوردته هاهنا بكماله . 2 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود وفكر . أشهدك من قبل أن استشهدك فنطقت بألوهيته الظواهر و تحققت ت بأحديته القلوب و السرائر ). أعمال الظاهر تكون تبعا لما يكون في الباطن وقد تقدم هذا المعنى عند قوله : ( ما استودع في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ) فالذكر الظاهر لا محالة ثمرة باطن الشهود والفكر . ثم بين هذا المعنى بقوله :أشهدك من قبل أن يستشهدك فنطقت بإلهيته الظواهر » وتحققت بأحديته القلوب والسرائر . كاشف الله تعالى القلوب والأسرار في غيب الغيب بحقائق وحدانيته وإحاطة قيوميّته » فلمًا أشهدها ذلك اضمحلت وتدكدكت وتلاشت » فتحققت بذلك الأحدية » فلما أظهرها في عالم الشهادة ملتبسة بالأجسام والهياكل طلب منها الشهادة له بالإلهية » فشهدت بلسان حالها ومقالها » فكانت الشهادة منها لما استشهدت تبعا لشهودها لما أشهدت » فالعبد من حيث سرّه وقلبه بوصف الجمع » ومن حيث ظاهره وجسمه بنعت الفرق . ولا بد في هذا الطريق من وجود الجمع والفرق . وقد قالوا : « كل جمع بلا تفرقة زندقة » وكل وقال الجنيد » رضي الله تعالى عنه في معنى الجمع والتفرقة : فتحققتك في سرّي فناجاك لساني فاجتمعنا لمعان وافترقنا لمعان إن يكن غيّبك التعظيم عن لحظ عياني فلقد صيّرك الوجد من الأحشاء داني وذهب الجنيد رضي الله عنه إلى أن قربه بالوجد جمع ٠ وغيبه في البشرية تفرقة .
3 - ثم قال الشيخ ابن عطاء الله رضي الله عنه : ( أكرمك بكرامات ثلاث : جعلك ذاكرا له . ولولا فضله لم تكن أهلا لجريان ذكره عليك وجعلك مذكورا به إذ حقق نسبته لديك . وجعلك مذكورا عنده فتمم نعمته عليك ). أكرم الله تعالى عبده المؤمن بثلاث كرامات جمع له فيها كلّ المفاخر والمحامد . أولها : كونه ذاكرا له » بأن أجرى ذكره على قلبه ولسانه » ومن أين له ذلك ؟ وبأي (1 ) أكوار : ( ج ) كور : الرّحل » وهو ما يجعل على ظهر الجمل كالسّرج . 406 « 322 » وثانيها : كونه مذكورا به » فيقال : هذا عبد الله » ووليّه » وصفيّه » ومختاره » وذلك بما أكرمه الله به من تحقيق النسبة إليه وهي إثبات الخصوصية له » وقد تقدم معنى الخصوصية . وثالثها : كونه مذكورا عنده » وهذه هي غاية الإكرام ومنتهى الفضل والإنعام » قال الله تعالى وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ[ العنكبوت 45 ْ ا ا ال 2 ا 00 غنه ؛ قال : قال لى رسول الله صلى الل عليه وسلم :. ْ ْ « أمرت أن أقرأ عليك القرآن . قال » قلت : يا رسول الله سماني لك ربك ؟ قال : نعم » فقرأ علىّ قل بِقَضْلٍ الله وَبِرَحْمَتِه فبذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعْونَ« 2 » [ يونس : 58 ] . وفي حديث أبي حيّة البدري » رضي الله تعالى عنه » قال تراك دور الم يكن انين كقزرا ين اقل الككاب ا إن احر فا قال جبريل عليه السلام : إن ربك يأمرك أن تقرئها أبيَا » فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي : إن جبريل عليه السلام أمرني أن أقرئك هذه السورة » فقال أبيّ : أو ذكرت ثم يا رسول الله ؟ قال لع فقي اح ار 7 وفي حديث أبي هريرة » رضي الله تعالى عنه » عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله تغالى : أنا عند ظن عبدي بي ؛ وأنا معه حين يذكرني : إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي » وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا » وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا » وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 4 » . (1 ) أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد ( توفي 21 ه - 642 م ) من بني النجار » من الخزرج » أبو المنذر صحابي أنصاري » كان قبل الإسلام حبرا من أحبار اليهود » مطلعا على الكتب القديمة » يكتب ويقرأ » ولما أسلم كان من كتّاب الوحي » وشهد بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يفتي على عهده » وشهد مع عمر بن الخطاب وقعة الجابية » وكتب كتاب الصلح لأهل بيت المقدس ؛ وأمره عثمان بجمع القرآن فاشترك في جمعه : وله في الصحيحين وغيرهما 164 حديثا مات بالمدينة . ( الأعلام 1 / 82 ٠» وحلية الأولياء 1 / 0 » وتهذيب الكمال 1 / 465 ) . (2 ) أخرجه أبو نعيم في ( حلية الأولياء 1 / 251 ) » وابن أبي شيبة في ( المصنف 12 / 1 (3 ) أخرجه أحمد بن حنبل في ( المسند 3 / 489 ) ٠» والهيثمي في ( مجمع الزوائد 9 / 312 ) » والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 1 / 1 - 25 ٠» والشجري في ( الأمالي 1 / 92 ) » والسيوطي في ( الدر المنثور 6 / 377 ) » والمتقي الهندي في ( كنز العمال 36767 ) » وابن أبي شيبة في ( المصنف 10 / 521 ) .