Qur'an&Sunnah

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb)

Bagian V02/P203–V02/P204

وصلت الصّحيفة الشّريفة ووقع فيها الإستفسار عن بعض كلمات الصّوفيّة (أيّها المخدوم) وإن لم يقتض الوقت والمكان قولا وكتابة ولكن لا بدّ للسّؤال من الجواب فحرّرت كلمات ومجمل الكلام في حلّ جميع تلك المسائل هو أنّه كما أنّ في الشّريعة كفرا وإسلاما في الطّريقة أيضا كفر وإسلام وكما أنّ كفر الشّريعة شرّ ونقص والإسلام كمال كذلك كفر الطّريقة أيضا نقص وشرّ وإسلامها كمال وكفر الطّريقة عبارة عن مقام الجمع الذي هو محلّ الإستتار وتميّز الحقّ من الباطل مفقود في هذا الموطن فإنّ مشهود السّالك فيه في المرايا الجميلة والرّذيلة هو جمال وحدة المحبوب فلا يجد الخير والشّرّ والكمال والنّقص غير مظاهر لتلك الوحدة وظلالها. فلا جرم يكون نظر الإنكار الذي ناش عن التّمييز معدوما في حقّه فبالضّرورة يكون مع الكلّ في مقام الصّلح ويجد الكلّ على صراط مستقيم ويترنّم بهذه الآية الكريمة (وما من دابّة الّا هو آخذ بناصيتها إن ربّي على صراط مستقيم) وأحيانا يرى المظهر عين الظّاهر فيظنّ الخلق عين الحقّ والمربوب عين الرّبّ وكلّ هذه أزهار تتفتّق من مرتبة الجمع قال الحلّاج في هذا المقام. (شعر) كفرت بدين الله والكفر واجب . لديّ وعند المسلمين قبيح ولكفر الطّريقة هذا مناسبة تامّة بكفر الشّريعة وإن كان كافر الشّريعة مردودا ومستحقّا للعذاب وكافر الطّريقة مقبولا ومستوجبا للدّرجات فإنّ هذا الكفر والإستتار ناش من غلبة محبّة المحبوب الحقيقيّ ونسيان غيره كلّه فيكون مقبولا وذاك الكفر حاصل من إستيلاء الجهل والتّمرّد فيكون مردودا بالضّرورة وإسلام الطّريقة عبارة عن مقام الفرق بعد الجمع الذي هو مقام التّمييز. والحقّ والخير متميّزان هنا من الباطل والشّرّ ولاسلام الطّريقة هذا مناسبة تامّة بإسلام الشّريعة بل إذا بلغ إسلام الشّريعة كماله تحصل له نسبة الإتّخاذ بهذا الإسلام بل كلا الإسلامين إسلام الشّريعة والفرق بينهما بظاهر الشّريعة وباطن الشّريعة وبصورة الشّريعة وحقيقة الشّريعة ومرتبة كفر الطّريقة أعلى من مرتبة إسلام صورة الشّريعة وإن كانت أدون بالنّسبة إلى إسلام حقيقة الشّريعة. (شعر) متى قسنا السّماء بالعرش ينحطّ . وما أعلاه إن قسنا بأرض وكلّ من تكلّم من المشائخ قدّس الله أسرارهم بالشّطحيّات من الكلمات المخالفة لظاهر الشّريعة كلّ ذلك في مقام كفر الطّريقة الذي هو موطن السّكر وعدم التّمييز. والكبراء الذين تشرّفوا بدولة إسلام الحقيقة فهم منزّهون ومبرّأون من أمثال هذه الكلمات ومقتدون بالأنبياء ومتابعون لهم ظاهرا وباطنا فالشّخص الذي يتكلّم بالشّطحيّات ويكون في مقام الصّلح من الكلّ ويظنّ الجميع على صراط مستقيم ولا يثبت التّمييز بين الحقّ والخلق ولا يقول بوجود الإثنينيّة فإن وصل هذا الشّخص إلى مقام الجمع وتحقّق بكفر الطّريقة ونسي السّوى فهو مقبول وكلماته ناشئة من السّكر ومصروفة عن الظّاهر. وإن تكلّم بهذه الكلمات بدون حصول هذا الحال وبلا وصول إلى الدرجة الاولى من الكمال وزعم الكلّ على حقّ وعلى صراط مستقيم ولم يميّز الباطل من الحقّ فهو من الزّنادقة والملاحدة الذين مقصودهم إبطال الشّريعة ومطلوبهم رفع دعوة الانبياء الذين هم رحمة للعالمين عليهم الصّلوات والتّحيّات فهذه الكلمات الخلافيّة تصدر من المبطل وهي للمحقّ ماء الحياة وللمبطل سمّ قاتل كماء نيل حيث كان لبني إسرائيل ماء زلالا وللقبط دما ونكالا وهذا المقام من مزلّة الاقدام قد انحرف جمّ غفير من أهل الإسلام عن الصّراط المستقيم بتقليد كلمات أكابر أرباب السّكر ووقعوا في بوادي الضّلالة والخسارة وجعلوا دينهم هباء منثورا ولم يعلموا أنّ قبول هذا الكلام مشروط بالشّرائط وهي موجودة في أرباب السّكر ومفقودة في هؤلاء.

Bagian V02/P204–V02/P206

ومعظم هذه الشّرائط نسيان ما سوى الحقّ سبحانه الذي هو دهليز القبول ومصداق امتياز المحقّ من المبطل الإستقامة على الشّريعة وعدم الإستقامة عليها والذي هو محقّ لا يرتكب خلاف الشّريعة مقدار شعرة مع وجود السّكر وعدم التّمييز كان الحلّاج مع صدور قول أنا الحقّ عنه يصلّي كلّ ليلة في السّجن خمسمائة ركعة مع قيد ثقيل وكان لا يأكل الطّعام الذى مسّه يد الظّلمة ولو كان من وجه حلال والذى هو مبطل يكون اتيان الاحكام الشّرعيّة ثقيلا عليه مثل جبل قاف كبر على المشركين ما تدعوهم إليه علامة حالهم رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب السّادس والتّسعون إلى الخواجه أبي الحسن بهاء البدخشيّ الكشميّ في حلّ منع الفاروق إتيان القرطاس حين طلبه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في مرض موته ليكتب شيئا بوجوه شتّى الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (سؤال) انّ حضرة خاتم الرّسل وبالرّسالة عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام والتّحيّة طلب قرطاسا في مرض موته وقال: ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعدي. ومنع الفاروق مع جمع آخر من الاصحاب رضوان الله عليهم إتيان القرطاس وقال: حسبنا كتاب الله وقال أيضا " أهجر استفهموه " وما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قاله بطريق الوحي كما قال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو الّا وحي يوحى) ومنع الوحى وردّه كفر كما قال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وأيضا إنّ تجويز الهجر والهذيان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مستلزم لرفع الإعتماد على الاحكام الشّرعيّة وهو كفر وإلحاد وزندقة فما حلّ هذه الشّبهة القويّة. (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ هذه الشّبهة وأمثالها الّتي يوردها جماعة على حضرات الخلفاء الثلاثة وعلى سائر الصّحابة الكرام رضي الله عنهم ويريدون بهذه التّشكيكات ردّهم لو أنصف هؤلاء الجماعة وقبلوا شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام وعلموا أنّ نفوسهم كانت مزكّاة في صحبة خير البشر من الهوى والهوس وصارت صدورهم صافية عن الحقد والعداوة وعلموا أنّهم أكابر الدين وكبراء الإسلام وأنّهم بذلوا جهدهم في إعلاء كلمة الإسلام ونصرة سيّد الأنام وأنفقوا أموالهم في تأييد الدين المتين ليلا ونهارا سرّا وجهارا وتركوا في محبّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشائرهم وقبائلهم وأولادهم وأزواجهم وأوطانهم ومساكنهم وعيونهم وزروعهم وأشجارهم وأنهارهم وآثروا نفس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على نفوسهم واختاروا محبّة رسول الله على محبّة أنفسهم ومحبّة أولادهم وأموالهم وأنّهم الذين شاهدوا الوحي والملك ورأوا المعجزات والخوارق حتّى صار غيبهم شهادة وعلمهم عينا وهم الذين أثنى الله تعالى عليهم في القرآن المجيد (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك مثلهم في التّوراة ومثلهم في الإنجيل) فإذا كان جميع الاصحاب الكرام شركاء في هذه الكرامات فماذا أظهر من جلالة شأن أكابر الاصحاب الذين هم الخلفاء الرّاشدون. والفاروق هو الذي قال الله سبحانه وتعالى في شأنه لرسوله (يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: إنّ سبب نزول هذه الآية إسلام عمر رضي الله عنه فبعد حصول نظر الإنصاف وقبول شرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلاة والتّحيّات وبعد علم جلالة شأن أصحابه الكرام وعلوّ درجاتهم عليهم الرّضوان يكاد يتصوّر المعترضون والمشكّكون هذه الشّبهات مثل المغالطات والسّفسطة المزخرفة ويسقطونها عن درجة الإعتبار وإن لم يشخّصوا مادّة الغلط في تلك الشّبهات ولم يعيّنوا محلّ السّفسطة فلا أقلّ من أن يعرفوا مجملا أنّ مؤدّى هذه التّشكيكات وحاصل هذه الشّبهات ممّا لا حاصل له بل هى مصادمة للبداهة وللضّرورة الإسلاميّة ومردودة بالكتاب والسّنّة النّبويّة ومع ذلك نكتب في جواب هذا السّؤال وتعيين موادّ تلك الشّبهة مقدّمات بعون الله تعالى (اسمع) انّ حلّ هذا الإشكال على وجه الكمال مبتن على مقدّمات وإن كان كلّ مقدّمة جوابا على حدة (المقدّمة الأولى) جميع منطوقاته ومقولاته صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم لم تكن بموجب الوحي.

Bagian V02/P206–V02/P207

وآية (وما ينطق عن الهوى) مخصوصة بالنّطق القرآني كما قاله أهل التّفسير وأيضا لو كان جميع منطوقاته صلّى الله عليه وسلّم بموجب الوحي لما ورد الإعتراض من عند الحقّ جلّ شأنه على بعض مقولاته عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام ولمّا كان للعفو عنه معنى قال الله تعالى خطابا لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم " عفا الله عنك لم أذنت لهم» (والمقدّمة الثانية) أنّ الاصحاب الكرام كان لهم مجال القيل والقال في الاحكام الإجتهاديّة والأمور العقليّة مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بموجب قوله تعالى (فاعتبروا يا أولي الابصار) وقوله تعالى (وشاورهم في الامر) وكان لهم في هذه الامور مساغ للرّدّ والتّبديل فإنّ الامر بالاعتبار والمشورة لا يتصوّر من غير حصول ردّ وتبديل وقد وقع الإختلاف في قتل أسارى بدر وأخذ الفدية عنهم وحكم الفاروق بالقتل فورد الوحي موافقا لرأي فاروق ونزل لاخذ الفدية وعيد فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم " لو نزل العذاب لما نجى غير عمر وسعد بن معاذ» فإنّ سعدا أيضا كان أشار إلى قتل الاسارى (والمقدّمة الثالثة) أنّ السّهو والنّسيان جائزان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بل واقعان وقد ورد في حديث ذي اليدين أنّه صلّى الله عليه وسلّم سلّم في رباعي الفرض على ركعتين فقال له ذو اليدين أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول الله وبعد ثبوت صدق ذى اليدين قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وضمّ إليهما ركعتين أخريين وسجد للسّهو» فإذا كان السّهو والنّسيان جائزين في حالة الصّحّة والفراغة بمقتضى البشريّة فصدور الكلام منه صلّى الله عليه وسلّم من غير قصد واختيار في مرض الموت ووقت استيلاء الوجع بمقتضى البشريّة لم لا يكون جائزا ولم يرتفع الإعتماد عن الأحكام الشّرعيّة فإنّ الحقّ سبحانه أطلعه صلّى الله عليه وسلّم على سهوه ونسيانه بالوحي القطعيّ وميّز الصّواب من الخطأ فإنّ تقرير النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على الخطأ ليس بجائز لكونه مستلزما لرفع الإعتماد عن الأحكام الشّرعيّة فثبت أنّ موجب رفع الإعتماد ليس نفس السّهو والنّسيان بل التّقرير على السّهو والنّسيان ومن المقرّر أنّ ذلك التّقرير ليس بمجوّز (المقدّمة الرّابعة) أنّ حضرة الفاروق بل الخلفاء الثلاثة مبشّرون بالجنّة بالكتاب والسّنّة والأحاديث الواردة في باب بشارتهم بالجنّة بخصوصها يمكن أن يقال من كثرة الرّواة الثقات أنّها بلغت حدّ الشّهرة بل حدّ التّواتر المعنويّ فإنكارها إمّا من الجهل أو من العناد ورواة الاحاديث الصّحاح والحسان أهل السّنّة أخذوها من أسانيدهم من التّابعين والصّحابة ورواة جميع الفرق المخالفة لو جمع كلّها لا يعلم أنّهم يبلغون عشر عشير أهل السّنّة أو لا كما لا يخفى على المتتبّع المتفحّص المنصف وكتب أهل السّنّة مشحونة ببشارة هؤلاء الاكابر بالجنّة ولا غمّ لو لم ترد هذه البشارة في كتب الاحاديث المخصوصة ببعض الفرق المخالفة فإنّ عدم رواية البشارة لا يدلّ على عدم البشارة. وأمّا ثبوت بشارة هؤلاء الاكابر بالجنّة في القرآن المجيد بآيات متكثّرة فكاف قال الله تبارك وتعالى (والسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ والْأَنْصارِ والَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ وأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) وقال تبارك وتعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنى) الآية فاذا كان جميع الصّحابة الذين انفقوا وقاتلوا قبل الفتح وبعده مبشّرين بالجنّة فما نقول في أكابر الصّحابة الذين هم الاسبقون في الإنفاق والمقاتلة والمهاجرة وماذا نقدر أن نقول وكيف ندرك أعظميّة درجاتهم أنّها ما هي؟ قال أهل التّفسير: قوله تعالى (لا يستوي منكم) الآية. نزل في حقّ الصّدّيق رضي الله عنه الذي هو أسبق السّابقين في الإنفاق والمقاتلة وقال سبحانه وتعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشّجرة) الآية. نقل الإمام البغويّ محيي السّنّة في معالم التّنزيل عن جابر رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشّجرة» .

Bagian V02/P207–V02/P208

وهذه البيعة يقال لها بيعة الرّضوان؛ لانّ الحقّ سبحانه رضي فيها عن هؤلاء القوم ولا شكّ أنّ تكفير شخص مبشّر بالكتاب والسّنّة كفر ومن أقبح القبائح (المقدّمة الخامسة) أنّ توقّف الفاروق في إتيان القرطاس لم يكن على وجه الرّدّ والإنكار عياذا بالله سبحانه من ذلك كيف يصدر هذا القسم من سوء الادب من وزراء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي هو متّصف بالخلق العظيم وندمائه صلّى الله عليه وسلّم بل لا يتوقّع هذا المعنى من أدنى الصّحابة الذي تشرّف بشرف صحبة خير البشر مرّة أو مرّتين بل لا يتوهّم مثل هذا الرّدّ والإنكار من عوامّ أمّته صلّى الله عليه وسلّم الذي استسعد بدولة الإسلام فكيف يتخيّل هذا المعنى فيمن كان من أكابر الوزراء والنّدماء ومن أعاظم المهاجرين والأنصار رزقهم الله سبحانه الإنصاف حتّى لا يسيؤا الظّنّ بأكابر الدين ولا يؤاخذوا بكلّ كلمة وكلام بلا فهم. بل كان مقصود الفاروق الإستفهام والاستفسار كما قال: استفهموه يعني: لو طلب القرطاس بالجدّ والاهتمام يجاء به وان لم يطلب بالجدّ لا يصدّع في مثل هذا الوقت فإنّه لو طلب القرطاس بالوحي والأمر لكان يطلبه بالمبالغة والتّأكيد ويكتب ما كان مأمورا بكتابته فإنّ تبليغ الوحي واجب على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يكن هذا الطّلب بالأمر والوحي بل أراد أنّه يكتب شيئا على وجه الإجتهاد والفكر فالوقت لا يساعد ذلك. ومرتبة الإجتهاد باقية بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم والمستنبطون من أمّته يستنبطون الأحكام الإجتهاديّة من الكتاب الذي هو أصل أصول الدين فإذا كان لاستنباط المستنبطين مجال في حضوره الذي هو أوان نزول الوحي فبعد ارتحاله الذي هو زمان انقطاع الوحي يكون استنباط أولي العلم واجتهادهم مقبولا بالطّريق الاولى ولمّا لم يهتمّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب ولم يجدّ بل أعرض عن هذا الامر علم أنّه لم يكن على وجه الوحي. والتّوقّف لمجرّد الإستفسار ليس بمذموم وقد عرض الملائكة الكرام على وجه الإستفسار والاستعلام من وجه خلافة آدم على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام على الملك العلّام بقولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك) وقال زكريّا حين بشّر بيحيي على نبيّنا وعليهما الصّلاة والسّلام (أنّى يكون لي غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيّا) وقالت مريم رضي الله تعالى عنها (أنّى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ولم اك بغيّا) فما المضايقة لو توقّف الفاروق أيضا في اتيان القرطاس لاجل الإستفهام والاستفسار واىّ شرّ واىّ ضرر فيه.

Bagian V02/P208–V02/P209

(المقدّمة السّادسة) أنّ حصول حسن الظّنّ بصحبة خير البشر وبأصحابه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام لازم ومعرفة أنّ خير القرون قرنه صلّى الله عليه وسلّم وأنّ أصحابه أفضل بني آدم بعد الانبياء عليهم الصلاة والسّلام أيضا لازمة حتّى يحصل اليقين بأن الجماعة الذين هم أفضل بني آدم بعد عليهم السّلام لا يجتمعون في خير القرون على عمل باطل بعد ارتحاله صلّى الله عليه وسلّم وأنّهم لا يجلسون مكانه صلّى الله عليه وسلّم فسقة ولا كفرة وإنّما قلت: إنّ الاصحاب أفضل بني آدم فإنّ هذه الامّة خير الامم بنصّ القرآن وهم أفضل هذه الامّة؛ لانّه لا يبلغ وليّ مرتبة صحابيّ أصلا فينبغي الرّجوع إلى الإنصاف قليلا وأن يفهم أنّ منع إتيان القرطاس لو كان كفرا من الفاروق لما نصّ الصّدّيق الذي هو أتقى هذه الامّة الّتي هي خير الامم بنصّ القرآن بخلافته ولما بايعه المهاجرون والانصار الذين اثنى عليهم الحقّ سبحانه وتعالى في القرآن المجيد ورضى الله عنهم ووعدهم بالجنّة ولما أجلسوه مكانه صلّى الله عليه وسلّم فإذا حصل حسن الظّنّ بصحبته وأصحابه صلّى الله عليه وسلّم الذي هو مقدّمة المحبّة فقد تيسّر النّجاة من مزاحمة أمثال هذه الشّبهات وحصل حدس بطلان هذه التّشكيكات فإن لم يحصل عياذا بالله سبحانه حسن الظّنّ بصحبته وبأصحابه عليهم الصّلاة والسّلام بل انجرّ الامر إلى سوء الظّنّ يكون ذاك الظّنّ السّوء منجرّا إلى صاحب تلك الصّحبة وصاحب الاصحاب بالضّرورة بل ينجرّ إلى مولى ذاك الصّاحب أيضا ينبغي وجدان شناعة هذا الامر كما ينبغي ما آمن برسول الله من لم يوقّر أصحابه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام في شأن أصحابه الكرام عليهم الرّضوان: من أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم فصارت محبّة الاصحاب مستلزمة لمحبّته وبغض الاصحاب مستلزما لبغضه عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فإذا علمت هذه المقدّمات حصل جواب هذه الشّبهة وأمثال هذه الشّبهة بلا تكلّف بل حصلت أجوبة متعدّدة فإنّ كلّ مقدّمة من هذه المقدّمات يمكن أن يقال: إنّها جواب من أجوبة معتدّ بها كما مرّ ومجموع هذه المقدّمات تحسم مادّة هذه الشّبهة بعون الله سبحانه وتخرج دفع هذا التّشكيك من النّظر إلى الحدس كما لا يخفى على الفطن المنصف ولفظ الحدس إنّما يجري على اللّسان مقحما وإلّا فأمثال هذه التّشكيكات بديهيّة البطلان والمقدّمات الّتي أوردت في بيان بطلان تلك الشّبهات إنّما هي من قبيل التّنبيهات على تلك البديهة بل أمثال هذه الشّبهات والتّشكيكات عند الفقير كصنعة ذي فنون جاء عند قوم حمقاء وأخذ حجرا محسوسا لهم وأثبت بالدّلائل والمقدّمات المزخرفة أنّه ذهب وحيث كان هؤلاء الحمقى عاجزين عن دفع تلك المقدّمات والمموّهة وقاصرين في تعيين موادّ غلط تلك الدلائل يقعون في الإشتباه بل يعتقدون ذهبيّته يقينا وينسون حسّهم بل يتّهمونه والذّكيّ ينبغي أن يعتمد على ضرورة الحسّ وأن يتّهم المقدّمات المموّهة وفيما نحن فيه أيضا أنّ جلالة شأن الخلفاء الثلاثة وعلوّ درجاتهم بل جلالة جميع أصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلاة والسّلام بمقتضى الكتاب والسّنّة محسوسة ومشهودة وقدح القادحين وطعن الطّاعنين فيهم بدلائل مموّهة كالقدح والطّعن في وجود ذلك الحجر ومغالطتهم فيه رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ فيا ليت شعري ما حملهم على سبّ أكابر الدين وطعن كبراء الإسلام وليس طعن أحد وسبّ شخص من الفسقة والكفرة ممّا يعدّ في الشّرع عبادة وكرامة وفضيلة ووسيلة إلى نجاة فكيف سبّ هداة الدين وطعن حماة الإسلام ولم يرد في الشّرع أنّ سبّ أعداء الرّسول عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام كأبي جهل وأبي لهب مثلا وطعنهم ممّا يعدّ عبادة وكرامة بل الإعراض عنهم وعن أحوالهم أولى وأنسب وأسلم عن تضييع الوقت والإشتغال بما لا يعنيه. تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عمّا كانوا يعملون. قال الله سبحانه وتعالى في القرآن المجيد في صفة أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ فظنّ العداوة والشّحناء في حقّ هؤلاء الاكابر مناف لنصّ القرآن.

Bagian V02/P209–V02/P211

وأيضا إن إثبات العداوة والحقد في هؤلاء الاكابر يستلزم القدح في كلا الفريقين ويرفع الامان من الطّائفتين فيلزم أن يكون كلا الفريقين من الاصحاب مطعونا فيهم عياذا بالله سبحانه من ذلك فيكون أفضل النّاس بعد الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام شرّ النّاس ويكون أفضل القرون شرّ القرون فإنّ أهل ذاك القرن كانوا كلّهم متّصفين بالعداوة والحقد ولا يجترئ على التّفوّه بذلك أحد من المسلمين ولا يجوز هذا المعنى أيّ جلالة وأيّ عظمة لعليّ - كرّم الله وجهه - في كون الخلفاء الثلاثة معادين له ويكون فيه عداوة مبطنة لهؤلاء الحضرات وما ذاك الّا قدح في الطّرفين لم لا يكون بعضهم مع بعض كاللّبن مع السّكّر ولا يكون بعضهم فانيا في البعض ولم يكن أمر الخلافة مرغوبا فيه عندهم ومطلوبا لهم حتّى يكون سببا للعداوة والحقد. كيف وقول " أقيلوني " معروف ومشهور من الصّدّيق وقال الفاروق: لو وجدت من يشتري الخلافة لبعتها على دينار. ومحاربة عليّ - كرّم الله وجهه - مع معاوية ومنازعته معه لم تكن بواسطة الميل إلى أمر الخلافة والرّغبة فيه بل لكون القتال مع البغاة فرضا ودفعهم ضروريّا قال الله تبارك وتعالى (فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيئ إلى أمر الله). غاية ما في الباب أنّ محاربي عليّ لمّا كانوا باغين مأوّلين وأصحاب رأي واجتهاد وإن كانوا مخطئين في هذا الإجتهاد كانوا مبرّئين عن الطّعن والملامة وبعيدين عن التّفسيق والتّكفير قال عليّ في شأنهم: إخواننا بغوا علينا ليسوا كفرة ولا فسقة لما لهم من التّأويل. قال الشّافعيّ وهو منقول عن عمر بن عبد العزيز تلك دماء طهّر الله عنها أيدينا فلنطهّر عنها السنتنا ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلّا للّذين آمنوا ربّنا إنّك رؤف رحيم والصّلاة والسّلام على سيّد الأنام وعلى آله وأصحابه الكرام إلى يوم القيام. المكتوب السّابع والتّسعون إلى الخواجه محمّد هاشم الكشميّ في جواب طلبه حلّ ما في المكتوب السّادس الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألتم أنّه ما معنى هذه العبارة الواقعة في المكتوب السّادس أظنّ أنّ المقصود من خلقتي هو أن تنصبغ الولاية المحمّديّة بالولاية الإبراهيميّة عليهما الصّلاة والسّلام وأن يكون حسن ملاحة هذه الولاية ممتزجا بجمال صباحة تلك الولاية وأن يبلغ مقام المحبوبيّة المحمّديّة بهذا الإنصباغ والإمتزاج درجة علياء. (اعلم) أنّ منصب الدلالة والمشاطة ليس بممنوع ولا محذور فيه أصلا والدلّال الذي يجعل بحسن الدلالة كلّا من المحبوبين صاحبي الجمال والكمال مختلطا بالآخر ويجعل حسن كلّ منهما مقترنا بحسن الآخر فعله هذا من كمال خدمته ونهاية شرفه وسعادته ولا يلزم من هذا المعنى نقص ولا قصور في شأنهما أصلا. وكذلك إذا زاد في حسنهما وجمالهما بالمشاطة وحصلت لهما بسببه طراوة وزينة أخرى فذلك شرافته وسعادته ولا يلزم من ذلك نقص وقصور لهما أصلا (شعر) في مجدكم لا يلحق النّقصان من . هذا ولى في ذاك ألف شرافة وبالجملة أنّ حصول الإنتفاع والإستفادة لاصحاب الدولة من جهة الغلمان والخدمة ليس بممنوع ولا محذور فيه أصلا لانّه ليس بمستلزم للقصور والنّقصان بل كمال أصحاب الدولة في خدمة الغلمان والخدمة وقاصر الدولة من لا يكون منتفعا ومتمتّعا بالخدمة ويعدّ الإنتفاع والتّمتّع بهم نقصانا والإستمداد والإستفادة منهم قصورا قال الله تبارك وتعالى يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين قال ابن عبّاس رضى الله عنهما إنّ سبب نزول هذه الآية إسلام الفاروق رضي الله عنه ومن البديهيّ أنّ خدمات الاصاغر والأسافل موجبة لمزيّة مرتبة الاكابر والأعالي فمن لم يهتد لامر بديهيّ فما قصور العبارة ألا ترى أنّ السّلاطين والأمراء محتاجون إلى الخدّم والحشّم في التّجمّل والتّسلّط ويرون أنّ كمالاتهم مربوطة بهم ولا قصور ولا نقصان من هذا المعنى في مراتبهم أصلا كما هو معلوم للوضيع والشّريف.

Bagian V02/P211–V02/P212

ومنشأ هذا الاشتباه عدم الفرق بين التّمتّع والإنتفاع الحاصل من جانب الاصاغر والتّمتّع والإنتفاع الحاصل من جانب الأعالي وقد تبيّن أنّ الاوّل موجب للكمال والثاني يزيد في النّقصان والأوّل مجوّز والثاني ممتنع والله سبحانه الملهم للصّواب رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى . المكتوب الثامن والتّسعون إلى المخدوم زاده الخواجه محمّد سعيد والمخدوم زاده جامع الأسرار والعلوم الخواجه محمّد معصوم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى قد سألتم أنّ العلماء قالوا: إنّ الحقّ سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا متّصلا بالعالم ولا منفصلا عن العالم فما تحقيق هذا المبحث؟ الجواب أنّ حصول نسبة الدخول والخروج والإتّصال والإنفصال إنّما يتصوّر بالنّظر إلى الموجودين فإنّ أحد الموجودين لا يخلو من إحدى هذه النّسب بالنّظر إلى الآخر ولا تحقّق للموجودين فيما نحن فيه حتّى يتصوّر حصول نسبة من هذه النّسب فإنّه تعالى موجود والعالم الذي هو ما سواه تعالى موهوم ومتخيّل وإن حصل للعالم بصنعه سبحانه وتعالى إتقان واستحكام على نهج لا يرتفع بارتفاع الوهم والخيال وكانت معاملة التّنعيم والتّعذيب الأبديّين مربوطة به ولكنّ ثبوته في مرتبة الحسّ والوهم ولا مقرّ له خارج الحسّ والوهم ومن كمال قدرته سبحانه وتعالى أعطى للموهوم المتخيّل حكم الموجود في حقّ الثبات والإستقرار وأجرى عليه أحكام الموجود ولكنّ الموجود والموهوم موهوم وإنّ تصوّره من قصر نظرهم على الظّاهر موجودا نظرا إلى ثباته واستقراره. وحكموا بأنّه موجود وتحقيق هذا المعنى مكتوب في كتبي ورسائلي بالتّفصيل فإن وقع الإحتياج فليراجع هناك فلا شيء يثبت للموجود من هذه النّسب بالنّسبة إلى موهوم بل يمكن أن يقال: إنّ الموجود ليس داخل الموهوم ولا خارجه ولا متّصلا به ولا منفصلا عنه فإنّ هناك موجود فقط لا اسم للموهوم ولا رسم حتّى تتصوّر النّسبة معه (ولنوضّح) هذا المبحث بمثال: انّ النّقطة الجوّالة تتوهّم من سرعة سيرها بصورة الدائرة والموجود هناك هو تلك النّقطة فقط وصورة الدائرة لا ثبوت لها في غير الوهم والمحلّ الذي فيه النّقطة لا اسم فيه من الدائرة الموهومة ولا رسم ففي هذه الصّورة لا يمكن أن يقال: إنّ النّقطة في داخل الدائرة ولا أنّها في خارجها أيضا وكذا لا يتصوّر بينهما الإتّصال والإنفصال أيضا فإنّه لا دائرة في تلك المرتبة حتّى تتصوّر النّسبة أثبت الجدار اوّلا ثمّ انقش (فإن قيل) إنّ الحقّ سبحانه أثبت نسبة قربه وإحاطته بالعالم والحال أنّه ما نسبة قرب الموجود إلى الموهوم وأيّ إحاطة له به فإنّه لا اسم من الموهوم ولا رسم فيما فيه الموجود حتّى يتصوّر المحيط والمحاط به؟ (أجيب) أنّ ذاك القرب والإحاطة ليس من قبيل قرب جسم من جسم وإحاطة جسم بجسم بل هما من النّسب المجهولة الكيفيّة والمعلومة الإنّيّة نثبت القرب والإحاطة له سبحانه ونؤمن بهما ولكن لا نعرف كيفيّتهما ما هي بخلاف النّسب الاربع الّتي نفيناها فيما سبق فإنّها كما أنّها مجهولة الكيفيّة غير معلومة الانّيّة أيضا فإنّ الشّرع لم يرد بثبوت هذه النّسب حتّى نثبتها ونقول إنّها مجهولة الكيفيّة وإن أمكن تجويز معنى اتّصال لا كيفيّ فيه سبحانه وتعالى مثل معنى قرب وإحاطة لا كيفيّ ولكن لمّا لم يرد إطلاق لفظ الإتّصال كما ورد لفظ القرب والإحاطة لا ينبغي أن يقول متّصلا ويجوز أن يقول قريبا ومحيطا. وإطلاق الإنفصال والخروج والدخول أيضا لم يرد مثل إطلاق الإتّصال وفي المثال المذكور أيضا لو أثبتنا للنّقطة الجوّالة إحاطة وقربا ومعيّة بالنّسبة إلى الدائرة الموهومة تكون تلك المذكورات مجهولة الكيفيّة فإنّه لا بدّ للنّسبة من المنتسبين وليس الموجود الّا النّقطة الجوّالة.

Bagian V02/P212–V02/P213

وكذلك الاتّصال والانفصال والخروج والدخول اللّاكيفيّة متصوّرة فيما نحن فيه وان لم يثبت المنتسبين فإنّ لزوم وجود الطّرفين إنّما هو لنسبة معلومة الكيفيّة لكونها متعارفة ومعتادة وما هو مجهول الكيفيّة فهو خارج عن حيطة العقل والحكم فيها بلزوم وجود الطّرفين من الأحكام الوهميّة الّتي هي ساقطة عن حيّز الإعتبار لكونه قياس الغائب على الشّاهد (تنبيه) وقولنا: إنّ العالم موهوم ومتخيّل بمعنى أنّ العالم واقع في مرتبة الوهم والخيال ووضعه حاصل في درجة الحسّ والإراءة كما إذا خلق القادر المتّصف بالكمال بصنعه الكامل الدائرة الموهومة الّتي لا نصيب لها غير اختراع الوهم والخيال في مرتبة الوهم والخيال وجعلها في تلك المرتبة متقنة ومستحكمة على نهج لو ارتفع الوهم والخيال بالكلّيّة لا يتطرّق الخلل إلى ثبوتها ولا يطرأ القصور على بقائها وهذه الدائرة الموهومة وإن لم يكن لها ثبوت في الخارج والموجود في الخارج هو تلك النّقطة فقط ولكنّ لها انتساب إلى وجود خارجيّ واستناد إلى موجود خارجي فإنّه لو لم تكن النّقطة من أين تكون الدائرة ناشئة. (شعر) إنّي أورى لغيري حين أذكرها . بذكر زينب عن ليلى فأوهمه ويجوز أن نقول لهذه الدائرة إنّها نقاب تلك النّقطة ويسوغ أيضا أن نقول: إنّها مرآة لشهود النّقطة ولو قلنا إنّها دليل على تلك النّقطة وهاد إليها فله وجه أيضا إطلاق النّقاب بالنّظر إلى العوامّ وإطلاق مرآة الشّهود والظّهور مناسب لمقام الولاية وملائم للإيمان الشّهوديّ وإطلاق الدليل والهادي مناسب لمرتبة كمالات النّبوّة وملائم للإيمان الغيبيّ الذي هو أتمّ وأكمل من الإيمان الشّهوديّ فإنّه لا بدّ في الشّهود من التّعلّق بالظّلّ وفي الغيب فراغة من هذا التّعلّق وفي الغيب وإن لم يكن حاصل بالفعل ولكن فيه وصول وتعلّق بالأصل وفي الشّهود وإن كان حاصل ولكن ليس فيه وصول لانّ فيه تعلّقا بالغير وهو ظلّ الاصل وبالجملة أنّ الحصول نقص والوصول كمال وهذا الكلام ليس ممّا يحصل في حوصلة قاصر وناقص بل يكادون يزعمون الحصول أفضل من الوصول والسّوفسطائيّ يقول من عدم عقله: العالم موهوم ومتخيّل بمعنى أنّه لا ثبوت له ولا تحقّق بغير اختراع الوهم ونحت الخيال فإذا تبدّل الوهم والخيال بتغيّر ذلك الثبوت والتّحقّق أيضا مثلا إذا تصوّر الوهم شيئا بالحلاوة فهو حلو وإذا تصوّر عين ذلك الشّيء في وقت آخر بالمرارة فهو مرّ وهؤلاء المخذولون غافلون عن خلق الله سبحانه وصنعه تعالى بل منكرون وبانتسابه إلى وجود خارجيّ واستناده إلى موجود خارجيّ جاهلون يريدون بهذه البلاهة رفع الأحكام الخارجيّة الّتي هي مربوطة بالعالم ودفع العذاب والثواب الاخرويّين الدائميّين وقد أخبر عنهما المخبر الصّادق عليه الصّلاة والسّلام ولا احتمال فيه للتّخلّف (أولئك حزب الشّيطان ألا إنّ حزب الشّيطان هم الخاسرون) (فإن قيل) حيث أثبت الثبات والإستقرار للعالم ولو في مرتبة الوهم والخيال وأثبت في حقّه معاملة التّعذيب والتّنعيم الأبديّين أيضا فلم لا تجوز إطلاقات الوجود عليها ولا نقول: إنّه موجود والحال أنّ الثبوت والوجود مترادفان كما هو مقرّر عند المتكلّمين؟ (أجيب) أنّ الوجود عند هذه الطّائفة العليّة أشرف الاشياء وأكرمها وأعزّها ويعتقدون أنّه مبدأ كلّ خير ومنشأ كلّ كمال فلا يجوّزون إطلاق مثل هذا الجوهر النّفيس على ما سوى الحقّ سبحانه الذي هو نقص وشرّ من القدم إلى الرّأس ولا يرضون بإعطاء الاشرف إلى الاخسّ. ومقتداهم في هذا الامر الكشف والفراسة وقد صار مكشوفا ومحسوسا لهم أنّ الوجود مخصوص بحضرة الحقّ سبحانه وتعالى وإذا قالوا لغيره تعالى موجودا فإنّما هو باعتبار أنّ لذلك الغير نسبة وارتباطا بالوجود وإن كانت مجهولة الكيفيّة وأنّه قائم بذلك الوجود قيام الظّلّ بالأصل. وأيضا إنّ الثبوت الذي حصل له في مرتبة الوهم والخيال هو ظلّ من ظلال ذلك الوجود.

Bagian V02/P213–V02/P214

ولمّا كان ذلك الوجود خارجيّا والحقّ سبحانه موجود في الخارج لو قيل لمرتبة الوهم بعد صنعه تعالى وإتقانه إنّها ظلّ من ظلال ذلك الخارج لجاز ولو قيل لهذا الثبوت الوهميّ باعتبار هاتين الظّلّيّتين أيضا وجودا خارجيّا لساغ بل لو قيل للعالم باعتبار هذه الظّلّيّة أيضا موجودا خارجيّا لكان جائزا (وبالجملة) أنّ كلّ ما هو في الممكن مستفاد من حضرة الوجود تعالى وتقدّس ما جاء بشيء من بيت أبيه. والقول بأنّه موجود خارجيّ بدون ملاحظة الظّلّيّة أمر عسير وإشراك له مع الحقّ تعالى في أخصّ أوصافه تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وما كتبه الفقير في بعض مكاتيبه ورسائله من أنّ العالم موجود خارجيّ ينبغي إرجاعه إلى هذا البيان وحمله إلى اعتبار الظّلّيّة وما قال المتكلّمون من ترادف الوجود للثّبوت والتّحقّق لعلّه باعتبار المعنى اللّغويّ وإلّا فأين الوجود وأين الثبوت. قال جمّ غفير من أرباب الكشف والشّهود ومن أهل النّظر والاستدلال في حقّ الوجود: إنّه عين حقيقة واجب الوجود تعالى. والثبوت من المعقولات الثانويّة شتّان ما بينها. (فائدة) كما أنّ الوجود مبدأ كلّ خير وكمال ومنشأ كلّ حسن وجمال كذلك العدم الذي هو مقابله يكون البتّة مبدأ كلّ شرّ ونقص ومنشأ كلّ قبح وفساد. فإن كان وبال فمنه ناش وإن ضلال فمنه كائن ومع ذلك فيه محاسن مودعة وحرف مكنونة فمن محاسنه جعله نفسه في مقابلة الوجود عدما مطلقا ولا شيئا محضا. ومن حرفه المستملحة جعل نفسه وقاية للوجود وأخذه الشّرور والنّقص لنفسه وأيضا إظهاره لكمالات الوجود وتمييزه كلّ واحد من تلك الكمالات من الاخرى في خارج موطن العلم وإيراده إيّاها من الإجمال إلى التّفصيل من صفاته المستحسنة وبالجملة أنّه قائم بخدمات الوجود. وحسن الوجود وجماله وكماله ظاهر من قبحه وشرّه ونقصه واستغناء الوجود من افتقاره وعزّه من ذلّه وثبوت العظمة والكبرياء للوجود بواسطة تسفّله ودناءته وشرافة الوجود من خسّته وسيادة الوجود من عبوديّته. (شعر) انأ الذي جعل الاستاذ أستاذا . عبد ولكنّني أعتقت مولايا وإبليس اللّعين الذي هو منشأ كلّ فساد وضلال شرّ من العدم أيضا والحرف الّتي هي كائنة في العدم هذا المخذول محروم عنها أيضا وصدور قول " أنا خير منه " حسم مادّة الخيريّة منه ودلّ على شرارته الصّرفة وحيث قابل العدم الوجود بلا شيئيّة وعدميّة فلا جرم صار مرآة للوجود ولمّا عارضه اللّعين بوجوده وخيريّته كان مردودا ومطرودا بالضّرورة (ينبغي) أن يتعلّم حسن التّقابل من العدم حيث قابل الوجوديّة بالعدميّة والكمال بالنّقص وحيث وقع على طرف من العزّة والجلال ظهر بذله وانكساره وكأنّ اللّعين جرّ جميع قباحة العدم على نفسه بعلّة التّكبّر والتّمرّد الذي كانا فيه ويتخيّل أنّه لم يبق في العدم شيئا غير الخير. نعم لو لا الخير لما يكون مرآة ومظهرا للخير لا يحمل عطايا الملك الّا مطاياه مثل مشهور وعلم أنّ إبليس كان لازما في هذا الموطن العالي ليأخذ مزابل الكلّ على رأسه بكناسيّته وليطهّر غيره ولكن لمّا جاء المخذول من طريق التّكبّر والتّرفّع وأورد خيريّته في نظره وحبط عمله وحرم الاجر كان خسر الدنيا والآخرة. علامة حاله في الحقيقة بخلاف العدم فإنّه مع وجود الشّرّ والنّقص واللّاشيئيّة الذّاتيّات فيه خرج من الحرمان وشرّف بمرآتيّة حضرة الوجود (فإن قيل) من أين نشأت كثرة الشّرّ في إبليس فإنّ فيما وراء العدم وجودا ولم يتطرّق إليه شرّ؟

Bagian V02/P214–V02/P216

(أجيب) كما أنّ العدم مرآة للوجود ومظهر للخير والكمال الوجود أيضا مرآة للعدم ومظهر للشّرّ والنّقص وإبليس عليه اللّعنة كما أنّه أخذ الشّرّ في جانب العدم من العدم الذي هو موطن الشّرّ أخذ في جانب الوجود الخباثة المتوهّمة الّتي ظهرت في مرآة الوجود من جهة مرآتيّته ومظهريّته للعدم فكان حاملا لشرّ الطّرفين الذّاتيّ والعرضيّ والأصليّ والظّلّي فبالضّرورة جعله ماليخوليا الوجود المشابه بالشّرّ محروما من العدميّة واللّاشيئيّة الّتي من الصّفات الحسنة للعدم ومع ذلك كان الشّرّ المتوهّم في جانب الوجود من مرآتيّته للعدم أيضا نصيبه فأوصله بالضّرورة إلى الخسارة الابديّة رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اِتَّبَعَ الْهُدى والتزم متابعة المصطفى عليه وعلى آله أتمّ الصّلاة وأكمل التّسليمات المكتوب التّاسع والتّسعون إلى المير محمّد نعمان في جواب أسئلته الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى (قد سألتم) انّ السّالك يرى نفسه أحيانا في وقت العروج في مقامات أصحاب الانبياء عليهم الصّلوات والتّحيّات الذين هم أفضل منه بالإجماع بل ربّما يجد نفسه في مقامات الانبياء عليهم الصّلاة والسّلام فما حقيقة هذه المعاملة وبعض النّاس هنا يتوهّمون مساواة ذلك السّالك لارباب تلك المقامات ويتخيّلون شركته في تلك المقامات مع أرباب تلك المقامات وبهذا التّوهّم والتّخيّل يردّونه ويطعنون فيه ويطيلون في حقّه لسان الملامة والشّكاية ينبغي كشف الغطاء عن وجه هذا المعمّي؟ (جوابه) هو أنّ وصول الاسافل إلى مقامات الأعالي يكون أحيانا من قبيل وصول الفقراء والمحتاجين إلى أبواب أصحاب الدول وأمكنة أرباب النّعم الخاصّة بهم ليطلبوا من هناك حاجة ويسألوا من دولهم ونعمهم مجاجة والقاصر في أمره يزعم هذا الوصول مساواة وشركة لهم وكثيرا ما يكون هذا الوصول من قبيل النّظارة والتّنزّه في الاماكن الخاصّة بالأمراء والسّلاطين بالوسائط والوسائل لينظر بنظر الإعتبار وليحصل له رغبة في علوّ الانظار. وأين المجال لتوهّم المساواة في هذا الوصول وكيف يتصوّر تخيّل الشّركة من هذا التّنزّه والنّظارة ووصول الخادمين إلى أمكنة خاصّة بالمخدومين لاداء حقوق الخدمة محسوس الوضيع والشّريف والأبله يتوهّم من هذا الوصول المساواة والشّركة وكلّ فراش وذاب ذباب وسيّاف قرناء السّلاطين وحاضرون في أخصّ أمكنتهم فمن توهّم الشّركة والمساواة من ههنا فقد كشف عن غاية خبطه. (ع) بلاء ذوي الآلام من كلّ جانب والنّاس يطلبون العلّة لملامة غريب ويخترعون الحيلة لطعنه وتشنيعه رزقهم الله سبحانه وتعالى الإنصاف وكان اللّائق بهم أن يطلبوا محملا لرفع الشّرور ودفع الملامة عن الضّعيف وأن يجتهدوا في حفظ عرض الإسلاميّة وأمرهم في الطّعن لا يخلو عن أحد الحالين إمّا أن يعتقدوا أنّ صاحب هذا الحال معتقد للشّركة والمساواة لارباب تلك المقامات أو لا فإن اعتقدوا ذلك فقد حكموا عليه بالكفر والزّندقة وأخرجوه من زمرة أهل الإسلام فإنّ اعتقاد الشّركة للأنبياء والمساواة معهم عليهم الصّلوات والتّسليمات كفر وكذلك اعتقاد المساواة للشّيخين عليهما الرّضوان الذين ثبتت أفضليّتهما بإجماع الصّحابة والتّابعين كما نقله جماعة من أكابر الائمّة واحد منهم الإمام الشّافعيّ عليهم الرّضوان بل الفضل لجميع الصّحابة على باقي الامّة فإنّه لا تكون فضيلة من الفضائل أصلا عديلة لفضل صحبة خير البشر عليه الصّلاة والسّلام.

Bagian V02/P216–V02/P217

والفعل اليسير الذي صدر من الاصحاب الكرام عليهم الرّضوان وقت ضعف الإسلام وقلّة المسلمين لتأييد الدين المتين ونصرة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات لو صرف غيرهم جميع عمرهم في الطّاعات بالرّياضات والمجاهدات لا يبلغ ذلك مرتبة ذاك الفعل القليل من الاصحاب ولهذا قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا لا يبلغ مدّ شعيرهم ولا نصيفه» وأفضليّة الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إنّما هي من جهة أنّه أسبق السّابقين في الإيمان وإنفاق الاموال الكثيرة والخدمات اللّائقة ولهذا نزل في شأنه قوله تعالى (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وقاتَلَ) الآية وصرف جماعة نظرهم إلى كثرة فضائل غيره ومناقبه وتوقّفوا في أفضليّته ولا يعلمون أنّ سبب الافضليّة لو كان كثرة الفضائل والمناقب يكون كثير من آحاد الامّة الذين فيهم هذه الفضائل أفضل من نبيّهم الذي ليست فيه هذه الفضائل فما به التّفاضل شيء آخر وراء هذه الفضائل والمناقب وهو في زعم هذا الفقير الاسبقيّة في تأييد الدين والأقدميّة في إنفاق الاموال وبذل الانفس لنصرة أحكام دين ربّ العالمين. وحيث كان النّبيّ أسبق من الكلّ يكون أفضل من الكلّ وكذلك كلّ من هو أسبق في هذا الامر فهو أفضل من المسبوقين وكأنّ السّابق أستاذ اللّاحقين ومعلّمهم في أمر الدين واللّاحقون يقتبسون من أنوار السّابقين ويستفيدون من بركاتهم. وصاحب هذه الدولة العظمى في هذه الامّة بعد نبيّنا عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام الصّدّيق الاكبر رضي الله تعالى عنه فإنّه أسبق السّابقين في إنفاق الاموال الكثيرة والمقاتلة والمجاهدة الشّديدة وبذل العرض والجاه ورفع الفساد والإشتباه لتأييد الدين المتين ونصرة سيّد المرسلين عليه وعليهم الصّلاة والسّلام فالأفضليّة على غيره مسلّمة إليه وحيث طلب النّبيّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام عزّة الإسلام وغلبته بإمداد عمر» . وكفى الله سبحانه في نصرة حبيبه في عالم الاسباب به وقال (يا أيّها النّبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين) قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: سبب نزول هذه الآية إسلام عمر تتعيّن الافضليّة بعد الصّدّيق رضي الله عنه له ولهذا انعقد إجماع الصّحابة والتّابعين على أفضليّة هذين الشّيخين المعظّمين كما مرّ وقال عليّ - كرّم الله وجهه - أيضا إنّ أبا بكر وعمر أفضل هذه الائمّة فمن فضّلني عليهما فهو مفتر اضربه بالسّياط كما يضرب المفترون (وتحقيق) هذا المبحث مندرج في كتبي ورسائلي بالتّفصيل لا مجال للزّيادة على ذلك في هذا المقام والأبله من يجعل نفسه عديلا لاصحاب خير البشر عليه وعليهم الصّلوات والتّسليمات والجاهل بالأخبار والآثار من يتصوّر نفسه من السّابقين ولكن ينبغي أن يعلم أنّ دولة تلك السّبقة الّتي هي باعثة على الافضليّة مخصوصة بأهل القرن الاوّل الذين تشرّفوا بشرف صحبة خير البشر عليه وعلى آله الصّلوات والتّسليمات وهذا المعنى مفقود في قرن آخر بل يكون لاحقوا بعض القرون أفضل من سابقي قرون أخر بل يجوز أن يكون اللّاحق في قرن أفضل من السّابق في ذلك القرن بصّر الله سبحانه الطّاعنين بشناعة طعن مسلم وطرد مؤمن بمجرّد التّوهّم والتّخيّل وبقباحة تكفير مسلم وتضليله بمحض التّعنّت والتّعصّب فما العلاج لو لم يكن المقول فيه قابلا للتّكفير ومستحقّا للتّضليل يرجع ذاك الكفر والضّلال بالضّرورة إلى أرباب ذاك القول ويتّصل من المرميّ بالكفر إلى الرّامي به كما ورد في الحديث النّبويّ عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (ولنرجع) إلى أصل الكلام فنبيّن الشّقّ الثاني ونقول: لو لم يكن للطّاعنين هذا الإعتقاد في حقّ صاحب هذا الحال ولا يوصلون معاملته إلى حدّ الكفر فحالهم أيضا لا يخلو من أحد الحالين إمّا أن يحملوا واقعته على الكذب والبهتان فهذا عين سوء الظّنّ بالمسلم وهو محظور عنه شرعا وإمّا أن لا يحملوا على الكذب والبهتان وأن لا يظنّوه معتقدا للشّركة والمساواة فحينئذ ما وجه الطّعن والملامة وما سبب تشنيعه وتعييبه فإنّ اللّائق بالواقعة الصّادقة أن يحمل على محامل صحيحة لا أن يشنّع صاحبها ويقبّح (فإن قيل) ما وجه إظهار مثل هذه الواقعة الموجبة للفتنة؟

Bagian V02/P217–V02/P219

(نقول) إنّ ظهور مثل هذه الأحوال من مشائخ الطّريقة كثير الوقوع وذلك عادة مستمرّة لهم وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام ولا يكون بلا نيّات حقّانيّة وإرادة صادقة والمقصود من هذه الكتابة أحيانا إظهار أحواله الموهوبة عند شيخه ليبيّن صحّة حاله وسقمه وليطلعه على تعبيره وتأويله وأحيانا ترغيب الطّلاب والتّلامذة وتحريضهم وأحيانا لا يكون مقصود من الكتابة لا هذا ولا ذاك بل يورده في هذا القيل والقال مجرّد السّكر وغلبة الحال ليتنفّس ممّا به قليلا وليخفّف عن نفسه لمحة ومن كان مقصوده من إظهار أمثال هذه الأحوال الشّهرة وقبول الخلق فهو مدّع بطّال وهذه الأحوال استدراج عليه ووبال ومتضمّنة لخذلانه وأنواع الاهوال رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ وما أبرّئ نفسي إنّ النّفس لامّارة بالسّوء الّا ما رحم ربّي إن ربّي لغفور رحيم (وسألتم) أيضا أنّه ما السّبب في أنّ الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات والأولياء عليهم الرّضوان يبتلون في الدنيا بأشدّ البلاء والمصائب والمحن كما قيل: إنّ أشدّ النّاس بلاء الانبياء ثمّ الأولياء ثمّ الامثل فالأمثل وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد (وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) ويفهم من هذه الآية الكريمة أنّ كلّ من يكون اكتسابه للسّيّئات أكثر يكون موردا للمصيبة في الاكثر فينبغي أن يبتلى بأشدّ البلاء والمصيبة غير الانبياء عليهم الصّلوات والتّسليمات وغير الأولياء عليهم الرّضوان دون الانبياء والأولياء عليهم الصّلاة والسّلام وأيضا إنّ هؤلاء الكبراء محبوبو الحقّ سبحانه أصالة وتبعا ومن خواصّ مقرّبيه تعالى فكيف يصحّ إحالة البليّات والمحن إلى المحبوبين وخواصّ المقرّبين وبأيّ وجه يجوز أذاهم وكيف يستقيم كون الاعداء في راحة ونعيم وإقامة الاحبّاء في بليّات وعذاب أليم (اعلم) أرشدك الله وهداك سواء الصّراط أنّ الدنيا ليست بموضوعة للتّنعّم والتّلذّذ وإنّما المعدّ للتّنعّم والتّلذّذ هي الآخرة وحيث كان بين الدنيا والآخرة نسبة الضّدّيّة والنّقاضة ورضاء احداهما مستلزم لسخط الاخرى يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى بالضّرورة فمن يكون تلذّذه وتنعّمه في الدنيا أوفر يكون تألّمه وتندّمه في الآخرة أكثر وكذلك من كان ابتلاؤه بالبليّات والمحن في الدنيا أكثر يكون احتظاظه وسروره في الآخرة بالتّنعّمات والتّلذّذات أزيد وأوفر وليت لبقاء الدنيا بالنّسبة إلى بقاء الآخرة حكم القطرة بالنّسبة إلى البحر المحيط نعم ماذا تكون نسبة المتناهي إلى غير المتناهي فلا جرم كان اللّائق بمقتضى الكرم ابتلاء الاحباب بمحنة أيّام في هذه الدار ليحتظّوا ويفرحوا بتنعّمات أبديّة وكان المناسب بموجب المكر والإستدراج احتظاظ الاعداء بتلذّذات قليلة ليبتلوا بتألّمات كثيرة (فإن قيل) إنّ الكافر الفقير الذي هو محروم في الدنيا والآخرة لم يكن تألّمه في الدنيا مستلزما لتلذّذه في الآخرة فما وجه ذلك؟ (نقول) إنّ الكافر عدوّ الله جلّ سلطانه ومستحقّ للعذاب الدائميّ ورفع العذاب عنه في الدنيا وتركه على وضعه وحاله عين التّلذّذ والتّنعّم ونفس الإحسان في حقّه ولهذا قيل لنفس الدنيا في حقّ الكافر إنّها جنّة غاية ما في الباب أنّ بعض الكفّار يرفع عنه العذاب في الدنيا ويعطى بعض التّلذّذات الاخرى أيضا وبعض آخر يرفع عنه العذاب ولا يعطى له شيء أخرى بل يكتفى في حقّه بالتذاذ إعطاء الفرصة والمهلة ورفع العذاب لكلّ ذلك حكم ومصالح (فإن قيل) إنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء ومقتدر لاكرام أوليائه بتلذّذات دنياويّة وتنعّمات أخرويّة من غير أن يكون التّلذّذ في إحداهما مستلزما للتّألّم في الاخرى في حقّهم. (أجيب بوجوه): (الأوّل) أنّهم لو لم يذوقوا في الدنيا بليّات أيّام قليلة ومحن أويقات يسيرة لا يعرفون قدر تلذّذات وتنعّمات أبديّة ولا يدركون قدر نعمة الصّحّة والعافية الدائمة كما ينبغي نعم من لم يجع بطنه لا يجد لذّة الطّعام ومن لم يكن مبتلى لا يعرف قدر الفراغة وكأنّ المقصود من تألّمهم الموقّت تحصيلهم لكمال التّلذّذ الدائميّ وظهر الجمال في حقّ هؤلاء الاكابر بصورة الجلال لابتلاء العوامّ يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. (والثاني) أنّ البليّات والمحن إن كانت عند العوامّ من أسباب التألّم ولكن كلّما يصيب من الجميل المطلق فهو من أسباب التّنعّم.

Bagian V02/P219–V02/P220

والإلتذاذ عند هؤلاء الاكابر وهم يجدون من التّلذّذ بالبلايا ما يجدون من التّنعّم بالنّعماء بل احتظاظهم من البلايا أكثر لكونها خالص مراد المحبوب وليس هذا الخلوص في النّعماء فإنّ النّفس أيضا مريدة لها وهاربة من البلايا فيكون البلاء عند هؤلاء الاكابر أفضل من النّعمة ويكون التذاذهم من البلاء أكثر من التذاذهم من النّعمة وحظّهم في الدنيا من البليّات والمصائب فلو لم يكن هذا الملح في الدنيا لما ساوت عندهم بشعيرة ولو لم تكن هذه الحلاوة فيها لكانت عبثا في نظرهم. (شعر) ألا إنّ قصدي من هواك تألّمي . وإلّا فأسباب النّعيم كثيرة فأولياؤه تعالى متلذّذون في الدنيا ومحتظّون ومسرورون في الآخرة ولذّتهم هذه في الدنيا لا تنافي حظّهم في الآخرة والتّلذّذ الذي ينافي حظّ الآخرة هو غير ذلك ممّا هو حاصل للعوامّ إلهي ما هذا الذي جعلت أولياءك بحيث أنّ ما هو سبب تألّم الآخرين سبب لالتذاذهم وما هو زحمة على الآخرين رحمة لهؤلاء الاكابر ونقمة الآخرين نعمة لهم النّاس مسرورون في السّرور ومغمومون في الغمّ وهؤلاء الكبراء مسرورون في السّرور وفرحون في الغمّ فإنّ نظرهم مصروف عن خصوصيّات الافعال الجميلة والرّذيلة ومقصور على جمال فاعل تلك الافعال الذي هو جميل مطلق وكانت الافعال عندهم أيضا محبوبة بحبّ الفاعل ومورّثة للالتذاذ. كلّ ما يصدر في العالم بمراد الفاعل الجميل جلّ سلطانه وإن كان من إيلامهم وإضرارهم فهو عين مرادهم المحبوب لهم وسبب التذاذهم إلهي ما هذا الفضل والكرامة حيث أعطيت مثل هذه الدولة الخفيّة والنّعمة الهنيئة لأوليائك مخفيا إيّاها من نظر الاغيار وأقمتهم بمرادك دائما محتظّين ومتلذّذين ورفعت عنهم الكراهة والتّألّم وجعلتها نصيب غيرهم وجعلت العار والفضيحة اللّذين من عيوب الآخرين جمال هذه الطّائفة العليّة وكمالهم وأودعت مرادهم في عين عدم حصول المراد وجعلت التذاذهم وسرورهم العاجلين سببا لزيادة حظوظهم الاخرويّة على عكس الآخرين ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ والثالث: أنّ هذه الدار دار ابتلاء والحقّ ممتزج فيها بالباطل والمحقّ مختلط بالمبطل فلو لم يعط الأولياء المحن والبلاء بل اعطيهما الاعداء لما يتميّز الأولياء من الاعداء ولتبطل حكمة الاختبار والامتحان وذلك مناف للإيمان بالغيب الذي السّعادة الدنيويّة والأخرويّة مودعة في ضمنه. قوله تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وقوله تعالى (ولِيَعْلَمَ الله مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) شاهد لهذا المعنى فجعل الله سبحانه أولياءه مبتلين بصورة البلاء والمحن ورمى في عيون الاعداء التّراب لتتمّ بذلك حكمة الإبتلاء والامتحان وليكون أولياؤه متلذّذين في عين البلاء وليكون الاعداء مطموسو البصيرة خائبين وخاسرين غافلين عن هذا الإبتلاء يضلّ به كثيرا ويهدي به كثيرا. وكانت معاملة الانبياء مع الكفّار أن تكون الغلبة أحيانا في هذا الجانب وأحيانا في ذاك الجانب كانت النّصرة في البدر في جانب أهل الإسلام وكانت الغلبة في الأحد في جانب الكفّار قال الله تبارك وتعالى (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ ولِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ والله لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ولِيُمَحِّصَ الله الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الْكافِرِينَ) والرّابع: أنّ الحقّ سبحانه وتعالى وإن كان قادرا على كلّ شيء ومقتدرا على إكرام أوليائه بالتّنعّم الدنيويّ والأخرويّ ولكنّ هذا المعنى مناف لحكمته وعادته سبحانه وتعالى وهو تعالى يحبّ أن يجعل قدرته مستورة تحت حكمته وعادته أن يجعل العلل والأسباب نقاب جناب قدسه فبحكم النّقاضة بين الدنيا والآخرة لا بدّ للأولياء من محن الدنيا وبليّتها حتّى تكون لهم تنعّمات الآخرة هنيئة مريئة وقد مرّ في جواب أصل السّؤال رمز إلى هذا المعنى (ولنرجع) إلى أصل الكلام ونبيّن تتمّة الجواب من أصل السّؤال ونقول: إنّ سبب الالم والبلاء والمصيبة وإن كان كسب الذّنوب والسّيّئات ولكنّ البليّات مكفّرة في الحقيقة للسّيّئات والمصيبات مزيلة لظلمات الذّنوب والخطيّات فالكرم في زيادة محن الأولياء وبليّاتهم لتكون كفارّة لسيّئاتهم ومزيلة لظلمات ذنوبهم وزلّاتهم ولا ينبغي أن تتصوّر سيّئات الأولياء وذنوبهم مثل سيّئات الاعداء وذنوبهم.

Bagian V02/P220–V02/P221

ولعلّكم سمعتم قولهم حسنات الابرار سيّئات المقرّبين فلو صدر عنهم الذّنب والعصيان لا يكون ذلك كذنب غيرهم وعصيانه بل يكون من قسم السّهو والنّسيان بعيدا من العزم والجدّ والطّغيان قال الله تبارك وتعالى (ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) فكثرة الآلام والمصائب والبليّات تدلّ على كثرة كفّارة السّيّئات لا على كثرة كسب السّيّئات فيعطي أكثر البلاء للأولياء ليكفّر عنهم سيّئاتهم فيقدمون إلى ربّهم طاهرين مطهّرين ويكونون محفوظين من محنة الآخرة ومصونين (نقل) أنّ في حين احتضار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ظهر فيه قلق واضطراب فلمّا شاهدت فاطمة رضي الله عنها منه صلّى الله عليه وسلّم ذلك صارت من كمال شفقتها وتحننّها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم - ولقوله صلّى الله عليه وسلّم " فاطمة بضعة منّى " مضطربة ومنزعجة فلمّا شاهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذاك الإضطراب والانزعاج من فاطمة الزّهراء في ذلك الوقت قال لتسليتها رضي الله عنها: إنّ محنة أبيك هي هذه فقط لا مكروه بعد ذلك ما أعظم دولة لو ارتفع العذاب الاشدّ والّا بقى بمحنة أيّام قليلة وإنّما يعامل بهذه المعاملة الأولياء دون غيرهم فإنّ ذنوب غيرهم لا تكفّر هنا كما ينبغي بل يؤخّر مجازاتهم إلى الآخرة فيكون الأولياء أحقّاء بكثرة الآلام والبليّات الدنيويّة وليس غيرهم مستحقّين لهذه الدولة فإنّ ذنوبهم كبيرة ومشغوليّتهم بالإلتجاء والتّضرّع والإستغفار والانكسار قليلة ونفوسهم على كسب المعاصي جسورة يكتسبون الذنوب بالجدّ والعزم ولا يخلون من التّمرّد والطّغيان والرّجم بل يكادون يستهزئون ويسخرون بآيات الله عزّ وجلّ والجزاء على قدر الجريمة فإن كانت الجريمة خفيفة وصاحبها ملتجئا ومتضرّعا إلى الله تعالى فهي قابلة للكفّارة بالبلاء الدنيويّ أمّا إذا كانت غليظة وصاحب الجريمة متمرّد ومتكبّر فهي حريّة بالجزاء الأخرويّ الذي هو أشدّ وأدوم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (وكتبتم) أيضا أنّ النّاس يستهزئون ويسخرون ويقولون: إنّ الحقّ سبحانه لم يبتلي أولياءه بالمحنة والبلاء ولم لا يجعلهم في التّلذّذ والتّنعّم دائما ويريدون نفي هذه الجماعة بهذا القيل والقال نعم: قد قال الكفّار أمثال هذه الكلمات في حقّه صلّى الله عليه وسلّم قال الله تعالى (وقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها) الآية ومدار أمثال هذه الكلمات على إنكار الآخرة وإنكار العذاب والثواب الدائمين وعلى الإعتداد بالتّلذّذات الفانية العاجلة والذي يؤمن بالآخرة ويذعن بالثّواب والعذاب الدائمين لا يورد محنة أيّام قليلة على نظره أصلا بل يتصوّر هذه المحنة الموقّتة الّتي هي سبب راحة مؤبّدة عين الرّاحة لا ينبغي الإصغاء إلى قيل النّاس وقالهم. والألم والبلاء والمحنة من شواهد المحبّة فإن زعمها مطموسو البصيرة منافية للمحبّة ماذا نصنع لا علاج غير الإعراض عن الجاهلين ومقالتهم فاصبر صبرا جميلا.

Bagian V02/P221–V02/P222

(جواب) آخر عن أصل السّؤال أنّ البلاء سوط المحبوب يمنع المحبّ من الالتفات إلى ما سوى المحبوب ويجعله متوجّها بكلّيّته إلى جناب قدسه فيكون المستحقّ للألم والبلاء الأولياء ليكون هذا البلاء مكفّرا لسيّئة التفاتهم إلى ما سواه ولا يكون غيرهم لائقا بهذه الدولة وكيف لا يجاء به إلى جانب المحبوب بلا اختيار فانّ كلّ من سبقت له العناية الازليّة يجاء به إلى جانب المحبوب بالجرّ والضّرب ويجتبى للمحبوبيّة ومن لا فيترك على اختياره فإن أدركته السّعادة الابديّة يسلك طريق الإنابة ويصل إلى المقصد بإمداد الفضل والعناية وإلّا فإيّاه وحاله اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فعلم من هذا أنّ البلاء في المرادين يكون اكثر منه في المريدين ولهذا قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذى هو رئيس المرادين والمحبوبين ما أوذي نبيّ مثل ما أوذيت فظهر في البلاء معنى الدلاليّة حيث أنّه أوصل الحبيب إلى الحبيب بحسن دلالته وجعله صافيا من الإلتفات إلى غير الحبيب والعجب أنّ الأولياء لو وجدوا ألوفا لاشتروا بها البلاء وغيرهم يريدون دفع البلاء بإعطاء ألوف (فإن قيل) قد يفهم الاضطراب والكراهة في الأولياء أيضا وقت إصابة الالم والبلاء في بعض الاحيان فما وجه ذلك؟ (أجيب) أنّ ذلك الإضطراب صوريّ يصدر عنهم أحيانا بمقتضى الطّينة البشريّة وفي إبقائه حكم ومصالح فإنّ الجهاد مع النّفس لا يتصوّر بدونه وقد سمعت ما ظهر من سيّد الاوّلين والآخرين عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام من الإضطراب والقلق في سكرات الموت وكان ذلك بقيّة الجهاد مع النّفس ليكون خاتمة خاتم الرّسل عليه وعليهم الصّلاة والسّلام على الجهاد مع أعداء الله تعالى وشدّة المجاهدة تحسم موادّ الصّفات البشريّة وتوصل النّفس إلى كمال الإنقياد وحقيقة الإطمئنان وتجعلها صافية زاكية فصار البلاء دلّال سوق المحبّة ومن لا محبّة له لا شغل له بالدّلّال ولا يحتاج إلى الدلاليّة ولا يكون لها عنده قدر ولا قيمة ووجه آخر للألم والبلاء حصول الإمتياز بين المحبّ الصّادق وبين المدّعي الكاذب فإنّ من كان صادقا يكون ملتذّا ومحتظّا بالبلاء ومن كان مدّعيا لا يكون نصيبه من البلاء غير التّألّم والكراهة ولا يهتدي إلى هذا التّمييز الّا من كان فيه شائبة من الصّدق حتّى يميّز بين حقيقة التّألّم وصورته ويفرّق بين حقيقة الصّفات البشريّة وصورتها. " الوليّ يعرف الوليّ " رمز إلى هذا البيان والله سبحانه الهادي إلى سبيل الرّشاد (وسألتم) أيضا أنّ العدم لا شيء محض كما قالوا فلا يكون له وجود فإذا لم يكن له وجود كيف تكون له آثار وترقّيات مع الوجود الذي عرض له في الذّهن فإن كانت تكون ذهنيّة فكيف تخرج عن دائرة الخيال؟ (اعلم) أنّ العدم وإن كان لا شيئا ولكنّ معاملة الاشياء كلّها قائمة به ومنشأ تفصيل الاشياء وكثرتها مرآتيّته والصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ شأنه الّتي انعكست في مرآة العدم جعلته متميّزا واستلزمته ثبوتا علميّا فبالضّرورة أخرجته أيضا من اللّاشيئيّة المحضة وصيّرته منشأ للآثار والأحكام وهذه الآثار والأحكام أيضا كائنة في خارج موطن العلم وثابتة في مرتبة الحسّ والوهم وحيث حصل لها في تلك المرتبة باستحكام صنع الله جلّ شأنه ثبات واستقرار بحيث لا ترتفع بزوال الحسّ والوهم يمكن أن يقال: إنّ هذه الآثار والأحكام خارجيّة وأنتم كيف تتعجّبون من ترقّيات العدم فإنّ جميع معاملة الكائنات مبتنية على العدم ينبغي أن يشاهد كمال قدرة الله جلّ شأنه حيث وسّع دائرة المعاملة هذه كلّها من العدم وأظهر كمالات الوجود بنقائصه ووجه ترقّيه في كمال الوضوح فإنّ الصّور العلميّة للأسماء الإلهيّة جلّ سلطانه متمكّنة فيه وكائنة به ومن الصّور إلى الحقيقة والظّلال إلى الاصل طريق سلطانيّ ومن لم يحسّ ذلك فهو مطموس البصيرة إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ إلى ربّه سبيلا.

Bagian V02/P222–V02/P223

ولفظ الذّهن والخيال لا يوقعنّك في الإشتباه والاحتمال ولا يجعلنّ صدور الآثار والتّرقّيات عسيرا في نظركم فإنّه ما من معاملة الّا وهي في العلم والخيال ليست بخارجة منهما غاية ما في الباب أنّ بين خيال وخيال فرقا كثيرا فإنّ الخلق في مرتبة الوهم والخيال غير اختراع الوهم والخيال فإنّ الاوّل واقعيّ وكائن في نفس الامر ويمكن أن يقال: إنّه موجود خارجيّ والثاني قليل النّصيب من هذه الدولة وقليل الحظّ من الثبات والإستقرار وقد كتبت بعض خصائص العدم في معرفة على حدة وأخذ نقلها المير محبّ الله فإن أردتم الإطّلاع عليها ينبغي المراجعة إليها (وسألتم) أيضا عن الفناء والبقاء وقد كتب هذا الفقير معنى هاتين الكلمتين في مواضع كثيرة من كتبه ورسائله ومع ذلك لو بقي الخفاء فيه فعلاجه الحضور والمشافهة فإنّ تمام الحقيقة لا يحصل بالكتابة فإن حصل ربّما يكون إظهاره بعيدا عن المصلحة فإنّه لا يدرى ماذا يفهم منه الإنسان وماذا يدرك. الفناء والبقاء شهوديّان لا وجوديّان العبد لا يكون متلاشيا ومتّحدا بالحقّ تعالى. العبد عبد أبدا . والرّبّ ربّ سرمدا زنادقة من يزعمون الفناء والبقاء وجوديّين ويظنّون " أنّ العبد يرفع عن نفسه تعيّنات وجوده ويتّحد مع أصله الذي منزّه عن التّعيّنات والقيودات ويصير مضمحلّا ومتلاشيا وباقيا بربّه كقطرة تكون فانية عن نفسه وتلحق بالبحر وترفع عن نفسه القيد وتتّحد بالمطلق " أعاذنا الله سبحانه من معتقداتهم السوء. وحقيقة الفناء عبارة عن نسيان ما سواه تعالى وعدم التّعلّق بغيره وتطهير ساحة الصّدر عن جميع مرادات النّفس ومقتضياتها الذي هو مناسب لمقام العبوديّة والمناسب لمقام البقاء هو قيام العبد بمرادات مولاه جلّ سلطانه وأن يجد مراداته سبحانه عين مرادات نفسه وذلك بعد شهود الآيات الأنفسيّة (وسألتم) أيضا أنّه قد أثبتّم سيرا فيما وراء الانفس والسّير في المراتب العشرة لعالم الخلق وعالم الامر وسير الهيئة الوحدانيّة داخل في السّير الانفسيّ فما يكون السّير فيما وراء الانفس؟ (اعلم) أنّ الانفس كالآفاق ظلال الاسماء الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا نسي الظّلّ بفضل الله جلّ سلطانه نفسه وتوجّه إلى أصله وحصل له تمام محبّة الاصل فبحكم " المرء مع من أحبّ " يجد نفسه عين أصله ويصرف لفظ " أنا " الذي كان يطلقه على نفسه إليه وكذلك لهذا الاصل أصل أيضا فيتوجّه من هذا الاصل إلى ذاك الاصل بل يجد نفسه عين ذاك الاصل وهلمّ جرّا إلى أن يبلغ الكتاب أجله وهذا السّير سير فيما وراء الانفس والآفاق ولكن ينبغي أن يعلم أنّ جماعة من القوم قالوا للسّير الانفسيّ " إنّه سير في الله " وذاك السّير الذي بيّنّاه آنفا غير هذا السّير الذي قاله بعض المشائخ فإنّ هذا السّير حصوليّ وذاك السّير وصوليّ والفرق بين الحصول والوصول مذكور في مكاتيب متعدّدة بالتّفصيل فليعلم من هناك (وسألتم) أيضا عن أقربيّة ذاته وصفاته وأفعاله جلّ سلطانه بيانه أيضا متعلّق بالحضور فإنّه لا مصلحة في كتابته ولئن كتبناه يكون مغلقا لا يعلم انفهامه بل لو فهم بالتّقرير في الحضور فهو أيضا مغتنم (وسألتم) أيضا عن كمالات مرتبة النّبوّة قائلا بأنّ الفناء والبقاء والتّجلّي ومبدئيّة التّعيّن كلّها في مراتب كمالات الولايات الثلاثة فباىّ كيفيّة يكون السّير في مراتب كمالات النّبوّة.

Bagian V02/P223–V02/P225

(اعلم) أنّ مراتب العروج ما دام بعضها متميّزا عن بعض ويحصل السّير من أصل إلى اصل فكلّ كمالات حاصلة فيها داخلة في دائرة الولايات فإذا زال ذلك التّميّز وانعدم التّفصيل ووقعت المعاملة في الإجمال والبساطة يقع الشّروع في كمالات مرتبة النّبوّة وإن كان في تلك المرتبة أيضا وسعة " إنّ الله واسع عليم " ولكنّ تلك الوسعة وسعة أخرى فإن كان فيها تميّز فهو أيضا تميّز آخر وماذا أكتب زيادة على ذلك وماذا يفهم منه رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (وسألتم) أيضا عن بعض أسرار الصّلاة فأخّرنا جوابه إلى وقت آخر فإنّ الوقت الآن ضيّق جدّا وإنّما نكتب بعض المعارف بسرقة الوقت من يد الزّمان وأهله ارحموا الفقير ولا تجاسروا في الإستفسار رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وثَبِّتْ أَقْدامَنا واُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ الحمد لله ربّ العالمين أوّلّا وآخرا والصّلاة والتّحيّة على رسوله دائما وسرمدا وعلى آله الكرام وصحبه العظام إلى يوم القيام. تمّ الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث أوّله: أمّا بعد فهذه كلمات إلخ [المجلد الثالث] بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد فهذه كلمات طيّبات وحروف عاليات كلّ نقطة منها مركز فرجار القلوب المضطربة العديمة القرار ويتفجّر منها عيون المعارف والأسرار أمثال الانهار والبحار وخال مزيّن لخدود عروس الحقائق وإنسان أبصار نقّاد الدقائق أو درّة التّاج استخرجها من لجّة بحر الاحديّة يد الباطن الطّوليّ إلى السّاحل أو النّافجة المحيية للرّوح جاء بها بنان البيان من سرّة ظباء بيداء الهويّة إلى المحافل أغنى الله فقراءه بهذا الدرّ اليتيم وروح مشامّ أرواحهم بهذا الشّميم. الأشعار الفارسيّة ز هريك نقطه اش جون نافهءتر . شميم وصل جانان مزند سر ولى آن كز برودت در زكام ست . ? ه داند نافه اش كر در مشام ست سرايم مدح آن سياح غواص . كنم خورشيد را ? ون ذره رقاص مهين فرزند فاروقست ? ون آب . كنون نطق از زبان أو كندرب سرا? ا نسخهء أخلاق فاروق . بزهر منقصت ترياق فاروق ? راغ نقشبند هفت محفل . نكاهش نقشبند الله از دل غوث الخلائق غوّاص الحقائق معراج الوصول منهاج القبول خزينة الرّحمة دفينة الحكمة مشرّف القلوب مشرق الغيوب لجّة العمل حجّة الكمّل حدقة الاخيار حديقة الاحبار نور الطّريق نور الحقيقة زين العالمين عين العالمين ذروة المنا عروة الرّجا مرآة الإراءة مرقاة المحبّة مطلع الرّموز والإشارات منبع الكنوز والبشارات ملّاح بحر الملاحة مصباح بيت الصّباحة الصّلة بين البحرين المصلح بين الفئتين مستشهد المتكلّمين مستمسك المتوحّدين برهان السّلف سلطان الخلف وثيقة هذه الوفود طليعة المهديّ الموعود ذكاء الاصل والفرع سناء الدين والشّرع وارث سيّد البشر منوّر المائة الحادية عشر مجدّد الالف الثاني الإمام الرّبّانيّ كجا كردد ز وصفش خامة اكاه . ? ه نم دريابد از دريائى ? ر كاه مان بهتر كز بن بس كوش باشم .

Bagian V02/P225–V02/P226

سايم نغمة وخاموش باشم سميّ المصطفى بالاسم الذى بشّر به عيسى الشّيخ أحمد ابن الشّيخ عبد الاحد الفاروقيّ نسبا والحنفيّ مذهبا والنّقشبنديّ مشربا أدام الله سبحانه ظلال حياته على العالمين وأرواهم من بحار بركاته إلى يوم الدين حبّذا حال النّاظرين السّليمي البال الذين يفتحون سواد النّظر إلى هذا المداد الذى هو السّواد الاعظم من الأسرار والحكم فيجدون من هذا المداد بإعلام ربّانيّ إمداد الحضور ومن ذلك السّواد تكون سويداء قلوبهم ملآنة بالنّور ونعم مآل القارئين المستقيمي الأحوال الذين إذا ألّفت السنتهم بهذه المعارف العالية تغيب أرواحهم بالهام سبحانيّ في سكر السّكر والشّكر ومرحبا بالمستعدّين المستسعدين بصفاء الطّبيعة وحسن الاعتقاد الذين إذا لم يرتفع لهم الحجاب عن جمال هذه النّكات والرّموز الّتي هي وراء طور العقل من غاية الدقّة والغموض يعترفون بقصورهم وعدم وجدانهم ويسلّمون للكلّ سالكين طريقا صدف القائلين (ع) وليس يدري سواهم منهم أحد فيحوزون نقد ثمرات السّعادات الابديّة ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ويا حسرتا على القارئين النّاظرين إليه شزرا والسّامعين المهذرين في الكلام هذرا الذين إذا وافق من هذه الملهمات الغيبيّة شيء طبعهم وناسب فهمهم يحملونه على مهارة صاحب المقال في القيل والقال ونحت الخيال وما لم يجدوه كذلك يبسطون السنتهم بالسّوء من قصور النّظر وبحكم: «المرء لا يزال عدوّا لما جهله " يزمّرون مزامير الجدال المنحوس الاثر ولا يعلمون أنّ هذه الطّائفة العليّة ليسوا في البين في إظهار هذه الأسرار الخفيّة (شعر) ليس منهم هذه الال? . حان بل من مطرب بصّر الله سبحانه إخواننا سرائر عيوبهم وأطلعهم على الأسرار الغيبيّة الصّادرة من أهل الصّفاء بطهارة قلوبهم ورزقهم مخلصا من قيد الكيد وغلّ الغلّ للمخلصين وما قلت: إنّهم ليسوا في البين في إظهار الأسرار ليسمع شاهده أيضا من صاحب هذه الأسرار ولحاله في حاله برهان ولمّا اختتم الجلد الاوّل من المكتوبات معدن الفتوحات الذي درّ المعرفة اسمه وتأريخ اختتامه بلغ بعض متعطّشي زلال المقال إلى العرض الاقدس أنّه لو وردت الإشارة العالية بجمع أنهار الأسرار الّتي تنبع بعد ذلك من عيون الاقلام ليجتمع بحر الجلد الثاني فقال حضرة شيخنا في الجواب من غاية الانكسار والخشية: إنّي في فكرة أنّ كلّ هذه العلوم الّتي بيّنت وحرّرت هل تكون مقبولة ومرضيّة أم لا فسكت مترصّدا للإشارة والبشارة ثمّ قال في غداة ذلك اليوم: إنّه قد هتف بي هاتف بالامس أنّ هذه العلوم الّتي كتبتها بل ما جرى على لسانك كلّها مقبولة ومرضيّة وقيل: إشارة إلى ما كتبته: إنّ كلّ ذلك مقالتنا وبياننا وأورد في ذلك الوقت جميع تلك العلوم في نظري فنظرت إلى كلّ واحد منها إجمالا وتفصيلا سيّما إلى العلوم الّتي كان لى فيها تردّد فوجدت كلّها داخلة في ذلك الحكم الحمد لله على الإحسان فشرع في إجراء اقدام الاقلام المحترمة بكتابة الأسرار ولمّا بلغ ما حواه ذلك الجلد تسعا وتسعين مكتوبا مطابقا للأسماء الحسنى اختتم على ذلك في عام تأريخه ظاهر من نور الخلائق ثمّ لمّا ورد بعض المكاتيب إلى منصّة الظّهور ومجلّة السّطور التمس الامير النّسيب والسّيّد الحبيب قطب الزّمان حرز الامان. (شعر) در تفريد را بحرى وكانى . تن تجريد را روحى وجاني دم از آئينه سازد نور زائل .

Bagian V02/P226–V02/P228

دم او صيقل آئينهء دل معدن الإيقان والعرفان معمّد نعمان بن شمس الدين يحيى الشّهير بمير بزرك البدخشانىّ سلّمه الله تعالى وأبقاه وهو من كمّل خلفاء حضرة شيخنا مقيم في صوب دكن بهداية البريّة وترويج الطّريقة العليّة بأمره العالي نظم تلك اللّالئ المنثورة ليجعل دفينة الجلد الثالث فصار ملتمسه مقرونا بالإجابة ولمّا بلغ المكاتيب زهاء ثلاثين حالت المهاجرة الصّوريّة الضّروريّة بين السّيّد المذكور وبين ذلك الجناب ولم يرغب خاطر حضرة شيخنا أيضا في تحرير المعارف وتقرير المكاشف مدّة طويلة إلى أن استسعد هذا الضّعيف الذى ذكر اسمه في آخر المكتوب الاوّل من هذا الجلد بعد مضيّ سنين بتأييد الله وهدايته سبحانه بالجلوس على تراب العتبة العليّة في السّنة الّتي تظهر من خاك نشين فشرع بحر نيسان حضرة شيخنا في التّموّج بالتّقرير وانبوب بنانه في النّبع بالتّحرير وامتاز هذا الفقير من غاية رحمته وعنايته له بجمع تلك المسوّدات ونقلها إلى البياض وتشرّف بإتمام الجلد الثالث في تلك السّنة الّتي تظهر أيضا من لفظ ثالث بإمداد مبدأ الفيّاض ولمّا بلغ عدد المكاتيب مائة وثلاثة عشر مكتوبا موافقا لعدد حروف باقي وكان التّقرير على ذلك في غاية اللّياقة باعتبارات ثلاثة اختتم عليه في عام يلوح حسابه من كأس الرّاسخين ولمّا ظهر بعض المكاتيب بعد ذلك بعلوم جديدة وأسرار غريبة أمر أن نجعله به مسك الختام فبإلحاقه طابق عدد المكاتيب بعدد سور القرآن الحمد لله أوّلا وآخرا وظاهرا وباطنا رزق الله سبحانه للطّلّاب من هذه المائدة قوت الارواح وقوّة الإيمان إلى يوم التّناد بحقّ الحقّ الهادي إلى سبيل الرّشاد. المكتوب الاوّل إلى السّيّد المير محمّد نعمان في جواب سؤاله عن أقربيّة أفعال الواجب وصفاته وذاته جلّ سلطانه بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وصلت الصّحيفة الشّريفة قد ارتكبتم مشقّة كثيرة جعل الله سبحانه سعيكم مشكورا ولمّا استفسرتم عن أقربيّة أفعال الواجب وصفاته وذاته جلّ سلطانه مكرّرا وولهتم ببيانه أردنا أن نذكر منها قدرا يسيرا (اعلم) أنّ كلّ شيء هو ذلك الشّيء بماهيّته وجعل الجاعل لثبوت الماهيّة لذلك الشّيء ليس بلازم أصلا فإنّ ثبوت الشّيء لنفسه ضروريّ ومن ههنا قالوا: إنّ الجعل ليس بثابت في نفس الماهيّة والماهيّة ليست بمجعولة والجعل إنّما هو لاتّصاف الماهيّة بالوجود ألا ترى أنّ فعل الصّبّاغ إنّما هو في اتّصاف الثوب باللّون لا أنّه يجعل الثوب ثوبا واللّون لونا فإنّه محال لكونه تحصيل الحاصل فلم يكن الجعل في نفس الشّيء بل في اتّصاف الشّيء بالوجود فثبت أنّ الشّيء إنّما يكون شيئا بماهيّته وهذا المعنى مفقود في ظلّ الشّيء وعكس الشّيء في النّظر الكشفيّ فإنّ عكس الشّيء وظلّه ليسا بظلّ وعكس بماهيّتهما الظّلّيّة والعكسيّة بل بماهيّة أصلهما فإنّ الظّلّ لا ماهيّة له والظّاهر به انّما هو ماهيّة الاصل أظهرت نفسها بالظّلّ فيكون الاصل أقرب إلى الظّلّ من نفسه فإنّ الظّلّ ظلّ بأصله لا بنفسه وحيث أنّ العالم ظلال أفعال الواجب جلّ سلطانه وعكوسها تكون الافعال الّتي هي أصولها أقرب إلى العالم من العالم بالضّرورة وكذلك الافعال ظلال صفات الواجب جلّ شأنه فتكون أقرب إلى العالم من العالم وأصوله الّتي هي الافعال لكونها أصل الاصل وحيث أنّ الصّفات ظلال حضرة الذّات الّتي هي أصل جميع الاصول فلا جرم تكون الذّات أقرب إلى العالم من العالم ومن الافعال والصّفات الواجبيّة هذا هو بيان أقربيّته تعالى الممكن إيراده في حيّز التّحرير فلو أنصف العقلاء يحتمل أنّهم يقبلون هذا المعنى فإن لم يقبلوا فلا غمّ لانّه خارج عن المبحث وحيث اندرج في هذا البيان المقدّمات المعقولة لو أشركتم السّيّد المير شمس الدين علي في مطالعة هذا المكتوب لساغ وكتبتم أنّه قد أردنا الشّروع في جمع الجلد الثالث من المكتوبات فامضوا على ما أردتم فإنّ أهل الله إذا رأوا في أمر صلاحا يحتمل أن يكون مباركا وإذا فوّضتم هذا الامر إلى المير المشار إليه فليجعل النّسخ متعدّدة وليرسل نسخة إلى سرهند وليحفظ المسوّدات ولعلّها يقع الاحتياج إليها والفقير متحيّر في سفركم وقعودكم فمن جهة أنّه حريص على ملاقاتكم لا يقدر أن يحرّك شفتيه بسفركم ولا يقدر أن يدلّكم على القعود أيضا لخوف كون القعود سببا لفوت مصالح جمع كثير ولكن إذا سافرتم أرسلوا هنا الخواجه محمّد هاشم ليكون في الصّحبة أيّاما وليأخذ بعض العلوم والمعارف فإنّه يرى شابّا قابلا وحيث انّ المشار إليه مربّاكم وعارف بمذاقكم فينبغي أن تحيلوا الاستفسارات عليه فيستمع الجواب ويؤدّيه إليكم والسّلام.

Bagian V02/P228–V02/P229

المكتوب الثاني إلى جامع الأسرار والعلوم حضرة المخدوم زاده الخواجه محمّد معصوم سلّمه الله تعالى في المواعظ والإنقطاع عن الخلق والالتجاء إلى جناب الحقّ سبحانه وتعالى الحمد لله ربّ العالمين في السّرّاء والضّرّاء وفي اليسر والعسر وفي النّعمة والنّقمة وفي الرّحمة والزّحمة وفي الشّدّة والرّخاء وفي العطيّة والبلاء والصّلاة والسّلام على من ما أوذي نبيّ مثل إيذائه وما ابتلي رسول بنحو ابتلائه لهذا صار رحمة للعالمين وسيّد الاوّلين والآخرين. (أيّها الاولاد الكرام) إنّ وقت الابتلاء وإن كان مرّا كريه الطّعم ولكنّ الفرصة مغتنمة وحيث أنّكم أعطيتم الفرصة في هذا الوقت ينبغي أن تؤدّوا حمد الله جلّ شأنه وأن تتوجّهوا إلى أمركم من غير أن تجوّزوا لأنفسكم فراغة لمحة ولحظة ولا ينبغي لكم الخلوّ عن أحد أمور ثلاثة: تلاوة القرآن المجيد وأداء الصّلاة بطول القراءة وتكرار الكلمة الطّيّبة لا إله الّا الله ينبغي أن ينفى بكلمة " لا " آلهة أهواء النّفس وأن يدفع المقاصد والمرادات فإنّ طلب الإنسان مراده دعوى منه الالوهيّة (ينبغي) أن لا يكون في ساحة الصّدر مجال مراد أصلا وأن لا يبقى هوس في المتخيّلة قطعا حتّى تتحقّق حقيقة العبوديّة طلب العبد حصول مراده مستلزم لدفع مراد مولاه ومعارضة على ربّه وهذا المعنى مستلزم لنفي مولاه وإثبات مولويّة نفسه (ينبغي) أن يدرك قبح هذا الامر وأن ينفي دعوى الالوهيّة عن نفسه إلى أن لا يبقى شيء من الاهواء والهوسات والمرادات غير مراد المولى وهذا المعنى نرجو أن يتيسّر في أيّام البلاء وأوقات الابتلاء بالسّهولة بعناية الله سبحانه وأمّا في غير هذه الايّام فكلّ واحد من هذه الاهواء والهوسات كسدّ يأجوج فينبغي الاشتغال بهذا الامر قاعدين في الزّوايا إنّ الفرصة مغتنمة القليل في أيّام الفتن يتقبّل بالكثير في غير أيّام الفتن لا بدّ من الرّياضات والمجاهدات الخبر شرط يقع الملاقاة أم لا والنّصيحة هي أن لا يبقى مراد ولا هوس أصلا وأطلعوا والدتكم أيضا على هذا المعنى ودلّوها عليه وأحوال هذه النّشأة حيث كانت ماضية ماذا نورد منها في معرض البيان ارحموا الصّغار ورغّبوهم في القراءة وأرضوا أهل الحقوق من جانبنا مهما أمكن وكونوا ممدّين ومعاونين بدعاء سلامة الإيمان ولنكتب مكرّرا ومؤكّدا أنّه لا تصرفوا هذا الوقت في أمور لا طائل فيها وينبغي أن لا تشتغلوا بشيء غير ذكر الله جلّ شأنه وإن كان مطالعة الكتب وتعليم الطّلبة فإنّ الوقت وقت الذّكر واجعلوا الاهواء النّفسانيّة داخلة تحت لا حتّى تكون منتفية بالتّمام ولا يبقى مراد ومقصود في الصّدر حتّى إن تخلّصي بالفعل الذي هو من أهمّ مقاصدكم ينبغي أن لا يكون مرادا لكم وارضوا بتقديره وفعله وإرادته تعالى وينبغي أن لا يكون في جانب الإثبات من الكلمة الطّيّبة شيء غير غيب الهويّة الذي هو وراء وراء المعلومات والمتخيّلات وهمّ الدار والقصر والبئر والبستان والكتب وأشياء أخر سهل ينبغي أن لا يكون شيء مزاحما لوقتكم ولا يكون شيء غير مرضيّات الحقّ جلّ وعلا مرضيّا ومرادا لكم فإنّا لو ذهبنا ذهبت هذه الاشياء كلّها فلتذهب في حياتنا لا تتفكّروا فيها وقد ترك الأولياء هذه الامور باختيارهم فلنتركها نحن باختياره تعالى ونشكره سبحانه فعسى أن نكون من المخلصين - بفتح اللّام - وكلّ موضع قعدتم فيه ينبغي أن تعتقدوه وطنا وفي أيّ محلّ تمرّ حياة أيّام قليلة ينبغي أن تمرّ بذكر الحقّ جلّ شأنه فإن معاملة الدنيا سهلة ينبغي التّوجّه إلى معاملة الآخرة وينبغي أن تسلّوا والدتكم وأن ترغبوها في الآخرة فإن قدّر الله سبحانه الملاقاة في الدنيا فتتيسّر والّا فينبغي الرّضاء والتّسليم بتقدير الله تعالى والدعاء لان يجمع الله سبحانه وتعالى في دار السّلام محلّا لتلافي ملاقات الدنيا بكرمه تعالى على الآخرة الحمد لله على كلّ حال. المكتوب الثالث إلى المير محبّ الله المانك?

Pertanyaan

İmam Rabbânî — Mektûbât (ed-Dürerü'l-meknûnât, Arapça ta'rîb) · 26 · Qur'an & Sunnah