Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P010

مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي إملاء في يوم السبت سلخ شوال سنة تسع وسبعين وأربعمائة في زاوية من حصار أوزجند الحمد لله الحميد المجيد المبدىء المعيد الفعال لما يريد ذي البطش الشديد والأمر الحميد والحكم الرشيد والوعد والوعيد نحمده على ما أكرمنا به من ميراث النبوة ونشكره على ما هدانا إليه بما هو أصل في الدين والمروة وهو العلم الذي هو أنفس الأعلاق وأجل مكتسب في الآفاق فهو أعز عند الكريم من الكبريت الأحمر والزمرد الأخضر ونثارة الدر والعنبر ونفيس الياقوت والجوهر من جمعه فقد جمع العز والشرف ومن عدمه فقد عدم مجامع الخير واللطف يقوي الضعيف ويزيد عز الشريف يرفع الخامل الحقير ويمول العائل الفقير به يطلب رضا الرحمن وتستفتح أبواب الجنان وينال العز في الدين والدنيا والمحمدة في البدء والعقبى لأجله بعث الله النبيين وختمهم بسيد المرسلين وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين وبعد فإن من أفضل الأمور وأشرفها عند الجمهور بعد معرفة أصل الدين الاقتداء بالأئمة المتقدمين في بذل المجهود لمعرفة الأحكام فبها يتأتى الفصل بين الحلال والحرام وقد سمي الله تعالى ذلك في محكم تنزيله الخير الكثير فقال ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فسر ابن عباس رضي الله عنهما وغيره الحكمة بعلم الفقه وهو المراد بقوله عز وجل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة أي ببيان الفقه ومحاسن الشريعة فقال صلى الله عليه وسلم برواية ابن عباس رضي الله عنهما من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وقال عليه السلام خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا تفقهوا وإلى ذلك دعا الله الصحابة الذين هم أعلام الدين وقدوة المتأخرين فقال فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما عبد الله بشيء أفضل من الفقه في الدين ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد وقال صلى الله عليه وسلم قليل من الفقه خير من كثير من العمل غير أن تمام الفقه لا يكون إلا باجتماع ثلاثة أشياء العلم بالمشروبات والإتقان في معرفة ذلك بالوقوف على النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها ثم العمل بذلك فتمام المقصود لا يكون إلا بعد العمل بالعلم ومن كان حافظا للمشروبات من غير إتقان في المعرفة فهو من جملة الرواة وبعد الإتقان إذا لم يكن عاملا بما يعلم فهو فقيه من وجه دون وجه فأما إذا كان عاملا بما يعلم فهو الفقيه المطلق الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هو أشد على الشيطان من ألف عابد وهو صفة المقدمين من أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رضي الله عنهم ولا يخفى ذلك على من يتأمل في أقوالهم وأحوالهم عن إنصاف فذلك الذي دعاني إلى إملاء شرح في الكتب التي صنفها محمد بن الحسن رحمه الله بآكد إشارة وأسهل عبارة ولما انتهى المقصود من ذلك رأيت من الصواب أن أبين للمقتسبين أصول ما بنيت عليها شرح الكتب ليكون الوقوف على الأصول معينا لهم على فهم ما هو الحقيقة في الفروع ومرشدا لهم إلى ما وقع الإخلال به في بيان الفروع فالأصول معدودة والحوادث ممدودة والمجموعات في هذا الباب كثيرة للمتقدمين والمتأخرين وإنا فيما قصدته بهم من المقتدين رجاء أن أكون من الأشباه فخير الأمور الاتباع وشرها الابتداع وما توفيقي إلا بالله عليه أتكل وإليه أبتهل وبه أعتصم وله أستسلم وبحوله أعتضد وإياه أعتمد فمن اعتصم به فاز بالخيرات سهمه ولاح في الصعود نجمه فأحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهى لأن معظم الابتلاء بهما وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام

Bagian V01/P010–V01/P012

& باب الأمر & قال رضي الله عنه اعلم أن الأمر أحد أقسام الكلام بمنزلة الخبر والاستخبار وهو عند أهل اللسان قول المرء لغيره افعل ولكن الفقهاء قالوا هذه الكلمة إذا خاطب المرء بها من هو مثله أو دونه فهو أمر وإذا خاطب بها من هو فوقه لا يكون أمرا لأن الأمر يتعلق بالمأمور فإن كان المخاطب ممن يجوز أن يكون مأمور المخاطب كان أمرا وإن كان ممن لا يجوز أن يكون مأموره لا يكون أمرا كقول الداعي اللهم اغفر لي وارحمني يكون سؤالا ودعاء لا أمرا ثم المراد بالأمر يعرف بهذه الصيغة فقط ولا يعرف حقيقة الأمر بدون هذه الصيغة في قول الجمهور من الفقهاء وقال بعض أصحاب مالك والشافعي يعرف حقيقة المراد بالأمر بدون هذه الصيغة وعلى هذا يبتني الخلاف في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها موجبة أم لا واحتجوا في ذلك بقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي عن سمته وطريقته في أفعاله وقال تعالى وما أمر فرعون برشيد والمراد فعله وطريقته وقال تعالى وأمرهم شورى بينهم أي أفعالهم وقال تعالى وتنازعتم في الأمر أي فيما تقدمون عليه من الفعل وقال تعالى قل إن الأمر كله لله المراد الشأن والفعل والعرب تقول أمر فلان سديد مستقيم أي حاله وأفعاله وإذا ثبت أن الأمر يعبر به عن الفعل كان حقيقة فيه يوضحه أن العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول فقالوا فيه أوامر والأمر الذي هو الفعل فقالوا في جمعه أمور ففي التفريق بين الجمعين دلالة على أن كل واحد منه حقيقة ومن يقول إن استعمال الأمر في الفعل بطريق المجاز والاتساع فلا بد له من بيان الوجه الذي اتسع فيه لأجله لأن الاتساع والمجاز لا يكون إلا بطريق معلوم يستعار اللفظ بذلك الطريق لغير حقيقته مجازا وفي قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عني مناسككم و صلوا كما رأيتموني أصلي تنصيص على وجوب اتباعه في أفعاله وحجتنا في ذلك أن المراد بالأمر من أعظم المقاصد فلا بد من أن يكون له لفظ موضوع هو حقيقة يعرف به اعتبارا بسائر المقاصد من الماضي والمستقبل والحال وهذا لأن العبارات لا تقصر عن المقاصد ولا يتحقق انتفاء القصور إلا بعد أن يكون لكل مقصود عبارة هو مخصوص بها ثم قد تستعمل تلك العبارة لغيره مجازا بمنزلة أسماء الأعيان فكل عين مختص باسم هو موضوع له وقد يستعمل في غيره مجازا نحو أسد فهو في الحقيقة اسم لعين وإن كان يستعمل في غيره مجازا يوضحه أن قولنا أمر مصدر والمصادر لا بد أن توجد عن فعل أو يوجد عنها فعل على حسب اختلاف أهل اللسان في ذلك ثم لا تجد أحدا من أهل اللسان يسمي الفاعل للشيء آمرا ألا ترى أنهم لا يقولون للآكل والشارب آمرا فبهذا تبين أن اسم الأمر لا يتناول الفعل حقيقة ولا يقال الأمر اسم عام يدخل تحته المشتق وغيره لأن الأمر مشتق في الأصل فإنه يقال أمر يأمر أمرا فهو آمر وما كان مشتقا في الأصل لا يقال إنه يتناول المشتق وغيره حقيقة وإنما يقال ذلك فيما هو غير مشتق في الأصل كاللسان ونحوه وفي قول القائل رأيت فلانا يأمر بكذا ويفعل بخلافه دليل ظاهر على أن الفعل غير الأمر حقيقة

Bagian V01/P012–V01/P014

فأما ما تلوا من الآيات فنحن لا ننكر استعمال الأمر في غير ما هو حقيقة فيه لأن ذلك في القرآن على وجوه منها القضاء قال الله تعالى يدبر الأمر من السماء إلى الأرض وقال تعالى ألا له الخلق والأمر ومنها الدين قال الله تعالى حتى جاء الحق وظهر أمر الله ومنها القول قال الله تعالى يتنازعون بينهم أمرهم ومنها الوحي قال الله تعالى يتنزل الأمر بينهن ومنها القيامة قال تعالى أتى أمر الله ومنها العذاب قال الله تعالى فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ومنها الذنب قال الله تعالى فذاقت وبال أمرها فإما أن نقول كل ذلك يرجع إلى شيء واحد وهو أن تمام ذلك كله بالله تعالى كما قال تعالى قل إن الأمر كله لله ثم فهمنا ذلك بما هو صيغة الأمر حقيقة فقال إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وكما قال تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون أو نقول ما كان حقيقة لشيء لا يجوز نفيه عنه بحال وما كان مستعملا بطريق المجاز لشيء يجوز نفيه عنه كاسم الأب فهو حقيقة للأب الأدنى فلا يجوز نفيه عنه ومجاز للجد فيجوز نفيه عنه بإثبات غيره ثم يجوز نفي هذه العبارة عن الفعل وغيره مما لا يوجد فيه هذه الصيغة فإن الإنسان إذا قال ما أمرت اليوم بشيء كان صادقا وإن كان قد فعل أفعالا فعرفنا أن الاستعمال فيه مجاز وطريق هذا المجاز أنهم في قولهم أمر فلان سديد مستقيم أجروا اسم المصدر على المفعول به كقولهم هذا الدرهم ضرب الأمير وهذا الثوب نسج اليمن وأيد ما قلنا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعليه في الصلاة خلع الناس نعالهم فلما فرغ قال عليه السلام ما حملكم على ما صنعتم ولو كان فعله يوجب الاتباع مطلقا لم يكن لهذا السؤال منه معنى ولما واصل صلى الله عليه وسلم واصل أصحابه فأنكر عليهم وقال إني لست كأحدكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وفي استعمال صيغة الأمر في قوله خذوا عني مناسككم و صلوا كما رأيتموني أصلي بيان أن نفس الفعل لا يوجب الاتباع لا محالة فقد كانوا مشاهدين لذلك ولو ثبت به وجوب الاتباع خلا هذا اللفظ عن فائدة وذلك لا يجوز اعتقاده في كلام صاحب الشرع فيما يرجع إلى إحكام البيان فصل في بيان موجب الأمر الذي يذكر في مقدمة هذا الفصل اعلم أن صيغة الأمر تستعمل على سبعة أوجه على الإلزام كما قال الله تعالى آمنوا بالله ورسوله وقال تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وعلى الندب كقوله تعالى وافعلوا الخير وقوله تعالى وأحسنوا وعلى الإباحة كقوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم وعلى الإرشاد إلى ما هو الأوثق كقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وعلى التقريع كقوله تعالى فأتوا بسورة من مثله وعلى التوبيخ كقوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك وعلى السؤال كقوله تعالى ربنا تقبل منا ولا خلاف أن السؤال والتوبيخ والتقريع لا يتناوله اسم الأمر وإن كان في صورة الأمر ولا خلاف أن اسم الأمر يتناول ما هو للإلزام حقيقة ويختلفون فيما هو للإباحة أو الإرشاد أو الندب فذكر الكرخي والجصاص رحمهما الله أن هذا لا يسمى أمرا حقيقة وإن كان الاسم يتناوله مجازا واختلف فيه أصحاب الشافعي فمنهم من يقول اسم الأمر يتناول ذلك كله حقيقة ومنهم من يقول ما كان للندب يتناوله اسم الأمر حقيقة لأنه يثاب على فعله ونيل الثواب يكون بالطاعة والطاعة في الائتمار بالأمر وهذا ليس بقوي فإن نيل الثواب بفعل النوافل من الصوم والصلاة لأنه عمل بخلاف هوى النفس الأمارة بالسوء على قصد ابتغاء مرضاة الله تعالى كما قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى وليس من ضرورة هذا كون العمل مأمورا به

Bagian V01/P014–V01/P015

والفريق الثاني يقولون ما يفيد الإباحة والندب فموجبه بعض موجب ما هو الإيجاب لأن بالإيجاب هذا وزيادة فيكون هذا قاصرا لا مغايرا والمجاز ما جاوز أصله وتعداه وبهذا يتبين أن الاسم فيه حقيقة وهذا ضعيف أيضا فإن موجب الأمر حقيقة الإيجاب وقطع التخيير لأن ذلك من ضرورة الإيجاب وبالإباحة والندب لا ينقطع التخيير عرفنا أن موجبه غير موجب الأمر حقيقة وإنما يتناوله اسم الأمر مجازا والدليل عليه أن العرب تسمي تارك الأمر عاصيا وبه ورد الكتاب قال الله تعالى أفعصيت أمري وقال القائل أمرتك أمرا جازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وقال دريد بن الصمة أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى غوايتهم في أنني غير مهتدي وتارك المباح والمندوب إليه لا يكون عاصبا فعرفنا أن الاسم لا يتناوله حقيقة ثم حد الحقيقة في الأسامي ما لا يجوز نفيه عما هو حقيقة فيه ورأينا أن الإنسان لو قال ما أمرني الله بصوم ستة من شوال كان صادقا ولو قال ما أمرني الله بصوم رمضان كان كاذبا ولو قال ما أمرني الله بصلاة الضحى كان صادقا ولو قال ما أمرني الله بصلاة الظهر كان كاذبا ففي تجويز نفي صيغة الأمر عن المندوب دليل ظاهر على أن الاسم يتناوله مجازا لا حقيقة فأما الكلام في موجب الأمر فالمذهب عند جمهور الفقهاء أن موجب مطلقه الإلزام إلا بدليل وزعم ابن سريج من أصحاب الشافعي أن موجبه الوقف حتى يتبين المراد بالدليل وادعى أن هذا مذهب الشافعي فقد ذكر في أحكام القرآن في قوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء أنه يحتمل أمرين وأنكر هذا أكثر أصحابه وقالوا مراده أنه يحتمل أن يكون بخلاف الإطلاق وهكذا قال في العموم إنه يحتمل الخصوص بأن يرد دليل يخصه وإن كان الظاهر عنده العموم وزعموا أنه جزم على أن الأمر للوجوب في سائر كتبه وقال بعض أصحاب مالك إن موجب مطلقه الإباحة وقال بعضهم موجبه الندب أما الواقفون فيقولون قد صح استعمال هذه الصيغة لمعان مختلفة كما بينا فلا يتعين شيء منها إلا بدليل لتحقق المعارضة في الاحتمال وهذا فاسد جدا فإن الصحابة امتثلوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سمعوا منه صيغة الأمر من غير أن اشتغلوا بطلب دليل آخر للعمل ولو لم يكن موجب هذه الصيغة معلوما بها لاشتغلوا بطلب دليل آخر للعمل ولا يقال إنما عرفوا ذلك بما شاهدوا من الأحوال لا بصيغة الأمر لأن من كان غائبا منهم عن مجلسه اشتغل به كما بلغه صيغة الأمر حسب ما اشتغل به من كان حاضرا ومشاهدة الحال لا توجد في حق من كان غائبا وحين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي الله عنه فأخر المجيء لكونه في الصلاة فقال له أما سمعت الله يقول استجيبوا لله وللرسول فاستدل عليه بصيغة الأمر فقط وعرف الناس كلهم دليل على ما قلنا فإن من أمر من تلزمه طاعته بهذه الصيغة فامتنع كان ملاما معاتبا ولو كان المقصود لا يصير معلوما بها للاحتمال لم يكن معاتبا ثم كما أن العبارات لا تقصر عن المعاني فكذلك كل عبارة تكون لمعنى خاص باعتبار أصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه إلا بعارض وصيغة الأمر أحد تصاريف الكلام فلا بد من أن يكون لمعنى خاص في أصل الوضع ولا يثبت الاشتراك فيه إلا بعارض مغير له بمنزلة دليل الخصوص في العام

Bagian V01/P015–V01/P017

ومن يقول بأن موجب مطلق الأمر الوقف لا يجد بدا من أن يقول موجب مطلق النهي الوقف أيضا للاحتمال فيكون هذا قولا باتحاد موجبهما وهو باطل وفي القول بأن موجب الأمر الوقف إبطال حقائق الأشياء ولا وجه للمصير إليه والاحتمال الذي ذكروه نعتبره في أن لا نجعله محكما بمجرد الصيغة لا في أن لا يثبت موجبه أصلا ألا ترى أن من يقول لغيره إن شئت فافعل كذا وإن شئت فافعل كذا كان موجب كلامه التخيير عند العقلاء واحتمال غيره وهو الزجر قائم كما قال الله تعالى فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وأما الذين قالوا موجبه الإباحة اعتبروا الاحتمال لكنهم قالوا من ضرورة الأمر ثبوت صفة الحسن للمأمور به فإن الحكيم لا يأمر بالقبيح فيثبت بمطلقه ما هو من ضرورة هذه الصيغة وهو التمكين من الإقدام عليه والإباحة وهذا فاسد أيضا فصفة الحسن بمجرده تثبت بالإذن والإباحة وهذه الصيغة موضوعة لمعنى خاص فلا بد أن تثبت بمطلقها حسنا بصفة ويعتبر الأمر بالنهي فكما أن مطلق النهي يوجب قبح المنهي عنه على وجه يجب الانتهاء عنه فكذلك مطلق الأمر يقتضي حسن المأمور به على وجه يجب الائتمار والذين قالوا بالندب ذهبوا إلى أن الأمر لطلب المأمور به من المخاطب وذلك يرجح جانب الإقدام عليه ضرورة وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام وقد يكون بالندب فيثبت أقل الأمرين لأنه المتيقن به حتى يقوم الدليل على الزيادة وهذا ضعيف فإن الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب إذ لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم فإنه مفترض الطاعة بملك الإلزام ثم إما أن يكون الأمر حقيقة في الإيجاب خاصة فعند الإطلاق يحمل على حقيقة أو يكون حقيقة في الإيجاب والندب جميعا فيثبت بمطلقه الإيجاب لتضمنه الندب والزيادة لا يجوز أن يقال هو للندب حقيقة وللإيجاب مجازا لأن هذا يؤدي إلى تصويب قول من قال إن الله لم يأمر بالإيمان ولا بالصلاة وبطلان هذا لا يخفى على ذي لب وما قالوا يبطل بلفظ العام فإنه يتناول الثلاثة فما فوق ذلك ثم عند الإطلاق لا يحمل على المتيقن وهو الأقل وإنما يحمل على الجنس لتكثير الفائدة به وكذا صيغة الأمر ولو لم يكن في القول بما قالوا إلا ترك الأخذ بالاحتياط لكان ذلك كافيا في وجوب المصير إلى ما قلنا فإن المندوب بفعله يستحق الثواب ولا يستحق بتركه العقاب والواجب يستحق بفعله الثواب ويستحق بتركه العقاب فالقول بأن مقتضى مطلق الأمر الإيجاب وفيه معنى الاحتياط من كل وجه أولى ثم الدليل على صحة قولنا من الكتاب قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ففي نفي التخيير بيان أن موجب الأمر الإلزام ثم قال تعالى ومن يعص الله ورسوله ولا يكون عاصيا بترك الامتثال إلا أن يكون موجبه الإلزام وقال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك أي أن تسجد فقد ذمه على الامتناع من الامتثال والذم بترك الواجب وقال تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة وخوف العقوبة في ترك الواجب ولا معنى لقول من يقول ترك الائتمار لا يكون خلافا فإن المأمور في الصوم هو الإمساك ولا شك في أن ترك الائتمار بالفطر من غير عذر يكون خلافا فيما هو المأمور به ثم الأمر يطلب المأمور بآكد الوجوه يشهد به الكتاب والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره فإضافة الوجود والقيام إلى الأمر ظاهره يدل على أن الإيجاد يتصل بالأمر وكذلك قوله إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فالمراد حقيقة هذه الكلمة عندنا لا أن يكون مجازا عن التكوين كما زعم بعضهم فإنا نستدل به على أن كلام الله غير محدث ولا مخلوق لأنه سابق على المحدثات أجمع وحرف الفاء للتعقيب

Bagian V01/P017–V01/P019

فبهذا يتبين أن هذه الصيغة لطلب المأمور بآكد الوجوه والإجماع دليل عليه فإن من أراد أن يطلب عملا من غيره لا يجد لفظا موضوعا لإظهار مقصوده سوى قوله افعل وبهذا يثبت أن هذه الصيغة موضوعة لهذا المعنى خاصة كما أن اللفظ الماضي موضوع للمضي والمستقبل للاستقبال وكذلك الحال ثم سائر المعاني التي وضعت الألفاظ لها كانت لازمة لمطلقها إلا أن يقوم الدليل بخلافه فكذلك معنى طلب المأمور بهذه الصيغة ولأن قولنا أمر فعل متعد لازمه ائتمر والمتعدي لا يتحقق بدون اللازم فهذا يقتضي أن لا يكون أمرا بدون الائتمار كما لا يكون كسرا بدون الانكسار وحقيقة الائتمار بوجود المأمور به إلا أن الوجود لو اتصل بالأمر ولا صنع للمخاطب فيه سقط التكليف وهذا لا وجه له لأن في الائتمار للمخاطب ضرب اختيار بقدر ما ينتفي به الجبر ويستحق الثواب بالإقدام على الائتمار وذلك لا يتحقق إذا اتصل الوجود بصيغة الأمر فلم تثبت حقيقة الوجود بهذه الصيغة تحرزا عن القول بالجبر فأثبتنا به آكد ما يكون من وجوه الطلب وهو الإلزام ألا ترى أن بمطلق النهي يثبت آكد ما يكون من طلب الإعدام وهو وجوب الانتهاء ولا يثبت الانعدام بمطلق النهي وكذلك بالأمر لأن إحدى الصيغتين لطلب الإيجاد والأخرى لطلب الإعدام ومن فروع هذا الفصل الأمر بعد الحظر فالصحيح عندنا أن مطلقه للإيجاب أيضا لما قررنا أن الإلزام مقتضى هذه الصيغة عند الإمكان إلا أن يقوم دليل مانع وبعض أصحاب الشافعي يقولون مقتضاه الإباحة لأنه لإزالة الحظر ومن ضرورته الإباحة فقط فكأن الآمر قال كنت منعتك عن هذا فرفعت ذلك المنع وأذنت لك فيه فاستدلوا على هذا بقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وبقوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا ولكنا نقول إباحة الاصطياد للحلال بقوله أحل لكم الطيبات الآية لا بصيغة الأمر مقصودا به وكذلك إباحة البيع بعد الفراغ من الجمعة بقوله وأحل الله البيع لا بصيغة الأمر ثم صيغة الأمر ليست لإزالة الحظر ولا لرفع المنع بل لطلب المأمور به وارتفاع الحظر وزوال المنع من ضرورة هذا الطلب فإنما يعمل مطلق اللفظ فيما يكون موضوعا له حقيقة فصل في بيان مقتضى مطلق الأمر في حكم التكرار الصحيح من مذهب علمائنا أن صيغة الأمر لا توجب التكرار ولا تحتمله ولكن الأمر بالفعل يقتضي أدنى ما يكون من جنسه على احتمال الكل ولا يكون موجبا للكل إلا بدليل وقال بعض مشايخنا هذا إذا لم يكن معلقا بشرط ولا مقيدا بوصف فإن كان فمقتضاه التكرار بتكرر ما قيد به وقال الشافعي مطلقه لا يوجب التكرار ولكن يحتمله والعدد أيضا إذا اقترن به دليل وقال بعضهم مطلقه يوجب التكرار إلا أن يقوم دليل يمنع منه ويحكى هذا عن المزني واحتج صاحب هذا المذهب بحديث أقرع بن حابس رضي الله عنه حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج أفي كل عام أم مرة فقال بل مرة ولو قلت في كل عام لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها فلو لم تكن صيغة الأمر في قوله حجوا محتملا التكرار أو موجبا له لما أشكل عليه ذلك فقد كان من أهل اللسان ولكان ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤاله عما ليس من محتملات اللفظ فحين اشتغل ببيان معنى دفع الحرج في الاكتفاء بمرة واحدة عرفنا أن موجب هذه الصيغة التكرار ثم المرة من التكرار بمنزلة الخاص من العام وموجب العام العموم حتى يقوم دليل الخصوص وبيان هذا أن قول القائل افعل طلب الفعل بما هو مختصر من المصدر الذي هو نسبة الاسم وهو الفعل وحكم المختصر ما هو حكم المطول والاسم يوجب إطلاقه العموم حتى يقوم دليل الخصوص فكذلك الفعل لأن للفعل كلا وبعضا كما للمفعول فمطلقه يوجب الكل ويحتمله ثم الكل لا يتحقق إلا بالتكرار

Bagian V01/P019–V01/P021

واعتبروا الأمر بالنهي فكما أن النهي يوجب إعدام المنهي عنه عاما فكذلك الأمر يوجب إيجاده تماما حتى يقوم دليل الخصوص وذلك يوجب التكرار لا محالة وأما الشافعي رحمه الله فاحتج بنحو هذا أيضا ولكن على وجه يتبين به الفرق بين الأمر والنهي ويثبت به الاحتمال دون الإيجاب وذلك أن قوله افعل يقتضي مصدرا على سبيل التنكير أي افعل فعلا بيانه في قوله طلق أي طلق طلاقا وإنما أثبتناه على سبيل التنكير لأن ثبوته بطريق الاقتضاء للحاجة إلى تصحيح الكلام وبالمنكر يحصل هذا المقصود فيكون الثابت بمقتضى هذه الصيغة ما هو نكرة في الإثبات والنكرة في الإثبات تخص كقوله تعالى فتحرير رقبة ولكن احتمال التكرار والعدد فيه لا يشكل لأن ذلك المنكر متعدد في نفسه ألا ترى أنه يستقيم أن يقرن به على وجه التفسير وتقول طلقها اثنتين أو مرتين أو ثلاثا ويكون ذلك نصبا على التفسير ولو لم يكن اللفظ محتملا له لم يستقم تفسيره به بخلاف النهي فصيغة النهي عن الفعل تقتضي أيضا مصدرا على سبيل التنكير أي لا تفعل فعلا ولكن النكرة في النفي تعم قال الله تعالى ولا تطع منهم آثما أو كفورا ومن قال لغيره لا تتصدق من مالي يتناول النهي كل درهم من ماله بخلاف قوله تصدق من مالي فإنه لا يتناول الأمر إلا الأقل على احتمال أن يكون مراده كل ماله ولهذا قال إن مطلق الصيغة لا توجب التكرار لأن ثبوت المصدر فيه بطريق الاقتضاء ولا عموم للمقتضى يوضحه أن هذه الصيغة أحد أقسام الكلام فتعتبر بسائر الأقسام وقول القائل دخل فلان الدار إخبار عن دخوله على احتمال أن يكون دخل مرة أو مرتين أو مرارا فكذلك قوله ادخل يكون طلب الدخول منه على احتمال أن يكون المراد مرة أو مرارا ثم الموجب ما هو المتيقن به دون المحتمل وأما الذين قالوا في المعلق بالشرط أو المقيد بالوصف إنه يتكرر بتكرر الشرط والوصف استدلوا بالعبادات التي أمر الشرع بها مقيدا بوقت أو حال وبالعقوبات التي أمر الشرع بإقامتها مقيدا بوصف أن ذلك يتكرر بتكرر ما قيد به قال رضي الله عنه والصحيح عندي أن هذا ليس بمذهب علمائنا رحمهم الله فإن من قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق بهذا اللفظ إلا مرة وإن تكرر منها الدخول ولم تطلق إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك وهذا لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز وهذه الصيغة لا تحتمل العدد والتكرار عند التنجيز فكذلك عند التعليق بالشرط إذا وجد الشرط وإنما يحكى هذا الكلام عن الشافعي رحمه الله فإنه أوجب التيمم لكل صلاة واستدل عليه بقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة إلى قوله فتيمموا وقال ظاهر هذا الشرط يوجب الطهارة عند القيام إلى كل صلاة غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلوات بوضوء واحد ترك هذا في الطهارة بالماء لقيام الدليل فبقي حكم التيمم على ما اقتضاه أصل الكلام وهذا سهو فالمراد بقوله إذا قمتم إلى الصلاة أي وأنتم محدثون عليه اتفق أهل التفسير وباعتبار إضمار هذا السبب يستوي حكم الطهارة بالماء والتيمم وهذا هو الجواب عما يستدلون به من العبادات والعقوبات فإن تكررها ليس بصيغة مطلق الأمر ولا بتكرر الشرط بل بتجدد السبب الذي جعله الشرع سببا موجبا له ففي قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس أمر بالأداء وبيان للسبب الموجب وهو دلوك الشمس فقد جعل الشرع ذلك الوقت سببا موجبا للصلاة إظهارا لفضيلة ذلك الوقت بمنزلة قول القائل أد الثمن للشراء والنفقة للنكاح يفهم منه الأمر بالأداء والإشارة إلى السبب الموجب لما طولب بأدائه

Bagian V01/P021–V01/P023

ولما أشكل على الأقرع بن حابس رضي الله عنه حكم الحج حتى سأل فقد كان من المحتمل أن يكون وقت الحج هو السبب الموجب له بجعل الشرع إياه لذلك بمنزلة الصوم والصلاة ومن المحتمل أن يكون السبب ما هو غير متكرر وهو البيت والوقت شرط الأداء والنبي عليه السلام بين له بقوله بل مرة أن السبب هو البيت وفي قوله عليه السلام ولو قلت في كل عام لوجبت دليل على أن مطلق الأمر لا يوجب التكرار لأنه لو كان موجبا له كان الوجوب في كل عام بصيغة الأمر لا بهذا القول منه وقد نص على أنها كانت تجب بقوله لو قلت في كل عام ثم الحجة لنا في أن هذه الصيغة لا توجب التكرار ولا تحتمله أن قوله افعل لطلب فعل معلوم بحركات توجد منه وتنقضي وتلك الحركات لا تبقى ولا يتصور عودها إنما المتصور تجدد مثلها ولهذا يسمى تكرارا مجازا من غير أن يشكل على أحد أن الثاني غير الأول وبهذا تبين أنه ليس في هذه الصيغة احتمال العدد ولا احتمال التكرار ألا ترى أن من يقول لغيره اشتر لي عبدا لا يتناول هذا أكثر من عبد واحد ولا يحتمل الشراء مرة بعد مرة أيضا وكذلك قوله زوجني امرأة لا يحتمل إلا امرأة واحدة ولا يحتمل تزويجا بعد تزويج إلا أن ما به يتم فعله عند الحركات التي توجد منه له كل وبعض فيثبت بالصيغة اليقين الذي هو الأقل للتيقن به ويحتمل الكل حتى إذا نواه عملت نيته فيه وليس فيه احتمال العدد أصلا فلا تعمل نيته في العدد وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته طلقي نفسك أو لأجنبي طلقها إنه يتناول الواحد إلا أن ينوي الثلاث فتعمل نيته لأن ذلك كل فيما يتم به فعل الطلاق ولو نوى اثنتين لم تعمل نيته لأنه مجرد نية العدد إلا أن تكون المرأة أمة فتكون نيته الثنتين في حقها نية كل الطلاق وكذلك لو قال لعبده تزوج يتناول امرأة واحدة إلا أن ينوي اثنتين فتعمل نيته لأنه كل النكاح في حق العبد لا لأنه نوى العدد ولا معنى لما قالوا إن صحة اقتران العدد والمرات بهذه الصيغة على سبيل التفسير لها دليل على أن الصيغة تحتمل ذلك لأن هذا القران عمله في تغيير مقتضى الصيغة لا في التفسير لما هو من محتملات تلك الصيغة بمنزلة اقتران الشرط والبدل بهذه الصيغة ألا ترى أن قول القائل لامرأته أنت طالق ثلاثا لا يحتمل وقوع الثنتين به مع قيام الثلاث في ملكه ولا التأخير إلى مدة ولو قرن به إلا واحدة إلى شهر أو اثنتين كان صحيحا وكان عاملا في تغيير مقتضى الصيغة لا أن يكون مفسرا لها ولهذا قلنا إذا قرن بالصيغة ذكر العدد في الإيقاع يكون الوقوع بلفظ العدد لا بأصل الصيغة حتى لو قال لامرأته طلقتك ثلاثا أو قال واحدة فماتت المرأة قبل ذكر العدد لم يقع شيء

Bagian V01/P023–V01/P024

فبهذا تبين أن عمل هذا القران في التغيير والتفسير يكون مقررا للحكم المفسر لا مغيرا يحقق ما ذكرناه أن قول القائل اضرب أي اكتسب ضربا وقوله طلق أي أوقع طلاقا وهذه صيغة فرد فلا تحتمل الجمع ولا توجبه وفي التكرار والعدد جمع لا محالة والمغايرة بين الجمع والفرد على سبيل المضادة فكما أن صيغة الجمع لا تحتمل الفرد حقيقة فكذا صيغة الفرد لا تحتمل الجمع حقيقة بمنزلة الاسم الفرد نحو قولنا زيد لا يحتمل الجمع والعدد فالبعض مما تتناوله هذه الصيغة فرد صورة ومعنى وكل فرد من حيث الجنس معنى فإنك إذا قابلت هذا الجنس بسائر الأجناس كان جنسا واحدا وهو جمع صورة فعند عدم النية لا يتناول إلا الفرد صورة ومعنى ولكن فيه احتمال الكل لكون ذلك فردا معنى بمنزلة الإنسان فإنه فرد له أجزاء وأبعاض والطلاق أيضا فرد جنسا وله أجزاء وأبعاض فتعمل نية الكل في الإيقاع ولا تعمل نية الثنتين أصلا لأنه ليس فيه معنى الفردية صورة ولا معنى فلم يكن من محتملات الكلام أصلا وعلى هذا الأصل تخرج أسماء الأجناس ما يكون منها فردا صورة أو حكما أما الصورة فكالماء والطعام إذا حلف لا يشرب ماء أو لا يأكل طعاما يحنث بأدنى ما يتناوله الاسم على احتمال الكل حتى إذا نوى ذلك لم يحنث أصلا ولو نوى مقدارا من ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صيغة الفردية صورة ومعنى والفرد حكما كاسم النساء إذا حلف لا يتزوج النساء فهذه صيغة الجمع ولكن جعلت عبارة عن الجنس مجازا لأنا لو جعلناها جمعا لم يبق لحرف اللام الذي هو للمعهود فيه فائدة ولو جعلناه جنسا كان حرف العهد فيه معتبرا فإنه يتناول المعهود من ذلك الجنس ويبقى معنى الجمع معتبرا فيه أيضا باعتبار الجنس فيتناول أدنى ما ينطلق عليه اسم الجنس على احتمال الكل حتى إذا نواه لم يحنث قط وعلى هذا لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يكلم بني آدم أو وكل وكيلا بأن يشتري له الثياب فإن التوكيل صحيح بخلاف ما لو وكله بأن يشتري له أثوابا على ما بيناه في الزيادات وحكي عن عيسى بن أبان رحمه الله أنه كان يقول صيغة مطلق الأمر فيما له نهاية معلومة تحتمل التكرار وإن كان لا يوجه إلا بالدليل وفيما ليست له نهاية معلومة لا تحتمل التكرار لأن فيما لا نهاية له يعلم يقينا أن المخاطب لم يرد الكل فإن ذلك ليس في وسع المخاطب ولا طريق له إلى معرفته وهذا نحو قوله صم وصل فليس لهذا الجنس من الفعل نهاية معلومة وإنما يعجز العبد عن إقامته بموته فعرفنا يقينا أن المراد بهذا الخطاب الفرد منه خاصة وأما فيما له نهاية معلومة كالطلاق والعدة فالكل من محتملات الخطاب وذلك تارة يكون بتكرار التطليق وتارة يكون بالجمع بين التطليقات في اللفظ فيكون صيغة الكلام محتملا له كله وخرج على هذا الأصل قول الرجل لامرأته أنت طالق للسنة أو للعدة فإنه يحتمل نية الثلاث في الإيقاع جملة واحدة ونية التكرار في أن ينوي وقوع كل تطليقة في طهر على حدة وفيما قررناه من الكلام دليل على ضعف ما ذهب إليه إذا تأملت والكلام في مقتضى صيغة الفرد دون ما إذا قرن به ما يدل على التغيير من قوله للسنة أو للعدة

Bagian V01/P024–V01/P026

واستدل الجصاص رحمه الله على بطلان قول من يقول إن مطلق صيغة الأمر تقتضي التكرار فقال بالامتثال مرة واحدة يستجيز كل أحد أن يقول إنه أتى بالمأمور به وخرج عن موجب الأمر وكان مصيبا في ذلك فلو كان موجبه التكرار لكان آتيا ببعض المأمور به ولا معنى لقول من يقول فإذا أتى به ثانيا وثالثا يقال أيضا في العادة أتى بالمأمور به لأن قائل هذا لا يكون مصيبا في ذلك في الحقيقة فإن المخاطب في المرة الثانية متطوع من عنده بمثل ما كان مأمورا به لا أن يكون آتيا بالمأمور به بمنزلة المصلي أربع ركعات في الوقت بعد صلاة الظهر يكون متطوعا بمثل ما كان مأمورا به إلا أن الذي يسميه آتيا بالمأمور به إنما يسميه بذلك توسعا ومجازا فلهذا لا نسميه كاذبا والله أعلم فصل في بيان موجب الأمر في حكم الوقت الأمر نوعان مطلق عن الوقت ومقيد به فنبدأ ببيان المطلق قال رضي الله عنه والذي يصح عندي فيه من مذهب علمائنا رحمهم الله أنه على التراخي فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر نص عليه في الجامع فقال فيمن نذر أن يعتكف شهرا يعتكف أي شهر شاء وكذلك لو نذر أن يصوم شهرا والوفاء بالنذر واجب بمطلق الأمر وفي كتاب الصوم أشار في قضاء رمضان إلى أنه يقضي متى شاء وفي الزكاة وصدقة الفطر والعشر المذهب معلوم في أنه لا يصير مفرطا بتأخير الأداء وأن له أن يبعث بها إلى فقراء قرابته في بلدة أخرى وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول مطلق الأمر يوجب الأداء على الفور وهو الظاهر من مذهب الشافعي رحمه الله فقد ذكر في كتابه إنا استدللنا بتأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مع الإمكان على أن وقته موسع وهذا منه إشارة إلى أن موجب مطلق الأمر على الفور حتى يقوم الدليل وبعض أصحاب الشافعي يقول هو موقوف على البيان لأنه ليس في الصيغة ما ينبىء عن الوقت فيكون مجملا في حقه وهذا فاسد جدا فإنهم يوافقونا على ثبوت أصل الواجب بمطلق الأمر وذلك يوجب الأداء عند الإمكان ولا إمكان إلا بوقت فثبت بدليل الإشارة إلى الوقت بهذا الطريق ثم بهذا الكلام يستدل الكرخي فيقول وقت الأداء ثابت بمقتضى الحال ومقتضى الحال دون مقتضى اللفظ ولا عموم لمقتضى اللفظ فكذلك لا عموم لما ثبت بمقتضى الحال وأول أوقات إمكان الأداء مراد بالاتفاق حتى لو أدى فيه كان ممتثلا للأمر فلا يثبت ما بعده مرادا إلا بدليل يوضحه أن التخيير ينتفي بمطلق الأمر بين الأداء والترك فيثبت هذا الحكم وهو انتفاء التخيير في أول أوقات إمكان الأداء كما ثبت حكم الوجوب والتفويت حرام بالاتفاق وفي هذا التأخير تفويت لأنه لا يدري أيقدر على الأداء في الوقت الثاني أو لا يقدر وبالاحتمال الثاني لا يثبت التمكن من الأداء على وجه يكون معارضا للمتيقن به فيكون تأخيره عن أول أوقات الإمكان تفويتا ولهذا استحسن ذمه على ذلك إذا عجز عن الأداء ولأن الأمر بالأداء يفيدنا العلم بالمصلحة في الأداء وتلك المصلحة تختلف باختلاف الأوقات ولهذا جاز النسخ في الأمر والنهي وبمطلق الأمر يثبت العلم بالمصلحة في الأداء في أول أوقات الإمكان ولا يثبت المتيقن به فيما بعده ثم المتعلق بالأمر اعتقاد الوجوب وأداء الواجب وأحدهما وهو الإعتقاد يثبت بمطلق الأمر للحال فكذلك الثاني واعتبر الأمر بالنهي والانتهاء الواجب بالنهي يثبت على الفور فكذلك الائتمار الواجب بالأمر

Bagian V01/P026–V01/P028

وحجتنا في ذلك أن قول القائل لعبده افعل كذا الساعة يوجب الائتمار على الفور وهذا أمر مقيد وقوله افعل مطلق وبين المطلق والمقيد مغايرة على سبيل المنافاة فلا يجوز أن يكون حكم المطلق ما هو حكم المقيد فيما يثبت التقييد به لأن في ذلك إلغاء صفة الإطلاق وإثبات التقييد من غير دليل فإنه ليس في الصيغة ما يدل على التقييد في وقت الأداء فإثباته يكون زيادة وهو نظير تقييد المحل فإن من قال لعبده تصدق بهذا الدرهم على أول فقير يدخل يلزمه أن يتصدق على أول من يدخل إذا كان فقيرا ولو قال تصدق بهذا الدرهم لم يلزمه أن يتصدق به على أول فقير يدخل وكان له أن يتصدق به على أي فقير شاء لأن الأمر مطلق فتعيين المحل فيه يكون زيادة والدليل عليه أنه يتحقق الامتثال بالأداء في أي جزء عينه من أوقات الإمكان في عمره ولو تعين للأداء الجزء الأول لم يكن ممتثلا بالأداء بعده وفي اتفاق الكل على أنه مؤدي الواجب متى أداه إيضاح لما قلنا وبهذا تبين فساد ما قال إن المصلحة في الأداء غير معلوم إلا في أول أوقات الإمكان فإن المطالبة بالأداء وامتثال الأمر لا يحصل إلا به ألا ترى أن بعد الانتساخ لا يبقى ذلك فعرفنا أن بمطلق الأمر يصير معنى المصلحة في الأداء معلوما له في أي جزء أداه من عمره ما لم يظهر ناسخه والتفويت حرام كما قال إلا أن الفوات لا يتحقق إلا بموته وليس في مجرد التأخير تفويت لأنه متمكن من الأداء في كل جزء يدركه من الوقت بعد الجزء الأول حسب تمكنه في الجزء الأول وموت الفجأة نادر وبناء الأحكام على الظاهر دون النادر فإن قيل فوقت الموت غير معلوم له وبالإجماع بعد التمكن من الأداء إذا لم يؤد حتى مات يكون مفرطا مفوتا آثما فيما صنع فبه يتبين أنه لا يسعه التأخير قلنا الوجوب ثابت بعد الأمر والتأخير في الأداء مباح له بشرط أن لا يكون تفويتا وتقييد المباح بشرط فيه خطر مستقيم في الشرع كالرمي إلى الصيد مباح بشرط أن لا يصيب آدميا وهذا لأنه متمكن من ترك هذا الترخص بالتأخير ولا ينكر كونه مندوبا للمسارعة إلى الأداء قال الله تعالى فاستبقوا الخيرات فقلنا بأنه يتمكن من البناء على الظاهر من التأخير ما دام يرجو أن يبقى حيا عادة وإن مات كان مفرطا لتمكنه من ترك الترخص بالتأخير ثم هذا الحكم إنما يثبت فيما لا يكون مستغرقا لجميع العمر فأما ما يكون مستغرقا له فلا يتحقق فيه هذا المعنى واعتقاد الوجوب مستغرق جميع العمر وكذلك الانتهاء الذي هو موجب النهي يستغرق جميع العمر فأما أداء الواجب فلا يستغرق جميع العمر فلا يتعين للأداء جزء من العمر إلا بدليل فإن جميع العمر في أداء هذا الواجب كجميع وقت الصلاة لأداء الصلاة وهناك لا يتعين الجزء الأول من الوقت للأداء فيه على وجه لا يسعه التأخير عنه فكذلك ههنا ومن أصحابنا من جعل هذا الفصل على الخلاف المشهور بين أصحابنا في الحج أنه على الفور أم على التراخي قال رضي الله عنه وعندي أن هذا غلط من قائله فالأمر بأداء الحج ليس بمطلق بل هو موقت بأشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقد بينا أن المطلق غير المقيد بوقت ولا خلاف أن وقت أداء الحج أشهر الحج ثم قال أبو يوسف رحمه الله تتعين أشهر الحج من السنة الأولى للأداء إذا تمكن منه وقال محمد رحمه الله لا تتعين ويسعه التأخير وعن أبي حنيفة رضي الله عنه فيه روايتان ف محمد يقول الحج فرض العمر ووقت أدائه أشهر الحج من سنة من سني العمر وهذا الوقت متكرر في عمر المخاطب فلا يجوز تعيين أشهر الحج من السنة الأولى إلا بدليل والتأخير عنها لا يكون تفويتا بمنزلة تأخير قضاء رمضان

Bagian V01/P028–V01/P030

وتأخير صوم الشهرين في الكفارة فالأيام والشهور تتكرر في العمر ولا يكون مجرد التأخير فيها تفويتا فكذلك الحج ألا ترى أنه متى أدى كان مؤديا للمأمور وأبو يوسف يقول أشهر الحج من السنة الأولى بعد الإمكان متعين الأداء لأنه فرد في هذا الحكم لا مزاحم له وإنما يتحقق التعارض وينعدم التعيين باعتبار المزاحمة ولا يدري أنه هل يبقى إلى السنة الثانية ليكون أشهر الحج منها من جملة عمره أم لا ومعلوم أن المحتمل لا يعارض المتحقق فإذا ثبت انتفاء المزاحمة كانت هذه الأشهر متعينة للأداء فالتأخير عنها يكون تفويتا كتأخيرة الصلاة عن الوقت والصوم عن الشهر إلا أنه إذا بقي حيا إلى أشهر الحج من السنة الثانية فقد تحققت المزاحمة الآن وتبين أن الأولى لم تكن متعينة فلهذا كان مؤديا في السنة الثانية وقام أشهر الحج من هذه السنة مقام الأولى في التعيين لأنه لا يتصور الأداء في وقت ماض ولا يدري أيبقى بعد هذا أم لا وهذا بخلاف الأمر المطلق فبالتأخير عن أول أوقات الإمكان لا يزول تمكنه من الأداء هناك وههنا يزول تمكنه من الأداء بمضي يوم عرفة إلى أن يدرك هذا اليوم من السنة الثانية ولا يدري أيدركه أم لا وبخلاف قضاء رمضان فتأخيره عن اليوم الأول لا يكون تفويتا أيضا لتمكنه منه في اليوم الثاني ولا يقال بمجيء الليل يزول تمكنه ثم لا يدري أيدرك اليوم الثاني أم لا لأن الموت في ليلة واحدة قبل ظهور علاماته يكون فجأة وهو نادر ولا يبنى الحكم عليه وإنما يبنى على الظاهر بمنزلة موت المفقود فإنه إذا لم يبق أحد من أقرانه حيا يحكم بموته باعتبار الظاهر لأن بقاءه بعد موت أقرانه نادر فأما موته في سنة لا يكون نادرا فيثبت احتمال الموت والحياة في هذه المدة على السواء فلهذا كان التأخير تفويتا وعلى هذا صوم الكفارة والتأخير هناك لا يكون تفويتا لأن تمكنه من الأداء لا يزول بمضي بعض الشهور فأما النوع الثاني وهو الموقت فإنه ينقسم على ثلاثة أقسام فالأول ما يكون الوقت ظرفا للواجب بالأمر ولا يكون معيارا والثاني ما يكون الوقت معيارا له والثالث ما هو مشكل مشتبه فنبدأ ببيان القسم الأول وذلك وقت الصلاة فإن الله تعالى قال إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ثم الوقت يكون ظرفا للأداء وشرطا له وسببا للوجوب وبيانه أنه ظرف للأداء لصحته في أي جزء من أجزاء الوقت أدى وهذا لأن الصلاة عبادة معلومة بأركانها فإذا لم يطول أركانها يصير مؤديا في جزء قليل من الوقت فإذا طول منها ركنا يخرج الوقت قبل أن يصير مؤديا لها فعرفنا أن الوقت ليس بمعيار ولكنه ظرف للأداء وهو شرط أيضا فالأداء إنما يتحقق في الوقت والتأخير عنه يكون تفويتا ومعلوم أن الأداء بأركان يتحقق من المؤدي قبل خروج الوقت فعرفنا أن خروج الوقت مفوت باعتبار أنه يفوت به شرط الأداء وبيان أنه سبب للوجوب أنه لا يجوز تعجيلها قبله وأن الواجب تختلف صفته باختلاف الأوقات فهذا علامة كون الوقت سببا لوجوبها فأما ما هو الدليل على ذلك نذكره في بيان أسباب الشرائع في موضعه ثم لا يمكن جعل جميع الوقت سببا للوجوب لأنه ظرف للأداء فلو جعل جميع الوقت سببا لحصل الأداء قبل وجود السبب أولا يتحقق الأداء فيما هو ظرف للأداء فإن شهود جميع الوقت لا يكون إلا بعد مضي الوقت فلا بد أن يجعل جزء من الوقت سببا للوجوب لأنه ليس بين الكل والجزء الذي هو أدنى مقدار معلوم وإذا تقرر هذا قلنا الجزء الأول من الوقت سبب للوجوب فبإدراكه يثبت حكم الوجوب وصحة أداء الواجب هذا معنى ما نقل عن محمد بن شجاع رحمه الله أن الصلاة تجب بأول جزء من الوقت وجوبا موسعا وهو الأصح

Bagian V01/P030–V01/P031

وأكثر العراقيين من مشايخنا ينكرون هذا ويقولون الوجوب لا يثبت في أول الوقت وإنما يتعلق الوجوب بآخر الوقت ويستدلون على ذلك بما لو حاضت المرأة في آخر الوقت فإنها لا يلزمها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت والمقيم إذا سافر في آخر الوقت يصلي صلاة المسافرين ولو ثبت الوجوب بأول جزء من الوقت لكان المعتبر حاله عند ذلك وكذلك لو مات في الوقت لقي الله ولا شيء عليه ولو ثبت الوجوب في أول الوقت لكانت الرخصة في التأخير بعد ذلك مقيدة بشرط ألا يفوته كما بينا في الأمر المطلق ثم اختلف هؤلاء في صفة المؤدي في أول الوقت فمنهم من يقول هو نفل يمنع لزوم الفرض إياه في آخر الوقت إذا كان على صفة يلزمه الأداء فيها بحكم الخطاب قال لأنه يتمكن من ترك الأداء في أول الوقت لا إلى بدل وهذا حد النفل ولكن بأدائه يحصل ما هو المطلوب وهو إظهار فضيلة الوقت فيمنع لزوم الفرض إياه في آخر الوقت أو يغير صفة ذلك المؤدي حين أدرك آخر الوقت بمنزلة مصلي الظهر في بيته يوم الجمعة إذا شهد الجمعة مع الإمام تتغير صفة المؤدى قبلها فيصير نفلا بعد أن كان فرضا وهذا غلط بين فإنه لا تتأدى له هذه الصلاة إلا بنية الظهر والظهر اسم للفرض دون النفل ولو نوى النفل كان مؤديا للصلاة ولا يمنع ذلك لزوم الفرض إياه في آخر الوقت ولا تتغير صفة المؤدى إلى صفة الفرضية وهذا لأن باعتبار آخر الوقت يجب الأداء وليس لوجوب الأداء أثر في المؤدى فكيف يكون مغيرا صفة المؤدى ومن يقول بهذا القول لا يجد بدا من أن يقول إذا أديت الجمعة في أول الوقت كان المؤدى نفلا والتنفل بالجمعة غير مشروع وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس ما يبطل ما قالوا لأن المراد وقت الأداء ووقت الوجوب فعلى ما قال هذا القائل لا يكون هذا وقت الوجوب ولا وقت أداء الظهر فهو مخالف للنص ومنهم من قال المؤدى في أول الوقت موقوف على ما يظهر من حاله في آخر الوقت وهكذا القول في الزكاة إذا عجلها قبل الحول واستدل عليه بما قال محمد رحمه الله في الزيادات إذا عجل شاة أربعين ودفعها إلى الساعي ثم تم الحول وفي يده ثمان وثلاثون فله أن يسترد المدفوع من الساعي وإن كان الساعي تصدق به كان تطوعا له ولو تم الحول وفي يده تسع وثلاثون وجبت عليه الزكاة إذا كان المؤدى قائما في يد الساعي بعينه وجاز عن الزكاة وهذا ضعيف أيضا فالأداء لا يصح إلا بنية الظهر والظهر اسم للفرض خاصة ولو نوى الفرض صحت نيته ولو نوى النفل لم تصح نيته في حق أداء الفريضة فلو كان حكم المؤدى التوقف لاستوت فيه النيتان ولتأدى بمطلق نية الصلاة والقول بالتوقف في فعل قد أمضاه لا يكون قويا في الصلاة والزكاة جميعا وكان الكرخي رحمه الله يقول المؤدى فرض على أن يكون الوجوب متعلقا بآخر الوقت أو بالفعل لأن الوجوب إنما لا يثبت بأول الوقت لانعدام الدليل المعين لذلك الجزء في كونه سببا وبفعل الأداء يحصل التعيين فيكون المؤدى واجبا بمنزلة ما لو باع قفيزا من صبرة يتعين البيع في قفيز بالتسليم ولو أدى شاة من أربعين في الزكاة يتعين المؤدى واجبا بالأداء والحانث باليمين إذا كفر بأحد الأشياء يتعين ذلك واجبا بأدائه وهذا في الحقيقة رجوع إلى ما قلنا ففي هذه الفصول الوجوب ثابت بأصل السبب قبل تعين الواجب بالأداء فكذلك هنا الوجوب ثابت بإدراك الجزء الأول من الوقت والتعيين يحصل بالأداء وهذا لأنه لا يمكن إثبات حكم الوجوب بعد الأداء مقصورا على الحال لأنه إنما يجب على المرء ما يفعله لا ما قد فعله وإذا تقدم الوجوب على الفعل ضرورة يتحقق به ما قلنا إن الوجوب وصحة الأداء يثبت بالجزء الأول من الوقت

Bagian V01/P031–V01/P034

ثم قال الشافعي رحمه الله لما تقرر الوجوب لزمه الأداء على وجه لا يتغير بتغير حاله بعد ذلك بعارض من حيض أو سفر وقلنا نحن الأداء إنما يجب بالطلب ألا ترى أن الريح إذا هبت بثوب إنسان وألقته في حجر غيره فالثوب ملك لصاحبه ولا يجب على من في حجره أداؤه إليه قبل طلبه لأن حصوله في حجره كان بغير صنعه فكذلك ههنا الوجوب تسببه كان جبرا إذ لا صنع للعبد فيه فإنما يلزمه أداء الوجوب عند طلب من له الحق وقد خيره من له الحق في الأداء ما لم يتضيق الوقت يقرره أن وجوب الأداء لا يتصل بثبوت حكم الوجوب لا محالة فإن البيع بثمن مؤجل يوجب الثمن في الحال إذ لو كان وجوب الثمن متأخرا إلى مضي الأجل لم يصح البيع ثم وجوب الأداء يكون متأخرا إلى حلول الأجل فههنا أيضا وجوب الأداء يتأخر إلى توجه المطالبة وذلك باعتبار استطاعة تكون مع الفعل فقبل فعل الأداء لم تثبت المطالبة على وجه ينقطع به الخيار والدليل عليه أن النائم والمغمى عليه في جميع الوقت يثبت حكم الوجوب في حقهما ثم الخطاب بالأداء يتأخر إلى ما بعد الانتباه والإفاقة والحاصل أنه يتعين للسببية الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت فإن اتصل بالجزء الأول كان هو السبب وإلا تنتقل السببية إلى آخر الجزء الثاني ثم إلى الثالث هكذا لمعنيين أحدهما أن في المجاوزة عن الجزء الذي يتصل به الأداء في جعله سببا لا ضرورة وليس بين الأدنى والكل مقدار يمكن الرجوع إليه والثاني أنه إذا لم يتصل الأداء بالجزء الذي تتعين به السببية يكون تفويتا كما إذا لم يتصل الأداء بالجزء الأخير من الوقت يكون تفويتا حتى يصير دينا في الذمة ولا وجه لجعله مفوتا ما بقي الوقت لأن الشرع خيره في الأداء فعرفنا أن هذا المعنى تخيير له في نقل السببية من جزء إلى جزء ما بقي الوقت واسعا يبقى هذا الخيار له فلا يكون مفرطا ولهذا لا يلزمه شيء إذا مات ولا إذا حاضت المرأة لأن الانتقال يتحقق في حقها لبقاء خيارها والجزء الذي تدركه من الوقت بعد الحيض لا يوجب عليها الصلاة والجزء الذي يدركه المسافر بعدما صار مسافرا لا يوجب عليه إلا ركعتين @34@ ثم قال زفر رحمه الله إذا تضيق الوقت على وجه لا يفصل عن الأداء تتعين السببية في ذلك الجزء ألا ترى أنه ينقطع خياره ولا يسعه التأخير بعد ذلك فلا يتغير بما يعترض بعد ذلك من سفر أو مرض وقلنا نحن إنما لا يسعه التأخير كي لا يفوت شرط الأداء وهو الوقت على ما بينا أن الوقت ظرف للأداء وما بعده من آخر الوقت صالح لانتقال السببية إليه فيحصل الانتقال بالطريق الذي قلنا إلى آخر جزء من أجزاء الوقت فتتعين السببية فيه ضرورة إذا لم يبق بعده ما يحتمل انتقال السببية إليه فيتحقق التفويت بمضيه ويعتبر صفة ذلك الجزء وحاله عند ذلك الجزء حتى إذا كانت حائضا لا يلزمها القضاء وإذا طهرت عن الحيض عند ذلك الجزء وأيامها عشرة تلزمها الصلاة نص عليه في نوادر أبي سليمان فإذا أسلم الكافر أو أدرك الصبي عند ذلك الجزء يلزمهما الصلاة وإذا كان مسافرا عند ذلك الجزء يلزمه صلاة السفر ولهذا قلنا إنه إذا طلعت الشمس وهو في خلال الفجر يفسد الفرض لأن الجزء الذي يتصل به طلوع الشمس من الوقت سبب صحيح تام فثبت الوجوب بصفة الكمال فلا يتأدى في الأداء مع النقصان بخلاف ما إذا غربت الشمس وهو في خلال صلاة العصر فإن الجزء الذي يتصل به الغروب من الوقت في المعنى سبب فاسد للنهي الوارد عن الصلاة بعد ما تحمر الشمس فيثبت الوجوب مع النقصان بحسب السبب وقد وجد الأداء بتلك الصفة ولا يدخل على هذا ما إذا انعدم منه الأداء أصلا ثم أدى في اليوم الثاني بعدما احمرت الشمس فإنه لا يجوز لأنه إذا لم يشتغل بالأداء حتى مضي الوقت فحكم السببية يكون مضافا إلى جميع الوقت وهو سبب صحيح تام وإنما يتأدى بصفة النقصان عند ضعف السبب إذا لم يصر دينا في الذمة واشتغاله بالأداء يمنع صيرورته دينا في ذمته فأما إذا لم يشتغل بالأداء حتى تحقق التفويت بمضي الوقت صار دينا في ذمته فيثبت بصفة الكمال وهذا هو الانفصال عن الإشكال الذي يقال على هذا وهو ما إذا أسلم الكافر بعدما احمرت الشمس ولم يصل ثم أداها في اليوم الثاني بعدما احمرت الشمس فإنه لا يجوز لأنه مع تمكن النقصان في السببية إذا مضى الوقت صار الواجب دينا في ذمته بصفة الكمال

Bagian V01/P034–V01/P035

وما ذهب إليه زفر ضعيف فإن من تذكر صلاة الظهر وقد بقي إلى وقت تغير الشمس مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه ركعة أو ركعتين يمنع من الاشتغال بالأداء وإن كان وقت التذكر وقتا للفائتة بالنص لأنه لا يتمكن من الأداء قبل تغير الشمس وإذا تغيرت فسدت صلاته فكذلك عند تضيق الوقت يؤمر بالأداء ولا يسعه التأخير لا باعتبار أن السببية تتعين في ذلك الجزء ولكن ليتمكن من الأداء فيما هو ظرف للأداء وهو الوقت وهذا التمكن يفوت بالتأخير بعدها ومن حكم هذا الوقت أن التعيين لا يثبت بقوله حتى لو قال عينت هذا الجزء إن لم يشتغل بالأداء بعده لا يتعين لأن خياره لم ينقطع وله أن يؤخر الأداء بعد هذا القول والتعيين من ضرورة انقطاع خياره في نقل السببية من جزء إلى جزء وذلك لا يتم إلا بفعل الأداء كالمكفر إذا قال عينت الطعام للتكفير به لا يتعين ما لم يباشر التكفير به ولا معنى لقول من يقول إن نقل السببية من جزء إلى جزء تصرف في المشروعات وليس ذلك إلى العبد لأن الشرع لما خيره فقد جعل له هذه الولاية فيثبت له حق التصرف بهذه الصفة لأن الشرع قد ولاه ذلك كما ثبت له ولاية الإيجاب فيما كان مشروعا غير واجب بنذره ومن حكمه أنه لا يمنع صحة أداء صلاة أخرى فيه لأن الوقت ظرف للأداء وللواجب أركان معلومة يؤديها بمنافع هي حقه وبعد الوجوب بقيت المنافع حقا له أيضا فكان له أن يتصرف فيها بالصرف إلى أداء واجب آخر بمنزلة من دفع ثوبا إلى خياط ليخيطه في هذا اليوم فإنه يستحق على الخياط إقامة العمل ولا يتعذر عليه خياطة ثوب آخر في ذلك اليوم لأن منافعه بقيت حقا له بعد ما استحق عليه خياطة الثوب بالإجارة ومن حكمه أنه لا يتأدى إلا بالنية لأن صرف ما هو حقه من المنافع إلى أداء الواجب عليه لا يكون إلا بالنية ومن حكمه اشتراط تعيين النية فيه لأن منافعه لما بقيت على صفة يصلح لأداء فرض الوقت وغيره من الصلوات بها لم يتعين فرض الوقت ما لم يعينه بالنية واشتراط تعيين الوقت لإصابة فرض الوقت حكم ثبت شرعا فلا يسقط ذلك بتقصير يكون من العبد في الأداء حتى إذا تضيق الوقت على وجه لا يسع إلا لأداء الفرض أو لا يسع له أيضا لا يسقط اعتبار نية التعيين فيه بهذا المعنى وأما القسم الثاني وهو ما يكون الوقت معيارا له كصوم رمضان لأن ركن الصوم هو الإمساك ومقداره لا يعرف إلا بوقته فكان الوقت معيارا له بمنزلة الكيل في المكيلات ومن حكمه أن الإمساك الذي يوجد منه في الأيام من شهر رمضان لما تعين لأداء الفرض لم يبق غيره مشروعا فيه إذ لا تصور لأداء صومين بإمساك واحد وما يتصور في هذا الوقت لا يفضل عن المستحق بحال فلا يكون غيره مشروعا فيه مستحقا ولا متصور الأداء شرعا ثم قال أبو يوسف و محمد رحمهما الله يستوي في هذا الحكم المسافر والمقيم لأن وجوب صوم الشهر يثبت بشهود الشهر في حق المسافر ولهذا صح الأداء إلا أن الشرع مكنه من الترخص بالفطر لدفع المشقة عنه فإذا ترك الترخص كان هو والمقيم سواء فيكون صومه عن فرض رمضان فتلغو نيته لتطوع أو لواجب آخر

Bagian V01/P035–V01/P037

و أبو حنيفة رحمه الله يقول إذا نوى المسافر واجبا آخر صح صومه عما نوى لأن انتفاء صوم آخر في هذا الزمان ليس من حكم الوجوب واستحقاق الأداء بمنافعه فذلك موجود فيما كان الوقت ظرفا له بل هو من حكم تعينه مستحقا للأداء فيه ولا تعين في حق المسافر فهو مخير بين الأداء أو التأخير إلى عدة من أيام أخر فلا تنفي صحة أداء صوم آخر منه بهذا الإمساك ولأن الوجوب وإن ثبت في حقه ولكن الترخص بتأخير أداء الواجب ثابت في حقه أيضا وهو ما ترك الترخص حين ما صرف الإمساك إلى ما هو دين في ذمته فإن ذلك أهم عنده وإذا كان هو بالفطر مترخصا لأن فيه رفقا ببدنه فلأن يكون في صرفه إلى واجب آخر مترخصا لأنه نظر منه لدينه كان أولى وعلى الطريق الأول إذا نوى النفل كان صائما عن النفل وعلى الطريق الثاني يكون صائما عن الفرض لأنه في نية النفل لا يكون مترخصا بالصرف إلى ما هو الأهم وفيه روايتان عن أبي حنيفة رحمه الله فأما المريض إذا صام كان صومه عن صوم رمضان وإن نوى عن واجب آخر أو نوى النفل لأن الرخصة في حق المريض إنما تثبت إذا تحقق عجزه عن أداء الصوم وإذا صام فقد انعدم دليل سبب الرخصة في حقه فكان هو كالصحيح وأما الرخصة في حق المسافر باعتبار سبب ظاهر قام مقام العذر الباطن وهو السفر وذلك لا ينعدم بفعل الصوم فيبقى له حق الترخص وهو في نيته واجبا آخر مترخص كما بيناه وقال زفر رحمه الله ولما تعين صوم الفرض مشروعا في هذا الزمان وركن الصوم هو الإمساك فالذي يتصور فيه من الإمساك مستحق الصرف إليه فلا يتوقف الصحة على عزيمة منه بل على أي وجه أتى به يكون من المستحق كمن استأجر خياط 8 ا ليخيط له ثوبا بعينه بيده فسواء خاطه على قصده الإعانة أو غيره يكون من الوجه المستحق ومن عليه الزكاة في نصاب بعينه إذا وهبه للفقير يكون مؤديا للزكاة وإن لم ينو لهذا المعنى ولكنا نقول مع تعين الصوم مشروعا منافعه التي توجد في الوقت باقية حقا له وهو مأمور بأن يؤدي بما هو حقه ما هو مستحق عليه من العبادة وذلك بأداء يكون منه على اختيار فلا يتحقق ذلك بدون العزيمة لأنه ما لم يعزم على الصوم لا يكون صارفا ماله إلى ما هو مستحق عليه فإن عدم العزم ليس بشيء وإنما لا يتحقق منه صرف منافعه إلى أداء صوم آخر لأنه غير مشروع في هذا الوقت كما لا يتحقق منه أداء صوم بالليل لأنه غير مشروع فيه بخلاف الأجير ففي أجير الواحد المستحق منافعه بعينه وفي الأجير المشترك المستحق هو الوصف الذي يحدث في الثوب بعمله وذلك لا يتوقف على عزم يكون منه وبخلاف الزكاة فالمستحق صرف جزء من المال إلى المحتاج ليكون كفاية له من الله تعالى وقد تحقق ذلك فالهبة صارت عبارة عن الصدقة في حقه مجازا لأن المبتغى بها وجه الله تعالى دون العوض من المصروف إليه

Bagian V01/P037–V01/P038

وقال الشافعي لا يتحقق صرف ماله إلى ما هو مشروع في الوقت مستحقا ما لم يعينه في عزيمته لأن معنى القربة معتبر في الصفة كما هو معتبر في الأصل فكما تشترط عزيمته في أداء أصل الصوم ليتحقق معنى العبادة يشترط ذلك في وصفه ليكون له اختيار في الصفة كما في الأصل ومن قال بنية النفل يصير مصيبا للمشروع فقد أبعد لأنه لو اعتقد هذه الصفة في المشروع في هذا الوقت كفر بربه فكيف يصير بهذه العزيمة مصيبا للمشروع ولكنا نقول لما كان المشروع في هذا الوقت من الصوم الذي يتصور أداؤه منه واحدا عينا كان هو بالقصد إلى الصوم مصيبا له فالواحد المعين في زمان أو مكان يصاب باسم جنسه كما يصاب باسم نوعه وكان هذا في الحقيقة منا قولا بموجب العلة أن تعيين المستحق في العزيمة لا بد منه ولكن هذا التعيين يحصل بنية الصوم لا أن نقول التعيين غير معتبر ولكن لا يشترط عزيمته في الوصف مقصودا لأن بعد وجود أصل الصوم منه في هذا الزمان لا اختيار له في صفته ولهذا لا يتصور أداؤه بصفة أخرى شرعا فأما إذا نوى النفل فهذا الوصف من نيته لغو لأن النفل غير مشروع فيه كما تلغو نية أداء الصوم في الليل لأنه غير مشروع فيه وكما تلغو نية الفرض خارج رمضان ممن لا فرض عليه وإنما يعتبر من نيته عزيمة أصل الصوم وهو مأمور بأن يعتقد في صوم المشروع أنه صوم فبه يكون مصيبا للمشروع وعلى هذا نقول فيمن نذر الصوم في وقت بعينه خارج رمضان إنه يتأدى منه بمطلق النية ونية النفل لأن المشروع في الوقت قبل نذره عين وهو النفل وقد جعل له الشرع ولاية جعل المشروع واجبا بنذره فبمطلق النية يكون مصيبا للمشروع وهو المنذور بعينه ونية النفل منه بعد النذر لغو لأنه لما صار واجبا بنذره لم يبق نفلا في حقه فأما إذا نوى واجبا آخر كان عن ذلك الواجب لأن المشروع في الوقت قبل نذره كان صالحا لأداء واجب آخر به إذا صرفه إليه بعزمه وتلك الصلاحية لا تنعدم بنذره لأن تصرف الناذر صحيح في محل حقه وذلك في جعل ما كان مشروعا له نفلا واجبا بنذره فأما نفي الصلاحية فليس من حقه في شيء فلا يعتبر تصرفه فيه وإذا بقيت الصلاحية تأدي الواجب الآخر به عند عزمه بخلاف شهر رمضان فقد انتفى فيه صلاحية الإمساك لأداء صوم آخر سوى الفرض شرعا فتلغو نيته لواجب آخر كما تلغو نية النفل

Bagian V01/P038–V01/P040

وقال الشافعي صرف الإمساك الذي يتصور منه في نهار رمضان إلى صوم الفرض مستحق عليه من أول النهار إلى آخره ولا يتحقق هذا الصرف إلا بعزيمته فإذا انعدمت العزيمة في أول النهار لم يكن ذلك الجزء مصروفا إلى الصوم وهو بالعزيمة بعد ذلك إنما يكون صارفا لما بقي لا لما مضى والصوم منه لا يتحقق فيما مضى ولهذا لو نوى بعد الزوال لا يصح ولا صحة لما بقي بدون ما مضى ألا ترى أن الأهلية لأداء الفرائض تشرط من أول النهار إلى آخره فرجحت المفسد على المصحح إذا انعدمت النية في أول النهار أخذا بالاحتياط في العبادة بخلاف النفل فهو غير مقدر شرعا وأداؤه موكول إلى نشاطه فيتأدى بقدر ما يؤديه مع أن هناك لو رجحنا المفسد فاته الأداء لا إلى خلف فرجحنا المصحح لكيلا يفوته أصلا وههنا يفوته الأداء إلى خلف وهذا بخلاف ما إذا قدم النية فإن ما تقدم منه من العزيمة يكون قائما حكما إذا جاء وقت الأداء وفي هذا المعنى أوله وآخره سواء فتقترن العزيمة بأداء الكل حكما ألا ترى أن صوم القضاء به يتأدى ولا يتأدى بالعزيمة قبل الزوال ولكنا نقول ما يتأدى به هذا الصوم في حكم شيء واحد فإنه لا يحتمل التجزي في الأداء وبالاتفاق لا يشترط اقتران النية بأداء جميعه فإنه لو أغمي عليه بعد الشروع في الصوم يتأدى صومه ولا يشترط اقترانه بأول حالة الأداء فإنه لو قدم النية تأدى صومه وإن كان غافلا عنه عند ابتداء الأداء بالنوم فأما أن يكون ابتداء حال الصوم في أنه يسقط اعتبار العزيمة فيه بمنزلة الدوام في الصلاة أو يكون حال الابتداء معتبرا بحال الدوام وكان ذلك لدفع الحرج فوقت الشروع في الأداء ههنا مشتبه بحرج المرء في الانتباه في ذلك الوقت ثم لا يندفع هذا الحرج بجواز تقديم النية في جنس الصائمين ففيهم صبي يبلغ ومجنون يفيق في آخر الليل وفي يوم الشك هو ممنوع من نية الفرض قبل أن يتبين ونية النفل عنده لا تتأدى إذا تبين وإذا بقي معنى الحرج قلنا لما صح الأداء بنية متقدمة وإن لم تقارن حالة الشروع ولا حالة الأداء فلأن تصح بنية متأخرة لاقترانها بما هو ركن الأداء كان أولى وتبين بهذا أن الموجود من الإمساك في أول النهار لم يتعين للفطر لأنه بقي متمكنا من جعل الباقي صوما بعزيمته والواحد الذي لا يتجزى في حكم لا ينفصل بعضه من بعض فمن ضرورة بقاء الإمكان فيما بقي بقاؤه فيما مضى حكما بأن تستند العزيمة إليه لتوقف الإمساك عليه ولكن هذا إذا وجدت العزيمة في أكثر الركن لأن الأكثر بمنزلة الكمال من وجه فكما أنه ما بقي الإمكان في صرف جميع الركن إلى ما هو المستحق بعزيمته يبقى حكم صحة الأداء فكذلك إذا بقي الإمكان في صرف أكثر الركن إلى ما هو المستحق عليه بعزيمته لأن الكل من وجه يجوز إقامته مقام الكل من جميع الوجوه حكما وفيه أداء العبادة في وقتها فيكون المصير إليه أولى من المصير إلى التفويت لانعدام صفة الكمال من جميع الوجوه وهذا الترجيح أولى من الترجيح بصفة العبادة فهي حالة تبتنى على وجود الأصل والترجيح بإيجاد أصل الشيء أولى بالمصير إليه من الترجيح بالصفة والصفة تتبع الأصل ولا يتبع الأصل الصفة وعلى هذا نقول في المنذور في وقت بعينه إنه يتأدى بمثل هذه العزيمة لأنه بهذه العزيمة يكون مؤديا للمشروع قبل نذره والمشروع في الوقت بعد نذره على ما كان عليه من قبل فيصير مؤديا له بهذه العزيمة أيضا وفي أدائه وفاء بالمنذور وكذلك في صوم القضاء يصير مؤديا للمشروع في الوقت بهذه العزيمة وهو النفل

Bagian V01/P040–V01/P042

وأما القضاء فهو مستحق في ذمته لا اتصال له بالوقت قبل أن يعزم على صرف المشروع في الوقت إليه فلم يتوقف إمساكه في أول النهار عليه ولم يزل تمكنه من أداء ما في ذمته بعزيمة تقترن بالجميع من كل وجه ولهذا لا نصير إلى اعتبار الكل من وجه واحد فيه ولهذا شرطنا الأهلية في جميع النهار لأن مع انعدام الأهلية في أول النهار لا يثبت استحقاق الأداء والمصير إلى طلب الكمال من وجه لتقرر استحقاق الأداء فإذا لم توجد تلك الأهلية في أول النهار لم نشتغل بطلب الكمال من وجه ألا ترى أنه يشترط وجود الأهلية للعبادة عند النية وإن سبقت وقت الأداء ولم يدل ذلك على اشتراط اقتران النية بركن الأداء وعلى هذا الأصل قلنا في صوم النفل إنه لا يتأدى بدون العزيمة قبل الزوال لأن الركن الذي به يتأدى الصوم كما لا يتجزى وجوبا لا يتجزى وجودا ولا يتصور الأداء إلا بكماله وصفة الكمال لا تثبت بالنية بعد الزوال حقيقة ولا حكما وتثبت بالنية قبل الزوال حكما باعتبار إقامة الأكثر مقام الكل ولم يرد على ما قلنا الإمساك الذي يندب إليه المرء في يوم الأضحى إلى أن يفرغ من الصلاة فإن ذلك ليس بصوم وإنما ندب إليه ليكون أول ما يتناوله في هذا اليوم من القربان والناس أضياف الله تعالى يتناول القربان في هذا اليوم وإلا حسن أن يكون أول ما يتناول منه الضيف طعام الضيافة ولهذا ثبت هذا الحكم في حق أهل الأمصار دون أهل السواد فلهم حق التضحية بعد طلوع الفجر وليس لأهل المصر أن يضحوا إلا بعد الصلاة ومن هذا الجنس صوم الكفارة والقضاء فالوقت معيار له على معنى أن مقداره يعرف به ولكنه ليس بسبب لوجوبه بخلاف صوم رمضان فالوقت هناك معيار وسبب الوجوب على ما نبينه في بابه ولهذا لا يتحقق قضاء صوم يومين في يوم واحد وأداء كفارتين بالصوم في شهرين لأن الوقت معيار بمنزلة الكيل للمكيل فكما لا يتحقق قفيزان في قفيز واحد في حالة واحدة لا يتحقق صوم يومين في يوم واحد ومن حكم هذا النوع أنه لا يتأدى بدون العزيمة منه على الأداء في جميع الوقت وأنه لا يتحقق الفوات فيه ما بقي حيا وقد قررنا هذا فيما سبق وأما القسم الثالث وهو المشكل فوقت الحج وبيان الإشكال فيه أن الحج عبادة تتأدى بأركان معلومة ولا يستغرق الأداء جميع الوقت فمن هذا الوجه ( يشبه الصلاة ولا يتصور من الأداء في الوقت في سنة واحدة إلا حجة واحدة فمن هذا الوجه ) يشبه الصوم الذي يكون الوقت معيارا له وفي وقته اشتباه أيضا فالحج فرض العمر ووقته أشهر الحج من سنة من سني العمر وأشهر الحج من السنة الأولى تتعين على وجه لا تفضل عن الأداء وباعتبار أشهر الحج من السنين التي يأتيها الوقت تفضل عن الأداء وكون ذلك من عمره محتمل في نفسه فكان مشتبها ثم يترتب على ما قلنا حكمان صحة الأداء باعتبار الوقت ووجوب التعجيل بكون الوقت متعينا وفي أحد الحكمين اتفاق حتى إنه يكون مؤديا في أي سنة أداه للتيقن بكون ذلك من عمره ولاتساع الوقت بإدراكه وفي الحكم الثاني اختلاف فعند أبي يوسف رحمه الله الوقت متعين قبل إدراك السنة الثانية فلا يسعه التأخير وعند محمد رحمه الله الوقت غير متعين ما بقي حيا فيسعه التأخير بشرط أن لا يفوته ومن حكمه أنه بعدما لزمه الأداء بالتمكن منه يصير مفوتا بالموت قبل الأداء حتى يؤمر بالوصية بأن يحج عنه بخلاف الصلاة فإن هناك بعد التمكن من الأداء لا يصير مفوتا إذا مات في الوقت قبل الأداء لأن الوقت هنا مقدر بعمره فبموته يتحقق مضي الوقت وقد تمكن من الأداء فإذا أخر حتى مضي الوقت كان مفوتا وهناك الوقت مقدر بزمان لا ينتهي ذلك بموته فلا يكون هو مفوتا بتأخير الأداء وإن مات لبقاء الوقت فلهذا لا يلزمه شيء ويكون آثما هنا إذا مات بعد التمكن بتأخير الأداء

Bagian V01/P042–V01/P043

أما عند أبي يوسف رحمه الله فلأن وقت الأداء كان متعينا فالتأخير عنه كان تفويتا وعند محمد رحمه الله إباحة التأخير له كان مقيدا بشرط وهو أن يؤديه في عمره فإذا انعدم هذا الشرط كان آثما في التأخير لأنه تبين بموته أن الوقت كان عينا وأن التأخير ما كان يسعه بعد التمكن من الأداء ومن حكمه أنه لا يتأدى الفرض بنية النفل أما عند محمد رحمه الله فلأن وقت الأداء من عمره متسع يفضل عن الأداء فهو كوقت الصلاة وعند أبي يوسف رحمه الله وقت الأداء وإن كان متعينا فالأداء يكون بأركان معلومة فيكون بمنزلة الصلاة بعد ما تضيق الوقت بها ثم وقت أداء النفل ووقت أداء الفرض في الحج غير مختلف فتصح منه العزيمة على أداء النفل فيه وبه تنعدم العزيمة على أداء الفرض وبدون العزيمة لا يتأدى بخلاف الصوم فلا تصور لأداء النفل هناك في الوقت المعين لأداء الفرض فتلغو نية النفل هناك ويكون مؤديا للفرض بعزيمة أصل النية وقال الشافعي أنا ألغي نيته النفل منه أيضا لأنه نوع سفه فالحج لا يتأدى إلا بتحمل المشقة وقطع المسافة ولهذا لم يجب في العمر إلا مرة فنية النفل قبل أداء الفرض تكون سفها والسفيه عندي محجور عليه فتلغو نية النفل بهذا الطريق ولكن بإلغاء نية النفل لا ينعدم أصل نيته الحج لأن الصفة تنفصل عن الأصل في هذه العبادة ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة لا ينعدم أصل الإحرام بخلاف الصوم فالصفة هناك لا تنفصل عن الأصل ألا ترى أن بانعدام صفة الصحة ينعدم أصل الصوم مع أن الحج قد يتأدى من غير عزيمة كالمغمى عليه يحرم عنه أصحابه فيصير هو محرما والرجل يحرم عن أبويه فيصح وإن لم توجد العزيمة منهما ولكنا نقول الواجب عليه أداء ما هو عبادة والمؤدى يكون عبادة وقد بينا أن هذا الوصف لا يتحقق بدون اختيار يكون منه بالعزم على الأداء وإعراضه عن أداء الفرض بالعزم على أداء النفل يكون أبلغ من إعراضه عن أداء الفرض بترك أصل العزيمة وفي إثبات الحجر بالطريق الذي قاله انتفاء اختياره وجعله مجبورا فيه وهذا ينافي أداء العبادة فيعود هذا القول على موضوعه بالنقض وأما الإحرام فعندنا شرط الأداء بمنزلة الطهارة للصلاة ولهذا جوزنا تقديمه على وقت الحج أو أقمنا هناك دلالة الاستعانة مقام حقيقة الاستعانة عند الحاجة استحسانا فيصير العزم به على أداء الفرض موجودا حكما وهذا المعنى ينعدم عند العزم على النفل ومن حكمه أنه يتأدى بمطلق نية الحج لا باعتبار أنه يسقط اشتراط نية التعين فيه فإن الوقت لما كان قابلا لأداء الفرض والنفل فيه لا بد من تعيين الفرض ليصير مؤدى ولكن هذا التعيين ثبت بدلالة الحال فإن الإنسان في العادة لا يتحمل المشقة العظيمة ثم يشتغل بأداء حجة أخرى قبل أداء حجة الإسلام ودلالة العرف يحصل التعيين بها ولكن إذا لم يصرح بغيرها فأما مع التصريح يسقط اعتبار العرف كمن اشترى بدراهم مطلقة يتعين نقد البلد بدلالة العرف فإن صرح باشتراط نقد آخر عند الشراء سقط اعتبار ذلك العرف وينعقد العقد بما صرح به فصل في بيان حكم الواجب بالأمر وذلك نوعان أداء وقضاء فالأداء تسليم عين الواجب بسببه إلى مستحقه قال الله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقال عليه السلام أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك والقضاء إسقاط الواجب بمثل من عند المأمور هو حقه قال عليه السلام خيركم أحسنكم قضاء