Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bagian V02/P111–V02/P113

فأما حكم طهارة البئر بالنزح فإنما عرفناه بآثار الصحابة فإن فتوى علي وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في ذلك معروفة مع أن ذلك من باب الفرق بين القليل من النزح والكثير وقد بينا أن للرأي مدخلا في معرفة هذا كله في قول ظهر عن صحابي ولم يشتهر ذلك في أقرانه فإنه بعدما اشتهر إذا لم يظهر النكير عن أحد منهم كان ذلك بمنزلة الإجماع وقد بينا الكلام فيه وما اختلف فيه الصحابة فقد بينا أن الحق لا يعدو أقاويلهم حتى لا يتمكن أحد من أن يقول بالرأي قولا خارجا عن أقاويلهم وكذلك لا يشتغل بطلب التاريخ بين أقاويلهم ليجعل المتأخر ناسخا للمتقدم كما يفعل في الآيتين والخبرين لأنه لما ظهر الخلاف بينهم ولم نجز المحاجة بسماع من صاحب الوحي فقد انقطع احتمال التوقيف فيه وبقي مجرد القول بالرأي والرأي لا يكون ناسخا للرأي ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر ولكن طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لأحد الأقاويل فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح وإن لم يظهر يتخير المبتلي بالحادثة في الأخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع في أكثر رأيه أنه هو الصواب وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل بالقول الآخر إلا بدليل وقد بينا ( لك ) هذا في باب المعارضة هذا الذي بينا هو النهاية في الأخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل بالرأي بعده وبذلك يتم الفقه على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي فقال لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة والرأي في الحقيقة فقد ظهر منهم من تعظيم السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه صاحب الحديث لأنهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة درجتها وجوزوا العمل بالمراسيل وقدموا خبر المجهول على القياس وقدموا قول الصحابي على القياس لأن فيه شبهة السماع من الوجه الذي قررنا ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السنن وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض السنة أيضا وحين لم ير تقليد الواحد من الصحابة فقد جوز الإعراض عما فيه شبهة السماع ثم جوز العمل بقياس الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال فما حاله إلا كحال من لم يجوز العمل بالقياس أصلا ثم يعمل باستصحاب الحال فحمله ما صار إليه من الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل وتبين أن أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها وأن بفتواهم اتضح الطريق للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح ولا يستجمع شرائطه كل طالب والله الموفق فصل في خلاف التابعي هل يعتد به مع إجماع الصحابة لا خلاف أن قول التابعي لا يكون حجة على وجه يترك القياس بقوله فقد روينا عن أبي حنيفة أنه كان يقول ما جاءنا عن التابعين زاحمناهم ولا خلاف أن من لم يدرك عصر الصحابة من التابعين أنه لا يعتد بخلافه في إجماعهم فأما من أدرك عصر الصحابة من التابعين كالحسن وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي رضي الله عنهم فإنه يعتد بقوله في إجماعهم عندنا حتى لا يتم إجماعهم مع خلافه وعلى قول الشافعي لا يعتد بقوله مع إجماعهم وعلى هذا قال أبو حنيفة لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم دون قوله

Bagian V02/P113–V02/P115

وجه قول الشافعي أن إجماع الصحابة حجة بطريق الكرامة لهم ولا مشاركة للتابعي معهم في السبب الذي استحقوا به زيادة الكرامة وذلك صحبة رسول الله عليه السلام ومشاهدة أحوال الوحي ولهذا لم نجعل التابعي الذي أدرك عصرهم بمنزلتهم في الاحتجاج بقوله فكذلك لا يقدح قوله في إجماعهم كما لا يقدح قول من لم يدرك عصر الصحابة في إجماعهم ولأن صاحب الشرع أمرنا بالاقتداء بهم وندب إلى ذلك بقوله عليه السلام بأيهم اقتديتم اهتديتم وهذا لا يوجد في حق التابعي وإن أدرك عصرهم فلا يكون مزاحما لهم وإنما ينعدم انعقاد الإجماع بالمزاحم وحجتنا في ذلك أنه لما أدرك عصرهم وسوغوا له اجتهاد الرأي والمزاحمة معهم في الفتوى والحكم بخلاف رأيهم قد صار هو كواحد منهم فيما يبتني على اجتهاد الرأي ثم الإجماع لا ينعقد مع خلاف واحد منهم فكذلك لا ينعقد مع خلاف التابعي الذي أدرك عصرهم لأنه من علماء ذلك العصر فشرط انعقاد الإجماع أن لا يكون أحد من أهل العصر مخالفا لهم وبيان هذا أن عمر وعليا رضي الله عنهما قلدا شريحا القضاء بعدما ظهر منه مخالفتهما في الرأي وإنما قلداه القضاء ليحكم برأيه فإن قيل لا كذلك بل قلداه القضاء ليحكم بقولهما أو بقول بعض الصحابة سواهما قلنا قد روي أن عمر كتب إلى شريح اقض بما في كتاب الله فإن لم تجد فبسنة رسول الله فإن لم تجد فاجتهد برأيك فإن قيل معنى قوله ( فاجتهد برأيك ) في آرائنا وأقاويلنا قلنا هذه زيادة على النص وهي تنزل منزلة النسخ فلا يكون تأويلا وقد صح أن عليا رضي الله عنه تحاكم إلى شريح وقضى عليه بخلاف رأيه في شهادة الولد لوالده ثم قلده القضاء في خلافته وابن عباس رضي الله عنهما رجع إلى قول مسروق في النذر بذبح الولد فأوجب عليه شاة بعدما كان يوجب عليه مائة من الإبل وعمر رضي الله عنه أمر كعب بن سور أن يحكم برأيه بين الزوجين فجعل لها ليلة من أربع ليال وكان ذلك خلاف رأي عمر قال أبو سلمة بن عبد الرحمن تذاكرنا مع ابن عباس وأبي هريرة عدة مرات عدة الحامل المتوفى عنها زوجها فقال ابن عباس تعتد بأبعد الأجلين وقلت تعتد بوضع الحمل فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي وعن مسروق أن ابن عباس رضي الله عنهما صنع طعاما لأصحاب عبد الله بن مسعود فجرت المسائل وكان ابن عباس يخطىء في بعض فتاويه فما منعهم من أن يردوا عليه إلا كونهم على طعامه وسئل ابن عمر عن مسألة فقال سلوا عنها سعيد بن جبير فهو أعلم بها مني وكان أنس بن مالك إذا سئل عن مسألة فقال سلوا عنها مولانا الحسن فظهر أنهم سوغوا اجتهاد الرأي لمن أدرك عصرهم ولا معتبر بالصحبة في هذا الباب ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر حجة وإن انعدمت الصحبة لهم وأنه قد كان في الصحابة الأعراب الذين لم يكونوا من أهل الاجتهاد في الأحكام فكان لا يعتبر قولهم في الإجماع مع وجود الصحبة فعرفنا أن هذا الحكم إنما يبتنى على كونه من علماء العصر وممن يجتهد في الأحكام ويعتد بقوله ثم الصحابة فيما بينهم كانوا متفاضلين في الدرجة فإن درجة الخلفاء الراشدين فوق درجة غيرهم في الفضيلة ولم يدل ذلك على أن الإجماع الذي هو حجة يثبت بدون قولهم وكما أمر رسول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أمر بالاقتداء بالخلفاء الراشدين لسائر الصحابة بقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي وأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر بقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ثم هذا لا يدل على أن إجماعهم يكون حجة قاطعة مع خلاف سائر الصحابة فصل في حدوث الخلاف بعد الإجماع باعتبار معنى حادث فمذهب علمائنا أن الاتفاق متى حصل في شيء على حكم ثم حدث فيه معنى اختلفوا لأجله في حكمه فالإجماع المتقدم لا يكون حجة فيه وقال بعض العلماء ذلك الإجماع حجة فيه يجب التمسك به حتى يوجد إجماع آخر بخلافه

Bagian V02/P115–V02/P116

وبيان هذا في الماء الذي وقع فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه فإن الإجماع الذي كان على طهارته قبل وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لإثبات صفة الطهارة فيه بعد وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لإثبات صفة الطهارة فيه بعد وقوع النجاسة فيه وعند بعضهم يكون حجة وكذلك المتيمم إذا أبصر الماء في خلال الصلاة فالإجماع المنعقد على صحة شروعه في الصلاة قبل أن يبصر الماء لا يكون حجة لبقاء صلاته بعدما أبصر الماء وعند بعضهم يكون حجة وكذلك بيع أم الولد فالإجماع المنعقد على جواز بيعها قبل الاستيلاد لا يكون حجة لجواز بيعها بعد الاستيلاد عندنا وعند بعضهم يكون حجة ويقولون قد انعقد الإجماع على حكم في هذا العين فنحن على ما كنا عليه من الإجماع حتى ينعقد إجماع آخر له لأن الشيء لا يرفعه ما هو دونه ولا شك أن الخلاف دون الإجماع يوضحه أن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى يستيقن بالحدث لأنه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث وكذلك أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالأقل لكونه متيقنا به وكذلك في الأحكام نقول اليقين لا يزال بالشك حتى إذا شك في طلاق امرأته لم يقع الطلاق عليها وكذلك الإقرار بالمال لا يثبت مع الشك لأن براءة الذمة يقين باعتبار الأصل فلا يزول المتيقن بالشك وهذا لأن اليقين كان معلوما في نفسه ومع الشك لا يثبت للعلم فلا يجوز ترك العمل بالعلم لأجل ما ليس بعلم وأصحابنا قالوا هذا مذهب باطل فإن الإجماع كان ثابتا في عين على حكم لا لأنه عين وإنما كان ذلك لمعنى وقد حدث معنى آخر خلاف ذلك ومع هذا المعنى الحادث لم يكن الإجماع قط فكيف يستقيم استصحابه وبه نبطل نحن على ما كنا عليه فإنا لم نكن على الإجماع مع هذا المعنى قط ثم لا يخلو إما أن تكون الحجة نفس الإجماع أو الدليل الذي نشأ منه الإجماع قبل حدوث هذا المعنى فيه فإن كان نفس الإجماع فبعد الخلاف الإجماع وفي الموضع الذي لا إجماع لا يتحقق الاحتجاج بنفس الإجماع وإن كان الدليل الذي نشأ منه الإجماع فما لم يثبت بقاء ذلك الدليل بعد اعتراض المعنى الحادث لا يتحقق الاستدلال بالإجماع

Bagian V02/P116–V02/P118

ثم يحتج عليهم بعين ما احتجوا به فنقول قد تيقنا بالحدث المانع من جواز أداء الصلاة في أعضاء المحدث قبل استعمال هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة فنحن على ما كنا عليه من اليقين والإجماع لا يترك بالخلاف عند استعمال هذا الماء واتفقنا على أن أداء الصلاة واجب على من أدرك الوقت فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بأداء يكون منه بالتيمم بعدما أبصر الماء لأن سقوط الفرض بهذا الأداء مشكوك فيه واتفقنا على أن الأمة بعد ما حبلت من مولاها قد امتنع بيعها فنحن على ذلك الاتفاق لا نتركه بالخلاف في جواز بيعها بعدما انفصل الولد عنها وكل كلام يمكن أن يحتج به على الخصم بعينه في إثبات ما رام إبطاله به فهو باطل في نفسه وهو نظير احتجاجنا على من يقول لا دليل على النافي في أحكام الشرع وإنما الدليل على المثبت كما في الدعاوى فإن البينة تكون على المثبت دون النافي فنقول من قال لا حكم فهو يثبت صحة اعتقاد نفي الحكم وهذا منه إثبات حكم شرعي وخصمه ينفي صحة هذا الإعتقاد فينبغي أن تكون الحجة عليه للإثبات لا على خصمه فإنه ينفي وسنقرر هذا الكلام في موضعه ثم نستدل بقوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار وفي هذا تنصيص على ترك العمل بما كان متيقنا به عند حدوث معنى آخر وإن لم يكن ذلك المعنى متيقنا به فإن كفرها قبل الهجرة كان متيقنا به وزوال ذلك بعد الهجرة إنما نعرفه بغالب الرأي لا باليقين وليس هذا نظير ما استشهدوا به لأن هناك عند الشك في الطلاق لا نجد دليلا نعتمده في حكم الطلاق سوى ما تقدم وكذلك عند الشك في وجوب المال لا نجد دليلا نعتمده سوى ما تقدم وكذلك عند الشك في الحدث وعند الشك في أداء بعض الصلاة حتى إذا وجدنا فيه دليلا وهو التحري نقول بأنه يجب العمل بذلك الدليل وهنا قد وجدنا دليلا نستدل به على الحكم بعد حدوث المعنى الحادث في العين فيجب العمل بذلك الدليل ولا يجوز المصير إلى استصحاب ما كان قبل حدوث هذا المعنى فاليقين إنما كان قبل وجود الدليل المغير ومثله لا يكون يقينا بعد وجود الدليل المغير وعلى هذا الأصل استصحاب العموم بعد حدوث الدليل المغير للحكم فإنه لا يجوز لأحد أن يستدل على إباحة قتل المستأمن بقوله تعالى فاقتلوا المشركين لأن حكم هذا العام كان ثابتا قبل وجود الدليل المغير فلا يجوز الاستدلال به بعد ذلك في موضع فيه خلاف وهو أن المستأمن إذا جعل نفسه طليعة للمشركين يخبرهم بعورات المسلمين فإنه لا يباح قتله استدلالا بقوله تعالى فاقتلوا المشركين عندنا وعند بعضهم يجوز قتله باعتبار هذه الحجة والكلام في هذا مثل الكلام في الفصل الأول والله أعلم & باب القياس & قال رضي الله عنه مذهب الصحابة ومن بعدهم من التابعين والصالحين والماضين من أئمة الدين رضوان الله عليهم جواز القياس بالرأي على الأصول التي تثبت أحكامها بالنص لتعدية حكم النص إلى الفروع جائز مستقيم يدان الله به وهو مدرك من مدارك أحكام الشرع ولكنه غير صالح لإثبات الحكم به ابتداء وعلى قول أصحاب الظواهر هو غير صالح لتعدية حكم النص به إلى ما لا نص فيه والعمل باطل أصلا في أحكام الشرع وأول من أحدث هذا القول إبراهيم النظام وطعن في السلف لاحتجاجهم بالقياس ونسبهم بتهوره إلى خلاف ما وصفهم الله به فخلع به ربقة الإسلام من عنقه وكان ذلك منه إما للقصد إلى إفساد طريق المسلمين عليهم أو للجهل منه بفقه الشريعة ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد ولكنه تحرز عن الطعن في السلف فرارا من الشنعة التي لحقت النظام فذكر طريقا آخر لاحتجاج الصحابة بالقياس هو دليل على جهله وهو أنه قال ما جرى بين الصحابة لم يكن على وجه الاحتجاج بالقياس وإنما كان على وجه الصلح والتوسط بين الخصوم وذكر المسائل لتقريب ما قصدوه من الصلح إلى الأفهام

Bagian V02/P118–V02/P119

وهذا مما لا يخفى فساده على من تأمل أدنى تأمل فيما نقل عن الصحابة في هذا الباب ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الأصبهاني فأبطل العمل بالقياس من غير أن وقف على ما هو مراد كل فريق ممن كان قبله ولكنه أخذ طرفا من كل كلام ولم يشتغل بالتأمل فيه ليتبين له وجه فساده قال القياس لا يكون حجة ولا يجوز العمل به في أحكام الشرع وتابعه على ذلك أصحاب الظواهر الذين كانوا مثله في ترك التأمل وروى بعضهم هذا المذهب عن قتادة ومسروق وابن سيرين وهو افتراء عليهم فقد كانوا أجل من أن ينسب إليهم القصد إلى مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما هو طريق أحكام الشرع بعد ما ثبت نقله عنهم ثم قال بعض نفاة القياس دلائل العقل لا تصلح لمعرفة شيء من أمور الدين بها والقياس يشبه ذلك وقال بعضهم لا يعمل بالدلائل العقلية في أحكام الشرع أصلا وإن كان يعمل بها في العقليات وقال بعضهم لا يعمل بها إلا عند الضرورة ولا ضرورة في أحكام الشرع لإمكان العمل بالأصل الذي هو استصحاب الحال وهذا أقرب أقاويلهم إلى القصد فيحتاج في تبين وجه الفساد فيه إلى إثبات أن القياس حجة أصلية في تعدية الأحكام لا حجة ضرورية وإلى أنه مقدم في الاحتجاج به على استصحاب الحال ولكن نبدأ ببيان شبهتهم فإنهم استدلوا بظاهر آيات من الكتاب منها قوله تعالى أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم وفي المصير إلى الرأي لإثبات حكم في محل قول بأن الكتاب غير كاف وقال تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وقال تعالى ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ففيها بيان أن الأشياء كلها في الكتاب إما في إشارته أو دلالته أو في اقتضائه أو في نصه فإن لم يوجد في شيء من ذلك فبالإبقاء على الأصل الذي علم ثبوته بالكتاب وهو دليل مستقيم قال تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الآية فقد أمره بالاحتجاج بأصل الإباحة فيما لا يجد فيه دليل الحرمة في الكتاب وهذا مستمر على أصل من يقول الإباحة في الأشياء أصل وعلى أصلنا الذي نقول إنما نعرف كل شيء بالكتاب وهذا معلوم بقوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا فإن الإضافة بلام التمليك تكون أدل على إثبات صفة الحل من التنصيص على الإباحة فلم يبق الرأي بعد هذا إلا لتعرف الحكمة والوقوف على المصلحة فيه عاقبة وذلك مما لا مجال للرأي في معرفته فإن المصلحة في العاقبة عبارة عن الفوز والنجاة وما به الفوز والنجاة في الآخرة لا يمكن الوقوف عليه بالرأي وإنما الرأي لمعرفة المصالح العاجلة التي يعلم جنسها بالحواس ثم نستدرك نظائرها بالرأي وهذا مثل ما قلتم إن تعليل النصوص بعلة لا يتعدى إلى الفروع باطل لأنها خالية عن إثبات الحكم بها فالحكم في المنصوص ثابت بالنص فلا يكون في هذا التعليل إلا تعرف وجه الحكمة والوقوف على المصلحة في العاقبة والرأي لا يهتدي إلى ذلك

Bagian V02/P119–V02/P121

ومنها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله وقال تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الظالمون الفاسقون والعمل بالرأي فيه تقدم بين يدي الله ورسوله وهو حكم بغير ما أنزل الله فإن طريقة الاستنباط بآرائنا وما يبدو لنا من آرائنا لا يكون مما أنزل الله في شيء إنما المنزل كتاب الله وسنة رسوله فقد ثبت أنه ما كان ينطق إلا عن وحي كما قال تعالى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم وإنما الحكم بالرأي من جملة ما قال الله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام الآية واستدلوا بآثار فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال لم يزل بنو إسرائيل على طريقة مستقيمة حتى كثر فيهم أولاد السبايا فقاسوا ما لم يكن بما قد كان فضلوا وأضلوا وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب ثم برهة بالسنة ثم برهة بالرأي فإذا فعلوا ذلك ضلوا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين أعيتهم السنة أن يحفظوها فقالوا برأيهم فضلوا وأضلوا وقال ابن مسعود رضي الله عنه إياكم وأرأيت وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم في أرأيت وأرأيت وقال النبي عليه السلام من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وإنما أراد به إعمال الرأي للعمل به في الأحكام فإن إعمال الرأي للوقوف على معنى النص من حيث اللسان فقه مستقيم ويكون العمل به عملا بالنص لا بالرأي وبيان هذا فيما اختلف فيه ابن عباس وزيد رضي الله عنهم في زوج وأبوين فقال ابن عباس للأم ثلث جميع المال فإن الله تعالى قال فلأمه الثلث والمفهوم من إطلاق هذه العبارة ثلث جميع المال وقال زيد للأم ثلث ما بقي لأن في الآية بيان أن للأم ثلث ما ورثه الأبوان فإنه قال وورثه أبواه فلأمه الثلث وميراث الأبوين هو الباقي بعد نصيب الزوج فللأم ثلث ذلك هذا ونحوه عمل بالكتاب لا بالرأي فيكون مستقيما ومن حيث المعقول يستدلون بأنواع من الكلام أحدها من حيث الدليل وهو أن في القياس شبهة في أصله لأن الوصف الذي تعدى به الحكم غير منصوص عليه ولا هو ثابت بإشارة النص ولا بدلالته ولا بمقتضاه فتعيينه من بين سائر الأوصاف بالرأي لا ينفك عن شبهة والحكم الثابت به من إيجاب أو إسقاط أو تحليل أو تحريم محض حق الله تعالى ولا وجه لإثبات ما هو حق الله بطريق فيه شبهة لأن من له الحق موصوف بكمال القدرة يتعالى عن أن ينتسب إليه العجز أو الحاجة إلى إثبات حقه بما فيه شبهة ولا وجه لإنكار هذه الشبهة فيه فإن القياس لا يوجب العلم قطعا بالاتفاق وكان ذلك باعتبار أصله وعلى هذا التقرير يكون هذا استدلالا بقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وبقوله تعالى ولا تقولوا على الله إلا الحق ولا يدخل على هذا أخبار الآحاد فإن أصله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موجب للعلم قطعا وإنما تتمكن الشبهة في طريق الانتقال إلينا وقد كان قول رسول الله حجة قبل الانتقال إلينا بهذا الطريق فلشبهة تتمكن في الطريق لا يخرج الحديث من أن يكون حجة موجبة للعلم وهو كالنص المؤول فإن الشبهة تتمكن في تأويلنا فلا يخرج النص من أن يكون حجة موجبة للعلم

Bagian V02/P121–V02/P122

ومنهم من قرر هذا الكلام من وجه آخر وقال تعيين وصف في المنصوص بالرأي لإضافة الحكم إليه يشبه قياس إبليس لعنه الله على ما أخبر الله تعالى عنه أأسجد لمن خلقت طينا وكذلك التمييز بين هذا الوصف وسائر الأوصاف في إثبات حكم الشرع أو الترجيح بالرأي يشبه ما فعله إبليس كما أخبر الله تعالى عنه خلقتني من نار وخلقته من طين فلا يشك أحد في أن ذلك كان باطلا ولم يكن حجة فالعمل بالرأي في أحكام الشرع لا يكون عملا بالحجة أيضا ونوع آخر من حيث المدلول فإنه طاعة لله تعالى ولا مدخل للرأي في معرفة ما هو طاعة لله ولهذا لا يجوز إثبات أصل العبادة بالرأي وهذا لأن الطاعة في إظهار العبودية والانقياد وما كان التعبد مبنيا على قضية الرأي بل طريقه طريق الابتلاء ألا ترى أن من المشروعات ما لا يستدرك بالرأي ( أصلا ) كالمقادير في العقوبات والعبادات ومنه ما هو خلاف ما يقتضيه الرأي وما هذه صفته فإنه لا يمكن معرفته بالرأي فيكون العمل بالرأي فيه عملا بالجهالة لا بالعلم وكيف يمكن إعمال الرأي فيه والمشروعات متباينة في أنفسها يظهر ذلك عند التأمل في جميعها والقياس عبارة عن رد الشيء إلى نظيره يقال قس النعل بالنعل أي احذه به فكيف يتأتى هذا مع التباين يوضحه أن العلل التي تعدى الحكم بها من المنصوص عليه إلى غيره متعددة مختلفة ولأجلها اختلف العلماء في طريق التعدية وما يكون بهذه الصفة فإنه يتعذر تعيين واحد منها للعمل إلا بما يوجب العلم قطعا وهو النص ولهذا جوزنا العمل بالعلة المنصوص عليها كما في قوله عليه السلام الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات فأثبتنا هذا الحكم في غيرها من حشرات هو العلة عينا فيكون العمل به باطلا ولا يدخل عليه الأخبار فإنه لا اختلاف فيها في الأصل لأنه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله قال تعالى ولو البيت لأن العلة منصوص عليها فأما بالرأي فلا يمكن الوقوف على ما كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وإنما الاختلاف في الأخبار من جهة الرواة والحجة هو الخبر لا الراوي وما كان الاختلاف فيما بين الرواة إلا نظير اشتباه الناسخ من المنسوخ في كتاب الله فإن ذلك متى ارتفع بما هو الطريق في معرفته يكون العمل بالناسخ واجبا ويكون ذلك عملا بالنص لا بالتاريخ فكذلك في الأخبار وتحت ما قررنا فائدتان بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين إحداهما المحافظة على نصوص الشريعة فإنها قوالب الأحكام والثاني التبحر في معاني اللسان فإن معانيه جمة غائرة لا يفضل عمر المرء عن التأمل فيها إذا أراد الوقوف عليها ولا يتفرغ للعمل بالهوى الذي ينشأ منه الزيغ عن الحق والوقوع في البدعة وما يحصل به التحرز عن البدع واجبا أحكام الشرع فلا شك أن قوام الدين ونجاة المؤمنين يكون فيه ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إعمال الرأي في أمر الحرب وقيم المتلفات ومهر النساء والوقوف على جهة الكعبة أما على الوجه الأول فلأن هذا كله من حقوق العباد ويليق بحالهم العجز والاشتباه فيما يعود إلى مصالحهم العاجلة فيعتبر فيه الوسع ليتيسر عليهم الوصول إلى مقاصدهم وهذا في غير أمر القبلة ظاهر وكذلك في أمر القبلة فإن الأصل فيه معرفة جهات أقاليم الأرض وذلك من حقوق العباد وعلى الثاني فلأن الأصل فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس وبه يثبت علم اليقين كما ثبت بالكتاب والسنة ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون محسوسة في حق من عاينها وبعد البعد منها بإعمال الرأي يمكن تصييرها كالمحسوسة

Bagian V02/P122–V02/P124

وكذلك أمر الحرب فالمقصود صيانة النفس عما يتلفها أو قهر الخصم وأصل ذلك محسوس وما هو إلا نظير التوقي عن تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف والتوقي عن الوقوع على السيف والسكين لعلمه أنه ناقض للبنية فعرفنا أن أصل ذلك محسوس فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بما لا شبهة في أصله ثم في هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي فإنه عند الإعراض عنه لا نجد طريقا آخر وهو دليل العمل به فلأجل الضرورة جوزنا به العمل بالرأي فيه وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يغنيه عن إعمال الرأي فيه وهو اعتبار الأصل الذي قررنا ولا يدخل على شيء مما ذكرنا إعمال الرأي والتفكر في أحوال القرون الماضية وما لحقهم من المثلات والكرامات لأن ذلك من حقوق العباد فالمقصود أن يمتنعوا مما كان مهلكا لمن قبلهم حتى لا يهلكوا أو أن يباشروا ما كان سببا لاستحقاق الكرامة لمن قبلهم حتى ينالوا مثل ذلك وهو في الأصل من حقوق العباد بمنزلة الأكل الذي يكتسب به المرء سبب إبقاء نفسه وإتيان الإناث في محل الحرث بطريقه ليكتسب به سبب إبقاء النسل ثم طريق ذلك الاعتبار بالتأمل في معاني اللسان فإن أصله الخبر وذلك مما يعلم بحاسة السمع ثم بالتأمل فيه يدرك المقصود وليس ذلك من حكم الشريعة في شيء فقد كان الوقوف على معاني اللغة في الجاهلية وهو باق اليوم بين الكفرة الذين لا يعلمون حكم الشريعة وعلى هذا يخرج أيضا ما أمر به رسول الله عليه السلام من المشورة مع أصحابه فإن المراد أمر الحرب وما هو من حقوق العباد ألا ترى أن المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه شاورهم في ذلك ولم ينقل أنه شاورهم قط في حقيقة ما هم عليه ولا فيما أمرهم به من أحكام الشرع وإلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السلام إذا أتيتكم بشيء من أمر دينكم فاعملوا به وإذا أتيتكم بشيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم أو كلاما هذا معناه وهذا بيان شبه الخصوم في المسألة والحجة لجمهور العلماء دلائل الكتاب والسنة والمعقول وهي كثيرة جدا قد أورد أكثرها المتقدمون من مشايخنا ولكنا نذكر من كل نوع طرفا مما هو أقوى في الاعتماد عليه فمن دلائل الكتاب قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار حكي عن ثعلب قال الاعتبار في اللغة هو رد حكم الشيء إلى نظيره ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة ومن ذلك قوله تعالى إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار والرجل يقول اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في التقدير وهذا هو حد القياس فظهر أنه مأمور به بهذا النص وقيل الاعتبار التبيين ومنه قوله تعالى إن كنتم للرؤيا تعبرون أي تبينون والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ليتبين به الحكم في نظيره فإن قيل الاعتبار هو التأمل والتفكر فيما أخبر الله تعالى مما صنعه بالقرون الماضية قلنا هذا مثله ولكنه غير مأمور به لعينه بل ليعتبر حاله بحالهم فيزجروا عما استوجبوا به ما استوجبوا من العقاب إذ المقصود من الاعتبار هو أن يتعظ بالعبرة ومنه يقال السعيد من وعظ بغيره

Bagian V02/P124–V02/P126

وبيان ما قلنا في القصاص فإن الله تعالى يقول ولكم في القصاص حياة وهو في العيان ضد الحياة ولكن فيه حياة بطريق الاعتبار في شرعه واستبقائه أما الحياة في شرعه وهو أن من قصد قتل غيره فإذا تفكر في نفسه أنه متى قتله قتل به انزجر عن قتله فتكون حياة لهما والحياة في استبقائه أن القاتل عمدا يصير حربا لأولياء القتيل لخوفه على نفسه منهم فالظاهر أنه يقصد قتلهم ويستعين على ذلك بأمثاله من السفهاء ليزيل الخوف عن نفسه فإذا استوفى الولي القصاص منه اندفع شره عنه وعن عشيرته فيكون حياة لهم من هذا الوجه لأن إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه قال تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا وإذا تبين هذا المعنى فنقول لا فرق بين حكم هو هلاك في محل باعتبار معنى هو كفر وبين حكم هو تحريم أو تحليل في محل باعتبار معنى هو قدر وجنس فالتنصيص على الأمر بالاعتبار في أحد الموضعين يكون تنصيصا على الأمر به في الموضع الآخر فإن قيل الكفر في كونه علة لما استوجبوه منصوص عليه وكذلك القتل في كونه علة للقصاص ونحن لا ننكر هذا الاعتبار في العلة التي هي منصوصة فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم فإنا نثبت هذا الحكم بالزنا بعد الإحصان في حق غير ماعز وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة بالرأي نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي إذ ليس في نص الربا ما يوجب تعيين هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا إشارة قلنا نحن لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه الذي ثبت حكم الرجم في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الإحصان فإن ماعزا إحصانه كان موجودا قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إحصانه فلما ظهر إحصانه عنده أمر برجمه فعرفنا يقينا أن علة ما أمر به هو ما ظهر عنده والزنا يصلح أن يكون علة لذلك لأن المأمور به عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة والإحصان لا يصلح أن يكون علة لأنها خصال حميدة وبها يستفيد المرء كمال الحال وتتم عليه النعمة فلا يصلح علة للعقوبة ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها لأن بحسب زيادة النعمة يزداد غلظ الجريمة ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله بضعف ما هدد به سائر النساء فقال تعالى من يأت منكن بفاحشة الآية وكان ذلك لزيادة النعمة عليهن وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان جلدا في حق غير المحصن فعرفنا أن الإحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره موجبا للرجم فكان شرطا وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص ثم تعدى الحكم به إلى الفروع فإن النص قوله عليه السلام الحنطة بالحنطة أي بيعها وقوله مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون بيعا في حال ما يكون مثلا بمثل ( والفضل ربا ) أي حراما بسبب الربا فيثبت بالنص أن الفضل محرم وقد علمنا أنه ليس المراد كل فصل فالبيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح وإنما المراد الفضل الخالي عن العوض لأن البيع المشروع المعاوضة فلا يجوز أن يستحق به فضلا خاليا عن العوض ثم خلو الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد الحبات والحفنات ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به محلا للبيع وهو المالية وهذه المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا والشرع إنما أثبت هذه المساواة بالكيل لا بالحبات والحفنات فإنه قال ( كيلا بكيل ) وكذلك في عرف التجار إنما يطلب المساواة بين الحنطة والحنطة بالكيل وعند الإتلاف يجب ضمان المثل بالنص ويعتبر ذلك بالكيل فثبت بهذا الطريق أن العلة الموجبة للحرمة ما يكون مؤثرا في المساواة حتى يظهر بعده الفضل الخالي عن المقابلة فيكون حراما بمنزلة سائر الأشياء التي لها طول وعرض إذا قوبل واحد بآخر وبقي فضل في أحد الجانبين يكون خاليا عن المقابلة

Bagian V02/P126–V02/P128

ثم المساواة من حيث الذات لا تعرف إلا بالجنس ومن حيث القدر على الوجه الذي هو معتبر شرعا وعرفا لا يعرف إلا بالكيل وهذه المساواة لا يتيقن إلا بعد سقوط قيمة الجودة فأسقطنا قيمة الجودة منها عند المقابلة بجنسها بالنص وهو قوله عليه الصلاة والسلام ( جيدها ورديئها سواء ) وبدليل شرعي وهو حرمة الاعتياض عنها بالنص فإنه لو باع قفيز حنطة جيدة بقفيز حنطة رديئة ودرهم على أن يكون الدرهم بمقابلة الجودة لا يجوز وما يكون مالا متقوما يجوز الاعتياض عنه شرعا إلا أن إسقاط قيمة الجودة يكون شرطا لا علة لأنه لا تأثير لها في إحداث المساواة في المحل والحكم الثابت بالنص وجوب المساواة فكان بمنزلة الإحصان لإيجاب الرجم والمساواة التي هي الحكم لما كان يثبت بالقدر والجنس عرفنا أن هذين الوصفين هما العلة وقد وجد التنصيص عليها في حديث الربا بمنزلة الزنا فإنه منصوص عليه في حديث ماعز وهو مؤثر في إيجاب الحكم فعرفنا أنه علة فيه ثم بعد ما ثبت المساواة قطعا في صفة المالية باعتبار القدر إذا كان في أحد الجانبين فضل فهو خال عن العوض فيكون ربا حراما لا يجوز أن يكون مستحقا بالبيع وإذا جعل مشروطا في البيع يفسد به البيع وهذا فضل ظهر شرعا ولو ظهر شرطا بأن باع من آخر عبدا بعبد على أن يسلم إليه مع ذلك ثوبا قد عينه من غير أن يكون بمقابلة الثوب عوض فإنه لا يجوز ذلك البيع فكذلك إذا ثبت شرعا ألا ترى أنه لما ثبت شرعا استحقاق صفة السلامة عن العيب بمطلق البيع فإذا فات ذلك يثبت حق الرد بمنزلة ما هو ثابت شرطا بأن يشتري عبدا على أنه كاتب فيجده غير كاتب وبهذا تبين أن ما صرنا إليه هو الاعتبار المأمور به فإنه تأمل في معنى النصوص لإضافة الحكم إلى الوصف الذي هو مؤثر فيه بمنزلة إضافة الهلاك إلى الكفر الذي هو مؤثر فيه والرجم إلى الزنا الذي هو مؤثر فيه وكل عاقل يعرف أن قوام أموره بمثل هذا الرأي فالآدمي ما سخر غيره ممن في الأرض إلا بهذا الرأي وما ظهر التفاوت بينهم في الأمور العاجلة إلا بالتفاوت في هذا الرأي فالمنكر له يكون متعنتا ومنها قوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم والاستنباط ليس إلا استخراج المعنى من المنصوص بالرأي وقيل المراد بأولي الأمر أمراء السرايا وقيل المراد العلماء وهو الأظهر فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء واستنباط المعنى من المنصوص بالرأي إما أن يكون مطلوبا لتعدية حكمه إلى نظائره وهو عين القياس أو ليحصل به طمأنينة القلب وطمأنينة القلب إنما تحصل بالوقوف على المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في المنصوص وهذا لأن الله تعالى جعل هذه الشريعة نورا وشرحا للصدور فقال أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه كما أن العين ترى الحاضر بالنظر إليه ألا ترى أن الله تعالى قال في بيان حال من ترك التأمل فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ثم في رؤية العين لا إشكال أنه يحصل به من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ليس الخبر كالمعاينة ونحن نعلم أن الضال عن الطريق ( العادل ) يكون ضيق الصدر فإذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد الصدق في خبره يتبين في صدره بعض الانشراح وإنما يتم انشراح صدره إذا عاين أعلام الطريق العادل فكذلك في رؤية القلب فإنه إذا تأمل في المعنى المنصوص حتى وقف عليه يتم به انشراح صدره وتتحقق طمأنينة قلبه وذلك بالنور الذي جعله الله في قلب كل مسلم فالمنع من هذا التأمل والأمر بالوقوف على مواضع النص من غير طلب المعنى فيه يكون بقوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم نوع حجر ورفعا لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة القلب الثابت

Bagian V02/P128–V02/P130

فإن قيل كيف يستقيم هذا وعندكم القياس لا يوجب العلم والمجتهد قد يخطىء وقد يصيب قلنا نعم ولكن يحصل له بالاجتهاد العلم من طريق الظاهر على وجه يطمئن قلبه وإن كان لا يدرك ما هو الحق باجتهاده لا محالة فهو نظير قوله تعالى فإن علمتموهن مؤمنات فإن المراد به العلم من حيث الظاهر فإن قيل كيف يستقيم هذا وأكثر المشروعات بخلاف المعهود المعتاد بين الناس قلنا نعم هو بخلاف المعهود المعتاد عند اتباع هوى النفس وإشارتها وأما إذا ترك ذلك ورجع إلى ما ينبغي للعاقل أن يرجع إليه فإن يكون ذلك موافقا لما هو المعهود المعتاد عند العقلاء فباعتبار هذا التأمل يحصل البيان على وجه يطمئن القلب إليه في الانتهاء واعتقاد الحقية في النصوص فرض حق وطلب طمأنينة القلب فيه حسن كما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ومنها قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول فقد بينا أن المراد به القياس الصحيح والرجوع إليه عند المنازعة وفيه بيان أن الرجوع إليه يكون بأمر الله وأمر الرسول ولا يجوز أن يقال المراد هو الرجوع إلى الكتاب والسنة لأنه علق ذلك بالمنازعة والأمر بالعمل بالكتاب والسنة غير متعلق بشرط المنازعة ولأن المنازعة بين المؤمنين في أحكام الشرع قلما تقع فيما فيه نص من كتاب أو سنة فعرفنا أن المراد به المنازعة فيما ليس في عينه نص وأن المراد هو الأمر بالرد إلى الكتاب والسنة بطريق التأمل فيما هو مثل ذلك الشيء من المنصوص وإنما تعرف هذه المماثلة بإعمال الرأي وطلب المعنى فيه ثم الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في هذا الباب أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تخفى فوجه من ذلك ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق المقايسة على ما روي أنه قال لعمر حين سأله عن القبلة في حالة الصوم أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك وهذا تعليم المقايسة فإن بالقبلة يفتتح طريق اقتضاء الشهوة ولا يحصل بعينه اقتضاء الشهوة كما أن بإدخال الماء في الفم يفتتح طريق الشرب ولا يحصل به الشرب وقال للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضينه فقالت نعم قال فدين الله أحق وهذا تعليم المقايسة وبيان بطريق إعمال الرأي وقال للذي سأله عن قضاء رمضان متفرقا أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم والدرهمين أكان يقبل منك قال نعم فقال الله أحق بالتجاوز وقال للمستحاضة إنه دم عرق انفجر فتوضئي لكل صلاة فهذا تعليم للمقايسة بطريق أن النجس لما سال حتى صار ظاهرا ووجب غسل ذلك الموضع للتطهير وجب تطهير أعضاء الوضوء به وقال عليه السلام الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين عليكم والطوافات وهذا تعليم للمقايسة باعتبار الوصف الذي هو مؤثر في الحكم فإن الطوف مؤثر في معنى التخفيف ودفع صفة النجاسة لأجل عموم البلوى والضرورة فظهر أنه علمنا القياس والعمل بالرأي كما علمنا أحكام الشرع ومعلوم أنه ما علمنا ذلك لنعمل به في معارضة النصوص فعرفنا أنه علمنا ذلك لنعمل به فيما لا نص فيه ووجه آخر أنه عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه بذلك فإنه قال لمعاذ رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمن بم تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال بسنة رسول الله قال فإن لم تجد في سنة رسول الله قال اجتهد رأيي قال الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله وقال لأبي موسى رضي الله عنه حين وجهه إلى اليمين اقض بكتاب الله فإن لم تجد فبسنة رسول الله فإن لم تجد فاجتهد رأيك وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه اقض بين هذين قال على ماذا أقضي فقال على أنك إن اجتهدت فأصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة فلو لم يكن اجتهاد الرأي فيما لا نص فيه مدركا من مدارك أحكام الشرع لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرته

Bagian V02/P130–V02/P131

ووجه آخر أنه عليه السلام كان يشاور أصحابه في أمور الحرب تارة وفي أحكام الشرع تارة ألا ترى أنه شاورهم في أمر الأذان والقصة فيه معروفة وشاورهم في مفاداة الأسارى يوم بدر حتى أشار أبو بكر رضي الله عنه عليه بالفداء وأشار عمر رضي الله عنه بالقتل فاستحسن ما أشار به كل واحد منهما برأيه حتى شبه أبا بكر في ذلك بإبراهيم من الأنبياء حيث قال ومن عصاني فإنك غفور رحيم وبميكائيل من الملائكة فإنه ينزل بالرحمة وشبه عمر بنوح من الأنبياء عليهم السلام حيث قال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وبجبريل من الملائكة فإنه ينزل بالعذاب ثم مال إلى رأي أبي بكر فإن قيل ففي ذلك نزل قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم الآية ولو كان مستحسنا لما عوتبوا عليه قلنا العتاب ما كان في المشورة بل فيما نص الله عليه بقوله لمسكم فيما أخذتم ثم هذا إنما يلزم من يقول إن كل مجتهد مصيب ونحن لا نقول بهذا ولكن نقول إعمال الرأي والمشورة مستحسن ثم المجتهد قد يخطىء وقد يصيب كما في هذه الحادثة فقد شاورهما رسول الله واجتهد كل واحد منهم رأيه ثم أصاب أحدهما دون الآخر وبهذا تبين أن قوله وشاورهم في الأمر ليس في الحرب خاصة ولكن يتناول كل ما يتأتى فيه إعمال الرأي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما يوما وقد شاورهما في شيء قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما وقد تركهم رسول الله على المشاورة بعده في أمر الخلافة حين لم ينص على أحد بعينه مع علمه أنه لا بد لهم من ذلك ولما شاوروا فيه تكلم كل واحد برأيه إلى أن استقر الأمر على ما قاله عمر بطريق المقايسة والرأي فإنه قال ألا ترضون لأمر دنياكم بمن رضي به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر دينكم يعني الإمامة للصلاة واتفقوا على رأيه وأمر الخلافة من أهم ما يترتب عليه أحكام الشرع وقد اتفقوا على جواز العمل فيه بطريق القياس ولا معنى لقول من يقول إن كان هذا قياسا فهو منتقض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف عبد الرحمن بن عوف ليصلي بالناس ولم يكن ذلك دليل كونه خليفة بعده وذلك لأن عمر رضي الله عنه أشار إلى الاستدلال على وجه لا يرد هذا النقض وهو أنه في حال توفر الصحابة وحضور جماعتهم ووقوع الحاجة إلى الاستخلاف خص أبا بكر بأن يصلي بالناس بعدما راجعوه في ذلك وسموا له غيره كل هذا قد صار معلوما بإشارة كلامه وإن لم ينص عليه ولم يوجد ذلك في حق عبد الرحمن ولا في حق غيره ثم عمر جعل الأمر شورى بعده بين ستة نفر فاتفقوا بالرأي على أن يجعلوا الأمر في التعيين إلى عبد الرحمن بعدما أخرج نفسه منها فعرض على علي أن يعمل برأي أبى بكر وعمر فقال أعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله ثم أجتهد رأيي وعرض على عثمان هذا الشرط أيضا فرضي به فقلده وإنما كان ذلك منه عملا بالرأي لأنه علم أن الناس قد استحسنوا سيرة العمرين فتبين بهذا أن العمل بالرأي كان مشهورا متفقا عليه بين الصحابة ثم محاجتهم بالرأي في المسائل لا تخفى على أحد فإنهم تكلموا في مسألة الجد مع الإخوة وشبهه بعضهم بواد يتشعب منه نهر وبعضهم بشجرة تنبت غصنا وقد بينا ذلك في فروع الفقه وكذلك اختلفوا في العول وفي التشريك فقال كل واحد منهم فيه بالرأي وبالرأي اعترضوا على قول عمر رضي الله عنه في عدم التشريك حين قالوا هب أن أبانا كان حمارا حتى رجع عمر إلى التشريك فعرفنا أنهم كانوا مجمعين على جواز العمل بالرأي فيما لا نص فيه وكفى بإجماعهم حجة فإن قيل كيف يستقيم هذا وقد قال أبو بكر رضي الله عنه أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى برأيي وقال عمر رضي الله عنه إياكم وأصحاب الرأي

Bagian V02/P131–V02/P133

وقال علي رضي الله عنه لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره وقال ابن مسعود رضي الله عنه إياكم وأرأيت وأرأيت قلنا أما القول بالرأي عن أبي بكر رضي الله عنه فهو أشهر من أن يمكن إنكاره لأنه قال في الكلالة أقول قولا برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان وما رووا عنه قد اختلفت فيه الرواية فقال في بعضها إذا قلت في كتاب الله تعالى بخلاف ما أراد الله ولئن ثبت ما رووا فإنما استبعد قوله بالرأي فيما فيه نص بخلاف النص وهذا لا يجوز منه ولا من غيره ولا يظن به وأما عمر رضي الله عنه فالقول عنه بالرأي أشهر من الشمس وبه يتبين أن مراده بذم الرأي عند مخالفة النص أو الإعراض عن النص فيما فيه نص والاشتغال بالرأي الذي فيه موافقة هوى النفس وإلى ذلك أشار في قوله أعيتهم السنة أن يحفظوها والقول بالرأي عن علي رضي الله عنه مشهور فإنه قال اجتمع رأيي ورأي عمر على حرمة بيع أمهات الأولاد ثم رأيت أن أرقهن وبهذا يتبين أن مراده بقوله لو كان الدين بالرأي أصل موضوع الشرع وبه نقول فإن أصل أحكام الشرع غير مبني على الرأي ولهذا لا يجوز إثبات الحكم به ابتداء وقد اشتهر القول بالرأي عن ابن مسعود حيث قال في المفوضة أجتهد رأيي فعرفنا أن مراده ذم السؤال على وجه التعنت بعدما يتبين الحق أو التكلف فيما لا يحتاج المرء إليه وهو نظير قوله عليه السلام ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم والآثار التي ذكرها محمد في أول أدب القاضي كلها دليل على أنهم ( كانوا ) مجمعين على العمل بالرأي فإنه بدأ بحديث عمر حين كتب إلى أبي موسى اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور عند ذلك وذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لقد أتى علينا زمان لسنا نسأل ولسنا هنالك الحديث فاتضح بما ذكرنا اتفاقهم على العمل بالرأي في أحكام الشرع فأما من طعن في السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأي في الأحكام فكلامه كما قال الله تعالى كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا لأن الله تعالى أثنى عليهم في غير موضع من كتابه كما قال تعالى محمد رسول الله والذين معه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم خير الناس فقال خير الناس قرني الذين أنا فيهم والشريعة إنما بلغتنا بنقلهم فمن طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام دواؤه السيف إن لم يتب ومن قال منهم إن القول بالرأي كان من الصحابة على طريق التوسط والصلح دون إلزام الحكم فهو مكابر جاحد لما هو معلوم ضرورة لأن الذين نقلوا إلينا ما احتجوا به من الرأي في الأحكام قوم عالمون عارفون بالفرق بين القضاء والصلح فلا يظن بهم أنهم أطلقوا لفظ القضاء فيما كان طريقه طريق الصلح بأن لم يعرفوا الفرق بينهما أو قصدوا التلبيس ولا ينكر أنه كان في ذلك ما هو بطريق الصلح كما قال ابن مسعود حين تحاكم إليه الأعرابي مع عثمان أرى أن يأتي هذا واديه فيعطي به ثم إبلا مثل إبله وفصلانا مثل فصلانه فرضي بذلك عثمان وفي قوله فرضي به بيان أن هذا كان بطريق الصلح فعرفنا أن فيما لم يذكر مثل هذا اللفظ أو ذكر لفظ القضاء والحكم فالمراد به الإلزام وقد كان بعض ذلك على سبيل الفتوى والمفتي في زماننا يبين الحكم للمستفتي ولا يدعوه إلى الصلح إلا نادرا فكذلك في ذلك الوقت وقد كان بعض ذلك بيانا فيما لم يكن فيه خصومة أولا تجري فيه الخصومة كالعبادات والطلاق والعتاق نحو اختلافهم في ألفاظ الكنايات واعتبار عدد الطلاق بالرجال والنساء وما أشبه ذلك فعرفنا أن قول من قال لم يكن ذلك منهم إلا بطريق الصلح والتوسط منكر من القول وزور

Bagian V02/P133–V02/P135

ومنهم من قال كانوا مخصوصين بجواز العمل والفتوى بالرأي كرامة لهم كما كان رسول الله مخصوصا بأن قوله موجب للعلم قطعا ألا ترى أنه قد ظهر منهم العمل فيما فيه نص بخلاف النص بالرأي وبالاتفاق ذلك غير جائز لأحد بعدهم فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك وبيان هذا فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لصلح بين الأنصار فأذن بلال وأقام فتقدم أبو بكر رضي الله عنه للصلاة فجاء رسول الله وهو في الصلاة الحديث إلى أن قال فأشار على أبي بكر أن أثبت في مكانك ورفع أبو بكر رضي الله عنه يديه وحمد الله ثم استأخر وتقدم رسول الله وكانت سنة الإمامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم معلوما بالنص ثم تقدم أبو بكر بالرأي وقد أمره أن يثبت في مكانه نصا ثم استأخر بالرأي ولما أراد رسول الله أن يتقدم للصلاة على ابن أبي المنافق جذب عمر رضي الله عنه رداءه وفي رواية استقبله وجعل يمنعه من الصلاة عليه والاستغفار له وكان ذلك منه بالرأي ثم نزل القرآن على موافقة رأيه يعني قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولما أراد علي أن يكتب كتاب الصلح عام الحديبية كتب هذا ما صالح محمد رسول الله وسهيل بن عمرو على أهل مكة قال سهيل لو عرفناك رسولا ما حاربناك اكتب محمد بن عبد الله فأمر رسول الله عليا أن يمحو رسول الله فأبى علي رضي الله عنه ذلك حتى أمره أن يريه موضعه فمحاه رسول الله بيده وكان هذا الإباء من علي بالرأي في مقابلة النص وقد كان الحكم للمسبوق أن يبدأ بقضاء ما سبق به ثم يتابع الإمام حتى جاء معاذ يوما وقد سبقه رسول الله ببعض الصلاة فتابعه فيما بقي ثم قضى ما فاته فقال له رسول الله ما حملك على ما صنعت قال وجدتك على شيء فكرهت أن أخالفك عليه فقال سن لكم معاذ سنة حسنة فاستنوا بها وكان هذا منه عملا بالرأي في موضع النص ثم استصوبه رسول الله في ذلك وأبو ذر حين بعثه رسول الله مع إبل الصدقة إلى البادية أصابته جنابة فصلى صلوات بغير طهارة إلى أن جاء إلى رسول الله الحديث إلى أن قال له التراب كافيك ولو إلى عشر حجج ما لم تجد الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص وكذلك عمرو بن العاص أصابته جنابة في ليلة باردة فتيمم وأم أصحابه مع وجود الماء وكان ذلك منه عملا بالرأي في موضع النص ثم لم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فعرفنا أنهم كانوا مخصوصين بذلك وكذلك ظهر منهم الفتوى بالرأي فيما لا يعرف بالرأي من المقادير نحو حد الشرب كما قال علي رضي الله عنه فإنه ثبت بآرائنا ولا وجه لذلك إلى الحمل على معنى الخصوصية لا بيان الكرامة لهم لأن كرامتهم إنما تكون بطاعة الله وطاعة رسوله فالسعي لإظهار مخالفة منهم في أمر الله وأمر الرسول يكون طعنا فيهم ومعلوم أن رسول الله ما وصفهم بأنهم خير الناس إلا بعد علمه بأنهم أطوع الناس له وأظهر الناس انقيادا لأمره وتعظيما لأحكام الشرع ولو جاز إثبات مخالفة الأمر بالرأي لهم بطريق الكرامة والاختصاص بناء على الخيرية التي وصفهم بها رسول الله لجاز مثل ذلك لمن بعدهم بناء على ما وصفهم الله به بقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس والجواب أن نقول هذا الكلام عند التأمل فيه من جنس الطعن عليهم الآية ولو جاز ذلك في فتاويهم لجاز فيما نقلوا إلينا من أحكام الشرع فتبين أن هذا من جنس الطعن وأنه لا بد من طلب التأويل فيما كان منهم في صورة الخلاف ظاهرا بما هو تعظيم وموافقة في الحقيقة

Bagian V02/P135–V02/P137

ووجه ذلك بطريق الفقه أن نقول قد كان من الأمور ما فيه احتمال معنى الرخصة والإكرام أو معنى العزيمة والإلزام ففهموا أن ما اقترن به من دلالة الحال أو غيره مما يتبين به أحد المحتملين ثم رأوا التمسك بما هو العزيمة أولى لهم من الترخص بالرخصة وهذا أصل في أحكام الشرع وبيان هذا في حديث الصديق فإن إشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأن يثبت في مكانه كان محتملا معنى الإكرام له ومعنى الإلزام وعلم بدلالة الحال أنه على سبيل الترخص والإكرام له فحمد الله تعالى على ذلك ثم تأخر تمسكا بالعزيمة الثابتة بقوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله وإليه أشار بقوله ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كان تقدمه للإمامة قبل أن يحضر رسول الله فإن التأخير إلى أن يحضر كان رخصة ومراعاة حق الله في أداء الصلاة في الوقت المعهود كان عزيمة فإنما قصد التمسك بما هو العزيمة لعلمه أن رسول الله عليه السلام كان يستحسن ذلك منه فعرفنا أنه ما قصد إلا تعظيم أمر الله وتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما باشره بالرأي وكذلك فعل عمر رضي الله عنه بالامتناع من الصلاة على من شهد الله بكفره وهو العزيمة لأن الصلاة على الميت المسلم يكون إكراما له وذلك لا يشك فيه إذا كان المصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن التقدم للصلاة عليه كان بطريق حسن العشرة ومراعاة قلوب المؤمنين من قراباته فجذب عمر رداءه تمسكا بما هو العزيمة وتعظيما لرسول الله لا قصدا منه إلى مخالفته وكذلك حديث علي فإنه أبى أن يمحو ذلك تعظيما لرسول الله وهو العزيمة وقد علم أن رسول الله ما قصد بما أمر به إلا تتميم الصلح لما رأى فيه من الحظ للمسلمين بفراغ قلوبهم ولو علم علي أن ذلك كان أمرا بطريق الإلزام لمحاه من ساعته ألا ترى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنك ستبعثني في أمر أفأكون فيه كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فبهذا تبين أنه عرف بأن ذلك الأمر منه لم يكن إلزاما ورأى إظهار الصلابة في الدين بمحضر من المشركين عزيمة فتمسك به ثم الرغبة في الصلح مندوب إليه الإمام بشرط أن يكون فيه منفعة للمسلمين وتمام هذه المنفعة في أن يظهر الإمام المسامحة والمساهلة معهم فيما يطلبون ويظهر المسلمون القوة والشدة في ذلك ليعلم العدو أنهم لا يرغبون في الصلح لضعفهم فلأجل هذا فعل علي رضي الله عنه ما فعله وكأنه تأويل قوله تعالى ولا تهنوا ولا تحزنوا وكذلك حديث معاذ رضي الله عنه فإن السنة التي كانت في حق المسبوق من البداية بما فاته فيها احتمال معنى الرخصة ليكون الأداء عليه أيسر فوقف معاذ على ذلك وعرف أن العزيمة متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتقاد الغنيمة فيما أدركه معه فاشتغل بإحراز ذلك أولا تمسكا بالعزيمة لا مخالفة للنص وكذلك حديث أبي ذر إن صح أنه أدى صلاته في تلك الحالة بغير طهارة فإن في حكم التيمم للجنب بعض الاشتباه في النص باعتبار القراءتين أو لامستم أو لامستم النساء فلعله كان عنده أن المراد المس بالي وأنه لا يجوز التيمم للجنب كما هو مذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ثم رأى أن بسبب العجز يسقط عنه فرض الطهارة في الوقت وأن أداء الصلاة في الوقت عزيمة فاشتغل بالأداء تعظيما لأمر الله وتمسكا بالعزيمة وكذلك حديث عمرو بن العاص فإنه رأى أن فرض الاغتسال ساقط عنه لما يلحقه من الحرج بسبب البرد أو لخوفه الهلاك على نفسه وقد ثبت بالنص أن التيمم مشروع لدفع الحرج فعرفنا أنه ليس في شيء من هذه الآثار معنى يوهم مخالفة النص من أحد منهم وأنهم في تعظيم رسول الله كما وصفهم الله به

Bagian V02/P137–V02/P138

وأما حد الشرب فإنما أثبتوه استدلالا بحد القذف على ما روي أن عبد الرحمن بن عوف قال لعمر يا أمير المؤمنين إذا شرب هذي وإذا هذي افترى وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة ثم الحكم الثابت بالإجماع لا يكون محالا به على الرأي وقد بينا أن الإجماع يوجب علم اليقين والرأي لا يوجب ذلك ثم هذا دعوى الخصوصية من غير دليل ومن لا يرى إثبات شيء بالقياس فكيف يرى إثبات مجرد الدعوى من غير دليل والكتاب يشهد بخلاف ذلك فالناس في تكليف الاعتبار المذكور في قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار سواء وهم كانوا أحق بهذا الوصف وهذا أقوى ما نعتمده من الدليل المعقول في هذه المسألة فإنه لا فرق بين التأمل في إشارات النصف فيما أخبر الله به عن الذين لحقهم المثلات بسبب كفرهم كما قال تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب الآية لنعتبر بذلك وننزجر عن مثل ذلك السبب وبين التأمل في إشارات النص في حديث الربا ليعرف به أن المحرم هو الفضل الخالي عن العوض فثبت ذلك الحكم بعينه في كل محل يتحقق فيه الفضل الخالي عن العوض مشروطا في البيع كالأرز والسمسم والجص وما أشبه ذلك وقد قررنا هذا يوضحه أن التأمل في معنى النص الثابت بإشارة ثم التأمل في ذلك للوقوف على طريق الاستعارة حتى يجعل ذلك اللفظ مستعارا في محل آخر بطريقه جائز مستقيم من عمل الراسخين في العلم فكذلك التأمل في معاني النص لإثبات حكم النص في كل موضع علم أنه مثل المنصوص عليه وهذا لنوعين من الكلام أحدهما أن الله تعالى نص على أن القرآن تبيان لكل شيء بقوله تعالى ونزلنا عليك الكتاب تبيانا صاحب الشرع بمنزلة التأمل في معنى اللسان الثابت بوضع واضع اللغة لكل شيء ولا يتمكن أحد من أن يقول كل شيء في القرآن باسمه الموضوع له في اللغة فعرفنا أنه تبيان لكل شيء بمعناه الذي يستدرك به حكمه وما ثبت بالنص فإما أن يقال هو ثابت بصورة النص لا غير أو بالمعنى الذي صار معلوما بإشارة النص والأول باطل فإن الله تعالى قال فلا تقل لهما أف ثم أحد لا يقول إن هذا نهي عن صورة التأفيف دون الشتم والضرب وكذلك قوله تعالى ولا يظلمون نقيرا وقوله تعالى من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار فعرفنا أن ثبوت الحكم باعتبار المعنى الذي وقعت الإشارة إليه في النص ثم ذلك المعنى نوعان جلي وخفي ويوقف على الجلي باعتبار الظاهر ولا يوقف على الخفي إلا بزيادة التأمل وهو المراد بقوله فاعتبروا وبعدما ثبت لزوم اعتبار ذلك المعنى بالنص وإثبات الحكم في كل محل قد وجد فيه ذلك المعنى يكون إثباتا بالنص لا بالرأي وإن لم يكن صيغة النص متناولا إلا ترى أن الحكم بالرجم على ماعز لم يكن حكما على غيره باعتبار صورته ولكن باعتبار المعنى الذي لأجله توجه الحكم عليه بالرجم كان ذلك بيانا في حق سائر الأشخاص بالنص والثاني أنه ما من حادثة إلا وفيها حكم لله تعالى من تحليل أو تحريم أو إيجاب أو إسقاط ومعلوم أن كل حادثة لا يوجد فيها نص فالنصوص معدودة متناهية ولا نهاية لما يقع من الحوادث إلى قيام الساعة وفي تسميته حادثة إشارة إلى أنه لا نص فيها فإن ما فيه النص يكون أصلا معهودا

Bagian V02/P138–V02/P140

وكذلك الصحابة ما اشتغلوا باعتماد نص في كل حادثة ( طلبا أو رواية فعرفنا أنه لا يوجد نص في كل حادثة ) وقد لزمنا معرفة حكم الحادثة بالحجة بحسب الوسع فإما أن يكون الحجة استنباط المعنى من النصوص أو استصحاب الحال كما قالوا ومعلوم أنه ليس في استصحاب الحال إلا عمل بلا دليل ولا دليل جهل والجهل لا يصلح أن يكون حجة باعتبار الأصل وهو أيضا مما لا يوقف عليه فمن المحتمل أن لا يكون عند بعض الناس فيه دليل ويكون عند بعضهم والقياس من الوجه الذي قررنا حجة وإن كان لا يوجب علم اليقين ألا ترى أن الشرع جوز لنا الإقدام على المباحات لقصد تحصيل المنفعة يعني المسافرة للتجارة والمحاربة للعدو والغلبة على الأعداء بغالب الرأي والاجتهاد في أمر القبلة والاشتغال بالمعالجة لتحصيل صفة البرء وكل ذلك إقدام من غير بناء على ما يوجب علم اليقين ثم هو حسن في بعض المواضع واجب في بعض المواضع وكذلك تقويم المتلفات واعتقاد المعروف في النفقات والمتعة فإن ذلك منصوص عليه ثم الإقدام عليه بالرأي جائز فكان ذلك عملا بالحجة فتبين أن القياس من نوع العمل بما هو حجة في الأصل ولكنه دون الثابت من الحكم بالنص فلا يصار إليه إلا في وضع لا يوجد فيه نظر فأما استصحاب الحال فهو عمل بالجهل فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة المحضة بمنزلة تناول الميتة وسنقرر هذا في بابه إن شاء الله تعالى فبهم التقرير يتبين أن نفاة القياس يتمسكون بالجهل وأن فقهاء الأمصار يعلمون بما هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال وأما استدلالهم بقوله تعالى أو لم يكفهم قلنا نحن نقول بأن ما أنزل من الكتاب كذلك ولكن الاحتجاج بالقياس مما أنزل في الكتاب إشارة وإن كان لا يوجد فيه نصا فإنه الاعتبار المأمور به من قوله تعالى فاعتبروا وبهذا يتبين أن الحكم به حكم بما أنزل الله فيضعف به استدلالهم بقوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله وبه يتبين أنه من جملة ما تناوله قوله تعالى تبيانا لكل شيء وقوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وقد قيل المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ وبهذا يتبين أن العمل بالقياس لا يكون تقدما بين يدي الله ورسوله بل هو ائتمار بأمر الله وأمر رسوله وسلوك طريق قد علم رسول الله أمته بالوقوف به على أحكام الشرع وهذا لأنا إنما نثبت الحكم في الفروع بالعلة المؤثرة والعلة ما صارت مؤثرة بآرائنا بل بجعل الله إياها مؤثرة وإنما إعمال الرأي في تمييز الوصف المؤثر من سائر أوصاف الأصل وإظهار التأثير فيه فلا يكون العمل فيه عملا بالرأي إنما التقدم بين يدي الله ورسوله فيما ذهب إليه الخصم من القول بأن العمل بالقياس باطل لأنه لا يجد ذلك في كتاب الله نصا وهو لا يجوز الاستنباط ليقف به على إشارة النص فيكون ذلك قولا بغير حجة ثم يكون عاملا في الأحكام بلا دليل وقد بينا أن هذا لا يصلح أن يكون حجة أصلية وأما قوله ولا تقف ما ليس لك به علم فالمذكور هو علم منكر في موضع النفي والنكرة في موضع النفي تعم فاستعمال الرأي يثبت نوع علم من طريق الظاهر وإن كان لا يثبت علم اليقين وبالاتفاق علم اليقين ليس بشرط لوجوب العمل ولا لجوازه فإن العمل بخبر الواحد واجب ولا يثبت به علم اليقين والعمل بالرأي في الحرب جائز وفي باب القبلة عند الاشتباه واجب وفي المعالجة بالأدوية جائز وإن كان شيء من ذلك لا يوجب علم اليقين وهذا لأن التكليف بحسب الوسع وليس في وسعنا تحصيل علم اليقين في حكم كل حادثة والحرج مدفوع ففي إثبات الحجر عن إعمال الرأي في الحوادث التي لا نص فيها من الحرج ما لا يخفى

Bagian V02/P140–V02/P142

ثم لا إشكال أن ما يثبت من العلم بطريق القياس فوق ما يثبت باستصحاب الحال لأن استصحاب الحال إنما يكون دليلا عندهم لعدم الدليل المغير وذلك مما لا يعلم يقينا قد يجوز أن يكون الدليل المغير ثابتا وإن لم يبلغ المبتلى به ولهذا لا تقبل البينة على النفي في باب الخصومات وتقبل على الإثبات باعتبار طريق لا يوجب علم اليقين فإن الشهادة بالملك لظاهر اليد أو اليد مع التصرف تكون مقبولة وإن كانت لا توجب علم اليقين فأما قوله تعالى ولا تقولوا على الله إلا الحق قلنا ما يظهر عند استعمال الرأي بالوصف المؤثر حق في حقنا وإن كنا لا نعلم أنه هو الحق عند الله تعالى ألا ترى أن المتحري في باب القبلة يلزمه التوجه إلى الجهة التي يستقر عليها الرأي ومعلوم أنه لا يلزمه مباشرة ما ليس بحق أصلا فعرفنا أنه حق عندنا وإن كنا لا نقطع القول بأنه الحق عند الله تعالى فقد يصيب المجتهد ذلك باجتهاده وقد يخطىء ثم التكليف بحسب الوسع وليس في وضعنا الوقوف على ما هو حق عند الله لا محالة وإنما الذي في وسعنا طلبه بطريق الاعتبار الذي أمرنا به وبعد إصابة ذلك الطريق يلزمنا العمل به فكذلك في الأحكام وما أشاروا إليه من الفرق بين ما هو محض حق الله تعالى وبين ما فيه حق العباد ليس بقوي لأن المطلوب هنا جهة القبلة لأداء ما هو محض حق الله تعالى والله تعالى موصوف بكمال القدرة ومع ذلك أطلق لنا العمل بالرأي فيه إما لتحقيق معنى الابتلاء أو لأنه ليس في وسعنا ما هو أقوى من ذلك بعد انقطاع الأدلة الظاهرة وهذا المعنى بعينه موجود في الأحكام ثم الاحتمال الذي يبقى بعد استعمال الرأي بمنزلة الاحتمال في خبر الواحد فإن قول صاحب الشرع موجب علم اليقين وإنما يثبت في حقنا العلم والعمل به إذا بلغنا ذلك وفي البلوغ والاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم احتمال فكذلك الحكم في المنصوص ثابت بالنص على وجه يوجب علم اليقين وفيه معنى هو مؤثر في الحكم شرعا ولكن في بلوغ الآراء وإدراك ذلك المعنى نوع احتمال فلا يمنع ذلك وجوب العمل به عند انعدام دليل هو أقوى منه ولهذا شرطنا للعمل بالرأي أن تكون الحادثة لا نص فيها من كتاب ولا سنة فتبين أن فيما قلنا مبالغة في المحافظة على النصوص بظواهرها ومعانيها فإنه ما لم يقف على النصوص لا يعرف أن الحادثة لا نص فيها وما لم يقف على معاني النصوص لا يمكنه أن يرد الحادثة إلى ما يكون مثلها من النصوص ثم مع ذلك فيه تعميم المعنى في الفروع وتعظيم ما هو حق الله تعالى فإن اعتقاد الحقية في الحكم المنصوص ثابت بالنص ومعنى شرح الصدر وطمأنينة القلب ثابت بالوقوف على المعنى ولا معنى لاستدلالهم باختلاف أحكام النصوص لأنا إنما نجوز استعمال الرأي عند معرفة معاني النصوص وإنما يكون هذا فيما يكون معقول المعنى فأما فيما لا يعقل المعنى فيه فنحن لا نجوز إعمال الرأي لتعدية الحكم إلى ما لا نص فيه وسيأتيك بيان هذا في شرط القياس ويتبين بهذا أن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بذم الرأي فيما رووا من الآثار الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس أو الرأي الذي يكون المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون مذموما ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله يحكم به ذوا عدل منكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك أصحابه والصحابة عن آخرهم أجمعوا على استعماله من غير نكير من أحد منهم على من استعمله فكيف يظن بهم الاتفاق على ما ذمه رسول الله أو جعله مدرجة الضلال هذا شيء لا يظنه إلا ضال والله أعلم فصل في بيان ما لا بد للقياس من معرفته

Bagian V02/P142–V02/P144

قال رضي الله عنه وذلك معنى القياس لغة فالصورة بلا معنى يكون فاسدا من الدعوى ثم شرطه فإن وجود الشيء على وجه يكون معتبرا شرعا لا يكون إلا بوجود شرطه ثم ركنه فقوام الشيء يكون بركنه ثم حكمه فإن الشيء إنما يخرج من حد العبث والسفه إلى حد الحكمة بكونه مفيدا وذلك إنما يكون بحكمه ثم بالدفع بعد ذلك فإن تمام الإلزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع فأما الأول فهو معرفة القياس لغة فنقول للقياس تفسير هو المراد بصيغته ومعنى هو المراد بدلالته بمنزله فعل الضرب فإن له تفسيرا هو المعلوم بصورته وهو إيقاع الخشبة على جسم ومعنى هو المراد بدلالته وهو الإيلام فأما تفسير صيغة القياس فهو التقدير يقال قس النعل بالنعل أي قدره به وقاس الطبيب الجرح إذا سبره بالمسبار ليعرف مقدار غوره وبهذا يتبين أن معناه لغة في الأحكام رد الشيء إلى نظيره ليكون مثلا له في الحكم الذي وقعت الحاجة إلى إثباته ولهذا يسمى ما يجري بين المناظرين مقايسة لأن كل واحد منهما يسعى ليجعل جوابه في الحادثة مثلا لما اتفقا على كونه أصلا بينهما يقال قايسته مقايسة وقياسا ويسمى ذلك نظرا أيضا إذ لا يصاب إلا بالنظر عن إنصاف ويسمى ذلك اجتهادا مجازا أيضا لأن ببذل المجهود يحصل هذا المقصود وأما المعنى الذي هو المراد بدلالته وهو أنه مدرك من مدارك أحكام الشرع ومفصل من مفاصله وإنما يتبين هنا ببسط الكلام فنقول إن الله تعالى ابتلانا باستعمال الرأي والاعتبار وجعل ذلك موضوعا على مثال ما يكون بين العباد مما شرعه من الدعوى والبينات فالنصوص شهود على حقوق الله تعالى وأحكامه بمنزلة الشهود في الدعاوى ومعنى النصوص ( شهادته بمنزلة ) شهادة الشاهد ثم لا بد من صلاحية الشاهد بكونه حرا عاقلا بالغا فكذلك لا بد من صلاحية النص لكونه شاهدا بكونه معقول المعنى ولا بد من صلاحية الشهادة بوجود لفظها فكذلك لا بد من صلاحية الوصف الذي هو بمنزلة الشهادة وذلك بأن يكون ملائما للحكم أو مؤثرا فيه على ما نبين الاختلاف فيه ولا بد مما هو قائم مقام الطالب فيه وهو القائس ولا بد من مطلوب وهو الحكم الشرعي فالمقصود تعدية الحكم إلى الفروع ولا بد من مقضي عليه وهو عقد القلب ليترتب عليه العمل بالبدن إن كان يحاج نفسه وإن كان يحاج غيره فلا بد من خصم هو كالمقضي عليه من حيث إنه يلزمه الانقياد له ولا بد من قاض فيه وهو القلب بمنزلة القاضي في الخصومات ثم بعد اجتماع هذه المعاني يتمكن المشهود عليه من الدفع كما في الدعوى المشهود عليه يتمكن من الدفع بعد ظهور الحجة فإن تمام الإلزام إنما يتبين بالعجز عن الدفع وربما يخالفنا في بعض هذا الشافعي وغيره من العلماء أيضا فصل في تعليل الأصول قال فريق من العلماء الأصول غير معلولة في الأصل ما لم يقم الدليل على كونه معلولا في كل أصل وقال فريق آخر هي معلولة إلا بدليل مانع والأشبه بمذهب الشافعي رحمه الله أنها معلولة في الأصل إلا أنه لا بد لجواز التعليل في كل أصل من دليل مميز والمذهب عند علمائنا أنه لا بد مع هذا من قيام دليل يدل على كونه معلولا في الحال وإنما يتبين هذا في مسألة الذهب والفضة فإن استدلال من يستدل من أصحابنا على كون الحكم الثابت فيهما معلولا بأن الأصول في الأصل معلولة لا يكون صحيحا حتى يثبت بالدليل أن النص الذي فيهما معلول في الحال

Bagian V02/P144–V02/P146

وحجة الفريق الأول أن الحكم في المنصوص قبل التعليل ثابت بصيغة النص وفي التعليل تغيير لذلك الحكم حتى يكون ثابتا بالوصف الذي هو المعنى في المنصوص فيكون ذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة ولا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل بل أولى فالمجاز أحد نوعي اللسان والمعنى الذي يستنبط من المنصوص ليس من نوع اللسان في شيء يوضحه أن المعاني تتعارض في المنصوص وباعتبار المعارضة لا يتعين وصف منها بل كل وصف يحتمل أن يكون هو المعنى الموجب للحكم فيه والمحتمل لا يكون حجة ولا بد من ترجيح بعض الأوصاف عند الاشتغال بالتعليل والترجيح بعد المعارضة لا يكون إلا بالدليل على أنا نفهم من خطاب الشرع ما نفهم من مخاطباتنا ومن يقول لغيره أعتق عبدي هذا لم يكن له أن يصير إلى التعليل في هذا الأمر فكذلك في مخاطبات الشرع لا يجوز المصير إلى التعليل حتى يقوم الدليل وحجة الفريق الثاني أن الدليل الذي دل على صحة القياس وجواز العمل به يكون دليلا على جواز التعليل في كل أصل فإن ما هو طريق التعليل وهو الوقوف على معنى النص والوصف الذي هو صالح لأن يكون علة للحكم موجود في كل نص فيكون جواز التعليل أصلا في كل نص وتكون صفة الصلاحية أصلا في كل وصف فيكون التعليل به أصلا ما لم يظهر المانع بمنزلة العمل بالأخبار فإن وجوب العمل بكل خبر ثبت عن صاحب الشرع هو الأصل حتى يمنع منه مانع ولا تتحقق المعارضة الموجبة للتوقف بمجرد اختلاف الآثار عند إمكان العمل بالكل فكذلك لا تثبت المعارضة الموجبة للتوقف عند كثرة أوصاف الأصل مع إمكان العمل بالكل إلا أن يمنع من ذلك مانع وليس هذا نظير خطاب العباد في معاملاتهم فإن ذلك مما لا نشتغل فيه بطلب المعنى لجواز أن يكون خاليا عن معنى مؤثر وعن حكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع ألا ترى أن هناك وإن كان التعليل فيه منصوصا لا يصار إلى التعدية فإنه لو قال أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن له أن يعدي الحكم بهذا التعليل إلى غيره وفي خطاب الشرع فيما يكون التعليل منصوصا يثبت حكم التعدية بالاتفاق كقوله عليه السلام الهرة ليست بنجسة لأنها من الطوافين عليكم والطوافات ودعواهم أن في التعليل تغيير الحكم كلام باطل فإن الحكم في المنصوص بعد التعليل ثابت بالنص كما كان قبل التعليل وإنما التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه على ما نبينه في فصل الشرط فعرفنا أن أثر التعليل في المنصوص من حيث شرح الصدر وطمأنينة القلب وذلك تقرير للحكم لا تغيير كالوقوف على معنى اللسان وقولهم إن في كل وصف احتمالا قلنا لا كذلك بل الأصل في النصوص وجوب التعليل لتعميم الحكم على ما قررنا فبعد هذا في كل وصف احتمال أنه ليس بمراد بعد قيام الدليل على كونه حجة ( وما ثبت حجة بالدليل فإنه لا يخرج بالاحتمال من أن يكون حجة ) وإنما يثبت ذلك بالدليل المانع وأما الشافعي فإنه يقول قد علمنا بالدليل أن علة النص أحد أوصافه لا كل وصف منه فإن الصحابة اختلفوا في الفروع باختلافهم في الوصف الذي هو علة في النص فكل واحد منهم ادعى أن العلة ما قاله وذلك اتفاق منهم أن أحد الأوصاف هو العلة ثم ذلك الوصف مجهول والمجهول لا يصلح استعماله مع الجهالة لتعدية الحكم فلا بد من دليل التمييز بينه وبين سائر الأوصاف حتى يجوز التعليل به فإنه لا يجوز التعليل بسائر الأوصاف لاتفاق الصحابة على ذلك وعلمنا ببطلان التعليل في مخالفة الإجماع ثم على أصله التعليل تارة يكون للمنع من التعدية وتارة يكون لإثبات التعدية ولا شك أن الوصف الذي به يثبت الحجر عن التعدية غير الوصف الذي يثبت به حكم التعدية فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل لا يجوز تعليل النص