Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bagian V02/P181–V02/P183

قلنا نعم ولكن لا نجعل الدوران دليل صحة العلة وإنما نجعل كونه مؤثرا في الأصول دليل صحة العلة ولا يتحقق معنى دوران الحكم مع هذا الأثر في جميع الأصول فأما دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما يكون اتفاقا فأما الذين قالوا من أصحاب الشافعي بأن الأثر الذي هو دليل صحة العلة أن يكون مخيلا حجتهم أن هذا الأثر مما لا يحس بطريق الحس ولكنه يعقل فيكون طريق الوقوف عليه تحكيم القلب حتى إذا تخايل في القلب به أثر القبول والصحة كان ذلك حجة للعمل به بمنزلة التحري في باب القبلة عند انقطاع سائر الأدلة فإن تحكيم القلب فيه جائز ويجب العمل بما يقع في قلب من ابتلي به من أنه جهة الكعبة وعليه دل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصة بن معبد رضي الله عنه ضع يدك على صدرك واستفت قلبك فما حك في صدرك فدعه وإن أفتاك الناس به فعرفنا أن العدالة تحصل بصفة الإخالة ثم العرض على الأصول بعد ذلك احتياط والعمل به قبله جائز بمنزلة ما لو كان الشاهد معلوم العدالة عند القاضي فإن العمل بشهادته جائز له والعرض على المزكين بعد ذلك نوع احتياط فإن لم يعجل ورجع إلى المزكين فهو احتياط أخذ به لجواز أن يظهر له بالرجوع إليهم ما لم يكن معلوما له قال وهذا بخلاف شهادة الشاهد فإن بصفة الصلاحية هناك لا تثبت العدالة لأن الشاهد مبتلى بالأمر والنهي وهو أمين فيما اؤتمن من حقوق الشرع ويتوهم منه أداء الأمانة فيكون عدلا به والخيانة فلا يكون عدلا معه وإذا لم يكن أداء الأمانة منه معلوم القاضي لا يصير عدلا عنده ما لم يعرض حاله على المزكين فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه تصير عدالته معلومة إذ ليس فيه توهم الخيانة فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطا فإن سلم عما يناقضه ويعارضه بكونه مطردا في الأصول فحكم وجوب العمل به يزداد وكادة وإن ورد عليه نقض فذلك النقض جرح بمنزلة الشاهد الذي هو معلوم العدالة إذا ظهر فيه طعن من بعض المزكين فإن ذلك يكون جرحا في عدالته إلا أن يتبين له أنه لم يكن عدلا والمعارضة دفع بمنزلة شاهد آخر يشهد بخلاف ما شهد به العدل وأما الفريق الثاني فإنهم قالوا كونه مخيلا أمر باطن لا يمكن إثباته على الخصم وما لم تثبت صفة العدالة بما يكون حجة على الخصم لا يمكن إلزام الخصم به وأثبتنا صفة العدالة فيه بما أثبتنا صفة الصلاحية وهو الملاءمة فإن ذلك يكون بالعرض على العلل المنقولة عن السلف حتى إذا علم الموافقة كان صالحا وبعد صفة الصلاحية يحتمل أن لا يكون حجة لأن العلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها فلا بد من إثبات صفة العدالة فيه بالعرض على الأصول حتى إذا كان مطردا سالما عن النقوض والمعارضات فحينئذ تثبت عدالته من قبل أن الأصول شهادة لله على أحكامه كما كان الرسول في حال حياته فيكون العرض على الأصول وامتناع الأصول من رده بمنزلة العرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وسكوته عن الرد وذلك دليل عدالته باعتبار أن السكوت بعد تحقق الحاجة إلى البيان لا يحل فعرفنا أن بالعرض على الأصول تثبت العدالة كما أن عدالة الشاهد تثبت بعرض حاله على المزكين

Bagian V02/P183–V02/P185

والفرق الثاني الذي قالوا ليس بقوي فإن بعد ثبوت صفة الصلاحية للشاهد إنما بقي احتمال الكذب في أدائه وهنا بعد ثبوت صفة الصلاحية بقي الاحتمال في أصله أن الشرع جعله علة للحكم أم لا فإنه إن ورد عليه نقض أو معارضة يتبين به أن الشرع ما جعله علة للحكم لأن المناقضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية قال الله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وكذلك المعارضة اللازمة لا تكون في الحجج الشرعية فإذا كان هناك مع بقاء الاحتمال في الوصف لا يكون حجة للعمل به فهنا مع بقاء الاحتمال في الأصل لأن لا يكون حجة كان أولى وكما أن طريق رفع ذلك الاحتمال هناك العرض على المزكين والأدنى فيه اثنان فالطريق هنا العرض على الأصول وأدنى ذلك أصلان إذ لا نهاية للأعلى وفي الوقوف على ذلك حرج بين وبهذا التقرير يتبين أن العرض على جميع الأصول ليس بشرط عنده كما ذهب إليه بعض شيوخنا استقصى في العرض فالخصم يقول وراء هذا أصل آخر ( هو ) معارض أو ناقض لما يدعيه فلا يجد بدا من أن يقول لم يقم عندي دليل النقض والمعارضة ومثل هذا لا يصلح حجة لإلزام الخصم على ما نبينه في بابه قالوا والذي يحقق ما ذكرنا أن المعجزة التي أوجبت علم اليقين كان طريق ثبوتها السلامة عن النقوض والمعارضات كما قال تعالى قل لئن اجتمعت وشيوخه فإن من شرط ذلك لم يجد بدا من العمل بلا دليل لأنه وإن الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله قال تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فبهذا يتبين أن طريق إثبات الحجة لما لا نحس هذا وأما علماؤنا إنهم يقولون حاجتنا إلى إثبات دليل الحجة فيما لا يحس ولا يعاين وطريق ذلك أثره الذي ظهر في موضع من المواضع ألا ترى أن الطريق في معرفة عدالة الشاهد هذا وهو أن ينظر إلى أثر دينه في منعه عن ارتكاب ما يعتقد فيه الحرمة فإذا ظهر أثر ذلك في سائر المواضع يترجح جانب الصدق في شهادته بطريق الاستدلال بالأثر وهو أن الظاهر أنه ينزجر عن شهادة الزور لاعتقاده الحرمة فيه وكذلك الدلالة على إثبات الصانع تكون بآثار صنعته بطريق الوصف والبيان على وجه مجمع عليه كما نبينه في موضعه وكذلك في المحسوسات كالجرح ونحو ذلك فإنه يستدل عليه بأثره حسا والاستدلال بالمحسوس لغير المحسوس يكون بالأثر أيضا فتبين أن ما به يصير الوصف حجة بعد الصلاحية بالملاءمة على ما قرره الخصم وهو ظهور أثره في الأصول فأما الإخالة فهو عبارة عن مجرد الظن إذ الخيال والظن واحد والظن لا يغني من الحق شيئا وأحسن العبارات فيه أن يجعل بمنزلة الإلهام وهو لا يصلح للإلزام على الغير على ما نبينه ثم هذا شيء في الباطن لا يطلع عليه غير صاحبه ومثله لا يكون حجة على الغير كالتحري الذي استشهد به فإن ما يؤدي إليه تحري الواحد لا يكون حجة على أصحابه حتى لا يلزمهم اتباعه في تلك الجهة وكلامنا فيما يكون حجة لإلزام الغير العمل به ثم كل خصم يتمكن من أن يقول يخايل في قلبي أثر القبول والصحة للوصف الذي دعاه بل للحكم الذي هو المقصود وصفة التعارض لا يجوز أن يكون لازما في الحجج الشرعية كصفة المناقضة وكذلك الاطراد لا يستقيم أن يجعل دليل كونه حجة لأنه عبارة عن عموم شهادة هذا الوصف في الأصول فيكون نظير كثرة أداء الشهادة من الشاهدين في الحوادث عند القاضي أو تكرار الأداء منه في حادثة واحدة وذلك لا يكون موجبا عدالته

Bagian V02/P185–V02/P187

قوله بأن الأصول مزكون كالرسول قلنا لا كذلك بل كل أصل شاهد فالأصول كجماعة الشهود أو عدد الرواة للخبر ودليل صحة الخبر وكونه حجة إنما يطلب من متن الحديث فالأثر للوصف بمنزلة دليل الصحة من متن الخبر والاطراد في الأصول بمنزلة كثرة الرواة فكيف يستقيم أن يجعل الأصول مزكين ولا معرفة لهم بهذا الوصف وحاله وأنى تكون التزكية ممن لا خبرة له ولا معرفة بحال الشاهد وما قالوا إن المعجزة بمثل هذا صارت حجة فهو غلط وإنما صارت حجة بكونها خارجة عن حد مقدور البشر فإن القرآن بهذه الصفة ولكن الكفار كانوا يتعنتون فيقولون إنه من جنس كلام البشر كما أخبر الله تعالى عنهم قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا فطولبوا بالإتيان بمثله ليظهر به تعنتهم فإنهم لو قدروا على ذلك ما صبروا على الامتناع عنه إلى القتال وفيه ذهاب نفوسهم وأموالهم فإن قيل في اعتبار الأثر اعتبار ما لا يمكن الوقوف فيه على حد معلوم يعقل أو يظهر للخصوم قلنا لا كذلك فإن الأثر فيما يحس معلوم حسا كأثر المشي على الأرض وأثر الجراحة على البدن وأثر الإسهال في الدواء المسهل وفيما يعقل معلوم بطريق اللغة نحو عدالة الشاهد فإنه يعلم بأثر دينه في المنع كما بينا وهذا الأثر الذي ادعيناه يظهر للخصم بالتأمل فإنه عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والسلف من الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين فمن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة إنها من الطوافين عليكم والطوافات لأنها علة مؤثرة فيما يرجع إلى التخفيف لأنه عبارة عن عموم البلوى والضرورة في سؤره وقد ظهر تأثير الضرورة في إسقاط حكم الحرمة أصلا بالنص وهو قوله تعالى فمن اضطر غير باغ ولا عاد عن أثر ظاهر في بعض المواضع سوى المتنازع فيه وهو موافق للعلل المنقولة فلا إثم عليه والإشارة إليه لدفع نجاسة سؤره أو لإثبات حكم التخفيف في سؤره يكون استدلالا له بعلة مؤثرة وكذلك قوله عليه السلام إنها دم عرق انفجر فإنه استدلال بعلة مؤثرة في نقض الطهارة وهو أن الدم في نفسه نجس وبالانفجار يصل إلى موضع يجب تطهير ذلك الموضع منه ووجوب التطهير لا يكون إلا بعد وجود ما يعدم الطهارة فإن قيل هذا ليس بتعليل منه لانتقاض الطهارة بدم الاستحاضة بل لبيان أنه ليس بدم الحيض قلنا قد قال أولا ليست بالحيضة وهذا اللفظ كاف لهذا المقصود فلا بد من أن يحمل قوله ( ولكنها دم عرق انفجر ) على فائدة جديدة وليس ذلك إلا بيان علة للحدث الموجب للطهارة وقال عليه السلام لعمر رضي الله عنه في القبلة أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك فهذا إشارة إلى علة مؤثرة أي الفطر ضد الصوم وإنما يتأدى الصوم بالكف عن اقتضاء الشهوتين فكما أن اقتضاء شهوة البطن بما يصل إلى الحلق لا بما يصل إلى الفم حتى لا تكون المضمضة موجبة للفطر فكذلك اقتضاء شهوة الفرج يكون بالإيلاج أو الإنزال لا بمجرد القبلة التي هي المقدمة وكذلك قوله للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين الحديث هو إشارة إلى العلة المؤثرة وهو أن صاحب الحق يقبل من غير من عليه الحق إذا جاء بحقه فأداه على سبيل الإحسان والمساهلة مع من عليه الحق والله هو المحسن المتفضل على عباده فهو أحق من أن يقبل منك وقال في حرمة الصدقة على بني هاشم أرأيت لو تضمضت بماء أكنت شاربه ففيه إشارة إلى علة مؤثرة وهو أن الصدقة من أوساخ الناس لكونها مطهرة من الذنوب فهي كالغسالة المستعملة والامتناع من شرب ذلك يكون بطريق الأخذ بمعالي الأمور فكذلك حرمة الصدقة على بني هاشم يكون على وجه التعظيم والإكرام لهم ليكون لهم خصوصية بما هو من معالي الأمور

Bagian V02/P187–V02/P188

وكذلك الصحابة حين اختلفوا في الجد مع الإخوة اشتغلوا بالتعليل لإظهار صفة القرب بالوادي الذي تتشعب منه الأنهار والشجرة التي ينبت منها الأغصان وما ذلك إلا باعتبار المؤثر في العلم بتفاوت القرب بطريق محسوس و ابن عباس علل في ذلك بقوله ألا يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ولا يجعل أب الأب أبا فهو استدلال المؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب وقال عمر لعبادة بن الصامت حين قال ما أرى النار تحل شيئا في الطلاء أليس يكون خمرا ثم يكون خلا فتشربه فهذا استدلال بمؤثر وهو التغيير بالطباع وعلل محمد في كتاب الطلاق فيمن قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ثم طلقها ثلاثا أن اليمين لا يبقى لأنه ذهب تطليقات ذلك الملك كله وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن اليمين لا تنعقد إلا في الملك باعتبار تطليقات مملوكة أو مضافة إلى الملك والإضافة إلى الملك لم توجد هنا فعرفنا أنها انعقدت على التطليقات المملوكة وقد أوقع كلها والكل من كل شيء لا يتصور فيه تعدد فعرفنا أنه لم يبق شيء من الجزاء واليمين شرط وجزاء فكما لا يتصور انعقادها بدون الجزاء لا يتصور بقاؤها إذا لم يبق شيء من الجزاء وقال أبو حنيفة رحمه الله فيمن اشترى قريبه مع غيره حتى عتق نصيبه منه لا يضمن لشريكه شيئا لأن شريكه رضي بالذي وقع به العتق بعينه يعني ملك القريب الذي هو متمم لعلة العتق وهذا تعليل بوصف مؤثر فإن ضمان العتق إنما يجب بالإفساد أو الإتلاف لملك الشريك فيكون واجبا بطريق الجبران له ورضاه بالسبب يغني عن الحاجة إلى الجبران لأن الحاجة إلى ذلك لدفع الضرر عنه وقد اندفع ذلك حكما حين رضي به كما لو أذن له نصا أن يعتقه وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيمن أودع صبيا مالا فاستهلكه لا ضمان عليه لأنه سلطه على ما فعل أي حين مكنه من المال فقد سلطه على إتلافه حسا والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط ثم بقوله احفظ جعل التسليط مقصورا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق البالغ صحيح وفي حق الصبي لا يصح أصلا وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة الرق وعلل الشافعي في الزنا أنه لا يوجب حرمة المصاهرة وقال الزنا فعل رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه فهذا استدلال في الفرق بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد المرء عليه ولا يجوز أن يكون سببه ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم وقال النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال لأن النكاح ليس بمال وهذا تعليل بوصف مؤثر يعني أن المال مبتذل وملك النكاح مصون عن الابتذال وفي شهادة النساء مع الرجال ضرب شبهة أو هي حجة ضرورة فما يكون مبتذلا تجري المساهلة فيه وتكثر البلوى والحاجة إليه فيمكن إثباته بحجة فيها شبهة أو بما هو حجة ضرورة فأما ما يكون مصونا عن الابتذال فإن البلوى لا تكثر فيه وهو عظيم الخطر أيضا فلا يثبت إلا بحجة أصلية خالية عن الشبهة فعرفنا أن طريق تعليل السلف هو الإشارة إلى الوصف المؤثر فعلى هذا النمط يكون أكثر ما عللنا به في الخلافيات منها أن علماءنا قالوا في أنه لا يشترط التكرار في المسح بالرأس لإكمال السنة إنه مسح فلا يسن تكراره ( كالمسح بالخف والتيمم

Bagian V02/P188–V02/P190

وقال الشافعي هو ركن أصلي في الطهارة فيسن فيه التكرار ) كالغسل في المغسولات فكان المؤثر ما قلنا لأن في لفظ المسح ما يدل على التخفيف فإن المسح يكون أيسر من الغسل لا محالة وتأدى الفرض في هذا المحل بفعل المسح دليل التخفيف أيضا وكون الاستيعاب فيه ليس بشرط بخلاف المغسولات تخفيف آخر والاكتفاء بالمرة الواحدة لإقامة الفرض والسنة من باب التخفيف ففي قولنا مسح إشارة إلى ما هو مؤثر فيه وليس في قوله ركن إشارة إلى ما ينفيه ثم المقصود بالسنة الإكمال وفي الممسوح لما لم يكن الاستيعاب شرطا فبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل الإكمال فعرفنا أنه يصير به مؤديا الفريضة والسنة وفي المغسولات لما كان الاستيعاب شرطا لا يحصل بالمرة إلا إقامة الفرض فلا بد من التكرار لإقامة السنة وليس في قوله ركن إشارة إلى هذا الفرق وفي قولنا مسح إشارة إليه فكان المؤثر ما قلنا وقلنا في صوم الشهر بمطلق النية إنه يتأدى لأنه صوم عين وهو يقول لا بد من نية الفرض لأنه صوم فرض فكان المؤثر ما قلنا لأن المقصود بالنية في الأصل التمييز ولا يراد بنية الجهة إلا التمييز بين تلك الجهة وغيرها وإذا كان المشروع في هذا الزمان عينا ليس معه غيره يصاب بمطلق الاسم فارتفعت الحاجة إلى الجهة للتمييز وليس في صفة الفرضية ما ينفي هذا التعيين حتى يثبت به مساس الحاجة إلى نية الجهة للتمييز وقلنا في الضرورة إذا حج بنية النفل لا يقع حجة عن الفرض لأنها عبادة تتأدى بأركان معلومة بأسبابها كالصلاة وهذا إشارة إلى وصف مؤثر وهو أن تتأدى هذه العبادة بمباشرة أركانها لا بوقتها فصحة أداء هذه الأركان في الوقت فرضا لا ينفي صحة أدائها نفلا وإذا بقي الأداء بصفة النفلية مشروعا من هذا الوجه فتعيينه جهة النفل بالنية صادق محله فيجب اعتباره لا محالة بخلاف الصوم في الشهر وعللنا في الثيب الصغيرة أن الأب يزوجها لأنها صغيرة ولا يزوج البكر البالغة إلا برضاها لأنها بالغة والخصم قال في الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها من غير رضاها لأنها ثيب وفي البكر البالغة يزوجها من غير رضاها لأنها بكر فكان المؤثر ما قلنا لأن ثبوت ولاية الاستبداد بالعقد يكون على وجه النظر للمولى عليه باعتبار عجزه عن مباشرة ذلك بنفسه مع حاجته إلى مقصوده كالنفقة والمؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة وكذلك في سائر المواضع إنما ظهر الأثر للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة يعني الولاية في المال والولاية على الذكر فعرفنا أنا سلكنا طريق السلف في الاستدلال بالوصف ( المؤثر ) فإن قيل كيف يستقيم هذا والقياس لا يكون إلا بفرع وأصل فإن المقايسة تقدير الشيء بالشيء وبمجرد ذكر الوصف بدون الرد إلى الأصل لا يكون قياسا قلنا قد قال بعض مشايخنا هذا النوع من التعليل عند ذكر الأصل يكون مقايسة وبدون ذكر الأصل يكون استدلالا بعلة مستنبطة بالرأي بمنزلة ما قاله الخصم إن تعليل النص بعلة تتعدى إلى الفرع يكون مقايسة وبعلة لا تتعدى لا يكون مقايسة لكن يكون بيان علة شرعية للحكم قال رضي الله عنه والأصح عندي أن نقول هو قياس على كل حال فإن مثل هذا الوصف يكون له أصل في الشرع لا محالة ولكن يستغنى عن ذكره لوضوحه وربما لا يقع الاستغناء عنه فنذكره فمما يقع الاستغناء عن ذكره ما قلنا في إيداع الصبي لأنه سلطه على ذلك فإنه بهذا الوصف يكون مقيسا على أصل واضح وهو أن من أباح لصبي طعاما فتناوله لم يضمن لأنه بالإباحة سلطه على تناوله وتركنا ذكر هذا الأصل لوضوحه

Bagian V02/P190–V02/P192

ومما يذكر فيه الأصل ما قال علماؤنا في طول الحرة إنه لا يمنع نكاح الأمة لأن كل نكاح يصح من العبد بإذن المولى فهو صحيح من الحر كنكاح حرة وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن الرق ينصف الحل الذي يبتنى عليه عقد النكاح شرعا ولا يبدله بحل آخر فيكون الرقيق في النصف الباقي بمنزلة الحر في الكل لأنه ذلك الحل بعينه ولكن في هذا المعنى بعض الغموض فتقع الحاجة إلى ذكر الأصل وكذلك عللنا في جواز نكاح الأمة الكتابية للمسلم قلنا كل امرأة يجوز لمسلم نكاحها إذا كانت مسلمة يجوز له نكاحها إذا كانت كتابية كالحرة وهذا إشارة إلى معنى مؤثر وهو أن تأثير الرق في تنصيف الحل وما يبتنى على الحل الذي في جانب المرأة غير متعدد ليتحقق معنى التنصيف في عدد فإن المرأة لا تحل إلا لرجل واحد فيظهر حكم التنصيف في الأحوال وهو أن الأمة من المحللات منفردة عن الحرة ومن المحرمات مضمومة إلى الحرة فلا يتزوجها على حرة ويتزوجها إذا لم يكن تحته حرة ثم النصف الباقي في جانب الأمة هو الثابت في حق الحرة فإذا كان بهذا الحل يتزوج الحرة مسلمة كانت أو كتابية عرفنا أنه يتزوج الأمة مسلمة كانت أو كتابية ولكن في هذا الكلام بعض الغموض فيذكر الأصل عند التعليل فعرفنا أن جميع ما ذكرنا استدلال بالقياس في الحقيقة وأنه موافق لطريق السلف في تعليل الأحكام الشرعية فصل الحكم حكم العلة التي نسميها قياسا أو علة ثابتة بالرأي تعدية حكم النص بها إلى فرع لا نص فيه عندنا وعلى قول الشافعي حكمها تعلق الحكم في المنصوص بها فأما التعدية بها جائز وليس بواجب حتى يكون التعليل بدونها صحيحا وإنما يتبين هذا بفصلين سبق بيانهما أحدهما تعليل الأصل بما لا يتعدى لمنع قياس غيره عليه عندنا لا يكون صحيحا وعنده يصح والثاني التعدية بالتعليل إلى محل منصوص عليه لا يصح عندنا خلافا له ثم حجته في هذه المسألة اعتبار العلل الشرعية بالعلل العقلية كما أن الوجود هناك يتعلق بما هو علة له فالوجوب في العلل الشرعية يتعلق بالعلة ويكون هو الحكم المطلوب بها دون التعدية وإنما نعني بالوجوب وجوب العمل على وجه يبقى فيه احتمال الخطأ واعتبر العلة المستنبطة من النص بالعلة المنصوص عليها في الشرع فكما أن الحكم هناك يتعلق بالعلة وتكون علة صحيحة بدون التعدية فكذلك هنا ألا ترى أن الأسباب الموجبة للحدود والكفارات جعلت سببا شرعا ليتعلق الحكم بها بالنص من غير تعدية إلى محل آخر فكذلك العلل الشرعية يتعلق الحكم بها في المنصوص تعدى بها إلى محل آخر أو لم يتعد والجواب ما هو حجتنا أن نقول ما ينازعنا فيه من العلة لا يكون حجة للحكم إلا بعد النص كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ فإن لم تجده في الكتاب والسنة قال اجتهد رأيي

Bagian V02/P192–V02/P193

وما يكون عاملا بعد النص كان شرط عمله انعدام النص في المحل الذي يعمل فيه فعرفنا أنه لا عمل له في محل منصوص وإذا لم يجز أن يكون عاملا على وجه المعارضة بحكم النص بخلافه عرفنا أنه لا عمل له في موضع النص فلا يمكن أن يجعل حكمه تعلق حكم الشرع به في المنصوص يوضحه أن بالإجماع هذه العلة لا يجوز أن يتغير بها حكم النص ومعلوم أن التغيير دون الإبطال فإذا كان الحكم في المنصوص مضافا إلى النص قبل التعليل فلو قلنا بالتعليل يصير مضافا إلى العلة كان إبطالا ولا شك أنه يكون تغييرا على معنى أن فيه إخراج سائر أوصاف النص من أن يكون الحكم مضافا إليها وكما لا يجوز إخراج بعض المحال الذي تناوله النص من حكم النص بالتعليل لا يجوز إخراج بعض الأوصاف عن ذلك بالتعليل يوضحه أن العلة ما يتغير بها حكم الحال ومعلوم أن حكم النص لا يتغير بالعلة في نفسه فعرفنا أنه يتغير بها الحال في محل آخر وهو المحل الذي تعدى إليه الحكم فيثبت فيه بها بعد أن لم يكن ثابتا وهذا لا يتحقق في علة لا توجب تعدية الحكم فهذا تبين أن حكم العلة على الخصوص تعدية الحكم لا إيجاب الحكم بها ابتداء بمنزلة الحوالة فإنها لما كانت مشتقة من التحويل كان حكمها الخاص تحول الدين الواجب بها من ذمة إلى ذمة من غير أن تكون مؤثرة في إيجاب الدين بها ابتداء ومن فهم هذا سقط عنه مؤنة الحفظ في ثلاثة أرباع ما يستعمل الناس القياس فيه لأن جميع ما يتكلم الناس فيه على سبيل المقايسة أربعة أقسام الموجب للحكم وصفته وما هو شرط في العلة وصفته والحكم الثابت في الشرع وصفته والحكم المتفق على كونه مشروعا معلوما بصفته أهو مقصور على المحل الذي ورد فيه النص أم تعدى إلى غيره من المحال الذي يماثله بالتعليل وإنما يجوز استعمال القياس في القسم الرابع فأما الأقسام الثلاثة فلا مدخل للقياس فيها في الإثبات ولا في النفي لأن الموجب ما جعله الشرع موجبا على ما بينا أن العلل الشرعية لا تكون موجبة بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة فلا مجال للرأي في معرفة ذلك وإنما طريق معرفته السماع ممن ينزل عليه الوحي وصفة الشيء معتبر بأصله وكما لا يكون موجبا بدون ركنه لا يكون موجبا بدون شرطه ولا مدخل للرأي في معرفة شرطه ولا صفة شرطه كما لا مدخل للرأي في أصله وكذلك نصب الحكم ابتداء إلى الشرع وكما ليس إلى العباد ولاية نصب الأسباب فليس إليهم ولاية نصب الأحكام لأنها مشروعة بطريق الابتلاء فأنى يهتدى بالرأي إليه كيف يتحقق معنى الابتلاء فيما يستنبط بالرأي ابتداء فعرفنا أن التعليل في هذه الأقسام لا يصادف محلها والأسباب الشرعية لا تصح بدون المحل كالبيع المضاف إلى الحر والنكاح المضاف إلى محرمة ولأن حكم التعليل التعدية ففي هذه المواضع الثلاثة لا تتحقق التعدية فكان استعمال القياس في هذه المواضع الثلاثة بمنزلة الحوالة قبل وجوب الدين وذلك باطل لخلوه عن حكمه وهو التحويل وكما لا يجوز استعمال القياس لإثبات الحكم في هذه المواضع لا يجوز للنفي لأن المنكر لذلك يدعي أنه غير مشروع وما ليس بمشروع كيف يمكن إثباته بدليل شرعي وإن كان يدعي رفعه بعد الثبوت وهو نسخ وإثبات النسخ بالتعليل بالرأي لا يجوز فعرفنا أن ما يصنعه بعض الناس من استعمال القياس في مثل هذه المواضع ليس بفقه وأنه يكون من قلة التأمل يتبين ذلك عند النظر وأما بيان الموجب في مسائل

Bagian V02/P193–V02/P195

منها ( أن ) الجنس بانفراده هل يحرم النسأ فإن الكلام فيه بطريق القياس للإثبات أو للنفي باطل وإنما طريق إثباته الرجوع إلى النص أو دلالته أو إشارته أو مقتضاه لأن الثابت بهذه الوجوه كالثابت بالنص والموجب للحكم لا يعرف إلا بالنص كالحكم الواجب فإنه إذا وقع الاختلاف في الوتر هل هي بمنزلة الفريضة زيادة على الخمس كان الاشتغال بإثباته بطريق القياس خطأ وإنما أثبت ذلك أبو حنيفة رحمه الله بالنص المروي فيه وهو قوله عليه السلام إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر فكذلك طريق إثبات كون الجنس علة الرجوع إلى النص ودلالته وهو أنه قد ثبت بالنص حرمة الفضل الخالي عن العوض إذا كان مشروطا في العقد وباشتراط الأجل يتوهم فضل مال خال عن المقابلة باعتبار صفة الحلول في أحد الجانبين ولم يسقط اعتباره بالنص لكونه حاصلا بصنع العباد والشبهة تعمل عمل الحقيقة فيما بني أمره على الاحتياط فكما أن حقيقة الفضل تكون ربا فكذلك شبهة الفضل وللجنسية أثر في إظهار ذلك وكما أن القياس لا يكون طريقا للإثبات هنا لا يكون طريقا للنفي لأن من ينفي إنما يتمسك بالعدم الذي هو أصل فعليه الاشتغال بإفساد دليل خصمه لأنه متى ثبت أن ما ادعاه الخصم دليل صحيح لا يبقى له حق التمسك بعدم الدليل فأما الاشتغال بالقياس ليثبت العدم به يكون ظاهر الفساد ونظيره الاختلاف في أن السفر هل يكون مسقطا شطر الصلاة فإنه لا مدخل للقياس هنا في الإثبات ولا في النفي وإنما يعرف ذلك بالنص ودلالته وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ولا معنى للتصدق هنا سوى الإسقاط ولا مرد لما أسقطه الله عن عباده بوجه وكذلك الخلاف في أن استتار القدم بالخف هل يكون مانعا من سراية الحدث إلى القدم لا مدخل للقياس فيه في النفي ولا في الإثبات وإنما يثبت ذلك بالنص ودلالته وهو قوله عليه السلام إني أدخلتهما وهما طاهرتان ففي هذا إشارة إلى أن الحدث ما سرى إلى القدمين لاستتارهما بالخف وكذلك الخلاف في أن مجرد الإسلام بدون الإحراز بالدار هل يوجب تقوم النفس والمال أم لا وأن خبر الواحد هل يكون موجبا للعلم وأن القياس هل يكون موجبا للعمل به هذا كله لا مدخل للتعليل بالرأي في إثباته ولا في نفيه وأما بيان صفته فنحو الاختلاف الواقع في النصاب أنه موجب للزكاة بصفة النماء أم بدون هذا الوصف موجب وفي اليمين أنها موجبة للكفارة بصفة أنها مقصودة أم بصفة أنها معقودة وفي القتل بغير حق أنه موجب للكفارة بصفة أنه حرام أم اشتماله على الوصفين الحظر والإباحة من وجهين وكفارة الفطر أنها واجبة بفعل موصوف بأنه جماع أو هو فطر بجناية متكاملة فإن هذا كله مما لا مدخل للرأي في إثبات الوصف المطلوب به ولا في نفيه وبيان الشرط فنحو اختلاف العلماء في اشتراط الشهود في النكاح للحل واختلافهم في اشتراط التسمية في الذكاة للحل فإنه لا مدخل للرأي في معرفة ما هو شرط في السبب شرعا لا في الإثبات ولا في النفي كما لا مدخل له في أصل السبب بأن بالشرط يرتفع الحكم قبل وجوده فإذا لم يكن للرأي مدخل فيما يثبته عرفنا أنه لا مدخل للرأي فيما يرفعه أو يعدمه وكذلك الخلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لوجوب حقوق الله تعالى المالية نحو الزكوات والكفارات ولإيجاب ما هو عقوبة مالية نحو حرمان الميراث بالقتل أو دفع الاختلاف في أن البلوغ عن عقل هل يكون شرطا لصحة الأداء فيما لا يحتمل النسخ والتبديل فإن هذا لا مدخل للقياس فيه في الإثبات والنفي وكذلك في أن بلوغ الدعوة هل تكون شرطا لإهدار النفوس والأموال بسبب الكفر فإن هذا مما لا يمكن معرفته بالقياس والتعليل بالرأي فيه للإثبات أو النفي يكون ساقطا

Bagian V02/P195–V02/P197

وكذلك الاختلاف في اشتراط الولي في النكاح فأما في ثبوت الولاية للمرأة على نفسها يجوز استعمال القياس لأن المعنى الذي به تثبت الولاية للمرء على نفسه معقول وهو متفق عليه في الأصل وهو الرجل فيستقيم تعدية الحكم به إلى المرأة فإن قيل فقد اختلفنا في التقابض في المجلس أنه هل يشترط في بيع الطعام بالطعام وقد تكلمتم بالقياس وإليه أشار محمد فقال من قبل أنه حاضر ليس له أجل قلنا لأن هناك قد وجد أصل كان هذا الحكم وهو بقاء العقد بعد الافتراق عن المجلس من غير قبض فيه ثابت بالاتفاق وهو بيع الطعام وسائر الأمتعة بالدراهم فأمكن تعليل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع والخصم وجد أصلا للحكم الذي ادعاه وهو فساد العقد بعد الافتراق من غير قبض كما في الصرف استقام تعليله أيضا لتعدية الحكم به إلى الفرع ومثله لا يوجد في اشتراط التسمية في الذكاة فإن الخصم لا يجد فيه أصلا يسقط فيه اشتراط التسمية لحل الذبيحة فإن أصله الناسي ونحن لا نقول هناك سقط شرط التسمية ولكن نجعل الناسي كالمسمى حكما بدلالة النص كما يجعل الناسي كالمباشر لركن الصوم وهو الإمساك حكما بالنص وهذا معلول عن القياس وتعليل مثله لتعدية الحكم لا يجوز وكذلك في النكاح فإنه لا يجد أصلا يكون فيه اتفاق على صحة النكاح وثبوت الحل به بغير شهود حتى لعلل ذلك الأصل فيتعدى الحكم فيه إلى هذا الفرع فإن قيل لا كذلك فإن النكاح عقد معاملة حتى يصح من الكافر والمسلم وقد وجدنا أصلا في عقود المعاملات يسقط اشتراط الشهود لصحته شرعا وهو البيع وإن كان يترتب عليه حل الاستمتاع فنعلل ذلك الأصل لتعدية الحكم به إلى الفرع قلنا من حيث إن النكاح معاملة أمد لا يشترط فيه الشهود فخصم هذا المعلل يقول بموجب علته وإنما يدعي شرط الشهود فيه اعتبار أنه عقد مشروع للتناسل وأنه يرد على محل له خطر وهو مصون عن الابتذال فلإظهار خطره يختص شرط الشهود ولا نجد أصلا في المشروعات بهذه الصفة لتعليل ذلك الأصل فيعدى الحكم به إلى الفرع وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة العدالة في شهود النكاح وفي صفة الذكورة وفي صفة الموالاة والترتيب والنية في الوضوء فإن الوضوء شرط الصلاة فكما لا مدخل للرأي في إثبات أصل الشرط به فكذلك في إثبات الصفة فيما هو شرط وأما بيان الحكم فنحو الاختلاف في الركعة الواحدة أهي صلاة مشروعة أم لا وفي القراءة المشروعة في الأخريين بالاتفاق أهي فريضة أم لا وفي القراءة المفروضة في الأوليين أتتعين الفاتحة ركنا أم لا فإنه لا مدخل للرأي في إثبات هذا الحكم وفي المسح بالخف والمسح على الجرموق وعلى العمامة أهو جائز أم لا وأمثلة هذا في الكتب تكثر فإن كل موضع يكون الكلام فيه في الحكم ابتداء أهو ثابت شرعا أم لا لا مدخل للرأي في ذلك حتى يشتغل فيه بالتعليل للإثبات أو للنفي وأما بيان صفته فنحو الاختلاف في صفة صدقة الفطر والأضحية والوتر والاختلاف في صفة الإبانة بالطلاق عند القصد إليه من غير جعل وفي صفة الملك الثابت بالنكاح وهو الذي يقابله البدل أهو مشترك بين الزوجين أم يختص الرجل به وفي صفة ملك النكاح أنه في حكم ملك المنفعة أو في حكم ملك العين وفي صفة الطلاق المشروع أنه مباح بأصل الوضع أو مكروه والإباحة صفة عارضة فيه للحاجة وفي صفة البيع المشروع حال بقاء المتعاقدين في المجلس ( أنه لازم بنفس العقد أو متراخ إلى قطع المجلس ) وفي صفة الملك الثابت بعقد الرهن أنه ملك اليد من جنس ما يثبت به حقيقة الاستيفاء أو ملك المطالبة بالبيع في الدين من جنس ما يثبت بالكفالة وأمثلة هذه الفصول في الكتب أكثر من أن تحصى ذكرنا من كل قسم طرفا لبيان الطريق للمتأمل فيه

Bagian V02/P197–V02/P199

وأما بيان القسم الرابع فنحو الاختلاف في المسح بالرأس أنه هل يسن تثليثه فإنه يوجد في الطهارة ما هو مسح ولا يكون التكرار فيه مسنونا فيمكن تعليل ذلك المتفق عليه لتعدية الحكم به إلى الفرع المختلف فيه ويوجد في أعضاء الطهارة ما يكون التكرار فيه مسنونا بالاتفاق فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم الكلام بعد ذلك يقع في الترجيح وكذلك إذا وقع الاختلاف في اشتراط تعيين النية في الصوم فإن هناك أصلا متفقا عليه يتأدى فيه الصوم بمطلق النية وهو النفل الذي هو عين مشروعا في وقته فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع وهناك أصل في الصوم الذي هو فرض لا يتأدى إلا بتعيين النية وهو صوم القضاء فيمكن تعليل ذلك لتعدية الحكم به إلى الفرع فيكون القياس في موضعه من الجانبين ثم الكلام في الترجيح بعد ذلك فإن قيل فقد تكلمتم بالقياس في العذر بصوم يوم النحر وكون الصوم فيه مشروعا أم لا حكم لا مدخل للرأي فيه ثم اشتغلتم بالمقايسة فيه قلنا لأنا وجدنا أصلا متفقا عليه في كون الصوم مشروعا فيه وهو سائر الأيام فأمكن تعدية الحكم بتعليله إلى الفرع ثم يبقى وراء ذلك الكلام في أن النهي الذي جاء لمعنى في صفة هذا اليوم وهو أنه يوم عيد عمله يكون في إفساد المشروع مع بقائه في الأصل مشروعا أو في رفع المشروع وانتساخه وهذا لا نثبته بالرأي وإنما نثبته بدليل النص وهو الرجوع إلى موجب النهي أنه الانتهاء على وجه يبقى للمنتهي اختيار فيه كما قررنا وقد تبين بما ذكرنا أن المجيب متى اشتغل بالتعليل بالرأي فالذي يحق على السائل أن ينظر أولا أن المتنازع فيه هل هو محل له وأن ما نذكره من العلة هل يتعدى الحكم به إلى الفرع فإن لم يكن بهذه الصفة لا يشتغل بالاعتراض على علته ولكن يتبين له بطريق الفقه أن هذا التعليل في غير موضعه وأنه مما لا يصلح أن يكون حجة حتى يتحول المجيب إلى شيء آخر أو يبين بطريق الفقه أنه تعليل صحيح في محله موافق لطريق السلف في تعليلاتهم ليكون ما يجري بعد ذلك بينهما على طريق الفقه فصل في بيان القياس والاستحسان قال رضي الله عنه اعلم بأن القسم الرابع الذي بيناه في الفصل المتقدم يشتمل على هذين الوجهين وهو القياس والاستحسان عندنا وقد طعن بعض الفقهاء في تصنيف له على عبارة علمائنا في الكتب إلا أنا تركنا القياس واستحسنا وقال القائلون بالاستحسان يتركون العمل بالقياس الذي هو حجة شرعية ويزعمون أنهم يستحسنون ذلك وكيف يستحسن ترك الحجة والعمل بما ليس بحجة لاتباع هوى أو شهوة نفس فإن كانوا يريدون ترك القياس الذي هو حجة فالحجة الشرعية هو حق وماذا بعد الحق إلا الضلال وإن كانوا يريدون ترك القياس الباطل شرعا فالباطل مما لا يشتغل بذكره وقد ذكروا في كتبهم في بعض المواضع أنا نأخذ بالقياس فإن كان المراد هذا فكيف يجوزون الأخذ بالباطل وذكر من هذا الجنس ما يكون دليل قلة الحياء وقلة الورع وكثرة التهور لقائله فنقول وبالله التوفيق الاستحسان لغة وجود الشيء حسنا يقول الرجل استحسنت كذا أي اعتقدته حسنا على ضد الاستقباح أو معناه طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به كما قال تعالى فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وهو في لسان الفقهاء نوعان العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع موكولا إلى آرائنا نحو المتعة المذكورة في قوله تعالى متاعا بالمعروف حقا على المحسنين أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف فعرفنا أن المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي وكذلك قوله تعالى وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف ولا يظن بأحد من الفقهاء أنه يخالف هذا النوع من الاستحسان

Bagian V02/P199–V02/P201

والنوع الآخر هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إنعام التأمل فيه وبعد إنعام التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أن الدليل الذي عارضه فوقه في القوة فإن العمل به هو الواجب فسموا ذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل التأمل على معنى أنه يمال بالحكم عن ذلك الظاهر لكونه مستحسنا لقوة دليله وهو نظير عبارات أهل الصناعات في التمييز بين الطرق لمعرفة المراد فإن أهل النحو يقولون هذا نصب على التفسير وهذا نصب على المصدر وهذا نصب على الظرف وهذا نصب على التعجب وما وضعوا هذه العبارات إلا للتمييز بين الأدوات الناصبة وأهل العروض يقولون هذا من البحر الطويل وهذا من البحر المتقارب وهذا من البحر المديد فكذلك استعمال علمائنا عبارة القياس والاستحسان للتمييز بين الدليلين المتعارضين وتخصيص أحدهما بالاستحسان لكون العمل به مستحسنا ولكونه مائلا عن سنن القياس الظاهر فكان هذا الاسم مستعارا لوجود معنى الاسم فيه بمنزلة الصلاة فإنها اسم للدعاء ثم أطلقت على العبادة المشتملة على الأركان من الأفعال والأقوال لما فيها من الدعاء عادة ثم استحسان العمل بأقوى الدليلين لا يكون من اتباع الهوى وشهوة النفس في شيء وقد قال الشافعي في نظائر هذا أستحب ذلك وأي فرق بين من يقول أستحسن كذا وبين من يقول أستحبه بل الاستحسان أفصح اللغتين وأقرب إلى موافقة عبارة الشرع في هذا المراد وظن بعض المتأخرين من أصحابنا أن العمل بالاستحسان أولى مع جواز العمل بالقياس في موضع الاستحسان وشبه ذلك بالطرد مع المؤثر فإن العمل بالمؤثر أولى وإن كان العمل بالطرد جائزا قال رضي الله عنه وهذا وهم عندي فإن اللفظ المذكور في الكتب في أكثر المسائل إلا أنا تركنا هذا القياس والمتروك لا يجوز العمل به وتارة يقول إلا أني أستقبح ذلك وما يجوز العمل به من الدليل شرعا فاستقباحه يكون كفرا فعرفنا أن الصحيح ترك القياس أصلا في الموضع الذي نأخذ بالاستحسان وبه يتبين أن العمل بالاستحسان لا يكون مع قيام المعارضة ولكن باعتبار سقوط الأضعف بالأقوى أصلا وقد قال في كتاب السرقة إذا دخل جماعة البيت وجمعوا المتاع فحملوه على ظهر أحدهم فأخرجه وخرجوا معه في القياس القطع على الحمال خاصة وفي الاستحسان يقطعون جميعا وقال في كتاب الحدود إذا اختلف شهود الزنا في والزاويتين في بيت واحد في القياس لا يحد المشهود عليه وفي الاستحسان يقام الحد ومعلوم أن الحد يسقط بالشبهة وأدنى درجات المعارض ايراث الشبهة فكيف يستحسن إقامة الحد في موضع الشبهة وكذلك قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تصحح ردة الصبي استحسانا ومعلوم أن عند قيام دليل المعارضة يرجح الموجب للإسلام وإن كان هو أضعف كالمولود بين كافر ومسلمة وكيف يستحسن الحكم بالردة مع بقاء دليل موجب الإسلام فعرفنا أن القياس متروك أصلا في الموضع الذي يعمل فيه بالاستحسان وإنما سميناهما تعارض الدليلين باعتبار أصل الوضع في كل واحد من النوعين لا أن بينهما معارضة في موضع واحد والدليل على أن المراد هذا ما قال في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق فقالت قد حضت فكذبها الزوج فإنها لا تصدق في القياس باعتبار الظاهر وهو أن الحيض شرط الطلاق كدخولها الدار وكلامها زيدا وفي الاستحسان تطلق لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها فلا بد من قبول قولها فيه بمنزلة المحبة والبغض قال وقد يدخل في هذا الاستحسان بعض القياس يعني به أن في سائر الأحكام المتعلقة بالحيض قبلنا قولها نحو حرمة الوطء وانقضاء العدة فاعتبار هذا الحكم بسائر الأحكام نوع قياس ثم ترك القياس الأول أصلا لقوة دليل الاستحسان وهو أنها مأمورة بالإخبار عما في رحمها منهية عن الكتمان قال تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ومن ضرورة النهي عن الكتمان كونها أمينة في الإظهار وإليه أشار أبي بن كعب رضي الله عنه فقال من الأمانة أن تؤتمن المرأة على ما في رحمها

Bagian V02/P201–V02/P203

فصار ذلك القياس متروكا باعتراض هذا الدليل القوي الموجب للعمل به فالحاصل أن ترك القياس يكون بالنص تارة وبالإجماع أخرى وبالضرورة أخرى فأما تركه بالنص فهو فيما أشار إليه أبو حنيفة رحمه الله في أكل الناسي للصوم لولا قول الناس لقلت يقضي يعني به رواية الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نص يجب العمل به بعد ثبوته واعتقاد البطلان في كل قياس يخالفه وهذا اللفظ نظير ما قال عمر رضي الله عنه في قصة الجنين لقد كدنا أن نعمل برأينا فيما فيه أثر وكذلك القياس يأبى جواز السلم باعتبار أن المعقود عليه معدوم عند العقد تركناه بالنص وهو الرخصة الثابتة بقوله عليه السلام ( ورخص في السلم ) وأما ترك القياس بدليل الإجماع فنحو الاستصناع فيما فيه للناس تعامل فإن القياس يأبى جوازه تركنا القياس للإجماع على التعامل به فيما بين الناس من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ( وهذا ) لأن القياس فيه احتمال الخطأ والغلط فبالنص أو الإجماع يتعين فيه جهة الخطأ فيه فيكون واجب الترك لا جائز العمل به في الموضع الذي تعين جهة الخطأ فيه وأما الترك لأجل الضرورة فنحو الحكم بطهارة الآبار والحياض بعدما نجست والحكم بطهارة الثوب النجس إذا غسل في الإجانات فإن القياس يأبى جوازه لأن ما يرد عليه النجاسة يتنجس بملاقاته تركناه للضرورة المحوجة إلى ذلك لعامة الناس فإن الحرج مدفوع بالنص وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ فيه بالقياس فكان متروكا بالنص وكذلك جواز عقد الإجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك فإن العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق لأنها لا تبقى زمانين فلا بد من إقامة العين المنتفع بها مقام الإجارة في حكم جواز العقد لحاجة الناس إلى ذلك ثم كل واحد منهما نوعان في الحاصل فأحد نوعي القياس ما ضعف أثره وهو ظاهر جلي والنوع الآخر منه ما ظهر فساده واستتر وجه صحته وأثره وأحد نوعي الاستحسان ما قوي أثره وإن كان خفيا والثاني ما ظهر أثره وخفي وجه الفساد فيه وإنما يكون الترجيح بقوة الأثر لا بالظهور ولا بالخفاء لما بينا أن العلة الموجبة للعمل بها شرعا ما تكون مؤثرة وضعيف الأثر يكون ساقطا في مقابلة قوي الأثر ظاهرا كان أو خفيا بمنزلة الدنيا مع العقبى فالدنيا ظاهرة والعقبى باطنة ثم ترجح العقبى حتى وجب الاشتغال بطلبها والإعراض عن طلب الدنيا لقوة الأثر من حيث البقاء والخلود والصفاء فكذلك القلب مع النفس والعقل مع البصر وبيان ما يسقط اعتباره من القياس لقوة الأثر الاستحسان الذي هو القياس المستحسن في سؤر سباع الطير فالقياس فيه النجاسة اعتبارا بسؤر سباع الوحش بعلة حرمة التناول وفي الاستحسان لا يكون نجسا لأن السباع غير محرم الانتفاع بها فعرفنا أن عينها ليست بنجسة وإنما كانت نجاسة سؤر سباع الوحش باعتبار حرمة الأكل لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها ولعابها يتجلب من لحمها وهذا لا يوجد في سباع الطير لأنها تأخذ الماء بمنقارها ثم تبتلعه ومنقارها عظم جاف والعظم لا يكون نجسا من الميت فكيف يكون نجسا من الحي ثم تأيد هذا بالعلة المنصوص عليها في الهرة فإن معنى البلوى يتحقق في سؤر سباع الطير لأنها تنقض من الهواء ولا يمكن صون الأواني عنها خصوصا في الصحارى وبهذا يتبين أن من ادعى أن القول بالاستحسان قول بتخصيص العلة فقد أخطأ لأن بما ذكرنا تبين أن المعنى الموجب لنجاسة سؤر سباع الوحش الرطوبة النجسة في الآلة التي تشرب بها وقد انعدم ذلك في سباع الطير فانعدم الحكم لانعدام العلة وذلك لا يكون من تخصيص العلة في شيء وعلى اعتبار الصورة يتراءى ذلك ولكن يتبين عند التأمل انعدام العلة أيضا لأن العلة وجوب التحرز عن الرطوبة النجسة التي يمكن التحرز عنها من غير حرج وقد صار هذا معلوما بالتنصيص على هذا التعليل في الهرة ففي كل موضع ينعدم بعض أوصاف العلة كان انعدام الحكم لانعدام العلة فلا يكون تخصيصا

Bagian V02/P203–V02/P205

وبيان الاستحسان الذي يظهر أثره ويخفى فساده مع القياس الذي يستتر أثره ويكون قويا في نفسه حتى يؤخذ فيه بالقياس ويترك الاستحسان فيما يقول في كتاب الصلاة إذا قرأ المصلي سورة في آخرها سجدة فركع بها في القياس تجزيه وفي الاستحسان لا تجزيه عن السجود وبالقياس نأخذ فوجه الاستحسان أن الركوع غير السجود وضعا ألا ترى أن الركوع في الصلاة لا ينوب عن سجود الصلاة فلا ينوب عن سجدة التلاوة بطريق الأولى لأن القرب بين ركوع الصلاة وسجودها أظهر من حيث إن كل واحد منهما موجب التحريمة ولو تلا خارج الصلاة فركع لها لم يجز عن السجدة ففي الصلاة أولى لأن الركوع هنا مستحق لجهة أخرى وهناك لا وفي القياس قال الركوع والسجود يتشابهان قال تعالى وخر راكعا أي ساجدا ولكن هذا من حيث الظاهر مجاز محض ووجه الاستحسان من حيث الظاهر اعتبار شبه صحيح ولكن قوة الأثر للقياس مستتر ووجه الفساد في الاستحسان خفي وبيان ذلك أنه ليس المقصود من السجدة عند التلاوة عين السجدة ولهذا لا تكون السجدة الواحدة قربة مقصودة بنفسها حتى لا تلزم بالنذر إنما المقصود إظهار التواضع وإظهار المخالفة للذين امتنعوا من السجود استكبارا منهم كما أخبر الله عنهم في مواضع السجدة قلنا ومعنى التواضع يحصل بالركوع ولكن شرطه أن يكون بطريق هو عبادة وهذا يوجد في الصلاة لأن الركوع فيها عبادة كالسجود ولا يوجد خارج الصلاة ولقوة الأثر من هذا الوجه أخذنا بالقياس وإن كان مستترا وسقط اعتبار الجانب الآخر في مقابلته وكذلك قال في البيوع إذا وقع الاختلاف بين المسلم إليه ورب السلم في ذرعان المسلم فيه في القياس يتحالفان وبالقياس نأخذ وفي الاستحسان القول قول المسلم إليه ووجه الاستحسان أن المسلم فيه مبيع فالاختلاف في ذرعانه لا يكون اختلافا في أصله بل في صفته من حيث الطول والسعة وذلك لا يوجب التحالف كالاختلاف في ذرعان الثوب المبيع بعينه ووجه القياس أنهما اختلفا في المستحق بعقد السلم وذلك يوجب التحالف ثم أثر القياس مستتر ولكنه قوي من حيث إن عند السلم إنما يعقد بالأوصاف المذكورة لا بالإشارة إلى العين فكان الموصوف بأنه خمس في سبع غير الموصوف بأنه أربع في ستة فبهذا يتبين أن الاختلاف هنا في أصل المستحق بالعقد فأخذنا بالقياس لهذا وقال في الرهن إذا ادعى رجلان كل واحد منهما عينا في يد رجل أنه مرهون عنده بدين له عليه وأقاما البينة ففي الاستحسان يقضي بأنه مرهون عندهما بمنزلة ما لو رهن عينا من رجلين وهو قياس البيع في ذلك وفي القياس تبطل البينتان لأنه تعذر القضاء بالرهن لكل واحد منهما في جميعه فإن المحل يضيق عن ذلك وفي نصفه لأن الشيوع يمنع صحة الرهن وأخذنا بالقياس لقوة أثره المستتر وهو أن كل واحد منهما هنا إنما يثبت الحق لنفسه بتسمية على حدة وكل واحد منهما غير راض بمزاحمة الآخر معه في ملك اليد المستفاد بعقد الرهن بخلاف الرهن من رجلين فهناك العقد واحد فيمكن إثبات موجب العقد به متحدا في المحل وذلك لا يمكن هنا وهذا النوع يعز وجوده في الكتب لا يوجد إلا قليلا فأما النوع المتقدم فهو في الكتب أكثر من أن يحصى ثم فرق ما بين الاستحسان الذي يكون بالنص أو الإجماع وبين ما يكون بالقياس الخفي المستحسن أن حكم هذا النوع يتعدى وحكم النوع الآخر لا يتعدى لما بينا أن حكم القياس الشرعي التعدية فهذا الخفي وإن اختص باسم الاستحسان لمعنى فهو لا يخرج من أن يكون قياسا شرعيا فيكون حكمه التعدية والأول معدول به عن القياس بالنص وهو لا يحتمل التعدية كما بينا

Bagian V02/P205–V02/P207

وبيانه فيما إذا اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن والمبيع غير مقبوض في القياس القول قول المشتري لأن البائع يدعي عليه زيادة في حقه وهو الثمن والمشتري منكر واليمين بالشرع في جانب المنكر والمشتري لا يدعي على البائع شيئا في الظاهر إذ المبيع صار مملوكا له بالعقد ولكن في الاستحسان يتخالفان لأن المشتري يدعي على البائع وجوب تسليم المبيع إليه عند إحضار أقل الثمنين والبائع منكر لذلك والبيع كما يوجب استحقاق الملك على البائع يوجب استحقاق اليد عليه عند وصول الثمن إليه ثم هذا الاستحسان لكونه قياسا خفيا يتعدى حكمه إلى الإجازة وإلى النكاح في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإلى ما لو وقع الاختلاف بين الورثة بعد موت المتبايعين وإلى ما بعد هلاك السلعة إذا أخلف بدلا بأن قتل العبد المبيع قبل القبض ولو كان الاختلاف في الثمن بينهما بعد قبض المبيع فإن حكم التخالف عند قيام السلعة فيه يثبت بالنص بخلاف القياس فلا يحتمل التعدية حتى إذا كان بعد هلاك السلعة لا يجري التخالف سواء أخلف بدلا أو لم يخلف وفي الإجازة بعد استيفاء المعقود عليه لا يجري التخالف وإن كان الاختلاف بين الورثة بعد قبض السلعة لا يجري التخالف وقد يكون القياس الذي في مقابلة الاستحسان الذي قلنا أصله مستحسن ثابت بالأثر نحو ما قال في الصلاة وإذا نام في صلاته فاحتلم في القياس يغتسل ويبني كما إذا سبقه الحدث وذلك مستحسن بالأثر وفي الاستحسان لا يبني وفي هذا النوع المأخوذ به هو الاستحسان على كل حال لأنه في الحقيقة رجوع إلى القياس الأصلي ببيان يظهر به أن هذا ليس في معنى المعدول به من القياس الأصلي بالأثر من كل وجه فلو ثبت الحكم فيه كان بطريق التعدية والمعدول به عن القياس بالأثر لا يحتمل التعدية وذلك البيان أن الحدث الصغرى لا يحوجه إلى كشف العورة ولا إلى عمل كثير وتكثر البلوى فيه من الصلاة بخلاف الحدث الكبرى فإذا لم يكن في معناه من كل ما له كان إثبات الحكم فيه بطريق التعدية لا بالنص بعينه وذلك لا وجه له فتبين بجميع ما ذكرنا أن القول بالاستحسان لا يكون تخصيص العلة في شيء ولكن في اعتبار حدة العبادة اتباع الكتاب والسنة والعلماء من السلف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وكثيرا ما كان يستعمل ابن مسعود هذه العبارة ومالك بن أنس في كتابه ذكر لفظ الاستحسان في مواضع وقال الشافعي رحمه الله أستحسن في المتعة ثلاثين درهما فعرفنا أنه لا طعن في هذه العبارة ومن حيث المعنى هو قول بانعدام الحكم عند انعدام العلة وأحد لا يخالف هذا فإنا إذا جوزنا دخول الحمام بأجر بطريق الاستحسان فإنما تركنا القول بالفساد الذي يوجبه القياس لانعدام علة الفساد وهو أن فساد العقد بسبب جهالة المعقود عليه ليس لعين الجهالة بل لأنها تفضي إلى منازعة مانعة عن التسليم والتسلم وهذا لا يوجد هنا وفي نظائره فكان انعدام الحكم لانعدام العلة لا أن يكون بطريق تخصيص العلة فصل في بيان فساد القول بجواز التخصيص في العلل الشرعية قال رضي الله عنه زعم أهل الطرد أن الذي يقولون بالعلل المؤثرة ويجعلون التأثير مصححا للعلل الشرعية لا يجدون بدا من القول بتخصيص العلل الشرعية وهو غلط عظيم كما نبينه وزعم بعض أصحابنا أن التخصيص في العلل الشرعية جائز وأنه غير مخالف لطريق السلف ولا لمذهب أهل السنة وذلك خطأ عظيم من قائله فإن مذهب من هو مرضي من سلفنا أنه لا يجوز التخصيص في العلل الشرعية ومن جوز ذلك فهو مخالف لأهل السنة مائل إلى أقاويل المعتزلة في أصولهم وصورة التخصيص أن المعلل إذا أورد عليه فصل يكون الجواب فيه بخلاف ما يروم إثباته بعلته يقول موجب علتي كذا إلا أنه ظهر مانع فصار مخصوصا باعتبار ذلك المانع بمنزلة العام الذي يخص منه بعض ما يتناوله بالدليل الموجب للتخصيص ثم من جوز ذلك قال التخصيص غير المناقضة لغة وشرعا وفقها وإجماعا

Bagian V02/P207–V02/P209

أما اللغة فلأن النقض إبطال فعل قد سبق بفعل نشأه كنقض البنيان والتخصيص بيان أن المخصوص لم يدخل في الجملة فكيف يكون نقضا ألا ترى أن ضد النقض البناء والتأليف وضد الخصوص العموم ومن حيث السنة التخصيص جائز في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والتناقض لا يجوز فيهما بحال ومن حيث الإجماع فالقياس الشرعي يترك العمل به في بعض المواضع بالنص أو الإجماع أو الضرورة وذلك يكون تخصيصا لا مناقضة ولهذا بقي ذلك القياس موجبا للعمل في غير ذلك الموضع والقياس المنتقض فاسد لا يجوز العمل به في موضع ومن حيث المعقول إن المعلل متى ذكر وصفا صالحا وادعى أن الحكم متعلق بذلك الوصف فيورد عليه فصل يوجد فيه ذلك الوصف ويكون الحكم بخلافه فإنه يحتمل أن يكون ذلك لفساد في أصل علته ويحتمل أن يكون ذلك لمانع منع ثبوت الحكم ألا ترى أن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب النامي ثم يمتنع وجوب الزكاة بعد وجوده لمانع وهو انعدام حصول النماء بمضي الحول ولم يكن ذلك دليل فساد السبب والبيع بشرط الخيار يمنع ثبوت الملك به لمانع وهو الخيار المشروط لا لفساد أصل السبب وهو البيع فأما إذا قال هذا الموضع صار مخصوصا من علتي لمانع فقد ادعى شيئا محتملا فيكون مطالبا بالحجة فإن أبرز مانعا صالحا فقد أثبت ما ادعاه بالحجة فيكون ذلك مقبولا منه وإلا فقد سقط احتجاجه لأن المحتمل لا يكون حجة وبه فارق المدعي التخصيص في النص فإنه لا يطالب بإقامة الدليل على ما يدعي أنه صار مخصوصا مما استدل به من عموم الكتاب والسنة لأنه ليس فيما استدل به احتمال الفساد فكان جهة التخصيص متعينا فيه بالإجماع وهنا في علته احتمال الفساد فما لم يتبين دليل الخصوص فيما ادعى أنه مخصوص من علة لا ينتفي عنه معنى الفساد فلهذا لا يقبل منه ما لم يتبين المانع ثم جعل القائل الموانع خمسة أقسام ما يمنع أصل العلة وما يمنع تمام العلة وما يمنع ابتداء الحكم وما يمنع تمام الحكم وما يمنع لزوم الحكم وذلك يتبين كله حسا وحكما فمن حيث الحس يتبين هذا كله في الرمي فإن انقطاع الوتر أو انكسار فوق السهم يمنع أصل الفعل الذي هو رمي بعد تمام قصد الرامي إلى مباشرته وإصابة السهم حائطا أو شجرة ترده عن سننه يمنع تمام العلة بالوصول إلى المرمى ودفع المرمي إليه عن نفسه بترس يجعله أمامه يمنع ابتداء الحكم الذي يكون الرمي لأجله بعد تمام العلة بالوصول إلى المقصد وذلك الجرح والقتل ومداواته الجراحة بعدما أصابه حتى اندمل وبرأ يمنع تمام الحكم وإذا صار به صاحب فراش ثم تطاول حتى أمن الموت منه يمنع لزوم الحكم بمنزلة صاحب الفالج إذا تطاول ما به وأمن الموت منه كل بمنزلة الصحيح في تصرفاته وفي الحكميات إضافة البيع إلى الحر يمنع انعقاد أصل العلة وإضافته إلى مال الغير يمنع انعقاد تمام العلة في حق المالك حتى تيعين جهة البطلان فيه بموته واشتراط الخيار من المالك لنفسه في البيع يمنع ابتداء الحكم وثبوت خيار الرؤية للمشتري يمنع تمام الحكم حتى لا تتم الصفقة بالقبض معه وثبوت خيار العيب يمنع لزوم الحكم حتى يتمكن من رده بعد تمام الصفقة بالقبض والحجة لعلمائنا في إبطال القول بتخصيص العلة الإستدلال بالكتاب والمعقول والبيان الذي لا يمكن إنكاره

Bagian V02/P209–V02/P211

أما الكتاب فقوله تعالى قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ففيه مطالبة الكفار ببيان العلة فيما ادعوا فيه الحرمة على وجه لا مدفع لهم فصاورا محجوجين به وذلك الوجه أنهم إذا بينوا أحد هذهه المعانى أن الحرمة لأجله انتقض عليهم بإقرارهم بالحل في الموضع الآخر مع وجود ذلك المعنى فيه ولو كان التخصيص في علل الأحكام الشرعية جائزا ما كانوا محجوجين فإن أحدا لا يعجز من أن يقول امتنع ثبوت حكم الحرمة في ذلك الموضع لمانع وقد كانوا عقلاء يعتقدون الحل في الموضع الآخر لشبهة أو معنى تصور عندهم وفي قوله تعالى نبئوني بعلم إشارة إلى أن المصير إلى تخصيص العلل الشرعية ليس من العلم في شيء فيكون جهلا وأما المعقول فلأن العلل الشرعية حكمها التعدية كما قررنا وبدون التعدية لا تكون صحيحة أصلا لأنها خالية عن موجبها وإذا جاز قيام المانع في بعض المواضع الذي يتعدى الحكم إليه بهذه العلة جاز قيامه في جميع المواضع فيؤدى إلى القول بأنها علة صحيحة من غير أن يتعدى الحكم بها إلى شيء من الفروع وقد أثبتنا فساد هذا القول بالدليل ثم إن كان تعدية الحكم بها إلى فرع دليل صحتها فانعدام الحكم بها إلى فرع آخر توجد فيه تلك العلة دليل فسادها ومع مساواة دليل الصحة والفساد لا تثبت الحجة الشرعية موجبة للعمل يقرره أن المانع الذى يدعى في الموضع المخصوص لا بد أن يكون ثابتا بمثل ما ثبتت به العلة الموجبة للحكم لأنه إذا كان دونه لا يصلح دافعا له ولا مانعا لحكمه وإذا كان مثلا له فذلك المانع يمكن تعليله بعلة توجب تعدية حكم النفى إلى سائر الفروع مثل الأصل الذي علله المعلل بما أشار إليه من الوصف لإثبات الحكم فيه فتحقق المعارضة بينهما من هذا الوجه وأى مناقضة أبين من التعارض على وجه المضادة بصفة التساوى ثم قد بينا فيما سبق أن دليل الخصوص يشبه النسخ بصيغته والإستثناء بحكمه فإنه مستقل بنفسه كدليل النسخ ولا يكون ذلك إلا مقارنا معنى كالإستثناء وواحد من هذين الوجهين لا يتحقق في العلل فإن نسخ العلة بالعلة لا يجوز والخصم يجوز أن يكون المانع علة مثل العلة التى يدعى تخصيصها وكيف يجوز النسخ والعلة فيما احتمال الفساد لكونها مستنبطة بالرأى فإذا ظهر ما يمنع العمل بها أصلا تتعين جهة الفساد فيها بخلاف النص فإنه لا يحتمل جهة الفساد فالنسخ يكون بيانا لمدة العمل به ولهذا نوع بيان آخر فإن الخصوص يتبين أنه معمول به في بعض المحال دون البعض وذلك إنما يجوز فيما يجوز القول فيه بالنسخ مع صحته حتى يقال إنه معمول به في بعض الأوقات دون البعض والإستثناء إنما يكون في العبارات ليتبين به أن الكلام عبارة عما وراء المستثنى وذلك لا يتحقق في المعانى الخالصة فيتبين بما ذكرنا أن القول بالتخصيص مستقيم في النصوص من حيث إن بدليل الخصوص لا تتمكن شبهة الفساد في النص بوجه بل يتبين أن اسم النص لم يكن متناولا للموضع المخصوص مع كون العام صحيحا موجبا للعمل قطعا قبل قيام دليل الخصوص فمن جوز تخصيص العلة لا يجد بدا من القول بتصويب المجتهدين أجمع وعصمة الإجتهاد عن احتمال الخطأ والفساد كعصمة النص من ذلك وهذا تصريح بأن كل مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة وأن الاجتهاد يوجب علم اليقين وفيه قول بوجوب الأصلح وفيه من وجه آخر قول بالمنزلة بين المنزلتين وبالخلود في النار لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة فهذا معنى قولنا إن في القول بجواز تخصيص العلة ميلا إلى أصول المعتزلة من وجوه ولكنا نقول انعدام الحكم لا يكون إلا بعد نقصان وصف أو زيادة وصف وهو الذي يسمونه مانعا مخصصا وبهذه الزيادة والنقصان تتغير العلة لا محالة فيصير ما هو علة الحكم منعدما حكما وعدم الحكم عند انعدام العلة لا يكون من تخصيص العلة في شيء

Bagian V02/P211–V02/P213

وبيان هذا أن الموجب للزكاة شرعا هو النصاب النامي الحولي عرف بقوله عليه السلام ( لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ) والمراد نفي الوجوب والعلل الشرعية لا توجب الحكم بذواتها بل بجعل الشرع إياها موجبة على ما بينا أن الموجب هو الله تعالى والإضافة إلى العلة لبيان أن الشرع جعلها موجبة تيسيرا علينا فإذا كانت بهذا الوصف موجبة شرعا عرفنا أن عند انعدام هذا الوصف ينعدم الحكم لانعدام العلة الموجبة ولا يلزمنا جواز الأداء لأن العلة الموجبة غير العلة المجوزة للأداء وقد قررنا هذا فيما سبق أن الجزء الأول من الوقت مجوز أداء الصلاة فرضا وإن لم يكن موجبا للأداء عينا مع أن هذا الوصف مؤثر فإن النماء الذي هو مقصود إنما يحصل بمضي المدة ألا ترى أن الوجوب يتكرر بتكرر الحول لتجدد معنى النماء بمضي كل حول وكذلك البيع بشرط الخيار فإن الموجب للملك شرعا البيع المطلق ومع شرط الخيار لا يكون مطلقا بل بهذه الزيادة يصير البيع في حق الحكم كالمتعلق بالشرط وقد بينا أن المتعلق بالشرط غير المطلق ولصفة الإطلاق تأثير أيضا فإن الموجب للملك بالنص التجارة عن تراض وتمام الرضا يكون عند إطلاق الإيجاب لا مع شرط الخيار فظهر أن العلة تنعدم بزيادة وصف أو نقصان وصف وهو الحاصل الذي يجب مراعاته فإنهم يسمون هذا المعنى المغير مانعا مخصصا فيقولون انعدام الحكم مع بقاء العلة بوجود مانع وذلك تخصيص كالنص العام يلحقه خصوص فيبقى نصا فيما وراء موضع الخصوص ونحن نقول تنعدم العلة حين ثبت المغير فينعدم الحكم لانعدام العلة وهذا في العلل مستقيم بخلاف النصوص فإن بالنص الخاص لا ينعدم النص العام وعلى هذا الطريق ما استحسنه علماؤنا من القياس في كتبهم فإن الاستحسان قد يكون بالنص وبوجود النص تنعدم العلة الثابتة بالرأي لأنه لا معتبر بالعلة أصلا في موضع النص ولا في معارضة حكم النص وكذلك الاستحسان إذا كان بسبب الإجماع لأن الإجماع كالنص من كتاب أو سنة في كونه موجبا العلم وكذلك ما يكون عن ضرورة فإن موضع الضرورة مجمع عليه أو منصوص عليه ولا يعتبر بالعلة في موضع النص فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة وكذلك إذا كان الاستحسان بقياس مستحسن ظهر قوة أثره لما بينا أن الضعيف في معارضة القوي معدوم حكما وبيان ما ذكرنا في أن النائم إذا صب في حلقه ماء وهو صائم لم يفسد صومه على قول زفر لأنه معذور كالناسي أو أبلغ منه وفسد صومه عندنا لفوات ركن الصوم والعبادة لا تتأدى بدون ركنها فيلزم على هذا الناسي فمن يجوز تخصيص العلة يقول انعدم الحكم هناك لوجود مانع وهو الأثر فكان مخصوصا من هذه العلة بهذا الطريق مع بقاء العلة ونحن نقول انعدم الحكم في الناسي لانعدام العلة حكما فإن النسيان لا صنع فيه لأحد من العباد وقد ثبت بالنص أن الله تعالى أطعمه وسقاه وصار فعله في الأكل ساقط الاعتبار وتفويت الركن إنما يكون بفعل الأكل فإذا لم يبق فعله في الأكل شرعا كان ركن الصوم قائما حكما وإنما لم يحصل الفطر هنا لانعدام العلة الموجبة للفطر ثم النائم ليس في معناه لأن الفعل الذي يفوت به ركن الصوم مضاف إلى العباد هنا فيبقى معتبرا مفوتا ركن الصوم بخلاف إذا كان مضافا إلى من له الحق وكذلك قلنا إن المغصوب يصير مملوكا للغاصب عند تقرر الضمان عليه لأن بهذا السبب لما تقرر الملك في ضمان القيمة وهو حكم شرعى فيقرر الملك فيما يقابله فيلزم على هذا فصل المدبر من حيث إنه يتقرر الملك في قيمته للمغصوب منه ولا يثبت الملك في المدبر للغاصب فمن يرى تخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم في المدبر مع وجود العلة لمانع وهو أنه غير محتمل للنقل من ملك إلى ملك

Bagian V02/P213–V02/P215

ونحن نقول انعدمت العلة الموجبة للملك في المدبر فينعدم الحكم لانعدام العلة وهذا لأن العلة تقرر الملك في قيمة هي بدل عن العين وقيمة المدبر ليس ببدل عن عينها لأن شرط كون القيمة بدلا عن العين أن تكون العين محتملا للتمليك وذلك لا يوجد في المدبر لأن المدبر جرى فيه عتق من وجه والعتق في المحل يمنع وجوب قيمة العين بسبب الغصب ولكن الضمان واجب باعتبار الجناية التى تمكنت من الغاصب بتفويت يده لأن مع جريان العتق فيه من وجه قد بقيت اليد والمالية مستحقة للمالك فإن انعدام ذلك يعتمد ثبوت العتق في المحل من كل وجه فعرفنا أنه إنما انعدم الحكم لانعدام العلة بوجود ما يغيرها وكذلك إذا قلنا في الزنا إنه ثبتت به حرمة المصاهرة لأن ثبوت الحرمة في الأصل باعتبار الولد الذي يتخلق من الماءين فيصير بواسطة الولد أمهاتها وبناتها في حقه كأمهاته وبناته وأبناؤه وآباؤه في حقها كآبائها وأبنائها ثم الوطء في محل الحرث سبب لحصول هذا الولد فيقام مقامه ويلزم على هذا أنه لا يتعدى الحرمة إلى الأخوات والعمات والخالات من الجانبين فمن يقول بتخصيص العلة يقول امتنع ثبوت الحكم مع قيام العلة في هذه المواضع للنص أو الإجماع ونحن نقول إنما انعدم الحكم لانعدام العلة لأن في النص الموجب لحرمة المصاهرة ذكر الأمهات والبنات والآباء والأبناء خاصة فامتداد الحرمة إلى الأخوات والعمات والخالات يكون تغييرا وإثباتا احرمة أخرى لأن المقصود غير الممتد وإنما يعلل المنصوص ولا يجوز تبديل المنصوص بالتعليل فكان انعدام الحكم في هذه المواضع لانعدام العلة لا لمانع مع قيام العلة وكذلك إن ألزم أن الموطوءة لا تحرم على الواطىء بواسطة الولد والقرب بينهما أمس فالتخريج هكذا أنه إنما انعدم الحكم هناك لانعدام العلة باعتبار مورد النص كما قررنا وهذا أصل كبير وفقه عظيم من ترك التعنت وتأمل عن إنصاف يخرج له جميع ما لم يذكر بما هو من نظائر ما ذكرنا عليه وعمدة هذا الفقه معرفة الخصوص فإن النصين إذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا فالعام لا ينعدم بالخاص حقيقة ولا حكما وليس في واحد من النصين توهم الفساد فعرفنا أن الخاص كان مخصصا للموضع الذى تناوله من حكم العام مع بقاء العام حجة فيما وراء ذلك وإن تمكن فيه نوع شبهة من حيث إنه صار كالمستعار فيما هو حقيقة حكم العام فأما العلة وإن كانت مؤثرة ففيها احتمال الفساد والخطأ وهي تحتمل الإعدام حكما فإذا جاء ما يغيرها جعلناها معدومة حكما في ذلك الموضع ثم انعدم الحكم لانعدام العلة ولا يكون فيها شيء من معنى التناقض ولا يكون من التخصيص في شيء والله أعلم باب وجوه الإحتجاج بما ليس بحجة مطلقا قال رضى الله عنه فهذا الباب يشتمل على فصول فالذي نبدأ به الإحتجاج بلا دليل فإن العلماء اختلفوا فيه على أقاويل قال بعضهم لا دليل حجة للنافى على خصمه ولا يكون حجة للمثبت وقال بعضهم هي حجة دافعة لا موجبة والذي دل عليه مسائل الشافعي رحمه الله أنها حجة دافعة لإبقاء ما ثبت بدليله لا لإثبات ما لم يعلم ثبوته بدليله والذى دل عليه مسائل أصحابنا أن هذا في حق الله تعالى فأما في حق العباد لا تكون هي حجة لأحد الخصمين على الآخر في الدفع ولا في الإيجاب لا في الإبقاء ولا في الإثبات ابتداء

Bagian V02/P215–V02/P216

فأما الفريق الأول احتجوا وقالوا أقوى المناظرة ما يكون في إثبات التوحيد وفي أمور النبوة فقد علمنا الله تعالى الاحتجاج بلا دليل على نفي الشرك بقوله ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجادل المشركين في إثبات نبوته وكانوا ينفون ذلك وهو يثبت ثم كانوا لا يطالبون على هذا النفي بشيء فوق قولهم لا دليل على نبوته واشتغل بعد جحودهم بإثبات نبوته بالآيات المعجزة والبراهين القاطعة فعرفنا بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه إلى أن يثبت الخصم ما يدعي ثبوته بالدليل وهذا لأن النافي إنما لا يطالب بدليل لكونه متمسكا بالأصل وهو عدم الدليل الموجب أو المانع والمحرم أو المبيح ووجوب التمسك بالأصل إلى أن يظهر الدليل المغير له طريق في الشرع ولهذا جعل الشرع البينة في جانب المدعي لا في جانب المنكر لأنه متمسك بالأصل وهو أنه لا حق للغير في ذمته ولا في يده وذلك حجة له على خصمه في الكف عن التعرض له ما لم يقم الدليل وأيد ما ذكرنا قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية فقد علم نبيه عليه السلام الاحتجاج بعدم الدليل الموجب للحرمة على الذين كانوا يثبتون الحرمة في أشياء كالسائبة والوصيلة والحام والبحيرة فثبت بهذا أن لا دليل حجة للنافي على خصمه وهذا الذي ذهبوا إليه غير موافق لشيء من العلل المنقولة عن السلف في نفي الحكم وإثباته وهو ينتهي إلى الجهل أيضا فإنا نقول لهذا القائل لا دليل على الإثبات عندك أو عند غيرك فإن خصمك يدعي قيام الدليل عنده وكما أن دعواه الدليل عنده لا يكون حجة عليك حتى تبرزه فدعواك عليه أن لا دليل عندي لا يكون حجة عليه وإن قلت لا دليل عندي فهذا إقرار منك بالجهل والتقصير في الطلب فكيف يكون حجة على غيرك وإن انعدم منك التقصير في الطلب فأنت معذور إذا لم تقف على الدليل وعذرك لا يكون حجة على الغير أصلا ألا ترى أن في زمان النبي عليه السلام كان الناسخ ينزل فيبلغ ذلك بعض الناس دون البعض ومن لم يبلغه يكون معذورا في العمل بالمنسوخ ولا يكون ذلك حجة له على غيره فإن قيل قولكم هذا غير موافق لتعليل السلف فاسد وقد قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا خمس في العنبر لأن الأثر لم يرد به وهذا احتجاج بلا دليل قلنا هذا أن لو ذكر هذا اللفظ على سبيل الاحتجاج على من يوجب فيه الخمس وليس كذلك بل إنما ذكره على وجه بيان العذر لنفسه ثم علل فيه بعلة مؤثرة في موضع الاحتجاج على الغير على ما ذكر محمد رحمه الله فإنه قال لا خمس في اللؤلؤ والعنبر قلت لم قال لأنه بمنزلة السمك قلت وما بال السمك لا يجب فيه الخمس قال لأنه بمنزلة الماء وهو إشارة إلى مؤثر فإن الأصل في الخمس الغنائم وإنما يوجب الخمس فيما يصاب مما كان أصله في يد العدو ووقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب فيكون في معنى الغنيمة والمستخرج من البحار لم يكن في يد العدو قط لأن قهر الماء مانع قهرا آخر على ذلك الموضع ثم القياس أن لا يجب الخمس في شيء وإنما أوجب الخمس في بعض الأموال بالأثر فبين أن ما لم يرد فيه الأثر يؤخذ فيه بأصل القياس وهذا لا يكون احتجاجا بلا دليل

Bagian V02/P216–V02/P217

ثم نقول لهذا القائل إنك بهذه المقالة تثبت شيئا لا محالة وهو صحة اعتقادك أن لا دليل يوجب إثبات الحكم في هذه الحادثة فعليك الدليل لإثبات ما تدعي صحته عندك ولا دليل على خصمك لأنه ينفي صحة اعتقادك هذا ولا دليل على النافي بزعمك ثم قولك لا دليل شيء تقوله عن علم أو لا عن علم فإن زعمت أنك تقوله عن علم فالعلم الذي يحدث للمرء لا يكون إلا بدليل وإن زعمت أنك تقوله لا عن علم فقد نهيت عن ذلك قال تعالى وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه جعلناه هكذا لأنه يتعذر اعتبار معنى التخيير فيه للنفي في أحد الجانبين ويتعذر إثبات معنى العطف لعدم المجانسة بين المذكورين فيجعل بمعنى الغاية لأن حرمة الدخول الثابت باليمين يحتمل الامتداد فيليق به ذكر الغاية كما في قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم فإنه لا يمكن حمل الكلمة على العطف إذ الفعل لا يعطف على الاسم والمستقبل لا يعطف على الماضي ونفي الأمر يحتمل الامتداد فيجعل قوله أو يتوب بمعنى الغاية ولأنه نفى الدخول في الدار الأولى فإذا دخل فيها أولا يجعل كأن المذكور آخرا من جنسه نفى فيحنث بالدخول فيها لهذا وأثبت الدخول في الدار الثانية فإذا دخلها أولا يجعل كأن الأخير من جنسه إثبات كما في قوله لأدخلن هذه الدار أو لأدخلن هذه الدار فصل