Qur'an&Sunnah

Serahsî — Usûlü's-Serahsî (usûlü'l-fıkh)

Bagian V01/P112–V01/P114

وكذلك شرط الطهارة في الطواف فإن فرضية الطواف بدليل مقطوع به واشتراط الطهارة فيه بخبر الواحد حيث شبهه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة فالقول بفساد أصل الطواف عند ترك الطهارة يكون إلحاقا لدليله بالنص المقطوع به والقول بأنه يتمكن نقصان في الطواف حتى يعيد ما دام بمكة وإذا رجع إلى أهله يجبر النقصان بالدم يكون عملا بدليله كما هو موجبه وكذلك ترك الطواف بالحطيم فإن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد وكذلك السعي فإن ثبوته بخبر الواحد لأن المنصوص عليه في الكتاب فلا جناح عليه أن يطوف بهما وهذا لا يوجب الفرضية وكذلك العمرة ثبوتها بخبر الواحد فأما الثابت بالنص ولله على الناس حج البيت وهذا لا يوجب نوعين من الزيارة قطعا والأضحية وصدقة الفطر على هذا أيضا تخرج وأما السنة فهي الطريقة المسلوكة في الدين مأخوذة من سنن الطريق ومن قول القائل سن الماء إذا صبه حتى جرى في طريقه وهو اشتقاق معروف والمراد به شرعا ما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده عندنا وقال الشافعي مطلق السنة يتناول سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط وهذا لأنه لا يرى تقليد الصحابي ويقول القياس مقدم على قول الصحابي فإنما يتبع حجته لا فعله وقوله بمنزلة من بعد الصحابة فإنه يتبع حجتهم لا مجرد فعلهم وقولهم إذا لم يبلغوا حد الإجماع ولهذا قال في قول سعيد بن المسيب رضي الله عنه إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية السنة تنصرف إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك قوله في استحقاق الفرقة بسبب العجز عن النفقة السنة أنها تنصرف إلى طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وكذلك قوله في أن الحر لا يقتل بالعبد السنة تنصرف إلى سنة رسول الله عليه السلام ) فأما عندنا إطلاق هذا اللفظ لا يوجب الاختصاص بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة والسلف كانوا يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكانوا يأخذون البيعة على سنة العمرين وقال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ إذا ثبت هذا فنقول حكم السنة هو الاتباع فقد ثبت بالدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم متبع فيما سلك من طريق الدين قولا وفعلا وكذلك الصحابة بعده وهذا الاتباع الثابت بمطلق السنة خال عن صفة الفرضية والوجوب إلا أن يكون من أعلام الدين فإن ذلك بمنزلة الواجب في حكم العمل على ما قال مكحول رحمه الله السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها ضلالة وسنة أخذها حسن وتركها لا بأس به فالأول نحو صلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة ولهذا لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب ولو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك قوتلوا عليها ليأتوا بها والثاني نحو ما نقل من طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه وقعوده ولباسه وركوبه وسننه في العبادات متبوعة أيضا فمنها ما يكره تركها ومنها ما يكون التارك مسيئا ومنها ما يكون المتبع لها محسنا ولا يكون التارك مسيئا وعلى هذا تخرج الألفاظ المذكورة في باب الأذان من قوله يكره وقد أساء ولا بأس به وحيث قيل يعيد فهو دليل الوجوب وعلى هذا الخلاف قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا عندنا لا يقتضي مطلقه أن يكون الآمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند الشافعي مطلقه يقتضي ذلك وقد كانوا يطلقون لفظ الأمر على ما أمر به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كما كانوا يطلقون لفظ السنة على سنة العمرين وتمام بيان هذا يتأتى في موضعه إن شاء الله تعالى

Bagian V01/P114–V01/P116

وأما النافلة فهي الزيادة ومنه تسمى الغنيمة نفلا لأنه زيادة على ما هو المقصود بالجهاد شرعا ومنه سمي ولد الولد نافلة لأنه زيادة على ما حصل للمرء بكسبه فالنوافل من العبادات زوائد مشروعة لنا لا علينا والتطوعات كذلك فإن التطوع اسم لما يتبرع به المرء من عنده ويكون محسنا في ذلك ولا يكون ملوما على تركه فهو والنفل سواء وحكمه شرعا أنه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ولهذا قلنا إن الشفع الثاني من ذوات الأربع في حق المسافر نفل لأنه يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه ولهذا جوزنا صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام وراكبا مع القدرة على النزول بالإيماء في حق الراكب وإن لم يكن متوجها إلى القبلة لأنه مشروع زيادة لنا وهو مستدام غير مقيد بوقت وفي مراعاة تمام الأركان والشرائط في جميع الأوقات حرج ظاهر فلدفع الحرج جوزنا الأداء على أي وصف يشرع فيه لتحقيق كونه زيادة لنا وقال الشافعي آخره من جنس أوله نفل فكما أنه مخير في الابتداء بين أن يشرع وبين أن لا يشرع لكونه نفلا فكذلك يكون مخيرا في الانتهاء وإذا ترك الإتمام فإنما ترك أداء النفل وذلك لا يلزمه شيئا كما في المظنون وقلنا نحن المؤدي موصوف بأنه لله تعالى وقد صار مسلما بالأداء ولهذا لو مات كان مثابا على ذلك فيجب التحرز عن إبطاله مراعاة لحق صاحب الحق وهذا التحرز لا يتحقق إلا بالإتمام فيما لا يحتمل الوصف بالتجزي عبادة فيجب الإتمام لهذا وإن كان في نفسه نفلا ويجب القضاء إذا أفسده لوجود التعدي فيما هو حق الغير بمنزلة المنذور فالمنذور في الأصل مشروع نفلا ولهذا يكون مستداما كالنوافل إلا أن لمراعاة التسمية بالنذر يلزمه أداء المشروع نفلا فإذا وجب الابتداء لمراعاة التسمية فلأن يجب الإتمام لمراعاة ما وجد منه الابتداء ابتداء كان أولى وهو نظير الحج فإن المشروع منه نفلا يصير واجب الأداء لمراعاة التسمية حقا للشرع فكذلك الإتمام بعد الشروع في الأداء يجب حقا للشرع وهذا هو الطريق في بيان الأنواع الأربعة ومما هو ثابت بخبر الواحد أيضا تأخير المغرب للحاج إلى أن يجمع بينه وبين العشاء في وقت العشاء بالمزدلفة فإنه ثابت بقوله عليه السلام لأسامة بن زيد رضي الله عنهما الصلاة أمامك ولهذا قال أبو حنيفة و محمد رحمهما الله لو صلى المغرب في الطريق في وقت المغرب يلزمه الإعادة بالمزدلفة ما لم يطلع الفجر فإذا طلع الفجر يسقط عنه الإعادة لأن الوجوب بدليل موجب للعمل وذلك الدليل يوجب الجمع بينهما في وقت العشاء وقد تحقق فوات هذا العمل بطلوع الفجر فلو ألزمناه القضاء مطلقا كنا قد أفسدنا ما أداه أصلا وذلك حكم ترك الفريضة فكذلك الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت ثابت بخبر الواحد فيكون موجبا للعمل ما لم يتضيق الوقت لأن عند التضيق تتحقق المعارضة بتعين هذا الوقت لأداء فرض الوقت وكذلك عند كثرة الفوائت لأن الثابت بخبر الواحد الترتيب عملا وبعد التكرار في الفوائت يتحقق فوات ذلك وعلى هذا قال أبو حنيفة رحمه الله إذا ترك صلاة ثم صلى شهرا وهو ذاكر لها فليس عليه إلا قضاء الفائتة لأن فساد الخمس بعدها لم يكن بدليل مقطوع به ليجب قضاؤها مطلقا وإنما كان لوجوب الترتيب بخبر الواحد وقد سقط وجوب الترتيب عملا عند كثرة الصلوات فلا يلزمه إلا قضاء المتروكة والله أعلم فصل في بيان العزيمة والرخصة قال رحمه الله العزيمة في أحكام الشرع ما هو مشروع منها ابتداء من غير أن يكون متصلا بعارض سميت عزيمة لأنها من حيث كونها أصلا مشروعا في نهاية من الوكادة والقوة حقا لله تعالى علينا بحكم أنه إلهنا ونحن عبيده وله الأمر يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وعلينا الإسلام والانقياد والرخصة ما كان بناء على عذر يكون للعباد وهو ما استبيح للعذر مع بقاء الدليل المحرم وللتفاوت فيما هو أعذار العباد يتفاوت حكم ما هو رخصة

Bagian V01/P116–V01/P118

والاسمان من حيث اللغة يدلان على ما ذكرنا لأن العزم في اللغة هو القصد المؤكد قال الله تعالى فنسي ولم نجد له عزما أي قصدا متأكدا في العصيان وقال تعالى فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ومنه جعل العزم يمينا حتى إذا قال القائل أعزم كان حالفا لأن العباد إنما يؤكدون قصدهم باليمين والرخصة في اللغة عبارة عن اليسر والسهولة يقال رخص السعر إذا تيسرت الإصابة لكثرة وجود الأشكال وقلة الرغائب فيها وفي عرف اللسان تستعمل الرخصة في الإباحة على طريق التيسير يقول الرجل لغيره رخصت لك في كذا أي أبحته لك تيسيرا عليك وقد بينا ما هو العزيمة في الفصل المتقدم فإن النوافل لكونها مشروعة ابتداء عزيمة ولهذا لا تحتمل التغيير بعذر يكون للعباد حتى لا تصير مشروعة وزعم بعض أصحابنا أنها ليست بعزيمة لأنها شرعت جبرا للنقصان في أداء ما هو عزيمة من الفرائض أو قطعا لطمع الشيطان في منع العباد من أداء الفرائض من حيث إنهم لما رغبوا في أداء النوافل مع أنها ليست عليهم فذلك دليل رغبتهم في أداء الفرائض بطريق الأولى والأول أوجه فهذا الذي قالوا مقصود الأداء فأما النوافل فمشروع ابتداء مستدام لا يحتمل التغير بعارض يكون من العباد وأما الرخصة قسمان أحدهما حقيقة والآخر مجاز فالحقيقة نوعان أحدهما أحق من الآخر والمجاز نوعان أيضا أحدهما أتم من الآخر في كونه مجازا فأما النوع الأول فهو ما استبيح مع قيام السبب المحرم وقيام حكمه ففي ذلك الرخصة الكاملة بالإباحة لعذر العبد مع قيام سبب الحرمة وحكمها وذلك نحو إجراء كلمة الشرك على اللسان بعذر الإكراه فإن حرمة الشرك باتة لا ينكسف عنه لضرورة وجوب حق الله تعالى في الإيمان به قائم أيضا ومع هذا أبيح لمن خاف التلف على نفسه عند الإكراه إجراء الكلمة رخصة له لأن في الامتناع حتى يقتل تلف نفسه صورة ومعنى وبإجراء الكلمة لا يفوت ما هو الواجب معنى فإن التصديق بالقلب باق والإقرار الذي سبق منه مع التصديق صح إيمانه واستدامة الإقرار في كل وقت ليس بركن إلا أن في إجراء كلمة الشرك هتك حرمة حق الله تعالى صورة وفي الامتناع مراعاة حقه صورة ومعنى فكان الامتناع عزيمة لأن الممتنع مطيع ربه مظهر للصلابة في الدين وما ينقطع عنه طمع المشركين وهو جهاد فيكون أفضل والمترخص بإجراء الكلمة يعمل لنفسه من حيث السعي في دفع سبب الهلاك عنها فهذه رخصة له إن أقدم عليها لم يأثم والأول عزيمة حتى إذا صبر حتى قتل كان مأجورا وعلى هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند خوف الهلاك فإن السبب الموجب لذلك وحكم السبب وهو الوجوب حقا لله تعالى قائم ولكن يرخص له في الترك والتأخير بعذر كان من جهته وهو خوف الهلاك وعجزه عن شد المعاضد عنه ولهذا لو أقدم على الأمر بالمعروف حتى يقتل كان مأجورا لأنه مطيع ربه فيما صنع وفي هذا الفصل يباح له الإقدام عليه وإن كان يعلم أنه لا يتمكن من منعهم عن المنكر بخلاف ما إذا أراد المسلم أن يحمل على جماعة من المشركين وهو يعلم أنه لا ينكأ فيهم حتى يقتل فإنه لا يسعه الإقدام لأن الفسقة معتقدون لما يأمرهم به وإن كانوا يعملون بخلافه ففعله يكون مؤثرا في باطنهم لا محالة وإن لم يكن مؤثرا في ظاهرهم ويتفرق جمعهم عند إقدامه على الأمر بالمعروف وإن قتلوه والمقصود تفريق جمعهم وأما المشركون غير معتقدين لما يأمرهم به المسلم فلا يتفرق جمعهم بصنيعه فإذا كان فعله لا ينكأ فيهم كان مضيعا نفسه في الحملة عليهم ملقيا بيده إلى التهلكة لا أن يكون عاملا لربه في إعزاز الدين وكذلك تناول مال الغير بغير إذنه للمضطر عند خوف الهلاك فإنه رخصة مع قيام سبب الحرمة وحكمها وهو حق المالك ولهذا وجب الضمان حقا له وكذلك إباحة إتلاف مال الغير عند تحقق الإكراه فإنه رخصة مع قيام سبب الحرمة وحكمها وكذلك إباحة الإفطار في رمضان للمكره وإباحة الإقدام على الجناية على الصيد للمحرم

Bagian V01/P118–V01/P120

ولهذا النوع أمثلة كثيرة والحكم في الكل واحد له أن يرخص بالإقدام على ما فيه رفع الهلاك عن نفسه فذلك واسع له تيسيرا من الشرع عليه وإن امتنع فهو أفضل له ولم يكن في الامتناع عاملا في إتلاف نفسه بل يكون متمسكا بما هو العزيمة والنوع الثاني ما استبيح مع قيام السبب المحرم موجبا لحكمه إلا أن الحكم متراخ عن السبب ( فلكون السبب القائم موجبا للحكم كانت الاستباحة ترخصا للمعذور ولكون الحكم متراخيا عن السبب ) كان هذا النوع دون الأول فإن كمال الرخصة يبتنى على كمال العزيمة فإذا كان الحكم ثابتا في السبب فذلك في العزيمة أقوى منه إذا كان الحكم متراخيا عن السبب بمنزلة البيع بشرط الخيار مع البيع البات والبيع بثمن مؤجل مع البيع بثمن حال فالحكم وهو الملك في المبيع والمطالبة بالثمن ثابت في البات المطلق متراخ عن السبب في المقرون بشرط الخيار أو الأجل وبيان هذا النوع في الصوم في شهر رمضان للمسافر والمريض فإن السبب الموجب شرعا وهو شهود الشهر قائم ولهذا لو أديا كان المؤدى فرضا ولكن الحكم متراخ إلى إدراك عدة من أيام أخر ولهذا لو ماتا قبل الإدراك لم يلزمهما شيء ولو كان الوجوب ثابتا للزمهما الأمر بالفدية عنهما لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم ولكن لا يسقط الخلف وهو القضاء أو الفدية والتعجيل بعد تمام السبب مع تراخي الحكم صحيح كتعجيل الدين المؤجل ثم قال الشافعي رحمه الله لما كان حكم الوجوب متأخرا إلى إدراك عدة من أيام أخر كان الفطر أفضل ليكون إقدامه على الأداء متراخيا بعد ثبوت الحكم بإدراك عدة من أيام أخر وقلنا نحن الصوم أفضل لأن مع إباحة الترخص بالفطر للمشقة التي تلحقه بالصوم في المرض أو السفر السبب الموجب قائم فكان المؤدى للصوم عاملا لله تعالى في إدراك الفرائض والمترخص بالفطر عاملا لنفسه فيما يرجع إلى الترفة فالأول عزيمة والتمسك بالعزيمة أفضل مع أن في معنى الرخصة يشترك الصوم والفطر فمن وجه الصوم مع الجماعة في شهر رمضان يكون أيسر من التفرد به بعد مضي الشهر وإن كان أشق على بدنه ومن وجه الترخص بالفطر مع أداء الصوم بعد الإقامة أيسر عليه لكيلا تجتمع عليه مشقتان في وقت واحد مشقة السفر ومشقة أداء الصوم وإذا كان في كل جانب نوع ترفه يخير بينهما للتيسير عليه وبعد تحقق المعارضة بينهما يترجح جانب أداء الصوم لكونه مطيعا فيه عاملا لله تعالى إلا أن يخاف الهلاك على نفسه إن صام فحينئذ يلزمه أن يفطر لأنه إن صام فمات كان قتيل الصوم وهو المباشر لفعل الصوم فيكون قاتلا نفسه وعلى المرء أن يتحرز عن قتل نفسه بخلاف ما إذا أكرهه ظالم على الفطر فلم يفطر حتى قتله لأن القتل هنا مضاف إلى فعل الظالم فأما هو في الامتناع عن الفطر عند الإكراه مستديم للعبادة مظهر للطاعة عن نفسه في العمل لله تعالى وذلك عمل المجاهدين وبيان النوع الثالث في الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا وقد وضعها الله تعالى عنا كما قال تعالى ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم وقال تعالى ربنا ولا تحمل علينا إصرا الآية فهذا النوع غير مشروع في حقنا أصلا لا بناء على عذر موجود في حقنا بل تيسيرا وتخفيفا علينا فكانت رخصة من حيث الاسم مجازا وإن لم تكن رخصة حقيقة لانعدام السبب الموجب للحرمة مع الحكم بالرفع والنسخ أصلا في حقنا فإن حقيقة الرخصة في الاستباحة مع قيام السبب المحرم ولكن لما كان الرفع للتخفيف علينا والتسهيل سميت رخصة مجازا وأما بيان النوع الرابع فما يستباح تيسيرا لخروج السبب من أن يكون موجبا للحكم مع بقائه مشروعا في الجملة فإنه من حيث انعدام السبب الموجب للحكم يشبه هذا النوع الثالث فكان مجازا ومن حيث إنه بقي السبب مشروعا في الجملة يشبه النوع الثاني وهو أن الترخص باعتبار عذر للعباد فكان معنى الرخصة فيه حقيقة من وجه دون وجه

Bagian V01/P120–V01/P121

وبيان هذا النوع في فصول منها السلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم والسلم نوع بيع واشتراط العينية في المبيع المشروع قائم في الجملة ثم سقط هذا الشرط في السلم أصلا حتى كانت العينية في المسلم فيه مفسدة للعقد لا مصححة وكان سقوط هذا الشرط للتيسير على المحتاجين حتى يتوصلوا إلى مقصودهم من الأثمان قبل إدراك غلاتهم ويتوصل صاحب الدراهم إلى مقصوده من الربح فكانت رخصة من حيث إخراج السبب من أن يكون موجبا اعتبار العينية فيه مع بقاء هذا النوع من السبب موجبا له في الجملة وكذلك المسح على الخفين رخصة مشروعة لليسر على معنى أن استتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم لا على معنى أن الواجب من غسل الرجل يتأدى بالمسح ولهذا يشترط أن يكون اللبس على طهارة في الرجلين وأن يكون أول الحدث بعد اللبس طارئا على طهارة كاملة ولو نزع الخف بعد المسح يلزمه غسل رجليه فعرفنا أن التيسير من حيث إخراج السبب الموجب للحدث من أن يكون عاملا في الرجل ما دام مستترا بالخف وتقدم الخف على الرجل في قبول حكم الحدث ما لم يخلعهما مع بقاء أصل السبب في الجملة وكذلك الزيادة في مدة المسح للمسافر فإنه رخصة من حيث إن السبب لم يبق في حقه موجبا غسل الرجل بعد مضي يوم وليلة ما لم ينزع الخف وعلى هذا ما ذكر في كتاب الإكراه أن من اضطر إلى تناول الميتة أو شرب الخمر لخوف الهلاك على نفسه من الجوع أو العطش أو للإكراه فإنه لا يسعه الامتناع من ذلك ولو امتنع حتى مات كان آثما لأن السبب غير موجب للحكم عند الضرورة للاستثناء المذكور في قوله تعالى إلا ما اضطررتم إليه فالمستثنى لا يتناوله الكلام موجبا لحكمه ولكن السبب بهذا الاستثناء لم ينعدم أصلا فكانت الرخصة ثابتة باعتبار عذر العبد خرج به السبب من أن يكون موجبا للحكم في حقه ويلتحق الحرام في هذه الحالة في حقه بالحلال لما انعدم سبب الحرمة في حقه ومن امتنع من تناول الحلال حتى يتلف نفسه يكون آثما يوضحه أن سبب الحرمة وجوب صيانة عقله عن الاختلاط أو الفساد بشرب الخمر وصيانة بدنه عن ضرر تناول الميتة وصيانة البعض لا يتحقق في إتلاف الكل فكان الامتناع في هذه الحالة إتلافا للنفس من غير أن يكون فيه تحصيل ما هو المقصود بالحرمة فلا يكون مطيعا لربه بل يكون متلفا نفسه بترك الترخص فيكون آثما ومن هذا النوع ما قال علماؤنا رحمهم الله إنه لا يجوز للمسافر أن يصلي الظهر أربعا في سفره وإن ذلك بمنزلة ما لو صلى المقيم الفجر أربعا لأن السبب لم يبق في حقه موجبا إلا ركعتين فكانت الأخريان نفلا في حقه ولهذا يباح له تركهما لا إلى بدل وخلط النفل بالفرض قصدا لا يحل وأداء النفل قبل إكمال الفرض يكون مفسدا للفرض فإذا لم يقعد القعدة الأولى فسدت صلاته و الشافعي رحمه الله يقول السبب الموجب للظهر أربع ركعات إلا أنه رخص له في الاكتفاء بالركعتين لدفع مشقة السفر فإن أكمل الصلاة كان مؤديا للفرض بعد وجود سببه فيستوي هو والمقيم في ذلك كما إذا صام المسافر في شهر رمضان وجعل معنى الرخصة في تخييره بين أن يؤدي فرض الوقت بأربع ركعات وبين أن يؤدي ركعتين بمنزلة العبد يأذن له مولاه في أداء الجمعة فإنه يتخير بين أن يؤدي فرض الوقت بالجمعة ركعتين وبين أن يؤدي بالظهر أربعا

Bagian V01/P121–V01/P123

وهذا غلط منه يتبين عند التأمل في مورد الشرع على ما روي أن عمر رضي الله عنه قال يا رسول الله ما بالنا نصلي في السفر ركعتين ونحن آمنون فقال هذه صدقة تصدق الله عليكم فاقبلوا صدقته ونحن نعلم أن المراد التصدق بالإسقاط عنا وما يكون واجبا في الذمة فالتصدق ممن له الحق بإسقاطه يكون كالتصدق بالدين على من عليه الدين ومثل هذا الإسقاط إذا لم يتضمن معنى التمليك لا يرتد بالرد كالعفو عن القصاص وكذلك إذا لم يكن فيه معنى المالية لا يرتد بالرد ولا يتوقف على القبول كالطلاق وإسقاط الشفعة فبهذا يتبين أن السبب لم يبق موجبا للزيادة على الركعتين بعد هذا التصدق فإن معنى الترخص في إخراج السبب من أن يكون موجبا للزيادة على الركعتين في حقه لا في التخيير فإن التخيير عبارة عن تفويض المشيئة إلى المخير وتمليكه منه وذلك لا يتحقق هنا فالعبادات إنما تلزمنا بطريق الابتلاء قال الله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا وتفويض المشيئة إلى العبد بهذه الصفة في أصل الوجوب أو في مقدار الواجب يعدم معنى الابتلاء وبهذا تبين أن المراد من قوله صلى الله عليه وسلم فاقبلوا صدقته بالوقوف على أداء الواجب من غير خلط النفل به وهكذا نقول في الصوم إلا أن الرخصة هناك في تأخير الحكم عن السبب وليس للعباد اختيار في رد ذلك إلا أن أصل السبب موجب في حقه ولهذا يلزمه القضاء إذا أدرك عدة من أيام أخر وبيان هذا في قوله صلى الله عليه وسلم إن الله وضع المسافر شطر الصلاة وأداء الصوم يحقق ما ذكرنا أن المشيئة التامة والاختيار الكامل لا يثبت للعبد أصلا فإن ذلك بربوبته وذلك معنى قوله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار أي يتعالى أن يكون له رفيق فيما يختار ويتعالى أن يكون له اختيار لدفع ضرر عنه وهذا هو الاختيار الكامل فأما الاختيار للعبد لا ينفك عن معنى الرفق به وذلك في أن يجر إلى نفسه منفعة باختياره أو يدفع عن نفسه ضررا ألا ترى أن الله تعالى خير الحالف بين الأنواع الثلاثة في الكفارة ليحصل للمكفر الرفق لنفسه باختياره الأيسر عليه وهذا لا يتحقق في التخيير بين القليل والكثير في الجنس الواحد بوجه وسواء صلى ركعتين أو أربعا فهو ظهر وببداهة العقول يعلم أن الرفق متعين في أداء الركعتين فمن قال بأنه يتخير بين الأقل والأكثر من غير رفق له في ذلك فإنه لا يثبت له خيارا يليق بالعبودية والعجز وخطأ هذا غير مشكل ومن يقول بأن للعبد أن يرد ما أسقط الله تعالى عنه بطريق التصدق عليه فخطؤه لا يشكل أيضا لأن عفو الله تعالى عن العباد في الآخرة لا يقول فيه أحد من العقلاء إنه يرتد برد العبد وإنه تخيير للعبد وهذا بخلاف العبد المأذون في أداء الجمعة لأن الجمعة غير الظهر ولهذا لا يجوز بناء أحدهما على الآخر وعند المغايرة لا يتعين الرفق في الأقل عددا فأما ظهر المقيم وظهر المسافر فواحد في الحكم فبالتخيير بين القليل والكثير فيه لا يتحقق شيء من معنى الرفق فيه ونظير هذا العبد الجاني إذا جنى جناية يخير المولى بين الدفع والفداء فإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية أو كان الجاني مدبرا تكون على المولى قيمته ولا خيار له في ذلك لأن الجنس لما كان واحدا فالرفق كله متعين في الأقل وكذلك من اشترى شيئا لم يره يثبت له خيار الرؤية لتحقيق معنى الرفق باسترداد الثمن عند فسخ البيع وفي السلم لا يثبت خيار الرؤية لأن برد المقبوض لا يتوصل إلى الرفق باسترداد الثمن ولكنه يرجع بمثل المقبوض فلا يظهر فيه معنى الرفق فإن قيل معنى الرفق هنا يتحقق من حيث إن ثوابه في أداء الأربع أكثر وأداء الركعتين على بدنه أيسر فالتخيير لهذا المعنى

Bagian V01/P123–V01/P124

قلنا أحكام الدنيا لا تبنى على ما هو من أحكام الآخرة وهو نيل الثواب مع أن الثواب كله في امتثال الأمر بأداء الواجب لا في عدد الركعات فإن جمعة الحر في الثواب لا يكون دون ظهر العبد وفجر المقيم في الثواب لا يكون دون ظهره فعرفنا أن هذا المعنى لا يتحقق في ثواب الصلاة أيضا وإنما يتحقق معنى الرفق في الصوم من الوجه الذي قررنا أن في الفطر نوع رفق له وفي الصوم نوع رفق آخر فكان التخيير بينهما مستقيما ويخرج على هذا من نذر صوم سنة إن فعل كذا ففعل وهو معسر فإنه يتخير بين صوم ثلاثة أيام وبين صوم سنة على قول محمد رحمه الله وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله أنه رجع إليه قبل موته بأيام لأنهما مختلفان حكما ففي صوم سنة وفاء بالمنذور وأداء ما هو قربة ابتداء وصوم ثلاثة أيام كفارة لما لحقه بخلف الوعد المؤكد باليمين وقد بينا أن التخيير عند المغايرة يتحقق فيه معنى الرفق ولا يدخل على ما ذكرنا التخيير المذكور في حق موسى عليه السلام أنه فيما التزمه من الصداق بين الأقل والأكثر في جنس واحد كما قال تعالى على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك لأن الزيادة على الثماني كان فضلا من عنده متبرعا به فأما الواجب من الصداق وهو الأقل عندنا هكذا في مسألة الخلاف فالفرض ركعتان عندنا والزيادة عليه نفل مشروع للعبد يتبرع به من عنده ولكن الاشتغال بأداء النفل قبل إكمال الفرض مفسد للفرض والله أعلم & باب أسماء صيغة الخطاب في تناوله المسميات وأحكامها & قال رضي الله عنه اعلم بأن هذه الأسماء أربعة الخاص والعام والمشترك والمؤول فالخاص كل لفظ موضوع لمعنى معلوم على الانفراد وكل اسم لمسمى معلوم على الانفراد ومنه يقال اختص فلان بملك كذا أي انفرد به ولا شركة للغير معه وخصني فلان بكذا أي أفرده لي وفلان خاص فلان ومنه سميت الخصاصة للانفراد عن المال وعن نيل أسباب المال مع الحاجة ومعنى الخصوص في الحاصل الانفراد وقطع الاشتراك فإذا أريد به خصوص الجنس قيل إنسان وإذا أريد به خصوص النوع قيل رجل وإذا أريد به خصوص العين قيل زيد وأما العام كل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء لفظا أو معنى ونعني بالأسماء هنا المسميات وقولنا لفظا أو معنى تفسير للانتظام أي ينتظم جمعا من الأسماء لفظا مرة كقولنا زيدون ومعنى تارة كقولنا من وما وما أشبههما ومعنى العموم لغة الشمول تقول العرب عمهم الصلاح والعدل أي شملهم وعم الخصب أي شمل البلدان أو الأعيان ومنه سميت النخلة الطويلة عميمة والقرابة إذا اتسعت انتهت إلى العمومة فكل لفظ ينتظم جمعا من الأسماء سمي عاما لمعنى الشمول وذلك نحو اسم الشيء فإنه يعم الموجودات كلها عندنا وذكر أبو بكر الجصاص رحمه الله أن العام ما ينتظم جمعا من الأسامي أو المعاني وهذا غلط منه فإن تعدد المعاني لا يكون إلا بعد التغاير والاختلاف وعند ذلك اللفظ الواحد لا ينتظمهما وإنما يحتمل أن يكون كل واحد منهما مرادا باللفظ وهذا يكون مشتركا لا عاما ولا عموم للمشترك عندنا وقد نص الجصاص في كتابه على أن المذهب في المشترك أنه لا عموم له فعرفنا أن هذا سهو منه في العبارة أو هو مؤول ومراده أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم المحال يسمى معاني مجازا فإنه يقال مطر عام لأنه عم الأمكنة وهو في الحقيقة معنى واحد ولكن لتعدد المحال الذي تناوله سماه معاني ولكن هذا إنما يستقيم إذا قال ما ينتظم جمعا من الأسامي والمعاني قال رضي الله عنه وهكذا رأيته في بعض النسخ من كتابه فأما قوله أو المعاني فهو سهو منه وذكر أن إطلاق لفظ العموم حقيقة في المعاني والأحكام كما هو في الأسماء والألفاظ

Bagian V01/P124–V01/P126

ويقال عمهم الخوف وعمهم الخصب باعتبار المعنى من غير أن يكون هناك لفظ وهذا غلط أيضا فإن المذهب أنه لا عموم للمعاني حقيقة وإن كان يوصف به مجازا وسيأتيك بيان هذا الفصل في باب بيان إبطال القول بتخصيص العلل الشرعية وأما المشترك فكل لفظ يشترك فيه معان أو أسام لا على سبيل الانتظام بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به على الانفراد وإذا تعين الواحد مرادا به انتفى الآخر مثل اسم العين فإنه للناظر ولعين الماء وللشمس وللميزان وللنقد من المال وللشيء المعين لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ ولكن على احتمال كون كل واحد مرادا بانفراده عند الإطلاق وهذا لأن الاسم يتناول كل واحد من هذه الأشياء باعتبار معنى غير المعنى الآخر وقد بينا أن لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المختلفة وبيان هذا في لفظ البينونة فإنه يحتمل معنى الإبانة ومعنى البين ومعنى البيان يقول الرجل بان فلان عني أي هجرني وبان العضو من الجسم أي انفصل وبان لي كذا أي ظهر فيعلم أن مطلق اللفظ لا ينتظم هذه المعاني ولكن يحتمل كل واحد منها أن يكون مرادا ولهذا سميناه مشتركا فالاشتراك عبارة عن المساواة وفي الاحتمال وجدت المساواة بينهما فبقي المراد به مجهولا لا يمكن العمل بمطلقه في الابتداء بمنزلة المجمل إلا أن الفرق بين المشترك والمجمل أنه قد يتوصل إلى العمل بالمشترك عند التأمل في صيغة اللفظ فيرجح بعض المحتملات ويعرف أنه هو المراد بدليل في اللفظ من غير بيان آخر والمجمل ما لا يستدرك به المراد بمجرد التأمل في صيغة اللفظ ما لم يرجع في بيانه إلى المجمل ليصير المراد بذلك البيان معلوما لا بدليل في لفظ المجمل وبيان المشترك في لفظ القرء فبين العلماء اتفاق أنه يحتمل الأطهار ويحتمل الحيض وأنه غير منتظم لهما بل إذا حملناه على الحيض لدليل في اللفظ وهو أن المرأة لا تسمى ذات القرء إلا باعتبار الحيض فينتفي كون الأطهار مرادا عندنا وإذا حمله الخصم على الأطهار لدليل في اللفظ وهو الاجتماع أخرج الحيض من أن يكون مرادا باللفظ وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله لو أوصى بثلث ماله لمواليه وله موال أعتقوه وموال أعتقهم لا تصح الوصية لأن الاسم مشترك يحتمل أن يكون المراد به هو المولى الأعلى ويحتمل الأسفل وفي المعنى تغاير فالوصية للأعلى بمعنى المجازاة وشكرا للنعم وللأسفل للزيادة في الإنعام والترحم عليه ولا ينتظم اللفظ المعنيين جميعا للمغايرة بينهما فبقي الموصى له مجهولا ولو حلف لا يكلم مواليه يتناول يمينه الأعلى والأسفل جميعا باعتبار أن المعنى الذي دعاه إلى اليمين غير مختلف في الأعلى والأسفل فلإيجاد المعنى لا يتحقق فيه الاشتراك بل اللفظ في هذا الحكم بمنزلة العام فإن اسم الشيء يتناول الموجودات كلها باعتبار معنى واحد وهو صفة الوجود فكان منتظما للكل والمشترك احتماله الجمع من الأشياء باعتبار معان مختلفة فعرفنا به أن المراد واحد منها فاسم المولى إذا استعمله فيما يختلف فيه المعنى والمقصود كان مشتركا وفيما لا يختلف فيه المعنى كان بمنزلة العام

Bagian V01/P126–V01/P128

وأما المؤول فهو تبين بعض ما يحتمل المشترك بغالب الرأي والاجتهاد ومن قولك آل يؤول أي رجع وأوليته بكذا إذا رجعته وصرفته إليه ومآل هذا الأمر كذا أي تصير عاقبته إليه فالمؤول ما تصير إليه عاقبة المراد بالمشترك بواسطة الأمر قال تعالى هل ينظرون إلا تأويله أي عاقبته وما يؤول إليه الأمر وهو خلاف المجمل فالمراد بالمجمل إنما يعرف ببيان من المجمل وذلك البيان يكون تفسيرا يعلم به المراد بلا شبهة مأخوذ من قولك أسفر الصبح إذا أضاء وظهر ظهورا منتشرا وأسفرت المرأة عن وجهها أي كشفت وجهها وهذا اللفظ مقلوب من التفسير فالمعنى فيهما واحد وهو الانكشاف والظهور على وجه لا شبهة فيه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار يعني قطع القول بأن المراد هذا برأيه فإن من فعل ذلك فكأنه نصب نفسه صاحب الوحي فليتبوأ مقعده من النار وبهذا تبين خطأ المعتزلة أن كل مجتهد مصيب لما هو الحق حقيقة فالاجتهاد عبارة عن غالب الرأي فمن يقول إنه يستدرك به الحق قطعا بلا شبهة فإنه داخل في جملة من تناولهم هذا الحديث وصار الحاصل أن العام أكثر انتظاما للمسميات من الخاص والخاص في معرفة المراد به أثبت من المشترك ففي المشترك احتمال غير المراد ومع الاحتمال لا يتحقق الثبوت والمشترك في إمكان معرفة المراد عند التأمل في لفظه أقوى من المجمل فليس في المجمل إمكان ذلك بدون البيان على ما نذكره في بابه إن شاء الله تعالى فصل في بيان حكم الخاص قال رضي الله عنه حكم الخاص معرفة المراد باللفظ ووجوب العمل به فيما هو موضوع له لغة لا يخلو خاص عن ذلك وإن كان يحتمل أن تغير اللفظ عن موضوعه عند قيام الدليل فيصير عبارة عنه مجازا ولكنه غير محتمل للتصرف فيه بيانا فإنه مبين في نفسه عامل فيما هو موضوع له بلا شبهة وعلى هذا قال علماؤنا رحمهم الله في قوله تعالى ثلاثة قروء إن المراد الحيض لأنا لو حملناه على الأطهار كان الاعتداد بقرأين وبعض الثالث ولو حملناه على الحيض كان التربص بثلاثة قروء كوامل واسم الثلاث موضوع لعدد معلوم لغة لا يحتمل النقصان عنه بمنزلة اسم الفرد فإنه لا يحتمل العدد واسم الواحد ليس فيه احتمال المثنى ففي حمله على الأطهار ترك العمل بلفظ الثلاث فيما هو موضوع له لغة ولا وجه للمصير إليه وقلنا في قوله اركعوا واسجدوا إن فرض الركوع يتأدى بأدنى الانحطاط لأن اللفظ لغة موضوع للميل عن الاستواء يقال ركعت النخلة إذا مالت وركع البعير إذا طأطأ رأسه فإلحاق صفة الاعتدال به ليكون فرضا ثابتا بهذا النص لا يكون عملا بما وضع له هذا الخاص لغة ولكن إنما يكون وفي العثمانية إنما يثبت بصفة الاعتدال بخبر الواحد فيكون موجبا للعمل ممكنا للنقصان في الصلاة إذا تركه ولا يكون مفسدا للصلاة لأن ذلك حكم ترك الثابت بالنص ومن ذلك قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق فالطواف موضوع لغة لمعنى معلوم لا شبهة فيه وهو الدوران حول البيت ثم إلحاق شرط الطهارة بالدوران ليكون فرضا لا يعتد الطواف بدونه لا يكون عملا بهذا الخاص بل يكون نسخا له وجعل الطهارة واجبا فيه حتى يتمكن النقصان بتركه يكون عملا بموجب كل دليل فإن ثبوت شرط الطهارة بخبر الواحد وهو موجب للعمل فبتركه يتمكن النقصان في العمل شرعا فيؤمر بالإعادة أو الجبر بالدم ليرتفع به النقصان ومن ذلك قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم الآية فإن اللفظ موضوع لغة لغسل هذه الأعضاء ففرضية الغسل في المغسولات والمسح في الممسوحات ثابت بهذا النص واشتراط النية والموالاة والترتيب والتسمية ليكون فرضا لا يزول الحدث بدونها مع وجود الغسل والمسح لا يكون عملا بهذا الخاص بل يكون نسخا له وجعل ذلك واجبا أو سنة للإكمال كما هو موجب خبر الواحد يكون عملا بكل دليل ومراعاة لمرتبة كل دليل فتبين أن فيما ذهب إليه الخصم حط درجة النص عن مرتبته أو رفع درجة خبر الواحد فوق مرتبته فلا يكون القول به صحيحا

Bagian V01/P128–V01/P129

وقال الشافعي في قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما فإن القطع لفظ خاص لمعنى معلوم فإبطال عصمة المال والتقوم الذي كان ثابتا قبل فعل السرقة أو بعده قبل القطع لا يكون عملا بهذا الخاص بل يكون زيادة أثبتموه بالرأي أو بخبر الواحد فقد دخلتم فيما أبيتم ولكنا نقول ما أثبتنا ذلك إلا بلفظ خاص في الآية وهو قوله تعالى جزاء بما كسبا نكالا من الله فاسم الجزاء يطلق على ما يجب حقا لله تعالى بمقابلة أفعال العباد فثبت بهذا اللفظ الخاص أن القطع حق الله تعالى خالصا وتبين به أن سببه جناية على حق الله تعالى ولا يجب القطع إلا باعتبار العصمة والتقوم في المسروق فبه يتبين أن العصمة والتقوم عند فعل السرقة صار حقا لله تعالى حيث وجب القطع باعتباره حقا له ويتم ذلك بالاستيفاء لأن ما يجب حقا لله تعالى فتمامه يكون بالاستيفاء إذ المقصود به الزجر وذلك يحصل بالاستيفاء وبهذا التحقيق تبين أن العصمة والتقوم لم يبق حقا للعبد فلا يجب الضمان به أو عرفنا ذلك من قوله تعالى جزاء بما كسبا فإن الجزاء لغة يستدعي الكمال من قولهم جزى أي قضى أو جزأ بالهمزة أي كفى وكمال الجزاء باعتبار كمال السبب وهو أن يكون الفعل حراما لعينه فمع بقاء التقوم والعصمة حقا للمالك لا يكون الفعل حراما لعينه بل لغيره وهو حق المالك فعرفنا أنه لم يبق العصمة والتقوم في المحل حقا للعبد عندنا باعتبار خاص منصوص عليه ولا يدخل عليه الملك فإنه يبقى للمالك حتى يسترده إن كان قائما بعينه لأن مع بقاء الملك له لا تنعدم صفة الكمال في السبب وهو كون الفعل حراما لعينه ألا ترى أن العصير إذا تخمر يبقى مملوكا ويكون الفعل فيه حراما لعينه حتى يجب الحد بشربه ولكن لم يبق معصوما متقوما لأنه حينئذ يكون بمنزلة عصير الغير فلا يكون شربه حراما لعينه ثم وجوب القطع باعتبار العصمة والتقوم في محل مملوك فأما المالك فهو غير معتبر فيه لعينه بل ليظهر السبب بخصومته عند الإمام ولهذا لو ظهر بخصومة غير المالك نقيم الحد بخصومة المكاتب والعبد المأذون المستغرق بالدين في كسبه والمتولي في مال الوقف ونحن إنما جعلنا ما وجب القطع باعتباره حقا لله تعالى لضرورة كون الواجب محض حق الله تعالى وذلك في العصمة والتقوم دون أصل الملك ومن هذه الجملة قوله تعالى أن تبتغوا بأموالكم فالابتغاء موضوع لمعنى معلوم وهو الطلب بالعقد والباء للإلصاق فثبت له اشتراط كون المال ملصقا به بالابتغاء تسمية أو وجوبا والقول بتراخيه عن الابتغاء إلى وجود حقيقة المطلوب كما قاله الخصم في المفوضة أنه لا يجب المهر لها إلا بالوطء يكون ترك العمل بالخاص فيكون في معنى النسخ له ولا يجوز المصير إليه بالرأي ومن ذلك قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم فالفرض لمعنى معلوم لغة وهو التقدير والكتابة في قوله تعالى فرضنا لمعنى معلوم لغة وهو إرادة المتكلم نفسه فالقول بأن المهر غير مقدر شرعا بل يكون إيجاب أصله بالعقد وبيان مقداره مفوضا إلى رأي الزوجين يكون ترك العمل بهذا الخاص فإنما العمل به فيما قلنا إن وجوب أصله وأدنى المقدار فيه ثابت شرعا لا خيار له فيه للزوجين ومن هذا النوع ما قال محمد والشافعي في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره إن كلمة حتى موضوع لمعنى لغة وهو الغاية والنهاية فجعله لمعنى موجب حلا حادثا يكون ترك العمل بهذا الخاص وإنما العمل به في أن يجعل غاية للحرمة الحاصلة في المحل ولا حرمة قبل استيفاء عدد الطلاق ولا تصور للغاية قبل وجود أصل الشيء فإن المنتهى بالغاية بعض الشيء فكيف يتحقق قبل وجود أصله بل يكون وجود الزوج الثاني في هذه الحالة كعدمه

Bagian V01/P129–V01/P131

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله ما تناوله هذا الخاص فهو غاية لما وضع اللفظ له وهو عقد الزوج الثاني فإن النكاح وإن كان حقيقة للوطء فقد يطلق بمعنى العقد والمراد العقد هنا بدليل الإضافة إلى المرأة وإنما يضاف إليها العقد لتحقق مباشرته منها ولا يضاف إليها الوطء حقيقة لأنها محل الفعل لا مباشرة للوطء فأما شرط الدخول فأثبتناه بحديث مشهور وهو ما روي أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن رفاعة طلقني فبت طلاقي فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير فلم أجد معه إلا مثل هذه وأشارت إلى هدبة ثوبها كانت تتهمه بالعنة فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة فقالت نعم فقال لا حتى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك ففي اشتراط الوطء للعود إشارة إلى السبب الموجب للحل وقال عليه السلام لعن الله المحلل والمحلل له ولا خلاف بين العلماء أن الوطء من الزوج الثاني شرط لحل العود إلى الأول بهذه الآثار فنحن عملنا بما هو موجب أصل هذا الدليل بصفته فجعلناه موجبا للحل وهم أسقطوا اعتبار هذا الوصف من هذا الدليل استدلالا بنص ليس فيه بيان أصل هذا الشرط ولا صفته فيكون هذا ترك العمل بالدليل الموجب له لا عملا بكل خاص فيما هو موضوع له لغة ومن ذلك قولنا في قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له لأن الفاء موضوع لغة للوصل والتعقيب فذكره بعد الخلع المذكور في قوله تعالى فيما افتدت به يكون بيانا خاصا أن إيقاع التطليقتين بعد الخلع متصلا به يكون عاملا موجبا حرمة المحل بخلاف ما يقوله الخصم إن المختلعة لا يلحقها الطلاق ومن ذلك قوله تعالى الطلاق مرتان إلى قوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به ففي الإضافة إليها ثم تخصيص جانبها بالذكر بيان أن الذي يكون من جانب الزوج في الخلع عين ما تناوله أول الآية وهو الطلاق لا غيره وهو الفسخ فجعل الخلع فسخا يكون ترك العمل بهذا الخاص وجعله طلاقا كما هو موجب هذا الخاص يكون عملا بالمنصوص هذا بيان الطريق فيما يكون من هذا الجنس فصل في بيان حكم العام قال بعض المتأخرين ممن لا سلف لهم في القرون الثلاثة حكمه الوقف فيه حتى يتبين المراد منه بمنزلة المشترك أو المجمل ويسمى هؤلاء الواقفية إلا أن طائفة منهم يقولون يثبت به أخص الخصوص وفيما وراء ذلك الحكم هو الوقف حتى يتبين المراد بالدليل وقال الشافعي هو مجرى على عمومه موجب للحكم فيما تناوله مع ضرب شبهة فيه لاحتمال أن يكون المراد به الخصوص فلا يوجب الحكم قطعا بل على تجوز أن يظهر معنى الخصوص فيه لقيام الدليل بمنزلة القياس فإنه يجب العمل به في الأحكام الشرعية لا على أن يكون مقطوعا به بل مع تجوز احتمال الخطأ فيه أو الغلط ولهذا جوز تخصيص العام بالقياس ابتداء وبخبر الواحد فقد جعل القياس وخبر الواحد الذي لا يوجب العلم قطعا مقدما على موجب العام حتى جوز التخصيص بهما وجعل الخاص أولى بالمصير إليه من العام على هذا دلت مسائله فإنه رجح خبر العرايا على عموم قوله عليه السلام التمر بالتمر كيلا بكيل في حكم العمل به وجعل هذا قولا واحدا له فيما يحتمل العموم وفيما لا يحتمل العموم لانعدام محله فقال يجب العمل فيهما بقدر الإمكان حتى يقوم دليل التخصيص على الوجه الذي ذكرنا والمذهب عندنا أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعا بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله يستوي في ذلك الأمر والنهي والخبر إلا فيما لا يمكن اعتبار العموم فيه لانعدام محله فحينئذ يجب التوقف إلى أن يتبين ما هو المراد به ببيان ظاهر بمنزلة المجمل فعلى هذا دلت مسائل علمائنا رحمهم الله

Bagian V01/P131–V01/P133

قال محمد رحمه الله في الزيادات إذا أوصى بخاتم لرجل ثم أوصى بفصه لآخر بعد ذلك في كلام مقطوع فالحلقة للموصى له بالخاتم والفص بينهما نصفان لأن الإيجاب الثاني في عين ما أوجبه للأول لا يكون رجوعا عن الأول فيجتمع في الفص وصيتان إحداهما بإيجاب عام والأخرى بإيجاب خاص ثم إذا ثبت المساواة بينهما في الحكم يجعل الفص بينهما نصفين وقال في الوصايا لو كانت الوصيتان بهذه الصفة في كلام موصول كان الفص للموصى له خاصة لأنه إذا كان الكلام موصولا كان آخره بيانا لأوله فيظهر به أن مراده بالإيجاب العام الحلقة دون الفص وقال في المضاربة إذا اختلف المضارب ورب المال في العموم والخصوص فالقول قول من يدعي العموم أيهما كان فلولا المساواة بين الخاص والعام حكما فيما يتناوله لم يصر إلى الترجيح بمقتضى العقد قال وإذا أقاما جميعا البينة وأرخ كل منهما آخرهما تاريخا أولى سواء كان مبينا للعموم أو الخصوص فقد جعل العام المتأخر رافعا للخاص المتقدم كما جعل الخاص المتأخر مخصصا للعام المتقدم ولا يكون ذلك إلا بعد المساواة وظهر من مذهب أبي حنيفة رحمه الله ترجيح العام على الخاص في العمل به نحو حفر بئر الناضح فإنه رجح قوله عليه السلام من حفر بئرا فله مما حولها أربعون ذراعا على الخاص الوارد في بئر الناضح أنه ستون ذراعا فرجح قوله عليه السلام ما أخرجت الأرض ففيه العشر على الخاص الوارد بقوله عليه السلام ليس في الخضراوات صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ونسخ الخاص بالعام أيضا كما فعله في بول ما يؤكل لحمه فإنه جعل الخاص من حديث العرنيين فيه منسوخا بالعام وهو قوله عليه السلام استنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وأكثر مشايخنا رحمهم الله يقولون أيضا إن العام الذي لم يثبت خصوصه بدليل لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس فزعموا أن المذهب هذا فإن قوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب لا يكون موجبا تخصيص العموم في قوله تعالى فاقرؤوا ما تيسر من القرآن حتى لا تتعين قراءة الفاتحة فرضا وكذلك قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه عام لم تخفيفا عليه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد ولا بالقياس ( وكذلك قوله ومن دخله كان آمنا عام لم يثبت تخصيصه ولا يجوز تخصيصه بخبر الواحد يثبت خصومه فإن الناسي جعل ذاكرا حكما بطريقة إقامة ملته مقام التسمية ولا بالقياس ) حتى يثبت الأمن بسبب الحرم المباح الدم باعتبار العموم ومتى ثبت التخصيص في العام بدليله فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الواحد والقياس على ما نبينه إن شاء الله تعالى أما الواقفون استدلوا بالاشتراك في الاستعمال فقد يستعمل لفظ العام والمراد به الخاص قال تعالى الذين قال لهم الناس والمراد به رجل واحد وقد يستعمل لفظة الجماعة للفرد قال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال رب ارجعون وهذا في كلام الخطباء ونظم الشعراء معروف فعند الإطلاق يشترك فيه احتمال العموم واحتمال الخصوص فيكون بمنزلة المشترك يجب الوقف فيه حتى يتبين المراد أو نقول لفظ العام مجمل في معرفة المراد به حقيقة لاحتمال أن يكون المراد بعض ما تناوله وذلك البعض لا يمكن معرفته بالتأمل في صيغة اللفظ ألا ترى أنه يستقيم أن يقرن به على وجه البيان والتفسير ( مطلق هذا اللفظ ) ما هو المراد به من العموم بأن نقول جاءني القوم كلهم أو أجمعون ولو كان العموم موجب مطلق هذا اللفظ لم يستقم تفسيره بلفظ آخر كالخاص فإنه لا يستقيم أن يقرن به ما يكون ثابتا بموجبه بأن يقول جاءني زيد كله أو جميعه ولما استقام ذلك في العام عرفنا أنه غير موجب للإحاطة بنفسه والبعض الذي هو مراد منه غير معلوم فيكون بمنزلة المجمل

Bagian V01/P133–V01/P135

والذين قالوا بأخص الخصوص قالوا ذلك القدر يتيقن بأنه مراد سواء كان المراد الخصوص أو العموم فللتيقن به جعلناه مرادا وإنما الوقف فيما وراء ذلك وبيانه أن إرادة الثلاث من لفظ الجماعة وإرادة الواحد من لفظ الجنس متيقن به فمطلق اللفظ في ذلك بمنزلة الإحاطة عند اقتران البيان باللفظ وذلك موجب الكلام فكذلك أخص الخصوص موجب مطلق لفظ العام اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم والاتباع لفظ خاص في اللغة بمعنى والدليل لعامة الفقهاء على أن العام موجب العمل بعمومه قوله تعالى معلوم وفي المنزل عام وخاص فيجب بهذا الخاص اتباع جميع المنزل والاتباع إنما يكون بالاعتقاد والعمل به وليس في التوقف اتباع للمنزل فعرفنا أن العمل واجب بجميع ما أنزل على ما أوجبه صيغة الكلام إلا ما يظهر نسخه بدليل فقد ظهر الاستدلال بالعموم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم على وجه لا يمكن إنكاره فإن النبي عليه السلام حين دعا أبي بن كعب رضي الله عنه وهو في الصلاة فلم يجبه بين له خطأه فيما صنع بالاستدلال بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول وهذا عام فلو كان موجبه التوقف على ما زعموا لم يكن لاستدلاله عليه به معنى والصحابة رضي الله عنهم في زمن الصديق حين خالفوه في الابتداء في قتال مانعي الزكاة استدلوا عليه بقوله عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وهو عام ثم استدل عليهم بقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فرجعوا إلى قوله وهذا عام وحين أراد عمر رضي الله عنه أن يوظف الجزية والخراج على أهل السواد استدل على من خالفه في ذلك بقوله تعالى والذين جاؤوا من بعدهم وقال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمته بينكم لم يبق لمن بعدكم فيه نصيب وهذه الآية في هذا الحكم نهاية في العموم ولما هم عثمان رضي الله عنه برجم المرأة التي ولدت لستة أشهر استدل عليه ابن عباس فقال أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وفصاله في عامين فإذا ذهب للفصال عامان بقي للحمل ستة أشهر وهذا استدلال بالعام وحين اختلف عثمان وعلي رضي الله عنهما في الجمع بين الأختين وطئا بملك اليمين قال علي رضي الله عنه أحلتهما قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم وحرمتهما قوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين فالأخذ بما يحرم أولى احتياطا فوافقه عثمان في هذا إلا أنه قال عند تعارض الدليلين أرجح الموجب للحل باعتبار الأصل وحين اختلف علي وابن مسعود رضي الله عنهما في المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فقال علي رضي الله عنه تعتد بأبعد الأجلين واستدل بالآيتين قوله تعالى أربعة أشهر وعشرا وقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن قال ابن مسعود رضي الله عنه من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة النساء الطولى يعني قوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن نزلت بعد قوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فاستدل بهذا العام على أن عدتها بوضع الحمل لا غير وجعل الخاص في عدة المتوفى عنها زوجها منسوخا بهذا العام في حق الحامل واحتج ابن عمر على ابن الزبير في التحريم بالمصة والمصتين بقوله تعالى وأخواتكم من الرضاعة واحتج ابن عباس على الصحابة رضي الله عنهم في الصرف بعموم قوله صلى الله عليه وسلم لا ربا إلا في النسيئة واحتجوا عليه بالعموم الموجب لحرمة الربا من الكتاب والسنة فرجع إلى قولهم فبهذا تبين أنهم اعتقدوا وجوب العمل بالعام وإجراءه على عمومه ولا معنى لقول من يقول إنهم عرفوا ذلك بدليل آخر من حال شاهدوه أو ببيان سمعوه لأن المنقول احتجاج بعضهم على بعض بصيغة العموم فقط وفي القول بما قال هذا القائل تعطيل المنقول والإحالة على سبب آخر لم يعرف

Bagian V01/P135–V01/P137

ثم لزوم العمل بالمنزل حكم ثابت إلى يوم القيامة فلو كان ذلك في حقهم باعتبار دليل آخر ما وسعهم ترك النقل فيه ولو نقلوا ذلك لظهر وانتشر يؤيد ما قلنا حديث أبي بكر رضي الله عنه حين بلغه اختلاف الصحابة في نقل الأخبار جمعهم فقال إنكم إذا اختلفتم فمن بعدكم يكون أشد اختلافا الحديث إلى أن قال فيكم كتاب الله تعالى فأحلوا حلاله وحرموا حرامه ولم يخالف أحد منهم في ذلك فعرفنا أنهم عرفوا المراد بعين ما هو المنقول إلينا لا بدليل آخر غير منقول إلينا ثم العموم معنى مقصود من الكلام عام بمنزلة الخصوص فلا بد أن يكون له لفظ موضوع يعرف المقصود بذلك اللفظ لأن الألفاظ لا تقصر عن المعاني وبيان هذا أن المتكلم باللفظ الخاص له في ذلك مراد لا يحصل باللفظ العام وهو تخصيص الفرد بشيء فكان لتحصيل مراده لفظ موضوع وهو الخاص والمتكلم باللفظ العام بمعنى العام له مراد في العموم لا يحصل ذلك باللفظ الخاص ولا يتيسر عليه التنصيص على كل فرد بما هو مراد باللفظ فإن من أراد عتق جميع عبيده فإنما يتمكن من تحصيل هذا المقصود بقوله عبيدي أحرار وهذا لفظ عام فمن جعل موجبه الوقف فإنه يشق على المتكلم بأن يحصل مقصوده في العموم باستعمال صيغته وما قالوا إنه قد استعمل العام بمعنى الخاص قلنا ويستعمل أيضا بمعنى الإحاطة على وجه لا يحتمل غيره قال تعالى أن الله بكل شيء عليم وقال تعالى إن الله العام فلا بد من أن يكون لمراده لفظ موضوع لغة وذلك صيغة العموم لا يظلم مثقال ذرة وقال تعالى وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها فهذا الاستعمال يمنعهم عن القول بالتوقف في موجب العموم ثم العموم بهذه الصيغة حقيقة واحتمال إرادة المجاز لا يخرج الحقيقة من أن تكون موجب مطلق الكلام ألا ترى أن بعد تعين الإحاطة فيه بقوله تعالى أجمعون أو كلهم لا ينتفي هذا الاحتمال من كل وجه حتى يستقيم أن يقرن به الاستثناء قال تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ويقول الرجل جاءني القوم كلهم أجمعون إلا فلانا وفلانا ثم هذا لا يمنع القول بأن موجبه الإحاطة فيما تناوله فكذلك في مطلق اللفظ مع أنا لا نقول إن ما يقرن به يكون تفسيرا ولكن نقول وإن كان موجبه العموم قطعا فهو غير محكم لاحتمال إرادة الخصوص فيه فيصير بما يقرن به محكما إذا أطلق ذلك كما في قوله جاءني القوم كلهم فإنه لا ينفي احتمال الخصوص بعد هذا إذا لم يقرن به استثناء يكون مغيرا له ومثله في الخاص موجود فإن قوله جاءني فلان خاص موجب لما تناوله ولكنه غير محكم فيه لاحتمال المجاز فإذا قال جاءني فلان نفسه يصير محكما وينتفي احتمال المجاز في أن الذي جاءه رسوله أو عبده أو كتابه ثم قال الشافعي رحمه الله أجعل مطلق العام موجبا للعمل فيما تناوله ولكن احتمال الخصوص فيه قائم ومع الاحتمال لا يصير مقطوعا به فلا أجعله موجبا للعمل فيما تناوله قطعا ولكنا نقول المراد بمطلق الكلام ما هو الحقيقة فيه والحقيقة ما كانت الصيغة موضوعة له لغة وهذه الصيغة موضوعة لمقصود العموم فكانت حقيقة فيها وحقيقة الشيء ثابت بثبوته قطعا ما لم يقم الدليل على مجازه كما في لفظ الخاص فإن ما هو حقيقة فيه يكون ثابتا به قطعا حتى يقوم الدليل على صرفه إلى المجاز فإن قال قائل إن الخاص أيضا لا يوجب موجبه قطعا لاحتمال إرادة المجاز منه وإنما يوجب موجبه ظاهرا ما لم يتبين أنه ليس المراد به المجاز بدليل آخر بمنزلة النص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن بقاء الحكم الثابت بالنص يكون ظاهرا لا مقطوعا به لاحتمال النسخ وإن لم يظهر الناسخ بعد

Bagian V01/P137–V01/P138

قلنا هذا فاسد لأن مراد المتكلم بالكلام ما هو موضوع له حقيقة هذا معلوم وإرادة المجاز موهوم والموهوم لا يعارض المعلوم ولا يؤثر في حكمه وكذلك المجاز لا يعارض الحقيقة بل ثبوت المجاز بإرادة المتكلم لا بصيغة الكلام وهي إرادة ناقلة للكلام عن حقيقته فما لم يظهر الناقل بدليله يثبت حكم الكلام مقطوعا به بمنزلة النص المطلق يوجب الحكم قطعا وإن احتمل التغيير بشرط تعلقه به أو قيد بقيده ولكن ذلك ناقل للكلام عن حقيقته فما لم يظهر كان حكم الكلام ثابتا قطعا بخلاف النص في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النص يوجب الحكم فأما بقاء الحكم ليس من موجبات النص ولكن ما ثبت فالأصل فيه البقاء حتى يظهر الدليل المزيل فكان بقاؤه لنوع من استصحاب الحال وعدم الناسخ وهذا المعدوم غير مقطوع به فلهذا لا يكون بقاء الحكم مقطوعا به في ذلك الوقت حتى إن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انقطع احتمال النسخ كان الحكم الذي لم يظهر ناسخه باقيا قطعا فإن قيل فكذلك عدم إرادة المتكلم للمجاز ليس بمعلوم قطعا بل هو ثابت بنوع من الظاهر بمنزلة عدم الناسخ في ذلك الوقت بخلاف الشرط والاستثناء فانعدامهما ثابت بالنص لأن الشرط والاستثناء يكون مقارنا للنص فالإطلاق فيه على وجه يكون ساكتا عن ذكر الشرط والاستثناء تنصيص على عدم الشرط والاستثناء قلنا نعم ولكن الإرادة المغيرة للخاص عن حقيقته يكون في باطن المتكلم وهو غيب عنا وليس في وسعنا الوقوف على ذلك وإنما يثبت التكليف شرعا بحسب الوسع فما ليس في وسعنا الوقوف عليه لا يكون معتبرا أصلا إلى أن يظهر بدليله وعند ظهوره بدليله يجعل ثابتا ابتداء فقبل الظهور يكون حكم الخاص ثابتا قطعا وهو بمنزلة خطاب الشرع لا يوجب الحكم في حق المخاطب ما لم يسمع به لأنه ليس في وسعه العمل به قبل السماع وعند السماع يثبت الحكم في حقه ابتداء كأن الخطاب نزل الآن وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته إن كنت تحبينني فأنت طالق أو قال إن كنت تحبين النار فأنت طالق فقالت أنا أحب ذلك يقع الطلاق لأن حقيقة المحبة والبغض في باطنها ولا طريق لنا إلى معرفته فلا يتعلق الطلاق بحقيقته ولكن طريق معرفتنا في الظاهر إخبارها فيجعل الزوج معلقا الطلاق بإخبارها حكما فإذا قالت أحب يقع الطلاق لوجود ما هو الشرط حقيقة وهو الخبر فإن الخبر يحتمل الصدق والكذب وإذا ثبت هذا في الخاص فكذلك في العام فإن احتمال الخصوص باطن وهو غيب عنا ما لم يظهر بدليله فقبل ظهوره يكون موجبا الحكم فيما تناوله قطعا إلا أن الشافعي يقول مع هذا احتمال إرادة الخصوص لم ينعدم ولكن ليس في وسعنا الوقوف عليه عند الخطاب فنجعل العام موجبا الحكم فيما تناوله عملا ولا نجعله موجبا للحكم قطعا فيما يرجع إلى العلم به لبقاء احتمال الخصوص وهكذا أقول في الخاص الإرادة المغيرة فيها احتمال إلا أن ذلك مانع عن ثبوت حكم الحقيقة عملا به فيكون في معنى الناسخ الذي هو مبدل للحكم أصلا والناسخ لا يكون مقترنا بالنص الموجب للحكم بل إنما يرد النسخ على البقاء فكذلك في الخاص أجعل ظهور إرادة المجاز بدليله عاملا ابتداء فقبل ظهوره يكون حكم الخاص ثابتا قطعا وأما إرادة الخصوص لا يكون رافعا للحكم أصلا فيبقى معتبرا مع وجود العمل بالعام فلا يثبت العلم بموجبه قطعا وعلى هذا نقول في قوله إن كنت تحبينني إنه يقع الطلاق إذا أخبرت به لأن ما ليس في وسعه الوقوف عليه وهو حقيقة المحبة والبغض بحال فيسقط اعتباره في حكم العمل ولو قال إن كنت تحبين النار فأنت طالق فقالت أحب لا يقع الطلاق لأن كذبها ههنا معلوم قطعا فإن أحدا ممن له طبع سليم لا يحب النار ويكون هذا بمنزلة العام الذي ليس فيه احتمال الخصوص كقوله تعالى أن الله بكل شيء عليم فإن حقيقة الموجب بمثل هذا العام معلوم قطعا بخلاف العام الذي هو محتمل الخصوص

Bagian V01/P138–V01/P140

ولكن الجواب عنه أن نقول كما أن الله تعالى لم يكلفنا ما ليس في وسعنا فقد أسقط عنا ما فيه حرج علينا كما قال تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج وفي اعتبار الإرادة الباطنة في العام الذي هو محتمل لها نوع حرج فالتمييز بين ما هو مراد المتكلم وبين ما ليس بمراد له قبل أن يظهر دليله فيه حرج عظيم وسقط اعتباره شرعا ويقام السبب الظاهر الدال على مراده وهو صيغة العموم مقام حقيقة الباطن الذي لا يتوصل إليه إلا بحرج ألا ترى أن خطاب الشرع يتوجه على المرء إذا اعتدل حاله ولكن اعتدال الحال أمر باطن وله سبب ظاهر من حيث العادة وهو البلوغ عن عقل فأقام الشرع هذا السبب الظاهر مقام ذلك المعنى الباطن للتيسير ثم دار الحكم معه وجودا وعدما حتى إنه وإن اعتدل حاله قبل البلوغ يجعل ذلك كالمعدوم حكما في ( حق ) توجه الخطاب عليه ولو لم يعتدل حاله بعد البلوغ عن عقل كان الخطاب متوجها أيضا لهذا المعنى ومن نظر عن إنصاف لا يشكل عليه أن الحرج في التأمل في إرادة المتكلم ليتميز به ما هو مراد له مما ليس بمراد فوق الحرج بالتأمل في أحوال الصبيان ليتوقف على اعتدال حالهم وهذا أصل كبير في الفقه فإن الرخصة بسبب السفر تثبت لدفع المشقة كما قال الله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ثم حقيقة المشقة باطن تختلف فيه أحوال الناس وله سبب ظاهر وهو السير المديد فأقام الشرع هذا السبب مقام حقيقة ذلك المعنى وأسقط وجود حقيقة المشقة في حق المقيم لانعدام السبب الظاهر إلا إذا تحققت الضرورة عند خوف الهلاك على نفسه فذلك أمر وراء المشقة وأثبت الحكم عند وجود السبب الظاهر وإن لم تلحقه المشقة حقيقة وكذلك الاستبراء فإنه يجب التحرز عن خلط المياه المحترمة إلا أن ذلك باطن وله سبب ظاهر وهو استحداث ملك الوطء بملك اليمين لأن زوال ملك اليمين لا يوجب ما يستدل به على براءة الرحم من عدة أو استبراء فأقام الشرع استحداث ملك الوطء بملك اليمين مقام المعنى الباطن وهو اشتغال الرحم بالماء في حق وجوب التحرز عن الخلط بالاستبراء ولهذا قلنا لو اشتراها من صبي أو امرأة أو اشتراها وهي بكر أو حاضت عند البائع بعد الوطء قبل أن يبيعها يجب الاستبراء لاعتبار السبب الظاهر ولهذا قلنا في النكاح لا يجب الاستبراء وإن علم أنها وطئت قبل أن يتزوجها وطئا محرما بأن تزوج أمة كان قد وطئها قبل أن يتزوجها لأن الأصل في النكاح الحرة فإن الرق عارض والازدواج بين الشخصين باعتبار الأصل وباعتبار صفة الحرمة زوال ملك الوطء عن الحرة يعقب عدة موجبة براءة الرحم فلا تقع الحاجة إلى إقامة استحداث ملك الوطء بالنكاح مقام حقيقة اشتغال الرحم في إيجاب الاستبراء للتحرز عن الخلط وعلى هذا قلنا إذا قال لامرأته أنت طالق الساعة إن كان في علم الله أن فلانا يقدم إلى شهر فقدم فلان بعد تمام الشهر يقع الطلاق عليها عند القدوم ابتداء بمنزلة ما لو قال أنت طالق الساعة إن قدم فلان إلى شهر ومعلوم أن بعد قدومه قد تبين أنه كان في علم الله قدومه إلى شهر وأن التعليق كان بشرط موجود حقيقة ولكن لما لم يكن لنا طريق الوقوف عليه إلا بعد القدوم صار القدوم الذي به يتبين لنا شرطا لوقوع الطلاق ( فيقع الطلاق ) عنده ابتداء بخلاف ما لو قال أنت طالق الساعة إن كان زيد في الدار ثم علم بعد شهر أن زيدا في الدار يومئذ فإنه يكون الطلاق واقعا من حين تكلم به لأنه كان لنا طريق إلى الوقوف على ما جعله شرطا حقيقة فلا يقام ظهوره عندنا مقام حقيقته ولكن تبين عند ظهوره أن الطلاق كان واقعا لأنه علقه بشرط موجود والذي تحقق ما ذكرنا أن صاحب الشرع خاطبنا بلسان العرب فإنما يفهم من خطاب الشرع ما يفهم من مخاطبات الناس فيما بينهم ومن يقول لعبده أعط هذه المائة الدرهم هؤلاء بالسوية وهم مائة نفر نعلم قطعا أن مراده إعطاء كل واحد منهم درهما بمنزلة ما لو قال أعط كل واحد منهم درهما وكذلك يفهم من الخاص والعام في مخاطبات الشرع الحكم قطعا فيما تناوله كل واحد منهما

Bagian V01/P140–V01/P142

ومن قال لغيره لا تعتق عبدي سالما ثم قال أعتق البيض من عبيدي وسالم بهذه الصفة فإنه يكون له أن يعتقه وبإعتاقه يكون ممتثلا للأمر لا مرتكبا للنهي فكذلك نقول في العام المتأخر في خطاب الشرع إنه يكون قاضيا فيما تناوله على الخاص فإذا كان حكم الخاص ثابتا قطعا فيما تناوله فلا بد من أن يكون العام كذلك ليكون قاضيا عليه فإن قيل أليس أن تخصيص العام بالقياس وخبر الواحد جائز ومعلوم أن القياس وخبر الواحد لا يوجب العلم قطعا فكيف يكون رافعا للحكم الثابت قطعا بصيغة العموم إذا كانت هذه الصيغة توجب موجبها قطعا قلنا مثل هذا يلزمك في الخاص فإن صرفه عن الحقيقة إلى المجاز بالقياس وخبر الواحد جائز ثم الجواب على ما اختاره أكثر مشايخنا رحمهم الله أن تخصيص العام الذي لم يثبت خصوصه ابتداء لا يجوز بالقياس ( وخبر الواحد ) وإنما يجوز ذلك في العام الذي ثبت خصوصه بدليل موجب من الحكم مثل ما يوجبه العام وهو خبر متأيد بالاستفاضة أو مشهور فيما بين السلف أو إجماع فعند وجود ذلك يتبين بالقياس وخبر الواحد ما هو المراد بصيغة العام بعد أن خرج من أن يكون موجبا للحكم فيما يتناوله قطعا على ما نبينه في فصل العام إذا دخله خصوص وهذا لأن ما أوجبه القياس أو خبر الواحد يحتمل أن يكون في جملة ما تناوله دليل الخصوص ويحتمل أن يكون في جملة ما تناوله صيغة العام فإنما يرجح بالقياس وخبر الواحد أحد الاحتمالين فإن قيل ما ذهبت إليه أولى فإن الأصل هو وجوب العمل بالأدلة الشرعية ما أمكن وذلك في ترتيب العام على الخاص كما قلت لا في رفع الخاص بالعام كما قلتم فإن من أثبت التعارض بين الخاص والعام ترك العمل بالخاص أصلا وببعض ما تناوله العام ومن قال بترتيب العام على الخاص هو عامل بحقيقة الخاص وبالعام أيضا فيما تناوله بحسب الإمكان فيكون هذا أولى بالمصير إليه قلنا هذا إنما يستقيم بعد ثبوت الإمكان وبعد ما قررنا أن كل واحد منهما موجب فيما تناوله الحكم قطعا لا إمكان أرأيت لو قال قائل أنا أعمل بالعام في كل ما تناوله وأحمل الخاص على المجاز فأعمل به وبهذا الطريق يكون هذا عملا منه بالدليلين لا فكذلك قولك أنا أعمل بالخاص وأترك موجب العام فيما تناوله ( لا يكون ) عملا بهما مع أن موجب الدليل ليس كله العمل به بل العمل به والمدافعة به عند التعارض بمنزلة الشهادات في الخصومات بين العباد فإثبات المدافعة عند المعارضة بين الخاص والعام على ما اقتضاه موجب كل واحد منهما لا يكون تركا للعمل بأحدهما ثم سوى الشافعي رحمه الله فيما أثبته من حكم العموم بين ما يحتمل العموم وبين ما لا يحتمله لعدم محله فيما هو المحتمل فجعل كل واحد منهما حجة لإثبات الحكم مع ضرب شبهة وبيان هذا في قوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة وقال تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون وقال تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإن نفي المساواة بينهما على العموم غير محتمل لعلمنا بالمساواة بينهما في حكم الوجود والإنسانية والبشرية والصورة فقال مع هذا العلم يكون هذا العام حجة فيما هو الممكن حتى لا يسوى بين الكافر والمؤمن في حكم القصاص وفي حكم شراء العبد المسلم ولا يشاكله لأن العمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان وانعدام الإمكان فيما لا يحتمله بمنزلة دليل الخصوص شرعا فكما أن دليل الخصوص فيما يحتمل العموم لا يخرج العام بصيغة العام من الحكم فيما يثبت من أن يكون حجة فيما وراء ذلك فكذلك عدم احتمال العموم حسا لا يخرج العام من أن يكون حجة فيما يحتمله

Bagian V01/P142–V01/P144

وحاصل مذهبه أنه يسوي بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ فيما يثبت بصيغة العام من الحكم وفيما يثبت من الشبهة المانعة من العلم به قطعا ونحن نقول فيما ذهب إليه تحقق الحرج الذي هو مدفوع وهو الوقوف على مراد المتكلم ليعمل به فيما يحتمل العموم واعتبار الإرادة المغيرة للعموم عن حقيقتها فيما يحتمل العموم حتى لا يكون موجبا قطعا فيما تناوله وقد بينا أن ذلك لا يجوز شرعا وبه تبين فساد التسوية بين محتمل الحال وبين محتمل اللفظ وتبين أن موجب العموم لا يثبت فيما لا يمكن العمل بعمومه لانعدام محل العموم وسنقرر هذا في الفصل الذي يأتي وهو العام إذا خصص منه شيء وإنما سوينا في موجب العام بين الخبر والأمر والنهي لأن ذلك حكم صيغة العموم وهذه الصيغة متحققة في الأخبار كما في الأمر والنهي والله أعلم بالصواب فصل في بيان حكم العام إذا خصص منه شيء قال رضي الله عنه ( وعن والديه كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول من عند نفسه لا على سبيل الحكاية عن السلف العام إذا لحقه خصوص لا يبقى حجة بل يجب التوقف فيه إلى البيان سواء كان دليل الخصوص معلوما أو مجهولا إلا أنه يجب به أخص الخصوص إذا كان معلوما وقال بعضهم إذا خص منه شيء مجهول فكذلك الجواب وإن خص منه شيء معلوم فإنه يبقى موجبا الحكم فيما وراء المخصوص قطعا وقال بعضهم هكذا فيما إذا خص شيء معلوم وإن خص منه شيء مجهول يسقط دليل الخصوص ويبقى العام موجبا حكمه كما كان قبل دليل الخصوص قال رضي الله عنه والصحيح عندي أن المذهب عند علمائنا رحمهم الله في العام إذا لحقه خصوص يبقى حجة فيما وراء المخصوص سواء كان المخصوص مجهولا أو معلوما إلا أن فيه شبهة حتى لا يكون موجبا قطعا ويقينا بمنزلة ما قال الشافعي رحمه الله في موجب العام قبل الخصوص والدليل على أن المذهب هذا أن أبا حنيفة رضي الله عنه استدل على فساد البيع بالشرط بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط وهذا عام دخله خصوص واحتج على استحقاق الشفعة بالجوار إذا كان عن ملاصقة بقول النبي عليه السلام الجار أحق بصقبه وهذا عام قد دخله خصوص واستدل محمد على فساد بيع العقار قبل القبض بنهيه عليه السلام عن بيع ما لم يقبض وهو عام لحقه خصوص وأبو حنيفة رحمه الله خص هذا العام بالقياس فعرفنا أنه حجة للعمل من غير أن يكون موجبا قطعا لأن القياس لا يكون موجبا قطعا فكيف يصلح أن يكون معارضا لما يكون موجبا قطعا وتبين أن هذا العام دون الخبر الواحد لأن القياس لا يصلح معارضا للخبر الواحد عندنا ولهذا أخذنا بالخبر الواحد الموجب للوضوء عند القهقهة في الصلاة وتركنا القياس به وأبو حنيفة أخذ بخبر الواحد في الوضوء بنبيذ التمر وترك القياس به ثم إن خبر الواحد لا يوجب العلم قطعا فما هو دونه أولى

Bagian V01/P144–V01/P146

وأما الكرخي احتج وقال الخصوص الذي يلحق العام يسلب حقيقته فيصير مجازا ومجازه في مراد المتكلم وذلك لا يتبين إلا ببيان من جهته فصار مجملا يجب التوقف فيه إلى البيان بمنزلة صيغة العموم فيما لا يحتمل العموم نحو قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير فإنه لما انتفى حقيقة العموم فيه لم يكن حجة بدون البيان فكذلك هذا وهذا لأنه لو بقي حجة فيما وراء المخصوص كان حقيقة ولا وجه للجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد إلا أن يكون أخص الخصوص منه معلوما فيكون ثابتا به لكونه متيقنا كالذي يقوم فيه دليل البيان فيما لا يمكن العمل فيه بحقيقة العموم ولأن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء فإنه يتبين به أن المخصوص لم يكن داخلا فيما هو المراد بالكلام كما يتبين بالاستثناء أن الكلام عبارة عما وراءه ولهذا لا يكون دليل الخصوص إلا مقارنا فأما ما يكون طارئا فهو دليل النسخ لا دليل الخصوص وإن كان المستثنى مجهولا يصير ما وراءه بجهالته مجهولا كما أن المستثنى إذا تمكن فيه شك يصير ما وراءه مشكوكا فيه حتى إذا قال مماليكي أحرار إلا سالما وبزيغا لم يعتق واحد منهما وإن كان المستثنى أحدهما لأنه مشكوك فيه فيثبت حكم الشك فيهما وإذا صار ما بقي مجهولا لم يصلح حجة بنفسه بل يجب الوقف فيه كما في قوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير وكذلك إن كان دليل الخصوص معلوما لأنه يجوز أن يكون معلولا وهو الظاهر فإن دليل الخصوص نص على حدة فيكون قابلا للتعليل ما لم يمنع مانع من ذلك وبالتعليل لا ندري أن حكم الخصوص إلى أي مقدار يتعدى فيبقى ما وراءه مجهولا أيضا وعلى ما قاله الكرخي يسقط الاحتجاج بأكثر العمومات لأن أكثر العمومات قد خص منها شيء وهذا خلاف ما حكينا من مذهب السلف في الصدر الأول فإنهم احتجوا بالعمومات التي يلحقها ( خصوص كما احتجوا بالعمومات التي لم يلحقها خصوص ودعواه أنه يصير به مجازا كلام لا ) معنى له فإن الحقيقة ما يكون مستعملا في موضوعه والمجاز ما يكون معدولا به عن موضوعه وإذا كان صيغة العموم يتناول الثلاثة حقيقة كما يتناول المائة والألف وأكثر من ذلك فإذا خص البعض من هذه الصيغة كيف يكون مجازا فيما وراءه وهو حقيقة فيه فإن قيل البعض غير الكل من هذه الصيغة وإذا كان حقيقة هذه الصيغة للكل فإذا أريد به البعض كان مجازا فيه ثم هذا إنما يستقيم على ما يقوله بعض أصحاب الشافعي رحمه الله أنه لا يجوز التخصيص من العموم إلى أن يبقى منه ما دون الثلاث فأما على أصلكم فيجوز التخصيص إلى أن لا يبقى منه أكثر من واحد ولا شك أن صيغة الجمع لا تتناول الواحد حقيقة قلنا نعم ولكن ما وراء المخصوص يتناوله موجب الكلام على أنه كل لا بعض بمنزلة الاستثناء فإن الكلام يصير عبارة عما وراء المستثنى بطريق أنه كل لا بعض ولهذا إذا لم يبق شيء بعد دليل الخصوص كان نسخا لا تخصيصا كما في الاستثناء فإنه إذا لم يبق شيء بعد الاستثناء بحال لا يكون ذلك استثناء صحيحا وإذا كان الباقي منه دون الثلاث فهو كل أيضا وإن كانا بصيغة العموم لأنه لا يحتمل أن يكون الباقي أكثر من ذلك على وجه يكون الباقي جمعا حقيقة فبهذا الطريق صححنا التخصيص كما يصح استثناء الكل بهذا الطريق فإنه لو قال مماليكي أحرار إلا فلانا وفلانا وليس له سواهما كان الاستثناء صحيحا لاحتمال أن يكون المستثنى بعضا إذا كان له سواهما بخلاف ما لو قال مماليكي أحرار إلا مماليكي وأما وجه القول الثاني ما بينا أن دليل الخصوص بمنزلة الاستثناء فإذا كان المخصوص مجهولا كان ما وراءه مجهولا أيضا والمجهول لا يكون دليلا موجبا وأما إذا كان معلوما فما وراءه يكون معلوما أيضا وكما أن الكلام المقيد بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى ويكون مقطوعا به إذا كان المستثنى معلوما فكذلك العام إذا لحقه خصوص معلوم يصير عبارة عما وراءه ويكون موجبا فيه ما هو حكم العام لأن دليل الخصوص لا يتعرض لما وراءه فيبقى العام فيما وراءه حجة موجبة قطعا ولا معنى لما قال الكرخي رحمه الله إنه يحتمل التعليل لأنه إذا كان بمنزلة الاستثناء لا يحتمل التعليل فإن المستثنى معدوم على معنى أنه لم يكن مرادا بالكلام أصلا والعدم لا يعلل وعلى هذا القول يسقط الاحتجاج بآية السرقة لأنه لحقها خصوص مجهول وهو ثمن المجن على ما روي كانت اليد لا تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون ثمن المجن وكذلك بآية البيع فإنه لحقها خصوص مجهول وهو حرمة الربا وكذلك بالعمومات الموجبة للعقوبة وقد لحقها خصوص مجهول وهو السقوط باعتبار تمكن الشبهة على ما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام ادرؤوا الحدود بالشبهات

Bagian V01/P146–V01/P147

ووجه القول الثالث أن التخصيص إنما يكون بكلام مبتدأ بصيغة على حدة تتناول بعض ما تناوله العام على خلاف موجبه مما لو كان طارئا كان رافعا على وجه النسخ فإذا كان مقارنا كان ثابتا ومثل هذا لا يصلح مغيرا صفة الكلام الأول فكيف يصلح مغيرا له وهو غير متصل بتلك الصيغة فبقي الكلام الأول صادرا من أهله في محله فيكون موجبا حكمه وحكم العام أنه كان موجبا قطعا فإذا كان المخصوص معلوما بقي العام فيما وراءه موجبا قطعا ولا يكون موجبا في موضع الخصوص لتحقق المعارضة بين دليل الخصوص والعموم فيه فإذا كان مجهولا في نفسه فالمجهول لا يصلح معارضا للمعلوم وقد بينا أن العام موجب للحكم فيما تناوله قطعا بمنزلة الخاص فيما تناوله فإذا لم تستقم المعارضة بكون المعارض مجهولا سقط دليل الخصوص وبقي حكم العام على ما كان في جميع ما تناوله وهذا بخلاف الاستثناء فإنه داخل على صيغة الكلام ألا ترى أنه لا يستقيم بدون أصل الكلام فإن قول القائل إلا زيدا لا يكون مفيدا شيئا فإذا دخل على صيغة الكلام كان مغيرا لها فيكون أصل الكلام عبارة عما وراء المستثنى وذلك مجهول عند جهالة المستثنى والجهالة في المستثنى لا تمنع صحة الاستثناء لأنه يبين أن صيغة الكلام لم تتناول المستثنى أصلا وما لم يتناوله الكلام فلا أثر للجهالة فيه وهذا بخلاف صيغة العام فيما لا يحتمله العموم لأن الكلام إنما يكون مفيدا حكمه إذا صدر من أهله في محله فإن البيع كما لا يصح من المجنون لانعدام الأهلية لا يصح في الحر لانعدام المحلية فكذلك صيغة العموم في محل لا يقبل العموم بمنزلة الصادر من غير أهله فلا يكون موجبا حكم العموم وإذا لم ينعقد موجبا حكم العام وليس وراءه شيء معلوم يمكن أن يجعل الكلام عبارة عنه بقي مجملا فيما هو المراد فأما إذا صدر من أهله في محله كان موجبا حكمه إلا أن يمنع منه مانع والمجهول لا يصلح أن يكون مانعا فبقي أصل الكلام معتبرا في موجبه ألا ترى أن البائع بعد تمام البيع إذا أجل المشتري في الثمن أجلا مجهولا من غير أن يشترط ذلك في أصل البيع يبقى البيع موجبا حالا للثمن لأنه انعقد موجبا لذلك وهذا المانع وهو الأجل لا يصلح أن يكون مؤخرا للمطالبة فيبقى الحكم الأول على حاله